أبحاث العدد:
 خلاصات بحوث العدد:
 البحث في العدد ٩:
 الصفحة الرئيسية » اعداد المجلة » العدد ٩/ جمادى الآخرة/١٤٤١هـ » المذهب التناسخي يعود بلباس الرجعة الروحية الجزء الثاني
 العدد ٩/ جمادى الآخرة/١٤٤١ه

المقالات المذهب التناسخي يعود بلباس الرجعة الروحية الجزء الثاني

القسم القسم: العدد ٩/ جمادى الآخرة/١٤٤١هـ الشخص الكاتب: الشيخ حميد عبد الجليل الوائلي التاريخ التاريخ: ٢٠٢٠/٠٢/١١ المشاهدات المشاهدات: ٢٤٩ التعليقات التعليقات: ٠

المذهب التناسخي يعود بلباس الرجعة الروحية الجزء الثاني

الشيخ حميد الوائلي

تقدم نشر الجزء الأول من هذا البحث في العدد الثالث، وكنّا قد تحدّثنا فيه عن وقفات تفصيلية مع مقولة الرجعة الروحية وردّها، فإن قضيَّة الرجعة التي تحدَّثت عنها بعض الآيات القرآنية والأحاديث المروية عن أهل البيت (عليهم السلام) ممَّا تعتقد به الشيعة من بين الأُمَّة الإسلاميَّة تُعَدُّ عندهم من المسلَّمات القطعية، فشأنها في ذلك شأن الكثير من القضايا العقائديَّة والفقهيَّة والتاريخيَّة التي لا سبيل لإنكارها.
وفي الفترة الأخيرة ظهر تيّار يدَّعي أنَّ له في الرجعة قولاً غير ما تعارف عند أبناء المذهب، وهو ما عبَّر عنه صاحب المقال بالرجعة الروحية، محاولاً من خلاله إثبات ارتباطه بالسماء، باعتبار أنَّ هذه الرجعة (أي الروحية) تُعتَبر من عظائم الأُمور.
ويقع بحثنا حول هذا الموضوع والذي يمثِّل القسم الثاني من هذا البحث حول عدد من المقالات التفصيلية التي يقول بها صاحب كتاب (الرجعة الروحية) وردها بشكل مفصَّل، وهي عبارة عن خمسة مقالات يضاف إليها رد دعوى الرجعة الروحية للنبي عيسى (عليه السلام) ودابة الأرض وذكر خاتمة في بعض التناقضات التي وقع فيها مؤلف الكتاب.
الفصل السادس: مقالات تفصيلية في هذه المقولة وردها:
تقدم في عدد سابق - العدد الثالث - بيان القاعدة الكلية في رد دعوى الرجعة الروحية، وفي هذا القسم الثاني من البحث نقوم بانتخاب بعض الأقوال والكلمات من كتاب (الرجعة الروحية) للرد عليها مفصلاً.
القول الأول:
قال صاحب كتاب (الرجعة الروحية) في ص٩١(١): (الرجعة الروحية من عظائم الأمور، وهذا القول لم يسبق لأحد أن قال به... التي عدها أهل البيت (عليهم السلام) من عظائم الأمور التي ظلت خافية حتّى زماننا هذا، فقد جاء في الرواية... سألت أبا جعفر عن الأمور العظام من الرجعة وغيرها، فقال: «إن هذا الذي تسألون عنه لم يأت أوانه»...، فهذه الرواية تؤكد كون الرجعة من عظائم الأمور كما أنَّها كانت خافية على أصحاب الأئمة (عليهم السلام) فضلاً عن باقي الناس، أضف إلى ذلك أنَّ الأئمة (عليهم السلام) لم يكشفوا النقاب عنها أو لم يبينوا ماهيتها واكتفوا بالقول إنه لم يأت أوانها بعد...). انتهى كلامه.
ويرد عليه:
١ - أن صاحب هذه المقولة - وكما سبق - يدعو لنفسه من خلال الإيحاء إلى بسطاء الناس أنَّه يعرف عظائم الأمور التي لم يكشفها غيره وأنَّه مسدَّد مؤيد بروح الأئمة (عليهم السلام). وهذه دعوى لا مجال لتصديقها ما لم تقترن بالبينة، وهي مفقودة هنا.
٢ - أنَّ الأئمة (عليهم السلام) لم يكشفوا النقاب عنها - كما يدَّعي - فكيف كشف هو النقاب عنها وعرف ماهيتها وتفاصيلها؟ هل بالأحلام؟ أو بالتسديد؟ أو له نيابة خاصة؟ أو ماذا؟
٣ - أنَّ الأئمة (عليهم السلام) قالوا: «لم يأت أوانها بعد»، ولم يقولوا نحن لا نكشف النقاب عنها، بل كشفوا النقاب عنها وصرَّحوا بحقيقتها - وأنها جسمانية وليست روحانية - من خلال الروايات، والتي ذكرها القحطاني (حيدر منشد مشتت) في كتابه.
٤ - أن قول الأئمة (عليهم السلام): إنَّها من عظائم الأمور، ليس بمعنى أنَّهم (عليهم السلام) لم يوضحوها، كيف ذلك ولازمه الإيهام، بل قالوا ذاك لأن مثل هذه الأمور تعظم على الناس ويصعب التصديق بها أو تعقلها.
٥ - أنَّك تقول إنَّها كانت خافية على أصحاب الأئمة (عليهم السلام) من أمثال زرارة ومحمد بن مسلم وأضرابهم، ومعناه أنَّ الأئمة (عليهم السلام) كانوا يخشون هؤلاء في بيان معالم الدين وهو واضح البطلان، إلّا أن تقول: إنَّ زرارة وأمثاله لا يتحمَّلون هذا الأمر، كيف ذاك وزرارة أمين الله تعالى على حلاله وحرامه، ولولاه لاندرست آثار النبوة(٢)، ثم إذا كان أمثال هؤلاء العظام لا يتحمَّلون هذا المعنى، فهل يتحمله غيرهم ممن هو أدنى منهم ولاءً ومعرفة؟!
بل إنَّ لازم كلامك وجود نوعين من الرجعة: إحداهما كانت معروفة لدى الجميع وأخرى لم يعرفها إلّا أنت، وهذا ما لا يساعد عليه الدليل، وخلاف دعوى الانحصار بالرجعة الروحية.
القول الثاني:
يقول في ص٩٣: (إنَّ المقصود من الرجعة الروحية هي... رجوع أرواح الأنبياء للأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، تقوم هذه الأرواح بتسديد أصحاب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) من ممهدين وأنصار كل حسب رقيّه وإيمانه وإخلاصه) انتهى.
ويرد عليه:
١ - أن هذا التعريف غير تام، فأنت ذكرت أن رجوع أرواح الأنبياء لتسدد الأئمة (عليهم السلام) والأصحاب، مع أنَّك قلت في ص١٨٦ وص١٦٣ أنَّ روح الحسين (عليه السلام) وروح أمير المؤمنين (عليه السلام) تسدد بعض أصحاب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، فلا نعرف من هو الذي يسدِّد الأصحاب، وما الحاجة لتسديد المعصوم الآخر بعد تسديد المعصوم السابق؟
٢ - تقدم أنَّه لا يوجد تقسيم للرجعة إلى روحية ومادية، وأنَّ مقولة الرجعة الروحية مقولة تناسخية باطلة عقلاً وشرعاً، وهو وإن كان يبطل أصل الدعوى إلّا أنه بالضمن يبطل هذه الفقرة أيضاً.
٣ - أنَّ هذه المقولة مخالفة للروايات الدالة على الرجعة المادية والتي منها ما رويته أنت في كتابك ص٥٧ عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أول من تنشق الأرض عنه إلى الدنيا الحسين بن علي (عليهما السلام)»(٣).
٤ - أنَّ هذا القول مخالف للقرآن الكريم في آيات متعددة أثبت أن من رجع رجع ببدنه كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾ (البقرة: ٢٤٣)، وما خالفه - من القول بالرجعة الروحية دون البدنية - زخرف وباطل.
٥ - أنَّك قلت وفي معرض ردِّك على أحد العلماء(٤): (جيدة هي الكتابة والتأليف في أمر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)... ولكن الغير جيد أن تكون تلك الكتابات والمؤلفات غير موافقة لما جاء في كتاب الله (عزَّ وجلَّ) وأحاديث وروايات النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام)، لأنها ستكون حينها مدعاة للانحراف والاعتقاد الخاطئ، مما يترتب عليه نتائج سلبية حتماً، لذا فقد حذَّر أهل البيت (عليهم السلام) من الأخذ بكلام وآراء أيّاً كان، خاصة إذا لم يكن حجة على الناس، فقد جاء في الرواية عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إيّاك والرئاسة - إلى أن قال - إيّاك أن تنصب رجلاً دون الحجة فتصدقه في كل ما قال»(٥).
لذا فإن أي قول إذا لم يوافق قول الأئمة (عليهم السلام) الذين جعلهم الله حجج علينا فإننا لا يمكن أن نصدقه ونقبل به). انتهى كلامه.
وهذا الكلام بعينه يأتي بحقك، بل إنَّه بك ألزم لجهالة حالك.
٦ - أنَّه ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) أنَّ أشد أعداء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هم الذين يتأولون في العقيدة وينسبونها إلى أهل البيت (عليهم السلام) فيأتون باعتقاد أبتر أو معرفة بتراء تأويلاً من عند أنفسهم ثم ينسبونه لأهل البيت (عليهم السلام)، وهذا ما جاء به صاحب المقال حيث أَوَّل الرجعة بقول أبتر لم يقل به أحد سواه ونسبه لهم (عليهم السلام)، فقد ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) أنَّ مِن فِرق الضلال في زمن الظهور هم المؤولة «وإن قائمنا إذا قام أتى الناس وكلهم يتأوّل عليه كتاب الله»(٦).
القول الثالث:
قال صاحب (الرجعة الروحية) في ص٩٧: (جاء في الكافي عن بكير بن أعين عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... ثم يسير بتلك الرايات كلها حتّى يرد الكوفة... ثم يتصل به وبأصحابه خبر المهدي فيقولون له: يا بن رسول الله، من هذا الذي نزل بساحتنا؟ فيقول الحسين (عليه السلام): اخرجوا بنا إليه حتّى ننظر من هو وما يريد وهو يعلم والله أنَّه المهدي (عليه السلام) وأنَّه ليعرفه وأنه لم يرد بذلك الأمر إلّا الله. [إلّا أنه في البحار(٧) هكذا - ولم يرد بذلك الأمر إلّا ليعرف أصحابه من هو].
فيخرج الحسين [في المصدر السابق(٨) - الحسني] (عليه السلام)... فيقول [الحسين (عليه السلام)](٩): إن كنت مهدي آل محمد فأين هراوة جدي(١٠) رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و... ثم يقول الحسين (عليه السلام): يا بن رسول الله، أسألك... فيقول الحسين (عليه السلام): الله أكبر يا بن رسول الله مد يدك حتّى أبايعك فيبايعه الحسين (عليه السلام)(١١)...».
يتبين لنا أنَّ الحسين (عليه السلام) يكون مطيعاً للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ويكون تابعاً له، وهذا ما لا يقبله الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لأبيه الحسين (عليه السلام)... ولكن الحق... أن صاحب الجيش والذي يبايع المهدي (عجّل الله فرجه) ليس هو الإمام الحسين (عليه السلام) بل هو أحد ممهدي الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وأنَّه سيد علوي مسدَّد بروح الحسين (عليه السلام)، لذلك عبر عنه بالرواية بالحسين ولم يقل (الإمام الحسين) (عليه السلام).
ويرد عليه:
١ - أنَّ هذا الحديث غير موجود في الكافي على ما قال صاحب كتاب (الرجعة الروحية) إنما وجدناه في بحار الأنوار وهو قد نقله عن منتخب البصائر(١٢)، وأنه ضعيف السند.
٢ - أنَّ من المحتمل أنَّ الحديثين هما حديث واحد فقط وحصل تصحيف أثناء النقل وبذلك لا نحتاج إلى التأويل والحمل على الرجعة الروحية.
٣ - إنَّ بين الحديثين تشابهاً كبيراً، وفي متن الحديث الأول ما يدل على أن المقصود به الحسين، فهل يمكن قبول بيعة الحسين للمهدي دون الحسني بلا حاجة إلى الحمل على الرجعة الروحية، وهناك شواهد عديدة تظهر من خلال قراءة النص - لولا الإطالة لنقلناها - توقف يد القارئ على أن المراد بالحديث شخص آخر.
٤ - والروايتان تتحدثان عن شخصين: أحدهما يرجع من القبر وهو الإمام الحسين (عليه السلام) والآخر ليس ميتاً حتّى يقال رجع وهو الحسني، وهناك فاصل زمني بينهما، فإن الحسين (عليه السلام) يرجع بعد مدة من الظهور المبارك للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) أو في أواخر دولته، بينما الثاني يكون أول الظهور.
القول الرابع:
جاء في الرواية كما في البحار ج٥٣... (سمع علياً (عليه السلام) يقول: «العجب العجب... وأي عجب أعجب من أموات يضربون كل عدو لله ولرسوله ولأهل بيته... فإذا اشتد القتل قلتم مات أو هلك في أي وادٍ سلك...»، وفي رواية أخرى قال (عليه السلام): «لا والله يا صعصعة بل أموات القبور يكرّون إلى الدنيا معنا، لكأنّي أنظر إليهم في سكك الكوفة كالسباع الضارية شعارهم يا لثارات الحسين»، فمن خلال هذه الرواية يظهر أن المقصود بالرجعة قبل قيامه (عليه السلام) هي الرجعة الروحية وليست الرجعة المادية حيث إن أنصار الإمام سيخوضون حرباً ضد بني العباس وسترجع أرواح بعض المؤمنين لتسديدهم وتأييدهم) انتهى كلامه.
ويرد عليه:
١ - أنَّ الحديث ضعيف، وغير وارد بهذه الكيفية التي ذكرها، وفيه فقرات حذفها تقوم بتفسير الحديث دون الحاجة إلى تأويل، وإليك الحديث كما وجدناه في البحار(١٣) وهو حديث طويل، يتحدث عن مجمل علامات الظهور، أخذنا منه: (... فقال أمير المؤمنين: «يا عجباً كل العجب بين جمادي ورجب»... قال أيضاً رجل: يا أمير المؤمنين ما هذا العجب الذي لا تزال تعجب منه؟... قال: «... وأي عجب يكون أعجب منه أموات يضربون هام الأحياء...»، ثم قال: «ألا يا أيها الناس سلوني قبل أن تشغر برجلها فتنة شرقية تطأ في خطامها بعد موت وحياة، أو تشب نار بالحطب الجزل غربي الأرض رافعة ذيلها تدعو يا ويلها بذحلة أو مثلها... فإذا استدار الفلك قلت: مات أو هلك بأي وادٍ سلك فيومئذٍ. تأويل هذه الآية... ولذلك علامات وآيات، أولهن إحصار الكوفة... وخروج السفياني... » ثم يتحدث الإمام (عليه السلام) عن علامات الظهور إلى أن يظهر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
فمن خلال النص الذي أوردناه يتبيَّن أنَّ حديث الإمام (عليه السلام) عن الأموات لا يقع إلّا بعد تحقق العلامات بقرينة قوله (عليه السلام): «ولذلك علامات».
ثم إن الإمام يقول: «أموات يضربون هام الأحياء...»، وأنت تعلم أن الروح (وكما قدمناه) لا تموت، فكيف يصف الإمام الروح (إذا كانت الرجعة روحية) بأنها ميتة، لابد أن يكون الوصف للأجساد، ولا يعقل أن يعود جسد ليسدد جسداً آخر، بل لابد أن يعود بروحه التي كانت بين جنبيه.
٢ - ما قام به صاحب المقولة هو عملية تقطيع للحديث ودمجه من جديد ليناسب ما يراه، فهو نحو من أنحاء التدليس.
ما جاء في البحار ج ٥٣ ص ٣٩ - ١٤٤ الحديث ٤٦: (قال ابن الكوا لعلي (عليه السلام): يا أمير المؤمنين، أرأيت قولك العجب كل العجب ما بين جمادي ورجب؟ قال (عليه السلام): «ويحك يا أعور هو جمع أشتات، ونشر أموات...» إلخ الحديث.
فلاحظ كيف يقول: جمع أشتات ونشر أموات، والقرآن يقول: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ﴾ (الزلزلة: ٦)، وقد عرفت أن الحشر في القيامة جسماني روحاني.
وفي البحار(١٤) عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا آن قيام القائم مطر الناس جمادي الآخر وعشرة من رجب مطراً لم تر الخلائق مثله فينبت الله به لحوم المؤمنين وأبدانهم في قبورهم وكأني أنظر إليهم من قبل جهينة ينفضون شعورهم من التراب» وهو صريح في أن الراجعين هم نفس الأموات بأبدانهم.
وفي بحار الأنوار ج٥٣، ص٧٧ عن أبان بن تغلب وهو يسأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن تفسير «العجب كل العجب...» فقال (عليه السلام): «لقاء الأحياء بالأموات» فهو لقاء بينهم لا انتقال أرواح الأموات لهم.
القول الخامس:
يقول في ص١٠٤ من كتابه (الرجعة الروحية): عن أبي حمزة الثمالي: قال سمعت أبا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) يقول: «لو قد خرج قائم آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لنصره الله بالملائكة المسوِّمين والمردفين المنزلين والكروبين، يكون جبرائيل أمامه وميكائيل عن يمينه وعن شماله الملائكة المقربون حذائه، أول من يتبعه محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلي (عليه السلام) الثاني، ومعه سيف مخترط، يفتح الله له الروم والصين والترك والديلم والسند والهند وكابل شاه والخزر». يظهر أن أول من يتبع الإمام المهدي (عليه السلام) هو محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والثاني هو علي (عليه السلام)، ولا يمكن أن نتصور في حال من الأحوال أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو الإمام علي (عليه السلام) يكونان تابعين للإمام المهدي (عليه السلام) وأن ذلك يكون بالرجعة المادية، فهذا لا يمكن قبوله مطلقاً ولكن الأولى والأصح أن يكون المقصود من اتِّباع محمد وعلي (عليهما السلام) للمهدي (عليه السلام) بالرجعة الروحية).
ويرد عليه:
١ - هذا الحديث ضعيف السند بيوسف بن كليب فهو مجهول الحال وكذلك بالحسن بن علي، فلم يثبت لهما توثيق في علم الرجال.
٢ - أنَّ هذا الحديث ينافي أحاديث كثيرة وصلت حد السنة القطعية بأن الرجعة جسمانية وما خالف السنة القطعية فليس بحجة.
٣ - نحن نؤمن بالرجعة وأنَّها لابد أن تقع وأنها تقع قبل قيام الساعة وأن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والإمام علي (عليه السلام) والأئمة (عليهم السلام) يحكمون، ولكن كيف يحكمون؟ وما هي قوانين تلك الفترة؟ وما هو النظام السائد؟ فهذا ما لا يمكن القطع به، نعم، ممكن أن نحتمل بعض الوجوه والاحتمالات إلّا أنَّها لا تعدو كونها احتمالات لا ترقى إلى اليقين ومنها:
أ - أنه يمكن اجتماعهم في زمن المهدي (عجّل الله فرجه) ولا يكونون من رعيته لعدم احتياجهم إلى إمام لعصمتهم.
ب - يمكن اجتماعهم كما حصل في زمن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حيث كان الرسول موجوداً وإمامة الإمام علي والحسن والحسين (عليهم السلام) قائمة بنص حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في يوم الدار، وحديث من كنت مولاه، وحديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لفاطمة بنت أسد عندما سألت عن إمامها فقال لها (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ابنك ابنك»، كما جاء في الكافي(١٥).
ج - أنَّ من المحتمل أن تكون إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) على الناس وإمامة الإمام علي (عليه السلام) على الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) خاصة وإمامة الرسول على الإمام علي (عليه السلام)، وهكذا.
٤ - لعل المقصود «أول من يتبعه» أي يتبعه في الخروج في الرجعة أي أول من يرجع بعد ظهوره وقيام دولته.
٥ - كلمة «الثاني» التي جاءت بعد علي توجب إجمال الحديث وبالتالي لا حجية له. ولعله يراد بها أن أول من يخرج بعدي - أي المهدي (عجّل الله فرجه) - هو الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والثاني في الخروج هو علي (عليه السلام) رجع الجواب إلى الرابع والثالث.
أحاديث ظاهرة في أنَّ الرجعة جسمانية:
١ - عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر (عليه السلام) أن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) كان يقول: «إن المدثر هو كائن عند الرجعة»، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إحياء قبل القيامة ثم موت؟ فقال له عند ذلك: «نعم، والله لكفرة من الكفر بعد الرجعة أشد من كفرات قبلها»(١٦).
٢ - عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ (النازعات: ٦ - ٧): «الراجفة الحسين بن علي (عليه السلام)، الرادفة: علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو أول من ينفض رأسه من التراب مع الحسين بن علي في خمسة وتسعين ألفاً...»(١٧).
٣ - عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال الحسين (عليه السلام) لأصحابه قبل أن يقتل... فابشروا فوالله لئن قتلونا فإنّا نرد على نبينا، ثم أمكث ما شاء الله فأكون أول من تنشق عنه الأرض فأخرج خرجة توافق خرجة أمير المؤمنين وقيام قائمنا وحياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)...»(١٨)، وهي واضحة الدلالة على أن رجعتهم (عليهم السلام) جسمانية.
أطروحة معاصرة حول رجعة النبي عيسى (عليه السلام):
حاصل هذه الأطروحة كما يقول صاحبها في ص١٣٧ من كتاب (الرجعة الروحية): (نعتقد أن هذه الأطروحة المعاصرة في مسألة رجعة عيسى بن مريم (عليه السلام)... فالصحيح أن عيسى بن مريم (عليهما السلام) لم يقتل ولم يصلب... إلّا أن ذلك لا يعني أنه حي وأنه ينزل في آخر الزمان من السماء بنفس ذلك الجسد الذي عاش فيه قبل أكثر من ألفي سنة، بل إنه مات (عليه السلام) ورفع الله روحه إلى السماء، أمّا بالنسبة إلى ما جاء في الأحاديث والروايات التي ذكرت نزوله في آخر الزمان من السماء في وقت خروج الإمام المهدي (عليه السلام) فإنَّه سيكون بحسب الرجعة الروحية، أي نزول روح عيسى بن مريم (عليهما السلام) ورجوعها إلى هذه الحياة الدنيا تسدد شخصاً مؤمناً له شبه كبير بعيسى بن مريم من حيث الخلق والخلق).
ثم يقول في ص١٥١: (وهنا لابد من القول بأن عيسى هو نفسه الحسين وهما نفسهما اليماني وزير المهدي (عليه السلام) الذي يكون مسدداً بروحيهما)، ثم يقول ص١٥٠: (وجاء عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أيضاً: «القحطاني بعد المهدي والذي بعثني بالحق ما هو دونه» يتَّضح... أن القحطاني هو من يلي المهدي ويخلفه، والقحطاني كما دلَّت عليه الأخبار هو اليماني، فإنَّ القحطاني لقب من ألقابه). انتهى كلامه.
ويرد عليه:
١ - أن هذا قول بالتناسخ وقد مر بطلانه - في القسم الأول من هذا البحث المنشور في العدد الثالث من مجلة الموعود - وهو بنفسه يرى كفر من يقول به، حيث قال في ص٨٥ من كتاب (الرجعة الروحية): (وفي عيون أخبار الرضا عن الحسن بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون يوماً وعنده علي بن موسى الرضا (عليه السلام)... إلى أن قال: فقال المأمون يا أبا الحسن فما تقول في الرجعة؟
فقال الرضا (عليه السلام): «إنها الحق وقد كانت في الأُمم السالفة ونطق بها القرآن وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يكون في هذه الأُمَّة كل ما كان في الأُمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة»، وقال (عليه السلام): «إذا خرج المهدي من ولدي، نزل عيسى بن مريم (عليه السلام) فصلّى خلفه...»، قال: فقال المأمون: يا أبا الحسن فما تقول في القائلين بالتناسخ؟ فقال الرضا (عليه السلام): «من قال بالتناسخ فهو كافر بالله العظيم...»(١٩).
وأنت تلاحظ عزيزي القارئ أن هذه الرواية مضافاً إلى أنها تبين حكم القائل بالتناسخ فإنها تثبت أن رجعة المسيح تكون بعد الظهور، ومن المعلوم أن خروج اليماني يكون قبل الظهور، وكذلك الإمام يقول: «نزل عيسى بن مريم» فسمّاه باسمه وشخصه واسم أُمِّه وأكَّد على علامة دالّة عليه وهو نزوله من السماء، والمعروف أن اليماني ليس ابن مريم ولا ينزل من السماء.
٢ - أن الإمام الرضا (عليه السلام) يصرِّح أن الرجعة حق، وقد كانت في الأُمم السابقة ونطق بها القرآن ثم يقول (عليه السلام): «وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): يكون في هذه الأُمة كل ما كان في الأُمم السابقة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة» وهو صريح في أن ما وقع من رجعات جسمانية في الأُمم السابقة سيقع في هذه الأُمة حذو القذة بالقذة دون أدنى اختلاف.
٣ - أنَّ ما ذكره من أخبار لا تتم دلالةً، فضلاً عن سنداً، فكيف تكون حجة في مخالفة سُنَّة قطعية.
٤ - أنَّ الروايات حدَّدت مكان نزوله، فلو كان النازل هي روح النبي عيسى (عليه السلام) التي تسدِّد اليماني، لما قالت الروايات: إن مكان نزوله هذا أو ذاك، بل تقول: إن روح عيسى (عليه السلام) تسدِّد اليماني وزير المهدي؟! عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تزال طائفة من أُمَّتي تقاتل على الحق حتّى ينزل عيسى بن مريم عند طلوع الفجر ببيت المقدس، ينزل على المهدي فيقال له تقدم يا نبي الله فصلِّ بنا، فيقول: إن هذه الأُمَّة أمير بعضهم على بعض لكرامتهم على الله (عزَّ وجلَّ)»(٢٠).
دابة الأرض الروحية:
يقول في ص١٧٧: (أجمع المسلمون سُنَّة وشيعة على خروج دابة الأرض في آخر الزمان... والآية صريحة في خروج دابة من الأرض في آخر الزمان تكلِّم الناس، إلّا أنهم اختلفوا في تحديد المصداق... وقد يعتقد البعض أن خروج الدابة يتلاءم مع الفهم التقليدي للرجعة، كما يبدو ظاهراً إلّا أنَّنا بينّا وتحدَّثنا بما فيه الكفاية عن الرجعة، وقد أثبتنا أن الرجعة في آخر الزمان أي قبل قيام الإمام المهدي (عليه السلام) وأثنائه تكون روحية... وهكذا بالنسبة لدابة الأرض التي كانت أمير المؤمنين (عليه السلام) في آخر الزمان، ويكون المهدي في آخر الزمان مسدداً بروح جدِّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)... إلّا أنَّ الصحيح أن خروج أمير المؤمنين سيكون على نحو الرجعة الروحية، أي رجوع روحه الطاهرة لتسديد المهدي (عليه السلام) وتأييده، وبذلك يكون المهدي (عليه السلام) هو دابة الأرض خاصة...). انتهى كلامه.
ويرد عليه:
١ - أنَّ هذه الأطروحة مخالفة لنصوص القرآن الكريم، وما خالفه مردود، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه»(٢١)، وإليك دليل مخالفة هذه الأطروحة للقرآن الكريم:
قال تعالى: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ (النمل: ٨٢).
فالآية دالة على أنَّ الدابة تخرج من الأرض، وليست تنزل من السماء - كما هو معنى الرجعة الروحية -، ويفسر ذلك مجموعة من الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام)، منها:
١ - عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا والله ما هو إلّا له خاصة، وهو الدابة التي ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ﴾ [النمل: ٨٢]... ثم قال: (صلّى الله عليه وآله وسلّم): يا علي إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة ومعك ميسم تسم به أعداءك»(٢٢). فالرواية واضحة في أن:
أ - الدابة التي تخرج من الأرض هو الإمام علي (عليه السلام).
ب - الدابة تخرج من الأرض وليست تنزل من السماء ولا أنها روح الإمام علي (عليه السلام)، بل قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا علي... أخرجك الله».
وبذلك يثبت أن القول بأن الدابة نفسها لا تخرج من الأرض هو قول مخالف للقرآن ومردود.
٢ - أنَّ هذا القول معارض بالروايات التي تؤكد على أن الدابة هي أمير المؤمنين (عليه السلام) بعينه وليست هي روح أمير المؤمنين (عليه السلام) التي سوف تسدد اليماني، وأنه بنفسه يخرج من الأرض، وإليك مجموعة من الروايات تؤكد أن الرجعة لأمير المؤمنين (عليه السلام) مادية وليست روحية فقط:
أ - الرواية التي ذكرناها آنفاً: «يا علي إذا كان آخر الزمان أخرجك الله...».
ب - وعن أبي الطفيل في حديث طويل محل الشاهد فيه(٢٣):
فقلت: يا أمير المؤمنين قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]، ما الدابة؟ قال (عليه السلام) «يا أبا الطفيل اله(٢٤) عن هذا»!. فقلت يا أمير المؤمنين أخبرني به جعلت فداك، قال (عليه السلام): «هي دابة تأكل الطعام، وتمشي في الأسواق، وتنكح النساء»، فقلت يا أمير المؤمنين من هو؟ قال: «هو زر الأرض الذي تسكن الأرض به»، قلت يا أمير المؤمنين من هو؟ قال (عليه السلام): «صديق هذه الأُمَّة وفاروقها وربيها وذو قرنيها». قلت يا أمير المؤمنين من هو؟ قال (عليه السلام):«الذي قال الله تعالى: ﴿وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧]، والذي ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣]، والذي ﴿صَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]»... قلت يا أمير المؤمنين فسمه لي، فقال (عليه السلام): «قد سمَّيته لك يا أبا الطفيل».
ج - عن أبي عبد الله (عليه السلام)(٢٥) قال: «انتهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو نائم في المسجد قد جمع رملاً ووضع رأسه عليه... ثم قال: قم يا دابة الله! فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله، أيسمي بعضنا بعضاً بهذا الاسم؟ فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): لا والله ما هو إلّا له خاصة، وهو الدابة التي ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]»(٢٦).
د - روى نفس صاحب المقولة هذه الرواية في ص١٧٨ عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) «أي شيء يقول الناس في هذه الآية: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ (النمل: ٨٢) فقال: هو أمير المؤمنين (عليه السلام)».
ومعلوم أن لقب أمير المؤمنين خاص بالإمام علي (عليه السلام)، فعن أبي جعفر (عليه السلام): «... يا فضيل لم يتسم بهذا الاسم غير علي إلّا مفتر كذاب إلى يوم البأس...»(٢٧).
وفي خبر آخر عن عمر بن زاهر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سأله رجل عن القائم يسلّم عليه بإمرة المؤمنين، قال: «لا، ذاك اسم سمّى الله به أمير المؤمنين (عليه السلام)، لم يسمِّ به أحد قبله، ولا يسمى به بعده إلّا كافر...»(٢٨).
هـ - عن الأصبغ بن نباتة، قال: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يأكل خبزاً وخلّاً وزيتاً، فقلت: قوله تعالى: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ (النمل: ٨٢)، ما هذه الدابة؟ فقال (عليه السلام): «دابة تأكل خبزاً وخلّاً وزيتاً»(٢٩).
و - عن أبي جعفر عن أمير المؤمنين، قال: «في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]، قال: هو أنا إذا خرجت أنا وشيعتي وخرج عثمان بن عفان وشيعته...»(٣٠).
ي - عن أبي عبد الله (عليه السلام)(٣١): «قال رجل لعمار بن ياسر: يا أبا اليقضان آية في كتاب الله قد أفسدت قلبي وشككتني، قال عمار: وأي آية هي؟ قال: قول الله: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ﴾ (النمل: ٨٢)، فأي دابة هي؟ قال عمار: والله ما أجلس ولا آكل ولا أشرب حتّى أريكها، فجاء عمار مع الرجل إلى امير المؤمنين (عليه السلام) وهو يأكل تمراً وزبداً، فقال له: يا أبا اليقضان هلم، فجلس عمار وأقبل يأكل فتعجب الرجل منه، فلما قام عمار قال له الرجل: سبحان الله يا أبا اليقضان حلفت أنك لا تأكل ولا تشرب ولا تجلس حتّى ترينها؟!. قال عمار: قد أريتكها إن كنت تعقل».
فالمقصود من الدابة في الآية الشريفة هو أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي يرجع بنفسه إلى الدنيا بمقتضى ما تقدم من روايات.
هذا تمام الكلام حول هذا القول (الرجعة الروحية) وقد تركنا بعض الأمور التي أوردها صاحب القول في كتابه إمّا لكفاية ما ذكرناه لردّها، أو لأنها لا تحتاج إلى رد لوضوح بطلانها.
وقد تبين أن مراد صاحب المقولة من الرجعة الروحية هو:
١ - إمّا التسديد والتأييد؛ وقلنا إنه يأتي بمعنى التقوية وإنه عام للجميع من المؤمنين وغير خاص بزمان أو مكان محددين، وحيث إن الرجعة خاصة بزمان ومكان معينين، فقد لزم بطلان هذا القول بهذا المعنى.
٢ - أو يكون مراده بالرجعة الروحية هي رجعة من قبيل الرجعة المتعارف عندنا (الرجعة المادية) سوى أنها تحصل في زمان ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) أو قبله بقليل، ولكن قد تبيَّن من خلال البحث أن صاحب المقولة لا يذهب إلى هذا المعنى بل يصر على كون الرجوع هو للروح فقط.
٣ - أو يكون مراده بالرجعة هو رجوع الدولة أو رجوع المبدأ، ولكن قد تبيَّن من خلال البحث أن نفس صاحب المقولة ينقض على أصحاب هذا القول بعدم وجود دليل في الروايات يدل على ذلك فهي باطلة في نظره.
٤ - أو قد يكون مقصوده منها: أنَّ هناك نوعين من الرجعة: رجعة في زمان الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وهي رجعة الأرواح، ورجعة بعد موت الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وهي رجعة الأبدان، ولكن قد تبيَّن من خلال البحث أنَّ صاحب المقولة أَوَّلَ جميع الروايات الواردة في الرجعة بالمعنى الأول دون الثاني، وبذلك يبطل كون هناك معنى ثانٍ لها لعدم الدليل.
على أنه لا يوجد أي دليل لا من القرآن الكريم ولا من السُنَّة يدل على وجود هذا التفصيل في الرجعة.
النتيجة:
انحصار الأمر بكون الرجعة - عند صاحب هذا القول - بمعنى التناسخ، وهو باطل كما بيَّنّا ذلك.
من خلال التعاريف التي ذكرناها للرجعة تحصَّل لنا أنها: من نوع المعاد الجسماني (الحشر الأصغر) وهو رجوع نفس البدن الأول بمشخصاته كما هو المعاد (الحشر الأكبر) أو قل: إنَّ الرجعة هي كما عرَّفها الشيخ المفيد (رحمه الله): (أنَّ الله يرد قوماً من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها...)، ولمّا علم أن هذا هو معناها دل ذلك أنه لا يجوز العدول عنه إلى معنى جديد.
الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) والتي تصرح بأنَّ الرجعة هي جسمانية سواء ما كان منها عند قيام الدولة المهدوية أو بعدها، ومنها:
١ - ما رواه نفس صاحب مقولة الرجعة الروحية في كتابه ص٥٧ عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أوَّل من تنشق الأرض عنه إلى الدنيا الحسين بن علي (عليهما السلام) ». فلاحظ تصريح الرواية بقولها: «تنشق الأرض»، ومعلوم أن الروح ليست في الأرض حتّى يقال: إنها تشير إلى الرجعة الروحية، بل الموجود في الأرض هو الجسد، والرواية صريحة في أنَّ الرجعة وقعت عليه، فهي رجعة مادية جسمانية.
٢ - عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «... سألوني عن أموات متى يبعثون فيقاتلون الأحياء على الدين»(٣٢). فأنت تلاحظ أن الإمام (عليه السلام) يؤكِّد على أنَّ الذين يبعثون هم نفسهم الأموات لا أرواحهم التي لا توصف بالموت.
٣ - ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرضُ عَنْهُمْ سِراعاً﴾ [ق: ٤٤]، قال: «الرجعة»، وهي صريحة في تفسير الآية بأن الرجعة تحدث من خلال تشقق الأرض وخروج الناس(٣٣).
٤ - قال ابن الكوا لأمير المؤمنين علي (عليه السلام): يا أمير المؤمنين أرأيت قولك: العجب كل العجب ما بين جمادي ورجب؟ قال (عليه السلام): «ويحك يا أعور، هو جمع أشتات، ونشر أموات»، وقد تقدم الحديث عن هذا الخبر سابقاً.
٥ - عن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: «... لكفرة من الكفر بعد الرجعة أشد من كفرات قبلها» وتقدم مفصلاً أيضاً.
٦ - عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٦-٧]: «الراجفة الحسين بن علي (عليه السلام)، والرادفة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو أول من ينفض رأسه من التراب مع الحسين بن علي في خمسة وتسعين ألف» وتقدم أيضاً.
٧ - عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال الحسين (عليه السلام) لأصحابه قبل أن يقتل:... فأبشروا، فوالله لئن قتلونا فإنّا نرد على نبيِّنا، ثم أمكثُ ما شاء الله فأكون أول من تنشق عنه الأرض فأخرج خرجة توافق خرجة أمير المؤمنين وقيام قائمنا وحياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)» وقد تقدم أيضاً.
وهناك العشرات من الروايات من أرادها فعليه الرجوع إلى بحار الأنوار ج٥٣ ص٣٨- ١٤٤.
بعض تناقضات المؤلف:
١ - يقول في ص١٠٤: (وأن روح الإمام علي (عليه السلام) تكون مسدَّدة ومؤيَّدة لوزير المهدي (عليه السلام))، ولكنَّه يرجع وينقض قوله في ص١٨٥ حيث يقول: (أي أنَّ دابة الأرض هي المهدي المسدد بروح الإمام علي (عليه السلام))، ويقول في ص١٨٦: (وهو المهدي الذي يكون مسدداً ومؤيداً بروح جدِّه أمير المؤمنين (عليه السلام))، ويقول في ص١٧٩: (وهكذا بالنسبة لدابة الأرض التي كانت أمير المؤمنين (عليه السلام) في آخر الزمان ويكون المهدي في آخر الزمان مسدَّداً بروح جدِّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)).
فهل هو مسدد للمهدي أم لوزير المهدي، وهل دابة الأرض هي أمير المؤمنين أم هي المهدي المسدد بأمير المؤمنين، كل هذا لا شاهد عليه من الروايات والأخذ به مع عدم الشاهد يوقعنا في التناقض، إذ مع تسديد معصوم معين لشخصٍ فما الحاجة لتسديد معصوم آخر له مرة أخرى.
٢ - يقول في ص٩٥: (ولكن من خلال هذا البحث سوف نقوم بتقديم الأدلة التي تثبت وجود رجعة روحية)، ويقول في ص١٠٩: (ثبت أنَّ رجعة الأنبياء (عليهم السلام) روحية)، ويقول في ص١٧٩: (وقد أثبتنا أنَّ الرجعة في آخر الزمان... تكون رجعة روحية)، ولكنه يرجع وينقض هذا القول بقوله في ص١٢٩: (علماً أنَّ هذه الأطروحات تبقى في مجال الاحتمالات وليست على سبيل الجزم والقطع)، فأي تناقض هذا يقع فيه المسدَّد المؤيَّد.
نقول قولنا هذا ونستغفر الله ونستعيذ به من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين وصلَّى الله على محمدٍ وعلى آله الطيبين الطاهرين.

الهوامش:

(١) كتاب الرجعة الروحية - بقلم سعيد الطويل - من فكر أبي عبد الله الحسين القحطاني - نشر وتوزيع مؤسسة القائم الإعلامية - طبع فيما بعد ضمن بحوث موسوعة القائم - إعداد صلاح الكاظمي - دار المحجة البيضاء.
(٢) رجال الكشي: ص٩٠،... سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «بشّر المخبتين بالجنة: بريد بن معاوية العجلي، وأبا بصير ليث بن البختري المرادي، ومحمد بن مسلم، وزرارة، أربعة نجباء أمناء الله على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست».
(٣) بحار الأنوار: ج٣٨، ص٣٣٢.
(٤) مقال منشور في صحيفة القائم سابقاً والآن هو ضمن بحوث كتاب مناقشة العلماء والمدعين تأليف صلاح الكاظمي.
(٥) الكافي - للشيخ الكليني - ج٢ - ص٢٩٧.
(٦) كتاب الغيبة - محمد بن إبراهيم النعماني: ص٣٠٧.
(٧) بحار الأنوار: ج٥٣، ص١٥.
(٨) المصدر السابق.
(٩) لا توجد في المصدر السابق.
(١٠) في المصدر السابق: قال أين هراوة جدك.
(١١) نوصي بمراجعة الباب ٢٥، ج٥٣، ص١ من بحار الأنوار لوجود اختلاف كبير في النقل بين ما هو موجود في المصدر وبين ما نقله صاحب الكتاب.
(١٢) بحار الأنوار: ج٥٣، ص٣٥.
(١٣) بحار الأنوار: ج٥٣، ص٨١، باب الرجعة الحديث ٨٦ عن منتخب البصائر وقفت على كتاب خطب لمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) وعليه خط السيد رضي الدين علي بن موسى بن طاووس ما صورته...» [هذا ما يعبر عنه بالوجادة].
(١٤) بحار الأنوار: ج٥٣، ص٩٠-٩٤.
(١٥) الكافي: ج١ ص٤٥٢.
(١٦) بحار الأنوار: ج٥٣، ص٤٢.
(١٧) بحار الأنوار: ج٥٣، ص١٠٦.
(١٨) الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي: ج٢، ص٨٤٨.
(١٩) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) - الشيخ الصدوق: ج١، ص٢١٨.
(٢٠) عقد الدرر: ج١، ص٢٩٣، وينظر السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها للداني باب ١٠٩ ما جاء في نزول عيسى.
(٢١) الكافي: ج١، ص٦٩، وفي معناه أحاديث كثيرة.
(٢٢) بحار الأنوار: ج٣٩، ص٢٤٣، عن تفسير علي بن إبراهيم.
(٢٣) بحار الأنوار - العلامة المجلسي: ج٥٣ ص٦٨ الحديث ٦٦.
(٢٤) اله: أي اترك هذا ولا تسأل عنه.
(٢٥) تفسير القمي - علي بن إبراهيم القمي: ج٢، ص١٣٠.
(٢٦) في تفسير القمي: ج٢، ص١٣٠.
(٢٧) الكافي: ج٨، ص٢٨٨.
(٢٨) الكافي - الشيخ الكليني: ج١، ص٤١٢.
(٢٩) بحار الأنوار: ج٣٩، ص٢٤٤.
(٣٠) البحار ج٥٣ ص٣٩.
(٣١) تفسير القمي: ج٢، ص١٣١.
(٣٢) بحار الأنوار: ج٥٣، ص٣٩.
(٣٣) المصدر السابق.

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved