أبحاث العدد:
 خلاصات بحوث العدد:
 البحث في العدد ٨:
 العدد ٨/ ذي الحجة/١٤٤٠ه

المقالات الشرط المفقود

القسم القسم: العدد ٨/ ذي الحجة/١٤٤٠هـ الشخص الكاتب: جابر الناصري التاريخ التاريخ: ٢٠١٩/٠٨/٠٣ المشاهدات المشاهدات: ١٢ التعليقات التعليقات: ٠

الشرط المفقود

جابر الناصري

مقدمة:
استلم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) مسؤولية الإمامة بعد استشهاد أبيه الحسن الزكي العسكري (عليه السلام)، وبالرغم من صغر سنه (خمس سنين) إلّا أنه اتَّخذ إجراءات فعّالة للمحافظة على كيان الشيعة من الانهيار أمام ضربات أعدائهم من السلطة العباسية ومن خصومهم من المدارس الأخرى وحتّى من بعض المحسوبين على الصف الشيعي أمثال الحلاج وابن أبي العزاقر ومحمد بن نصير النميري وغيرهم، حيث أمسك بدفة سفينة شيعته في بحار الفتن المتلاطمة وقيادتها وإيصالها إلى برِّ النجاة.
وكان الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) قد خطط لما سيحصل في المستقبل من حصول غيبته الكاملة، فكان ما كان من احتجابه عن شيعته جزئياً، ولذا وضع نظام الوكالة الخاصة بينه وبين شيعته وعيَّن الوكلاء الأربعة المعروفين ليكونوا حلقة الوصل بينه وبين قواعده الشعبية، وهذه الفترة امتدت إلى ما يقرب من سبعين عاماً وانتهت بوفاة السفير الرابع علي بن محمد السمري (رحمه الله) والتي على إثرها أعلن بدء الغيبة الكبرى.
حينما استوعبت قواعده الشيعية ذلك واعتادت على غيابه نصب العلماء الأعلام الجامعين لشرائط المرجعية من علم وتقوى وورع نوّاباً عامّين عنه لقيادة الشيعة ببيانه الشهير المرسل إلى وكيله الرابع، ومنذ ذلك الحين قاموا بما توجَّب عليهم ولا زالوا كذلك حتّى الظهور، فقادوا الشيعة خلال الحقب المتعاقبة وحافظوا على كيان الشيعة بالرغم من الكوارث والخطوب والمآسي التي تعرضوا لها.
وقد التفت أعداء الشيعة قديماً وحديثاً إلى خطورة المرجعية ودورها الفاعل بمقاومة الطواغيت والعقائد الفاسدة والتي أمسكت دفَّة سفينة التشيع بقوة، فأخذ أولئك يشنّون هجماتهم عليها عن طريق التشكيك بجدوى قيادتها ومرجعيتها للشيعة تارة، وتارة بمحاولة تسفيه التقليد من جهة وإلصاق التهم المعلَّبة بالمراجع الكرام، بل ومن جهة أخرى بالتصفية الجسدية.
وفي هذا الإطار وبين الحين والحين تظهر دعوات من بعض المتنطعين وذوي الأردية القصيرة يتبعهم بعض ضعاف النفوس والعقول من الشيعة بعدم ضرورة الرجوع إلى المراجع وبإمكان المكلَّف الرجوع إلى القرآن الكريم والسنة لمعرفة الحكم الشرعي، وكأنَّ ذلك ميسور لكل أحد، كأنما هو قصة أو قصيدة شعر، ونسي أولئك أنه ليس بإمكان أي إنسان الوصول إلى ذلك بكل بساطة وإنما عليه أن يدأب على دراسة القرآن الكريم وتفاسيره ومعرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيَّد، ودراسة الأحاديث المطهرة من حيث التواتر والاستفاضة وأحاديث الآحاد من حيث الصحة والضعف والمسند والمرسل والمنقطع إلخ، وكذلك علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة وعلوم عقلية كالمنطق وأصول الفقه لكي يصل إلى مكنة الاجتهاد، وكل ذلك دونه خرط القتاد إلّا لبعض الناس الذين فرَّغوا أنفسهم لذلك، وعكفوا عشرات السنين على الدرس والقراءة.
ولا أدري إذا مرض أحد هؤلاء العباقرة أَ يُعالج نفسه بنفسه؟
أم يجلس منتظراً أن يمنّ عليه الله بالشفاء بدون أن يسعى لذلك؟
أم يهرع إلى الطبيب صاغراً ذليلاً؟
إنَّ الحياة قائمة على التخصص، فالمريض يراجع طبيباً للحصول على العلاج، والذي يعاني من مشكلة قانونية يلجأ إلى محامٍ، والذي يريد أن يبني له بيتاً يذهب إلى مهندس معماري.
كل ذلك من بديهيَّات الحياة، ولكن حينما يصل الدور للفقيه تنقلب الصور والموازين ويصبح غير ذي أهمية ويصبح العوام في غنى عن علمه.
إن الفقيه رجل متخصص بالأحكام الشرعية مثل غيره من المتخصصين بشتّى مناحي الحياة، فلماذا لا يلجأ إليه المكلَّف لمعرفة تكليفه الشرعي للعمل به ولإبراء ذمَّته أمام ربه؟
والمعروف أنَّ المرء حين يراجع الطبيب أو المحامي أو المهندس فإنه يدفع أموالاً لقاء خدماتهم، في حين أنَّه حين يراجع الفقيه لا يدفع شيئاً ويحصل على استشارته مجاناً والتي فيها نجاته في الدنيا والآخرة.
وعوداً على بدء..
ومع حصول الغيبة الكبرى فإن الإمام (عجّل الله فرجه) لم يقطع علاقته بقواعده وشيعته ووكلائه العامّين كلياً، بل كان يوجِّه ويُرشد ويقوم هو بنفسه أو بواسطة جهازه الغيبي - الأبدال - بما يراه من المصلحة.
وقد حفلت الكثير من الكتب قديماً وحديثاً بذكر لقاءات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بالكثير من قواعده ومواليه في شتّى الأمكنة والأزمنة.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الكم الهائل الذي رأته وستراه الأُمة وخصوصاً شيعة أهل البيت (عليهم السلام) من كوارث ومآسٍ جعلتها أصلب عوداً وأقوى شكيمة، بحيث صارت تتطلَّع ليوم إعلان المهدي (عجّل الله فرجه) لثورته العالمية حتّى تنصره وتضحّي من أجله، ويرافق ذلك تصاعد الخط البياني لحالة الوعي الجماهيري والتوسع الأفقي للقاعدة الشيعية الشعبية، فالإمام بحاجة إلى الكمية إضافة إلى النوعية، لأنَّه سيدخل بمواجهة قاسية مع الأعور الدجال وقوى النفاق العربية.
إنه لابد من إدخال الأُمم بتجارب مُرَّة حتّى تعرف مغبَّة اختياراتها الخاطئة لتصل إلى قناعة أنَّ خلاصها لا يكون إلّا بالمنهج القرآني وولاية أهل البيت (عليهم السلام)، وخصوصاً بما يتعلق بباقي الأُمَّة الإسلامية من غير الموالين لأهل البيت (عليهم السلام).
في هذا البحث - الشرط المفقود - نجد أن شرطَي النهضة المتمثلين بالأطروحة الإلهية القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والقيادة المعصومة متوفِّران، في حين أنَّ القاعدة المؤمنة ذات الامتداد الأفقي الكبير غير متوفرة أو لم تتوفَّر بعد، بدليل أن عدم الظهور كاشف عن عدم الوجود، وتفاصيله بين يديك.
تمهيد:
برز في أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام) مفهوم الأشراط في الإخبار عن أحداث آخر الزمان، من حيث أماكنها وأبطالها وفحواها، ولكن يوجد مفهوم آخر يسير معه، يشار إليه إشارات بعيدة أو مبهمة هو (الشروط اللازمة لتحقق الظهور) وهو موضوع بحثنا هذا.
إنَّ الأشراط هي العلامات التي تسبق أو تعاصر أو تواكب الظهور المقدس حيث بتحققها - كُلّاً أو بعضاً - يقطع المسلم المراقب أو المؤمن المنتظِر أنَّه فعلاً أمام حدث الظهور المقدس من غير اشتباه أو توهُّم.
إنَّ قسماً من هذه الأشراط محتوم، وقسماً آخر هو مشروط أو موقوف.
الأشراط الموقوفة أو المشروطة هي تلك العلامات التي يمكن أن تقع، أو لا تقع تبعاً للظروف التي تواكب عصر الظهور أو قبله، أي إنَّها تخضع لقاعدة المحو والإثبات (البداء)، مثل بعض الأحداث الاجتماعية أو الكونية.
أمّا الأشراط المحتومة فهي التي تقع حتماً وجزماً كما ذُكرت في الأحاديث الواردة عن طريق المعصومين (عليهم السلام)، بيد أنَّ بعض أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) أفادت بأنَّ حتّى الأحداث المحتومة يمكن أن يحصل بها ما يغيِّرُها أو يلغيها فتقع تحت قانون المحو والإثبات، فالدعاء يردُّ القضاء ولو كان مبرماً وقد ورد عنهم: «ما عُبِدَ اللهَ بمثل البداء»(١).
يعني ذلك أنَّ قاعدة المحو والإثبات حاكمة في عالم الإمكان وأنَّ كل شيء خاضع لها إلّا ما خرج بدليل قاطع.
وقد وضع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) قاعدة: أنْ لو جاءت بعض الأحداث مخالفة لما حدَّثوا به فلا يستغرب شيعتهم من ذلك، بل عليهم أنْ يقولوا: صدقوا: يؤجروا مرَّتين، لأنَّ قاعدة المحو والإثبات حاكمة في عالم الإمكان.
وقد يتنطَّع بعض المتفلسفين من أتباع ابن عبد الوهاب النجدي الذين يبغضون أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم وخصوصاً الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) فيُشكِلون بأنَّكم أيُّها الرافضة تحكمون على مذهبكم بالتهافت، لأنَّ إمامكم المهدي قد يكون وقع أو سيقع فيه بداء، وبذا فإنه لا يظهر لإقامة دولتكم المزعومة التي يخضع لها العالم كله، وهذا الإشكال ليس جديداً، وقد طُرح على أحد المعصومين (عليهم السلام)، وقد أجيب عليه في حينه، بأنَّ حركة المهدي (عجّل الله فرجه) ليست من المحتوم ولا المشروط وإنما هي وعد إلهي والله لا يخلف وعده أبداً(٢).
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ (النور: ٥٥).
«لو لم يبق من الدنيا إلّا يومٌ واحدٌ لطوَّل اللهُ ذلك اليومَ حتّى يخرج رجل من ولدي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»(٣).
نعم هناك - كما ذكرنا - علامات يتعلَّق قسم منها بأحداث كونية طبيعية كالكسوف والخسوف في شهر رمضان على خلاف النواميس الطبيعية، والصيحة السماوية في شهر رمضان، والمذنَّب الذي يكاد أنْ يلتقي طرفاه وهو يضيء لأهل الأرض كما يضيء القمر(٤).
وعلامات لأحداث اجتماعية بشرية كخروج اليماني والخراساني والسفياني في سنةٍ واحدةٍ(٥)، وموت (عبد الله)(٦)، ومعركة قرقيسيا، وقتل النفس الزكية بين الركن والمقام قبل ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بخمس عشرة ليلة، وخلع العرب أعنَّتها وخروجها على سلطان العجم، وحرب عالمية مدمِّرة تُهلك ثُلُثَيْ سُكّان العالم، وظهور الأدعياء والدجّالين والشُذّاذ من آل أبي طالب وادِّعائهم المهدوية، وغلبة الفساد في كل نواحي الحياة، وفشو الزنا وكثرة أولاد السفاح، وخروج النساء من بيوتهن ومشاركتهن الرجال بكل شيء وخلعهن لقناع الحياء(٧).
وهناك علامات أخرى لا يمكن تعدادها هنا لكثرتها، بيد أنَّه لا بأس بإيراد ملاحظة سريعة مفادها:
إنَّ الكثير من أحاديث الملاحم والفتن غير موثَّقة بالتوثيق المعروف في علم الحديث، فهي ما بين ضعيفة أو مرسلة أو مروية عن أشخاص مجهولين أو مطعون بصدقهم وإيمانهم وعدم ولائهم للإسلام، أمثال كعب الأحبار اليهودي وتميم الداري النصراني ووهب بن منبه وغيرهم من الذين باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم أمثال أبي هريرة الدوسي وسمرة بن جندب وعمرو بن العاص، ومسوّق الخرافات من الزاملتين عبد الله بن عمرو بن العاص(٨).
وبعد هذه الجولة علينا العروج على المفهوم الآخر الذي ذكرناه في مستهل هذا البحث وهو مفهوم الشروط، ونعني بذلك الشروط المطلوبة واللازمة لكي يتحقق الظهور المقدس.
إنَّه لابُدَّ بل ويجب أنْ يظهر أو يخرج الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، ذلك بأنَّ خروجه وعدٌ إلهي، وعلى ما هو المعروف من أنَّ مقدمة الواجب واجبة فإنَّ توفير ظروف الظهور المقدَّس هي واجبة، وهنا نجد أنَّ الشروط هي من النسيج الداخلي للحركة المهدوية بحيث إذا انخرم أو فُقِد أو عُدم أحد هذه الشروط لم يتحقق الظهور المقدس إطلاقاً، وبعكس الأشراط فإنَّه لا ملازمة بينها وبين الظهور المقدس(٩).
ويمكن القول: إنَّ علاقة الحركة المهدوية بالشروط علاقة المعلول بالعلة وجوداً وعدماً، إذ لا وجود للمعلول بدون وجود العلة، ولما لهذه الشروط من موقع أساس فيما نحن بصدده فإنَّنا في هذا البحث نلقي الضوء عليها، فنحاول تحديدها، كما أنَّه يجب علينا أنْ نقوم بفكّ الاشتباك بينها وبين الأشراط التي أشرنا إليها آنفاً، لأن هناك اشتباكاً بين هذين المفهومين أوقع البعض من الكُتّاب والقُرّاء في اشتباه وغلط، فحسبوا أنَّ الشروط مرادفة للأشراط، والذي جرَّ إلى ذلك هو تشابه اللفظتين من حيث المبنى.
هناك أمر مهم يجدر بنا الإشارة إليه، وهو: أنَّ أغلب الذين كتبوا في الحركة المهدوية لم يتطرَّقوا إلى شروطها، وإنَّما اقتصرت بحوثهم على أشراطها فجاء الكثير منها ناقصاً، في حين أنَّ الشروط أهم بكثير من الأشراط، فالأشراط كاشفة والشروط مكوّنة.
وبالرجوع إلى التاريخ والواقع من حيث ظهور الحركات التغييرية والإصلاحية فإنَّ علينا رؤيتها بصورة دقيقة وبتجرُّد، ومن جملة ذلك شروط وجودها ونجاحها.
ومن القطعي أنَّ أيّ حركة غايتها إحداث تغيير في بنية المجتمع العقائدية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحتّى الفردية، فإنَّه لابد من توفُّر شروط ثلاثة، أي إنَّها ثلاثية الأبعاد:
١- الأطروحة الفكرية أو العقائدية التي تقدم منهاج تغيير، غايته بناء مجتمع سعيد ذي رفاهية، أي إيجاد المدينة الفاضلة.
٢- القيادة المثقَّفة المخلِصة المتشبِّعة بالأُطروحة والمؤمنة إيماناً كلياً بضرورة تطبيقها كاملة من غير انتقائية، ويجب أن تمتاز بالحنكة السياسية وسرعة اتخاذ القرارات المناسبة والمتوافقة مع الظرف التي هي فيه وأنْ تتمتع بالشجاعة لمواجهة الأصدقاء والأعداء، مع التحلّي بالصبر وطول الأناة.
٣- وأخيراً القاعدة الشعبية الواسعة الواعية المؤمنة بالأُطروحة والمطيعة للقيادة والمستعدة للتضحية في سبيل ذلك.
ولو نظرنا إلى التوزيع الجغرافي والتاريخي للحركات الثورية أو الانقلابية فإننا نجدها لم تخرج عن هذا الإطار بغض النظر إنْ كانت أُطروحتها إيمانية أو إلحادية، فإنَّ الثورة البلشفية - على سبيل المثال - التي حدثت في روسيا في الربع الأول من القرن العشرين قد نجحت لأنَّها ثلاثية الأبعاد أو ثلاثية الشروط.
فالأُطروحة الماركسية التي انطلقت بموجبها الثورة كانت عقيدة شاملة قدَّمت تفسيراتها للكون والحياة وكيفية بناء المجتمع.
والقيادة التي قادت الثورة ونظّرت لها وتمثّلت بـ(لينين) وجماعته كانت مؤمنة ومخلصة ومتشبِّعة ومحيطة بالعقيدة الماركسية وزواياها المختلفة، وقد امتازت بالحنكة والشجاعة والإخلاص والصبر.
أمَّا القاعدة التي كان يتقدَّمها الحزب الشيوعي والبروليتارية فإنَّها هي التي قامت بالثورة بعد أنْ آمنت بالأُطروحة الماركسية، وكانت منقادة ومطيعة طاعة عمياء لتوجيهات القيادة، وهكذا الحال بالنسبة للثورة الصينية أو الكورية أو الكوبية، أو... الخ.
في حين أنَّه فشلت ثورة (جيفارا) في (بوليفيا) بسبب عدم وجود قاعدة شعبية قوية واسعة مساندة له، مما جعل المخابرات الأمريكية تنفرد به وتقوم بتصفيته بأيدي عملائها.
إلّا أنَّ الملاحظ: أنَّ هذه الثورات التي أحدثت تغييرات شاملة في مجتمعاتها لا يعود الفضل فيها وفي نجاحها إلى صحة أُطروحتها التي أثبتَت التجارب فشلها وسقوطها كما حصل في الاتِّحاد السوفيتي مؤخراً، وإنَّما يرجع ذلك إلى حنكة قادتها ومنظِّريها، مضافاً إلى بطشهم واضطهادهم للشعوب وتصفية معارضيهم، أمثال: (لينين) و(ماو) و(كاسترو) و(كيم ايل سونغ) وخضوع القاعدة الجماهيرية لها خضوعاً كبيراً طوعاً أو جبراً.
ومن واقعنا الإسلامي، فإنَّنا لو رجعنا إلى الوراء ألفاً وأربعمائة سنة لوجدنا أنَّ الانقلاب أو تغيير الواقع الجاهلي لحدٍّ كبير لم يتم إلّا بتوفُّر الشروط الثلاثة:
١- أُطروحة إلهية شاملة كاملة متمثلة بالقرآن الكريم والسُنَّة النبوية المطهرة.
٢- قيادة عظيمة معصومة مسدَّدة من الله سبحانه متمثِّلة برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
٣- قاعدة مؤمنة واعية مطيعة وهي الرعيل الأول من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من المهاجرين والأنصار، وعندها تحوَّل المجتمع إلى مرحلة جديدة - لحدٍّ ما - تختلف مفاهيمها وسلوكياتها عمَّا سبق من مجتمع بربري جاهلي إلى مجتمع متحضِّر ذي قيم أخلاقية سامية تسوده روح المحبة والتعاون والذي استطاع أنْ يوصل رسالة الإسلام العظيمة إلى الشعوب والأُمم الأخرى.
لا نقول بأنَّ كل ذلك المجتمع كان صالحاً، فهو خليط غير متجانس، فهناك المنافقون الذين هم أخطر على الإسلام من المشركين وأهل الكتاب، وهناك الانتهازيون الذين يبحثون عن الامتيازات والمناصب العليا، وهؤلاء لا يقلُّون خطراً عن المنافقين، وهناك مرضى القلوب الذين يسارعون في الفتنة، وهناك ضعفاء الإيمان الذين يعبدون الله على حرف ويمنُّون على الله بإسلامهم، وهناك القبليون، وهناك المؤمنون الصالحون المجاهدون وهم القلة في ذلك المجتمع، ومع كل ذلك فقد استطاع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنْ يُكوِّن أُمَّة جديدة من ذلك الركام البائس ويغيِّر من الحياة النمطية التي كان عليها العرب من غزوات واقتتال فيما بينهم.
وفي نفس الحين كانت العقلية القرشية القبلية الجاهلية تجهل الأُطروحة الإلهية وأنَّها جاءت لإسعاد البشرية وكانت تنظر إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) على أنَّه مَلِكٌ أَسَّس مُلكاً، ينبغي أنْ يكون لبُطون قريش، فكانت تنتظر وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لكي تنقضّ على خلافته، فقامت بانقلاب ضدَّ الدين الجديد - وإنْ كان لابساً ثوب الإسلام - لإعادة الامتيازات القديمة التي سلبها بنو هاشم من بطون قريش حسب تصوُّرِهم، فحسب بني هاشم النبوَّة، أمّا الإمامة أو تاج المُلك فهو من حصة قريش يدور في أحيائها.
وكان هناك من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القدماء من هو مستعد لتنفيذ ذلك المخطط الرهيب الذي وضعه طلقاء قريش بالتعاون مع اليهود الموتورين من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) وأصحابه الخُلَّص مدفوعين بالحسد والنزعة القبلية، فتآمروا على إبعاد القيادة المعصومة الشرعية عن الحكم مستغلِّين وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وصدمة المسلمين به، فكان ما كان من أحداث مروِّعة دخلت فيها السلطة الجديدة بنزاعٍ قاسٍ مع الشرعية، فلم تتورَّع عن ضرب أي مناوئ أو أي معارض بل وقتله إذا اقتضى الأمر ذلك، فقُتِلتْ فاطمة الزهراء (عليها السلام) بنت نبي الإسلام وهي سيدة نساء أهل الجنة بطريقة بربرية بشعة تكشف عن مدى حقد السلطة الجديدة على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام).
ونتيجة لذلك، فقد تمّ تعطيل الأطروحة الإلهية بصورة شبه تامَّة، وحوربت مفاهيم الإسلام الحقّة من قبيل منع التحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتعطيل الحدود، وقد قامت سلطات السقيفة بوضع لَبِنات دين مقابل دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) آخذة منه الأذان والشهادتين وبعض الطقوس البسيطة والشكلية.
لقد وضع حُكّام قريش الجدد تقليداً صار معمولاً به من بعدهم وهو: إبعاد أهل البيت (عليهم السلام) ومحاربتهم والتقليل من شأنهم، ومهَّدوا لصعود بني أمية لمنبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ثلاثين سنة من وفاته وهم الأعداء التقليديون لبني هاشم وللدين الجديد في الجاهلية والإسلام.
يجب أنْ يكون الدارس للتاريخ الإسلامي مُدركاً أنَّ ما حصل بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن عفوياً وإنَّما هو مخطط وضعتْ خطوطه العريضة في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد بيعة الغدير(١٠).
ولذا أوجب الله تعالى على نفسه طِبقاً لقاعدة اللطف الإلهي أنْ يتم إعادة الإسلام إلى مساره الصحيح عن طريق حفيد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وابنه الذي هو صورة كاملة عنه من حيث العصمة والقداسة والخُلق والعلم والارتباط بالغيب وهو الإمام المهدي (صلى الله عليه وآله وسلم).
إنَّ تطبيق الأطروحة الإلهية هي هدف الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وهي الإسلام الذي توارثه من آبائه المعصومين (عليهم السلام) ابتداءً من جَدِّه أمير المؤمنين (عليه السلام) وانتهاء به (عجّل الله فرجه) والذي غُيِّب من يوم السقيفة إلى يوم ظهوره المقدس.
إنَّ قوام الدين الحق هو الولاية التي يفتقدها الإسلام السقيفي الآخر، والولاية تعني الاختيار الإلهي للولي أي الشرعية، ولأنّه افتقر وما يزال يفتقر إلى الشرعية فإنَّه سار باتجاهات متعددة لتلافي ذلك، لعلَّ أبرزها إيجاد مجموعة من الرواة الذين صنعوا هالات مزيَّفة لأولئك الانقلابيين المزوِّرين، فأحلُّوا ما حرَّم الله وحرَّموا ما أحلَّ الله، وتماشياً مع رفع سيف الإرهاب على رؤوس المعارضين.
والذي يتمعَّن جيِّداً بالفكر السياسي لمدرسة الصحابة يجد أنَّه فُصِّل على مقاس الحُكَّام، فالحاكم أو الخليفة لا يخطئ أبداً، بل إن من يعارضه ممن يقع ظلمه عليه يكون مبتدعاً قد أحدث في الدين.
(اسمع للأمير وأطع ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك)(١١).
وهكذا ضاعت الأصوات الحرة بدخان التبديع والتفسيق.
ومن ذاك الحين وضعت الأطروحة الإلهية على الرَّف يعلوها غُبار النسيان والإهمال، وعُزِلَت القيادة المعصومة وحوربت وقتلت بسموم وسيوف ورثة السقيفة.
وهنا يتَّضح لنا أنَّ شرطين من شروط النهضة متوفِّران وهما: الأطروحة الإلهية الكاملة الشاملة المتمثِّلة بالقرآن الكريم وسُنَّة المعصوم، والقيادة العظيمة المعصومة المتمثلة بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، وقد بقي الشرط الثالث وهو: القاعدة المؤمنة الواعية المطيعة المستعدَّة للتضحية بكل شيء في سبيل المبدأ والعقيدة والقيادة، والتي تتحمل أعباء التغيير الشامل وتطبيق شرع الله تعالى في كل بقاع العالم، وفي ذلك ما يجعلها بمواجهة قوى الكفر العالمي بما تمتلكه تلك القوى من إمكانات تقنية ومالية وإعلامية ضخمة، فالإمام (عجّل الله فرجه) وقاعدته لا يواجهان قوى الانحراف الداخلي التي هي أحقر وأقل من الاستكبار العالمي فقط، وإنَّما قوى الاستكبار العالمي المدجَّجة بكل شيء لكي يسود الإسلام كل الأرض فيتحقَّق قوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣).
فمنذ وقوع الغيبة الكبرى لم تتوفَّر هذه القاعدة بالرغم من مرور حقبة طويلة على ذلك، أمَّا ما ورد في بعض الأخبار من وجود أصحاب المهدي (عجّل الله فرجه) الثلاثمائة والثلاثة عشر رجلاً منذ قرون كما في حكاية علي بن فاضل المازندراني والجزيرة الخضراء التي يسكن فيها أولاد المهدي (عجّل الله فرجه) وهي في البحر الغربي فأقلّ ما يقال عنها: إنَّها حكاية من حكايات العجائز في ليالي الشتاء الباردة(١٢).
ولا أدري كيف تفكِّر تلك العقول بأنَّ مجموعة صغيرة فوق الثلاثمائة بقليل بإمكانها مقاومة قوى غيلان آخر الزمان المدجَّجة بكل شيء، والحقيقة أنَّ هؤلاء هم مِن صفوة أتباع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وهم قادة الجيوش وحُكّام البلدان الذين يحكمون تحت حكم الإمام (عجّل الله فرجه) المباشر، أمّا جيش الإمام (عجّل الله فرجه) فإنَّه سيكون من الآلاف المؤلفة إنْ لم يكن من الملايين من المؤمنين المجاهدين المضحِّين.
وقد يطرح البعض سؤالاً مفاده:
بما أنَّ ظهور المهدي (عجّل الله فرجه) وإقامة دولة العدل الإلهي وعدٌ إلهي، ألا يمكن توفير القاعدة المؤمنة ولو بالمعجزة وتخليص الإنسانية المعذَّبة من عذاباتها المستمرة؟
وهذا السؤال يشي بالجبرية التي أخذت بها بعض المدارس الإسلامية، التي هي عكس حكمة الله تعالى وعدله، إذ أتاح للإنسان حرية الاختيار وربط الأسباب بمسبِّباتها، ضمن قوانين طبيعية واجتماعية، فلو كان كما يقترح أولئك لما كان لقانون الابتلاء من أثر:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: ١).
﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١).
فالتغيير نحو الأحسن أو الأسوأ بيد الإنسان ضمن مساحة الاختيار المتاحة له، أمّا المعجزة أو التدخُّل الإلهي المباشر فهي الحالة الخارجة عن القاعدة العامَّة لحركة المجتمع البشري والحكمة الإلهية، ولا تقع إلّا في معرض التحدِّي من قبل القوى المناهضة للمنهج الإلهي ورُسُل الله، كمعجزة عصا موسى وناقة صالح (عليهما السلام)، وانشقاق القمر لسيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو في حالة تعرُّض الأُطروحة الإلهية أو القيادة المعصومة لتحدٍّ أو خطرٍ وليس ذلك بكل موقف، فقد تعرَّضت التوراة والإنجيل للتحريف ولم تحدث معجزة لمنع ذلك، وتعرَّض الكثير من الأنبياء (عليهم السلام) للقتل مثل أرميا وزكريا وابنه يحيى (عليهم السلام).
نعم سيستخدم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) المعجزة أو الولاية التكوينية في صراعه ضد أعدائه من النواصب والأوربيين، ولكن ما فحوى تلك المعجزة؟ فذلك من الغيب الذي لا يعلمه إلّا الله تعالى وهي بحدود ضيِّقة.
وقد يطرح البعض الآخر سؤالاً مفاده أيضاً:
أَلَيس بإمكان شَرْطَيْ الظهور المقدَّس أو عنصرَيْه: الأُطروحة والقيادة، توفير أو صنع الشرط أو العنصر الثالث وهو القاعدة المؤمنة ولو بالولاية التكوينية؟
وهو سؤال مشابه للسؤال السابق باستثناء أنَّه في هذه المرة أَوْكَلَ توفير القاعدة المؤمنة للأطروحة الإلهية والقيادة المعصومة.
إنَّ توفير القاعدة المؤمنة ليس من مهام الأطروحة الإلهية والقيادة المعصومة بصورة منفردة خارجة عن اختيار الناس، وإنَّما يكون ذلك تبعاً لحركة المجتمع نحو التغيير والانقلاب على مفاهيمه الباطلة وتطلُّعه للعقيدة الحقَّة واعتناقه لمفرداتها بدون انتقائية واتِّخاذ السلوك العملي المتوائم معها:
﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: ٢٩).
﴿إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية: ٢١-٢٢).
إنَّ الأطروحة الإلهية كأيِّ عقيدة من العقائد تطرح أمام الناس، وتقدِّم حلولها ومفاهيمها وتجربتها الناجحة وبراهينها وحججها، ثمَّ يبقى الاختيار للناس فما من جبر وإكراه:
﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: ٢٥٦).
أمّا القيادة المعصومة فلها التوجيه والإرشاد والتربية والتقويم وتوضيح مفاهيم العقيدة وتطبيق مفرداتها إذا سنح الظرف وبسطت لها اليد بذلك، فحالة المجتمع انعكاس لاستبطانه الداخلي، فإنْ كان وصل إلى العقيدة الحقَّة وآمَنَ بها واستعَدَّ لتطبيقها على نفسه انعكس ذلك بحياته والعكس بالعكس: «كما تكونوا يولّى عليكم»(١٣).
فوجود الحاكم المستبد المستهتر انعكاس لحالة المجتمع المتردية الخانعة المستسلمة للظلم والانحراف، فالشعوب هي التي تصنع الطواغيت وليس العكس.
فلو أنَّ المسلمين أو الصحابة استجابوا لمناشدات علي وفاطمة (عليهما السلام) بعد أحداث السقيفة لما حدَّثنا التاريخ عن عصر ما يدعى بعصر الخلفاء الراشدين ولحدَّثنا عن زُمرة مرتدَّة نفَّذ بها حكم الله، ولما حصل ما حصل من مآس وكوارث للأُمَّة الإسلامية.
وفي هذا تنفتح مساحة واسعة للإنسان أن يختار، وحينما يختار ويؤمن بعقيدة ما فإنَّه يقوم بتغيير نفسه أولاً ثم ينطلق إلى تغيير الآخرين ثانياً، فالجبر والإكراه ضدّان لطبيعة الإنسان ومحاولة إجبار الناس على اعتناق عقيدة ما، ولو كانت صحيحة تؤدي إلى فعل معاكس وهو العِداء والكيد لها.
نعم، هناك لله إرادة توفيقية وهي الأخذ بيد العبد فيما إذا استقام وسار في الطريق الصحيح وتعثَّر فإنَّ الله يساعده ويوفقه ويسدده.
وعليه فإنَّ الشرط الثالث الذي هو القاعدة الإيمانية التي تأخذ على عاتقها مهمَّة مواجهة قوى الاستكبار المحلّي والعالمي وتحت لواء القيادة المعصومة معدوم، ويؤيِّد ذلك منطق الأحداث الجارية منذ إعلان الغيبة الكبرى وحتّى اليوم، وإلّا فإنَّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) إذا توفَّرت قاعدته المجاهدة لما وسعه إلّا القيام.
إنَّ الأمر فيه توقف على الأُمَّة منذ قرون عديدة، لأنَّها ما زالت بحالة التشرذم والتمزق والانحراف العقائدي والسلوكي من جراء سيطرة إسلام السقيفة وأهل الكتاب على قطاعات واسعة منها.
فالإمام المهدي مُنْتَظِرٌ (بكسر الظاء).
وعندما نرجع إلى أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) فإنَّنا نجدها تؤكِّد باستمرار على توفير قاعدة جماهيرية واسعة ذات مواصفات إيمانية خاصَّة، وقد حدَّدَتْ وبيَّنَت هذه المواصفات وفرضتها الظروف والأحداث، فلو توفَّر للإمام علي (عليه السلام) أربعون شخصاً يعيرون الله جماجمهم كما أشار الإمام نفسه لقضى على انقلاب السقيفة الجاهلي وحسب تعبيره «لخلع ابن آكلة الذباب»(١٤).
ولكي تكون الصورة واضحة أمامنا أكثر فأمامنا كمثال الثورة العباسية التي أطاحت بالحكم الأموي وموقف الإمام الصادق (عليه السلام) منها ومن قادتها الذين عرضوا على الإمام (عليه السلام) تسلُّم الخلافة فرفض ذلك بشدَّة، بل إنَّه لم يقرأ رسالة أبي سلمة الخلال(١٥) وأحرقها، وذلك لأنَّ قادة الثورة وقاعدتها لا علاقة لهم بالأطروحة الإلهية ولا بالإمام المعصوم إطلاقاً، فالقبول بذلك الرداء القبيح - أعني الخلافة - هو انتحار عقائدي وأخلاقي وسياسي، لأنَّ في ذلك إضفاء الشرعية على ثورة دموية ارتكبت مجازر وفضائع وقتلاً للأبرياء إضافة إلى احتمال وقوع الإمام (عليه السلام) تحت إملاءات قادتها.
فما كان الفرس الغاضبون على الحكم الأموي العنصري الظالم من الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) القيادة المعصومة، وإنَّما كانوا يعيشون بحالة من الضبابية والتعمية الإعلامية التي فرضها بنو أمية أثناء حكمهم الطويل وبنو العباس أثناء بثِّهم لدعاتهم في الأمصار، حيث إنَّهم جعلوا أنفسهم من أهل البيت (عليهم السلام) المطلوب من الأُمة محبتهم ومودَّتهم وموالاتهم، وقد استغلَّ بنو العباس انتماءهم لبني هاشم وأنَّهم من أقارب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنَّهم أخوة آل أبي طالب المقتولين بسيوف وسموم بني أمية وأنَّهم ثاروا لطلب الثأر للحسين (عليه السلام) شهيد كربلاء ودم حفيديه زيد بن علي ويحيى بن زيد المستشهدين قبل الثورة بسنوات قليلة، فرفعوا شعار الرضا من آل محمد (عليهم السلام).
الثورة العباسية لو طرحت على طاولة التشريح والنقد البَنَّاء لوجدنا أنَّنا أمام ثورة شعبية ضد حكم ظالم، ولكنها في نفس الوقت ليست عقائدية تستلهم مفرداتها من العقيدة الحقَّة، وهي كما يقال فورة في فنجان، فالثوار يريدون التخلُّص من بني أُميَّة حتّى لو تحالفوا مع الشيطان، وبالفعل فقد تحالفوا مع الشيطان الأكبر بني العباس، فليس بالإمكان بناء مجتمع فاضل يحكم بالقرآن الكريم وسُنَّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بذلك الوضع البائس الذي تسبَّبت به السقيفة ورواتها ومن بعدهم بنو أُميَّة وبنو العباس، فالمسخ العقائدي والأخلاقي قد وقع في هذه الأُمَّة، إلى درجة أنَّه قد وجدت فئات مستعدة لسل السيوف لقتل أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ببرودة أعصاب، وهذا ما حصل فعلاً، فبعد أنْ كان المنصور العباسي يتجوّل في القرى والبوادي يُحَدِّث بفضائل أهل البيت (عليهم السلام) ويتكسَّب بهم، وإذا من يده تقطر دماء أهل البيت (عليهم السلام) بعد ما لبس جُبَّة الخلافة، حتّى إنَّه صرح بأنَّه قتل ألفاً من بني فاطمة وبقي سيدهم ويقصد به الإمام الصادق (عليه السلام)، وبالفعل فقد قتل الإمام الصادق (عليه السلام) بالسم وهو أوَّل إمام صرع بسموم بني عمِّه لأجل المُلك وحطام الدنيا، والذي أَسَّس كل ذلك أقطاب السقيفة الذين لم يرعوا لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حرمة، فهاجموا بيت ابنته وأحرقوا بابها وضربوها بالسياط وأقربة السيوف ثم أسقطوا جنينها وكسروا أضلاعها وماتت شهيدة بعد أبيها بأكثر من شهرين، فكان نتاج هذا الغرس الخبيث - الجمل وواقعته - التي كانت قائدتها زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عائشة وهي التي تعرف منزلة من تقاتله فضربت تحذير رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لها من أنْ تكون صاحبة الحوأب راكبة الجمل الأدبب ووصفها بالحميراء، عرض الجدار، فهذه زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتفعل ذلك الفعل الشنيع متقلدة دماء أكثر من عشرين ألفاً من بنيها، فكيف بالأباعد الذين لم تصلهم أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأهل بيته (عليهم السلام)؟
جاءت مع الأشقين في هودج

تزجي إلى البصرة أجنادها
كأنَّها في فعلها هرة

تريد أن تأكل أولادها(١٦)
بل إنَّ كل ما حصل لهذه الأُمَّة من مآس يقع على عواتق أولئك المنافقين.
وإلّا من الذي جرّأ معاوية على الوقوف بوجه أخي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ووصيه وحامل رايته في الدنيا والآخرة ثم يتربَّع على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الملعون على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مراراً وتكراراً، بل إنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بقتله إذا ارتقى منبره.
ويكفيه عاراً أنَّه من الشجرة الملعونة في القرآن(١٧).
ولا أدري هل إنَّ أولئك المتقدسين في هذه المدرسة لم يسمعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مراراً وتكراراً يقول مخاطباً علياً (عليه السلام) بمحضرهم: «يا علي حربك حربي وسلمك سلمي»(١٨).
فالذين حاربوا علياً (عليه السلام) في معارك الجمل وصفين والنهروان هم في حقيقة الأمر، محاربون لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والحكم للقارئ الحصيف.
وبذلك تتَّضح الصورة الحقيقية الواقعية من خلال طرح المعصومين (عليهم السلام) المحدِّد لمواصفات القاعدة الإيمانية.
فهدف المعصوم (عليه السلام) في كل زمان هو الإنسان، أي بناء الشخصية الإسلامية القوية الواعية، وهذا البناء لا يتم بضربة لازب، وإنَّما يحتاج لفترة طويلة من التجارب القاسية المريرة حتّى يصل إلى حالة التولِّي والتبرِّي.
ويدخل ذلك ضمن تركيبة الشخصية الإسلامية التي تكون متفاعلة مع القطبين سلباً وإيجاباً.
وللشخصية الإسلامية هذه، مواصفات محدَّدة:
منها ما هو داخلي استبطاني.
ومنها ما هو خارجي سلوكي.
ونقصد بالداخلي الاستبطاني هي حالة وصول المؤمن بالأطروحة الإلهية إلى أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، أي التسليم أمام رب العالمين فيكون عنده الموت والحياة سيان، وهذه شبيهة لحدٍّ ما بقول إبراهيم الخليل (عليه السلام): ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (البقرة: ١٣١)، وذلك عندما تنتزع الرواسب العالقة في قلبه من حُبِّ الدنيا والمال والولد والجاه.
وقد يقول البعض: هذه مثالية لا توجد إلّا في أفكار وعقول بعض المتصوِّفة الذين يشطحون كشطحات الحلّاج وابن عربي، فنرد: بأنَّه ألا يوجد في تاريخنا نماذج كانت هكذا؟
ماذا نقول بأبي ذر وسلمان والمقداد وحذيفة ومالك الأشتر ومحمد بن أبي بكر وأصحاب الحسين (عليه السلام) في كربلاء وغيرهم من أصحاب الأئمة (عليهم السلام)؟
ولو أنَّنا استخدمنا التحليل البنيوي لذلك لوجدنا أنَّ الإيمان يأتي في المقدمة، فما هو بطنطنة لسان ولا بكثرة صلاة وقيام وصيام، وإنَّما هي حالة أشرنا إليها آنفاً وهي التسليم والقبول بكل ما يترتَّب عليه في مواجهة الآخرين سواء أكانوا أصدقاء أو أعداء، ويكون مسلِّماً أمام قائده المعصوم فيقوم بممارسة ذلك عملياً حتّى يصبح ذلك من نسيجه الداخلي، أو بالتعبير العرفاني حالة التخلية والتحلية.
وعندما نستقرئ الأطروحة الإلهية نفسها لتفسير كل ذلك فإنَّه يبرز أمامنا مفهومان:
(الإسلام - الإيمان).
إنَّ مفهوم الإسلام هو النطق بالشهادتين وهو جواز الدخول في الأُمَّة، فيحرم دم المسلم وعرضه وماله، ولا يجوز بأيِّ حالٍ الاعتداء عليه إلّا بنصٍّ شرعيٍ خاص يتعلَّق ببعض الموارد الجنائية، كالقتل العمد للنفس المحترمة أو الزنا بعد إحصان أو الحرابة والإفساد في الأرض أو الارتداد عن الدين عن فطرة - بعد الاستتابة - وهي موارد قليلة جداً للغاية، وقد شدَّد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) النكير على أُمَّته بهذا الصدد:
- «من كفّر مسلماً فقد كفر»(١٩).
- «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»(٢٠).
- «لا ألفينكم ترتدّون من بعدي يضرب بعضكم رقاب بعض»(٢١).
ولكن هل التزم المسلمون بما قاله نبيهم؟
ويسير مع هذا المفهوم مفهوم آخر هو الإيمان، فهما يلتقيان بنقطة واحدة هي الشهادتان بيد أنَّهما مختلفان فالإيمان شيء والإسلام شيء آخر، الإيمان إقرار باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان(٢٢).
فالتشهد بالنسبة للإيمان هو بوابة تفتح على عالم كبير هو الإسلام الحق، فليس المناط هو لقلقة باللسان وإنَّما يجب أن ينزل التشهد من اللسان إلى القلب، ومن القلب إلى السلوك الخارجي للمؤمن، ولعلَّ أول خطوة في الاتجاه الصحيح: «المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه»(٢٣).
ومن أجل ذلك فقد وضع القرآن الكريم حدّاً فاصلاً بين الإيمان والإسلام: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: ١٤).
وعليه فليس كل مسلمٍ مؤمناً، ولكن كل مؤمن مسلم.
فمناط التفريق بينهما الاعتقاد القلبي والسلوك المتوافق مع الأطروحة الإلهية، ولذا فإنَّه من الصعب معرفة ذلك، فالمطَّلِع على السرائر هو خالق السرائر، وبالنسبة للسلوك فإنَّ من طبيعة المؤمن الابتعاد عن كل ما قد يؤدّي إلى الرياء والتظاهر بالصلاح أمام الآخرين فتخلو الساحة للمرائين والمنافقين فترتفع أصواتهم وحسب وصف علي بن أبي طالب (عليه السلام) لطريقة عبد الله بن عمرو بن العاص: «ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا».
ولأجل ذلك اكتفى الشرع بظاهر الناطق بالشهادتين وأوكل باطنه لله تعالى.
ولكن هؤلاء ذوي الأردية القصيرة نسخوا شريعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فصاروا يفتشون في قلوب المسلمين ويقتلونهم بدعاوى الشرك بالرغم من أنّ المغدورين ينادون بالشهادتين ليلاً ونهاراً ويصلّون باتجاه القبلة ويصومون شهر رمضان ويحجّون إلى البيت، ويجاهدون في سبيل الله تعالى، ولكن هؤلاء يبرِّرون ذلك بتبريرات سخيفة تدلُّ على سخافة عقولهم وجهلهم المطبق واندفاعهم الأهوج وراء اليهود المتسترين بالإسلام.
إذن فإنَّ أول مواصفات الإنسان المرجو لمجابهة قوى الكفر العالمي هو الإيمان، ولكن إيمان الذي يقاتل تحت راية المهدي (عجّل الله فرجه) ليس كأيِّ إيمان.
إنَّ الإيمان درجات أدناها القيام بالواجبات والابتعاد عن المحرَّمات أمّا أعلاها فلا يعلمه إلّا الله تعالى.
فالمؤمن إنسان إيجابي متفاعل مع الأحداث يؤثِّر بها وتؤثِّر به، لم يكن في يومٍ منعزلاً عن مجتمعه كالرهبان في الأديرة والصوامع، وهو يعيش على سجيَّته من غير تصنُّع أو تكلُّف أو تمثيل، فسلوكه الخارج انعكاس لما في باطنه لا يزيد ولا ينقص.
إنَّ حمل الأطروحة الإلهية والعمل على تطبيقها والتضحية في سبيلها مهما كانت الظروف والطاعة المطلقة للمعصوم (عليه السلام) من غير أن تتردد كلمة (لماذا) في قلب المؤمن ظاهراً وباطناً؛ لهو إيمان من نوع خاص.
إيمان سلمان المحمدي، إيمان أبي ذر الغفاري، إيمان أويس القرني، إيمان أصحاب الحسين (عليه السلام)، والقائمة طويلة.
ولعلَّ رجعة بعض هؤلاء الأبرار مع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هي نتيجة لإيمانهم القوي العالي ولكون وجودهم مع أنصاره آخر الزمان مما يقوِّي من إيمان الآخرين ويجعلهم أشدّ بصيرة(٢٤).
فالموت قنطرة يعبرها المؤمن إلى الراحة الأبدية والكافر إلى العذاب الأبدي، وهي منصوبة بين عالم الدنيا وعالم البرزخ وسيعبرها بالاتجاه المعاكس كل من محض الإيمان محضاً وكل من محض الكفر محضاً.
هذا الإيمان يعني إلغاء الذات أمام القائد.
فالمؤمن ينطلق من قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء: ٦٥).
ولذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتأوَّه شوقاً إلى مؤمني آخر الزمان ويصفهم بأنَّهم إخوانه، حتّى قال أصحابه: ألسنا إخوانك؟
فيقول (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا، أنتم أصحابي»(٢٥).
فيتجلّى الفرق بين الأخ والصاحب، فكيف بمن هو ولده؟ أَيُقاس الصاحب به؟
فأي منزلة يتمتع بها أولئك الأنصار والموالون؟
إنَّ حقيقة منزلتهم أنَّهم آمنوا بسوادٍ على بياض، أي إنَّ غيبة الولي بالنسبة لهم هي شهود.
وحين ندقِّق بكلمة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنتم أصحابي» فإنَّ فيها أموراً كشفتها الأيام!
وقد يتبادر سؤال: لماذا تاريخنا يقدم الصاحب على الأخ ويجعل له منزلة فوق أهل بيت الرجل؟
أليست تلك معادلة مقلوبة؟
ألا يجدر بنا أنْ نسمّي تاريخنا بالأعور الدجال؟
ولا أدري كيف يُترضّى على معاوية مع الترضّي على علي (عليه السلام) وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخيه؟
وحقيقة الأمر أنَّ تاريخنا حكايات لمجموعة من الرواة قبضوا أثمان أكاذيبهم من حُكّام الجور.
وليس ذلك بغريب، فشخصية هؤلاء التي شكَّلتها قساوة الصحراء ورواسبه الجاهلية والقبلية تجعله أعمى أمام الأنوار الإلهية، فلا يرى أمامه إلّا أنَّ بني هاشم سبقوه وعليه اللحاق بهم أو سبقهم لتوزيع المغانم - بتصوره - فحسبُ بني هاشم النبوّة، أمّا الرئاسة والسلطنة فلقبائل قريش.
وهؤلاء الذين قاموا بالانقلاب ارتضوا أن يكونوا رأس الحربة بتلك المواجهة ولهم بوادر قبل ذلك، فكثيراً ما وضعوا أنفسهم بمقامات ليست لهم كما حصل أثناء وفد تميم حتّى عَلَت أصواتهم في حضرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت بحقهم سورة الحجرات، وكما جذب أحدهم رداء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بشدَّة وقال بكلِّ صلافة: ألم يأمرك ربُّك ألّا تصلّي على المنافقين(٢٦)؟
فماذا يقول المفتونون به إلّا أنْ يقولوا إنَّه من شدَّة حرصه على الإسلام وكأنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس حريصاً على الإسلام.
وقد اتَّخذ التآمر القرشي وجوهاً عدَّة:
منها المباشر كمحاولة اغتيال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة تبوك، وكان أبرز المشاركين فيها أبطال السقيفة.
أمّا غير المباشِر فهو بمنهج الاجتهاد مقابل النص وهو منهج مأخوذ من اليهود.
وهكذا اشتغلت ماكنة الدعاية القرشية فخلطت الباطل بالحق وضاعت معالم الطريق على الملايين من المسلمين منذ قرون، ولأجل أن ترجع الأُمَّة إلى جادَّة السواء فعلى المفكِّرين الانطلاق من قاعدة عظيمة وضعها الوصي الأول (عليه السلام) فحواها:
«اعرف الحق تعرف أهله»(٢٧).
هذه القاعدة العظيمة تتضمن أموراً خطيرة:
اعرف الحق أين هو وأين مصدره وآمِن به.
اعرف أهل الحق وأهل الباطل وفرّق بينهما.
تولَّ أهل الحق وناصرهم.
تبرَّأ من أهل الباطل وأبغِضْهُم.
وقد يقول البعض: إنَّ من تصمهم هكذا قلة، فنقول: ولو، فإنَّ القلة ممدوحة عند الله إلّا أنَّها غير مجدية في المواجهة الكبرى بين المؤمنين وقوى الاستكبار العالمي، وإنَّما يجب أنْ يسير بجنب النوعية الكمية، أي يجب أنْ تكون القاعدة المؤمنة ذات امتداد أفقي واسع، فلو توفَّر للوريث الشرعي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أربعون على شاكلة أبي ذر وعمار والمقداد وسلمان لقام بالأمر.
فكل معصوم في عصره صاحب السيف الذي لو توفَّرت له قاعدته لخرج وأقام دولة العدل الإلهي، فالمعصومون (عليهم السلام) قبل الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هم مهديون لكن الظروف لم تكن لصالحهم لكي يملؤوا الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً.
وقد يسأل البعض: إذن لماذا نهض الإمام الحسين (عليه السلام) بذلك العدد القليل لمواجهة دولة مترامية الأطراف تمتلك إمكانيات مادية وإعلامية ضخمة؟
والجواب: أنَّ حركة الإمام الحسين (عليه السلام) حالة خاصة لظرف خاص لأنَّه يجب القيام بذلك وتقديم ذلك القربان العظيم لإيقاظ الأُمَّة التي نامت عقوداً.
وبالفعل فقد استيقظت الأُمَّة وراحت ثوراتها تتوالى وما زالت تستلهم من الإمام الحسين (عليه السلام) وثورته الخالدة معاني الصمود والجهاد.
وخلاصة القول: إنَّه لم تتوفَّر لكل إمام قبل الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) قاعدته التي بواسطتها يتمكَّن من إقامة دولة العدل، ولذلك أصبح الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هو الذي يقوم بهذه المهمة الخطيرة وهو الوصي الثاني عشر لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخاتم الوصيين (عليهم السلام)، حيث لا يوجد معصوم بعده، ولذا فإنَّ من أهم أسباب عدم ظهوره منذ قرون هو عدم توفُّر الشرط الثالث. فالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) يعلم منذ ولادته وحتّى إعلان غيبته الكبرى أنَّ ذلك الزمان ليس زمان ظهوره، فالمجتمع ما زال منحرفاً وقاعدته الموالية ضعيفة وقليلة العدد، ولذا وضع نظام النيابة الخاصة لفترة الغيبة الصغرى حيث نوابه الأربعة، وبعد ذلك وضع نظام النيابة العامة بعد إعلان الغيبة الكبرى.
هذا النظام هو الذي حفظ الشيعة والتشيع خلال العصور المتعاقبة بالرغم مما عاناه الشيعة من أعدائهم وخصومهم وما زالوا هكذا.
وقد يسأل بعض الجهلة والمغرضون:
كيف لم تتوفَّر القاعدة الإيمانية خلال أحد عشر قرناً مضت؟
وهو سؤال ينم عن جهل بحقيقة الأمور، فظهور الإمام (عجّل الله فرجه) ليس خاضعاً لأمزجة الناس، وإنَّما هو ضمن منظومة إلهية خطّطت منذ الأزل حركة التاريخ والمجتمعات وجعلت عملية انطلاق الثورة العالمية مرهونة بحالة التغيير التي ستحصل بما يجعل من حالة وعي المجتمعات تصل إلى الحد المناسب الذي تكون فيه ساعة الصفر، فالزمن مكوَّن أساساً بتكوين الحدث، لكنه بالنسبة للحركات الإصلاحية يختفي نوعاً ما، فإدريس (عليه السلام) غاب عن قومه عشرات السنين بعدما عصوه ولم يتبعوا منهجه الإلهي، فكان أن سلّط الله تعالى عليهم الجبابرة والجدب والمجاعة، وكان ذلك العصا التي أدَّبت قومه، فأخذوا يتضرَّعون إلى الله ليكشف عنهم البلاء وأظهروا الإنابة والتوبة فأعاد الله لهم نبيَّهم، وغيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لا تخرج عن هذا الإطار.
إنَّ مخاض الأحداث في عصرنا يشير إلى أنَّ الظهور المقدس يمكن أنْ يكون قريباً لتحقق بعض العلامات ولأن ملامح القاعدة المؤمنة ذات الامتداد الأفقي بدأت بالوضوح في بعض البلدان مثل إيران والعراق ولبنان وهي البلدان التي ستنصر الإمام (عجّل الله فرجه) عند الظهور، وخصوصاً العراق فإنَّه قاعدته التي يرتكز عليها حكمه للعالم، فإنَّه - أي العراق - بدأ السير الحثيث للقاء قائده الحبيب من خلال ما قدَّمه ويُقدِّمه من دماء وتضحيات، فالشهادة في سبيل المبدأ والعقيدة أصبحت ممارسة يومية وتوقاً وطريقاً، وأمامنا أبطال فتوى الدفاع المقدس - الحشد الشعبي -.
إنّ المراقب للزحف المليوني من شتّى بقاع العراق وخصوصاً من أقصى جنوبه إلى كربلاء الشهادة في زيارة الأربعين، إن هذه الممارسة تبهر وتدهش العالَم بأسره، فخلال عشرين يوماً ينقلب كل شيء.
الكل يسير على قدميه: المرأة، الشيخ الكبير، الطفل الصغير، الشاب الغرير، والجميع يأكل ويشرب وينام ويعالَج إِنْ مَرِض بدون مقابل، دعم لوجستي لا تَقْدِر أكبر الدول على تقديمه، فبيوت العراقيين في كلِّ مدينة أو ناحية أو قرية مفتوحة يدخل من يشاء فيها مع توسُّل واستعطاء من صاحب المنزل لتشريفه بالحلول ضيفاً عليه، فالجميع من الزاحفين على الأقدام إلى القائمين تحوَّل إلى مجتمع ملائكة.
حب.. تضحية.. إيثار.. الشعار واحد والهتاف واحد:
لبيك يا حسين، لبيك يا حسين، لبيك يا حسين.
ولا يدرى هل بيد الإمام الحسين (عليه السلام) هراوة تسوق هؤلاء إلى قبره المنيف؟
نعم بيد الإمام الحسين (عليه السلام) هراوة عظيمة هي هراوة الحب.
ما أحب شعب في العالم مثلما أحب شعب العراق الحسين (عليه السلام)، فقد ذابوا بالحسين (عليه السلام) كما يذوب السُكَّر في الماء، عبَّروا عن ذلك بأشعارهم، بخطبهم، بقصصهم، ببكائهم، بحزنهم، حتّى إنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) يأمر أبا هارون المكفوف بأنْ يندب الحسين (عليه السلام) بطريقة أهل العراق(٢٨)، ويلاحظ أنَّ حتّى خطباء المنبر الحسيني من غير العراقيين لا يندبون الحسين (عليه السلام) إلّا بأشعار أهل العراق.
وهنا تتجلّى بعض ملامح اختيار العراق عاصمة ومقرّاً ومسكناً للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) فإنَّ أهل العراق سيجعلون من أجسادهم وأجساد أطفالهم ونسائهم دروعاً للإمام (عجّل الله فرجه).
وقد يقول البعض: أنت تبالغ بوصف أهل العراق لأنَّهم أهلك.
فأقول: تعالوا أيّام الزحف المليوني إلى كربلاء وستجدون مصداق ما قلته وأقوله، بل لو شاهدتم أبطال فتوى الدفاع المقدس لقلتم: إنَّك قصَّرت كثيراً بوصفهم.
فالقضية ليست بسيطة أو تقليدية وإنَّما هو الحب.
وهل الدين إلّا الحب كما قال أحد المعصومين (عليهم السلام)؟
نعم، إنَّ العراق حجر الرحى في عصر الظهور وبأهله سيطحن الإمام (عجّل الله فرجه) المستكبرين.

الهوامش:
(١) في الكافي للكليني - بَابُ الْبَدَاءِ - ح١: عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ عَنْ أَحَدِهِمَا (عليهما السلام) قَالَ: مَا عُبِدَ الله بِشَيْءٍ مِثْلِ الْبَدَاءِ.
(٢) في الغيبة للنعماني: ص٣١٥، باب ١٨، ح١٠، عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، قال: كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا (عليه السلام) فجرى ذكر السفياني، وما جاء في الرواية من أن أمره من المحتوم، فقلت لأبي جعفر: هل يبدو لله في المحتوم؟ قال: «نعم». قلنا له: فنخاف أن يبدو لله في القائم. فقال: «إن القائم من الميعاد، والله لا يخلف الميعاد».
(٣) في كمال الدين للصدوق: ص٢٨٠، ح٢٧: «والذي بعثني بالحق نبيا لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيه ولدي المهدي فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه وتشرق الأرض بنوره ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب».
(٤) عقد الدرر في أخبار المنتظر: الفصل الرابع، ص٨٥.
(٥) عن الإمام الباقر (عليه السلام): «خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً...» [الغيبة للنعماني: ٢٦٤/ باب ١٤/ ح ١٣].
(٦) عن أبي بصير: قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «من يضمن لي موت عبد الله أضمن له القائم»، ثم قال: إذا مات عبد الله لم يجتمع الناس بعده على أحد، ولم يتناه هذا الأمر دون صاحبكم إن شاء الله، ويذهب ملك السنين ويصير ملك الشهور والأيام»، فقلت: يطول ذلك؟ قال: «لا». [الغيبة للشيخ الطوسي: ص٢٧١].
(٧) انظر: الإرشاد للمفيد: ج٢، ص٣٦٨- ٣٦٩.
(٨) ذكر المؤرخون أن عبد الله بن عمرو بن العاص عثر على (زاملتين) أي حقيبتين من كتب الروم أثناء الفتح الإسلامي للشام، فكان يحدث منهما وينسبه لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أي كان يدلِّس.
(٩) صحيح أنَّ الأشراط ليست علة للظهور، ولكن يمكن القول بضرورة وقوعها من باب إخبار أهل البيت (عليهم السلام) بضرورة وقوعها.
(١٠) فصَّلْنا تلك الأحداث في كتابنا المخطوط فاطمة الزهراء (عليها السلام) والغضب الأبدي الذي نأمل أن نوفَّق لطبعه.
(١١) فقد رووا أنه قال حذيفة بن اليمان، قلت: يا رسول الله إنا كنّا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: نعم، قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: نعم، قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: نعم، قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع... [صحيح مسلم النيسابوري: ج٦، ص٢٠].
(١٢) قال العلامة المجلسي: (وجدت رسالة مشتهرة بقصة الجزيرة الخضراء في البحر الأبيض أحببت إيرادها لاشتمالها على ذكر من رآه، ولما فيه من الغرائب. وإنما أفردت لها باباً لأني لم أظفر به في الأصول المعتبرة) [بحار الأنوار: ج٥٢، ص١٥٩].
(١٣) تخريج الأحاديث والآثار: ج١، ص١٨٣.
(١٤) الاحتجاج: ج١، ص١١٢.
(١٥) قدم محمد بن عبد الرحمن المدينة علي أبي عبد الله جعفر بن محمد فلقيه ليلاً، فلمّا وصل إليه أعلمه أنه رسول أبي سَلَمة، ودفع إليه كتابه، فقال له أبو عبد الله: وما أنا وأبو سلمة؟ وأبو سلمة شيعة لغيري، قال: إنّي رسول، فتقرأ كتابه وتجيبه بما رأيت، فدعا أبو عبد الله بسراج ثم أخذ كتاب أبي سلمة فوضعه على السراج حتى احترق، وقال للرسول: عرف صاحبك بما رأيت... [مروج الذهب للمسعودي: ج٣، ص٢٥٤].
(١٦) البيتان للحميري كما في مناقب آل أبي طالب لابن شهراشوب: ج٢، ص٣٣٥.
(١٧) ما اختلف المسلمون بجميع طوائفهم بأن المقصود بالشجرة الملعونة في القرآن الكريم هم بنو أمية، وقد أضاف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ذلك أحاديث تذمُّهم وتحذِّر أُمَّته منهم، بل لعن البعض منهم كمروان بن الحكم وأباه وسمّاه الوزغ بن الوزغ، ولعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) معاوية بأحاديث تصل إلى خمسة عشر حديثاً.
(١٨) أمالي الشيخ الصدوق: ص١٥٦.
(١٩) لم يرد هذا الحديث بهذا اللفظ، والوارد في كتب العامة هو: عن عبد الله بن عمر... إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما [صحيح البخاري: ج٧، ص٩٧].
(٢٠) أمالي الطوسي: ص٥٣٧.
(٢١) روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه خطب الناس يوم النحر بمنى فقال: «أيها الناس، لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» [دعائم الإسلام للقاضي النعمان المغربي: ج٢، ص٤٠٢، ح١٤٠٩].
(٢٢) الخصال للشيخ الصدوق: ص١٧٨، ح٢٣٩.
(٢٣) الكافي للكليني: ج٢، ص٢٣٤، باب المؤمن وعلاماته وصفاته: ح١٢.
(٢٤) روى المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يخرج القائم (عليه السلام) من ظهر الكوفة سبعة وعشرين رجلاً، خمسة عشر من قوم موسى (عليه السلام) الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون، وسبعة من أهل الكهف، ويوشع بن نون، وسلمان، وأبا دجانة الأنصاري، والمقداد، ومالكاً الأشتر، فيكونون بين يديه أنصاراً وحكاماً» [الإرشاد للمفيد: ج٢، ص٣٨٦].
(٢٥) سنن النسائي: ج١، ص٩٤.
(٢٦) في صحيح البخاري: ج٥، ص٢٠٦، كتاب تفسير القرآن: عن ابن عمر... قال لمّا توفّى عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله [(صلى الله عليه وآله وسلم)] فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلّى عليه، فقام رسول الله [(صلى الله عليه وآله وسلم)] ليصلّي، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله [(صلى الله عليه وآله وسلم)]، فقال: يا رسول الله، تصلّي عليه وقد نهاك ربّك أن تصلّي عليه؟! فقال: رسول الله [(صلى الله عليه وآله وسلم)]: إنّما خيَّرني الله، فقال: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة وسأزيده على السبعين)، قال: إنه منافق، قال: فصلّى عليه رسول الله [(صلى الله عليه وآله وسلم)]، فأنزل الله تعالى ولا تصلِّ على أحدٍ منهم مات أبداً ولا تقم على قبره.
(٢٧) روضة الواعظين - للفتال النيسابوري: ص٣١.
(٢٨) عن أبي هارون المكفوف قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «يا أبا هارون أنشدني في الحسين (عليه السلام)»، فأنشدته قال: فقال لي: «أنشدني كما ينشدون» - يعني بالرقة - قال: فأنشدته هذا الشعر:
أمرر على جدث الحسين فقل لأعظمه الزكية
قال: فبكى... [ثواب الأعمال - للشيخ الصدوق: ص٨٤].

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved