أبحاث العدد:
 خلاصات بحوث العدد:
 البحث في العدد ٦:
 الصفحة الرئيسية » اعداد المجلة » العدد ٦/ ذو القعدة/ ١٤٣٩هـ » رؤية الإمام (عليه السلام) في زمن الغيبة
 العدد ٦/ ذو القعدة/ ١٤٣٩ه

المقالات رؤية الإمام (عليه السلام) في زمن الغيبة

القسم القسم: العدد ٦/ ذو القعدة/ ١٤٣٩هـ الشخص الكاتب: الشيخ كاظم القره غولي التاريخ التاريخ: ٢٠١٨/٠٧/٢٦ المشاهدات المشاهدات: ٨٥ التعليقات التعليقات: ٠

رؤية الإمام (عليه السلام) في زمن الغيبة

الشيخ كاظم القره غولي

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله وصلّى الله على خير الورى نبيِّه الكريم وآله الطيِّبين الطاهرين.
وبعد، فما زالت قضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام) وغيبته الغريبة كلُّ الغرابة لخروجها عن المألوف مثاراً للبحث والتدقيق واختلاف الآراء والأنظار. ومن الجزئيات التي وقعت محلّاً للاختلاف ما نسمعه من لقاء أُناس به في زمان غيبته ومشاهدة تلك الطلعة وذلك الوجود المقدَّس.
ومثل هذا الادِّعاء وإن كثر من أُناس لم يُعرَف لهم سابقة في دين ولا منزلة في علم أو معرفة ممَّا يعني قوَّة احتمال كذب مثل هذا الادِّعاء أو نشوئه من توهُّم، إلَّا أنَّ ذلك ليس مسوِّغاً للإنكار ما دام لم يقم دليل نافٍ لها على نحو البتِّ والجزم.
وقد يتحدَّث البعض بضرس قاطع عن عدم صحَّة هذه الدعاوى جملةً وتفصيلاً، ونحن في مقام ما تقتضيه الموضوعية نضع ما يصلح أن يكون دليلاً للنفي على ميزان البحث، فنقول:
وجوه المنع:
إنَّ الأدلَّة التي يمكن الاستناد إليها لا تخرج عن أربعة: القرآن، والسُّنَّة، والعقل، والإجماع.
القرآن الكريم:
لم يرد في القرآن بيان يمكن الاستناد إليه للقول بعدم إمكان رؤية الإمام (عليه السلام) في غيبته، بل لا يوجد فيه دليل مستقلٌّ عن أصل الغيبة فضلاً عن وجود آية تدلُّ على بعض أحكامها التي منها إمكان اللقاء بالإمام (عليه السلام) في زمن الغيبة.
نعم وردت روايات في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ (الملك: ٣٠) بغيبة الإمام (عليه السلام)، وقد نقل صاحب نور الثقلين في تفسيره روايات في ذلك.
ففي صحيحة عليِّ بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام)، قال: قلت له: ما تأويل قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾؟ فقال: «إذا فقدتم إمامكم فلم تروه فماذا تصنعون؟»(١).
ونقل عن الصدوق بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾، قال: «هذه نزلت في الإمام القائم: يقول: إن أصبح إمامكم غائباً عنكم لا تدرون أين هو فمن يأتيكم بإمام ظاهر يأتيكم بأخبار السماوات والأرض وحلال الله وحرامه؟»، ثمّ قال: «والله ما جاء تأويل هذه الآية، ولا بدَّ أن يجيء تأويلها»(٢).
وفي ثالثة عن عليِّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) ... قال: «أرأيتم إن أصبح إمامكم غائباً فمن يأتيكم بإمام مثله»(٣)، وفي سندها سهل بن زياد.
وما ورد في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ (التكوير: ١٥).
فقد روى الصدوق في (كمال الدين) عن أبيه وابن الوليد معاً، عن سعد والحميري معاً، عن أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد، عن الحسين بن الربيع، عن محمّد بن إسحاق، عن أسد بن ثعلبة، عن أُمِّ هانئ، قالت: لقيت أبا جعفر محمّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (عليهم السلام) فسألته عن هذه الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥ و١٦]، فقال: «إمام يخنس في زمانه عند انقضاء من علمه سنة ستّين ومائتين، ثمّ يبدو كالشهاب الوقّاد في ظلمة الليل. فإن أدركتِ ذلك قرَّت عيناكِ»(٤).
وهذا الوارد وإن لم يكن في معنى التفسير، إذ هو نوع تأويل، لكن الآية كيف كان قد أُوِّلت به.
وما ورد في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة: ٣).
الدقّاق، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن عليِّ بن أبي حمزة، عن يحيى بن أبي القاسم، قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿الم * ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة: ١ - ٣)، فقال: «المتَّقون شيعة عليٍّ، وأمَّا الغيب فهو الحجَّة الغائب، وشاهد ذلك قول الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ٢٠]»(٥).
وقوله تعالى: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ (المدَّثِّر: ٨).
الكليني، عن أبي عليٍّ الأشعري، عن محمّد بن حسّان، عن محمّد بن عليٍّ، عن عبد الله بن القاسم، عن المفضَّل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه سُئِلَ عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾، قال: «إنَّ منّا إماماً مستتراً، فإذا أراد الله (عزَّ وجلَّ) إظهار أمره نكت في قلبه نكتة، فظهر فقام بأمر الله (عزَّ وجلَّ)»(٦).
وقوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾ (لقمان: ٢٠).
ففي الرواية عن موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: «النعمة الظاهرة الإمام الظاهر، والباطنة الإمام الغائب، يغيب عن أبصار الناس شخصه، ويُظهر له كنوز الأرض ويُقرِّب عليه كلَّ بعيد»(٧).
لكن هذه الروايات لم تتعرَّض لإمكان الرؤية في زمن الغيبة من عدمه.
نعم يمكن أن يقال: إنَّ آيات سورة الكهف الواردة في قصَّة الخضر (عليه السلام) ولقاء موسى (عليه السلام) به فيه دلالة على أنَّ الغيبة ليست مانعة من اللقاء بالغائب، وحكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد.
وبناءً على ذلك تكون هذه الآيات بضميمة المماثلة في حيثية الغيبة دالَّة على أنَّ الغائب يمكن أن يُرى، فأدلّ دليل على الإمكان الوقوع.
الإجماع:
ليس من الممكن الاستناد للإجماع في مسألتنا، لأنَّه لا يتحقَّق عادةً في المسائل الاعتقادية، إذ ليس لكلِّ فقيه رأي في المسائل الكلامية، نعم قد يتحقَّق ذلك في المسائل التي لا بدَّ من تحقيقها لانعكاسها على استنباط الحكم الشرعي، كالبحث في أنَّ المعصوم هل يصدر منه المكروه أو لا، فإذا قيل بالنفي أمكن الاستدلال على أنَّ فعل المعصوم لشيء دليل على عدم كراهته. وإذا قيل بإمكان صدور المكروه منه فهل يواظب المعصوم على فعله؟ فإن قيل: لا، أمكن إثبات عدم كراهة الفعل إذا واظب المعصوم على تركه. هذا إذا لم يأخذها الفقيه من علم الكلام كأصل موضوع.
وكيف كان فليس من السهل اتِّفاق الفقهاء على مسألة خارج دائرة الاستنباط أو قواعدها العامَّة. والذي يمكن أن يتحقَّق هو عدم الخلاف. ولا حجّية له في الفروع فضلاً عن غيرها. هذا أوَّلاً.
وثانياً: أنَّ أيًّا من مباني حجّية الإجماع لا يجري في المسائل الاعتقادية.
أمَّا الإجماع الدخولي الذي يعني العلم بدخول المعصوم في الفقهاء الذين أفتوا في هذه المسألة أو تلك بفتوى واحدة، فهو واضح البطلان، إذ من أين لنا أن نجزم بدخول المعصوم في هؤلاء الفقهاء؟
وأمَّا الإجماع التشرُّفي الذي يعني أنَّ فقيهاً تشرَّف بلقاء المعصوم (عليه السلام) وأخذ منه الحكم في مسألةٍ ما، ولمَّا أراد أن ينقل ذلك لم يرد أن يُصرِّح بأنَّه أخذها من المعصوم (عليه السلام) فنسبها إلى اتِّفاق الفقهاء أو إجماعهم. ففي حمل إجماعه المدَّعى على التشرُّفي مخالفة واضحة لظاهر كلامه، وهذا بعيد في نفسه ويبقى في حدود الإمكان، بل الإمكان على بعد، على أنَّ ثبوت الإجماع التشرُّفي ينفي عدم إمكان التشرُّف بلقاء الإمام (عليه السلام) كما هو واضح.
وأمَّا الإجماع الحجَّة عقلاً من باب قاعدة اللطف الذي يعني أنَّ لطف الله تعالى - وهو الذي يقتضي فعل كلِّ ما يمكن أن يُقرِّب من الطاعة ويُبعِّد من المعصية - يمنع أن يترك الله تعالى علماء الأعصار والأمصار يتَّفقون على رأي واحد مخالف للواقع.
فيردُّ الاستدلال به أنَّ المورد ليس ممَّا فيه إطاعة أو معصية أوَّلاً.
ولم يتعرَّض فيه الفقهاء جميعاً للقول في المسألة، بل إنَّ أكثرهم لا يتحدَّثون في هذه المسألة ثانياً.
وثالثاً: مع عدم العلم بالمخالفة للحكم الواقعي أين المعصية التي يقتضي اللطف فعل ما يُبعِّد عنها؟
ورابعاً: لو قلنا بتمامية قاعدة اللطف وتمامية تطبيقها على دلالة الإجماع، فإنَّها ستكون أخصُّ من المدَّعى، فإنَّه إذا كان الحكم الواقعي هو الإباحة أو الكراهة وقام الإجماع على الوجوب، فهل يقتضي اللطف الذي هو بمعنى فعل كلِّ ما يُقرِّب من الطاعة ويُبعِّد عن المعصية منع تحقُّقه؟ فهل للإباحة إطاعة في الواقع ليكون إتيان ما قام الإجماع على وجوبه مبعِّداً عن الإطاعة؟ وكذا الكلام في الكراهة.
ومثل هذا الكلام يجري إذا كان الحكم الواقعي هو الاستحباب وقام الإجماع على الوجوب، فإبقاء الإجماع على حاله يعني إتيان الناس المطيعين للحكم الثابت بالإجماع وامتثاله، وهذا بالنسبة للواقع إتيان المستحبِّ فيتحقَّق ملاك المستحبِّ ولو بإتيان متعلَّقه بداعي الوجوب.
وبنفس الطريقة يخرج ما لو قام الإجماع على الحرمة وكان الحكم في الواقع هو الإباحة أو الكراهة أو الاستحباب حتَّى.
نعم يبقى تحته ما لو كان الحكم الواقعي إلزامياً - أي وجوب أو حرمة - وقام الإجماع على حكم غير إلزامي. أو قام الإجماع على حكم إلزامي مقابل له، أي كان الحكم الواقعي هو الحرمة وقام الإجماع على الوجوب أو بالعكس.
وخامساً: لِمَ اختصَّت قاعدة اللطف بالإجماع؟ فلو جرت في الإجماع فلِمَ لا تجري إذا كان المتَّفقون على الفتوى يُشكِّلون نسبة (٩٠%) من الفقهاء، بل حتَّى (٩٩%) منهم مع أنَّهم لا يذهبون إلى حجّية اتِّفاق مثل هذه النسبة؟ ولو كان اللطف هو المدار على الحجّية لما وجد فرق في جريانه بين الإجماع وبين اتِّفاق الغالبية المطلقة.
وأمَّا الإجماع الحجَّة على أساس كاشفيته عن دليل لو وصل إلينا لقلنا بنفس ما قال به المجمعون، فلا ينفع أيضاً إلَّا إذا كانت المسألة قابلة للتعبُّد، وسيأتي أنَّه لا مجال للتعبُّد في مثل هذه المسألة. هذا أوَّلاً.
وثانياً: أنَّ الإجماع الكاشف قطعاً عن الحكم الشرعي لم يتحقَّق في مسألتنا هذه، أي لم تتحقَّق صغرى الإجماع الكاشف عن الحكم الواقعي، بل هو اتِّفاق في الفتوى يكشف بنحو القطع عن وجود دليل على الحكم.
فإن قيل: كيف قال الفقهاء بهذه المقالة اعتماداً على ذلك الدليل؟ فإنَّ نفس ذهابهم لهذا الرأي اعتماداً على ذلك الدليل المفترض الوجود يكشف عن إمكان الاستناد إليه لو وصل إلينا، وهذا يعني أنَّنا سنوافقهم في الرأي.
قلنا: إنَّهم أو على الأقلّ بعضهم المعتدّ يقول بالتعبُّد في تفاصيل الاعتقاد وجزئياته، أي بالإمكان الاستناد إلى خبر ثقة دلالته بنحو الظهور، فيحصل التعبُّد في سنده وفي دلالته بحكم الأدلَّة الدالَّة على حجّية خبر الثقة وحجّية الظهور، ونحن لا نلتزم بأيٍّ من الحجَّيتين في مسائل الاعتقاد.
وثالثاً: إنَّ مثل هذه المسائل لم تُبحَث بالنحو الذي بُحِثَت فيه مسائل الفروع بحيث تستوعب جميع وجوه الدلالة الممكنة وتُوضَع في ميزان التحقيق والتدقيق. إنَّ من الطبيعي أن يتَّبع فقيه فيها رأي غيره. وهذا يعني عدم الاطمئنان بأنَّ إجماعهم سيكون كاشفاً عن دليل لو وصل إلينا لوافقناهم في الرأي. فلا يكون الإجماع حينها من وسائل الإثبات الوجداني للدليل.
وأمَّا الإجماع الحجَّة على أساس الملازمة العادية أو الاتِّفاقية والذي يكون كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام) حدساً، وقد مثَّلوا للملازمة العادية بما لو اتَّفق فقهاء جميع العصور دون القول بقاعدة اللطف، ومثَّلوا للملازمة الاتِّفاقية باتِّفاق فقهاء عصر واحد، فإنَّه بالإضافة إلى عدم وجود مثل هذا الاتِّفاق في مسألتنا، لا يوجد ما يدلُّ على هذه الملازمة على فرض وجود اتِّفاق، والشاهد على ذلك أنَّه قد يتَّفق الفقهاء في بعض الموارد على إجراء البراءة على اختلاف أزمنتهم، وعند إجرائها نحتمل أنَّ الحكم الواقعي هو الحرمة، ولو كانت الحرمة ثابتة كحكم واقعي على مرِّ العصور ومع ذلك جرت البراءة، فهذا يعني إمكان اتِّفاق الفقهاء على حكم مخالف للواقع في جميع الأعصار فضلاً عن فقهاء عصر واحد. بل يمكن أن يكون قوله تعالى: ﴿لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (المائدة: ١٠١) شاهداً على إمكان مخالفة الحكم الذي لم يظهر على مرِّ العصور.
ببيان: أنَّ بعض الأحكام واصلة إلى كلِّ ما تقتضيه فعليَّتها، نعم هي لم تبد للناس وتظهر لهم، فإذا لم يسأل عنها فإنَّ ذلك يعني احتمال أن تكون ممَّا يسوؤنا إبداؤها. والشارع نهانا عن السؤال عنها لكي لا تظهر، فيترتَّب على ذلك لزوم الالتزام بها، فبواسطة ترك السؤال عنها نتخلَّص من تبعة لزوم الالتزام بها وهو الذي يسوؤنا. وهذا يعني إمكان وجود أحكام يتطلَّب دخولها في العهدة السؤال عنها الذي نهينا عنه، وبترك السؤال عن المعصوم (عليه السلام) عنها تكون الفتوى على خلافها على مرِّ العصور. ولا يأتي هنا احتمال اختلاف الفتوى، لأنَّها لم تُبيِّن، فلا مجال للاختلاف في فهم ذلك البيان لتختلف الفتوى.
على أنَّ في دعوى الملازمة الاتِّفاقية إشكال إثباتي، حاصله: أنَّه وإن أمكن عدم الانفكاك بين اتِّفاق فقهاء عصر واحد على فتوى وموافقة رأي المعصوم (عليه السلام) لهم، لكن الأشياء الاتِّفاقية لا يمكن إقامة البرهان عليها، بل يمكن الاطِّلاع عليها وإدراكها لا بتوسُّط برهان، اللّهمّ إلَّا إذا كان ذلك بملاحظة مفردات مشابهة تكون فيها الموافقة بين الطرفين الذين نحتمل اتِّفاق تواجدهما معاً، دون أن نقف على برهان يثبت أنَّ ما وقع ضروري وغير قابل للانفكاك، ثمّ نُعمِّم ذلك كلٌّ إلى مفردة مشكوكة.
ومثل هذا الطريق غير متيسِّر في محلِّ كلامنا، إذ من أين لنا أن نطَّلع على أنَّه في كلِّ المرّات التي حصل فيها اتِّفاق من الفقهاء على حكم كان رأي المعصوم موافقاً لهم؟
وهكذا نصل إلى أنَّ القول بحجّية الإجماع عند هؤلاء بعد عدم وجود دليل عليه ناشئ من السعي لفذلكة هذا القول بعد أن قال به فقهاء العامَّة، وربَّما الخاصَّة المتقدِّمين القائلين بأنَّ حجّيته من جهة دخول المعصوم (عليه السلام) في المجمعين، وأتباع الشيخ الطوسي القائلين: إنَّ حجّيته قد ثبتت بالملازمة العقلية المستفادة من قاعدة اللطف. وحين لم ينهض عندهم هذان الوجهان حاولوا توجيهها من خلال الملازمة العادية أو الاتِّفاقية، والكلام الأخير خاصٌّ بالملازمة الاتِّفاقية.
نعم يمكن أن توجد ملازمة اتِّفاقية، ولكن لا يمكن البناء عليها ما لم يقم دليل بيِّنٌ يُثبِتها، ومجرَّد الإمكان غير مُجدٍ.
ولو أغمضنا النظر عن كلِّ ذلك، فإنَّ الإجماع هنا محتمل المدركية إن لم يكن مدركياً، حيث إنّا نكاد نجزم أنَّ مستند المجمعين لو وُجِدَ الإجماع هو الرواية الآتية أو نظائرها. ولو لم نجزم فمن المحتمل جدًّا أن يكونوا استندوا في رأيهم لمثل هذه الرواية. وقد ثبت في محلِّه أنَّ الإجماع المحتمل المدركية فضلاً عن المدركي ليس حجَّة، إذ في مثله يُرجَع إلى نفس الدليل الذي استند إليه المجمعون ليُرى هل هو تامُّ الدلالة أو لا. وسيأتي أنَّه غير تامِّ الدلالة. ولو تمَّت دلالته فلا حجّية لها، لانخرام شرط الحجّية من خلال وجود القرينة على الخلاف، بل من خلال تحقُّق العلم على الخلاف.
وكيف كان فالإجماع غير متحقِّق في المسألة، ولو كان لكان عدم الخلاف وهو ليس حجَّة، لأنَّه بمنزلة الإجماع المنقول الذي لا يرى فقهاؤنا حجّيته إلَّا قلَّة كصاحب الرياض (قُدِّس سرُّه).
بل عدم الخلاف غير متحقِّق، إذ إنَّ الكثير من الفقهاء لم يُنكِروا على الأعاظم الذين نُقِلَ عنهم اللقاء بالإمام (عليه السلام) في غيبته.
بل إنَّ بحثهم للإجماع التشرُّفي وحجّيته دليل على عدم إنكار إمكان اللقاء بالإمام (عليه السلام). ومن أشكل على الإجماع التشرُّفي لم يُشكِل من منطلق عدم القبول بإمكان اللقاء في زمن الغيبة.
وبعد كلِّ هذا هل تعتقد بوجود اتِّفاق على عدم إمكان رؤية الإمام (عليه السلام) في زمن الغيبة أو حتَّى عدم خلاف؟ وعلى فرض تحقُّقه فإنَّه لا حجّية له كما تقدَّم.
العقل:
لا سبيل للعقل إلى نفي الإمكان في موضوعة مشاهدة الإمام (عليه السلام) في زمن الغيبة، ويكفي في إثبات الإمكان وقوع ما يشابهه، وأقرب ما يشابه غيبته (عليه السلام) غيبة الخضر (عليه السلام)، والقرآن يُحدِّثنا أنَّه قد تيسَّر لموسى (عليه السلام) أن يلتقيه.
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً * فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً * فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً * قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ إلى آخر الآيات (الكهف: ٦٠ - ٨٢).
والروايات تُحدِّثنا عن لقاءاته برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبأمير المؤمنين (عليه السلام)، فإذا جاز لقاء الخضر (عليه السلام) بأحد من الأحياء، فلِمَ لا يمكن لقاء الإمام (عليه السلام) في غيبته مع الناس؟
وإن كان الوجه في حكم العقل أنَّ الحكمة الداعية إلى تغييبه (عليه السلام) لا بدَّ أن تكون داعية لأن لا يشاهده أحد فيها، فيردُّه:
١- عدم جريان بعض الحكم المذكورة في الروايات وغيرها لغيبته، بل كلُّها في منع رؤيته من بعض الخواصِّ، كخوف الذبح، والحرص على أن لا يكون في رقبته بيعة لأحد، وكون الغيبة عقوبة وأثراً لظلم الناس وتمحيص المؤمنين، وإجراء سُنَن الأنبياء السابقين (عليهم السلام) فيه، وإخراج المؤمنين من صلب الكافرين، وغير ذلك.
أمَّا خوف الذبح فلأنَّه لم يأذن الله تعالى أن تكون الرؤية متيسِّرة لكلِّ أحد، فلم يتحقَّق ما يوجب الخوف.
ومثل ذلك الحرص على أن لا تكون في رقبته بيعة لأحد، فإنَّ مجرَّد الرؤية في حالات نادرة من أُناس لهم خصوصيات عالية في التقوى والدين لا يستلزم أخذ البيعة منه (عليه السلام) لحاكم في زمان المشاهدة.
نعم لو كانت المشاهدة ممكنة لعامَّة الناس أو في دائرة واسعة منهم في الحدِّ الأدنى لاستدعى ذلك لفت الأنظار إليه وإظهار الاهتمام به، وهذا ما سيدفع الحُكّام الظالمين إلى السعي لإدخاله ضمن دائرة المطيعين والخاضعين لهم. وإذا التفتنا إلى أنَّه (عليه السلام) لا يُمثِّل نقطة استقطاب لأبناء المجتمع فقط، بل يُمثِّل أيضاً صاحب الحقِّ في تسنُّم منصب إدارة أمر المجتمع وقيادة الدولة، اتَّضح أنَّ حُكّام الجور سوف لن يتركوه دون أن يُظهِر لهم الطاعة والخضوع. لكن المفروض أنَّ دائرة المشاهدة ضيِّقة جدًّا في الكمِّ والكيف، فأين استلزام المشاهدة للبيعة في رقبة الإمام (عليه السلام)؟
وأمَّا كون الغيبة عقوبة للناس على ظلمهم، فإنَّ العقوبة على تقصير الأعمال لم تقم ضرورة على أن تتشخَّص في حجب الحجَّة عن الناس المعاقبين، بل لم تقم ضرورة على أن يكون ظرف العقوبة في الدنيا، والأصل في العقوبات أن تكون في الدار الآخرة. ولولا أن يعمَّ الظلم في الدنيا وتنشغل الناس في دفع الظلم عن سلوك طريق التكامل، ولولا الانغماس في بحور المعاصي، لما قُدِّمت عقوبة إلى الدنيا. فلولا تقديم العقوبات إلى الدنيا بآثار تكوينية أو في حدود أو تعزيرات أو عتق أو كفّارات لما بقي في ربقة المؤمنين إلَّا القليل.
هذا مضافاً إلى أنَّ عقوبة العمل لا تقتضي إلَّا أن يُعاقَب المذنب والمسيء دون غيره، وهذا لا يمنع من أن يرى الإمام (عليه السلام) من لم يُقصِّر بالنحو الذي يستحقُّ معه العقوبة المتمثِّلة بالحجب عن رؤية إمام الزمان (عليه السلام).
ومضافاً إلى أنَّ حجب الحجَّة عن الناس عقوبة لهم ليست طريقة لازمة، فقد أتت الأُمم السالفة بشتّى أنواع التقصيرات وأفحش أصناف المخالفات ولم يُحجَب عنها الحجج والأنبياء (عليهم السلام)، فحين ترك قوم موسى (عليه السلام) عبادة الله (عزَّ وجلَّ) وتحوَّلوا إلى عبادة العجل، هل حُجِبَ عنهم رؤية أنبيائهم؟ وحين قالت النصارى: ﴿إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ (المائدة: ٧٣)، هل استدعى ذلك أن يُغيِّب عنهم أوصياءه والأنبياء (عليهم السلام) من بعده؟
وهذا لا ينفي كون الحجب عن الحجَّة نوع عقوبة، فقد تكون إحدى الحِكَم في الغيبة معصية الأُمَّة، لكن الحكمة تقتضي أصل العقوبة ولا تقتضي نوعها أو شخصها إلَّا إذا كانت العقوبات بنحو السُّنَن الكونية التي هي بنحو العلل التامَّة لا المقتضيات.
ولم يثبت في السُّنَن الكونية هذا النوع من العقوبات على نوع من المخالفات. والسنن الكونية في ذلك قد تكون بنحو العلّية، وقد تكون بنحو الاقتضاء، وكلاهما غير متوفِّر في مثل هذا الأثر، أو على الأقلّ غير معلوم. وإذا لم يثبت في التاريخ ما يشبه هذه العقوبة، كيف لنا أن نقول: إنَّها كانت وفق سُنَّة تكوينية؟
على أنَّ ثبوت السُّنَّة التكوينية لا يُكتفى فيه بالإمكان، بل لا بدَّ من الدليل أو التجربة المتكرِّرة التي تُوجِب القطع بثبوتها. ولا دليل على وجود هذه السُّنَّة، وإنَّما هي كلام فقهاء في مورد جزئي، والذي أظنُّه أنَّهم كانوا بصدد دفع توهُّم لزوم محذور من غيبته (عليه السلام) وهو الحجَّة على الخلائق. وقد يكون المحذور هو مخالفة ما يقتضيه اللطف أو ما تستدعيه الرحمة أو ترتُّب محذور الظلم، فحاولوا دفعه من خلال وجه معقول في نفسه وإن لم يقم عليه دليل.
وأمَّا إجراء سُنَن الأنبياء السابقين (عليهم السلام)، فليس وجهاً يمكن الاستناد إليه ليكون حكمة لعدم الرؤية في الغيبة، وذلك:
أوَّلاً: لأنَّ غيبة الأنبياء السابقين (عليهم السلام) فعل لله تعالى، وهو اختياري، فيحتاج إلى حكمة، إذ لقائل في زمانهم أن يقول: لِمَ غاب الخضر مثلاً؟ ولا تُعلَّل الأفعال بحصول نظير لها، وإنَّما تُعلَّل بغاياتها.
ثانياً: لأنَّ حدوث الغيبة لم يكن عامًّا لكلِّ الأنبياء (عليهم السلام) ولا أكثرياً ليكون ذلك سُنَّة لتجري في الإمام الثاني عشر (عليه السلام). فلِمَ لم تجرِ فيه سُنَّة الحضور التي جرت في كلِّ الأنبياء (عليهم السلام) إلَّا ما شذَّ وندر؟
وثالثاً: لأنَّ الوارد في بعض الروايات أنَّ غيبة الأولياء السابقين كانت لأجل نفي الاستبعاد عن غيبة الإمام (عليه السلام) في زمانه لا العكس.
ففي رواية الصيرفي، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... وأمَّا العبد الصالح الخضر (عليه السلام)، فإنَّ الله تبارك وتعالى ما طوَّل عمره لنبوَّة قدَّرها له، ولا لكتاب يُنزِله عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبلها من الأنبياء، ولا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له، بلى إنَّ الله تبارك وتعالى لمَّا كان في سابق علمه أن يُقدِّر من عمر القائم (عليه السلام) في أيّام غيبته ما يُقدِّر، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طوَّل عمر العبد الصالح في غير سبب أوجب ذلك إلَّا لعلَّة الاستدلال به على عمر القائم (عليه السلام)، وليقطع بذلك حجَّة المعاندين، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ﴾ [النساء: ١٦٥]»(٨).
ورابعاً: لأنَّ إجراء سُنَن الأوَّلين لا تصلح لأن تكون حكمة، بل غاية ما تصلح له هو نفي الاستبعاد المستند إلى وجه قد يرى صاحبه استحالة امتداد عمر فرد لكلِّ هذه المدَّة من الزمان.
وخامساً: لو فرضنا نهوض سُنَن الأنبياء (عليهم السلام) كحكمة، فهي لا تُشكِّل أكثر من مصلحة في الفعل، ومجرَّد وجود المصلحة غير كافية في الدفع باتِّجاه الفعل إلَّا إذا كانت بمستوى من الأهمّية يمنع من ترك الفعل، ولم توجد مفسدة مزاحمة لتلك المصلحة أو لم يتيسَّر طريق آخر لاستيفاء نفس المصلحة أو مقدار مكافئ لها. خصوصاً إذا كان الطريق الآخر مزاحماً في الوجود للسبيل الأوَّل أو الفعل الأوَّل. ومن أين لنا إحراز ذلك في محلِّ كلامنا؟ خصوصاً وأنَّ عدم إمكان الرؤية لا تدور مصلحته في فرد واحد في زمان واحد، بل مصلحته لكلِّ العباد في كلِّ المجتمعات وعلى مرِّ عصور الغيبة، ممَّا يعني احتمال اختلاف المصالح من حالة لأُخرى. ولا حاجة للإطالة وزيادة التوضيح، وأكتفي بفهم القارئ.
وأمَّا ما ذكرته بعض الروايات من أنَّ علَّة غيبته هي إخراج بعض المؤمنين من صلب الكافرين، ففيه:
أوَّلاً: أنَّه لو صلح ذلك حكمةً فإنَّه حكمة لعدم قتل الآباء لا للغيبة ولا لتأخير إقامة دولة الحقِّ، فضلاً عن أن يكون حكمة لمنع رؤية كلِّ أحد له (عليه السلام) في زمن الغيبة. فإنَّ قيام الإمام ونهوضه بالسيف لا ينافي إخراج المؤمنين من صلب الكافرين ولو بعد حين وقرون من السنين.
وثانياً: لو التزمنا أنَّ ظهوره (عليه السلام) يستلزم نهوضه لإقامة دولة الحقِّ فلا بدَّ من الحرب ويخشى أن يُقتَل فيها من كتب الله تعالى لبعض ذرّيته ولو كانوا أبناء بعيدين أن يكونوا مؤمنين، فإنَّ ذلك سيكون مربوطاً بظهوره العامّ، لا أن يظهر لبعض من الخواصِّ على تباعد من الزمان والمكان.
وأمَّا كون الابتلاء وتمحيص المؤمنين علَّة للغيبة، فإنَّ الابتلاء غاية نشأتنا الدنيوية كما يمكن استفادته من قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الكهف: ٧)، وغاية ما يقتضيه ذلك أنَّه لا بدَّ من الابتلاء خيراً كان أو شرًّا، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٥).
أمَّا تعيين نوع الابتلاء فلا وجه له، ومن هنا اختلفت ابتلاءات الأفراد والأُمم على مرِّ العصور.
نعم حين قرَّ القرار الإلهي على ابتلاء الناس في المقطع الزماني قبل القرن الرابع الهجري إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ابتلوا بذلك، ولكن هل يلزم من ذلك أن لا تتيسَّر رؤيته لكلِّ أحد وفي كلِّ تلك الأزمنة؟ فهذا ما لا تُعيِّنه حكمة الابتلاء. فالابتلاء باقٍ بنوعه وشخصه لكلِّ الناس إلَّا من شذَّ وندر، وحتَّى من شذَّ فليس شرعة له في كلِّ وقت أن يلتقي به (عليه السلام).
٢- انسداد الطريق أمام العقل للوصول إلى الأحكام أو ضرورة الأفعال من خلال الحِكَم، فإنَّ الفعل لا يصدر إلَّا إذا تمَّت الإرادة وتعلَّقت به، والإرادة لا تتعلَّق به إلَّا مع رجحان موافقته للغرض، ورجحان الموافقة للغرض بالنحو الملزم لا يمكن الوصول إليه إلَّا مع ملاحظة جميع حيثيات الفعل ومناسبتها للغرض، وهذا أمر لا يتيسَّر للعقل الإحاطة به.
والحاصل: أنَّه لا سبيل إلى نفي إمكان الرؤية استناداً إلى الوجه العقلي.
السُّنَّة:
وأمَّا السُّنَّة فقد ادُّعي أنَّ المكاتبة التي رواها الحسن بن أحمد المكتَّب تدلُّ على ذلك. ولننقل نصَّها أوَّلاً.
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله) في كتاب (كمال الدين وتمام النعمة): حدَّثنا أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفّي فيها الشيخ عليُّ بن محمّد السمري (قُدِّس سرُّه) فحضرته قبل وفاته بأيّام، فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم، يا عليُّ بن محمّد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنَّك ميِّت ما بينك وبين ستَّة أيّام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحدٍ يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامَّة، فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العلي العظيم». قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلمَّا كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيُّك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه، ومضى (رحمه الله). فهذا آخر كلام سُمِعَ منه.
ووجه الاستدلال أنَّ الرواية وصفت المدَّعي للمشاهدة بأنَّه مفتر كاذب، فلا يُقبَل مقولة القائل إنَّه رأى الإمام (عليه السلام) ولو لم يدَّع السفارة.
والرواية لا تُجدي في المقام نفعاً ولا تصحُّ مستنداً، لوجوه:
الأوَّل: أنَّ فيها قرينة على أنَّ المراد هو ادِّعاء الرؤية مع دعوى السفارة، حيث إنَّ قوله (عليه السلام): «فمن ادَّعى الرؤية قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر» ورد بعد قوله (عليه السلام) لعليِّ بن محمّد السمري: «فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة التامَّة».
لكن الإنصاف أنَّ ما ذُكِرَ لا يصلح للقرينية لإطلاق دعوى المشاهدة، إذ لم تُقيَّد باقتران دعوى السفارة، ولا يوجد ما يصلح لتقييدها بدعوى السفارة.
فإن قيل: إنَّ القرينة هي المسبوقية بقوله (عليه السلام): «ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك»، ثمّ فرَّع بالفاء بعد عدَّة جمل وصف مدَّعي المشاهدة بأنَّه مفتر كاذب.
قلنا: توجد قرينة أقوى ظهوراً على خلاف ذلك، بل وأقرب من تلك في لفظ الرواية، وهي قوله (عليه السلام): «فقد وقعت الغيبة التامَّة» وقوله بعدها مباشرةً: «فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)»، والتفريع في (فمن) على هاتين الجملتين أقرب من التفريع على الجملة السابقة عليهما.
ولكن قد يقال: إنَّ وصف الغيبة بالتامَّة إضافي بالنسبة إلى الغيبة السابقة، حيث كان بالإمكان الوصول إلى الإمام (عليه السلام) ومعرفة رأيه في الأُمور من خلال السفير. فلا تكون الفقرة قرينة على إرادة الغيبة التي يكون مدَّعي المشاهدة مفتر كاذب. وكذا فقرة «فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)»، حيث يمكن أن يقال: إنَّ المنفي وهو الظهور لا ينافي أن يراه أحد الناس في زمان الغيبة. فتنتفي قرينية الفقرتين على إرادة نفي مجرَّد المشاهدة. ولكن الأصل في القيود المذكورة في الكلام أن لا تكون إضافية ما لم يوجد ما يُؤشِّر إلى خلافها.
نعم بعد سقوط هذا الظهور بما يأتي من الوجوه أو ببعضها يقال: فإذا لم يكن المراد منها ظاهرها فما هو المعنى المراد؟ قيل: يمكن أن يكون المراد المشاهدة مع دعوى السفارة، ويمكن أن يُجعَل قرينة على إرادة المشاهدة مع دعوى السفارة أنَّ النيابة الخاصَّة أو السفارة تحتاج إلى تعيين من قِبَل الإمام (عليه السلام)، وهكذا كان في كلِّ السفراء، بالنسبة للنائب الأوَّل عثمان بن سعيد العمري كان الإمام العسكري (عليه السلام) قد جمع شيعته حين أدركته الوفاة وأخبرهم أنَّ ولده الخلف (عليه السلام) صاحب الأمر، وأنَّ العمري وكيله والسفير بينه وبين شيعته. وحين قرب أجل السفير الأوَّل أعلمه الإمام (عليه السلام) بذلك وأمره بالوصيَّة إلى محمّد بن عثمان الخلّاني ولده ليخلفه في النيابة الخاصَّة. فلمَّا دنا أجله نُعيت إليه نفسه وأمر بأن يُوصي إلى الحسين بن روح ليكون النائب الخاصّ الثالث، وهكذا كان حين حانت وفاته.
والملاحَظ أنَّ في كلِّ مرَّة يخرج فيها توقيع الإمام للنائب الفعلي يُبيِّن له النائب اللاحق، ولم يرد في أيٍّ منها تكذيب مدَّعي المشاهدة إلَّا في التوقيع الأخير الذي صدر للسمري، فكانت أهمّية هذا التوقيع وهذه الفقرة فيه تكمن في أنَّه قد سدَّ باب افتراء النيابة الخاصَّة وتضليل عامَّة المؤمنين بذلك.
وهذه الملاحظة وإن لم تصل إلى مستوى القرينة التي تصرف ظهور التوقيع الأخير عمَّا هو ظاهر فيه، لكنَّها بضميمة قرائن أُخرى قد تُبطِل هذا الظهور أو تُبطِل حجّيته، بل قد تُوجِب حجّيتها في خصوص دعوى السفارة. وإن لم يحصل ذلك فإنَّها تجعل المراد الجدّي من هذه الرواية مجملاً، والروايات المجملة لا تكون حجَّة في أحد احتمالات ما كان مجملاً.
ويكفينا عدم حجّيتها ولا نحتاج إلى حجّيتها في غير ما ادُّعي ظهورها فيه.
وإنَّما قلنا: لا تصل إلى مستوى القرينية، لأنَّه يمكن أن يقال: إنَّ الفرق بين ما بعد السفير الرابع وبين بعد من هو قبله أنَّه قبل رحيل السفير الرابع كان للناس منفذ يمكن من خلاله الوقوف على حال المدَّعين وتمييز المحقِّ من المبطل منهم، وذلك بواسطة السفير الموجود بالفعل، كما حصل بالنسبة للشلمغاني وأحمد بن هلال العبرتائي. أمَّا الشلمغاني وهو ابن أبي العزاقر فقد كان مستقيماً ثمّ تغيَّر. ذكر ابن داود أنَّ سبب تغيُّره هو حسده للحسين بن روح(٩)، وكذا قال النجاشي فيه. وأمَّا العبرتائي فقد وُصِفَ في توقيع الإمام (عليه السلام) أنَّه صوفي متصنِّع. وأمَّا بعد رحيل السفير الرابع فلا يوجد طريق لمعرفة المبطل. وربَّما لو بقينا والرواية لقيل: إنَّه لا سبيل إلى رؤيته وفق ظاهرها، ولكن يأتي بعد ذلك بقيَّة الوجوه في ردِّ الاستدلال بها دون هذا الوجه.
وكيف كان فهذا الوجه لا يمنع من ظهورها في المعنى المزعوم، لكنَّه يُسقِط حجّية هذا الظهور بالقرائن التي أشرنا إليها وستأتي، فلا تنهض لإثبات ما هي ظاهرة فيه.
الثاني: قد يُدَّعى أنَّ الرواية لمَّا ذكرت دعوى المشاهدة قبل ظهور السفياني والصيحة، فهذا يعني أنَّ الحكم لا يجري بعد حصول العلامتين والذي يحصل بعد العلامتين هو ظهوره (عليه السلام)، فينساق إلى الذهن أنَّ المنفيَّ دعوى ظهوره (عليه السلام) قبل العلامتين، ولم يدَّعِ أحد من العلماء أو الموثوقين أنَّه قد ظهر الإمام (عليه السلام)، بل مجرَّد المشاهدة لا بنحو ظهوره بعد طول انتظار لإقامة دولة الحقِّ، فلا أحد منهم ادَّعى انتهاء الغيبة الكبرى وانطواء صفحتها. وقد يُدعَم ذلك من خلال قوله (عليه السلام): «فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)»، ثمّ بعدها بقليل قال (عليه السلام): «وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة...»، وهذا يجعل احتمال إرادة الظهور من المشاهدة لا يخلو عن قوَّة.
لكن الانصاف أنَّ ذلك لا يُشكِّل قرينة توجب رفع اليد عن ظهور الدليل. نعم بضميمة بعض القرائن الأُخرى قد يُشكِّل المجموع قرينة، إذ قد تصل هذه الوجوه إذا ضُمَّت إلى بعضها إلى مستوى يوجب الاطمئنان بأنَّ الرواية لم يرد منها نفي مجرَّد المشاهدة في زمن الغيبة.
أمَّا هذا التوجيه فلا يخلو من الضعف، لأنَّ التحديد بما قبل ظهور السفياني والصيحة هو وقت الغيبة، وفيه يمكن الافتراء والكذب على الإمام (عليه السلام) من خلال ادِّعاء مشاهدته، وأمَّا بعد ظهوره فلا مجال لهذه الدعوى ولا محذور بعد كون الإمام (عليه السلام) بين ظهراني الأُمَّة يُرى شخصه ويُسمَع حرفه. فلماذا نُوجِّه الرواية لهذا المعنى دون ذاك؟
وكيف كان فهذا الوجه قابل للمناقشة، لأنَّ الإشكال مبنيٌّ على مخالفة هذا الوجه لمفهوم القيد (قبل السفياني والصيحة) وهو غير ثابت لمثله. فيكون القيد كالمقوِّم للموضوع، إذ لا يوجد بدونه. وما المحذور في تحديد ظرف الحكم من خلال تحديد موضوعه دون أن يكون الدليل ناظراً إلى انتفاء الحكم عند انتفاء القيد؟
وعليه فإذا استظهرنا بضميمة هذه الفقرة «فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)» أنَّ المراد هو المشاهدة مع دعوى الظهور فهو، وإلَّا كان من قبيل طرح احتمال ممكن بعد أن وُجِدَ ما يمنع من الالتزام بظاهرها حيث يمكن أن يقال: إنَّه حين لم نقبل ظاهرها فهل قُصِدَ منها معنى معيَّن أم لا فتكون لغواً؟ ومحذور اللغوية ينتفي بمجرَّد وجود احتمال ممكن ثبوتاً أن يكون قد أُريد من اللفظ. وهذا الاحتمال ممكن ولو كان مخالفاً للظاهر.
لكن ذلك لا يعني أبداً الجزم بإرادته من اللفظ، اللّهمّ إلَّا إذا تيقَّنا أنَّه لا يوجد محتمل آخر، بل لا يمكن إرادة معنى آخر، فيبقى احتمال إرادة المعنى الظاهر وقد نفته القرينة وهذا الاحتمال، فيتعيَّن.
والذي يُهوِّن الخطب أنّا بصدد نفي إرادة المعنى الظاهر، ولسنا بصدد ضرورة فهم ما هو المراد بها فعلاً.
الثالث: لو تنزَّلنا عن ظهورها في نفي السفارة والأمر في تكذيب مدَّعيها فهي مجملة، لاتِّصال تلك الفقرة التي هي محلُّ البحث بما يمكن أن يكون قرينة على الخلاف، والقرينة المحتملة إن كانت متَّصلة منعت من انعقاد الظهور، فلا يبقى بعد ذلك مجال لتطبيق كبرى حجّية الظهور. فلو أنَّ قائلاً قال: (اذهب إلى البحر واستمع إلى حديثه)، وشككت أنَّ المراد بالبحر معناه الحقيقي أو العالِم وعبَّر بالبحر عنه لشبه غزارة علمه بغزارة ماء البحر، فإنَّ مقتضى القواعد هو حمل كلمة البحر على معناها الحقيقي المعهود، إلَّا إذا وردت قرينة على الخلاف. لكن ظاهر المستمع إلى حديثه هو عدم إرادة البحر بهذا المعنى لأنَّه لا يتحدَّث، فلو لم نستظهر من حديثه إرادة الحديث الصادر من البشر، لم نستظهر إرادة التأمُّل في دلالة العظمة فيه، فإنَّ ذلك يمنع من التمسُّك بظهور كلمة البحر على مستوى الاستعمال لإثبات إرادة معناه الحقيقي. فاحتفاف الكلام بما يحتمل القرينية على الخلاف يمنع من الظهور في إرادة ما يقتضيه ظهوره الاقتضائي -أي الظهور- لولا محتمل القرينية.
ومع الإجمال تسقط هذه الرواية عن الاعتبار والاحتجاج بها في ذلك القسم منها.
وقد قال الشيخ المجلسي (رحمه الله) في بيان له بعد نقل الخبر: (لعلَّه محمول على من يدَّعي المشاهدة مع النيابة وإيصال الأخبار من جانبه (عليه السلام) على مثال السفراء)(١٠).
لكن الإنصاف أنَّه حين عبَّر بمحمول فذلك يُوحي بأنَّ هذا الحمل فيه مخالفة للظاهر، خصوصاً وقد بيَّن المنشأ لهذا الحمل بقوله: (لئلَّا ينافي الأخبار التي مضت وستأتي فيمن رآه (عليه السلام) والله أعلم). وهذا يعني أنَّ هذا التوجيه لم يكن المستند فيه الفهم من الدليل وإنَّما ألجأنا إليه حقيقة شاخصة متواترة إجمالاً متمثِّلة محصول المشاهدة له (عليه السلام) في زمن الغيبة.
بل نفس نقل بعض الأكابر من علمائنا لقاءه (عليه السلام) مع أنَّ مثل هذا الخبر بمرأى منهم يقوّي إمكان حصولها، إذ مع الجزم بتقواهم وتحرُّزهم عن مخالفة الأخبار، كيف يخالفون ما يمكن أن يكون ظهوراً له في وصف ادِّعاء المشاهدة بمجرَّدها بالكذب والافتراء؟ على أنَّ ذلك لم يحصل من واحد لنحتمل توهُّمه أو خطأ فهمه للأخبار.
إنَّ ذلك يُفتَرض أن يُوجِب عناية في نفس المشاهدة وشيء من التدقيق وإعمال النظر، كما يُوجِب عناية في جانب النقل للمشاهدة.
الرابع: لو سلَّمنا انعقاد ظهور للرواية في كذب المدَّعي للمشاهدة وكونه مفترياً، فإنَّ حجّية الظهور مشروطة بعدم قيام القرينة على الخلاف، وإذا فرضنا أنَّ القطع قد حصل بإخبار مخبر لخصوصية فيه مثلاً أو لاحتفاف كلامه بقرائن قطعية، فلا يبقى حينها مجال للتعبُّد بظهورها، إذ محلُّ التعبُّد الموارد التي لا يُوجَد فيها قطع بالوفاق أو بالخلاف، وحين يأتينا مثل السيِّد بحر العلوم (قُدِّس سرُّه) أو مثل السيِّد أحمد بن طاووس (رحمه الله) حيث نجزم أنَّه ليس لديه خطل في قول أو زلل في فعل أو طلب للرئاسة أو حطام الدنيا، لا يبقى أيُّ مجال للتعبُّد بالرواية، لأنَّ دلالتها كان حجَّة من جهة التعبُّد لا من جهة القطع، فأيُّ مجال للتعبُّد بالظهور والقطع على خلافه؟
وهذا الكلام جارٍ في الآيات الظاهرة، فمتى قامت القرينة القطعية على خلاف ظاهر الآية سقط ظهورها عن الحجّية، خذ لذلك مثلاً قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (الإسراء: ٧٢)، فظاهر لفظة (أعمى) الأُولى أعمى البصر، ولكن لثبوت القرينة القطعية على الخلاف لم نلتزم بظهور اللفظة بالمعنى الحقيقي وهو عمى البصر، فعمى البصر ليس ملاكاً للعمى وضلال السبيل في الآخرة قطعاً.
وليس اعتمادنا في رفع اليد عن ظهور الكلمة المزبورة في الآية على مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: ٤٦).
ليقال: إنَّ لفظة (أعمى) يُراد بها أعمى القلب، بل آية سورة الحجِّ استُعمِلَت كلمة (العمى) فيها في عمى القلب. لكن ذلك لا يصلح قرينةً أو دليلاً على أنَّ لفظة (العمى) كلَّما وردت في الكتاب أُريد بها عمى القلب. فكما قيل: الاستعمال أعمُّ من الحقيقة، وقد استُعمِلَت الكلمة في معنى مجازي، وذلك لا يُسقِط ظهورها - لو كان - في مورد آخر بالمعنى الحقيقي عند عدم قيام قرينة على الخلاف.
الخامس: عدم صحَّة سند الرواية، فقد رواها الشيخ الصدوق (رحمه الله)، قال: حدَّثنا أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي تُوفّي فيها الشيخ عليُّ بن محمّد السمري (قُدِّس سرُّه)، فحضرته قبل وفاته بأيّام، فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم...» الخبر.
والحسن بن أحمد هذا لم يُنَصّ على توثيقه. نعم ذكر السيِّد الخوئي (قُدِّس سرُّه) في معجمه أنَّ الشيخ الصدوق (رحمه الله) ترحَّم عليه. ومجرَّد الترحُّم ولو من مثل الصدوق لا يدلُّ على الوثاقة، نعم فيه دلالة على أنَّ مذهبه حقٌّ على طريقة علمائنا، وإلَّا لقال مثل: (جازاه الله بعمله). ولكن صحَّة المذهب ليست دليلاً على الوثاقة.
ويمكن أن يقال: إنَّه من مشايخ الصدوق، وهذا يكفي لإثبات وثاقته. لكن ذلك مردود لأكثر من وجه:
١- إنَّه ليس من مشايخ الإجازة، وما وقع الكلام في إمكان الاستناد إليه لإثبات الوثاقة كون الرجل من مشايخ الإجازة لا مجرَّد الرواية عنه ولو كان الراوي مثل الصدوق. ومن هنا لم يلتزم بأنَّ كلَّ من روى عنه الصدوق لا بدَّ أن يكون ثقة. نعم كانت في قم مشكلة مع من يكثر من النقل عن الضعفاء، لا مجرَّد أن يروي ولو لمرَّة واحدة عن ضعيف. وهذا يعني أنَّ مجرَّد نقل الصدوق عنه رواية واحدة لا يُشعِر بوثاقته فضلاً عن أن يكون دليلاً عليها. وهذا الرجل لم تُوجَد له في الموسوعات الروائية أكثر من روايتين، وقد تكرَّر نقلها، إحداهما الرواية المزبورة، والأُخرى نقل فيها الدعاء في زمن الغيبة عن محمّد بن همّام الثقة عن السفير: «اللّهمّ عرِّفني نفسك...»(١١).
فإن قيل: إنَّ من ينقل مثل هذا الكنز هل يُشَكُّ في صدقه؟
قلنا: أوَّلاً لو كان ذلك موجباً للوثوق لصار وثوقاً بالنصِّ لا وثوقاً بالراوي، فإنَّ الراوي غير الثقة لا يلتزم أحد بأنَّه لا يروي أيَّ حقٍّ في كلماته، فكيف نلتزم بذلك في من لم تثبت وثاقته وإن احتملناها واقعاً؟ نعم لا يمكن الاعتماد على خبره. فإن جزمنا بخبر عنه أنَّه لا بدَّ أن يكون صادراً من المعصوم (عليه السلام) وثقنا بالخبر فقط ولم تثبت وثاقة الراوي.
وثانياً: من قال: إنَّ هذه الرواية بدلالاتها غير قابلة للمناقشة أو بتعبير آخر هي كنز؟ ولأجل ذلك ترى المجلسي احتمل حملها على دعوى السفارة، وبعض على دعوى الظهور، ممَّا يعني أنَّ تسليم ظاهرها مشكل. فكيف يُستَدلُّ بمضمونها على وثاقة راويها؟
وثالثاً: وجود فقرات في رواية ما يُجزَم بكونها صادرة من المعصوم (عليه السلام) لا يعني بالضرورة قبول كلِّ فقراتها. فإنَّ التوهُّم، بل وتعمُّد الكذب قد لا يحصل في النصِّ كلِّه. وانتفاء ذلك في البعض من فقراتها لا يسلتزم الانتفاء في جميع فقراتها. نعم لو كان النفي مستنداً لوثاقة الراوي فإنَّ الوثاقة هي التي تنفي تعمُّد الكذب في كلِّ الفقرات على حدٍّ سواء.
٢- لو سلَّمنا أنَّه من مشايخ الإجازة، فإنَّ ذلك غير كافٍ أيضاً في إثبات الوثاقة وإن وقع كلام من بعض الأعلام في ذلك وربَّما بنى عليها البعض. لكن كبرى هذه القاعدة غير تامَّة.
٣- إنَّ الواقع الموضوعي التاريخي يُثبِت أنَّ قدماء علمائنا كالصدوق والمفيد وغيرهم لم يأخذوا على أنفسهم أن لا يحضروا عند الفقهاء والرواة من بقيَّة المذاهب، ولا كان ديدنهم على الاقتصار في مجالس تحمُّل الحديث على خصوص الثقاة، بل ثبت حضورهم عند من لم تثبت وثاقته.
السادس: لو سلَّمنا بانعقاد الظهور، بل بكون الرواية على مستوى النصِّ غير القابل للحمل على معنى آخر ولو بقيام القرينة على الخلاف، فإنَّ صدور الرواية ليس قطعياً، فقد رواها الشيخ الصدوق قال: حدَّثنا أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي تُوفّي فيها الشيخ عليُّ بن محمّد السمري... الخبر.
وعلى فرض صحَّتها سنداً فإنَّها لا تتحوَّل بذلك إلى قطعية الصدور، فيُقبَل مضمونها تعبُّداً، والتعبُّد بالسند كما هو في الظهور يُقبَل إذا لم تقم القرينة على خلافه. ولا يُعتَبر في القرينة أن تكون قطعية، لكن يُعتَبر أن لا تكون تلك القرينة دلالية. فمثل إعراض المشهور عن الرواية أو مخالفة فتواهم لها تُسقِطها عن الحجّية. وكذا وجود رواية مكافئة لها إذا التزمنا بالتساقط حينها. ومثل ذلك مخالفة الكتاب الكريم. وأوضح من ذلك ما لو قامت القرينة القطعية على خلافها، إذ لو قامت القرينة القطعية على الخلاف، فالعمل بالرواية مستلزم للمحال في نظر المكلَّف على كلِّ حالٍ - أي وإن كان قطعه في غير محلِّه -، لأنَّه يستلزم نفي الحكم الثابت بالقطع على خلافها. فلا يتعقل المكلَّف مع قطعه بالحكم وجود احتمال حكم آخر، إذ يلزم احتمال اجتماع الضدَّين - إذ الأحكام متضادَّة فيما بينها -، واحتمال اجتماع الضدَّين مستحيل كما أنَّ الجزم به مستحيل. فإذا أراد الشارع المقدَّس أن يتعبَّد المكلَّف بسند رواية قام القطع على خلافها، فإنَّ المكلَّف سوف لن يتحرَّك عن قطعه ولن يترك العمل بمقتضاه، فيكون جعل الحجّية حينئذٍ لغواً وبلا فائدة. واللغو قبيح، والمولى تعالى منزَّه عن كلِّ قبيح.
ومع قطعنا بحصول بعض لقاءات مع الإمام (عليه السلام) في زمن الغيبة لا يمكن العمل بمضمون الرواية ولو كانت نصًّا في مدلولها.
السابع: أنَّه لم يثبت وجه للاستحالة ليسوغ لنا أن ننفي وبضرس قاطع رؤية الإمام (عليه السلام) في زمن الغيبة. والذي نجزم به ورود رواية قيل: إنَّها دالَّة على ذلك. ولا نستطيع أن نجزم بمؤدّاها إلَّا إذا كانت قطعية في جوانبها الثلاثة: (الصدور، والدلالة، والجهة) كما يُعبِّرون.
أمَّا الصدور فيحصل القطع به من خلال التواتر أو بالاحتفاف بقرائن قطعية على الصدور، وهما غير متوفِّرين جزماً.
وأمَّا الدلالة فبوجود مفردات في الرواية لا نحتمل معها ولو ضعيفاً إرادة معنى آخر، وهو غير متحقَّق، خصوصاً وقد احتملنا إرادة المشاهدة مع دعوى السفارة كما احتملنا إرادة المشاهدة مع ظهوره (عليه السلام) لا مجرَّد المشاهدة.
وأمَّا الجهة وهي أن لا تكون صدرت مزاحاً أو تقيَّةً أو مجرَّد تلفُّظ دون إرادة معنى منه، فالمزاح لا سبيل في كلامه (عليه السلام) إليه، خصوصاً والرواية تشير إلى أمر مهمٍّ جدًّا في غاية الحسّاسية وفي وقت شكَّل تحوّلاً في مسيرة أتباع المذهب الحقِّ. وأمَّا عدم إرادة معنى فكذلك، خصوصاً في المكاتبات، مضافاً إلى ما تقدَّم من أهمّية المطلب وحسّاسية الوقت. أمَّا التقيَّة فهي خلاف الظاهر، ولكنَّنا نحتمل أنَّ الإمام (عليه السلام) يتحدَّث بطريقة موضوعها يشبه التقيَّة من حيث اقتضاء مصلحة مهمَّة أن ينفي بضرس قاطع صحَّة مدَّعي المشاهدة، ليكون أوقع في النفوس كي تجتنب أصحاب مثل هذه الدعاوى، وينقطع الأمل بلقائه (عليه السلام) في غيبته، فيضطرّوا إلى الاعتماد على الموروث في الفهم وعلى حسن التدبير في المسيرة الحياتية وتطبيقات الأحكام، ولو كان عندهم أيُّ أمل بلقاء الإمام (عليه السلام) فإنَّ ذلك سيمنعهم من الإقدام على اتِّخاذ القرار، إذ قراراتنا تعتمد على استظهارات عادةً، والاستظهارات ظنّية والأخذ من الإمام (عليه السلام) قطعي. ولمَّا كان اتِّباع الظنِّ محتمل الوقوع في الخطأ، فإنَّ الإنسان قد لا يقدم عليه مع توفُّر بديل مأمون لا نحتمل فيه الخطأ. وهذا يعني أنَّه مع احتمال إيصال مسألتك للإمام (عليه السلام) فإنَّك لا تقدم على سلوك سبيل ظنّي. نعم إذا جزمت بسدِّ طريق تحصيل العلم بالسلوك أو القرار المطابق للمصلحة، فإنَّك ستضطرُّ إلى العمل ببعض الظنون في بعض الموارد.
والحقُّ أنَّ احتمال التقيَّة منفيٌّ هنا، فأيُّ خوف من الإمام (عليه السلام) وهو غائب أن يُخبِر بوقوع الغيبة؟
وأمَّا الصدور، فقد تقدَّم أنَّه ليس موثوقاً فضلاً عن أن يكون قطعياً.
وكيف كان، فإنَّ عدم قطعية جهة واحدة من الجهات الثلاث في الرواية (الصدور، والدلالة، والجهة) يمنع من أن تكون قطعية. فكيف وكلُّ الجهات أو جهتان فيها غير قطعية؟
وإذا لم تكن الرواية قطعية كيف لنا أن نقطع بمضمونها ونجزم أمام الملأ أنَّ كلَّ من ادَّعى الرؤية فهو كاذب؟ وقد تقدَّم أنَّه لا توجد دلالة خارج الرواية على الاستحالة. فلا الرواية ناهضة لإثبات الاستحالة، ولا يوجد دالٌّ آخر على ذلك بنحو البتِّ والجزم. فأنّى لنا الالتزام بكذب وافتراء مدَّعي المشاهدة؟
الثامن: أنَّ كلَّ ما تقدَّم لوحظ فيه إمكان الاستناد إلى الرواية إذا توفَّرت فيها شرائط الحجّية، وتبيَّن أنَّها غير متوفِّرة على شرائط الحجّية.
وهنا نقول: على فرض توفُّر شرائط الحجّية، فإنَّها لا تثبت في مثل محلِّ الكلام.
لأنَّ مجال التعبُّد بالظنون الخاصَّة هو الفروع أي الأحكام الفرعية دون الاعتقاد.
صحيح أنَّ بعض الفقهاء فرَّقوا بين تفاصيل الاعتقاد وأُصوله، فقبلوا التعبُّد في التفاصيل دون الأُصول، إلَّا أنَّ ذلك لا معنى له. والسرُّ أنَّ المطلوب في الاعتقاد ذات الواقع لا الواقع المحرز ولو بدليل ظنّي حجَّة. والمطلوب عقد القلب على ما انكشف أنَّه واقع بالجزم واليقين. وقيام الحجَّة التعبُّدية على شيء لا يجعله واقعاً بعد أن لم يكن من الواقع. نعم لو كان المطلوب عقد القلب على الصورة التي رسم الدليل التعبُّدي بعض ملامحها مثلاً لأمكن التعبُّد بذلك الدليل.
لكن الاعتقاد يُراد به أن يكون متعلَّقه الواقع الثابت بالجزم واليقين. والخبر غير القطعي والدلالة غير النصّية (غير الجزمية) والتي لم تحتف بها قرائن قطعية لا يفيد اليقين بما حكى عنه. والجزم الحاصل إنَّما هو بالحاكي لا بالمحكي.
مضافاً إلى أنَّ المسالك المعروفة في مسألة الحجّية وحقيقتها ثلاثة:
١- وهو ما ذهب إليه صاحب الكفاية حيث بنى على أنَّ المجعول في أدلَّة الحجّية عبارة عن المنجِّزية والمعذِّرية، وهما غير معقولين في الموارد التي لا يُوجَد فيها ما يقبل التنجيز والتعذير عنه، إذ لا حكم فيها ليكون محلّاً للتنجيز والتعذير.
٢- مسلك جعل الحكم المماثل، والذي يعني أنَّ الشارع المقدَّس نتيجةً لقيام الأمارة الحجَّة يحكم بحكم مطابق لمؤدّاها. فإذا أخبر الثقة مثلاً بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فإنَّ الشارع -طبق هذا المسلك- سيحكم بوجوب ذلك الدعاء حتَّى وإن لم يكن ما حكاه الثقة ثابتاً في الواقع.
وهذا المسلك على وضوح بطلانه في الفروع، إذ فضلاً عن عدم الدليل على مثل هذا الجعل في موارد الحجج، يلزم منه أن تكون الأحكام الظاهرية غير ثابتة ومتغيِّرة بحسب الأفراد من جهة اختلاف مداليل الأمارات أو اختلاف فهمها. لا يمكن الالتزام به في الاعتقاد، إذ لا تُتعقَّل الأحكام لتأتي الحجج فتحكي عنها فيحكم الشارع بحكم طبق مؤدّاها. وهذا المحذور الأخير يمكن التخلُّص منه، ولكن يبقى هذا الوجه بلا دليل يدلُّ عليه، بل الأصل ينفيه.
٣- مسلك جعل العلمية والذي بنى عليه النائيني (رحمه الله)، حيث إنَّه واجه مشكلة من جهة أنَّ الحكم في مورد الأمارات الظنّية لمَّا لم يكن معلوماً، فموضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان تامٌّ وهو عدم البيان - أي عدم العلم -، إذ الدليل الظنّي ولو كان حجَّة لا يستلزم العلم الوجداني. وهذا يعني عدم توفُّر السبيل لإبطال حكم العقل، والأحكام العقلية كما هو معروف غير قابلة للتخصيص، وحينئذٍ يبطل دليل الحجّية، لأنَّه ينافي حكم العقل. ومن هنا ذهب النائيني إلى أنَّ الشارع حين جعل الحجّية سلك مسلك رفع موضوع حكم العقل، وبارتفاع الموضوع يرتفع الحكم وينتفي. أمَّا كيف رفع الموضوع مع أنَّه متحقِّق وجداناً إذ إنَّنا لا نعلم بالحكم؟ يقول الميرزا: إنَّه يُرفَع تعبُّداً من خلال تنزيل الظنِّ الذي هو مورد الأمارة أو الخبر منزلة القطع والعلم. فالأمارة الحجَّة تورث العلم التعبُّدي المجعول من الشارع بدليل الحجّية، فيتحقَّق بذلك البيان، لكنَّه بيان تعبُّدي لا حقيقي، فينتفي موضوع الحكم العقلي وهو عدم البيان، فتترتَّب آثار العلم الحقيقي وهي المنجِّزية والمعذِّرية.
لكن جعل العلم لا يُستفاد من أدلَّة الحجّية، ولا حاجة إلى تقديره ما دام بالإمكان قبول أدلَّة الحجّية دون تقدير جعل العلم، لأنَّ ما بنى النائيني على أنَّه محذور ليس بمحذور، إذ إنَّ الحكم الواقعي وإن لم يكن عليه بيان لكن الحكم الظاهري قد بُيِّن، فموضوع البراءة العقلية أو قاعدة قبح العقاب بلا بيان مرتفع، فلا مجال للحكم العقلي. هذا مضافاً إلى التشكيك في حكم العقل هذا، إذ قيل: إنَّ حكم العقل هنا هو الاحتياط ما لم يُرخِّص الشارع بترك التحفُّظ تجاه التكليف المشكوك.
إذن لا محذور في التزام أنَّ المجعول هو المنجِّزية والمعذِّرية. ويعود نفس كلامنا السابق وهو عدم وجود حكم في الاعتقاد لنتعقَّل تنجُّزه علينا. ثمّ إنَّ جعل العلم كانت الغاية منه إثبات المنجِّزية والمعذِّرية لا شيء آخر.
ويمكن القول: إنَّ ما يُعيِّن أنَّ المجعول هو المنجِّزية والمعذِّرية في الظنون الخاصَّة التي قام الدليل على حجّيتها هو أنَّ الدليل الأساسي في الاستناد إليه لإثبات حجّية الظهور وحجّية الخبر هو السيرة العقلائية، وهذا يعني أنَّ أصل الحجّية شيء بنى عليه العقلاء قبل الشارع المقدَّس، ثمّ حين جاء الشارع لم يردع عنها، ممَّا يعني أنَّه أمضاها وقَبِلَ التعاطي مع مراداته في مقام تشخيصها وفهمها بواسطة الظهور وأخبار الثقاة مثلاً.
والعقلاء لا يعرفون جعل الحكم المماثل، كما لا يلتفتون إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان ليقال: إنَّ المنجِّزية لا تُعقَل في مورد عدم العلم.
فالذي يُجعَل في التباني العقلائي هو المنجِّزية والمعذِّرية دون الحكم المماثل أو العلم التعبُّدي.
بل حتَّى لو استندنا إلى الأدلَّة الشرعية المثبتة لحجّية الخبر وحجّية الظهور مثلاً، كآية النبأ والسؤال عن أهل الذكر وغيرهما من الآيات، بل والروايات، ولم نلتفت إلى السيرة العقلائية، فإنَّ من البعيد بمكان أن يكون المجعول فيها غير ما هو المعروف بين العقلاء، والذي هو عبارة عن المنجِّزية والمعذِّرية.
وكيف كان، فالمتعيَّن هو أنَّ المجعول في أدلَّة الحجّية هو المنجِّزية والمعذِّرية دون ما سواهما. وهما لا يُتعقَّلان إلَّا في مورد يُتعقَّل فيه التنجيز والتعذير، وهذا مختصٌّ بالموارد التي فيها أحكام شرعية، والمعتقَد ليس فيه حكم شرعي.
فكيف نبني معتقَدنا على خبر ضعيف في وقتٍ لا أثر فيه للخبر الصحيح؟
والحاصل: أنَّه لا يسوغ الاعتماد على الخبر المذكور لنفي لقاء أحد بالإمام (عليه السلام) في زمان الغيبة ما دام لم ينهض دليل على الاستحالة. والمفروض عدم وجود هذا الدليل.
ولا يفوتنا هنا أنَّ الفقهاء لم يزدروا مقالة أحد من أكابر الأولياء وأعاظم الفقهاء قال بأنَّه وُفِّقَ للقاء الإمام (عليه السلام) في زمان الغيبة، وهذه الرواية حاضرة أمامهم، بل من نقل هذه الرواية كصاحب البحار لم يعمل بمضمونها وحملها على معنى آخر ونقل مجموعة من الوقائع التي حدث فيها لقاءات معه (عليه السلام). ممَّا يعني أنَّه لم يفهم وجود أيِّ مجالٍ لردِّ مثل هذه الدعاوى أو لإثبات عدمها.
عندما يصل الفقيه في بحثه عن حكم شرعي إلى دلالة تامَّة على ذلك الحكم ولا يرى دليلاً معارضاً له ينظر فإن كانت فتوى المشهور على خلاف ما وصل إليه قال: ليس الافتاء وفق الدليل إلَّا جرأةً على مخالفة المشهور، وحذراً من تلك الجرأة يتحوَّل إلى الاحتياط في الفتوى. مع أنَّ المشهور قد يكونون نظروا إلى نفس ما نظر إليه من الأدلَّة، لكنَّهم فهموا منها شيئاً آخر غير ما فهمه هو. ومع أنَّ فهمهم لا يعني بالضرورة إدراك الواقع في المسألة، فالمسألة تبقى حدسية. وحتَّى مثل الشيخ الأنصاري على تضلُّعه في صنعة الإفتاء لا يخالف المشهور ولو تمَّ الدليل على خلاف رأيهم.
ونحن نعرف أنَّ من ذكر منهم أنَّه تشرَّف برؤية الإمام (عليه السلام) يستند إلى الحسِّ، ومنهم من لا يخطئ في معرفة شخصه ولا يتطرَّق فيه احتمال الكذب، ومع ذلك نجزم بالتوهُّم، وأيُّ مستند لنا؟ هل هو ما تقدَّم من الرواية التي ذكرنا أنَّ في الاستدلال بها جملة من الإشكالات والمؤاخذات؟
لا شكَّ أنَّ ذلك غير لائق، خصوصاً والذين قالوا: إنَّهم قد تشرَّفوا بخدمة الإمام (عليه السلام) ولو لم يُعرَف دليلهم فيهم الأعاظم والمقدَّسون كالسيِّد مهدي بحر العلوم والسيِّد ابن طاووس، والقائمة تطول.
إنَّ إخباراً واحداً من أمثال هؤلاء يوصل إلى الجزم، فكيف ننفي أصل الرؤية عن الجميع؟
نحن لا ننكر أنَّ سوق الدعاوى كثيرة البضاعة، والدنيا مليئة بالحمقى الذين تروج عندهم هذه السلعة، خصوصاً والنفوس تواقَّة لاختزال طريق الاستكمال ونيل الحظوة عند الإمام (عليه السلام) بمتابعة مدَّعٍ وتصديق مفترٍ يريد أن يستأكل الدنيا بدينه، فينال دنياه من خلال بيع غيره لدينهم. ﴿وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (البقرة: ١٠٢).
وعلى هذا فنحن لا نقبل دعوى كلِّ مدَّعٍ، لكنَّنا في نفس الوقت لا نرى أنَّ باب المشاهدة موصَد أمام كلِّ الناس بنحو يُجزَم بكذب كلِّ من يقول: إنّي قد منَّ الله عليَّ وشرَّفني بالنظر إلى وجهه (عليه السلام).
ثمّ إنَّه قد يقال بأنَّ المشاهدة لا يقتصر دليله على الرواية السابقة التي رواها الصدوق (رضوان الله عليه)، إذ هناك الكثير من الروايات التي يمكن أن يُستَظهر منها ذلك، ومنها:
١- كمال الدين: أبي، عن سعد، عن محمّد بن أحمد العلوي، عن أبي هاشم الجعفري، قال: سمعت أبا الحسن العسكري (عليه السلام) يقول: «الخلف من بعد الحسن ابني، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟»، قلت: ولِمَ جعلني الله فداك؟ قال: «لأنَّكم لا ترون شخصه، ولا يحلُّ لكم ذكره باسمه». قلت: فكيف نذكره؟ قال: «قولوا: الحجَّة من آل محمّد صلوات الله عليه وسلامه»(١٢).
والرواية إن لم تكن صحيحة فهي حسنة لمحمّد بن أحمد العلوي، وقد قال عنه النجاشي: إنَّه من شيوخ أصحابنا. وقد ذُكِرَت أمارات في توثيقه، منها: أنَّه يروي عنه الأجلَّة. ومنها: عدم استثناء ابن الوليد رواياته عن روايات محمّد بن أحمد بن يحيى، وهذا يدلُّ على توثيق ابن الوليد له. ومنها: أنَّ العلَّامة صحَّح رواية وقع محمّد بن أحمد العلوي في طريقها، ومنها: أنَّ الصدوق قد وثَّقه في (كمال الدين) حيث قال: حدَّثنا شريف الدين أبو علي (أبو محمّد) الصدوق...، لكن شيئاً من هذه الأمارات لم يسلم من الإشكال. لكن حسنه لا ريب فيه. وعليه فالرواية إن لم تكن صحيحة فهي حسنة.
٢- كمال الدين: أبي وابن الوليد معاً، عن سعد، عن جعفر بن محمّد بن مالك، عن ابن فضّال، عن الريّان بن الصلت، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن القائم، فقال (عليه السلام): «لا يُرى جسمه، ولا يُسمّى باسمه»(١٣).
ولا مشكلة في سند الرواية إلَّا في جعفر بن محمّد بن مالك الذي ضعَّفه النجاشي، وتوقَّف فيه العلَّامة، ولكن وثَّقه الشيخ الطوسي، ويظهر أنَّه اطَّلع على ضعف وجه تضعيف النجاشي له، لأنَّه قال: إنَّه ثقة، ويُضعِّفه قوم. فتكون الرواية موثَّقة لوجود ابن فضّال فيها.
٣- غيبة الطوسي: جعفر بن محمّد، عن محمّد بن الحسين، عن ابن بزيع، عن الأصمِّ، عن ابن سبابة، عن عمران بن ميثم، عن عباية الأسدي، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدى ولا علم يُرى يبرأ بعضكم من بعض؟»(١٤).
ونظائر هذه الروايات كثيرة.
لكن التأمُّل يُعطي أنَّها غير ناهضة لإثبات ذلك، إذ يكفي في صدق أنَّه (عليه السلام) لا يُرى شخصه أو جسمه أو أنَّه لا يُرى عدم تمكُّن السواد الأعظم من الناس رؤيته، بل من قيل: إنَّه رآه نادر جدًّا، فلا تُعتَبر هذه الروايات من أدلَّة نفي المشاهدة.
هذا مضافاً إلى ما ذكرناه في ردِّ الاستدلال بالرواية السابقة من أنَّها على فرض ظهورها فليست حجَّة في مثل المقام، لأنَّها غير قطعية لا في سندها ولا في دلالتها. نعم ربَّما يكون مضمونها مقطوع الصدور من جهة التواتر الذي إن لم يكن معنوياً فهو إجمالي، ولكن تبقى مشكلة الدلالة. ولو تمَّت الدلالة فهي غير قطعية، فلا تصلح للاستدلال في محلِّ كلامنا.
ولقائل أن يقول: إنَّ ما نُقِلَ من مفردات اللقاء وإن نُسِبَت إلى الأكابر إلَّا أنَّ أحداً منهم لم يروها مباشرةً، وإنَّما هي نقولات في صفحات كتب لا تتعدّى أخبار آحاد مسندة أو مرسلة، وهذا يجعلنا نشكُّ فيها.
قلنا: إنَّ ذلك لو صحَّ فإنَّه لا يمنع من حصول تواتر إجمالي أنَّ واحدة من هذه النقولات حاصلة قطعاً.
ولو لم تصل إلى التواتر الإجمالي فهي محتملة الحصول. والخبر الضعيف لا يصحُّ الاعتماد عليه، ولكن لا يُقطَع بعدم صحَّته. فإذا نظرنا إلى أنَّ البحث ليس في مسألة فرعية يُراد استنباط حكمها كان لا بدَّ من القطع ليُبنى عليها، ومع وجود الاحتمال المخالف كما هو المفروض كحدٍّ أدنى في مسألتنا فلا حجّية لما قابل هذا الاحتمال.
نعم لو تمَّ سند هذه الرواية - وهو لم يتمّ -، وسلمت دلالتها بمستوى الظهور - كما هو ليس ببعيد -، وقلنا بإمكان التعبُّد في مثل هذه المسائل، أمكن الاستناد إليها لنفي الرؤية في زمان الغيبة، والحال أنَّه لم يتمّ سند الرواية عندنا، ولم نلتزم بالتعبُّد خارج دائرة الفروع.
ومع فرض توفُّر هذه الشروط الثلاثة للعمل بمؤدّاها لا تنفعها إلَّا في حدود عدم ترتيب الأثر على مثل هذه الدعاوى، ولا تُسوِّغ لنا أن نجزم بكذب كلِّ من ادَّعى المشاهدة.
فالتعبُّد في مورد يجعل الاحتمال المقابل ملغى تعبُّداً، وهو ما يعني عدم ترتيب الأثر على وجوده، أي في مقام العمل وترتيب الأثر نتعامل كأنَّه غير موجود في الواقع. ولا يُسوِّغ ذلك الالتزام بعدم وجوده واقعاً، فليس ذلك ضمن مساحة التعبُّد، إذ الاحتمال انكشاف، والانكشافات خاضعة لأسبابها التكوينية غير قابلة للانفكاك عنها، فلا يمكن للشارع أن يُكلِّفنا بذلك، لأنَّه يلزم التكليف بغير المقدور.
وهذا هو الذي أردنا الوصول إليه من خلال هذه السطور، فالبتُّ والجزم بعدم الرؤية في زمن الغيبة لا يمكن نفيه، لعدم قابلية ما يُذكَر من وجه لإثباته.
سدَّدنا الله بالقول الثابت في الدنيا والآخرة، إنَّه خير مسؤول.

الهوامش:
(١) نور الثقلين ٥: ٣٨٦ و٣٨٧.
(٢) نور الثقلين ٥: ٣٨٧.
(٣) نور الثقلين ٥: ٣٨٦.
(٤) كمال الدين ١: ٣٤٢.
(٥) كمال الدين ٢: ٣٤٠/ ح ٢٠.
(٦) الغيبة للنعماني: ١٩٣/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٤٠.
(٧) بحار الأنوار ٥١: ٦٤.
(٨) كمال الدين ٢: ٣٥٧/ باب ما أخبر به الصادق (عليه السلام)/ ح ٥.
(٩) رجال ابن داود ١: ٢٦٧.
(١٠) بحار الأنوار ٥٢: ١٥١.
(١١) بحار الأنوار ٩٢: ٢٢٧.
(١٢) كمال الدين ٢: ٦٤٨.
(١٣) كمال الدين ٢: ٦٤٨.
(١٤) الغيبة للطوسي ٣٤١/ الرقم ٢٩١.

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved