مُتلازمةُ الشامِ والعراقِ في رؤية أنطولوجيّة للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)
__________________________________________________ __


لقد أَطلعَ الإمامُ علي بن أبي طالب (عليه السلام) الأمةَ على حقائق وجودية تتمثّل في بعض أحايينها بتحققٍ خارجي تارةً وأخرى بتحقق شرطي يتقوم ويتوقف في تحققه على قدرة الإنسان على التصرف في الشرط والجزاء إيجابا أو سلبا , أو إثباتاً أو نفياً .


وهذه الحقائقُ الوجودية التي كشفَ الإمامُ علي (عليه السلام) النقابَ عنها بوجه التنزيل للموعود محل الواقع أو القريب منه , إنما هي رؤى انطولوجية تمسحُ في نظرها الدقيق كلَّ حَراكٍ مُريبٍ , مُعاصرٍ في حدوثه الوضعي أو مُتوقعٍ في مقاربته لما يحدث من أول الأمر .


فلم تكن النتائج المُحتملة من مقدماتها الحادثة للوهلة الأولى بغائبة عن الوعي الأنطولوجي عند الإمام علي (عليه السلام) ولو على سبيل الاستشراف أو التفكير المستقبلي .
لذا قدّمها (عليه السلام) بلون النص البنائي المُشتمل على مواد مُطلقة في مفهوماتها ودلالاتها وأغراضها , وهي لا تخلو من حكمة علمية وعملية لمن نظرَ فيها نظرَاً عميقا .




ثمةَ إشرافةٍ من الإمام علي (عليه السلام) يطلعنا من خلالها على جدل التنازع بين مَحلين تاريخيين متقاربين جغرافياً ومُختلفين عقديا وفكريا ألا وهما الشام والعراق
فأغلب الشرور التي مسّتْ العراق في عهد الإمام علي (عليه السلام) كانتْ تأتي من الشام .
لذا تنبه الإمام علي (عليه السلام) وهو النبيه الذكي إلى سنّة التعاقب الدوري في حركة التأريخ والمجتمع فنبّه أصحابه وشيعته بما سَيحلُ بالعراق في مُقتبل الأيام من فتنِ وملاحم تعصف بأهله عصفاً .
ومن جملة ما ذكره (عليه السلام) في جدل التنازع بين الشام والعراق هو النص الآتي :


(لكأنّي أنظرُ إلى ضلِّيل قد نعقَ بالشّام ، و فَحَصََ براياته في ضواحي كوفان , فإذا فغرتْ فاغرته ، و اشتدّتْ شكيمته ، و ثقلتْ في الأرض وطأته ، عضّتْ الفتنةُ أبناءها بأنيابها ، و ماجتْ الحربُ بأمواجها ، و بدا من الأيّام كُلوحُها ، و من اللَّيالي كدُوحها , فإذا أينع زرعُه ، و قامَ على ينعهِ ، و هدرتْ شقاشقهُ ، و برقتْ بوارقه ، عُقِدتْ راياتُ الفتنِ المُعضِلِة ، و أقبلن كاللَّيل المُظلم ، و البحرُ الملتطم ,
هذا ، و كم يَخرقُ الكوفةَ من قاصِفٍ و يَمرّ عليها من عاصِف و عن قليلٍ تلتفُ القرونُ بالقرون ، و يُحصدُ القائمُ ، و يُحطم المَحصودُ )
:نهج البلاغة :تحقيق د. صبحي الصالح :ص183-184.


إنَّ هذا النصَ البنائي يتحدّث بلسان القضية الشرطية والحقيقية والتي غالباً ما تكون موضوعاتهما واقعة تحت يد التقدير ونظم الوجود واختيار الإنسان وتدابيره .
وإن كان مبدأ النص قد اقترب من مفهوم القضية الحمليّة في احتمال تحققه ووقوعه .


وما يٌلفتُ النظرَ الدلالي في قراءة هذا النص هو بروز سمة الحذف في المتن اللغوي لبنية الكلام , واعتماد المفاهيم المُطلقة , والمؤسسة لمزيدٍ من كم ونوع الوعي الانطولوجي في حراك الكائنات والحوادث الحياتية .


لقد اعتمدَ الإمام علي (عليه السلام) في نظره الشريف في حراك الأحداث القابلة على لحاظ الصفة دون موصوفها , ترميزاً و إلغازاً منه (عليه السلام) .
ذلك كونه يدرك تماماً أنَّ الموصوفَ محدودٌ ويفنى في حراكه التاريخي و الخارجي والشخصي , ولكن الصفة تبقى مفهوماً حيّاً يحملُ أهليّة الصدق والتحققَ عند كل من يتلبس به حالاً أو مستقبلاً .


لذا ابتدأ (عليه السلام) نظره إلى مفهوم الصفة ووجودها في ماهيّة الشخص وحذف موصوفها , قصداً واعتباراً وتحذيراً وتعميماً .
فقال (لكأنّي أنظرُ إلى ضلِّيل قد نعقَ بالشّام ) والضلِّيل هو وزن مبالغة وتكثير في سمة حدث الإضلال والغواية وهو وصف مطلق لموصوف محذوف لحكمة ودراية وغاية .
وهذا الضلّيل ممكن أن يكون شخصاً ضالاً بقدر تام أو حركة ضالةٍ بواقع ضالٍ , والاستعارة بلفظة (نَعقَ ) تكشفُ عن مدلول ثقافي وعقدي وسلوكي خطيرٍ جدا بحيث يُشبّه الإمام علي (عليه السلام) صياح الضلّيل بأهل الشام بصياح الراعي بغنمه أو بصياح الغراب إذا نَعبَ بحماقة .


ليُمثّل مفهوم الضلِّيل نسقاً من أنساق الحَراك المُبهم في الواقع القابل عند أهل الشام والذين هم أشبه بقطيع غنم لا تفهم صوت زاجرها وتتبعه اتباع خوفٍ وغريزة .


وسيتمدد الضلّيل باتباعه الشاميين (البهائم) إلى العراق ,حتى يتمكن من احتلال مدنه البارزة ويرفع فيها راياته بعد أن يركزها في مراكز الأرض في العراق .
(و فَحَصََ براياته في ضواحي كوفان(اسم يطلق على المدن التابعة للكوفة القديمة) )


وإنَّ استعمال الإمام علي (عليه السلام) للفظة ومصطلح (ضواحي كوفان) فيه من الدلالة الكبيرة ما لا تخفى وهي أنَّ مبدأ حَراك الضليل القادم سيكون من أطراف العراق وكوفته القديمة والتي تشتمل على مناطق ومساحات كبيرة عما عليه اليوم .
وهذا النظرُ الانطولوجي من لدن الإمام علي (عليه السلام) وبلسان القضية الحمليّة يُقارب وقوعاً ما حدث في مناطق الموصل وغرب العراق وهي أقربُ إلى معنى (ضواحي كوفان قديماً ) كنايةً منه (عليه السلام) لرمزية ومتلازمة الحدث والتنازع بين الشام والعراق .
وبعد هذه الفقرة (و فَحَصََ براياته في ضواحي كوفان ) يتغيّر الرصد الانطولوجي في بنية النص اللغوي من لسان القضية الحملية إلى لسان القضية الشرطية والحقيقية


( فإذا فغرتْ فاغرته ، و اشتدّتْ شكيمته ، و ثقلتْ في الأرض وطأته ، عضّتْ الفتنةُ أبناءها بأنيابها ، و ماجتْ الحربُ بأمواجها ، و بدا من الأيّام كُلوحُها ، و من اللَّيالي كدُوحها , فإذا أينع زرعُه ، و قامَ على ينعهِ ، و هدرتْ شقاشقهُ ، و برقتْ بوارقه ، عُقِدتْ راياتُ الفتنِ المُعضِلِة ، و أقبلن كاللَّيل المُظلم ، و البحرُ الملتطم )


ليتكرر اسم الشرط (إذا ) مرتين كشفاً للمستقبل القابل بصورة غير جازمة تسمح للإنسان الواعي بأن يتحرك فيها بخياراته وقدراته وتدابيره للتعاطي مع طرفي القضية الشرطية ومضمونها .


ولتقدّم رؤية ناجزة وناجعة تكفل لمن يبصر بها توقي شر هذا الضلّيل عند فحصه راياته في بعض أراضي العراق وقبل أن يصل إلى الكوفة القديمة بحسب الظهور اللغوي لمدلول اللفظة آنذاك .


وهنا ثمةٍ إشارة من لدن الإمام علي (عليه السلام) إلى امكان طول فترة حَراك ضلّيل الشام ووجوده في العراق قبل أن يصلَ الكوفةَ , بحيث يستعمل الإمام (عليه السلام) أطوار النمو الوجودي لقوة وقدرة العدو القادم من الشام في مرحلتين هما :
مرحلة التكوين والظهور في (ضواحي كوفان) ومرحلة التوسع إلى غير هذه النواحي من مدن العراق .
فاستعارات النص اللغوي تبيّن خطر الملاحم القابلة في صُورها المرعبة وضجيجها المُخيف , وفتنها المُعضِلة .


ثمَ ينقلُ الإمام علي (عليه السلام) كلامه من حد ظهور ضليّل الشام وأتباعه وفحصهم راياتهم في بعض مدن العراق (ضواحي كوفان)
إلى حد وقوع الكوفة تحت كثرة البلاء والملاحم والفتن وهذه المرّة ربما تقع من غير ضليل الشام بدليل تنويع الإمام (عليه السلام) لمفهوم الخرق وتصنيفه على أساس الشدّة والأثر , وليستعمل هنا كم الخبرية والتي تفيد التكثير في الوقوع والأثر
(هذا ،و كم يَخرقُ الكوفةَ من قاصِفٍ و يَمرّ عليها من عاصِف )


وهذا الخرقُ للكوفة قد يكون سماوي ( قاصف/ مفهوم وصفي حُذِفَ موصوفه يُقاربُ فعل القصف الجوي في وقتنا الحاضر)
وقد يكون أرضياً (عاصف /مفهوم وصفي يُقاربُ الهجوم البري ) شديدُ في وقعه وعظيمٌ في بلائه .
وبعد اختراق الكوفة من قليل أيامٍ تقع الصدامات العامة والمُبهمة بين الجماعات الصالحة والضالة لحالٍ يُقضى فيها على أهل الصلاح القائمين في الكوفة وتُحطّم كلّ معالم الخير والهدى وتهشم .


(و عن قليلٍ تلتفُ القرونُ بالقرون ، و يُحصدُ القائمُ ، و يُحطم المَحصودُ )


وواضح من صياغة هذه الفقرة الأخير أنَّ هذه الصدامات ستكون عنيفة جدا وقريبة وتشوبها روح الانتقام الغريزي عند العدو من أهل الصلاح والخير في الكوفة و التي ستكون أشبه بحلبة صراع قوي .


هذا كلّه يحدث قُبيل ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) يقيناً , ذلك لأنّ النص لم يتناول حَراك الإمام المهدي (عليه السلام) في ظهوره شخصاً وحركةً مما يدع المجال واسعاً لحدوث ذلك كله قبل عصر الظهور الشريف , إذا ما قلنا أنه من الأشراط بوجه الاحتمال والعلامة .
______________________________________


مرتضى علي الحلي – النجف الأشرف