فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » العقيدة المهدوية - إشكاليات ومعالجات
 كتب المركز

الكتب العقيدة المهدوية - إشكاليات ومعالجات

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: السيد أحمد الاشكوري الشخص المحقق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/٢٠ المشاهدات المشاهدات: ٣٦٤٣٨ التعليقات التعليقات: ٠

العقيدة المهدوية

(إشكاليات ومعالجات)

سماحة الأستاذ السيد أحمد الاشكوري
تقديم وتحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)
الطبعة الخامسة (المحققة) ١٤٤٤هـ

رقم الإصدار: ٢٨٧

الفهرس

مقدَّمة المركز..................٣
مقدَّمة المؤلِّف..................٥
تمهيد..................٧
القسم الأوَّل: تأسيس الأصل..................١١
تمهيد: طوائف الناس في المجتمعات..................١٣
الأصالة للاحتياط..................١٩
القسم الثاني: النظر في المفردات المهدويَّة على صعيد التصوُّر والتصديق..................٢٧
الفصل الأوَّل: مقام الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)..................٣١
وصف الأنبياء في القرآن والكُتُب الأُخرى..................٤١
خصائص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)..................٤٥
النتائج المستفادة..................٥٣
الفصل الثاني: آليَّة معرفة المنظومة المهدويَّة..................٦٣
المصدر المعرفي الأوَّل: الدليل العقلي..................٦٧
المصدر المعرفي الثاني: القرآن الكريم..................٧٠
خصائص القرآن..................٧١
طبقات المفسِّرين..................٨٣
المصدر المعرفي الثالث: السُّنَّة الشريفة..................٨٣
الفوارق بين القرآن والسُّنَّة..................٨٤
١ - أدلَّة معرفيَّة السُّنَّة..................٨٥
٢ - التعاضد بين القرآن والسُّنَّة، والتأثير المتبادل بينهما..................٨٨
٣ - بعض الشُّبُهات النافية للآليَّة المعرفيَّة للسُّنَّة..................٨٩
الشبهة الأُولى: بشريَّة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)..................٨٩
الشبهة الثانية: تعارضيَّة المنقول عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)..................٩٠
الشبهة الثالثة: مسحوريَّة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)..................٩١
الشبهة الرابعة: مجتهديَّة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)..................٩٢
الشبهة الخامسة: آمريَّة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالمحو..................٩٢
٤ - كيف نستكشف السُّنَّة النبويَّة الشريفة في معالم المدرستين؟..................٩٣
أمَّا تدوين الحديث عند أبناء العامَّة..................٩٥
٥ - ظاهرة الاجتهاد في فاعليَّة السُّنَّة وديمومتها..................٩٧
٦ - أُطروحة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في الروايات..................١٠١
الشبهة الأُولى: الميزان في قبول الحديث وروده في الصحيحين فقط..................١٠١
الشبهة الثانية: مدسوسيَّة الروايات..................١٠٣
الشبهة الثالثة: ضعف الروايات..................١٠٣
الشبهة الرابعة: المهدويَّة فكرة شيعيَّة..................١٠٥
الشبهة الخامسة: المهدويَّة قضيَّة غيبيَّة مشكوك فيها..................١٠٦
الشبهة السادسة: المهدي فكرة مختلَقة..................١٠٦
الشبهة السابعة: روايات المهدي تصطدم مع العقل..................١٠٧
الشبهة الثامنة: روايات المهدي تصطدم مع القاعدة الاجتماعيَّة..................١٠٨
الشبهة التاسعة: اختلاف الشيعة أمارة النفي..................١٠٩
الشبهة العاشرة: فكرة المهدي موروثة من الأديان المنحرفة..................١٠٩
الشبهة الحادية عشرة: شبهة الولادة..................١٠٩
الشبهة الثانية عشرة: لا فائدة من الإمام الغائب..................١١١
الشبهة الثالثة عشرة: الفكرة ومنشأها عوامل نفسيَّة..................١١١
الشبهة الرابعة عشرة: غيبة اللطف..................١١٢
الشبهة الخامسة عشرة: المهدي سيُولَد بعد ذلك..................١١٢
الشبهة السادسة عشرة: فكرة الغيبة تنافي أحكاماً فقهيَّة..................١١٢
الشبهة السابعة عشرة: ادِّعاء مجموعة أنَّهم هم المهدي يستدعي رفض فكرة المهدي..................١١٣
الخلاصة..................١١٣
الفصل الثالث: رؤية الإمام الغائب ومشاهدته بين الصدق والدجل..................١١٧
ظاهرة الغيبة وخصائص المرحلة..................١١٩
نماذج من طلب الحاجات من الإمام (عجَّل الله فرجه)..................١٢٢
مناقشة روايات وأدعية الرؤية وتحليلها..................١٢٣
الخلاصة..................١٣٢
الفصل الرابع: للمهدي حيرة وغيبة..................١٣٧
مقوِّمات الفكرة المهدويَّة..................١٤٠
الأمر الأوَّل: المهدي وسماته، وإنجازاته..................١٤١
الأمر الثاني: الغيبة..................١٤٢
الأمر الثالث: الولادة، وطول الغيبة، ومجهوليَّة التوقيت، واختفاء الهويَّة الشخصيَّة..................١٤٨
بعض أوجه الغيبة..................١٤٨
الدليل الروائي على الولادة..................١٥١
الفصل الخامس: الثقافة المهدويَّة بين المبالغة والاستخفاف..................١٥٧
١ - حكم الدول قبل القائم (عجَّل الله فرجه)..................١٥٩
٢ - مصير أهل الذمَّة في عصر الإمام (عجَّل الله فرجه)..................١٦١
٣ - أزمة الفكرة المهدويَّة..................١٦٢
٤ - الرؤية الدِّينيَّة بين السلفيَّة والاعتزاليَّة..................١٦٤
٥ - أزمة الخطاب المهدوي..................١٦٦
نماذج من الخطاب المهدوي..................١٦٩
الفصل السادس: علائم الظهور..................١٧١
مصطلح العلامة..................١٧٣
فلسفة ذكر العلائم..................١٧٨
بيان الحال في المنظومة المهدويَّة..................١٨٢
الفصل السابع: المنقذ العالمي في الأديان..................١٩١
وهاهنا سؤالان..................١٩٧
الفصل الثامن: أسرار الانتظار..................١٩٩
الفصل التاسع: أزمة الفكر غير الشيعي في المنظومة المهدويَّة..................٢٠٣
١ - أزمة فكر المستشرقين في المنظومة المهدويَّة..................٢٠٥
٢ – أزمة فكر أبناء العامَّة في المنظومة المهدويَّة..................٢٠٦
الفصل العاشر: اعتماد الموازين في العقيدة المهدويَّة..................٢١١
طوائف المدَّعين..................٢١٤
مناشئ الادِّعاء..................٢١٤
مناشئ تأثير الادِّعاء على القواعد الجماهيريَّة..................٢١٦
الملازمات السلبيَّة للادِّعاء..................٢١٨
دواعي الانحراف..................٢١٩
الوسائل العلاجيَّة للانحراف..................٢١٩
المصادر والمراجع..................٢٢١

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدَّمة المركز:
تنوَّعت الكتابات في قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وتباينت وجهاتها وأغراضها، وقد يعزو البعض سبب ذلك إلى اتِّساع الفكرة وشموليَّتها بحيث لا يمكن اختزالها في كتاب واحد، ولا يمكن الإحاطة بها من قِبَل كاتب واحد، وقد يعود السبب إلى الموقف من أصل الفكرة بين الإنكار والإثبات، والمنكرون على أصناف والمثبتون كذلك.
ونرى أنَّ كلا الأمرين صحيح، فعظم القضيَّة وتنوُّع ارتباطاتها من جهة، واختلاف الرؤى والمدارس الفكريَّة فيها من جهة أُخرى، أدَّى كلُّ ذلك إلى تنوُّع الكتابات عنها، وتعدُّد الأقلام فيها.
ولعلَّ من النادر أنْ تجد كاتباً يُسلِّط الأضواء على أكثر من جهة مع استيعاب للفكرة، وعمق في المضمون، وجزالة في العبارة، لاسيّما إذا كان البحث المطروح ليس بحثاً وسرداً تاريخيًّا، وإنَّما بحثاً في الأُصول والمباني المعرفيَّة في عقيدة المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، وهذا ما يجده القارئ لهذا الكتاب، فقد عالج الكثير من المفاهيم المهدويَّة، سواء في الدائرة الخاصَّة من المؤمنين، أو الدائرة الأعمّ ممَّا يشمل المنكرين أيضاً، عالج كلَّ ذلك بقلم تفرَّد به المؤلِّف، ولا نغالي إذا قلنا: إنَّه أصاب كبد الحقيقة في الكثير ممَّا حاول عرضه

↑صفحة ٣↑

بأُسلوب علمي جادٍّ، وقد برع في معالجة الإشكاليَّات الميدانيَّة المتفرِّعة من الشُّبُهات الفكريَّة، وهذا ممَّا ندر النظر إليه في كُتُب العقيدة المهدويَّة.
والمركز إذ يعتزُّ بنشر هذا الكتاب القيِّم يتقدَّم بالشكر الجزيل لمؤلِّفه سماحة الأُستاذ الفاضل السيِّد أحمد الإشكوري، ولجميع الإخوة العاملين، وبالأخصّ الشيخ حازم الحدراوي والشيخ ياسر الصالحي لجهدهما في إرجاع الأحاديث إلى مصادرها، لكي يخرج الكتاب بهذه الحلَّة القشيبة.

مدير المركز
السيِّد محمّد القبانچي
(١٤٣١هـ)

↑صفحة ٤↑

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدَّمة المؤلِّف:
﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنبياء: ٤).
الحمد لله على أفضاله ونواله وأنعمه.
والصلاة على مقدام السفراء الإلهيِّين، سيِّد الكائنات، نبيِّنا نبيِّ الرحمة أبي القاسم محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
والسلام على آله الكرام، مصابيح الحوالك والظُّلَم، والسُّرُج المضيئة في الدياجي البُهَم.
أمَّا بعد..
فإنَّ حرّيَّة الفكر والانتخاب، ونزاهة العرض وعذوبته، هي مناشئ التكامل العلمي، والوصول إلى القُلَل، وإخراج الدُّرَر والمرجان.
بيد أنَّه وعلى طول الخطِّ هناك أعداء الحقيقة ودعاة الظلام يسعون إلى إطفاء ذلك النور، لتنسج العناكب بيوتها، وتعيش الضلالة أوكارها، ولا يمسكون عن طريق الغواية والتضليل.
قال ربُّنا في كتابه المنزل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ (الأنعام: ١١٢).

↑صفحة ٥↑

فاحتجنا إلى دعاة حقٍّ، وعلماء هدى، وألسنة صدق، ومشاعل توحيد، ومنابر علم يُجدِّدون من معالم الدِّين ما اندرس، ويرفعون من منار الإيمان ما طمس.
وكانت في طليعة تلك المساعي - ولأخطر موضوع عقائدي جوانحيًّا وجوارحيًّا - مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فقام بأعباء تبشير الثقافة المهدويَّة الأصيلة ببصيرة نافذة، وفكر مخلِص، وأريحيَّة علميَّة، وشفَّافيَّة خطابيَّة، ونهج حضاري، وإخراج رائع وموفَّق، ووساطة بين العلماء والقواعد الإيمانيَّة والنُّخَب، فصار من السهل - وللجميع - أنْ يتعرَّف على الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) فيعيشه سلوكاً فقهيًّا، ويحمله فكراً روائيًّا، ويتبنَّاه عقيدة عقليَّة، ويتجذَّر فيه عاطفة قلبيَّة، ويسعى أنْ يُمهِّد له ويحسن الانتظار، فالانتظار ليس حالة من المشاهدة والتفرُّج للحدث المستقبلي والتنبُّؤ الغدي، بل هو مقدَّمة ممهِّدة للظهور، بل الفرج معنى سعي يشمل في طيَّاته الانتظار الحالي الموصِل، فبات المؤمن يقارنه (عجَّل الله فرجه) مع المخلِّص العالمي عند الغير، وينسجه في منظومة دينيَّة واحدة متكاملة متناسقة من عطر التوحيد، فيقرؤه بين أسطر المعالم، ويجده بين الركن والمقام.
فقطع المركز شوطاً كبيراً بتوفيق ربَّاني، وإخلاص من طاقمه، وأمامه الكثير، وبحاجة إلى همَّة عالية لتحقيق أهدافه، والإصرار على المواصلة لكسب أطيب النتاج.
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٤٤).

السيِّد أحمد الإشكوري

↑صفحة ٦↑

تمهيد

المنظومة المهدويَّة بتجاذباتها وأجندتها من جهة، وعدم تقبُّل البعض لها بسبب الخلفيَّات الثقافيَّة والتاريخيَّة من جهة أُخرى، رغم دقَّة وبراعة وترسيم بارئها، ورونق مصمِّمها، وتقنيّة مقنِّنها من جهة أُخرى، تعيش شيئاً من الضبابيَّة والغموض والاستتار في ثقافتها، وكيفيَّة قراءتها.
بل ربَّما تنحرف بين حين وآخر عند هذا البعض عن مسارها الإلهي المرسوم والمخطَّط لها، إمَّا انحرافاً وشذوذاً فكريًّا، وإمَّا سلوكيًّا، وإمَّا هُما معاً.
ولا غرابةَ في ذلك، بل إنَّ الظواهر الفكريَّة كلَّما ازدادت ثراءً عاشت افتتاناً أشدّ، فالظاهرة الدِّينيَّة مع فطنة وحكمة مشرِّعها ودقَّته وتبصُّره وغيبيَّته لم تأمن من ظاهرة الانحراف، سواء أكان من بداية الولادة في عصر النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو الفترة المشارفة له، أم فيما بعد، فوُجِدَت المذاهب المتكثِّرة في الشريعة الواحدة، فتعدُّدها وليد إساءة فهمها وانحراف أربابها، ولا عجب في ذلك، لأنَّ الافتتان سُنَّة إلهيَّة محتومة لكلِّ ظاهرة دينيَّة.
فمكوِّنها الداخلي بمقتضى معايشتها لعالم التزاحم يفسح المجال للاختبار، ويُهيِّئ سُبُل الافتتان والامتحان، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: ٢).

↑صفحة ٧↑

وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «وَاَلله لَتُمَحَّصُنَّ يَا مَعْشَرَ اَلشِّيعَةِ شِيعَةِ آلِ مُحَمَّدٍ كَمَخِيضِ اَلْكُحْلِ فِي اَلْعَيْنِ، لِأَنَّ صَاحِبَ اَلْكُحْلِ يَعْلَمُ مَتَى يَقَعُ فِي اَلْعَيْنِ، وَلاَ يَعْلَمُ مَتَى يَذْهَبُ، فَيُصْبِحُ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ أَمْرِنَا، فَيُمْسِي وَقَدْ خَرَجَ مِنْهَا، وَيُمْسِي وَهُوَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ أَمْرِنَا، فَيُصْبِحُ وَقَدْ خَرَجَ مِنْهَا»(١).
فقضيَّة اختيار الإنسان وحريَّته من جانب، وفلسفة خلقه واختباره وامتحانه من جانب آخر، يفرض مساحة من الإيهام، فينفتح السبيلُ للشاذِّ لأنْ يتحرَّك بسوء اختياره نحو الظلام، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس: ٧ و٨) فألهمه بارئه أنْ يتابع الشرَّ بمفتاح المتشابه، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ (آل عمران: ٧).
فالإساءة واتِّباع المتشابه من قِبَل الشواذِّ الذين في قلوبهم زيغ، ليست منقصة في المنظومة الفكريَّة، ولا تخدش تأصُّلَها وصلابَتها وحقَّانيَّتَها وقدرةَ منظِّرها وحكمته، وهكذا جاءت فصول الكون للمؤلِّف الواحد ذات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الغيبة للطوسي (ص ٣٣٩ و٣٤٠/ ح ٢٨٨)؛ وفيه (ص ٣٣٩/ ح ٢٨٧): عَنْ جَابِرٍ اَلْجُعْفِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): مَتَى يَكُونُ فَرَجُكُمْ؟ فَقَالَ: «هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، لَا يَكُونُ فَرَجُنَا حَتَّى تُغَرْبَلُوا، ثُمَّ تُغَرْبَلُوا، ثُمَّ تُغَرْبَلُوا - يَقُولُهَا ثَلَاثاً -، حَتَّى يُذْهِبَ اَللهُ تَعَالَى اَلْكَدِرَ وَيُبْقِيَ اَلصَّفْوَ».
وفي (ص ٤٧٢/ ح ٤٩١): عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ مُوسَى اُبْتُلُوا بِنَهَرٍ، وَهُوَ قَوْلُ اَلله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وَإِنَّ أَصْحَابَ اَلْقَائِمِ يُبْتَلَوْنَ بِمِثْلِ ذَلِكَ»، بناءً على أنَّ أصحاب القائم (عجَّل الله فرجه) يشملون حتَّى أصحاب الانتظار.

↑صفحة ٨↑

الهدف والغرض المشترك في رسومها وأشكالها المختلفة في لوحة متكاملة، فإنْ واكبت المسيرة الفكريَّة أشواكاً وشوائب استقطعت في بعض مراحلها طابعها الفعَّال ونهوضها، وفارقت طبيعتها التي رُسِمَت لها، وأثَّرت في بعض نفوس أتباعها آثاراً سلبيَّة، وأوجبت دخول الشكِّ والريب في قلوبهم، وانطفاء نور الشريعة من أرواحهم، لعدم تعقُّلهم اتِّزان الفكرة، فترعرعت المسيرة الفكريَّة في مناخ موبوء يُشوِّه مظهرها ويُفقِدها عافيتها.
ومن أخطر ألوان الانحراف هو الانحراف الفكري، لاسيّما إذا صدر بإيحاء أنَّه من الصميم الداخلي، أو قام على أساس إصلاح في الرؤية الفكريَّة، أو أرسلت أمواجاً صوتيَّة ممَّن يرتدي ويتمظهر بزيِّ أهل العلم، وطُليت الفكرة المنحرفة بغطاء القداسة، ووصف المعارض لها بأنَّه خارج عن الدِّين، وبهذا يبدأ ناقوس الانحراف يتجلَّى، إلَّا أنَّه ليس من الضروري أنْ يكون الانحراف تامًّا، بل قد يكون واقعاً في بعض المفردات، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة: ٨٥).
وعقيدة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، والفكرة المهدويَّة، وظاهرة الغيبة ربَّما عاشت هذه الأزمة أيضاً، فسارت عند البعض بين محور الإفراط ومحور التفريط. والذي نحن بصدده هو الوقوف على بعض مناشئ هذه الأزمة، وكيفيَّة توفير المناعات لصونها من الاستغلال، ولعرض هذه العقيدة في ساحات العلم والفكر عرضاً مقبولاً لا يكون مورداً للاستخفاف والاستهانة.

↑صفحة ٩↑

وبتصنيفٍ أوَّلي سنتحدَّث في قسمين:
القسم الأوَّل: تأسيس الأصل، وتحكيمه في عصرنا.
القسم الثاني: النظر في المفردات على صعيد التصوُّر والتصديق.

* * *

↑صفحة ١٠↑
القسم الأوَّل: تأسيس الأصل

↑صفحة ١١↑

* تمهيد: طوائف الناس في المجتمعات.
* الأصالة للاحتياط.

↑صفحة ١٢↑

تمهيد: طوائف الناس في المجتمعات:
هناك قضيَّة بديهيَّة وجدانيَّة وهي أنَّ الناس في كلِّ مجتمع وعصر يُصنَّفون إلى طوائف:
١ - طائفة السُّذَّج، وهم بسيطو الفكر، إذ ليس لهم بضاعة فكريَّة يلجُون بها ساحات الفكر، فعن عليٍّ (عليه السلام): «اَلنَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ...»(٢).
٢ - طائفة الحمقى، وهم الذين يظنُّون أنَّهم يُحسِنون صنعاً، فحركاتهم العمليَّة والعلميَّة ليست قائمة على أُسُس ومناهج عقلائيَّة، بل هم إلى النهج السفهي أقرب، فإنَّهم فضلاً عن عدم استجلاب ربح يستجلبون ضرراً عليهم أو على غيرهم، قال الباقر (عليه السلام): «يَا عَبْدَ اَلله بْنَ عَطَاءٍ، قَدْ أَخَذْتَ تَفْرُشُ أُذُنَيْكَ لِلنَّوْكَى»(٣)، أي شرعت تفتح وتبسط أُذُنيك للحمقى تسمع منهم.
٣ - طائفة أصحاب الجهل المركَّب، وهم الذين يُكثِرون في قطوعاتهم غير المصيبة للواقع، فيرون أنفسَهم أنَّهم تزيَّوا بزيِّ العلم وهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) نهج البلاغة (ص ٤٩٦/ ح ١٤٧).
(٣) الكافي (ج ١/ ص ٣٤٢/ باب في الغيبة/ ح ٢٦)، الغيبة للنعماني (ص ١٧١/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ٧).

↑صفحة ١٣↑

أقرب إلى الجهل والخطأ منه إلى الواقع، ولا يرتضون لأنفسهم أنَّهم قد أخطأوا، بل تأخذهم العزَّة بالإثم، لأنَّه لازم لا ينفكُّ عن هذه الطائفة، فتكون حركتهم العمليَّة الخارجيَّة على وفق ما هو المحفوظ في أذهانهم من الجهل، قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (البقرة: ٢٠٥ و٢٠٦).
٤ - طائفة المستضعفين، وهم المسلِّمون للواقع الاجتماعي الخارجي الفاسد، وينعقون مع كلِّ ناعق، وأتباع كلِّ مذهب، فنهجهم التسليم للآخر من دون الوقوف على حقيقته، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سبأ: ٣١ - ٣٣).
٥ - طائفة التقليديِّين المتعصِّبين، وهم الذين انقادوا لتعصُّبهم وولائهم الأعمى للآخرين المقتضي لتقليدهم والترويج لهم والذوبان فيهم، والعبوديَّة الكاملة لكبرائهم، أعمّ من أنْ تكون نكتة التقليد تعصُّب

↑صفحة ١٤↑

العشيرة أو التعصُّبات القبليَّة والقوميَّة والفئويَّة ونحو ذلك، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أَلَا فَالْحَذَرَ اَلْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمْ اَلَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ، وَتَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ، وَأَلْقَوُا اَلْهَجِينَةَ عَلَى رَبِّهِمْ، وَجَاحَدُوا اَللهَ عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ...»(٤).
٦ - طائفة المعاندين وأصحاب اللجَّة ممَّن لا يُجدي الإنذار معهم، فليس لهم همٌّ إلَّا مخالفة الآخر، ولم يكن مقصودهم كشف الحقِّ، بل ليس لهم منافع سوى إرادة الظهور من خلال: (خالف تُعرَف)، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: ٦).
٧ - طائفة المادِّيِّين والشهوانيِّين وطُلَّاب الدنيا ممَّن لم يكن لهم غرض إلَّا النفعيَّة الحيوانيَّة الدنيويَّة، وهم لأجل الوصول إلى هذا المقصد مستعدُّون ليسلكوا أيَّ سبيل كان، فلا تحكمهم المعايير ولا تضبطهم المقاييس، بل أصبحت المدرسة النفعيَّة الآن ذات أُسُسٍ إدراكيَّة وأدلجة فكريَّة، بل لم يكن لدُعاتها أدنى استحياء في عرضها، بل المعروض في ساحة القِيَم أسوأ من ذلك بكثير، فعن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ليغشينَّ أُمَّتي بعدي فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويُمسي كافراً، يُمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع أقوام منهم دينهم بعرض من الدنيا قليل»(٥)، قال تعالى:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) نهج البلاغة (ص ٢٨٩ و٢٩٠/ الخطبة ١٩٢ المسمَّاة بالقاصعة).
(٥) مسند الشاميِّين (ج ٣/ ص ١٤٣/ ح ١٩٥٩)، مستدرك الحاكم (ج ٤/ ص ٤٣٨)، إمتاع الأسماع (ج ١٢/ ص ٣٣٤)، الجامع الصغير (ج ٢/ ص ٤٦٩/ ح ٧٧١٢)، كنز العُمَّال (ج ١١/ ص ١٢٧/ ح ٣٠٨٩٣).

↑صفحة ١٥↑

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (سبأ: ٣٤ و٣٥).
٨ - طائفة الأُحاديَّة والاستحواذ الفكري، وتهميش وإلغاء فكر الآخر، فهم لا يأذنون للآخر في الحديث، ويسدُّون الأبواب عن الحوارات العلميَّة، ويرون لأنفسهم أنَّهم يملكون كلَّ شيء بما في ذلك فكر الآخر، بل يسعون لرسم مفردات فكر الآخر وكيف يُفكِّر، ويلزمونهم بأنْ لا يتعدَّوا ولا يتجاوزوا ذلك، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً﴾ (نوح: ٥ - ٧).
٩ - طائفة المنافقين، وهم الذين يحملون المعايير المزدوجة، فخطابهم غيرُ واقعهم، ويضمرون في قلوبهم غيرَ ما يُظهِرونه على ألسنتهم، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٨)، وقال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة: ١٧ و١٨).
١٠ - طائفة المتخبِّطين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وهم المتذبذبون، فكلُّ يوم يصطفُّون في معسكر، فلم يكن لهم مسيرة محدَّدة فضلاً عن أنْ تكون لهم بداية معيَّنة ونهاية معلومة، وبهذا لم يكن لهم ميزان في المتابعة والملاحقة، فلم يستضيؤوا بعلم ولم يسيروا على منهج، فيزدادون ضلالاً كلَّما مشوا، ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هؤُلَاءِ﴾ (النساء: ١٤٣).

↑صفحة ١٦↑

١١ - طائفة الإيغال الفكري العبثي، الذين لا يحملون هاجساً وهمًّا إلَّا الفكر، فلم يدرسوا الفكر لأجل الواقع، وإنَّما درسوا الفكر للفكر، فهمُّهم المصطلحُ والعنوانُ لا الواقع والمعنون، فيفترضون فروضاً علميَّة هي أقرب إلى الخيال الموهوم منه إلى الحقيقة والصواب، فليس مقصودهم بيان المعالجات وحلَّ المشكلات، وإنَّما مقصودهم زيادة الشكوك والفروض، والإكثار في بيان الفكر الفارغ المنطلق من الذهن البارد ذي الجسد الخالي من الروح، فقد جاء في (شرح الأسماء الحسنى) للملَّا هادي السبزواري (رحمه الله): (فانحراف القوَّة الدرَّاكة منه إلى جانبي الإفراط والتفريط يُسمَّى جربزة وبلاهة، واعتدالها حكمة...)(٦)، وقال صدر المتألِّهين (رحمه الله) في (الأسفار): (ومن أتمّ حالات النفس الشيطانيَّة أنْ تكون مكَّارة محيلة جربزة كذوبة مظهرة للأُمور على غير ما هي عليه، شأنها التدليس والتلبيس بإبراز المقدَّمات الباطلة في صورة الحقِّ، وإظهار الأكاذيب الواهية بهيأة الصدق، فهي أبداً عاشقة للمكر والحيلة والوسوسة والمواعيد الكاذبة والأماني الباطلة، كما قال تعالى في صفة الشيطان: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [النساء: ١٢٠])(٧).
١٢ - طائفة السوفسطائيِّين، وهم الذين لا يرون وجود واقع وثبات قِيَم أو أنَّ الحقَّ عندهم أنْ يكون الحقُّ متغيِّراً، فلا حقيقة ولا صواب ولا واقع، فواقعيَّة الواقع عندهم أنْ لا واقع له، فالذي لا يرى أنْ يكون لنفسه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦) شرح الأسماء الحسنى (ج ١/ ص ٦٨).
(٧) الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة (ج ٣/ ص ١٨٥).

↑صفحة ١٧↑

حقٌّ وواقع فبطريق أولى أنْ لا يرى لفكره حقًّا وواقعاً. فهم اعتبار ووهم وظلٌّ وخيال، فقد نقل العلَّامة المجلسي (رحمه الله) قول الشيخ الرئيس الآتي: (... لأنَّا لو جوَّزنا أنْ يرى الإنسان صوراً ويشاهدها ويتكلَّم معها ويسمع أصواتها ويرى أشكالها ثمّ إنَّها لا تكون موجودة البتَّة في الخارج، جاز أيضاً في كلِّ هذه الأشياء التي نراها ونسمعها من صور الناس والجبال والبحار وأصوات الرعود أنْ لا يكون لشيء منها وجود في الخارج، بل يكون محض الخيالات ومحض الصور المرتسمة في الحسِّ المشترك، ومعلوم أنَّ القول به محض السفسطة)(٨).
١٣ - طائفة العبيد، وهم الذين يرون كمالهم أنْ يكونوا خدماً وأذرعاً للآخرين، فهم الأسوء في نوعهم، إذ إنَّ محرِّكيَّتهم وباعثيَّتهم في أفعالهم الخارجيَّة عبوديَّتهم لغيرهم، فصاروا محرقة ومطحنة ووقوداً لدنيا غيرهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (المائدة: ١٠٤).
١٤ - طائفة المؤمنين، وهي الطائفة التي نظَّمت مسيرتها الفكريَّة والعمليَّة، وحدَّدت غاياتها، ورسمت طريقها، وترفَّعت عن عالم المادَّة والمحسوس، وعاشت في الأُفُق الوسيع والمناخ الطبيعي، واستنشقت من عبير عطر رسالات الأنبياء والمصلحين والأحرار، فوقَّروا العلم والفكر، وكرَّموا أهله، وعملوا به، وجدُّوا في المسيرة، وترفَّعوا عن الحدود المرسومة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) بحار الأنوار (ج ٥٨/ ص ٢٠٢ و٢٠٣).

↑صفحة ١٨↑

والفواصل والحُجُب المانعة عن الظفر بالخير المنشود، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: ٣ - ٥).
فوجود مثل هذه الطوائف قضيَّة وجدانيَّة فطريَّة لا يختلف فيها اثنان، إلَّا إذا صار المبنى التنظير بالقِيَم المثاليَّة، لئلَّا نجرح عواطف أُمَّتنا ومجتمعنا، لكنَّنا نريد أنْ نكون واقعيِّين، ونعمل الوقاية والعلاج في الثقافة المهدويَّة قدر المستطاع، فنعالج ما يمكن علاجه من الانحرافات من خلال سدِّ الثغرات، وإيجاد السُّبُل للفهم الصحيح. وهذا يحتاج:
أوَّلاً: التسليم باشتمال المجتمع على هذه الطوائف بأشكالها.
ثانياً: تحديد وتأسيس الأصل، والمرجع الذي يُلتجَأ إليه عند عدم تحصيل الحلِّ والجواب، والعلاج الشافي.
إذ لا بدَّ لنجاح الطبيب قبل النهوض في تشخيص المرض ومعالجته؛ من الاعتراف بأنَّ مجتمعه حامل ومعايش للمكروب.
فعن مولانا الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه): «قَدْ آذَانَا جُهَلَاءُ اَلشِّيعَةِ وَحُمَقَاؤُهُمْ، وَمَنْ دِينُهُ جَنَاحُ اَلْبَعُوضَةِ أَرْجَحُ مِنْهُ»(٩).
الأصالة للاحتياط:
بعد قبول هذه المقدَّمة الوجدانيَّة - اشتمال المجتمع على تلك الطوائف -، وأنَّنا نعيش مرحلة الاختبار والافتتان، وبعد ملاحظة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩) الاحتجاج (ج ٢/ ص ٢٨٩)، عنه بحار الأنوار (ج ٢٥/ ص ٢٦٧/ باب ١٠/ ح ٩).

↑صفحة ١٩↑

التاريخ والإذعان بسقوط وفشل الكثير في الامتحان، ولا بدَّ من الاعتراف أنَّ الأمر صعبٌ يحتاج إلى الاجتهاد البليغ في الفهم، وإلى الذوق الحسن السليم. فأمر الدنيا بحرٌ واسع لا يقطعه كلُّ سابح طامع، وهدف سام لا يُصيبه كلُّ رامٍ.
فعن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) في رواية طويلة مخاطباً هشام (رضي الله عنه)، قال: «إِنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِه: تَوَاضَعْ لِلْحَقِّ تَكُنْ أَعْقَلَ اَلنَّاسِ، وَإِنَّ اَلْكَيِّسَ لَدَى اَلْحَقِّ يَسِيرٌ. يَا بُنَيَّ، إِنَّ اَلدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ قَدْ غَرِقَ فِيهَا عَالَمٌ كَثِيرٌ، فَلْتَكُنْ سَفِينَتُكَ فِيهَا تَقْوَى اَلله، وَحَشْوُهَا اَلْإِيمَانَ، وَشِرَاعُهَا اَلتَّوَكُّلَ، وَقَيِّمُهَا اَلْعَقْلَ، وَدَلِيلُهَا اَلْعِلْمَ، وَسُكَّانُهَا اَلصَّبْرَ»(١٠).
واتَّضح أنَّه لا بدَّ أنْ يندرج كلُّ فردٍ تحت طائفة من الطوائف السابقة، بل ربَّما أكثر من طائفة سواء أقَصَدَ هو ذلك أم لا، وسواء أعَلِمَ بذلك أم لا، حيث إنَّ الإنسان لا بدَّ له من حركة وسير، ولا بدَّ لكلِّ حركة غاية حتَّى ولو كانت الغاية هي التقاليد والأعراف والانصياع للشهوة والتحرُّك نحو ملائمات الطبع، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابٍ له إلى عثمان بن حنيف الأنصاري وهو عامله على البصرة وقد بلغه أنَّه دُعِيَ إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها: «فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ‏ مِنْ هَذَا اَلمَقْضَم، فَمَا اِشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ، وَمَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ، وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ، أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اِكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠) الكافي (ج ١/ ص ١٦/ كتاب العقل والجهل/ ح ١٢)؛ ورواه ابن شعبة الحرَّاني في تُحَف العقول (ص ٣٨٦) بتفاوت يسير.

↑صفحة ٢٠↑

بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ. أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ أَعِينُوني بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ، وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ»(١١).
فلتحقيق الغاية لا بدَّ من اختيار مدرسة فكريَّة وإيدلوجيَّة خاصَّة ذات رؤية كونيَّة جليَّة تُدرَس وتُقيَّم ضمن أقرانها ونظائرها، وهكذا لا بدَّ من انتخاب قائد روحي وفكري يرسم طريقنا في القِيَم والعمل، ويؤمِّن سلامة الطريق، ويحفظ لنا الوصول إلى المنتهى والغاية السليمة السعيدة، ولا بدَّ أنْ يتَّجه الماشي ويعرج إلى الصرح المتشامخ الجليِّ، وأنْ لا تخفى عن بصره الكليل نهاية الطريق.
لذا فلا بدَّ من تأسيس الأصل في تحديد الفكر وانتخاب القائد، فهل الأصل هو الاحتياط أم الترخيص؟
والحقُّ أنَّ الأصل هو عدم التسليم بسهولة، وعدم التسامح، وعدم الانقياد، فالأصل الجاري هو أصالة التفحُّص والتحقيق والاختبار والتدقيق، وأصالة التوقُّف للترويِّ والتأمُّل، وأصالة التفكُّر والتعلُّم والتحفُّظ، فالأصل هو الاحتياط وليس الترخيص والبساطة والتسامح والركون لكلِّ داعٍ، والتعجُّل والذوبان السريع ورخص الثمن، فلا ينبغي له الدخول في صفقة معاوضها ومبيعها تافه أو محقَّر.
وضعف بضاعة المفكِّر إمَّا لوهن دليله، وإمَّا لضعف معطياته وخسَّتها، وإمَّا لموهوميَّة فكره، فعن عليٍّ (عليه السلام): «كُنْ فِي اَلْفِتْنَةِ كَابْن اَللَّبُونِ لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ»(١٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١) نهج البلاغة (ص ٤١٦ و٤١٧/ ح ٤٥).
(١٢) نهج البلاغة (ص ٤٦٩/ ح ١).

↑صفحة ٢١↑

فلا ينفع التمسُّك بسلوكيَّة التفرُّج وعدم التدخُّل والتحاشي والابتعاد عن العراك، ولا ينفع طلب حركةٍ وفكرٍ خالٍ من رؤية كونيَّة وبعيدٍ عن الفلسفة والتفلسف، والاكتفاء بنظريَّة سطحيَّة بعيدة عن التعقيدات.
لأنَّ ما نحن فيه سلاح ذو حدَّين، لخضوعه لأُمور متنافية، فهو لا يفسح المجال لمحض المشاهدة واللَّامبالاة، لما تقدَّم من أنَّ كلَّ حركة وخطوة لا بدَّ لها من محرِّك ووقود دافع، وهو مجموعة من الأُمور الفكريَّة والرؤى الكونيَّة والحالات النفسيَّة، فتخلق هذه المجموعة منسوجاً متقارباً من الطموح واختيار الحياة وأنماطها والملبس والمأكل ونوع العلاقات والارتباطات الاجتماعيَّة، بل الفرديَّة أيضاً، وبالتالي فلا مفرَّ من اختيار القائد الروحي الفكري. ولا بدَّ أنْ يكون الاختيار وفق معايير خاصَّة ومشخَّصة، بل لا بدَّ من اختباره في مرحلة التأسيس وما بعدها، وأنْ يكون الاختبار شموليًّا، وهذا ما كنَّا نعنيه بأصالة التفحُّص.
ويدلُّنا على هذا الأصل - مضافاً إلى حكم العقل الفطري الوجداني فإنَّ العقلاء يلومون من يسير في وادٍ مجهولٍ - قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: ١٩٥)، وقولُهُ تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء: ٥٩)، أو قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «حَلَالٌ بَيِّنٌ، وَحَرَامٌ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا شُبُهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ اَلنَّاسِ، فَمَنِ اِتَّقَى اَلشُّبُهَاتِ فَقَدِ اِسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي اَلشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي اَلْحَرَامِ، كَالرَّاعِي حَوْلَ اَلْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، وَإِنَّ حِمَى

↑صفحة ٢٢↑

اَلله مَحَارِمُهُ»(١٣)، فإنَّ المراد من «اِتَّقَى اَلشُّبُهَاتِ» أي حقَّق في الحال والأحوال، أو قول أبي عبد الله (عليه السلام): «لَا يَسَعُكُمْ فِيمَا يَنْزِلُ بِكُمْ مِمَّا لَا تَعْلَمُونَ إِلَّا اَلْكَفُّ عَنْهُ، وَاَلتَّثَبُّتُ وَاَلرَّدُّ إِلَى أَئِمَّةِ اَلْهُدَى حَتَّى يَحْمِلُوكُمْ فِيهِ عَلَى اَلْقَصْدِ، وَيَجْلُوا عَنْكُمْ فِيهِ اَلْعَمَى، وَيُعَرِّفُوكُمْ فِيهِ اَلْحَقَّ، قَالَ اَللهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]»(١٤).
فلا تجري أصالة السلامة في اختيار القائد، وفي اختيار لوحة الفكر، لاسيّما إذا كان شأن الفكر شموليًّا داخلاً في كلِّ حركات وسكنات الفرد، وفي جميع الأزمنة حتَّى لما بعد هذه النشأة، فالمحتمل قويٌّ يستدعي شدَّة الاحتياط.
وأمَّا ما ورد من حمل فِعل الغير على الصحَّة كما عن أبي عبد الله (عليه السلام) حيث قال: «قَالَ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي كَلَامٍ لَهُ: ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِه حَتَّى يَأْتِيَكَ مَا يَغْلِبُكَ مِنْهُ، وَلَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءاً وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي اَلْخَيْرِ مَحْمِلاً»(١٥)، وغيرها من الروايات في هذا المضمون، فإنَّما يُراد بها رسمُ خارطة الحياة، والتنظيم على مستوى التعايش السلمي والتآخي، لا على أساس تحديد القائد والنموذج في المتابعة. فكلُّ فردٍ لا بدَّ له من أُسوة وإمام وميزان لتحديد نموذجه ومساره السلوكي، ولذا قال (عليه السلام): «مَنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣) عوالي اللئالي (ج ١/ ص ٨٩/ ح ٢٤)؛ ورواه ابن ماجة في سُنَنه (ج ٢/ ص ١٣١٨ و١٣١٩/ ح ٣٩٨٤) بتفاوت يسير.
(١٤) الكافي (ج ١/ ص ٥٠/ باب النوادر/ ح ١٠)؛ ورواه بتفاوت يسير البرقي (رحمه الله) في المحاسن (ج ١/ ص ٢١٦/ ح ١٠٣)، والعيَّاشي (رحمه الله) في تفسيره (ج ٢/ ص ٢٦٠/ ح ٣٠).
(١٥) الكافي (ج ٢/ ص ٣٦٢/ باب التهمة وسوء الظنِّ/ ح ٣).

↑صفحة ٢٣↑

هَجَمَ عَلَى أَمْرٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ جَدَعَ أَنْفَ نَفْسِهِ»(١٦)، فلابدَّ أنْ يستند إلى ركن وثيق.
وقد ورد في كلام لأمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنَّمَا سُمِّيَتِ اَلشُّبْهَةُ شُبْهَةً لِأَنَّهَا تُشْبِهُ اَلْحَقَّ، فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اَلله فَضِيَاؤُهُمْ فِيهَا اَلْيَقِينُ، وَدَلِيلُهُمْ سَمْتُ اَلْهُدَى، وَأَمَّا أَعْدَاءُ اَلله فَدُعَاؤُهُمْ فِيهَا اَلضَّلَالُ، وَدَلِيلُهُمُ اَلْعَمَى، فَمَا يَنْجُو مِنَ اَلمَوْتِ مَنْ خَافَهُ، وَلَا يُعْطَى اَلْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ»(١٧).
وعنه (عليه السلام): «أَلَا فَالْحَذَرَ اَلْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمْ اَلَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ، وَتَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ، وَأَلْقَوُا اَلْهَجِينَةَ عَلَى رَبِّهِمْ، وَجَاحَدُوا اَللهَ عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ، مُكَابَرَةً لِقَضَائِهِ، وَمُغَالَبَةً لِآلَائِهِ، فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ اَلْعَصَبِيَّةِ، وَدَعَائِمُ أَرْكَانِ اَلْفِتْنَةِ، وَسُيُوفُ اِعْتِزَاءِ اَلْجَاهِلِيَّةِ، فَاتَّقُوا اَللهَ وَلَا تَكُونُوا لِنِعَمِهِ عَلَيْكُمْ أَضْدَاداً، وَلَا لِفَضْلِهِ عِنْدَكُمْ حُسَّاداً، وَلَا تُطِيعُوا اَلْأَدْعِيَاءَ اَلَّذِينَ شَرِبْتُمْ بِصَفْوِكُمْ كَدَرَهُمْ، وَخَلَطْتُمْ بِصِحَّتِكُمْ مَرَضَهُمْ، وَأَدْخَلْتُمْ فِي حَقِّكُمْ بَاطِلَهُمْ، وَهُمْ أَسَاسُ اَلْفُسُوقِ، وَأَحْلَاسُ اَلْعُقُوقِ، اِتَّخَذَهُمْ إِبْلِيسُ مَطَايَا ضَلَالٍ، وَجُنْداً بِهِمْ يَصُولُ عَلَى اَلنَّاسِ، وَتَرَاجِمَةً يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، اِسْتِرَاقاً لِعُقُولِكُمْ، وَدُخُولاً فِي عُيُونِكُمْ، وَنَفْثاً فِي أَسْمَاعِكُمْ، فَجَعَلَكُمْ مَرْمَى نَبْلِهِ، وَمَوْطِئَ قَدَمِهِ، وَمَأْخَذَ يَدِهِ...»(١٨).
وعنه (عليه السلام) أيضاً: «أَلَا وَإِنَّ أَخْوَفَ اَلْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦) الكافي (ج ١/ ص ٢٧/ كتاب العقل والجهل/ ح ٢٩)، تُحَف العقول (ص ٣٥٦).
(١٧) نهج البلاغة (ص ٨١/ ح ٣٨).
(١٨) نهج البلاغة (ص ٢٨٩ و٢٩٠/ الخطبة ١٩٢ المسمَّاة بالقاصعة).

↑صفحة ٢٤↑

أُمَيَّةَ»(١٩)، والظاهر أنَّ المراد من فتنة بني أُميَّة معالمُ هذه الفتنة المتحقِّقة في كلِّ عصر، فتشمل فتنة بني العبَّاس أيضاً.
ولقائل أنْ يقول: إنَّ كثيراً من الناس ليس له تصوُّرٌ ورؤيةٌ، فلا يحتاج إلى تأسيس الأصل، وإتعاب النفس وإرهاقها، وصرف العمر في مثل هذه الأُمور.
ولكن ذلك لا يأتي، لأنَّا نرى أنَّه حتَّى هؤلاء لهم منهج، وهو عدم الاهتمام بما وراء الغيب، وعدم التأمُّل في إعداد زاد السفر، والمكث إلى المحسوس، وطلب العاجلة وترك الآجلة، وإشباع الغرائز الحيوانيَّة الشهوانيَّة، قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (الفرقان: ٤٤).
وبكلمة لا يشذُّ عنها أحد قطُّ، إنَّه ما من أحدٍ إلَّا وله رؤية وفلسفة وقواعد فكريَّة وإنْ لم يُصرِّح بها، أو خادع نفسه بعدمها، قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ (القيامة: ١٤ و١٥).
وبهذا اتَّضح أيضاً أنَّ فلسفة البعض القائمة على أصالة الطوبائيَّة، واستحسان الأفكار المتضادَّة، والقيادات المتناحرة مردُّها إلى أصالة التسامح، وخمول الفكر، وعدم إتعاب العقل، وإلى الزهد في حديث الآخرة، وعدم تكيُّف النفس على قبول ساعة الحساب والجزاء، ومؤشِّر ذلك أنَّهم لا يُجرون هذه القواعد في أُمورهم الدنيويَّة، فإزدواجيَّة المعيار بين النشأتين - بأنْ يعملوا تمام العناية والدقَّة في الأُمور الحقيرة من أُمور الدنيا، مع عدم الخوض في جزء من معرفة مصير الآخرة - كافية عندهم في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩) نهج البلاغة (ص ١٣٧/ الخطبة ٩٣).

↑صفحة ٢٥↑

الخوض في المسلك الانحرافي الشططي، فَعَنْ مَسْعَدَةُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) وَقَدْ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، فَقَالَ: «إِنَّ اَللهَ تَعَالَى يَقُولُ لِعَبْدٍ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ: عَبْدِي، أَكُنْتَ عَالِماً؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ لَهُ: أَفَلَا عَمِلْتَ بِمَا عَلِمْتَ؟ وَإِنْ قَالَ: كُنْتُ جَاهِلاً، قَالَ لَهُ: أَفَلَا تَعَلَّمْتَ حَتَّى تَعْمَلَ، فَيَخْصِمُهُ، وَذَلِكَ اَلْحُجَّةُ اَلْبَالِغَةُ»(٢٠)، فإنَّ مخاصمة الله للعبد غير المتعلِّم دليلٌ على وجوب المعرفة، وعدم معذوريَّة الجاهل.

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) أمالي المفيد (ص ٢٢٧ و٢٢٨/ المجلس ٢٦/ ح ٦)، أمالي الطوسي (ص ٩ و١٠/ ح ١٠/١٠).

↑صفحة ٢٦↑
القسم الثاني: النظر في المفردات المهدويَّة على صعيد التصوُّر والتصديق

↑صفحة ٢٧↑

* الفصل الأوَّل: مقام الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
* الفصل الثاني: آليَّة معرفة المنظومة المهدويَّة.
* الفصل الثالث: رؤية الإمام الغائب ومشاهدته بين الصدق والدجل.
* الفصل الرابع: للمهدي حيرة وغيبة.
* الفصل الخامس: الثقافة المهدويَّة بين المبالغة والاستخفاف.
* الفصل السادس: علائم الظهور.
* الفصل السابع: المنقذ العالمي في الأديان.
* الفصل الثامن: أسرار الانتظار.
* الفصل التاسع: أزمة الفكر غير الشيعي في المنظومة المهدويَّة.
* الفصل العاشر: اعتماد الموازين في العقيدة المهدويَّة.

↑صفحة ٢٨↑

لابدَّ من الاعتراف مسبقاً أنَّ هناك غموضاً بدويًّا في المعايشة مع القضيَّة المهدويَّة، ولذا لمستها يد الطامع، واخترقتها من مناطق الفراغ الكامنة في الثقافة المهدويَّة لدى جمهرة من الناس، وأثَّرت أثرها، وسرقت رونقها، وصوَّرتها في زاوية من الرهبانيَّة المنحرفة، وسلبت جمالها، وعطَّلت العقل فيها، وفسحت المجال لفقراء العلم أنْ يدلوا بدلوهم فيها، وضعافِ العقل أنْ يتجوَّلوا في أزقَّتها، وأصحابِ النفوس الواهية التنظير لها، وألَّبوا أتباعهم على مقاطعة مجالس العلم، وأوحوا إلى أوليائهم مفاهيم مقلوبة، فضاعت القِيَم، واختلطت الأوراق، فتنعَّل الحافي، وقُدِّم وتقدَّم المفضول، ودخلوا البيوت من غير أبوابها، وقرَّبوا الشريد والطريد، وصار النكرة معرفة، والبوَّال على عقبيه فقيه الأُمَّة، ورعاة المعزى نُخَب الفكر، ولَبَسَ العاري جلباب العلم.
فلا محيص من فتح الطريق باستضاءة المصابيح، وكشف الستار، وتوضيح المفاهيم، وشرح المفردات، ودفع الغموض، وبيان الصورة، وإملاء الفراغ، وتحديد المعيار، وطريق الارتواء، وكيف تُسقى الأرض الخصبة بماء الحياة من العترة الطاهرة.
وهذه بعض المفردات التي أردنا توضيحها، ورفع الغموض عنها، وسنذكر كلًّا منها في فصلٍ مستقلٍّ.

* * *

↑صفحة ٢٩↑

الفصل الأوَّل: مقام الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)

↑صفحة ٣١↑

* خصائص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
* النتائج المستفادة.

↑صفحة ٣٢↑

ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الفكرة والعقيدة المهدويَّة عند الشيعة قضيَّة خارجيَّة، وليست فرضيَّة فلسفيَّة عقليَّة، ولا توهُّمات نفسيَّة، فالإمام وجود إنساني بالفعل مرتبط بالسماء على نحو ارتباط سائر الأولياء المنصوبين، وهو حاملٌ لمواصفات أوسع من الأوصاف الجسديَّة والجسمانيَّة والمادّيَّة، فله سمات معنويَّة وروحانيَّة، وهو امتداد لشجرة مباركة، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ (الملك: ٣٠)، فربَّما يظهر - ولو بمعونة الأخبار(٢١) - أنَّ المراد من الماء في الآية الكريمة ليس الماءُ بالمعنى الحقيقي فحسب، بل المراد معنى معهود.
وهذه الأوصاف هي التي ترسم لنا شخصيَّة الإمام.
وتتأكَّد فكرة معرفة المهدي (عجَّل الله فرجه) بخصوصه عن طريق ملاحقة أوصافه وصفاته حسب ما ورد في الروايات، لا عن طريق الاستناد التاريخي الذي هو رجوع إلى النهج البشري المتقوِّم بالمحسوس والحاضر والمشاهد، فلأنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) في غيابٍ واستتارٍ وعدم ظهورٍ إلَّا في ظرف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١) كما في: الإمامة والتبصرة (ص ١١٥ و١١٦/ ح ١٠٥، وص ١٢٥/ ح ١٢٤)، والكافي (ج ١/ ص ٣٣٩ و٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح ١٤)، وتفسير القمِّي (ج ٢/ ص ٣٧٩)، والغيبة للنعماني (ص ١٨١/ باب ١٠/ فصل ١٤/ ح ١٧)، وكمال الدِّين (ص ٣٢٥ و٣٢٦/ باب ٣٢/ ح ٣، وص ٣٥١/ باب ٣٣/ ح ٤٨، وص ٣٦٠/ باب ٣٤/ ح ٣)، وكفاية الأثر (ص ١٢١)، والغيبة للطوسي (ص ١٥٨ و١٦٠/ ح ١١٥ و١١٧).

↑صفحة ٣٣↑

زماني ومكاني ضيِّق جدًّا، فلا معنى للرجوع إلى أصحاب السِّيَر ليُحدِّثونا عن سماته ومناقبه، وهذا بخلافه في النهج الروائي، فإنَّه لا يتوقَّف ولا يعتمد على خصوص الحاضر المحسوس، بل يكشف عن المغيَّب، وهذا معناه أنَّ المنهج التاريخي - بل المناهج الوصفيَّة - في مثل هذه الأُمور ضيِّق، بل قد يكون مخلًّا من جهة، وهذا بخلاف المنهج الروائي، إذ انعكاسه عن الواقع يكون واسعاً دقيقاً. ثمّ إنَّه بالطريقة الروائيَّة تنتظم عندنا رابطة التعرُّف به، وكيفيَّة الارتباط وحاجتنا إليه، وآفاق التعامل والمسؤوليَّات، وانكشاف بعض الفوائد من وجوده في عصر الغيبة، والتعرُّف على المشروع العالمي الناهض بالإصلاح والعدل، والمحيي لقِيَم السماء، والوصول إلى الفصل الأخير لكتاب الكون الإلهي. وعلى وفق هذه الدراسة قد نتحفَّظ على بعض الروايات، ونُهذِّب الآثار عن المدسوس والموضوع.
فالشيعة الإماميَّة الاثنا عشريَّة تعتقد أنَّ الخليفة في الأرض لا بدَّ أنْ لا يكون فيه نقص من كلِّ كمالٍ ممكنٍ له، وأنْ لا تكون فيه جوانب عدميَّة، وأنْ لا تكون فيه جهة شرٍّ وحيثيَّات فقيرة، بل كلُّه الخير والجمال الوجودي، فهو الجود والنور في قوله وفعله وأخلاقه ومعارفه، فتهفو وتنجذب النفوس الطيِّبة إليه.
فانتخاب الأولياء ليس عشوائيًّا، فإنَّهم الأنوار الإلهيَّة قبل خلق الكون، وهم خلق الله الكامل الذي تتجلَّى به صفات الخالق، وهذا لا يعني عينيَّة الصفات، إذ الذات المقدَّسة لا متناهية بذاتها فضلاً عن صفاتها وكمالاتها، فحيث إنَّ بين اللَّامتناهي والمتناهي بون شاسع فكون الأئمَّة (عليهم السلام) أسماء الله لا يستدعي أنَّهم عين الذات المقدَّسة.

↑صفحة ٣٤↑

لذا ورد في التوقيع الشريف: «بِسْمِ اَلله اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ، اُدْعُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ رَجَبٍ: اَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِمَعَانِي جَمِيعِ مَا يَدْعُوكَ بِهِ وُلَاةُ أَمْرِكَ، اَلمَأْمُونُونَ عَلَى سِرِّكَ، اَلمُسْتَبْشِرُونَ بِأَمْرِكَ، اَلْوَاصِفُونَ لِقُدْرَتِكَ، اَلمُعْلِنُونَ لِعَظَمَتِكَ، أَسْأَلُكَ بِمَا نَطَقَ فِيهِمْ مِنْ مَشِيَّتِكَ، فَجَعَلْتَهُمْ مَعَادِنَ لِكَلِمَاتِكَ، وَأَرْكَاناً لِتَوْحِيدِكَ وَآيَاتِكَ وَمَقَامَاتِكَ اَلَّتِي لَا تَعْطِيلَ لَهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ، يَعْرِفُكَ بِهَا مَنْ عَرَفَكَ، لَا فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا إِلَّا أَنَّهُمْ عِبَادُكَ وَخَلْقُكَ فَتْقُهَا وَرَتْقُهَا بِيَدِكَ، بَدْؤُهَا مِنْكَ وَعَوْدُهَا إِلَيْكَ، أَعْضَادٌ وَأَشْهَادٌ، وَمُنَاةٌ وَأَذْوَادٌ، وَحَفَظَةٌ وَرُوَّادٌ، فَبِهِمْ مَلَأْتَ سَمَاءَكَ وَأَرْضَكَ حَتَّى ظَهَرَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، فَبِذَلِكَ أَسْأَلُكَ، وَبِمَوَاقِعِ اَلْعِزِّ مِنْ رَحْمَتِكَ، وَبِمَقَامَاتِكَ وَعَلَامَاتِكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَأَنْ تَزِيدَنِي إِيمَاناً وَتَثْبِيتاً، يَا بَاطِناً فِي ظُهُورِهِ، وَظَاهِراً فِي بُطُونِهِ وَمَكْنُونِهِ، يَا مُفَرِّقاً بَيْنَ اَلنُّورِ وَاَلدَّيْجُورِ، يَا مَوْصُوفاً بِغَيْرِ كُنْهٍ، وَمَعْرُوفاً بِغَيْرِ شِبْهٍ، حَادَّ كُلِّ مَحْدُودٍ، وَشَاهِدَ كُلِّ مَشْهُودٍ، وَمُوجِدَ كُلِّ مَوْجُودٍ، وَمُحْصِيَ كُلِّ مَعْدُودٍ، وَفَاقِدَ كُلِّ مَفْقُودٍ، لَيْسَ دُونَكَ مِنْ مَعْبُودٍ، أَهْلَ اَلْكِبْرِيَاءِ وَاَلْجُودِ، يَا مَنْ لَا يُكَيَّفُ بِكَيْفٍ، وَلَا يؤين بِأَيْنٍ، يَا مُحْتَجِباً عَنْ كُلِّ عَيْنٍ، يَا ديموم يَا قَيُّومُ، وَعَالِمُ كُلِّ مَعْلُومٍ...»(٢٢).
بل لنا أنْ نقول: لا تصحُّ المقايسة بين اللَّامتناهي والمتناهي، فمن باب التجوُّز والتسامح والتقريب يمكن القول: هم نقطة في أبحر الفضل الإلهي، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ (الكهف: ١٠٩)، فالظاهر أنَّ المقصود من ﴿كَلِمَاتُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢) مصباح المتهجِّد (ص ٨٠٣ و٨٠٤/ الرقم ٨٦٦/٩)، إقبال الأعمال (ج ٣/ ص ٢١٤ و٢١٥)، المصباح للكفعمي (ص ٥٢٩ و٥٣٠)، البلد الأمين (ص ١٧٩ و١٨٠).

↑صفحة ٣٥↑

رَبِّي﴾ هي مخلوقات الله، إذ من الواضح أنَّ الله لا يتكلَّم بشقِّ الفمِّ وإنَّما قوله فعله وما يفيضه من وجود. فالآية أوَّلاً تتحدَّث عن أنَّ عالم الوجود ليس محدوداً بما يُشاهَد منه أو يُعلَم، بل هو على قدر من السعة والعظمة بحيث لو صار البحر حبراً وكُتِبَت صفاته تعالى فإنَّ البحر سيجفُّ قبل أنْ تُحصى موجودات عالم الوجود. فهي تشير إلى عظمة صفات الخالق، وأنَّه لا تسعه الكلمات ولو كان البحر مداداً وجاءنا بأبحر مثله. وثانياً أنَّ كلمات الله وإنْ كانت لا يسعنا فهمها، ولكنَّها هي متناهية، وظلٌّ لذي ظلٍّ وإنْ بلغت من العظمة ذروتها. هذا مضافاً إلى أنَّ كمال الأنوار الذين هم خلفاؤه في الأرض هي كمال فقريٌّ مستمدٌّ من الغنيِّ المطلق، فإنَّ غاية كمال الخلق هو شدَّة احتياجه للغنيِّ المطلق، وإنَّ الإذعان بذلك يدفع غائلة الغلوِّ والشرك، لكن من جانب آخر فهو مرآة صفات الحقِّ، فالخليفة هو روح الله وعبده ووجهه وبابه، وله مقامات وجوديَّة غير قابلة للتعطيل والتوكيل، بل الإمام متصدٍّ لها بنفسه، سواء أكان غائباً أم كان حاضراً، فهو ليس كسائر البشر وإلَّا لِمَ كان هو الإمام دون غيره من البشر؟ أيعقل أنَّ طريق القرعة أو الصدفة أو نحوهما هو طريق اصطفائه واختياره؟
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يَا عَلِيُّ، لَوْ لَا نَحْنُ مَا خَلَقَ اَللهُ آدَمَ (عليه السلام)، وَلَا اَلْحَوَّاءَ، وَلَا اَلْجَنَّةَ، وَلَا اَلنَّارَ، وَلَا اَلسَّمَاءَ، وَلَا اَلْأَرْضَ، فَكَيْفَ لَا نَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ اَلمَلَائِكَةِ وَقَدْ سَبَقْنَاهُمْ إِلَى مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَتَسْبِيحِهِ وَتَهْلِيلِهِ وَتَقْدِيسِهِ، لِأَنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) أَرْوَاحُنَا، فَأَنْطَقَهَا بِتَوْحِيدِهِ وَتَمْجِيدِهِ»(٢٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ٢/ ص ٢٣٧/ باب ٢٦/ ح ٢٢)، علل الشرائع (ج ١/ ص ٥/ باب ٧/ ح ١).

↑صفحة ٣٦↑

واستتار الإمام وغيبته لا يعني تعطيل أعماله ومهمَّاته ومقاماته، فكما أنَّ الباري (عزَّ وجلَّ) لتنزُّهه وسموِّه لا يُتصوَّر معه التعطيل عند ذوي الألباب، نعم قد يتعطَّل في العقول المحسوسة التي لا ترتضي أُفُقاً فوق الملموس والمحسوس، ولكن بعد قيام الدليل على وجود الإمام (عجَّل الله فرجه) لا يضرُّ جهلنا بفائدته، كيف والحكيم القدير هو الذي أعدَّه، بل منظومة الكون قد أُسِّست على أساس ومنهج نظمي معيَّن، فكما أنَّ القانون المادِّي محفوظ وفق محاسبة علميَّة مقرَّرة قد جهلها العالم آلاف السنين، فموضع وموقع الشمس من المنظومة الشمسيَّة مثلاً محسوب بشكل دقيق بحيث بتغيُّره يلزم فناء النظم، وإنْ كنَّا نجهل ذلك، وقانون الجاذبيَّة سرُّ انتظام الكون، ولقد أنكره العلماء في حقب زمنيَّة متمادية، والعلم لا يزال يتقدَّم ويكشف لنا عن الرموز في العالم المادِّي، إذ العلوم بشتَّى أقسامها وأصنافها وتشعُّباتها تهدف إلى أمرٍ واحدٍ، وهو أنَّ العالم من الذرَّة إلى المجرَّة عالم منسجم تسوده وتحكمه أدقّ الأنظمة، إلَّا أنَّ العقل البشري لمحدوديَّة ساحة مدركاته لم يكن قادراً على الإحاطة بفوائد الأشياء من جميع الجهات، قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ (الإسراء: ٨٥).
فالمهمُّ هو تبيُّن دليل الوجود والتحاكم إليه، ففي هذا لا بدَّ من الاستعانة بالنقل والوسائل الأُخرى لإثباته، وأمَّا ما وراء ذلك فهو من نافلة الكلام، وسيأتي مزيد توضيح لذلك.
فالحجَّة هو السبيل إلى الله، وبقيَّة الله، وهو الشمس الطالعة، والقمر المنير، والنجم الزاهر، فهو من الأئمَّة الذين يهدون بأمر الله، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ

↑صفحة ٣٧↑

أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (الأنبياء: ٧٣)، ولا تنحصر الهداية بالهداية القوليَّة، فهذه الهداية كما في (تفسير الميزان)(٢٤) بأمر الله حقًّا، لا الهداية التي يُعطيها النظر والاعتبار كما أطلق القرآن (الكلمة) على الأمر الخارجي دون (القول)، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ (الزخرف: ٢٨)، فالجعل هنا هو الجعل التكويني، وهكذا الهداية فهي بمعنى الإيصال إلى المطلوب، وهي نوع تصرُّف تكويني في النفوس لتسيِّرها في سير الكمال، لا بمعنى الأمر التشريعي الاعتباري، وهذا النمط من الهداية ثابت حتَّى لمثل الإمام الغائب، ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ (الفرقان: ٧٤)، فهو آل يس، وداعي الله، ورباني آياته، وباب الله، وناصر حقِّه، ودليل إرادته، وتالي كتابه، وترجمانه، وميثاق الله ووعده. هو العَلَم المنصوب، والعِلْم المصبوب، هو الغوث والرحمة الواسعة، وليُّ المؤمنين، وبوار الكافرين، ومجلي الظلمة، ومنير الحقِّ، الناطق بالحكمة. هو طامس آثار الزيغ والأهواء، وقاطع حبائل الكذب والافتراء، هو جامع الكلمة على التقوى، هو باب الله الذي منه يُؤتى، هو وجه الله الذي إليه يتوجَّه الأولياء، هو السبب المتَّصل بين الأرض والسماء، هو صاحب يوم الفتح، وناشر راية الهدى، ومؤلِّف شمل الصلاح والرضا، هو المنتظر لإقامة الأَمْتِ والعوج، هو المرتجى لإزالة الجور والعدوان، هو المدَّخر لتجديد الفرائض والسُّنَن، هو المتخيَّر لإعادة الملَّة والشريعة، هو المؤمَّل لإحياء الكتاب وحدوده، هو محيي معالم الدِّين وأهله، هو قاصم شوكة المعتدين، وهادم أبنية الشرك والنفاق، ومبيد أهل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) تفسير الميزان (ج ١٤/ ص ٣٠٤).

↑صفحة ٣٨↑

الفسوق والعصيان، وحاصد فروع الغيِّ والشقاق(٢٥)، بل هو شريك القرآن وعدله.
قال المحدِّث النوري (قدس سره): (عنقاء قاف القِدَم، القائم فوق مرقاة الهمم، الاسم الأعظم الإلهي، الحاوي للعلم الغير المتناهي، قطب رحى الوجود، ومركز دائرة الشهود، كمال النشأة ومنشأ الكمال، جمال الجمع ومجمع الجمال، المتوشِّح بالأنوار الإلهيَّة، المربَّى تحت أستار الربوبيَّة، مطلع الأنوار المصطفويَّة، ومنبع الأسرار المرتضويَّة، ناموس الله الأكبر، وغاية نوع البشر، أبي الوقت ومربِّي الزمان، الذي هو للحقِّ أمين، وللخلق أمان، ناظم المناظم، الحجَّة القائم)(٢٦).
وقد ورد في (الغيبة للنعماني) عن مولانا المهدي (عجَّل الله فرجه): «... فَأَنَا بَقِيَّةٌ مِنْ آدَمَ، وَذَخِيرَةٌ مِنْ نُوحٍ، وَمُصْطَفًى مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَصَفْوَةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ...»(٢٧).
وفي وارد آخر: «وَلْيَعْلَمُوا أَنَّ اَلْحَقَّ مَعَنَا وَفِينَا، لَا يَقُولُ ذَلِكَ سِوَانَا إِلَّا كَذَّابٌ مُفْتَرٍ، وَلَا يَدَّعِيهِ غَيْرُنَا إِلَّا ضَالٌّ غَوِيٌّ، فَلْيَقْتَصِرُوا مِنَّا عَلَى هَذِهِ اَلْجُمْلَةِ دُونَ اَلتَّفْسِيرِ، وَيَقْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ بِالتَّعْرِيضِ دُونَ اَلتَّصْرِيحِ إِنْ شَاءَ اَللهُ»(٢٨).
وفي جواب صدر من الناحية المقدَّسة: «بِسْمِ اَلله اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥) مقتبس من دعاء الندبة.
(٢٦) جنَّة المأوى (ص ١١/ مقدَّمة المؤلِّف).
(٢٧) الغيبة للنعماني (ص ٢٩٠/ باب ١٤/ ح ٦٧)؛ ورواه المفيد (رحمه الله) في الاختصاص (ص ٢٥٧).
(٢٨) كمال الدِّين (ص ٥١١/ باب ٤٥/ ح ٤٢).

↑صفحة ٣٩↑

عَافَانَا اَللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ اَلضَّلَالَةِ وَاَلْفِتَنِ، وَوَهَبَ لَنَا وَلَكُمْ رُوحَ اَلْيَقِينِ، وَأَجَارَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنْ سُوءِ اَلمُنْقَلَبِ، إِنَّهُ أُنْهِيَ إِلَيَّ اِرْتِيَابُ جَمَاعَةٍ مِنْكُمْ فِي اَلدِّينِ، وَمَا دَخَلَهُمْ مِنَ اَلشَّكِّ وَاَلْحَيْرَةِ فِي وُلَاةِ أُمُورِهِمْ، فَغَمَّنَا ذَلِكَ لَكُمْ لَا لَنَا، وَسَاءَنَا فِيكُمْ لَا فِينَا، لِأَنَّ اَللهَ مَعَنَا، وَلَا فَاقَةَ بِنَا إِلَى غَيْرِهِ، وَاَلْحَقُّ مَعَنَا، فَلَنْ يُوحِشَنَا مَنْ قَعَدَ عَنَّا، وَنَحْنُ صَنَائِعُ رَبِّنَا، وَاَلْخَلْقُ بَعْدُ صَنَائِعُنَا»(٢٩).
وفي أثر آخر: «قُلُوبُنَا أَوْعِيَةٌ لِمَشِيَّةِ اَلله، فَإِذَا شَاءَ شِئْنَا»(٣٠).
وقال (عليه السلام): «أَنَا اَلمَهْدِيُّ، [وَ]أَنَا قَائِمُ اَلزَّمَانِ، أَنَا اَلَّذِي أَمْلَؤُهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً»(٣١).
وقد روي أنَّه (عجَّل الله فرجه) يخرج من عند الكعبة، وجبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وله هيبة موسى، وبهاء عيسى، وحكم داود، وصبر أيُّوب، وعليه جيوب النور تتوقَّد من شعاع ضياء القدس:

ليس لفضله المبين كاتم * * * مبدأه ومنتهاه الخاتم
وقلبه مرآة ذات الباري * * * في سرِّه لطائف الأسرارِ
مَنطِقُه منطقة السماء * * * في عالم الصفات والأسماء
مَنطِقُه البليغ في المعارف * * * ميزان كلِّ سالك وعارف(٣٢)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) الغيبة للطوسي (ص ٢٨٥/ ح ٢٤٥)، الاحتجاج (ج ٢/ ص ٢٧٨).
(٣٠) الغيبة للطوسي (ص ٢٤٧/ ح ٢١٦).
(٣١) كمال الدِّين (ص ٤٤٥/ باب ٤٣/ ح ١٨)، الغيبة للطوسي (ص ٢٥٤/ ح ٢٢٣)، الثاقب في المناقب (ص ١٣/ ح ٥٥٩/٧)، الخرائج والجرائح (ص ٧٨٥/ ح ١١٠).
(٣٢) الأنوار القدسيَّة (ص ١١٩)، والشعر للشيخ محمّد حسين الأصفهاني الكمبائي (رحمه الله).

↑صفحة ٤٠↑

وصف الأنبياء في القرآن والكُتُب الأخرى:
وقد تعرَّض القرآن الكريم إلى ذكر الأنبياء، فوصفهم بكلِّ جميل ينبغي أنْ يُوصَفوا به، ونسب إليهم كلَّ مأثرة كريمة تلازم قداسة مقامهم، ونزاهة السفارة الإلهيَّة.
فهم المصطفون، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٣٣)، والحديث عن معرفة آل إبراهيم وآل عمران لا يسعه هذا المختصر، والمراد من العالمين أي عالمي زمانهم.
وهم الموقنون، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (الأنعام: ٧٥).
وهم المهتدون، قال تعالى: ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ (الأنعام: ٨٤)، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الأنعام: ٩٠).
وهم العالمون بالعلم اللدنِّي، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالَا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النمل: ١٥).
وهم المنعَّمون، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا﴾ (مريم: ٥٨).

↑صفحة ٤١↑

وهم المحسنون، قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (الأنعام: ٨٤).
وهم الصالحون، قال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (الأنعام: ٨٥).
وهم المفضَّلون، قال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: ٨٦).
وهذا مجمل الذوق القرآني في سرده لصفات الأنبياء، وعلى هذا رأي الطائفة الحقَّة.
وأمَّا ما ورد في الكُتُب السماويَّة المحرَّفة حيث وصفت الأنبياء والأوصياء بما لا يتناسب مع مقامهم ومنزلتهم، بل لا يتناسب مع المؤمن العادل فكيف بمن يرتبط بالحقِّ تعالى، ومن تلك الأوصاف ما ورد في الإصحاح الثاني عشر من التكوين: إنَّ إبراهيم ادَّعى أمام فرعون أنَّ سارة أُخته الجميلة وليست بزوجته، وقد أكرمه فرعون بعد أنْ تزوَّج بها، وأعطاه غنماً وبقراً وحميراً وعبيداً وإماءً، وبعدما علم فرعون بأمر سارة عاتبه فرعون، ثمّ ردَّ فرعون سارة إلى إبراهيم(٣٣).
وفي الإصحاح التاسع عشر من سفر التكوين في سرده لقصَّة لوط مع ابنتيه في الجبل، وأنَّ الكبيرة قالت لأُختها: أبونا قد شاخ، وليس في الأرض رجل ليدخل علينا، فلنسقي أبانا خمراً ونضطجع معه فنُحيي من أبينا نسلاً،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣) راجع: الكتاب المقدَّس (العهد القديم) (ص ٢٩ و٣٠).

↑صفحة ٤٢↑

فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة، واضطجعت معه الكبيرة، وفي الليلة الثانية سقتاه الخمر ودخلت معه الصغيرة، فحملتا منه، فولدت كلُّ واحدةٍ منهما ابنين(٣٤).
وفي الإصحاح السابع والعشرين من سفر التكوين: إنَّ إسحاق أراد أنْ يُعطي ابنه عيسو بركة النبوَّة، فخادعه يعقوب وأوهمه أنَّه عيسو، وقدَّم له طعاماً، فأكل وشرب وأعطاه بركة النبوَّة ومنعها من عيسو(٣٥).
وقد ذكر إنجيل (متَّى) في الإصحاح الأوَّل نسب يسوع المسيح تفصيلاً، وجعل المسيح وسليمان وأباه داود من نسل مَنْ وُلِدَ من زنا(٣٦).
وفي الإصحاحين الحادي والثاني عشر من صموئيل الثاني: أنَّ داود زنى بامرأة أُوريا المجاهد المؤمن، وحملت من ذلك الزنى، فخشي داود الفضيحة، وأراد تمويه الأمر على زوجها فلم يفلح، فأرسله إلى الحرب وجعله في الصفِّ الأوَّل فقُتِلَ، فضمَّ زوجته إلى بيته، وتزوَّجها علناً(٣٧).
والعجب من الأُمم المثقَّفة ورجال العصر ومهرة العلوم الناظرين في التوراة الرائجة، والمطَّلعين على ما اشتملت عليه من الخرافات، كيف تعتقد بأنَّها وحي إلهي وكتاب سماوي، نعم إنَّ تقليد الآباء كالغريزة الثانويَّة يصعب التنازل عنه إلى اتِّباع الحقِّ والحقيقة، لكنَّ الحقَّ إذا بلغ من الظهور لهذه الدرجة لا يمكن التغاضي عنه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤) راجع: الكتاب المقدَّس (العهد القديم) (ص ٢٩).
(٣٥) راجع: الكتاب المقدَّس (العهد القديم) (ص ٤٢ و٤٣).
(٣٦) راجع: تفسير البيان (ص ٥٢).
(٣٧) راجع: تفسير البيان (ص ٥٢ و٥٣).

↑صفحة ٤٣↑

نعم قد ورد في المضمون القرآني ما قد يوهم انتقاص المنزلة، كما توهَّم البعض وصف النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما لا يناسبه لسوء فهم قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ (عبس: ١)، إلَّا أنَّ القرآن الكريم لـمَّا كان بعضه يُفسِّر بعضاً فإنَّ ذلك التوهُّم لا ينسجم، بل مندفع بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الأحزاب: ٣٣).
وكيفما كان، فعقيدتنا أنَّ الأنبياء والأولياء لا يمكن إدراك مقاماتهم، وإنَّما يمكن أنْ نُدرك بعض ذلك، وهو الواصل إلينا من الطُّرُق النقيَّة، ولذا ورد في الزيارة: «مَنْ أَرَادَ اَللهَ بَدَأَ بِكُمْ، وَمَنْ وَحَّدَهُ قَبِلَ عَنْكُمْ، وَمَنْ قَصَدَهُ تَوَجَّهَ بِكُمْ، مَوَالِيَّ لَا أُحْصِي ثَنَاءَكُمْ، وَلَا أَبْلُغُ مِنَ اَلمَدْحِ كُنْهَكُمْ، وَمِنَ اَلْوَصْفِ قَدْرَكُمْ، وَأَنْتُمْ نُورُ اَلْأَخْيَارِ، وَهُدَاةُ اَلْأَبْرَارِ، وَحُجَجُ اَلْجَبَّارِ، بِكُمْ فَتَحَ اَللهُ، وَبكُمْ يَخْتِمُ، وَبِكُمْ يُنَزِّلُ اَلْغَيْثَ، وَبكُمْ يُمْسِكُ اَلسَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى اَلْأَرْضِ إِلَّا بإذْنِهِ»(٣٨)، نعم مع الاعتقاد بذلك والتزامه لا ننحدر ونقع في فخِّ الغلوِّ، لأنَّا نعتقد أيضاً بما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِيَّاكُمْ وَاَلْغُلُوِّ فِينَا، قُولُوا إِنَّا عَبِيدٌ مَرْبُوبُونَ، وَقُولُوا فِي فَضْلِنَا مَا شِئْتُمْ»(٣٩)، وفي حديث آخر عنه (عليه السلام): «هَلَكَ فِيَّ رَجُلَانِ: مُحِبٌّ غَالٍ، وَمُبْغِضٌ قَالٍ»(٤٠).
هذا كلُّه بلحاظ الواصل إلينا في تحديد أوصافهم (عليهم السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨) من لا يحضره الفقيه (ج ٢/ ص ٦١٥/ ح ٣٢١٣)، من الزيارة الجامعة الكبيرة.
(٣٩) الخصال (ص ٦١٤/ ح ١٠)، تُحَف العقول (ص ١٠٤).
(٤٠) نهج البلاغة (ص ٤٨٩/ ح ١١٧).

↑صفحة ٤٤↑

خصائص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
وأمَّا ما وصل إلينا في بيان خصوصيَّات الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فمنها:
١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ اَلْجُعْفِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ اَلْبَاقِرِ (عليه السلام)، عَنْ سَالِمِ اِبْنِ عَبْدِ اَلله بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اَلله بْنِ عُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... وَاَلْحُجَّةُ اَلْقَائِمُ كَأَنَّهُ اَلْكَوْكَبُ اَلدُّرِّيُّ فِي وَسْطِهِمْ، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ اَلْأَئِمَّةُ، وَهَذَا اَلْقَائِمُ، مُحَلِّلٌ حَلَالِي، وَمُحَرِّمٌ حَرَامِي، وَيَنْتَقِمُ مِنْ أَعْدَائِي. يَا مُحَمَّدُ، أَحْبِبْهُ فَإِنِّي أُحِبُّهُ، وَأُحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُ»(٤١).
٢ - عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: نَظَرَ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ (عليه السلام) إِلَى اَلْحُسَيْنِ(عليه السلام)، فَقَالَ: «إِنَّ اِبْنِي هَذَا سَيِّدٌ كَمَا سَمَّاهُ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سَيِّداً، وَسَيُخْرِجُ اَللهُ مِنْ صُلْبِهِ رَجُلاً بِاسْمِ نَبِيِّكُمْ، يُشْبِهُهُ فِي اَلْخَلْقِ وَاَلْخُلُقِ، يَخْرُجُ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنَ اَلنَّاسِ، وَإِمَاتَةٍ لِلْحَقِّ، وَإِظْهَارٍ لِلْجَوْرِ، وَاَلله لَوْ لَمْ يَخْرُجْ لَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، يَفْرَحُ بِخُرُوجِهِ أَهْلُ اَلسَّمَاوَاتِ وَسُكَّانُهَا، وَهُوَ رَجُلٌ أَجْلَى اَلْجَبِينِ، أَقْنَى اَلْأَنْفِ، ضَخْمُ اَلْبَطْنِ، أَزْيَلُ اَلْفَخِذَيْنِ، بِفَخِذِهِ اَلْيُمْنَى شَامَةٌ، أَفْلَجُ اَلثَّنَايَا، وَيَمْلَأُ اَلْأَرْضَ عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً»(٤٢).
٣ - عَنِ اَلسَّيِّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلْحِمْيَرِيِّ - فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ - يَقُولُ فِيهِ: قُلْتُ لِلصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام): يَا اِبْنَ رَسُولِ اَلله، قَدْ رُوِيَ لَنَا أَخْبَارٌ عَنْ آبَائِكَ (عليهم السلام) فِي اَلْغَيْبَةِ وَصِحَّةِ كَوْنِهَا، فَأَخْبِرْنِي بِمَنْ تَقَعُ؟ فَقَالَ (عليه السلام): «إِنَّ اَلْغَيْبَةَ سَتَقَعُ بِالسَّادِسِ مِنْ وُلْدِي، وَهُوَ اَلثَّانِي عَشَرَ مِنَ اَلْأَئِمَّةِ اَلْهُدَاةِ بَعْدَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١) الغيبة للنعماني (ص ٩٤ و٩٥/ باب ٤/ ح ٢٤)، مقتضب الأثر (ص ٢٣ و٢٤).
(٤٢) الغيبة للنعماني (ص ٢٢٢ و٢٢٣/ باب ١٣/ ح ٢).

↑صفحة ٤٥↑

رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أَوَّلُهُمْ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَآخِرُهُمُ اَلْقَائِمُ بِالْحَقِّ، بَقِيَّةُ اَلله فِي اَلْأَرْضِ، وَصَاحِبُ اَلزَّمَانِ، وَاَلله لَوْ بَقِيَ فِي غَيْبَتِهِ مَا بَقِيَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ اَلدُّنْيَا حَتَّى يَظْهَرَ، فَيَمْلَأَ اَلْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»(٤٣).
٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَلله اَلْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «اَلمَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِي، اِسْمُهُ اِسْمِي، وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتِي، أَشْبَهُ اَلنَّاسِ بِي خَلْقاً وَخُلُقاً، تَكُونُ بِهِ غَيْبَةٌ وَحَيْرَةٌ تَضِلُّ فِيهَا اَلْأُمَمُ، ثُمَّ يُقْبِلُ كَالشِّهَابِ اَلثَّاقِبِ، يَمْلَؤُهَا عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»(٤٤)، وقد يظهر أنَّه ليس المراد من الاسم هو الاسم اللفظي، بل المراد مسمَّى الاسم أي اتِّحاد الحقيقة، والمراد من الكنية اتِّحاد الصفات، إذ من البعيد أنْ يكون المقصود من الرواية محض اتِّحاد الاسم والكنية، لعدم المنقبة في ذلك فقد تحصل لأيِّ شخصٍ، اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يقال: إنَّه اسم لفظي مُنِحَ من السماء، ويكفي هذا منقبة، إذ لا يشاطره أحد، أجل منحة السماء نفس أمريَّة تكشف عن المكوِّن الذاتي لا اعتباريَّة جزافيَّة وعطايا فوضويَّة.
٥ - عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ فِي اَللَّيْلَةِ اَلَّتِي يُولَدُ فِيهَا اَلْإِمَامُ لَا يُولَدُ مَوْلُودٌ إِلَّا كَانَ مُؤْمِناً، وَإِنْ وُلِدَ فِي أَرْضِ اَلشِّرْكِ نَقَلَهُ اَللهُ إِلَى اَلْإِيمَانِ بِبَرَكَةِ اَلْإِمَامِ»(٤٥)، وهذه منقبة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣) كمال الدِّين (ص ٣٤٢/ باب ٣٣/ ح ٢٣).
(٤٤) كمال الدِّين (ص ٢٨٦/ باب ٢٥/ ح ١).
(٤٥) أمالي الطوسي (ص ٤١٢/ ح ٩٢٥/٧٣)؛ وقال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٢٨): (أقول: وعيَّن الشيخ في المصباحين والسيِّد ابن طاوس في كتاب الإقبال وسائر مؤلِّفي كُتُب الدعوات ولادته (عليه السلام) في النصف من شعبان، وقال في الفصول المهمَّة: وُلِدَ (عليه السلام) بسُرَّ من رأى ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومأتين، نُقِلَ من خطِّ الشهيد عن الصادق (عليه السلام) قال: «إِنَّ اَللَّيْلَةَ اَلَّتِي يُولَدُ فِيهَا اَلْقَائِمُ (عليه السلام) لَا يُولَدُ فِيهَا مَوْلُودٌ إِلَّا كَانَ مُؤْمِناً، وَإِنْ وُلِدَ فِي أَرْضِ اَلشِّرْكِ نَقَلَهُ اَللهُ إِلَى اَلْإِيمَانِ بِبَرَكَةِ اَلْإِمَامِ (عليه السلام)»)، فإنَّ هذه الخصوصيَّة إمَّا أنْ نقول: إنَّها ثابتة لجميع الأئمَّة (عليهم السلام) كما يشهد له إطلاق الإمام في رواية الطوسي (رحمه الله)، وحينئذٍ ذكر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في رواية الشهيد (رحمه الله) يكون من باب التطبيق ولو بواسطة الشهيد (رحمه الله). وإمَّا أنْ نقول: هذه الخصوصيَّة انحصاريَّة للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وإنَّ الرواية الأُولى إمَّا مجملة، وإمَّا مطلقة مقيَّدة بالرواية الثانية.

↑صفحة ٤٦↑

انحصاريَّة اختصَّت بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بأنَّ اليوم الذي وُلِدَ فيه الإمام يوم كريم تكرَّم وتشرَّف بولادة الإمام، فهو الذي أضفى لليوم هذه الكرامة والمنقبة، وليس ذلك بعزيز، إذ تتشرَّف الأماكن والأزمان بأصحابها، كتشرُّف كربلاء بشرافة الحسين (عليه السلام).
٦ - عَنِ اَلمُفَضَّلِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ بَيْتاً يُقَالُ لَهُ: بَيْتُ اَلْحَمْدِ، فِيهِ سِرَاجٌ يَزْهَرُ مُنْذُ يَوْمَ وُلِدَ إِلَى يَوْمٍ يَقُومُ بِالسَّيْفِ لَا يُطْفَأُ»(٤٦)، إذ الظاهر ليس المراد البيت المادِّي، كما أنَّه ليس المراد من السراج السراج المادِّي، بل لعلَّ المقصود منهما هو المقام المعنوي والكمالي له (عجَّل الله فرجه)، كما أنَّ الغاية داخلة في المغيَّى، فإنَّ هذا المقام والكمال مستمرٌّ بوجوده (عجَّل الله فرجه) ولا ينتفي بعد قيامه بالسيف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦) الغيبة للنعماني (ص ٢٤٥/ باب ١٣/ ح ٣١)؛ ورواه بتفاوت يسير المسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٦٧)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٤٦٧/ ح ٤٨٣)، والحسين بن عبد الوهَّاب في عيون المعجزات (ص ١٣٤)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٨٩).

↑صفحة ٤٧↑

٧ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَلله اَلْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): «... اَلمَهْدِيُّ مِنْ ذُرِّيَّتِي، يَظْهَرُ بَيْنَ اَلرُّكْنِ وَاَلمَقَامِ، وَعَلَيْهِ قَمِيصُ إِبْرَاهِيمَ، وَحُلَّةُ إِسْمَاعِيلَ، وَفِي رِجْلِهِ نَعْلُ شِيثٍ»(٤٧)، فإنَّ كلَّ ذلك فيه كنايات وإشارات لمقامات وكرامات له (عجَّل الله فرجه).
٨ - عَنْ أَبِي اَلصَّلْتِ اَلْهَرَوِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا (عليه السلام): مَا عَلَامَاتُ اَلْقَائِمِ مِنْكُمْ إِذَا خَرَجَ؟ قَالَ: «عَلَامَتُهُ أَنْ يَكُونَ شَيْخَ اَلسِّنِّ شَابَّ اَلمَنْظَرِ، حَتَّى إِنَّ اَلنَّاظِرَ إِلَيْهِ لَيَحْسَبُهُ اِبْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَوْ دُونَهَا، وَإِنَّ مِنْ عَلَامَاتِهِ أَنْ لَا يَهْرَمَ بِمُرُورِ اَلْأَيَّامِ وَاَللَّيَالِي حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ»(٤٨).
٩ - المهدي كلمة من كلمات الله(٤٩)، ونور الله في الأرض(٥٠)، فإنَّه ورد في القرآن الكريم أنَّ عيسى (عليه السلام) كلمة الله، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧) إثبات الهداة (ج ٥/ ص ٢١٧/ ح ٨٠٣).
(٤٨) كمال الدِّين (ص ٦٥٢/ باب ٥٧/ ح ١٢)، إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٩٥)، الخرائج والجرائح (ج ٣/ ص ١١٧٠ و١١٧١).
(٤٩) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ فِي قَوْلِ اَلله: «... ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ﴾ يَعْنِي يُبْطِلُهُ، ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الشورى: ٢٤]، يَعْنِي بِالنَّبِيِّ وَبِالْأَئِمَّةِ واَلْقَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ».
تفسير القمِّي (ج ٢/ ص ٢٧٥).
(٥٠) عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «مَعَاشِرَ اَلنَّاسِ، إِنِّي نَبِيٌّ وَعَلِيٌّ وَصِيِّي، أَلَا إِنَّ خَاتِمَ اَلْأَئِمَّةِ مِنَّا اَلْقَائِمُ اَلمَهْدِيُّ...»، إلى أنْ قال: «أَلَا إِنَّهُ اَلْبَاقِي حُجَّةً وَلَا حُجَّةَ بَعْدَهُ، وَلَا حَقَّ مَعَهُ إِلَّا مَعَهُ، وَلَا نُورَ إِلَّا عِنْدَهُ».
روضة الواعظين (ص ٩٧)، الاحتجاج (ج ١/ ص ٨٠).

↑صفحة ٤٨↑

مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (آل عمران: ٤٥)، وهكذا الإمام وُصِفَ أنَّه من كلمات الله، وهكذا ما يرتبط بالنور، فقد جاء في قوله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (النور: ٣٥). ثمّ إنَّ عدَّ هاتين الصفتين من الصفات الاختصاصيَّة مع أنَّ سائر الأئمَّة (عليهم السلام) أيضاً كلمات الله، وهم (عليهم السلام) أنواره أيضاً، باعتبار أنَّ الرواية قد صرَّحت ونصَّت على الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ولو من جهة التطبيق، أو مزيد خصوصيَّة في التصريح، بناءً على تشكيكيَّة المعنى الوجودي.
١٠ - يحمل حجر موسى بن عمران (عليه السلام)، وهو وِقْرُ بعيرٍ، ولا ينزل منزلاً إلَّا انبعث عين منه، وقد يقال: فيه إشارة للحمل الثقيل، وأنَّه لا يمكن حمل هذا إلَّا ممَّن خصَّه الله بذلك، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ (المزَّمِّل: ٥)، وقوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم: ١٢)، وفرق بين الأخذ بالقوَّة وبين الحمل، كما أنَّ المراد من العين في الرواية كناية عن الحكمة والخير، وهكذا المنزل ليس المادِّي وإنَّما قلب المؤمن، لكن الظاهر أنَّ المراد هي الأُمور المادّيَّة - ويتأكَّد بقرينة ما في (الخرائج) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ اِبْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ (عليهما السلام)، قَالَ: «إِذَا قَامَ اَلْقَائِمُ بِمَكَّةَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى

↑صفحة ٤٩↑

اَلْكُوفَةِ، نَادَى مُنَادٍ: أَلَا لَا يَحْمِلُ أَحَدٌ مِنْكُمْ طَعَاماً وَلَا شَرَاباً، وَيَحْمِلُ مَعَهُ حَجَرَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (عليه السلام) اَلَّذِي اِنْبَجَسَتْ مِنْهُ اِثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً، فَلَا يَنْزِلُ مَنْزِلاً إِلَّا نَصَبَهُ، فَانْبَعَثَتْ مِنْهُ اَلْعُيُونُ، فَمَنْ كَانَ جَائِعاً شَبِعَ، وَمَنْ كَانَ ظَمْآناً رَوِيَ، فَيَكُونُ زَادَهُمْ حَتَّى يَنْزِلُوا اَلنَّجَفَ مِنْ ظَاهِرِ اَلْكُوفَةِ، فَإِذَا نَزَلُوا ظَاهِرَهَا اِنْبَعَثَ مِنْهُ اَلمَاءُ وَاَللَّبَنُ دَائِماً»(٥١) - وهذه الأُمور هي التي يرثها الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من الأنبياء (عليهم السلام)، كما عليه الآثار الأُخرى من قبيل قميص آدم ويوسف وخاتم سليمان وغيرها.
١١ - على يد المهدي (عجَّل الله فرجه) يظهر تابوت السكينة، فعن سليمان بن عيسى، قال: (بلغني أنَّه على يدي المهدي يظهر تابوت السكينة من بحيرة طبريَّة حتَّى يحمل فيُوضَع بين يديه ببيت المقدس، فإذا نظرت إليه اليهود أسلمت إلَّا قليلاً منهم، ثمّ يموت المهدي)(٥٢). وهكذا عصا موسى، فَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «كَانَتْ عَصَا مُوسَى لِآدَمَ (عليه السلام)، فَصَارَتْ إِلَى شُعَيْبٍ، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَإِنَّهَا لَعِنْدَنَا، وَإِنَّ عَهْدِي بِهَا آنِفاً وَهِيَ خَضْرَاءُ كَهَيْأَتِهَا حِينَ اِنْتُزِعَتْ مِنْ شَجَرَتِهَا، وَإِنَّهَا لَتَنْطِقُ إِذَا اِسْتُنْطِقَتْ، أُعِدَّتْ لِقَائِمِنَا (عليه السلام)، يَصْنَعُ بِهَا مَا كَانَ يَصْنَعُ مُوسَى، وَإِنَّهَا لَتَرُوعُ وَتَلْقَفُ مَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١) الخرائج والجرائح (ج ٢/ ٦٩٠/ ح ١)، مكارم أخلاق النبيِّ والأئمَّة (عليهم السلام) للراوندي (ص ٣٩٠/ ح ٥٤٢/٩)؛ ورواه بتفاوت يسير الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ٢٠٨/ ج ٤/ باب ٤/ ح ٥٤)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٢٣١/ باب ما عند الأئمَّة من آيات الأنبياء (عليهم السلام)/ ح ٣).
(٥٢) الفتن للمروزي (ص ٢٢٣)، عقد الدُّرَر (ص ١٤٧)، العرف الوردي (ص ١٦٥ و١٦٦/ ح ٢٣١)، القول المختصر (ص ١٥٦ و١٥٧).

↑صفحة ٥٠↑

يَأْفِكُونَ، وَتَصْنَعُ مَا تُؤْمَرُ بِهِ، إِنَّهَا حَيْثُ أَقْبَلَتْ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ، يُفْتَحُ لَهَا شُعْبَتَانِ إِحْدَاهُمَا فِي اَلْأَرْضِ وَاَلْأُخْرَى فِي اَلسَّقْفِ، وَبَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعاً، تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ بِلِسَانِهَا»(٥٣)، فإنَّ المعروف عند بني إسرائيل أنَّ إتيان تابوت السكينة كاشف عن صدق دعوى من أتى به، والرواية أرادت أنْ تشير إلى أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) يحتجُّ على كلِّ قومٍ بما يعتقدونه من الأدلَّة. هذا مضافاً إلى أنَّ العصا في حدِّ نفسها ليست بكمال، وَإنَّما الكمال انتسابها لموسى أو الإمام (عليهما السلام).
١٢ - أنَّ المهدي (عليه السلام) في ضحضاح من نور، فَعَنْ سَلَّامٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلْمَى رَاعِيَ اَلنَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ: «... قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، فَقَالَ: اِلْتَفِتْ عَنْ يَمِينِ اَلْعَرْشِ، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا أَنَا بِعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَاَلْحَسَنِ وَاَلْحُسَيْنِ وَعَلِيٍّ وَمُحَمَّدٍ وَجَعْفَرٍ وَمُوسَى وَعَلِيٍّ وَمُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ وَاَلْحَسَنِ وَاَلمَهْدِيِّ (عليهم السلام) فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نُورٍ، قِيَامٌ يُصَلُّونَ...»(٥٤)، والوجه في جعلها من الصفات الاختصاصيَّة مبنيٌّ على رجوع الظرف إليه (عجَّل الله فرجه)، وإنْ كان الظاهر عودته إلى الجميع، فتكون صفة عامَّة.
١٣ - أنَّ عيسى (عليه السلام) يُصلِّي خلفه (عجَّل الله فرجه)، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ، قَالَ:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٣) الكافي (ج ١/ ص ٢٣١/ باب ما عند الأئمَّة من آيات الأنبياء (عليهم السلام)/ ح ١)؛ ورواه بتفاوت العيَّاشي (رحمه الله) في تفسيره (ج ٢/ ص ٢٤ و٢٥/ ح ٦٤)، وابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١١٦/ ح ١٠٨)، والصدوق في كمال الدِّين (ص ٦٧٣ و٦٧٤/ باب ٥٨/ ح ٢٧).
(٥٤) الغيبة للطوسي (ص ١٤٧ و١٤٨/ ح ١٠٩)؛ ورواه بتفاوت فرات الكوفي (رحمه الله) في تفسيره (ص ٧٤ و٧٥/ ح ٤٨/٢٣)، وابن عيَّاش (رحمه الله) في مقتضب الأثر (ص ١١)، وابن شاذان (رحمه الله) في مائة منقبة (ص ٣٨ و٣٩)، والكراجكي (رحمه الله) في كنز الفوائد (ص ٢٥٨).

↑صفحة ٥١↑

قَالَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ مَهْدِيَّ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ اَلَّذِي يُصَلِّي خَلْفَهُ عِيسَى مِنَّا»(٥٥).
١٤ - ملائكة بدر ينصرون المهدي (عجَّل الله فرجه)، فَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ اَلثُّمَالِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): «يَا ثَابِتُ، كَأَنِّي بِقَائِمِ أَهْلِ بَيْتِي قَدْ أَشْرَفَ عَلَى نَجَفِكُمْ هَذَا - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةِ اَلْكُوفَةِ -، فَإِذَا هُوَ أَشْرَفَ عَلَى نَجَفِكُمْ نَشَرَ رَايَةَ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَإِذَا هُوَ نَشَرَهَا اِنْحَطَّتْ عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ بَدْرٍ...»(٥٦).
١٥ - دولته (عجَّل الله فرجه) دولة الله، فَعَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) فِي قَوْلِ اَلله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، قَالَ: «مَا زَالَ مُذْ خَلَقَ اَللهُ آدَمَ دَوْلَةٌ لله وَدَوْلَةٌ لِإِبْلِيسَ، فَأَيْنَ دَوْلَةُ اَلله؟ أَمَا هُوَ إِلَّا قَائِمٌ وَاحِدٌ»(٥٧).
١٦ - أنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) أمان لأهل الأرض والسماء، فَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ اَلْعَمْرِيَّ (رضي الله عنه) أَنْ يُوصِلَ لِي كِتَاباً قَدْ سَأَلْتُ فِيهِ عَنْ مَسَائِلَ أَشْكَلَتْ عَلَيَّ، فَوَرَدَ اَلتَّوْقِيعُ بِخَطِّ مَوْلَانَا صَاحِبِ اَلزَّمَانِ (عليه السلام): «... وَإِنِّي لَأَمَانٌ لِأَهْلِ اَلْأَرْضِ كَمَا أَنَّ اَلنُّجُومَ أَمَانٌ لِأَهْلِ اَلسَّمَاءِ...»(٥٨)، ويحتمل أنَّ الرواية في صدد دفع توهُّم أنَّ الغائب لا أثر له، بقرينة الذيل، وحينئذٍ تكون هذه الرواية في سياق الصفات العامَّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥) دلائل الإمامة (ص ٤٤٣/ ح ٤١٦/٢٠).
(٥٦) الغيبة للنعماني (ص ٣٢١/ باب ٢٠/ ح ٣).
(٥٧) تفسير العيَّاشي (ج ١/ ص ١٩٩/ ح ١٤٥).
(٥٨) كمال الدِّين (ص ٤٨٣ - ٤٨٥/ باب ٤٥/ ح ٤)، إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٧٠ - ٢٧٢)، الخرائج والجرائح (ج ٣/ ص ١١١٣ - ١١١٥/ ح ٣٠)، الاحتجاج (ج ٢/ ص ٢٨١ -٢٨٤).

↑صفحة ٥٢↑

النتائج المستفادة:
وحينئذٍ نستفيد من كلِّ ذلك ونحوه:
١ - أنَّ صفاته (عجَّل الله فرجه) صفات الأنبياء (عليهم السلام)، والنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والأئمَّة الأطهار (عليهم السلام)، وأنَّ مقامه اصطفاء ربَّاني، فإنَّ رؤية ملكوت السماوات والأرض شأن إلهي، ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (الأنعام: ٧٥)، والخاتم ووليُّه له من الكمالات ما لسائر الأنبياء وزيادة، ومن هنا صار خاتماً وشريعته الخاتمة، وقد روي عن مولانا المنتظَر (عجَّل الله فرجه): «يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ، إِنَّا نَسْتَنْصِرُ اَللهَ، فَمَنْ أَجَابَنَا مِنَ اَلنَّاسِ فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ، وَنَحْنُ أَوْلَى اَلنَّاسِ بِالله وَبِمُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَمَنْ حَاجَّنِي فِي آدَمَ فَأَنَا أَوْلَى اَلنَّاسِ بِآدَمَ، وَمَنْ حَاجَّنِي فِي نُوحٍ فَأَنَا أَوْلَى اَلنَّاسِ بِنُوحٍ، وَمَنْ حَاجَّنِي فِي إِبْرَاهِيمَ فَأَنَا أَوْلَى اَلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ، وَمَنْ حَاجَّنِي فِي مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَأَنَا أَوْلَى اَلنَّاسِ بِمُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَمَنْ حَاجَّنِي فِي اَلنَّبِيِّينَ فَأَنَا أَوْلَى اَلنَّاسِ بِالنَّبِيِّينَ، أَلَيْسَ اَللهُ يَقُولُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٣ و٣٤]»(٥٩).
والعصمة أمر لا بدَّ منه لمن يتصدَّى لمثل هذه المقامات الإلهيَّة. وهناك نماذج قرآنية وروائيَّة لاستظهار أنَّ هذا الانتخاب إنَّما هو انتخاب واصطفاء ربَّاني قائم على أساس حكمة الخالق، وذلك كروايات النور والطينة وأنَّهم أوَّل ما خُلِقَ، فَعَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ اَللهَ خَلَقَنَا مِنْ نُورِ عَظَمَتِه، ثُمَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٩) الغيبة للنعماني (ص ٢٨٨ - ٢٩١/ باب ١٤/ ح ٦٧)، الاختصاص (ص ٢٥٥ - ٢٥٧).

↑صفحة ٥٣↑

صَوَّرَ خَلْقَنَا مِنْ طِينَةٍ مَخْزُونَةٍ مَكْنُونَةٍ مِنْ تَحْتِ اَلْعَرْشِ، فَأَسْكَنَ ذَلِكَ اَلنُّورَ فِيهِ، فَكُنَّا نَحْنُ خَلْقاً وَبَشَراً نُورَانِيِّينَ، لَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ فِي مِثْلِ اَلَّذِي خَلَقَنَا مِنْهُ نَصِيباً، وَخَلَقَ أَرْوَاحَ شِيعَتِنَا مِنْ طِينَتِنَا، وَأَبْدَانَهُمْ مِنْ طِينَةٍ مَخْزُونَةٍ مَكْنُونَةٍ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ اَلطِّينَةِ، وَلَمْ يَجْعَلِ اَللهُ لِأَحَدٍ فِي مِثْلِ اَلَّذِي خَلَقَهُمْ مِنْهُ نَصِيباً إِلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ، وَلِذَلِكَ صِرْنَا نَحْنُ وَهُمُ اَلنَّاسَ، وَصَارَ سَائِرُ اَلنَّاسِ هَمَجٌ، لِلنَّارِ وَإِلَى اَلنَّارِ»(٦٠)، وليس معنى ذلك الإلجاء وسلب الاختيار في حركة الرُّسُل.
وكيفما كان فليس مشروع الإمام تأسيساً لثقافة جديدة، بل امتداد لاصطفاء الأنبياء. وعليه ليس له دين جديد أو شريعة جديدة أو مذهب خاصٌّ، بناءً على أنَّ الحركة الامتداديَّة للأنبياء تكشف عن وحدة الدِّين جوهراً. وأمَّا نعت الدِّين الإسلامي مقابل الديانة اليهوديَّة والمسيحيَّة، فهي باعتبار الانحراف الذي حصل في الأديان السابقة، وإلَّا فهو دين واحد، ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ (آل عمران: ٦٧)، و﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (آل عمران: ١٩). وهكذا القول بالمذهب، فالمراد من المذهب الشيعي بإزاء المذهب السُّنِّي الذي خرج عن جادَّة الصواب، وإلَّا فبلحاظ الحركة الامتداديَّة لعليٍّ (عليه السلام) إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلا يُوصَف المذهب الشيعي بالمذهب، بل يقال: الدِّين الإسلامي.
وكيفما كان فمشروع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) إحياء للسُّنَن المعطَّلة، فَعَنِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٠) الكافي (ج ١/ ص ٣٨٩/ باب خلق أبدان الأئمَّة وأرواحهم وقلوبهم (عليهم السلام)/ ح ٢)؛ ورواه الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ٤٠/ ج ١/ باب ١٠/ ح ٣).

↑صفحة ٥٤↑

اَلْبَاقِرِ (عليه السلام): «ثُمَّ يَظْهَرُ اَلمَهْدِيُّ بِمَكَّةَ عِنْدَ اَلْعِشَاءِ، وَمَعَهُ رَايَةُ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَقَمِيصُهُ وَسَيْفُهُ وَعَلَامَاتٌ وَنُورٌ وَبَيَانٌ»(٦١)، وفي رواية أنَّه «يُقَاتِلُ عَلَى اَلتَّأْوِيلِ»(٦٢).
٢ - أنَّ مشروعه (عجَّل الله فرجه) متقوِّم على أساس مفاهيم فطريَّة كالعدل والقسط، ومن الواضح أنَّ قاعدة العدل تشمل مساحات وسيعة من النفوس والعقول خصوصاً بعد إفلاس الأُمَم منها، فحركته (عجَّل الله فرجه) فطريَّة وجاذبيَّتُه ذاتيَّة تميل إليه النفوس الطيِّبة لاسيَّما من عاش حرمان العدالة بشتَّى مستوياتها من العدالة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والفكريَّة، ونعني بمشروعه العادل تشريعاً وتنفيذاً، فسلوكيًّا هو المشروع الواقعي الذي لا ينحصر على صعيد الإعلام فحسب دفعاً لتحصيل العدالة الفرديَّة، بل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦١) الفتن للمروزي (ص ٢١٣)، عقد الدُّرَر (ص ١٤٥)، العرف الوردي (ص ١٣١/ ح ١٢٥)، القول المختصر (ص ١٣٩).
(٦٢) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَلله اَلْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ اَلنَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَأَنْزَلَ اَللهُ هَذِهِ اَلْآيَةَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٣]، فَدَعَا اَلنَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بِالْحَسَنِ وَاَلْحُسَيْنِ وَفَاطِمَةَ، وَأَجْلَسَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَعَا عَلِيًّا، فَأَجْلَسَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَقَالَ: «اَللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ اَلرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً»، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَأَنَا مَعَهُمْ، يَا رَسُولَ اَلله؟ فَقَالَ لَهَا: «إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اَلله، لَقَدْ أَكْرَمَ اَللهُ هَذِهِ اَلْعِتْرَةَ اَلطَّاهِرَةَ، وَاَلذُّرِّيَّةَ اَلمُبَارَكَةَ بِذَهَابِ اَلرِّجْسِ عَنْهُمْ، قَالَ: «يَا جَابِرُ، لِأَنَّهُمْ عِتْرَتِي مِنْ لَحْمِي وَدَمِي، فَأَخِي سَيِّدُ اَلْأَوْصِيَاءِ، وَاِبْنَيَّ خَيْرُ اَلْأَسْبَاطِ، وَاِبْنَتِي سَيِّدَةُ اَلنِّسْوَانِ، وَمِنَّا اَلمَهْدِيُّ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَلله، وَمَنِ اَلمَهْدِيُّ؟ قَالَ: «تِسْعَةٌ مِنْ صُلْبِ اَلْحُسَيْنِ، أَئِمَّةٌ أَبْرَارٌ، وَاَلتَّاسِعُ قَائِمُهُمْ، يَمْلَأُ اَلْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً، يُقَاتِلُ عَلَى اَلتَّأْوِيلِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى اَلتَّنْزِيلِ». كفاية الأثر (ص ٦٦).

↑صفحة ٥٥↑

العدالة هي رَحى موسوعته ومفاهيمها بمختلف ألوانها، لذا عُرِفَ بأنَّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
٣ - أنَّ أداء المشروع خاضع للسُّنَن والقوانين الكونيَّة، ولذا فإنَّ الذي يقال في كيفيَّة أداء الأنبياء (عليهم السلام) لمهامِّهم والوصول إلى أهدافهم نقوله بعينه بالنسبة إليه (عجَّل الله فرجه)، لذا سينزل من البلاء عليه (عجَّل الله فرجه) ما نزل على سائر الأنبياء (عليهم السلام)، وهكذا على أصحابه وأُمَّته، فلا يصل إلى مقاصده بعناصر الغيب المحض، فَعَنْ بَشِيرٍ اَلنَّبَّالِ، قَالَ: لَـمَّا قَدِمْتُ اَلمَدِينَةَ قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ اَلمَهْدِيَّ لَوْ قَامَ لَاسْتَقَامَتْ لَهُ اَلْأُمُورُ عَفْواً، وَلَا يُهَرِيقُ مِحْجَمَةَ دَمٍ، فَقَالَ: «كَلَّا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوِ اِسْتَقَامَتْ لِأَحَدٍ عَفْواً لَاسْتَقَامَتْ لِرَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حِينَ أُدْمِيَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَشُجَّ فِي وَجْهِهِ، كَلَّا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى نَمْسَحَ نَحْنُ وَأَنْتُمُ اَلْعَرَقَ وَاَلْعَلَقَ»، ثُمَّ مَسَحَ جَبْهَتَهُ(٦٣)، فالسُّنَن ليست اضطراريَّة غير اختياريَّة وإراديَّة، ولا تنافي بين الأخبار الإلهيَّة عن المستقبل وبين مقولة لزوم إعداد الأسباب لكون الحركة اختياريَّة.
فمثلاً يوسف (عليه السلام) قد أخبر عن الرؤيا، وهو أمر مستقبلي، ولكن دخل في قانون السُّنَن الكونيَّة، ولم يُنظِّم حياته على الرؤيا المستقبليَّة، بل نظَّمها على أساس الاختيار والامتحان، أو ما ورد في البشائر في الكُتُب السماويَّة من خاتميَّة الإسلام والرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولزوم عمل النبيِّ الدؤوب، وبالتالي تحقَّق ما أخبر عنه من دون الوقوع في فخِّ الجبر، فلا تنافي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٣) الغيبة للنعماني (ص ٢٩٤ و٢٩٥/ باب ١٥/ ح ٢).

↑صفحة ٥٦↑

بين القول بحروب الإمام (عجَّل الله فرجه) ولزوم السعي، وبين القول بالوصول إلى الوعد الإلهي.
وبهذا انكشف أنَّ ما ورد في الروايات الدالَّة على صفاته (عجَّل الله فرجه) من الخوف ونحوه هو نفس المعنى الوارد لخوف الأنبياء (عليهم السلام)(٦٤)، وعلى هذا فما نسمعه بين الحين والآخر من قِبَل أنصاف المثقَّفين ومدَّعي العلم والمعرفة من عدم تعقُّل بعض الصفات عن الإمام، إنَّما يُنبئ عن عدم أُنسهم بالمفاهيم القرآنيَّة، وعدم تصوُّرها بالشكل الصحيح.
٤ - أنَّ ملامح ثورته (عجَّل الله فرجه) هي العلم والعقل والعمران والحرّيَّة وتكريم العلماء، وأنَّ نظامه (عجَّل الله فرجه) قائم على الاعتراف بتخصُّصات العلوم، والتأكيد على ظاهرة التخصُّصات، وفسح المجال للمتخصِّص لأنْ يدلو بدلوه بلا تصادم مع الشريعة، وكذلك الاعتراف وإعمال قانون الأسباب والمسبَّبات، وإعمال لفقه التزاحم لا على أساس كُنْ فيكون، ولا على أساس إعمال الغيب المطلق، فالعموم القرآني محفوظ ﴿لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ (النجم: ٣٩ و٤٠)، نعم التسديد الإلهي محقَّق عند تنجُّز النواميس الاجتماعيَّة والكونيَّة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمّد: ٧)، ويقول سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ (الحجّ: ٤٠)، وقد تحدَّثت الروايات عن كمال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٤) كقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ (القَصَص: ١٨)، وقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (القَصَص: ٢١)، وقوله تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى﴾ (طه: ٧٧).

↑صفحة ٥٧↑

العلوم كعلم الطبِّ، وعلم الهندسة، وعلم الاتِّصالات، فيكون العالم كالقرية الصغيرة جدًّا، وعلم الشريعة والقانون والقضاء. وأمَّا ما ورد في بعض الكُتُب من محاربته (عجَّل الله فرجه) للعلماء في عصره، فهو ممَّا لا أساس له من الصحَّة، بل ذلك مصداق لقولهم: (رُبَّ شهرة لا أصل لها)، نعم قد ورد ذمٌّ واستئصال علماء سلطان الجور والزور.

كما أنَّ منطقه (عجَّل الله فرجه) ليس منطق السيف والعنف، بل منطق العقل والحكمة والاستعانة بمختلف الأساليب المشروعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، ورفع الاستتار والغموض، ودفع الشُّبُهات وحلِّ العقد، وإقامة الحُجَج، كبعث المسيح (عليه السلام)، والإتيان بتابوت السكينة، وبعض مواريث الأنبياء (عليهم السلام)، وإيصال الصوت بما له من عذوبة ورصانة وشموليَّة وحقَّانيَّة وشفافيَّة إلى جميع الخلائق، وإلى مختلف بقاع الكون، فيُلقي الحُجَج على الأسماع، فلا يبقى أحد إلَّا وقد وصله نداء الحقِّ من مصدر نقي وصافٍ زلال وبأمواج صحيحة، وعليه ستنفد كلُّ السُّبُل ولا يبقى لأحدٍ حجَّة، ﴿قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ (الأنعام: ١٤٩).
ومن هنا فلا ريب أنَّه سيُستجاب للنداء الحقِّ من قِبَل الكلِّ، إلَّا النفوس المريضة والمعاندة والمتعصِّبة وصاحبة النفع، قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً﴾ (البقرة: ١٠).
٥ - أنَّ الأُمَّة في عصره (عجَّل الله فرجه) تنشطر إلى معسكرين: معسكر الحقِّ المحض، ومعسكر الباطل المحض، ولا يختلط الحقُّ بالباطل، بل إنَّ قوى الظلام سوف تتحالف وتدخل في حربٍ معه (عجَّل الله فرجه) بهدف إطفاء نوره وضيائه.

↑صفحة ٥٨↑

ثمّ إنَّ حرب الإمام (عجَّل الله فرجه) حرب دفاعيَّة عسكريًّا، فقد ورد أنَّ البادئ في الحروب هم أعداء الإمام (عجَّل الله فرجه) كالسفياني، فلا يكون له همَّة إلَّا آل محمّد وشيعتهم(٦٥)، وهي حرب هجوميَّة فكريًّا، لأنَّها تقوم بعد استنفاد كلِّ طُرُق المحاججة والحوار العلمي، وهي حربٌ مقاصدها إلهيَّة وسعادة دنيويَّة أُخرويَّة، لا مقاصد لها ذاتيَّة أو فئويَّة أو طائفيَّة.
فلا مجال للأهواء، ولا للتشفِّي، ولا للانتقام السلبي، ولا للروح التوسعيَّة والدكتاتوريَّة، بل ستذوب نظريَّات ورؤى فكريَّة ودراسات وضعيَّة قهراً بنهوض الفكر النابع من العين الأزليَّة الكاشف عن فساد وبطلان وضعف النظريَّات الأُخرى.
فنحن نقترب إلى عصر الظهور كلَّما تكاملت العلوم الحقَّة، حتَّى تكون عوناً لخدمة المشروع العالمي، فموسوعة العلم والعقل ممهِّدة لحركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وموسوعة إحياء الدنيا قنطرةٌ للفكر المهدوي وارتقاء المفاهيم السامية، فليس مشروعه (عجَّل الله فرجه) متقوِّماً على أساس فلسفة عدم الاعتناء بعمران الدنيا والزهد بها وإهمال شأنها، فما صدر عن بعض المتوهِّمين أنَّ الخطاب الدِّيني أُخروي صِرف ومتقوِّم على إهمال شأن الدنيا - بل أسند هؤلاء علَّة التخلُّف في المجتمعات الإسلاميَّة إلى هذه النظرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٥) عَنْ جَابِرٍ اَلْجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «اِلْزَمِ اَلْأَرْضَ، لَا تُحَرِّكَنَّ يَدَكَ وَلَا رِجْلَكَ أَبَداً حَتَّى تَرَى عَلَامَاتٍ أَذْكُرُهَا لَكَ فِي سَنَةٍ...»، إلى أنْ قال: «وَيَظْهَرُ اَلسُّفْيَانِيُّ وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى لَا يَكُونَ هِمَّةٌ إِلَّا آلَ مُحَمَّدٍ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِم) وَشِيعَتَهُمْ، فَيَبْعَثُ بَعْثاً إِلَى اَلْكُوفَةِ، فَيُصَابُ بِأُنَاسٍ مِنْ شِيعَةِ آلِ مُحَمَّدٍ بِالْكُوفَةِ قَتْلاً وَصَلْباً...».
تفسير العيَّاشي (ج ١/ ص ٦٤/ ح ١١٧).

↑صفحة ٥٩↑

الباطلة - مجانبٌ للحقيقة والواقع، كما يظهر جليًّا بمراجعة الروايات العامَّة في تقييم الدنيا في نظر المؤمن، ولابدّيَّة توقيرها كإحياء الأرض والطريق واستحباب غرس الشجر حتَّى لو قامت القيامة، ولا تنافي بين روايات ذمِّ حبِّ الدنيا وطول الأمل وبين الروايات الآمرة على إحياء الدنيا وإعلاء مدنيَّتها وحضارتها، وإنْ صحب مشروعه المقدَّس بعضُ ما لا بدَّ منه من لوازم حتميَّة كقتل الكافرين وتدمير العمران ودخول الرعب في قلوب المشكِّكين ونحو ذلك ممَّا قد يُوهِم وصفها بالشرور، إلَّا أنَّها أُمور لا بدَّ منها حتماً لتحقيق الحكومة العادلة، كما في التقنين العامِّ المقارن لسدِّ بعض المنافع الذاتيَّة لبعض الناس فإنَّه سائغ وإنْ لم ترتضِه بعض النفوس النفعيَّة.
فمفهوم العدالة والديمقراطيَّة والحرّيَّة والحداثة في غاية الوضوح إلَّا أنَّ مصاديقها في غاية الخفاء، فقد ورد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَلله اَلْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «اَلمَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِي، اِسْمُهُ اِسْمِي، وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتِي، أَشْبَهُ اَلنَّاسِ بِي خَلْقاً وَخُلْقاً، تَكُونُ بِهِ غَيْبَةٌ وَحَيْرَةٌ تَضِلُّ فِيهَا اَلْأُمَمُ، ثُمَّ يُقْبِلُ كَالشِّهَابِ اَلثَّاقِبِ، يَمْلَؤُهَا عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»(٦٦).
لا يقال: إنْ كان للإمام (عجَّل الله فرجه) تلك الأوصاف والكمالات فلِمَ يستعين بما هو قبيح بحكم العقل من العنف والحرب والقتل.
فإنَّ هذا لا يتوهَّمه من يلتفت إلى أنَّ منهجه ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٧٩)، أي على أساس استئصال العضو الفاسد لسلامة الباقي، وحينئذٍ ستنعم الأُمَّة بالعدالة الاجتماعيَّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٦) كمال الدِّين (ص ٢٨٦/ باب ٢٥/ ح ١).

↑صفحة ٦٠↑

والاقتصاديَّة، وستصل إلى البرِّ المنشود، وسترسو سفينة البشريَّة إلى مرفأها الأخير، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦).

* * *

↑صفحة ٦١↑

الفصل الثاني: آليَّة معرفة المنظومة المهدويَّة

↑صفحة ٦٣↑

* المصدر المعرفي الأوَّل: الدليل العقلي.
* المصدر المعرفي الثاني: القرآن الكريم.
* المصدر المعرفي الثالث: السُّنَّة الشريفة.
* الرؤية الدِّينيَّة بين السلفيَّة والاعتزاليَّة.

↑صفحة ٦٤↑

ما من مدَّعٍ في عالم المعرفة إلَّا وله ما يظنُّ أنَّه دليل وشاهد بيِّن، فلا بدَّ من الإيمان بأنَّ الواقع والحقَّ واحدٌ، ونرفض الواقعيَّة النسبيَّة وتعدُّد الحقِّ، وحينئذٍ لا معنى لحقَّانيَّة المقالتين المتنافيتين، والعقل قادر على تمييز الحقِّ من الباطل، والصحيح من الخطأ، والصدق من الكذب. ومن جهة أُخرى تعتقد الشيعة بمسلك التخطئة دون التصويب بجميع معانيه. وعليه ففي دائرة الاجتهاد مثلاً لا نُسلِّم بإصابة الفتاوى المصادمة لعلم الله الواقعي، نعم لا مانع من الالتزام بالبراءة وفق الضوابط والموازين المحدَّدة في محلِّها، وهذا غير إصابة ومطابقة الواقع، فالتزام فريقين ببراءة الذمَّة عند العمل بقولين مختلفين لاختلاف نظر مجتهدين لا يستدعي واقعيَّتهما.
ثمّ إنَّ الدليل الكاشف عن الخارج الأعمّ من المحسوس ليس على وتيرة واحدة، بل يتفاوت باختلاف المدَّعى، فقد يكون حسّيًّا وتجريبيًّا، وقد يكون تاريخيًّا وتراثيًّا، وقد يكون عقليًّا بتحسين ذاتي وعقلي، وقد يكون نقليًّا، وغير ذلك كالعقلانيَّة والإلهام والكشف، بل وإنْ أمكن للعقل - ولو في بعض الموارد - إدراك شيء بأدلَّته وأساليبه وأدواته ومواطنه، فلا ضير من الالتزام بإرشاديَّة النقل إلى المعقول. ولو تخالف المنقول مع المعقول، لزم تأويل المنقول ليوافق مفاد ومؤدَّى العقل ويُؤكِّده، وإلَّا ضُرِبَ به عرض الجدار، وكان من زُخْرُف القول. وأمَّا ما لا يدخل في مساحة إدراك العقل،

↑صفحة ٦٥↑

وتوقُّف أدواته وأدلَّته وعجزها عن إدراكه، فلا معنى للاستناد إلى عدم فهم العقل له للردِّ عليه وإنكاره.
ثمّ إنَّ حديث الوعي الدِّيني غير حديث المعرفة، فالأوَّل يتَّكئ أساساً على الإيمان والإذعان والتسليم وانعقاد القلب والطُمأنينة، وقد تتَّفق هذه الحالة حتَّى عند غير العالم، ويتولَّد من العقل العملي. وسُبُل تنشيط هذا العقل يكون عن طريق الدعاء والأذكار والأوراد والعبرة والاتِّعاظ وتهذيب النفس والتجنُّب عن المحرَّمات والمكروهات والعمل بالمستحبَّات، بينما الأخير منتَج العقل النظري، فهو وليد إعداد المقدَّمات النظريَّة وتنظيمها. وهو رهن موادِّ الأقيسة وصورها، وتحصل عن طريق حضور المحافل العلميَّة والدرس. ومن هنا نرى أنَّ بعض المستشرقين يملك من المعلومات عن الدِّين الإسلامي الشيء الكثير، ولكنَّه لا يملك رصيداً في دائرة العقل العملي، فما يملكه من سمنة وتضخُّم في العلم من دون وجود مسحة روحيَّة ومعنويَّة مردُّه إلى تفعيل العقل النظري دون العملي.
والإسلام الخالد باعتباره شريعة وحياة لمعرفة الطبيعة والمجتمع ومنظومة تؤمن ببعد الروح والجسد في الحقل الفردي والاجتماعي، بآفاقه المتداخلة، وبأبعاده الغيبيَّة والمرئيَّة بحاجاته المادّيَّة والمعنويَّة، بموسوعيَّته من الثوابت والمتغيِّرات والتوقيفيَّات، وما يُطرَح من جديد في عصرنا من مستحدثات، أخذ بنظر الاعتبار مقتضيات الزمان والمكان، لذا كان لا بدَّ للإسلام من إيجاد علم يكفينا مؤونة منع العابثين من التلاعب والتحريف في تنظيرات الإسلام وحرف مسيرته، كما يضبط لنا عمليَّة المعرفة اليقينيَّة البرهانيَّة، والإذعان به لمعرفة الكون والحياة من القِيَم.

↑صفحة ٦٦↑

فالقول بأنَّ الغيب لا يمكن التعرُّف عليه قول شططي، ودعوى جزافيَّة، وكذا القول بأنَّ المنظومة الدِّينيَّة لاهوتيَّة كهويَّته التصديقيَّة لا برهانيَّة ممنوع، فالعلم الإسلامي نابع من العقل والوحي القرآني، وإنَّ السُّنَّة والفطرة والطبيعة كلَّها منابع المعرفة الدِّينيَّة تستحقُّ الحديث عنها، مضافاً إلى الوقوف على الآليَّات المنشِّطة للبُعد السلوكي والوعي الدِّيني، ولا بدَّ من الحديث عن كلِّ واحدة من هذه المصادر المعرفيَّة:
المصدر المعرفي الأوَّل: الدليل العقلي:
وهو حكم العقل وإذعانه، إذ العقل قوَّة تقوم بمهمَّة إدراك الكلّيَّات والتمييز والتذكُّر والكشف، في قبال إدراك الجزئيَّات والمحسوسات وغيرها، وعليه فالمعلومات التي تدخل تحت الهيمنة وإدراكات العقل لا بدَّ أنْ تكون قطعيَّة (بديهيَّة كانت أم نظريَّة)، وأمَّا الإدراك الظنِّي فلا يُسمَّى عندنا إدراكاً عقليًّا، فإدراك الجزئي ليس إدراكاً عقليًّا.
أمَّا مساحة معرفة العقل، فهي:
١ - الحسن والقبح، سواء أكان بمعنى الكمال والنقص، أم بمعنى الموافق والمخالف للطبع، وهو المسمَّى عندهم بالمصلحة والمفسدة، فالعقل النظري يُدرك ذلك، لأنَّها أُمور واقعيَّة، أي لها واقع خارجي بقطع النظر عن الإدراك.
٢ - الملازمات العقليَّة، وتنظيم العلاقة بين الأحكام، كالأمر بالشيء يقتضي وجوب مقدَّمته، أو النهي عن ضدِّه...، وحكم العقل بالملازمة مقبول إذا كان قطعي النتيجة، وليس للعقل معرفة نفس الحكم الشرعي،

↑صفحة ٦٧↑

لتوقيفيَّته، خلافاً للشافعيَّة والأحناف القائلين بالاستحسان، وأيضاً ليس له معرفة ملاكات الأحكام لنفس النكتة. هذا كلُّه بحسب العقل النظري.
وأمَّا العقل العملي، أي التأديبات الصلاحيَّة، فهو حكم العقلاء بالحسن والقبح بمعنى استحقاق فاعله المدح والذمَّ عند العقلاء، ويقعان وصفين للأفعال الاختياريَّة، فهو محلُّ الخلاف بين العدليَّة من الشيعة والمعتزلة، وبين الأشاعرة، حيث قال الأشاعرة: إنَّ الواجبات كلَّها سمعيَّة، والعقل لا يوجب شيئاً ولا يقتضي تحسيناً ولا تقبيحاً، وهكذا لا يكشف شيئاً من الواقع كشفاً تحريكيًّا، فمعرفة الله تحصل بالعقل، وتجب بالسمع، بمعنى أنَّ العقل وإنْ كانت له قدرة التحصيل في معرفة الله إلَّا أنَّ هذا الحكم لا يبلغ معرفة اللزوم إلَّا بدليل السمع، فمع قطع النظر عن السمع والشرع لا يكون لمثل هذا الحكم محرّكيَّة.
وهناك بحث في أنَّ العقل العملي هل هو إدراك ما ينبغي أنْ يُعمَل، أم هو قوَّة الإذعان والإيمان؟ فهو على الأوَّل من شُعَب الإدراك كالعقل النظري، إنَّما الفارق بينهما بالمتعلَّق، إذ أحدهما مَدركه ما ينبغي أنْ يُعمَل، والآخر مَدركه ما ينبغي أنْ يُعلَم. وهو على الثاني أي قوَّة الإذعان والإيمان، فلا يكون من شُعَب الإدراك.
وكيفما كان فحكم العقلاء بالحسن والقبح بمعنى استحقاق فاعله المدح والذمَّ لا بدَّ له من خلفيَّة وبنى تحتيَّة.
فإذا حكم العقل النظري بالحسن والقبح - سواء بمعنى الكمال والنقص أم بمعنى الملائمة والمنافرة للطبع - فإنَّه ينتج حكم العقل العملي

↑صفحة ٦٨↑

فيما إذا كان المُدرَك - بالفتح - كلّيًّا لا جزئيًّا، ولا تدخل في حكم العقل العملي الخُلُقيَّات والانفعاليَّات والعاديَّات. كما أنَّ للعقل العملي تحديد وظيفة المكلَّف عند فقدان الدليل، كقاعدة قبح العقاب بلا بيان، أو قاعدة حقِّ الطاعة، أو دفع الضرر المحتمل، أو وجوب شكر المنعم، وقاعدة اللطف.
فتبيَّن أنَّ حكم العقل ليس منتجاً دائماً، ولا مرفوضاً دائماً، بل هو معتبر عندما يورث اليقين، لأنَّ حجّيَّة القطع واليقين ذاتيَّة، بل حجّيَّة كلِّ شيء تنتهي إليه. واستقلال العقل في إدراك بعض القواعد لا يؤول إلى الاستغناء عن الرسول والواسطة الإلهيَّة، كما تظنُّه البراهمة والحشويَّة، لأنَّ العقل لا يُدرك جزئيَّات المصالح والمفاسد التوقيفيَّة، لما مرَّ من عدم قدرته على الإحاطة بملاكات الأحكام الشرعيَّة فضلاً عن نفس الحكم الشرعي، والوحي لم يُبيِّن خصوص المتسالم العقلي بحيث يُحمَل ما ورد في الشريعة إرشاداً إلى حكم العقل مطرداً، بل حديث الوحي حديث في أُفُق الإرشاد وفي أُفُق التأسيس.
فالوحي يتحرَّك في مساحة أوسع من مساحة العقل، كحديث الماضي والمستقبل، بل والحال أيضاً، وغير ذلك، ممَّا يكون فوق بُعد الزمان، كمعرفة وجود الذات المقدَّسة.
ومن هنا نقول فيما نحن فيه: إنَّ الغيبة أي إخفاء الهويَّة، بل حتَّى الخفاء البصري، ليس ممتنعاً عقلاً، ولم يُقدِّم لنا الخصم والمستغرِب أيَّ دليلٍ على ذلك الاستغراب من امتناع حكم العقل بقبول الحقائق الخفيَّة. نعم هي

↑صفحة ٦٩↑

ظاهرة كونيَّة وجوديَّة غير مألوفة للعقل العادي الذي يقتصر على الظواهر الحسّيَّة الصرفة، لكنَّها مألوفة للعقل العلمي الذي يتحرَّك في مداره بما هو أوسع من المحسوس الواضح المألوف وغير المألوف، فضلاً عن غير المحسوس، بل هي من الظواهر المتحقَّقة، والوقوع خير دليل على الإمكان، فقد سجَّل العقل العلمي مشاهد كثيرة على وقوع ما هو مخفي للحواسِّ، كما ضبطه علماء الطبيعيَّات.
وأمَّا طول الحياة، ووصف البعض بأنَّها أُسطورة وخرافة، فلا يساعد عليه العلم الحديث، فقد رصد علم الجينات نتائج تدفع تلك الغرابة، وتُحوِّل الأُسطورة إلى واقع مألوف. هذا مضافاً إلى أنَّ الغيبة ظاهرة كونيَّة دينيَّة خاضعة لقدرة الخالق وإرادته، كنقل عرش بلقيس، وخلق الملائكة والجنِّ والعوالم والمعاجز على ما ذكرته الأدلَّة السماويَّة، وأذعن لها جميع من انتمى إلى المدرسة الإلهيَّة، إذ ليس هناك مدرسة دينيَّة تُنكِر الأُمور غير المحسوسة، وحكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد.
المصدر المعرفي الثاني: القرآن الكريم:
القرآن الكتاب الإلهي المعجز، الخالد بمعناه العميق، الموافق للوجدان والفطرة والعقل، المذهل لأمهر الحكماء والفلاسفة والمشرِّعين وخرِّيتي الفنون، بتحدِّيه الصارخ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (الإسراء: ٨٨).
وقد تحدَّى القرآن قوَّة الملوك، وعلم أحبار اليهود، وقساوسة

↑صفحة ٧٠↑

النصارى، وبلغاء العرب وفصحاءهم، وعُبَّاد الأوثان، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (البقرة: ٢٣)، فبعدما بلغ العرب كمال وجزالة النظم، ووفاء اللفظ، ورعاية المقام، وسهولة المنطق فيه، تحدَّاهم القرآن بما يثير الحميَّة، ويوقد نار الأنفة والعصبيَّة فيهم، وتحدَّاهم في الغرور ببضاعتهم، والاستكبار عن الخضوع للغير في صناعتهم، بل طالت مدَّة التحدِّي، وتمادى زمان الاستنهاض، فلم يُجيبوه إلَّا بالتجافي، ولم يزدادوا إلَّا عجزاً، ولم يكن منهم إلَّا الاستخفاء والهزيمة.
وتحدَّاهم بالموجود بأنَّه لا اختلاف فيه، إذ لو كان من عند غير الله لاختلف النظم في الحسن والبهاء، والقول في الشداقة والبلاغة والمعنى من حيث الفساد والصحَّة، ومن حيث الإتقان والمتانة، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً﴾ (النساء: ٨٢)، وقد تحدَّاهم بالأخبار لقَصَصه، وعذوبة الأمثلة، ورفعة التشريع، ومنتهى القِيَم، فانهزم بعض، وأذعن آخر، وسكت ثالث، والنتيجة أنَّه لم يصمد منافس.
خصائص القرآن:
ولنتحدَّث في بعض خصائص القرآن من الزاوية المقصودة لمن أراد أنْ يفهم القرآن، فلا بدَّ له من الاستعانة ببعض المقدَّمات والأُصول المقرَّرة:
١ - أنَّه محفوظ من التحريف بجميع أنواعه، فهو مسدَّد عن التلاعب والتغيُّر والتبديل، وأنَّ الكتاب الذي بين أيدينا هو النازل على صدر الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من دون تبديل في أوصافه الكريمة، وآثاره وبركاته، ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ

↑صفحة ٧١↑

(فُصِّلت: ٤١ و٤٢)، وعليه فهو قطعي الصدور، فلا مجال للبحث السندي فيه. وأنَّ القول بتحريفه خرافة ووهم لا يتفوَّه به إلَّا ضعيف العقل، ومن لا حظَّ له بأدنى المعارف، أو منحاز عن جادَّة الحقِّ لعصبيَّة، إذ الحُبُّ يُعمِي ويُصِمُّ.
٢ - أنَّ القرآن منه ما هو نصٌّ صريح، ومنه ما هو ظاهر، بمعنى يحتمل إرادة الخلاف منه، بيد أنَّه بحاجة إلى القرينة التي مع فقدانها يُحمَل على ما هو الظاهر، للسيرة العقلائيَّة الممضاة من الشارع، وللتحاكمات العرفيَّة في الرجوع إليه، ومنه ما هو متشابه يحتمل أكثر من معنى.
ثمّ إنَّ كلًّا من النصِّ والظاهر هو من محكم القول. ولا تحفُّظ ولا خلاف في الاعتماد على النصِّ، وأمَّا الظاهر فهو معتمد أيضاً، لأنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يأتِ بطريقة مخترَعة لإفهام مقاصده وإيصالها، وإنَّما تكلَّم مع قومه بما هو متعارف عندهم من طُرُق وأساليب للتفاهم والتخاطب، وإلَّا لبانت لنا طريقته لو كانت، فإنَّه قد تكلَّم بلسان عربي مبين، وحثَّهم على التدبُّر ولزوم العمل بما في الكتاب، ولزوم عرض الروايات على الكتاب، واستدلال الأئمَّة (عليهم السلام) بالقرآن. ومن المعلوم أنَّ الأخذ بالظاهر لا يُعَدُّ من التفسير بالرأي، وإنَّما هو تفسير بما يفهمه العرف من اللفظ بعد الفحص عن القرائن المتَّصلة والمنفصلة من الكتاب والسُّنَّة والعقل.
٣ - النسخ، لا خلاف عند الكلِّ في وقوع النسخ، فإنَّ كثيراً من أحكام الشرائع السابقة قد نُسِخَت بأحكام الشريعة الإسلاميَّة. وإنَّ جملة من أحكام هذه الشريعة قد نُسِخَت بأحكام من نفس هذه الشريعة أيضاً،

↑صفحة ٧٢↑

كحكم التوجُّه إلى القبلة. فالمهمُّ هل أنَّ هناك شيئاً من أحكام القرآن منسوخاً بالقرآن، أو بالسُّنَّة القطعيَّة أو بالإجماع القطعي الكاشف عن قول المعصوم؟
والتحقيق أنَّ الحكم الثابت بالقرآن يُنسَخ بالسُّنَّة المتواترة كما سبق، ولا محذور في ذلك، لا من جانب النقل ولا من جانب العقل. وهكذا الحكم الثابت بالقرآن يُنسَخ بآية أُخرى منه، شريطة أنْ يكون الحكم في الآية الناسخة ناظراً إلى الحكم المنسوخ ومبيِّناً ورافعاً، كما في آية النجوى. ولكن الحكم الثابت بالقرآن لا يُنسَخ بآية أُخرى غير ناظرة إلى الحكم المنسوخ، وهذا القسم غير واقع. وهكذا نسخ القرآن بخبر الآحاد، وإنْ أخطأ البعض في تصويره، فتوهَّم وقوع النسخ في التعارض البدوي، مع أنَّ التعارض البدوي كالعامِّ والخاصِّ، والمطلق والمقيَّد، والحاكم والمحكوم، والوارد والمورود، والمجمل والمبيَّن، والحقيقة والمجاز...، ليس من النسخ في شيء، كما بُيِّن وثبت في محلِّه.
٤ - قواعد الجمع العرفي، والتي يمكن الاستعانة بها في فهم القرآن، فتخصيص العموم والإطلاق القرآني بخبر الآحاد لا مانع منه، لأنَّ الدليل الخاصَّ قرينة لإيضاح المعنى المقصود منه.
٥ - أنَّ القرآن محكم ومتشابه من حيث المدلول، فلابدَّ من إرجاع المتشابه إلى المحكم.
٦ - التأويل في القرآن هو حقيقة واقعيَّة تستند إليها البيانات القرآنيَّة من حكم أو موعظة أو حِكمة، وأنَّ التأويل ثابت لجميع الآيات القرآنيَّة

↑صفحة ٧٣↑

محكمها ومتشابهها، وليس هو من المفاهيم المدلول عليها بالألفاظ، بل هو من الأُمور الغيبيَّة المترفِّعة من إحاطة الألفاظ بها، وإنَّما قيَّدها الله سبحانه بقيد الألفاظ لتقريبها للأذهان، فهي كالأمثال تُضرَب لتقريب المقاصد بها، وتُوضَّح بحسب ما يناسب فهم السامع.
والتأويل على صورتين:
١ - التأويل الفاسد الذي يمارسه أهل الزيغ والضلال، حيث يأخذون المتشابهات من دون المحكمات، ويُؤوِّلون حسبَ آرائهم واعتقاداتهم من دون الرجوع والاعتماد على الأُصول المقرَّرة في محلِّها، التي تصالح عليها أهل الحوار في محاوراتهم، ولعلَّ منه التفسير بالرأي المنهي عنه في الروايات الكثيرة.
٢ - والتأويل الصحيح والصائب، وهو الذي يمارسه أهل الحقِّ حيث يأخذون المحكم أصلاً والمتشابه فرعاً، فيجمعون بينهما، وهو بدوره أيضاً على قسمين:
قسم من التأويل مستند إلى قانون اللغة والمنطق والعرف العامِّ والمنتج عن طريق التدبُّر، كما في الآيات المشتملة على جُمَل متشابهة، كآيات التجسيم والتحيُّز والإمكان والحدوث وصفات الممكن، أو كالآيات التي ظاهرها التنافي، كإسناد الموت إلى الله وإلى الملائكة، أو آيات الجبر والتفويض.
فعلى فرض التسليم أنَّ هذا قسم من التأويل، فهو شأن المتخصِّص، يقوم به ويمارسه بعد استفراغ الوسع في الفحص، وبعد تحصيله على ملكات العلوم التي لها دخل في استظهار الكلام.

↑صفحة ٧٤↑

والقسم الثاني من التأويل الصحيح هو شعبة من شُعَب الغيب، وهذا القسم يختصُّ بالراسخين في العلم، وهم الرسول والأئمَّة الأطهار (عليهم السلام) حصراً.
سؤال: لماذا يتفاوت الفهم للقرآن ولا يضرُّ ذلك في كونه آلة معرفيَّة وكاشفة وحاكمة؟
الجواب: هناك خطر في المنهج المعرفي لفهم القرآن، حيث إنَّ هناك جملة من الاتِّجاهات الفلسفيَّة والكلاميَّة والعرفانيَّة والعلوم الطبيعيَّة المتوغِّلة أو المتولِّعة بالنزعة الاجتماعيَّة التي حاولت حمل آرائها على التفسير.
فهنا مسلكان:
المسلك الأوَّل: يحاول استكشاف مدلول الآية متجرِّداً عن خلفيَّاته العلميَّة والثقافيَّة، فيدخل ساحة التفسير وهو خالٍ من كلِّ فكرة، مع الاعتماد على آليَّات وقواعد معرفيَّة للتفسير ملاكها عرفيَّتها، وليس له غرض إلَّا فهم مدلول الآية، وحينئذٍ يكون دور العلوم النظريَّة الأُخرى دور المؤيِّد للنتيجة القرآنيَّة. علماً أنَّ الظواهر أُمور وجدانيَّة لا برهانيَّة، ونسبيَّة لا نفسيَّة، وعرفيَّة لا ذاتيَّة. نعم الإرادات الجدّيَّة ملاكات تحتاج إلى ملاكات أُخَر غير ملاكات الظواهر.
والمسلك الثاني: عكس الأوَّل، فإنَّ المفسِّر يحاول حمل الآية على خلفيَّاته القبليَّة، فيكون دور القرآن تابعاً للنظريَّة. وهذا المنهج الخاطئ هو الذي استدعى إيجاد مثل هذه الفجوات، بحيث يكون فهم الظاهر القرآني عند طيف معيَّن وصنف خاصٍّ، وبهذا يفقد القرآن قابليَّته العرفيَّة، ويدخل

↑صفحة ٧٥↑

في سياق القوالب الصنفيَّة. نعم ربَّما لا يلتفت العرف إلى نكات تستدعي خطأ الفهم، إلَّا أنَّه لو نُبِّه على تلك النكات الداخليَّة أو الخارجيَّة لوصل إلى نفس الفهم العرفي.
وهذا الخلاف لم يسلم منه أيُّ منهج معرفي، لذا فليس الخطر في أصل دخوله عمليَّة التفسير، وإنَّما المهمُّ إيجاد الضوابط والموازين في تحديد المناهج المعرفيَّة، فالقرآن لم ينزل ليكون كتاب طبيعيَّات، أو فلك، أو طبٍّ، أو تاريخ، بل هو كتاب هداية.
فتلخَّص من هذا أنَّ الغرض من التفسير هو كشف معنى اللفظ، وإظهاره في دائرة المنطوق أو المفهوم. وهناك مدلولات لا تدخل في المفهوم، ولا في المنطوق اصطلاحاً، وتُسمَّى بالدلالة السياقيَّة، وهي على أقسام:
دلالة الاقتضاء: وهي أنْ يكون المعنى مقصوداً للمتكلِّم بحسب العرف، ويتوقَّف صدق الكلام أو صحَّته عقلاً أو شرعاً أو لغةً أو عادةً عليها.
دلالة التنبيه: وتُسمَّى دلالة الإيماء أيضاً، وهي أنْ تكون مقصودة للمتكلِّم بحسب العرف، لسياق الكلام الذي به يقطع إرادة ذلك اللَّازم، أو يستبعد عدم إرادته.
وهما حجَّة، إمَّا من جهة التفسير، وإمَّا من جهة التأويل المغتفَر الذي يصل إليه العرف بعد إعمال عناية علميَّة.
نعم هناك قسم من التأويل المنحصر بأهل البيت (عليهم السلام) الذي هو أمر

↑صفحة ٧٦↑

متعلِّق بالعلم الإلهي، وليس له دخل بالتحصيل والعلم الكسبي، فالعترة الطاهرة تارةً يشاركون الناس في فهم القرآن اعتماداً على الظاهر، ودلالة الاقتضاء، والسياق، والإيماء، ونحو ذلك، وأُخرى يختصُّون بالتأويل، لأنَّه من شُعَب العلم الغيبي.
ثمّ إنَّ المتشابه ليس مفاده أنْ لا معنى له، بل له معنى من اللفظ، فلو لم يكن له معنى فما المقصود من قوله: ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (آل عمران: ٧)؟ فالمراد من التشابه هو التشابه في المصداق، بمعنى عدم معروفيَّة المصداق مع وضوح المدلول المستعمَل والمقصود من الآية الكريمة، بمعنى أنَّهم يتَّبعون المصداق الغيبي كالكرسي. وقد يُطلَق المتشابه ويُراد منه المجمل، بمعنى الذي لا ظهور له استعمالاً، وإنْ كان له ظهور واضحٌ جدًّا.
والباطنيَّة والصوفيَّة وأصحاب العقائد الفاسدة يستنتجون بواطن القرآن من دون الاعتماد على الأساليب اللغويَّة والعلميَّة، وإنَّما منهجهم محض التخرُّص والتعويل على الظنون، والاستحسانات، وتحميل المباني المسبقة.
وعليه يمكن الجمع بين طائفتين من الروايات، إذ إنَّ طائفة ترى اختصاص التفسير بأهل البيت (عليهم السلام)، وطائفة تعتقد أنَّ القرآن تبيان وهداية، فإنَّ الطائفة الأُولى تشير إلى أنَّ تأويل القرآن والعلم الغيبي ومعرفة كلِّ خصوصيَّات القرآن، إنَّما تحصل عن معرفة الوحي وما بحكمه. بينما

↑صفحة ٧٧↑

الطائفة الثانية تشير إلى أنَّ ألفاظ القرآن ليست مجملة ولا مهملة، بل لها معنى، فحينئذٍ يشارك أهل البيت (عليهم السلام) غيرهم في علمهم بظاهر القرآن.
٧ - ظاهرة الجري والانطباق في القرآن، والفارق بينها وبين التأويل وبين التفسير، فالقرآن المعجزة الأزليَّة والسرمديَّة تسري أحكامه على كلِّ الناس، وفي جميع العصور، فالآيات النازلة في حقِّ البعض تسري في حقِّ غيره عند توفُّر الشروط، فمورد النزول إذا لم يكن مختصًّا بتلك الآية فهو شامل لغيره، وهو المقصود في الجري والتطبيق، أي انطباق الآية على أكمل المصاديق بواسطة الرجوع إلى رواية، إلَّا أنَّه تبقى الآية على عمومها، فتحديد الآية بمصداق - ماضوي أو مستقبلي - لا يَهدِم عمومها، وإنَّ المورد لا يُخصِّص الوارد.
أمَّا منهج التأويل، فإنَّ المراد الجدِّي له ليس هو العموم، فيتحدَّد مصداقه الخارجي بمعونة الروايات، ولا يبقى حينئذٍ عموم للآية.
وأمَّا التفسير، فإنَّه يستكشف المراد الجدِّي والتحديد من سياق الآية، ولتوضيح الفكرة نقول: قد ورد في تفسير بعض الآيات روايات منها:
١ - قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٢ و٣٣).
فقد ورد في تفسير الآية أنَّه تعالى أخبر عن الكُفَّار من اليهود والنصارى أنَّهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ﴾، وهو القرآن والإسلام، ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾، معناه: ويمنع الله إلَّا أنْ يظهر أمر القرآن،

↑صفحة ٧٨↑

وأمر الإسلام، وحجَّته على التمام، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾، أي: على كره من الكافرين. ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ محمّداً، وحمَّله الرسالات التي يُؤدِّيها إلى أُمَّته ﴿بِالْهُدَى﴾، أي: بالحُجَج، والبيِّنات، والدلائل، والبراهين، ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾، وهو الإسلام، وما تضمَّنه من الشرائع التي يُستحَقُّ عليها الجزاء بالثواب، وكلُّ دين سواه باطل يُستحَقُّ به العقاب، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ معناه: ليُعلي دين الإسلام على جميع الأديان بالحجَّة، والغلبة، والقهر لها، حتَّى لا يبقى على وجه الأرض دين إلَّا مغلوباً، ولا يغلب أحد أهل الإسلام بالحجَّة، وهم يغلبون أهل سائر الأديان بالحجَّة. وأمَّا الظهور بالغلبة فهو أنَّ كلَّ طائفة من المسلمين قد غلبوا على ناحية من نواحي أهل الشرك، ولحقهم قهر من جهتهم. وقيل: أراد عند نزول عيسى بن مريم (عليه السلام) لا يبقى أهل دين إلَّا أسلم، أو أدَّى الجزية، عن الضحَّاك. وقال أبو جعفر (عليه السلام): «إِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ خُرُوجِ اَلمَهْدِيِّ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا أَقَرَّ بِمُحَمَّدٍ»(٦٧).
وعن الصادق (عليه السلام) عند سؤال المفضَّل عن تأويل الآية بعد أنْ أخبره بأنَّ بعض المسلمين يدَّعون أنَّ الإسلام قد ظهر على الأديان كلِّها، فأجابه (عليه السلام): «يَا مُفَضَّلُ ظَهَرَ عَلَيْهِ عِلْماً وَلَمْ يَظْهَرُ عِلْمُهُ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ ظَهَرَ عَلَيْهِ مَا كَانَتْ مَجُوسِيَّةٌ، وَلَا يَهُودِيَّةٌ، وَلَا جَاهِلِيَّةٌ، وَلَا عَبَدَةُ اَلْأَصْنَامِ وَاَلْأَوْثَانِ، وَلَا صَابِئَةٌ، وَلَا نَصْرَانِيَّةٌ، وَلَا فِرْقَةٌ، وَلَا خِلَافٌ، وَلَا شَكٌّ، وَلَا شِرْكٌ، وَلَا أُولُو اَلْعِزَّةِ، وَلَا عَبَدَةُ اَلشَّمْسِ وَاَلْقَمَرِ وَاَلنُّجُومِ، وَلَا اَلنَّارِ، وَلَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٧) تفسير مجمع البيان (ج ٥/ ص ٤٥) بتصرُّف.

↑صفحة ٧٩↑

اَلْحِجَارَةِ، وَإِنَّمَا قَوْلُهُ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ فِي هَذَا اَلْيَوْمِ، وَهَذَا اَلمَهْدِيُّ، وَهَذِهِ اَلرَّجْعَةُ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]»(٦٨).
٢ - ومنها: ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥)، فالآية تشير إلى فكرة الوراثة للأرض على أنَّها ستتمُّ لعباد الله الصالحين، فإنَّ القرآن يعرض نظريَّة هادفة متكاملة، فهو يُلغي قانون المصادفة والعبث والجزاف، ويتحدَّث عن الكون والإنسان والطبيعة والمبدأ والمنتهى، ومسيرة السفراء والأنبياء (عليهم السلام) وخصائصهم واختيارهم على سبيل الحكمة لا القرعة والمصادفة، فيطرح رؤية أنَّ الكون ينشأ من الصانع الحكيم الخبير، وأنَّ بداية الكون كانت قصَّة آدم (عليه السلام)، وستسير هذه القافلة إلى المعاد، وتحدَّث القرآن عن خاتميَّة الكون، والحكومة الربَّانيَّة، والوصول إلى الغاية المتوخَّاة، فالدولة الفاضلة حديث ومطلب قرآني وسماوي، تحدَّثت عنه الكُتُب السماويَّة الأُخرى. ولا ضير في ذلك، كما أنَّ الحديث عن المبدأ قرآني وسماوي أيضاً وإنْ تحدَّثت عنه الكُتُب السماويَّة والحكميَّة والكلاميَّة، فالآية تُصرِّح بأنَّ هذا التخطيط له عمقه التاريخي، ولم يكن وليد التقليد الإسلامي، فبذوره مغروسة منذ القِدَم في الذِّكر وفي الزبور(٦٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٨) الهداية الكبرى (ص ٤٢٩).
(٦٩) روى القمِّي (رحمه الله) في تفسيره (ج ٢/ ص ٧٧ و٧٨) بسنده عن عَمْرِو بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ اِبْتِدَاءً مِنْهُ: «... ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾...»، قَالَ: «اَلْكُتُبُ كُلُّهَا ذِكْرٌ، ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]»، قَالَ: «اَلْقَائِمُ (عليه السلام) وَأَصْحَابُهُ»، قَالَ: «وَاَلزَّبُورُ فِيهِ مَلَاحِمُ وَتَحْمِيدٌ وَتَمْجِيدٌ وَدُعَاءٌ».
ومثله في سورة (آل عمران: ١٢٨): ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.

↑صفحة ٨٠↑

٣ - وهكذا تحدَّث القرآن في قوله: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥).
ففي الآية إشارة إلى:
١ - أنَّ الله سيجعل للمؤمنين مجتمعاً صالحاً.
٢ - أنَّ الله سيجعل المؤمنين خلفاء في الأرض، ويجعل دينهم ظاهراً وسائداً وغالباً وقاهراً على غيره.
٣ - أنَّ الأُمَّة تمرُّ بمرحلة الخوف، ثمّ تلحقها مرحلة الأمن.
وقد حُدِّد المصداق لهذه الآية بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، بمقتضى الروايات، إمَّا من جهة الجري، أو من جهة التأويل.
وهذا التحديد قد ورد لآيات أُخرى، وفي موارد لروايات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ﴾ (القَصَص: ٥ و٦)،

↑صفحة ٨١↑

فقد روى الطوسي (رحمه الله)، عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام)، قَالَ: «هُمْ آلُ مُحَمَّدٍ، يَبْعَثُ اَللهُ مَهْدِيَّهُمْ بَعْدَ جَهْدِهِمْ، فَيُعِزُّهُمْ وَيُذِلُّ عَدُوَّهُمْ»(٧٠).
أو قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ (الصافَّات: ١٠)، روى الصدوق (رحمه الله)، عَنِ اَلصَّادِقِ (عليه السلام)، قَالَ: «أَمَا وَاَلله لَيَغِيبَنَّ عَنْكُمْ مَهْدِيُّكُمْ حَتَّى يَقُولَ اَلْجَاهِلُ مِنْكُمْ: مَا لله فِي آلِ مُحَمَّدٍ حَاجَةٌ، ثُمَّ يُقْبِلُ كَالشِّهَابِ اَلثَّاقِبِ، فَيَمْلَؤُهَا عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»(٧١)، وسورة القدر، وخلاصة آيات حتميَّة الظهور، وآيات الانتظار، والآيات التي تحدَّثت عن طبيعة الصراع بين الحقِّ والباطل، والآيات التي تحدَّثت عن المحطَّة الأخيرة للبشريَّة، فهي تدلُّ على أنَّ فكرة المهدي (عجَّل الله فرجه) قرآنيَّة، سواء أكان المنهج تفسيريًّا يُعلَم بالتدبُّر ودلالة السياق، أم تأويليًّا يُعلَم بروايات أهل البيت (عليهم السلام) على نحو التطبيق، أم على سبيل التأويل.
وبهذا يتَّضح المقصود ممَّا كُتِبَ تحت عنوان: (المهدي (عجَّل الله فرجه) في القرآن، أو عليٌّ (عليه السلام) في القرآن).
وكيفما كان، فإنَّ المنهج الذي اتَّخذته الشيعة في تفسير القرآن يختلف عن المنهج الذي اتَّخذه أبناء العامَّة، فالشيعة ترى حجّيَّة أقوال النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في التفسير، وأمَّا التابعون فهم كبقيَّة المسلمين لا حجّيَّة لأقوالهم إلَّا ما ثبت أنَّه حديث نبوي عنهم.
وتعتقد أيضاً بمقتضى حديث الثقلين ونحوه الثابتين بالتواتر أنَّ أقوال العترة (عليهم السلام) هي تالية لأقوال الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهي حجَّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٠) الغيبة للطوسي (ص ١٨٤/ ح ١٤٣).
(٧١) كمال الدِّين (ص ٣٤١ و٣٤٢/ باب ٣٣/ ح ٢٢).

↑صفحة ٨٢↑

طبقات المفسِّرين:
طبقات المفسِّرين عند الشيعة هي:
الطبقة الأُولى: الذين رووا أحاديث التفسير عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والعترة (عليهم السلام) كزرارة، ومحمّد بن مسلم، ونحوهم (رضي الله عنهم).
الطبقة الثانية: المؤلِّفون الأوائل في التفسير، كفرات الكوفي، وأبي حمزة الثمالي، والعيَّاشي، وعليِّ بن إبراهيم القمِّي، والنعماني (رحمهم الله).
وطريقة هؤلاء أنْ يرووا الأحاديث مع ذكر الأسانيد، ولم يبدوا آراءَهم في الموضوع.
الطبقة الثالثة: أصحاب العلوم المختلفة، كالشريف الرضي في تفسيره الأدبي، والطوسي في تفسيره الكلامي، والشيرازي في تفسيره الفلسفي، والگونابادي في تفسيره الصوفي، والطبري الشيعي في تفسيره الجامع لفنون عديدة كاللغة والنحو والكلام والحديث.
المصدر المعرفي الثالث: السُّنَّة الشريفة:
وهو مصدر للثقافة الإسلاميَّة كالقرآن الكريم، فقد تناولت السُّنَّة الشريفة جميع الشؤون الإسلاميَّة، وأمدَّت الفكر بالنِتاجات الغنيَّة والإبداع، وستبقى السُّنَّة إلى جانب القرآن مصدراً غنيًّا بتلك الثروة العطرة التي تُتوِّج الإسلام بالخلود والبقاء حتَّى يرث الله الأرض ومن عليها، ولا فرق بين الكتاب الكريم والسُّنَّة من جهة صدورهما من منبع الوحي، وأنَّهما نوران انبثقا من مصدر واحد.

↑صفحة ٨٣↑

الفوارق بين القرآن والسُّنَّة:
ولكنَّهما يختلفان في فوارق، منها:
١ - أنَّ إحدى غايات القرآن هي الإعجاز وروح التحدِّي، وأمَّا السُّنَّة فهي وإنْ كان فيها إعجاز إلَّا أنَّه في تشريعها ومغيَّباتها.
٢ - أنَّ ألفاظ الكتاب الكريم كمعانيه نزلت من لدن الله تعالى، بخلاف ألفاظ السُّنَّة.
٣ - أنَّ سند القرآن قطعي، بينما السُّنَّة ليست قطعيَّة الصدور عدا المتواتر منها.
٤ - أنَّ القرآن في الغالب ناظر إلى أصل التشريع، وتأسيس القواعد العامَّة بحسب الإرادات الاستعماليَّة التي تكون مرجعاً عند الشكِّ في بعض الخصوصيَّات، فهو يذكر الأحكام الكلّيَّة التي تحتاج إلى التفصيل والبيان، فيكون دور السُّنَّة هو التفصيل والبيان، فالإطلاق القرآني لا ينتج إلَّا بعد الفحص عن المقيِّد.
وقد احتضن المجتمع الإسلامي اتِّجاهين آخرين:
الاتِّجاه الأوَّل: اتِّجاه أبناء العامَّة، وبنيته الفكريَّة مقولة: (حسبنا كتابُ الله)، والتي تُرجِمت اليوم: (الإسلام هو القرآن فقط)، وبالتالي فالتشريع يُستنتَج من القرآن فقط، ويُزهَد بالسُّنَّة الشريفة، أو يجعلها محض المؤيِّد والتشرُّف والتبرُّك والتيمُّن.
والاتِّجاه الثاني: اتِّجاه الغلوِّ في الحديث وارتضائه بأيِّ طريق، فلا ميزان يُحدِّد السُّنَّة، فالسُّنَّة هي المقدَّمة، وهو بالتالي نكوص على هذه الأدوات

↑صفحة ٨٤↑

المعرفيَّة من التحقيق في السند، ومعالجة المعارض، والوقوف على القرائن، وغير ذلك ممَّا سيأتي التعرُّض إليها، فيوجب سقوط الضروري العقلي أو القرآني، وسيأتي موقفنا تجاه الحديث الموضوع، والضعيف، والشاذِّ، والنادر، والمخالف للضروري، ونحوه، وهكذا إبراز وسائل تحفظ السُّنَّة، وأدوات للإحاطة بها، وأبواب المعالجات.
ثمّ إنَّ الحديث عن السُّنَّة في نقاط مع مراعاة الاختصار:
١ - ما هو الدليل على أنَّ السُّنَّة أداة معرفيَّة للإسلام تشريعيًّا وعقائديًّا وأخلاقيًّا؟
٢ - التعاضد بين القرآن والسُّنَّة.
٣ - بعض الشُّبُهات النافية لآليَّتها المعرفيَّة.
٤ - كيف نستكشف السُّنَّة النبويَّة في معالم المدرستين، على فرض التسليم بأنَّ الآخر مدرسة.
٥ - ظاهرة الاجتهاد في فاعليَّة السُّنَّة وديموميَّتها.
٦ - أُطروحة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في الروايات.
١ - أدلَّة معرفيَّة السُّنَّة:
اتَّفق المسلمون كافَّة على الأخذ بالسُّنَّة النبويَّة الشريفة، من مفسِّرين، ومتكلِّمين، وفقهاء، وغيرهم على أنَّ السُّنَّة مصدر معرفي، ومنهج لكشف الحقائق الدِّينيَّة، وإنْ كان في حُقَب زمنيَّة ماضية وُجِدَ من اكتفى بالقرآن كما تقدَّم في الاتِّجاهات التي احتضنها الإسلام، ويكافئ القرآن الكريم في كونه مصدراً كذلك، ودليله - مضافاً إلى الإجماع - ما ورد في الآيات الكثيرة:

↑صفحة ٨٥↑

منها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: ٢٤)، فإنَّ الآية قد أمرت بلزوم الاستجابة للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهي سواء حُمِلَت بمعنى الإرشاديَّة أو المولويَّة، فإنَّها كفيلة بأنَّ قول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حجَّة. هذا مضافاً إلى أنَّ جعل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عِدلاً في لزوم الاستجابة لله فيه من المدلول ما يُثبِت المدَّعى.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣ و٤)، فالآية الكريمة تُفيد جملة من الفوائد، منها: أنَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مسدَّد بتسديد عصمي، إذ من البعيد أنْ يكون الثناء الوارد لمحض بيان المقام التكريمي للنبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بل الظاهر منها التنبيه على أنَّ كلَّ ما يتلفَّظه الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو وحي سماوي، ومصدر معرفي.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (الجنّ: ٢٣)، وتقريب الاستدلال بهذه الآية واضح، حيث جعلت مخالفة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كمخالفة الله تعالى، وإنَّها تستدعي العقاب الأُخروي المشدَّد، فنستفيد لابدّيَّة الأخذ بقول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبمقتضى إطلاقها فإنَّ قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معتمَد ومعتبَر في فنون شتَّى، وهذا خير شاهد على لابدّيَّة قبول قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفعله وتقريره.
وقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (النساء: ٥٩)، فالآية قرنت طاعة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بطاعة الله، وبسياق واحد، مع تكرار الفعل، وما ذلك إلَّا للتأكيد على لزوم الأخذ بقول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وطاعته، وكون سُنَّته مصدراً معرفيًّا، فالآية تشير إلى الاستقلاليَّة، وربَّما يصلح شاهداً على ثبوت الولاية التشريعيَّة للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

↑صفحة ٨٦↑

وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (النساء: ٦٥)، الدالُّ على التحكيم الذي هو فرع قبول الحكم، فيتعدَّى إلى غيره من الأحكام ونحوها بعدم القول بالفصل، أو إلغاء الخصوصيَّة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ (الأحزاب: ٣٦)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ (النساء: ٦١)، ولا حاجة للوقوف على فقه الآيات بعد وضوح المطلب، لاسيّما على مبنى عصمة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنَّ علمه ليس كاجتهاد الفقيه. نعم على بعض الآراء تحتاج إلى توضيح الاستدلال بذلك.
وعليه فالحجّيَّة في السُّنَّة المتَّبعة ليست بمعنى الكشف، والإظهار، والطريقيَّة، والدلالة على الحكم الشرعي، بل هي ثبوت الشريعة وأحكامها، مثل حجّيَّة العلم الذي هو الانكشاف، والوضوح، والظهور، وهو المراد من حجّيَّة الكتاب، لأنَّ السُّنَّة هي قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو فعله أو تقريره، وكذلك المعصوم (عليه السلام). وفرق بينها وبين الدليل عليها، فالرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حاكم كما أنَّ الله تعالى حاكم، إلَّا أنَّ الله تعالى هو الحاكم بالأصالة، والرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حاكم بالتبع لإرادة الخالق، فحكم الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حكم شرعي يكشف عن التشريع، ككشف العلم عن معلومه، لا ككشف الدليل عن مدلوله، فقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ يدلُّ على أنَّ كلامه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو بنفسه حكم شرعي، وليس موصلاً إليه وواسطة في

↑صفحة ٨٧↑

الإثبات، بل هو واسطة في الثبوت، ويتفرَّع على هذه التفرقة آثار كلاميَّة مهمَّة جدًّا.
٢ - التعاضد بين القرآن والسُّنَّة، والتأثير المتبادل بينهما:
وهذا التعاضد تارةً يكون في مجال الحجّيَّة، وأُخرى في مجال التحديد والتضييق.
أمَّا الأوَّل: فلا ريب أنَّ القرآن مصدر بنصِّ الوحي وتأكيده، والقرآن أقوى الأدلَّة على حجّيَّة الرسالة والرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على مستوى القول والعمل، فحجّيَّة السُّنَّة مستمدَّة من الكتاب الكريم.
أمَّا الثاني (التحديد): فتارةً من حيث تأثير الحديث على القرآن، فالحديث إنْ توافق مع القرآن كان من الدعم والتأييد، وإلَّا كان من التأثير والتحديد والتقويض. وعليه فالمرجعيَّة للقرآن، لكن وظيفة الحديث تفسير وتبيان له. وأُخرى من حيث تأثير القرآن على الحديث، فالحديث المخالف للقرآن تارةً تكون المخالفة مستقرَّة، أي مخالفة لنصوص القرآن الواضحة، أو أحكامه المتَّفق عليها، فيكون الحديث من زخرف القول. وأُخرى المخالفة غير مستقرَّة، كما لو كان الحديث بياناً لتفصيل التشريع، بزيادة قيد، أو شرط، أو نحو ذلك، فيكون الحديث قرينة للظهور القرآني، كالأحاديث المبيِّنة لشرائط وقيود البيع، فهذه تكون قرينة لآية: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ (البقرة: ٢٧٥)، مثلاً.
قال ابن القيِّم: (والسُّنَّة مع القرآن ثلاثة أوجه: أحدها: أنْ تكون موافقة له من كلِّ وجهٍ، فيكون توارد القرآن والسُّنَّة على الحكم الواحد من

↑صفحة ٨٨↑

باب توارد الأدلَّة وتظافرها. الثاني: أنْ تكون بياناً لما أُريد بالقرآن، وتفسيراً له. الثالث: أنْ تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه، أو محرِّمة لما سكت عن تحريمه)(٧٢).
٣ - بعض الشُّبُهات النافية للآليَّة المعرفيَّة للسُّنَّة:
ذكر النافون مجموعة من الشكوك من قبيل النهي الشرعي عن كتابة الأحاديث، ومن خشية اختلاط القرآن بالحديث، ومن التخوُّف من ترك القرآن والاشتغال بغيره، ومن عدم معرفة المحدِّثين للكتابة، ومن عدم الحاجة إلى تدوين الحديث في الكُتُب، وغير ذلك. ونحن سنذكر هاهنا بعض تلك الشُّبُهات والردِّ عليها.
الشبهة الأُولى: بشريَّة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بشرٌ يتكلَّم في الغضب والرضى، فكيف يكون كلامه وفعله حجَّة متَّبعة، فلعلَّ ذلك صادر منه حال غضبه؟ ويدلُّ على ذلك ما رواه مسلم ضمن حديث أنَّه قال: «يا أُمَّ سُلَيم، أمَا تعلمين أنَّ شرطي على ربِّي أنِّي اشترطت على ربِّي فقلت: إنَّما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيَّما أحدٍ دعوت عليه من أُمَّتي بدعوة ليس لها بأهل أنْ تجعلها له طهوراً وزكاةً وقربةً يُقرِّبه بها منه يوم القيامة»(٧٣).
وجوابها: أنَّه قد ثبت في علم الكلام عصمته، فإنَّ الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإنْ كان بشراً إلَّا أنَّ السماء قد سدَّدته، وأيَّدته في أفعاله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٢) أعلام الموقِّعين (ج ٣/ ص ٢١٩).
(٧٣) صحيح مسلم (ج ٨/ ص ٢٧).

↑صفحة ٨٩↑

الخارجيَّة، في كلِّ حياته المباركة قبل البعثة وبعدها. وخير شاهد على سموِّ مقامه الروايات الواردة لنا من طريق العترة الطاهرة (عليهم السلام)، فإنَّها تدلُّ - وبوضوح - على ذلك، وليس بغريب من مثل صاحب الشبهة أنْ يتلفَّظ بمثل هذه الترُّهات والأراجيف، بل ما خفي من مثل هؤلاء أعظم. مضافاً إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤)، فكيف يمكن الجمع بين الآية الكريمة وبين ما رواه مسلم؟ إذ الشخص الذي يسبُّ بغير استحقاق لمجرَّد الغضب لا يكون على خُلُق فضلاً عن أنْ يكون على خُلُق عظيم. وكلُّ رواية وردت مخالفة للنصِّ الصريح لا بدَّ من ضربها عرض الجدار.
الشبهة الثانية: تعارضيَّة المنقول عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
قول أبي بكر: «إنَّكم تُحدِّثون عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدُّ اختلافاً، فلا تُحدِّثوا عن رسول الله شيئاً»(٧٤).
وجوابها: قد ورد عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أحاديث تُصرِّح بلزوم العمل بالسُّنَّة، مع علمه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنَّ الوضَّاعين سيُكثِرون الحديث عليه(٧٥). مضافاً إلى أنَّه قد وردت معالجات في كيفيَّة التغلُّب على ظاهرة الوضَّاعين. أجل من أعرض عن عِدل القرآن يقع بمثل هذه المتاهات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٤) تذكرة الحُفَّاظ (ج ١/ ص ٢ و٣).
(٧٥) قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في خطبة له: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ الْكَذَّابَةُ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه مِنَ النَّارِ».
الكافي (ج ١/ ص ٦٢/ باب اختلاف الحديث/ ح ١).

↑صفحة ٩٠↑

الشبهة الثالثة: مسحوريَّة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
ما رواه البخاري أنَّ بعض اليهود سحروا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، حتَّى ليُخيَّل إليه أنَّه يفعل الشيء وما فعله(٧٦)، فليس كلُّ ما ورد عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واجب الاتِّباع مع مظنَّة أنَّ الصادر ربَّما كان من عمل سحرة اليهود.
وجوابها: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (النجم: ٣ - ٥)، وهكذا قد تعامل الرعيل الأوَّل من الصحابة، على أنَّ قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مصيبٌ للواقع الحتمي، بل لا مجال للسحرة أنْ يُؤثِّروا على نفس رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فعلى فرض قوَّة تأثير السحرة خارجاً، إلَّا أنَّ تأثيرهم إنَّما يكون على أصحاب النفوس الضعيفة لا على الشخص المبارك. ويشهد لذلك قصَّة السحرة مع نبيِّ الله موسى (عليه السلام) الواردة في القرآن، فإنَّهم قد سحروا أعين الناس جميعاً ولم يتمكَّنوا من التأثير على أفعال موسى (عليه السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٦) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سُحِرَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ - وَهُوَ عِنْدِي - دَعَا اَللهَ وَدَعَاهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ، أَنَّ اَللهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اِسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ»، قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ، يَا رَسُولَ اَلله؟ قَالَ: «جَاءَنِي رَجُلَانِ، فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَاَلْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ اَلرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ اَلْأَعْصَمِ اَلْيَهُودِيُّ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ، قَالَ: فِي مَا ذَا؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ»، قَالَ: فَذَهَبَ اَلنَّبِيُّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى اَلْبِئْرِ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا نَخْلٌ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَ: «وَاَلله لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ اَلْحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ اَلشَّيَاطِينِ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَلله، أَفَأَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: «لَا، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِيَ اَللهُ وَشَفَانِي، وَخَشِيتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى اَلنَّاسِ مِنْهُ شَرًّا»، وَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ. صحيح البخاري (ج ٩/ ص ١٤٧/ ح ٥٠٨٢).

↑صفحة ٩١↑

الشبهة الرابعة: مجتهديَّة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
أنَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مجرَّد مجتهد، ولذا يحقُّ للآخر أنْ يأتي باجتهاد يغاير اجتهاد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وليس قوله وحياً تحرم مخالفته، وهي الشبهة المعروفة ببشريَّة القرآن، وقد لبست هذه الشبهة أخيراً لباس ثوب علماني.
وجوابها: أنَّه قد ذُكِرَ في محلِّه أنَّ علم النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإخباراته سماويَّة، وهو معصوم، وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في خطبة حجَّة الوداع: «مَعَاشِرَ اَلنَّاسِ، وَكُلُّ حَلَالٍ دَلَلْتُكُمْ عَلَيْهِ، أَوْ حَرَامٍ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، فَإِنِّي لَمْ أَرْجِعْ عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ أُبَدِّلْ»(٧٧). وقد تقدَّم امتناع أنْ يكون الصادر من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) باجتهاده وحدسه. وهذا الجواب غير مبنيٍّ على لزوم القول بالولاية التشريعيَّة، فسواء ثبتت أم لا، فإنَّه لا شكَّ أنَّه ليس بمجتهد إلَّا على الشاذِّ من قول أبناء العامَّة.
الشبهة الخامسة: آمريَّة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالمحو:
ما نُقِلَ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تكتبوا عنِّي، ومن كتب عنِّي غير القرآن فليمحه»(٧٨).
وجوابها: الحديث موضوع، وخير شاهد على ذلك أنَّه حتَّى المانعين من تدوين السُّنَّة النبويَّة لم يستشهدوا بهذا الحديث، ولو سلَّمنا صحَّته لكان مؤلِّفو الصحاح والسُّنَن والمسانيد قد خالفوا أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومن هنا نرى أنَّ علماء أبناء العامَّة استنكروا صدور هذا الحديث عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو أنَّهم ادَّعوا صدوره واختصاصه بمجالات خاصَّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٧) روضة الواعظين (ص ٩٨)، الاحتجاج (ج ١/ ص ٨١).
(٧٨) صحيح مسلم (ج ٨/ ص ٢٢٩).

↑صفحة ٩٢↑

٤ - كيف نستكشف السُّنَّة النبويَّة الشريفة في معالم المدرستين؟
حفظ الحديث وتدوينه في عهد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عند الفريقين أمر مفروغ عنه، وقد ورد عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الحثُّ على ذلك، فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «اُكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ»(٧٩)، مشيراً في ذلك إلى فيه.
ولكن بعد وفاة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقع الاختلاف، فمنهم من كان يمنع ويصدُّ عن التدوين، واعتبره أمراً غير شرعي، مثل: أبي بكر، وعمر، وابن مسعود(٨٠)، وأبي سعيد الخدري، وغيرهم كزيد بن ثابت وعثمان ومعاوية(٨١)، ومنهم من حثَّ على التدوين، مثل أمير المؤمنين (عليه السلام).
وزخر التدوين في زمن الحسنين والباقرين (عليهم السلام)، وصُنِّفت كُتُب كثيرة بحيث لا يمكن إحصاؤها وإحصاء مؤلِّفيها، ولكن جُمِعَت من بين تلك الكُتُب أربعمائة كتاب لأربعمائة مؤلِّف أو أقلّ، ولـمَّا كانت هذه الأُصول متشتِّتة وبعضها فُقِدَ، فبادر بعض أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) إلى جمع الموجود منها وضبطه في كتابٍ مستقلِّ سمَّاه بالجامع، وهذه الجوامع غير الكُتُب التي ألَّفها أصحاب الأئمَّة (عليهم السلام) إلى زمن الغيبة، وكانت هذه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٩) سُنَن أبي داود (ج ٢/ ص ١٧٦/ ح ٣٦٤٦).
(٨٠) راجع ما رواه الخطيب البغدادي في تقييد العلم (ص ٥٤) بسنده عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه في قضيَّة إبادة الصحيفة.
ونحتمل قويًّا أنَّ ما ورد في هذه الحادثة قد صدر من ابن مسعود تقيَّةً، إذ إنَّ المعروف عنه أنَّه من أنصار رواية الحديث وتدوينه، ولذلك حبسه الثاني مع آخرين لأجل روايته الحديث، كما سيأتي في (ص ٩٥).
(٨١) راجع: تدوين السُّنَّة الشريفة للسيِّد محمّد رضا الجلالي.

↑صفحة ٩٣↑

الجوامع منذ عصر الإمام الرضا (عليه السلام) مرجعاً ومصدراً للشيعة في المسائل الدِّينيَّة والفقهيَّة إلى عصر الكُتُب الأربعة، وهي الأحاديث المستخرجة من الأُصول الأربعمائة، وسائر كُتُب السلف من أصحاب الأئمَّة (عليهم السلام).
ثمّ إنَّ رأي جلِّ علماء الإماميَّة في الكُتُب الأربعة أنَّ أحاديثها تقبل النقد دلالةً وسنداً، وأنَّ بعض الأحاديث صحيح، والباقي موثَّق وحَسَن وضعيف، فتخريج الحديث لا يكون دليلاً على صحَّته، ومجرَّد قبول الحديث لدى مؤلِّفيها لا يوجب حجّيَّتها عند غيرهم.
وأمَّا موقف أهل البيت (عليهم السلام) من السُّنَّة، فبعد الاعتقاد بقداسة السُّنَّة وهي المعبِّرة عن إرادة الله على لسان النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام)، وأنَّ السُّنَّة القطعيَّة - قولهم وفعلهم وتقريرهم - وأنَّها موجودة عندهم (عليهم السلام)، إذ هم عِدل القرآن بمقتضى حديث الثقلين وغيره، فالسُّنَّة النبويَّة تزهو في تراث أهل البيت (عليهم السلام)، كما يشهد له قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «عَلِيٌّ اَلمُحْيِي لِسُنَّتِي، وَمُعَلَّمُ أُمَّتِي، وَاَلْقَائِمُ بِحُجَّتِي»(٨٢)، وقول عليٍّ (عليه السلام): «مَا نُرِيدُ أَحَداً يُعَلِّمُنَا بِالسُّنَّةِ»(٨٣)، وقول عمر لعليٍّ (عليه السلام): (أنت خيرهم فتوًى)(٨٤)، وقول عائشة في عليٍّ (عليه السلام): (عليٌّ أعلم الناس بالسُّنَّة)(٨٥)، وبهذا الاعتبار صارت السُّنَّة قول المعصوم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٢) مناقب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لمحمّد بن سليمان الكوفي (ج ١/ ص ٢٢٥/ ح ١٤٢)، الاحتجاج (ج ١/ ص ١٥٥).
(٨٣) من لا يحضره الفقيه (ج ٢/ ص ٣٣٥ و٣٣٦/ ح ٢٦٠١)، تهذيب الأحكام (ج ٥/ ص ٦٧ و٦٨/ ح ٢١٩/٢٧).
(٨٤) طبقات ابن سعد (ج ٢/ ص ٣٣٩).
(٨٥) التاريخ الكبير (ج ٢/ ص ٢٥٥/ ح ٢٣٧٧).

↑صفحة ٩٤↑

(عليه السلام) وفعله وتقريره، وتوسَّعوا من السُّنَّة النبويَّة إلى ما يعمُّ السُّنَّة المولويَّة أيضاً.
وأمَّا بحث طُرُق ثبوت السُّنَّة عندنا فبالتواتر والآحاد، والبحث عن أقسام التواتر، وشرائط حجّيَّة خبر الآحاد من صحَّة المضمون عقلاً وشرعاً، ووثاقة الرواة، ومناشئ الوثاقة كقول الرجالي الذي يبحث عن حجّيَّته، وأنَّها هل هي من باب كونه من أهل الخبرة، أو من باب شهادة العدلين، أو من باب حجّيَّة خبر الآحاد، وتمييز المراسيل المعتمَدة عن غيرها، وبحث الإجماع، والشهرة، وقول اللغوي، وقول المتخصِّص، والسيرة العقلائيَّة، وسيرة المتشرِّعة، والعرف، وتنقيح المناط، وغيرها من السُّبُل الكاشفة عن السُّنَّة، وهكذا مباحث التعادل والتراجيح.
فهذه البحوث رغم كونها مهمَّة إلَّا أنَّها تحتاج إلى رسالة مستقلَّة، والحديث عنها هنا خروج عن الغرض.
أمَّا تدوين الحديث عند أبناء العامَّة:
ففي السنوات الثلاث من خلافة أبي بكر اهتمَّ المسلمون الذين ساروا على نهج أبي بكر بتلاوة القرآن فقط، واكتفوا بها دون مراجعة التفسير والبيان، وتركوا نقل الحديث وكتابته. وهكذا في السنوات العشر من عهد الثاني، فهو لم يكتفِ بمنع نقل الحديث وتدوينه، بل استعمل العنف في ذلك، فحبس ثلاثة من الصحابة: ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاري. واستمرَّ الحال في عهد عثمان، فنفى أبا ذرٍّ الغفاري إلى الشام، ثمّ الربذة لنقله للحديث وغيره من المواقف، وضرب عبد الله بن مسعود في

↑صفحة ٩٥↑

وسط المسجد حتَّى كسر أضلعه، وضرب عمَّار بن ياسر، بل صرَّح عثمان فقال: لا يحلُّ لأحدٍ يروي حديثاً لم يُسمَع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر، فإنَّه لم يمنعني أنْ أُحدِّث عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) ألَّا أكون من أوعى أصحابه عنه، إلَّا إنِّي سمعته (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يقول: «من قال عليَّ ما لم أقل فقد تبوَّأ مقعده من النار»(٨٦).
وأمَّا معاوية، فقد عبَّأ الوضَّاعين في عهده، وأكرم كلَّ من يروي حديثاً في فضائل عثمان، وحثَّهم على جعل الحديث، ونقل الأكاذيب. واستمرَّ الحال إلى النصف الثاني من القرن الثاني الهجري حيث أدرك محدِّثو العامَّة أخطاء سلفهم وشطحاتهم لمنعهم الحديث وتدوينه، فبدأ علم الحديث يتحرَّك، فظهرت كُتُب كثيرة تحمل اسم الصحاح والمسانيد والمستخرجات، وكان الهدف جمع الحديث من دون تبويب، وبلا فرق بين الصحيح وغيره حتَّى جاء عصر البخاري (٢٥٦هـ)، وتلميذه مسلم النيسابوري (٢٦١هـ)، ومحمّد بن يزيد القزويني المعروف بابن ماجة (٢٧٣هـ)، وأبي داود السجستاني (٢٧٥هـ)، والترمذي (٢٧٩هـ)، والنسائي (٣٠٣هـ).
وهؤلاء المؤلِّفون من خلال كُتُبهم الستَّة تَشكَّل الركن الأصلي لجوامع الحديث عند أبناء العامَّة، وعُرِفَت بالصحاح الستَّة، أو الصحيحين والسُّنَن، وبعد ذلك أُلِّفت المسانيد والمستدركات والمستخرجات.
أمَّا رأي أبناء العامَّة - إلَّا البعض كالشيخ الألباني - في مسانيد السُّنَّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٦) طبقات ابن سعد (ج ٢/ ص ٣٣٦ و٣٣٧).

↑صفحة ٩٦↑

النبويَّة، فقد اعتبروا الصحاح لاسيّما الصحيحين أصحّ الكُتُب وأتقنها بعد القرآن، وجعلوا عليهما مدار العقائد والأحكام، فحكموا بقطعيَّة صدورهما وصحَّة صدور ما احتوتهما من الأحاديث، ولذا قال فضل بن روزبهان: (لو أنَّ أحداً حلف يميناً بأنَّ كلَّ ما ورد في الصحاح الستَّة من الأحاديث فهو صحيح وهو قول رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم)، لكان يمينه صحيحاً، ولا عليه الحنث)(٨٧).
وعليه يتَّضح الفارق بين كُتُب الحديث عند الشيعة، وبينها عند أبناء العامَّة، فقد وقف علماء الشيعة من الكُتُب الأربعة - مع أنَّها وردت من طُرُقهم - موقفاً بعيداً عن المغالاة والإسراف، فهم قد اغتنموا حسنات الكُتُب الأربعة، ولم يتجاهلوا ما فيها من خلل ونقص، إذ لا يخلو منهما كتاب مهما اتُّخِذَت الحيطة فيه، بخلاف رأي أبناء العامَّة في الصحاح الستَّة كما تقدَّم.
وبهذا يتَّضح الفرق في النقد العلمي بين المنهجين، من ذكر الروايات المخالفة للضرورة الفطريَّة أو العقليَّة أو الشرعيَّة.
فإنَّ مثل هذا الإشكال تامٌّ على الصحاح الستَّة أو الصحيحين، لأنَّهم يدَّعون العصمة لها بخلاف الشيعة، فإنَّ وجود هذه الروايات الشاذَّة والمخالفة لا يضرُّ في أصل الكتاب، وإنْ تمسَّك به بعض من لا خبرة له في الحديث.
٥ - ظاهرة الاجتهاد في فاعليَّة السُّنَّة وديمومتها:
المجتمع الإنساني أو الإنسان بشكل عامٍّ بحاجة إلى سدِّ عطشه الفكري، وتهيئة سُبُل استقراره النفسي، وإيجاد نظام اجتماعي، باعتباره مدنيٌّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٧) اُنظر: أضواء على الصحيحين (ص ٧٣).

↑صفحة ٩٧↑

بالطبع، ولم يتركه الخالق إلَّا وأوجد له العقل، والفطرة، والوجدان، وبعث الأنبياء (عليهم السلام)، إذ لا قدرة للعقل مستقلًّا في تسيير حياته بعدما ثبت ضعفه عن مقاومة الشهوات والرغبات التي قد تُؤثِّر في تشخيصه وتشريعه، وبما أنَّ التشريع يعيش البُعد المتغيِّر، بمقتضى التطوُّر والتغيُّر الاجتماعي، فاحتاج إلى فتح باب الاجتهاد للنظر والمواكبة والرقي. ونعني بالاجتهاد عند الشيعة هو الاجتهاد في النصِّ الدِّيني لا في رأي أئمَّتهم (عليهم السلام)، لأنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) كانوا امتداداً للنبوَّة، فهم (عليهم السلام) عالمون بها بلا اجتهاد، وهذا ما تقتضيه الإمامة.
وقد مرَّ الاجتهاد عندنا حتَّى عصر الغيبة بأدوار:
١ - من بعد وفاة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى بداية حياة الصادقَين (عليهما السلام)، أي انتهاء القرن الأوَّل.
٢ - من بداية حياة الصادقَين (عليهما السلام) حتَّى نهاية الغيبة الصغرى.
٣ - من بداية الغيبة الكبرى إلى يومنا هذا.
أمَّا الدور الأوَّل: فإنَّ مصدر المعرفة كان الكتاب والسُّنَّة، ويُراد بالسُّنَّة قول المعصوم (عليه السلام) وفعله وتقريره، وقد رفض الأئمَّة (عليهم السلام) مبدأ القياس والاستحسان، وأمَّا الإجماع فلا يُعَدُّ عندنا مصدراً للتشريع، إلَّا إذا كان كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام)، خلافاً لأبناء العامَّة حيث يعتبرونه مصدراً مستقلًّا، حتَّى قال الشيخ الأعظم (قدس سره): (هم الأصل له، وهو الأصل لهم)(٨٨)، بمعنى أنَّ مشروعيَّة خلافة الأوَّل تمَّت عن طريق الإجماع،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٨) فرائد الأُصول (ج ١/ ص ١٨٤).

↑صفحة ٩٩↑

بقطع النظر عن إجماع أهل السقيفة، أو أهل المدينة، أو غيرهم، وبقطع النظر عن الاضطراب الذي مُنِيَت به فرقة أبناء العامَّة في تعيين الإمامة من إجماع كما للأوَّل، أو نصٍّ كما للثاني، أو شورى كما للثالث. ومن المعلوم أنَّ حجّيَّة الإجماع عندهم لا مدرك لها إلَّا عمل المجمعين في تنصيب خليفتهم.
ولكن للعلماء مناقشات كثيرة حول هذا الإجماع تُذكر في مظانِّها.
وعليه، فالاجتهاد عندنا هو الأخذ بظواهر الكتاب والسُّنَّة، ولم يتَّسع الاجتهاد في هذه الفترة ذلك الاتِّساع، بحيث تُدوَّن قوانين وأُصول يُعتمَد عليها في المعرفة، بل كانوا يرجعون فيما يحدث لهم من المشاكل إلى الأئمَّة (عليهم السلام)، ومن خلال رصد حركة الأئمَّة العلميَّة نرى أنَّهم (عليهم السلام) لم يعتمدوا على الإجماع أو القياس، لا على صعيد العمل ولا القول.
أمَّا الدور الثاني: الذي يبدأ من أوائل القرن الثاني حتَّى أواخر القرن الثالث، فعمليَّة الاجتهاد والنظر في الأدلَّة رائجة أو راجحة، بل قد صدر الحثُّ عن الأئمَّة (عليهم السلام) على تنشيط عمليَّة الاجتهاد بالمعنى الذي رسمه أهل البيت (عليهم السلام)، فقد أمر الإمام الباقر (عليه السلام) أبان بن تغلب أنْ يجلس في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويُفتي الناس، حيث قال (عليه السلام) له: «اِجْلِسْ فِي مَسْجِدِ اَلمَدِينَةِ وَأَفْتِ اَلنَّاسَ، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يُرَى فِي شِيعَتِي مِثْلُكَ»(٨٩).
وأهمُّ شاخص لهذا الدور هو وضع نواة القواعد العامَّة للتعامل مع النصِّ الدِّيني، ممَّا جعلت المذهب الشيعي يتميَّز عن غيره بمناهجه وقواعده، فتهيَّأت له سُبُل الدوام والمواكبة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٩) رجال النجاشي (ص ١٠/ الرقم ٧)، الفهرست (ص ٥٧/ الرقم ٦١/١).

↑صفحة ٩٩↑

أمَّا الدور الثالث: الذي يبدأ ببداية الغيبة الكبرى، فأهمُّ خصائص هذا الدور هو غياب الأئمَّة (عليهم السلام)، وإيكال حلِّ المشاكل إلى العلماء الفقهاء بأمر منه (عجَّل الله فرجه)، فكان العلماء هم المرجع الوحيد لحلِّ المشاكل التي تواجه الناس في جميع الصُّعُد، نعم تطفَّل البعض على هذا المنصب الحسَّاس، ولا غرابة في ذلك بعدما تطفَّل المنافقون على منصب الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والعترة (عليهم السلام).
وقد مرَّ هذا الدور بأطوار من ضبط الروايات، وجمعها، وتبويبها، وضبط قواعد الأُصول، وتحديد المحكمات وتمييزها عن المتشابهات، وتأسيس المناهج والسُّبُل المعرفيَّة، وتأسيس بعض العلوم كالدراية، وبيان تأثير بعض العلوم كالأُصول على البعض الآخر كالعلوم النقليَّة، وتمييز العلوم، وفتح آفاق الفروع التخصُّصيَّة.
وعليه، فلم يمرُّ المذهب على طول الخطِّ بمرحلة انسداد لباب الاجتهاد والتحقيق، ومن هنا نشأت عندنا روح النقد العلمي وفق المعيار المرسوم والموزون، ولا زالت الحركة العلميَّة سائرة قدماً بعجلتها لتمحيص التراث، وتأصيله، وتجديده، فانتعش الحديث في الجهة الصدوريَّة والدلاليَّة والجهتيَّة، والتفريعيَّة على الأُصول، وعلاج الأخبار المتعارضة، فكان الاجتهاد نبعاً متدفِّقاً فيَّاضاً بالخير، ويمدُّ الثقافة الإسلاميَّة بالأفكار المتجدِّدة، والنظريَّات العلميَّة الرائدة التي أسهمت - ولا ريب - في إغناء حضارة الإسلام، وإثراء ثقافته.
وهذا لا يعني عصمة الاجتهاد، فنرى أنَّ علماءَنا ليسوا في مأمن من الخطأ، ومن هنا نُعتنا بالمخطِّئة، في قبال الآخر الذي نُعِتَ بالمصوِّبة، وقد

↑صفحة ١٠٠↑

حطَّم الشيعة عقدة القداسة لغير الرسول والأئمَّة (عليهم السلام)، فبقي المجتمع الشيعي يتجدَّد، ويتطوَّر، وينبض بالحياة. وإنَّ لعاملَي الزمان والمكان أثرهما الفعَّال للسير التكاملي، وهذه المزيَّة غير حاضرة بوضوح في المذاهب الأُخرى.
فعن (معاني الأخبار) بسنده عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «أَنْتُمْ أَفْقَهُ اَلنَّاسَ إِذَا عَرَفْتُمْ مَعَانِيَ كَلَامِنَا، إِنَّ اَلْكَلِمَةَ لَتَنْصَرِفُ عَلَى وُجُوهٍ، فَلَوْ شَاءَ إِنْسَانٌ لَصَرَفَ كَلَامَهُ كَيْفَ شَاءَ وَلَا يَكْذِبُ»(٩٠).
وعمليَّة نقد الحديث ليست سهلة، ومتاحة لكلِّ من يراجع كُتُب الحديث والرجال ونحوهما، وإنَّما هي بحاجة إلى ملكة الاجتهاد في الفنِّ، واستيعاب قواعد النقد المتينة.
٦ - أُطروحة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في الروايات:
هناك جملة من الشكوك والشبهات سُجِّلَتْ في أُطروحة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وفق المنهج المعرفي لأبناء العامَّة.
الشبهة الأُولى: الميزان في قبول الحديث وروده في الصحيحين فقط:
أنَّ البخاري ومسلم لم يُثبِتا ولا حديثاً واحداً من الأحاديث التي تُبشِّر بظهور المهدي (عجَّل الله فرجه)، فلو كانت قضيَّة المهدي مستفادة من السُّنَّة لنُقِلَت لنا في الصحيحين(٩١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٠) معاني الأخبار (ص ١/ الباب الذي من أجله سمَّينا هذا كتاب معاني الأخبار/ ح ١).
(٩١) كما عن ابن خلدون، راجع: المهدي والمهدويَّة لأحمد أمين، والإمام الصادق لأبي هريرة.

↑صفحة ١٠١↑

ويُجاب عنها:
١ - أنَّه لم تثبت عصمة البخاري ومسلم حتَّى ندَّعي لزوم الاستيعاب لكلِّ أمر، بل هما قد صرَّحا بعدم الاستيعاب(٩٢)، لذلك فقد استدرك عليهما البعض كما في (المستدرك على الصحيحين). هذا مضافاً إلى أنَّ البخاري قد ذكر أحاديث عن المهدي (عجَّل الله فرجه) في تاريخه.
٢ - منع الصغرى، فإنَّا لا نُسلِّم عدم نقلهما لروايات التبشير بالمهدي (عجَّل الله فرجه)، بل روى البخاري: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟»(٩٣)، بناءً على استظهار أنَّ المراد بكون الإمام منهم هو الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من السُّنَن والمسانيد الأُخرى. وأيضاً ما رواه مسلم: «يكون في آخر أُمَّتي خليفة يحثو المال حثياً لا يعدُّه عدًّا»(٩٤).
٣ - لا نرضى أنَّ الميزان هو البخاري ومسلم حصراً، وقد نُقِلَ حديث المهدي في سُنَن أبي داود وابن ماجة والترمذي والمستدرك على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٢) قال النووي في شرحه لصحيح مسلم (ج ١/ ص ٢٤): (وصنَّف الدارقطني وأبو ذرٍّ الهروي في هذا النوع الذي ألزموهما، وهذا الإلزام ليس بلازم في الحقيقة، فإنَّهما لم يلتزما استيعاب الصحيح، بل صحَّ عنهما تصريحهما بأنَّهما لم يستوعباه، وإنَّما قصدا جمع جُمَل من الصحيح كما يقصد المصنِّف في الفقه جمع جملة من مسائله لا أنَّه يحصر جميع مسائله)، بل قال ابن حجر في مقدَّمة فتح الباري (ص ٥): إنَّ أبا عليٍّ الغساني روى عن البخاري أنَّه قال: خرَّجت الصحيح من ستّمائة ألف حديث. وروى عنه الإسماعيلي أنَّه قال: لم أُخرِّج في هذا الكتاب إلَّا صحيحاً، وما تركت من الصحيح أكثر. فالبخاري لم يحكم بضعف كلِّ حديث لم يروه، بل ما حكم عليه بالصحَّة يزيد على مجموع ما أخرجه عشرات المرَّات.
(٩٣) صحيح البخاري (ج ٥/ ص ٤٠١/ ح ٣٠٨٧).
(٩٤) صحيح مسلم (ج ٨/ ص ١٨٥).

↑صفحة ١٠٢↑

الصحيحين، بل لا يُعرَف عن عالم من أبناء العامَّة بتضعيف كلِّ ما لم يروه الشيخان، بل سيرتهم تدلُّ على العكس، ومن مراجعة تعريفهم للحديث الصحيح لا تجده مشروطاً بروايته في الصحيحين أو أحدهما، وكذلك الحال في تعريفهم للخبر المتواتر، بل حتَّى لو اتَّفق البخاري ومسلم على عدم رواية خبر متواتر فلا يقدح ذلك الاتِّفاق بتواتره عند أبناء العامَّة.
الشبهة الثانية: مدسوسيَّة الروايات:
أنَّ أحاديث المهدي أحاديث مدسوسة وموضوعة، فعن محمّد محي الدِّين عبد الحميد، قال في آخر جزء (العرف الوردي في أخبار المهدي) في تعليقه: (يرى بعض الباحثين أنَّ كلَّ ما ورد عن المهدي وعن الدجَّال من الإسرائيليَّات)(٩٥).
وجوابها: كيف يمكن دعوى الوضع مع أنَّها مسجَّلة في الصحاح التي اعتبروا كلَّ ما فيها صحيحاً على ما تقدَّم، فقد صحَّح روايات المهدي الترمذي والذهبي وابن كثير والنيسابوري والتفتازاني والسيوطي والهيثمي، بل حكم بعضهم بالتواتر كالشوكاني(٩٦).
الشبهة الثالثة: ضعف الروايات:
أنَّ أحاديث المهدي روايات ضعيفة، كما عن ابن خلدون ومن تبعه كأحمد أمين وأبي زهرة ومحمّد فريد وجدي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٥) راجع: العرف الوردي (ص ٢٨).
(٩٦) راجع: مقال عقيدة أهل السُّنَّة والأثر لعبد المحسن العبَّاد في مجلَّة رسالة الثقلين (العدد ٢٥/ ص ١٦٨).

↑صفحة ١٠٣↑

ويُجاب عنها:
١ - أنَّه مع وجود دعوى التواتر - ولو إجمالاً - لا يضرُّ فرض الضعف، قال القنوجي في (الإذاعة): (لا شكَّ في أنَّ المهدي يخرج في آخر الزمان من غير تعيين لشهر وعام، لما تواتر من الأخبار في الباب، واتَّفق عليه جمهور الأُمَّة سلفاً عن خلف إلَّا من لا يُعْتَدُّ بخلافه)، وقال: (إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة إلى حدِّ التواتر)(٩٧).
٢ - أنَّ نفس صاحب الشبهة - وهو ابن خلدون - قال: (وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلَّا القليل)(٩٨)، وهو اعتراف بعدم النقد للبعض منها، فما الذريعة عندهم لعدم الأخذ بالسالم من النقد، بعد اعترافه بذلك؟!
٣ - لو سلَّمنا قبول ابن خلدون في التضعيف والتصحيح، فإنَّا نقول: إنَّه صحَّح أربعة أحاديث من مجموع ثلاثة وعشرين رواية ذكرها في المهدي (عجَّل الله فرجه).
٤ - قد ثبت أنَّ ابن خلدون مجرَّد عالم اجتماع، وليس من أهل الاختصاص في علمَيْ الجرح والتعديل، وقد فنَّد رأيه كُبَّار علماء أهل السُّنَّة.
٥ - هناك عشرات الروايات الأُخرى الدالَّة إمَّا مباشرةً أو بالالتزام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٧) الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة (ص ١٨٢ و١٨٣).
(٩٨) تاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٣٢٢).

↑صفحة ١٠٤↑

على الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في كُتُب الفريقين لم يتعرَّض لها ابن خلدون في الذِّكر.
الشبهة الرابعة: المهدويَّة فكرة شيعيَّة:
أنَّ فكرة المهدي موجودة في فكر الشيعة فقط، دون غيره من المذاهب الأُخرى، فعن عبد الرحمن محمّد عثمان في تعليقه على كتاب (تحفة الأحوذي) في باب (ما جاء في الخلفاء): (يرى الكثير من العلماء الثقات الأثبات أنَّ ما ورد في أحاديث خاصَّة بالمهدي ليست إلَّا من وضع الباطنيَّة والشيعة وأضرابهم، وأنَّه لا تصحُّ نسبتها إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم))(٩٩).
وجوابها: أنَّ أحاديث المهدي ليست مختصَّة بالشيعة، فالمذكور عندهم لا يقلُّ عمَّا هو المذكور عند الشيعة، فقد ألَّف الكثير من أعلام أهل السُّنَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، مثل: كمال الدِّين محمّد بن طلحة الشافعي، ومحمّد بن يوسف الكنجي الشافعي، ونور الدِّين ابن صبَّاغ المالكي، وسبط ابن الجوزي، ومحي الدِّين بن العربي، وعبد الرحمن جامي، وعبد الوهَّاب الشعراني، والسيِّد جمال الدِّين النيسابوري، والحافظ محمّد بن محمّد البخاري، والعارف عبد الرحمن الصوفي، والشيخ حسن العراقي، وأحمد ابن إبراهيم البلاذري، وعبد الله بن أحمد الخشَّاب، والفضل بن روزبهان، وشمس الدِّين محمّد بن طولون الحنفي، وأحمد بن يوسف القرماني، وسليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي، وأحمد بن حجر الهيتمي المكِّي الشافعي، وسعد الدِّين الحموي، وأبو المجد الدهلوي البخاري، وصلاح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٩) راجع: العرف الوردي (ص ٢٣ و٢٤).

↑صفحة ١٠٥↑

الدِّين الصفدي، وعليّ أكبر بن أسد الله المؤدي، وجلال الدِّين السيوطي، وابن سعد صاحب (الطبقات الكبرى)، وابن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، وابن ماجة، وأبي داود، والبيهقي، وابن عساكر، وابن منظور، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم كثيراً.
الشبهة الخامسة: المهدويَّة قضيَّة غيبيَّة مشكوك فيها:
أنَّه لا شبهة ولا ريب في وجود الشكِّ وعدم العلم بقضيَّة المهدي، ولـمَّا كانت قضيَّة غيبيَّة فلا مجال لقبولها.
وجوابها من وجهين:
١ - وهو جواب نقضي: فإنَّ قضيَّة المعاد قضيَّة غيبيَّة أيضاً، وفي تفاصيلها شكٌّ، ولكن ذلك لا يضرُّ باليقين بوجود أصل المعاد، فكذلك قضيَّة المهدي.
٢ - وهو جواب حلِّي: إنَّا لو سلَّمنا بوجود الشكِّ في قضيَّة المهدي، فإنَّه شكٌّ في التفاصيل والجزئيَّات لا في أصل ثبوتها، أي وجود إمام باسم المهدي يخرج آخر الزمان، فإنَّ هذا محلُّ اتِّفاق، وإجماع، وضرورة إسلاميَّة، بل ضرورة دينيَّة في أصل وجود المنقذ.
الشبهة السادسة: المهدي فكرة مختلَقة:
إنَّا نتوقَّف في قبول روايات المهدي، لأنَّ فكرة المهدي استُغِلَّت من قِبَل أهل الدنيا، والخلفاء، وسلاطين الجور، فربَّما هذه الروايات اختُلِقَت من قِبَل هؤلاء، لتمرير وتمشية حكمهم على الناس.
أقول: هذه الشبهة روحاً نظير ما قيل: إنَّ الدِّين أفيون الشعوب، فما يُذكر من الجواب هناك جارٍ هنا، هذا هو الجواب الإجمالي.

↑صفحة ١٠٦↑

وجوابه تفصيلاً نقضاً وحلًّا:
أمَّا الأوَّل: فلو تمَّت مثل هذه الشبهة، فينبغي التوقُّف أيضاً في أمر النبوَّة، فإنَّها استُغِلَّت من قِبَل الطوائف المتقدِّمة أيضاً.
وأمَّا الثاني: فإنَّ مجرَّد التسليم بوجود استغلال وإساءة لمثل قضيَّة الإمام المهدي لا يستدعي التوقُّف في القضيَّة المهدويَّة، فكم له من نظير، إذ ما من علم إلَّا وقد استُغِلَّ في مآرب غير صحيحة، فهل يعني ذلك التوقُّف فيه؟ وخير شاهد على ذلك علم الطبِّ مثلاً.
الشبهة السابعة: روايات المهدي تصطدم مع العقل:
أنَّ مجموعة من الروايات المنقولة في شأن المهدي غير معقولة.
وجوابها:
إنْ كان المقصود مجرَّد التعارض بين روايات المهدي وبين ضروريَّات العقل القطعي، فجوابه: أنَّ هذا وإنْ أوجب تضعيف الروايات لكن أنَّى ذلك؟ فلا نعهد وجود مورد يدلُّ على التنافي الصريح. على أنَّه لو سُلِّم ذلك فهو في التفاصيل النادرة التي لا يضرُّ إنكارها في فكرة المهدي على مذهبنا.
وإنْ كان المقصود تنافي الروايات مع العقل الحسِّي، إذ إنَّ قضيَّة الإمام المهدي لا يأنسها العقل الحسِّي، بل يستوحشها، فجوابه: أنَّه كم من مورد يكون منافياً مع العقل الحسِّي، ولا يوجب ذلك رفضه، وعدم الاعتقاد به، إذ كيف للعقل الحسِّي أنْ يُدرك أُموراً لا مسرح له في خوضها واقتحامها، فإنَّ شأنه الخوض في الأُمور المادّيَّة الصرفة، وفي دائرة العلوم الطبيعيَّة. ثمّ إنَّ العقل الظنِّي - على التحقيق عندنا - ليس بحجَّة في حدِّ نفسه، فأنَّى له

↑صفحة ١٠٧↑

أنْ يقاوم الروايات الصحيحة السند التي ثبتت حجّيَّتها على وفق المعايير الرجاليَّة المذكورة في محلِّها؟!
الشبهة الثامنة: روايات المهدي تصطدم مع القاعدة الاجتماعيَّة:
روايات الإمام تتنافى مع القاعدة الاجتماعيَّة التي أسَّسها ابن خلدون بقوله: (والحقُّ الذي ينبغي أنْ يتقرَّر لديك أنَّه لا تتمُّ دعوة من الدِّين والمُلك إلَّا بوجود شوكة عصبيَّة تظهره وتدافع عنه من يدفعه حتَّى يتمَّ أمر الله فيه...، وعصبيَّة الفاطميِّين، بل وقريش أجمع قد تلاشت من جميع الآفاق، ووُجِدَ أُمَم آخرون قد استعلت عصبيَّتهم على عصبيَّة قريش، إلَّا ما بقي بالحجاز في مكَّة وينبع بالمدينة من الطالبيِّين من بني حسن وبني حسين وبني جعفر، وهم منتشرون في تلك البلاد، وغالبون عليها، وهم عصائب بدويَّة متفرَّقون في مواطنهم وإماراتهم وآرائهم...)(١٠٠).
وجوابها:
أوَّلاً: أنَّ تطفُّل عالِم التاريخ على غير تخصُّصه فيحكم بضعف الرواية في غاية القبح، وأقبح منه قبول قول المتطفِّل.
ثانياً: أنَّ هذه النظريَّة في نفسها تحتاج إلى دليل لإثباتها قبل اعتمادها في إبطال غيرها.
ثالثاً: وتحتاج أيضاً إلى دليل لإثبات عموميَّتها.
رابعاً: هل تصلح هذه النظريَّة في توجيه حركة الأنبياء والرُّسُل؟
خامساً: أنَّها تتنافى مع حكم الإسلام البديهي بقبح التعصُّب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٠) تاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٣٢٧).

↑صفحة ١٠٨↑

الشبهة التاسعة: اختلاف الشيعة أمارة النفي:
اختلاف الفِرَق الشيعيَّة في أمر المهدي، لتفرُّق الشيعة بعد الإمام الحادي عشر، إذ إنَّهم حدَّثوا بلابدّيَّة الحجَّة في الأرض، وبما أنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) ليس له خلف، فاضطرُّوا إلى القول بالإمام الغائب.
وجوابها: أنَّ مجرَّد الخلاف لا يستلزم البطلان، وإلَّا لما سلم دين على وجه الأرض. وأيضاً قد أخبر النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن افتراق أُمَّته بعده إلى ثلاث وسبعين فرقة(١٠١). هذا مضافاً إلى أنَّه لم تختلف الأُمَّة الشيعيَّة بشكلها العامِّ عن قضيَّة الغيبة بعدما كانت الروايات قد مهَّدت لظاهرة الغيبة ابتداءً من عصر النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وانتهاءً بعصر العسكري (عليه السلام).
الشبهة العاشرة: فكرة المهدي موروثة من الأديان المنحرفة:
أنَّ الغيبة فكرة مشتركة بين اليهود، والنصارى، والمجوسيَّة، فهي دخيلة على الإسلام روَّج لها الشيعة، فروايات المهدي إسرائيليَّات دُسَّت في التراث الشيعي.
وجوابها: أنَّ وجود فكرةٍ واعتقادٍ مشترك بين الأديان السماويَّة أمر لا يمكن إنكاره، ومجرَّد الاشتراك لا يستدعي التضعيف وكونها مدسوسة وموضوعة، بل يلزم التأصيل، لاشتراك الأديان بها.
الشبهة الحادية عشرة: شبهة الولادة:
أنَّا نُسلِّم بفكرة المهدي، ولكن نُشكِّك في ولادته، وبالتالي فهو غير موجود الآن ولو بضمِّ بعض الأُصول كأصالة العدم واستصحابه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠١) كفاية الأثر (ص ١٥٥)، سُنَن ابن ماجة (ج ٢/ ص ١٣٢٢/ ح ٣٩٩٢).

↑صفحة ١٠٩↑

ويمكن الجواب عنها بما يلي:
أوَّلاً: أنَّ إثبات أمرٍ أو نفيه في الوقوع إنَّما يكون ويُقبَل ممَّن كان أقربَ منه شأناً، فهو أعرف بخصائص ودقائق ذلك الشيء، لأنَّه ممَّا يهمُّه ويخصُّه. وعليه فلا يُقبَل الإثبات والنفي ممَّا كان المثبِت أو النافي بعيداً منه شأناً، وإلَّا فهل يقبل المستشكل أنْ نُثبِت له اعتقاداً ما ليس عنده أو ننفيه؟
ثانياً: لو تنزَّلنا عن الجواب الأوَّل، فإنَّ هناك الكثير ممَّن اعترف بولادته، كمحمّد بن طلحة الشافعي في (مطالب السؤول)(١٠٢)، وابن خلِّكان(١٠٣)، وصاحب (الفصول المهمَّة)(١٠٤)، بل لم يحتو نصٌّ في ظرفه وما قاربه على عدم ثبوت الولادة.
ثالثاً: يمكن القول: إنَّ بحث الظلمة عنه (عجَّل الله فرجه) دليلٌ على اعترافهم بولادته، فإنَّهم وإنْ لم يجدوه لكن نفس البحث ربَّما يكون دليلاً على الولادة ومظنَّتها، وإلَّا فلو كان عندهم وضوح بعدم الولادة لكان فعلهم سفهيًّا، ولا نريد بهذا الجواب أنْ نقول: إنَّ البحث أمارة الولادة كما هو واضح، وإنَّما نريد دعوى عدم الوضوح في نفي الولادة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٢) قال في كتابه مطالب السؤول (ص ٤٧٩ و٤٨٠): (الباب الثاني عشر: في أبي القاسم (عليه السلام)...، فأمَّا مولده فبسُرَّ من رأى في ثالث وعشرين رمضان سنة ثمان وخمسين ومائتين للهجرة).
(١٠٣) قال في كتابه وفيات الأعيان (ج ٢/ ص ٩٤/ الرقم ١٦٩): (أبو محمّد العسكري...، وهو والد المنتظَر صاحب السرداب).
(١٠٤) قال في كتابه الفصول المهمَّة (ج ٢/ ص ١٠٩٥): (الفصل الثاني عشر: في ذكر أبي القاسم محمّد الحجَّة الخلف الصالح ابن أبي محمّد الحسن الخالص (عليه السلام)، وهو الإمام الثاني عشر، وتاريخ ولادته، ودلائل إمامته).

↑صفحة ١١٠↑

الشبهة الثانية عشرة: لا فائدة من الإمام الغائب:
ما هي فائدة الإمام الغائب؟ علماً أنَّه لا بدَّ من فرض فائدة لتنصيب الإمام، فقد اعترفت الشيعة بعدم إمكان تسيير الأُمور للأُمَّة الإسلاميَّة بعد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلَّا بالإمام، فغيبته تنافي ذلك.
وجوابها: بعد أنْ قام البرهان على وجوده (عجَّل الله فرجه) فلا مجال للاستفسار عن تصرُّفاته، فعدم إدراك الفائدة لا يُسوِّغ تضعيف الآثار، ومن ثَمَّ نفي الوجود. مضافاً إلى تأثيره التكويني، وأثره الغيبي غير المحسوس، فإنَّ معتقَد الشيعة بلابدّيَّة الإمام ولو لأجل الحفاظ على الأثر التكويني. ناهيك عن ترتُّب جملة من الآثار المحسوسة الثابتة بناءً على قاعدة اللطف.
وعلى ذلك:
فإنَّ العقيدة بالمهدي ثابتة بالتواتر، ويجب التسليم بها، لأنَّها من الغيب، أو من جهة أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد أخبر عنها، ولا بدَّ من الإيمان بإخبار النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
الشبهة الثالثة عشرة: الفكرة ومنشأها عوامل نفسيَّة:
فكرة الغيبة وليدة دفع الكبت النفسي الذي يعايشه الشيعة بسبب اضطهادهم من الحكومات الظالمة.
وجوابها: أنَّ نظير هذا الكلام قيل في توجيه الاعتقاد بالله تعالى، إذ قالوا: إنَّ نكتة الاعتقاد به أمر نفسي، كما ادَّعاه (فرويد). مضافاً إلى أنَّ أدنى مراجعة لمفردات المنظومة المهدويَّة ولثقافتها تردُّ هذه الشبهة. ثمّ ما هو الدليل على أصل مدَّعاهم؟ إذ يمكن أنْ يقال: إنَّ أصل مدَّعاهم هو التأثُّر النفسي ضدَّ المذهب الشيعي واتِّساع حركته وزيادة قبوله.

↑صفحة ١١١↑

الشبهة الرابعة عشرة: غيبة اللطف:
الإمام لطفٌ، بمعنى المقرِّبيَّة لله تعالى، فكيف تجوز غيبة اللطف؟ إذ شأنه لا بدَّ أنْ يكون ظاهراً، فلا يجتمع اللطف مع الغيبة.
وجوابها: أنَّ الشيعة لا تقول: إنَّ الإمام معطَّل، والذي ينافي اللطف التعطيل لا الغيبة، وفرق بينهما، وقد دلَّت الآثار على أنَّ الإمام ليس بمعطَّل، وإنَّما غائب لا تُدركه النفوس الضيِّقة، كما شُبِّه بعدم إدراك البصر للشمس عندما تحجبها الغيوم والسحاب، فهل يعني أنَّنا نتنازل عن فائدتها أثناء الحجب؟ مضافاً إلى أنَّ نفي اللطف يكون قبيحاً ومنافياً إذا كان من الله تعالى، أمَّا إذا كان بسبب العباد فالتقصير منهم، وإليهم يعود القبح.
الشبهة الخامسة عشرة: المهدي سيُولَد بعد ذلك:
التسليم بفكرة المهدي إلَّا أنَّه سيُولَد بعد ذلك، كما هو رأي العامَّة الذين استندوا لبعض الروايات من أنَّه سيُولَد آخر الزمان.
وجوابها: أنَّ وجود هذا الكمِّ الهائل من الروايات عندهم، مع عدم تعرُّضها إلى لفظة (سيُولَد)، وإنَّما عبَّرت (يظهر) في آخر الزمان، ومن الواضح أنَّ الظهور صفة يسبقها الخفاء، فمن هنا جاء التأكيد على كلمة (الظهور) في كلام المعصومين (عليهم السلام)، للتدليل على أنَّ من صفات الموعود هو الغيبة، بدلالة (الظهور) في تعابيرهم.
الشبهة السادسة عشرة: فكرة الغيبة تنافي أحكاماً فقهيَّة:
الغيبة تنافي الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والاهتمام بأُمور المسلمين.

↑صفحة ١١٢↑

وجوابها: أنَّ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروطاً، ومن الشروط أنْ يستعين الآمر بالأسباب الطبيعيَّة المعهودة، وآمريَّة الإمام تستدعي أنْ يدخل في سياق الأمر الظهوري، فإنَّ للشريعة ظاهراً وباطناً، وقد ذُكِرَ في فقه التزاحم تقديم الأهمّ، فأهمّيَّة خفائه تتقدَّم على آمريَّة الأمر بالمعروف. بل يأتي هذا الإشكال في حقِّ الخضر ونحوه. مضافاً إلى أنَّه يمكن اجتماع الغيبة مع الآمريَّة، لأنَّ المراد غيبة الهويَّة لا الذات.
الشبهة السابعة عشرة: ادِّعاء مجموعة أنَّهم هم المهدي يستدعي رفض فكرة المهدي:
ربَّما هذا المهدي أيضاً كذلك، فقد ادَّعى ذلك الكثير أو ادُّعيت لهم، كالمهدي السوداني، ومحمّد بن الحنفيَّة، ومحمّد بن عبد الله بن الحسن، والعبَّاسيِّين، وغيرهم.
وجوابها: لو تمَّت هذه الملازمة لصحَّ إبطال كثير من الأُمور كالعدالة مثلاً، إذ ادَّعاها طواغيت الأرض كلُّهم. ولحكمنا على العلماء بالجهل، لكثرة من ادَّعى العلم. وهكذا الشجاعة والكرم، إذ ما من صفة كريمة إلَّا وقد ادَّعاها من ليست فيه. مضافاً إلى جملة من الإشكالات التي ذكرها الشيخ المفيد (رحمه الله) وأجاب عنها في كتابه القيِّم (الفصول العشرة في الغيبة).
الخلاصة:
إنَّ ثبوت قضيَّة المهدي وخروجه وانتظاره غير مخالف للعقل، ولا للأُصول الشرعيَّة، ولا لقاعدة مجمع عليها، ولا لفرع محقَّق. هذا بلحاظ أصل القضيَّة المهدويَّة، وأنَّ هناك مهديًّا، وهو إمام غائب ويجب انتظاره.

↑صفحة ١١٣↑

أمَّا تفاصيل هذه العقيدة، فما كان منها - لو فُرِضَ - معارضاً لأصل عقلي، أو شرعي، بل حتَّى الفرع المجمَع عليه، فهو مرفوض، وإلَّا فإنْ لم يصحّ سنده كالخبر الضعيف لم يجز نسبته إلى الشارع إلَّا على سياق قاعدة التسامح، أو روايات من بلغ إنْ كان لها مجال فيما نحن فيه، وإنْ صحَّ سنده كالخبر الصحيح والحسن والموثَّق فهو خبر عادي يصحُّ نسبته. ولا يجب تكليفاً الاعتقاد بالأُمور التفصيليَّة ما لم يلزم محذور آخر، وإلَّا فإنْ لزم محذور آخر في عدم الاعتقاد مع عدم الضرر بالاعتقاد فلا بدَّ من الاعتقاد به، وإلَّا فإنْ لم يلزم محذور آخر من عدم الاعتقاد كقضيَّة جزئيَّة جدًّا، أو لزم الاعتقاد به حكم الضرر، فينبغي عدم الاعتقاد به، إمَّا لعدم الدليل عليه، وإمَّا لحكم الضرر ونحوه، كما هو واضح وفق الموازين المذكورة في محلِّها.
وبما أنَّ العقيدة بالمهدي - بلحاظ أصلها - كقضيَّة عقديَّة، فهي ثابتة بالتواتر، فيجب التسليم بها، لأنَّها من الغيب. أو من جهة أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أخبر عنها، فلا بدَّ من الإيمان بإخبارات النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) القطعيَّة صدوراً. وأمَّا التفاصيل فلا يجب الاعتقاد بها، كما هو الحال في غيرها من القضايا العقائديَّة.
وكيفما كان، فمعرفة الإمام ضرورة دينيَّة، لما ورد في حديث الباقر (عليه السلام): «بُنِيَ اَلْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: عَلَى اَلصَّلَاةِ، وَاَلزَّكَاةِ، وَاَلصَّوْمِ، وَاَلْحَجِّ، وَاَلْوَلَايَةِ، ولَمْ يُنَادَ بِشَيْءٍ كَمَا نُودِيَ بِالْوَلَايَةِ، فَأَخَذَ اَلنَّاسُ بِأَرْبَعٍ وَتَرَكُوا هَذِه - يَعْنِي اَلْوَلَايَةَ -»(١٠٥).

↑صفحة ١١٤↑

وورد أيضاً عنه (عليه السلام): «ذِرْوَةُ اَلْأَمْرِ وَسَنَامُهُ وَمِفْتَاحُهُ وَبَابُ اَلْأَشْيَاءِ وَرِضَا اَلرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اَلطَّاعَةُ لِلْإِمَامِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ»(١٠٦).
وفي جواب سؤال زرارة قال (عليه السلام): «اَلْوَلَايَةُ أَفْضَلُ، لأَنَّهَا مِفْتَاحُهُنَّ، وَاَلْوَالِي هُوَ اَلدَّلِيلُ عَلَيْهِنَّ»(١٠٧).
وورد أيضاً عنه (عليه السلام): «لَا يُعْذِرُ اَللهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ أَحَداً يَقُولُ: يَا رَبِّ، لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ وُلْدَ فَاطِمَةَ (عليها السلام) هُمُ اَلْوُلَاةُ عَلَى اَلنَّاسِ كَافَّةً»(١٠٨).
وقد ثبت في محلِّه في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة: ٥٥)، أنَّه ليس المراد من الولاية محض الحبِّ، وإنَّما المراد منها معنى الإمامة بالمعنى الذي تقول به الشيعة.
وأيضاً في الحديث عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): «إِنَّمَا يَعْبُدُ اَللهَ مَنْ يَعْرِفُ اَللهَ، فَأَمَّا مَنْ لَا يَعْرِفُ اَللهَ فَإِنَّمَا يَعْبُدُهُ هَكَذَا ضَلَالاً»، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَمَا مَعْرِفَةُ اَلله؟ قَالَ: «تَصْدِيقُ اَلله (عزَّ وجلَّ)، وَتَصْدِيقُ رَسُولِهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَمُوَالَاةُ عَلِيٍّ (عليه السلام)، وَاَلْاِئْتِمَامُ بِهِ وَبِأَئِمَّةِ اَلْهُدَى (عليهم السلام)، وَاَلْبَرَاءَةُ إِلَى اَلله (عزَّ وجلَّ) مِنْ عَدُوِّهِمْ، هَكَذَا يُعْرَفُ اَللهُ (عزَّ وجلَّ)»(١٠٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٥) الكافي (ج ٢/ ص ١٨/ باب دعائم الإسلام/ ح ٣).
(١٠٦) الكافي (ج ١/ ص ١٨٥ و١٨٦/ باب فرض طاعة الأئمَّة (عليهم السلام)/ ح ١)؛ ورواه البرقي (رحمه الله) في المحاسن (ج ١/ ص ٢٨٦ و٢٨٧/ ح ٤٣٠)، والعيَّاشي (رحمه الله) في تفسيره (ج ١/ ص ٢٥٩/ ح ٢٠٢).
(١٠٧) الكافي (ج ٢/ ص ١٨/ باب دعائم الإسلام/ ح ٥).
(١٠٨) تفسير القمِّي (ج ٢/ ص ٢٥٠).
(١٠٩) الكافي (ج ١/ ص ١٨٠/ باب معرفة الإمام والردِّ إليه/ ح ١).

↑صفحة ١١٥↑

فالتعرُّف بأمر الإمام من السعادة الأُخرويَّة، وموجبات الاطمئنان، وعلامات المؤمن، ولها من الآثار الإيجابيَّة الكثيرة.

* * *

↑صفحة ١١٦↑
الفصل الثالث: رؤية الإمام الغائب ومشاهدته بين الصدق والدجل

↑صفحة ١١٧↑

* ظاهرة الغيبة وخصائص المرحلة.
* نماذج من طلب الحاجات من الإمام.
* مناقشة روايات وأدعية الرؤية وتحليلها.

↑صفحة ١١٨↑

ظاهرة الغيبة وخصائص المرحلة:
امتدَّت مرحلة الغيبة الصغرى من (٢٦٠هـ) إلى (٣٢٩هـ)، وهذه الحقبة الزمنيَّة لها خصوصيَّتها، فهي حقيقة واقعيَّة خاضتها شريحة من الناس كانوا رُوَّاداً لهذه الفترة.
ومن خصائص هذه المرحلة ما يلي:
١ - أنَّ جملة ممَّن عاش وعاصر زمن الغيبة الصغرى هم من أصحاب الإمام الجواد والهادي والعسكري (عليهم السلام)، كعليِّ بن جعفر أبي هاشم، وداود بن القاسم الجعفري الذي رأى خمسة من الأئمَّة (عليهم السلام)، وداود بن أبي يزيد النيسابوري، ومحمّد بن عليِّ بن بلال، وعبد الله بن جعفر الحميري، وإسحاق بن الربيع الكوفي، وأبي القاسم جابر بن يزيد الفارسي، وإبراهيم ابن عبيد الله بن إبراهيم النيسابوري.
٢ - أنَّ جملة ممَّن عاصر الغيبة الصغرى من وكلاء الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، كمحمّد بن أحمد بن جعفر، وجعفر بن سهيل، ومحمّد بن الحسن الصفَّار، وعبدوس العطَّار، وسندي بن النيسابوري، وأبي طالب الحسن بن جعفر الفافاء، وأبي البختري.
٣ - أنَّ نُوَّاب الإمام في زمن الغيبة الصغرى هم أربعة: عثمان بن سعيد العمري، محمّد بن عثمان، الحسين بن روح، عليُّ بن محمّد السمري.

↑صفحة ١١٩↑

٤ - أنَّ مجموعة ممَّن عاصر الغيبة الصغرى هم من العلماء الفقهاء، كالكليني، والصدوق، وأبيه.
٥ - امتازت هذه المرحلة أيضاً بأنَّ الأجوبة كانت تظهر بشكل مكاتبات ومراسلات منه (عجَّل الله فرجه).
٦ - تمتاز هذه المرحلة أيضاً بوجود قاعدة جماهيريَّة تحمل ثقافة الارتباط بالإمام المنصوب، والاعتقاد بالأئمَّة السابقين (عليهم السلام)، ويحملون هويَّة معيَّنة، وانتماءً خاصًّا، واعتماداً في مجال العمل على طريقة فقهيَّة معيَّنة.
ولنا وقفة فيما بعد في تحليل ومعرفة كيفيَّة رجوع هذه القواعد الجماهيريَّة بعد شهادة العسكري (عليه السلام) إلى الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، من دون أنْ تُبتلى بإرباك، إلَّا ما شذَّ وندر من بروز بعض الفئات التي أصابتها الحيرة لفترة من الزمن حتَّى إنَّها انعدمت فيما بعد كما صرَّح بذلك الشيخ المفيد (رحمه الله)(١١٠).
علماً أنَّ هذه القواعد الجماهيريَّة تحمل خصوصيَّات فكريَّة وسلوكيَّة تعكس لنا فوائد جمَّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٠) قال الشيخ المفيد (رحمه الله) في الفصول المختارة (ص ٣٢١): (وليس من هؤلاء الفِرَق التي ذكرناها فرقة موجودة في زماننا هذا، وهو من سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة إلَّا الإماميَّة الاثنا عشريَّة القائلة بإمامة ابن الحسن المسمَّى باسم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) القاطعة على حياته وبقائه إلى وقت قيامه بالسيف، حسبما شرحناه فيما تقدَّم عنهم، وهم أكثر فِرَق الشيعة عدداً وعلماءً ومتكلِّمين ونُظَّاراً وصالحين وعُبَّاداً ومتفقِّهة وأصحاب حديث وأُدباء وشعراء، وهم وجه الإماميَّة، ورؤساء جماعتهم، والمعتمد عليهم في الديانة، ومن سواهم منقرضون لا يعلم أحد من جملة الأربع عشرة فرقة التي قدَّمنا ذكرها ظاهراً بمقالة، ولا موجوداً على هذا الوصف من ديانته، وإنَّما الحاصل منهم حكاية عمَّن سلف، وأراجيف بوجود قوم منهم لا تثبت ).

↑صفحة ١٢٠↑

واتَّفق الجميع أنَّ طريق الاتِّصال بالإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه) هو عن طريق النُّوَّاب، ولم ينعكس لنا من رُوَّاد هذه المرحلة كالكليني السعي العملي في طلب مشاهدته ورؤيته (عجَّل الله فرجه)، بل كان مفروغاً عن عدمه، ولو من جهة وجود المانع، وإنْ كان المقتضي للرؤية تامًّا، ولو فُرِضَ سعي البعض في ذلك الظرف للرؤية كما نُقِلَ عن أبي العبَّاس أحمد بن الخضر بن أبي صالح الخجندي، حيث ورد النهي والمنع عن هذا السعي الذي أشار إليه التوقيع الشريف من صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) بعد أنْ كان أُغْريَ بالفحص والطلب وسار عن وطنه ليتبيَّن له ما يعمل عليه، فكانت نسخة التوقيع: «مَنْ بَحَثَ فَقَدْ طَلَبَ، وَمَنْ طَلَبَ فَقَدْ دَلَّ، وَمَنْ دَلَّ فَقَدْ أَشَاطَ، وَمَنْ أَشَاطَ فَقَدْ أَشْرَكَ»، قَالَ: فَكَفَّ عَنِ اَلطَّلَبِ وَرَجَعَ(١١١).
وروي أنَّ أَبَا عَبْدِ اَلله أَحْمَدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: شَكَوْتُ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ شَوْقِي إِلَى رُؤْيَةِ مَوْلَانَا (عليه السلام)، فَقَالَ لِي: مَعَ اَلشَّوْقِ تَشْتَهِي أَنْ تَرَاهُ؟ فَقُلْتُ لَهُ: نَعَمْ، فَقَالَ لِي: شَكَرَ اَللهُ لَكَ شَوْقَكَ، وَأَرَاكَ وَجْهَهُ فِي يُسْرٍ وَعَافِيَةٍ، لَا تَلْتَمِسْ يَا أَبَا عَبْدِ اَلله أَنْ تَرَاهُ، فَإِنَّ أَيَّامَ اَلْغَيْبَةِ تَشْتَاقُ إِلَيْهِ، وَلَا تَسْأَلِ اَلْاِجْتِمَاعَ مَعَهُ، إِنَّهَا عَزَائِمُ اَلله وَاَلتَّسْلِيمُ لَهَا أَوْلَى، وَلَكِنْ تَوَجَّهْ إِلَيْهِ بِالزِّيَارَةِ...»(١١٢).
وما يقال: إنَّ المانع لشخص الباحث يُحمَل على القضيَّة الخارجيَّة والجزئيَّة مردود بظاهر التعليل المنسجم مع العموم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١١) كمال الدِّين (ص ٥٠٩/ باب ٤٥/ ح ٣٩)، الغيبة للطوسي (ص ٣٢٣/ ح ٢٧١).
(١١٢) المزار لابن المشهدي (ص ٥٨٥)، عنه بحار الأنوار (ج ٥٣/ ص ١٧٤/ ح ٦).

↑صفحة ١٢١↑

فلو كانت مسألة الرؤية للإمام والسعي العملي والفعلي لها خصوصاً في ظرف الغيبة الصغرى وبشرط المحمول كمالاً ومحبوباً، فلِمَ لم يقصده الوكلاء، والأصحاب، والعلماء، وأهل الإيمان، مع شدَّة حرصهم على الإتيان بالنوافل؟ بل قد حفظ لنا التاريخ أنَّهم طلبوا منه (عجَّل الله فرجه) أُموراً أُخرى عن طريق السفراء.
نماذج من طلب الحاجات من الإمام (عجَّل الله فرجه):
منها: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ اَلْأَسْوَدِ (رضي الله عنه)، قَالَ: سَأَلَنِي عَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ بَابَوَيْهِ (رضي الله عنه) بَعْدَ مَوْتِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ اَلْعَمْرِيِّ (رضي الله عنه) أَنْ أَسْأَلَ أَبَا اَلْقَاسِمِ اَلرَّوْحِيَّ أَنْ يَسْأَلَ مَوْلَانَا صَاحِبَ اَلزَّمَانِ (عليه السلام) أَنْ يَدْعُوَ اَللهَ (عزَّ وجلَّ) أَنْ يَرْزُقَهُ وَلَداً ذَكَراً، قَالَ: فَسَأَلْتُهُ، فَأَنْهَى ذَلِكَ، ثُمَّ أَخْبَرَنِي بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَنَّهُ قَدْ دَعَا لِعَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ، وَأَنَّهُ سَيُولَدُ لَهُ وَلَدٌ مُبَارَكٌ يَنْفَعُ اَللهُ بِهِ وَبَعْدَهُ أَوْلَادٌ(١١٣).
ومنها: الأسئلة التي رُفِعَت إليه (عجَّل الله فرجه)، فقد روى الطوسي (رحمه الله) في (غيبته): (حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ بَلَدِنَا اَلمُقِيمِينَ كَانُوا بِبَغْدَادَ فِي اَلسَّنَةِ اَلَّتِي خَرَجَتِ اَلْقَرَامِطَةُ عَلَى اَلْحَاجِّ، وَهِيَ سَنَةُ تَنَاثُرِ اَلْكَوَاكِبِ أَنَّ وَالِدِي (رضي الله عنه) كَتَبَ إِلَى اَلشَّيْخِ أَبِي اَلْقَاسِمِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ رَوْحٍ (رضي الله عنه) يَسْتَأْذِنُ فِي اَلْخُرُوجِ إِلَى اَلْحَجِّ..)(١١٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٣) كمال الدِّين (ص ٥٠٢/ باب ٤٥/ ح ٣١)، الغيبة للطوسي (ص ٣٢٠/ ح ٢٦٦).
(١١٤) الغيبة للطوسي (ص ٣٢٢/ ح ٢٧٠).

↑صفحة ١٢٢↑

ومنها: عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلْكُلَيْنِيِّ، قَالَ: كَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ اَلصَّيْمَرِيُّ يَسْأَلُ صَاحِبَ اَلزَّمَانِ (عجَّل الله فرجه) كَفَناً يَتَيَمَّنُ بِمَا يَكُونُ مِنْ عِنْدِهِ(١١٥).
ومنها: طلب الزراري من الحسين بن روح أنْ يدعو له الإمام (عجَّل الله فرجه) إصلاح أمره مع زوجته أُمِّ عبَّاس، كما في (الغيبة)(١١٦).
ومنها: ما في (الإرشاد) للشيخ المفيد (رحمه الله): عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: وُلِدَ لِي وَلَدٌ، فَكَتَبْتُ أَسْتَأْذِنُ فِي تَطْهِيرِهِ يَوْمَ اَلسَّابِعِ...، إلى أنْ قال: وَتَهَيَّأْتُ لِلْحَجِّ، وَوَدَّعْتُ اَلنَّاسَ، وَكُنْتُ عَلَى اَلْخُرُوجِ، فَوَرَدَ: «نَحْنُ لِذَلِكَ كَارِهُونَ، وَاَلْأَمْرُ إِلَيْكَ»، فَضَاقَ صَدْرِي، وَاِغْتَمَمْتُ، وَكَتَبْتُ: أَنَا مُقِيمٌ عَلَى اَلسَّمْعِ وَاَلطَّاعَةِ، غَيْرَ أَنِّي مُغْتَمٌّ بِتَخَلُّفِي عَنِ اَلْحَجِّ، فَوَقَّعَ: «لَا يَضِيقَنَّ صَدْرُكَ، فَإِنَّكَ سَتَحُجُّ قَابِلاً إِنْ شَاءَ اَللهُ»، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنْ قَابِلٍ كَتَبْتُ أَسْتَأْذِنُ، فَوَرَدَ اَلْإِذْنُ، وَكَتَبْتُ: أَنِّي قَدْ عَادَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ اَلْعَبَّاسِ، وَأَنَا وَاثِقٌ بِدِيَانَتِهِ(١١٧)، فهنا أيضاً يطلب الاستفسار عن الصديق فقط.
مناقشة روايات وأدعية الرؤية وتحليلها:
نعم هناك من الروايات المؤيِّدة التي قد يظهر منها السعي لطلب الرؤية في زمن الغيبة، فهي على فرض تماميَّتها سنداً ودلالةً تصلح أنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٥) الغيبة للطوسي (ص ٢٩٧ و٢٩٨/ ح ٢٥٣).
(١١٦) الغيبة للطوسي (ص ٣٠٣ و٣٠٤/ ح ٢٥٦).
(١١٧) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٦٣ و٣٦٤)؛ ورواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥٢٢ و٥٢٣/ باب مولد الصاحب (عليه السلام)/ ح ١٧).

↑صفحة ١٢٣↑

تُؤسِّس لثقافة عامَّة، مع عدم المانع والرادع من الإمام، وسنشير إلى أهمّها وإبداء الرأي فيها:
منها: ما ورد في (الغيبة): عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ جَعْفَرٍ - لـمَّا سأل النائب الأوَّل -، قَالَ: ... فَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ اَلله وَبِحَقِّ اَلْإِمَامَيْنِ اَللَّذَيْنِ وَثَّقَاكَ، هَلْ رَأَيْتَ اِبْنَ أَبِي مُحَمَّدٍ اَلَّذِي هُوَ صَاحِبُ اَلزَّمَانِ (عليه السلام)؟ فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: عَلَى أَنْ لَا تُخْبِرَ بِذَلِكَ أَحَداً وَأَنَا حَيٌّ، قُلْتُ: نَعَمْ(١١٨).
وتقريب الاستدلال بها أنَّ أبا عمرو قد منع الإخبار في ظرف حياته، فلم يمنع من ذلك في جميع الأوقات، فليس المانع دائميًّا.
وفيه أنَّ الظاهر من الرواية أنَّ عبد الله بن جعفر لم يطلب من أبي عمر التوسيط في تحصيل الرؤية، وإنَّما أقصى ما سأله: هل تحقَّقت الرؤية من قِبَله؟
ومنها: ما ورد في (الغيبة): عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ خَلَفٍ، قَالَ: ... وَصَلَّيْتُ اَلظُّهْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَدَعَوْتُ بِالطَّعَامِ، وَسَأَلْتُ اَلشَّيْخَ أَنْ يَأْكُلَ مَعِي، فَأَجَابَنِي، فَلَمَّا طَعِمْنَا سَأَلْتُ عَنِ اِسْمِهِ وَاِسْمِ أَبِيهِ وَعَنْ بَلَدِهِ وَحِرْفَتِهِ وَمَقْصَدِهِ، فَذَكَرَ أَنَّ اِسْمَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ قُمَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَسِيحُ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً فِي طَلَبِ اَلْحَقِّ، وَيَتَنَقَّلُ فِي اَلْبُلْدَانِ وَاَلسَّوَاحِلِ، وَأَنَّهُ أَوْطَنَ مَكَّةَ وَاَلمَدِينَةَ نَحْوَ عِشْرِينَ سَنَةً يَبْحَثُ عَنِ اَلْأَخْبَارِ وَيَتَّبِعُ اَلْآثَارَ(١١٩).
والاستدلال بها مبنيٌّ على أنَّ المقصود من (يَبْحَثُ عَنِ اَلْأَخْبَارِ وَيَتَّبِعُ اَلْآثَارَ) هو رؤية الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ولكن ردُّه بأُمور:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٨) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٥/ ح ٣١٦).
(١١٩) الغيبة للطوسي (ص ٢٥٤ و٢٥٥/ ح ٢٢٤).

↑صفحة ١٢٤↑

أوَّلاً: لم تثبت وثاقة الشيخ، بل كان شخصه مجهولاً حتَّى عند الراوي، لذا سأله عن اسمه و...
وثانياً: لم يُعلَم أنَّ الرجل شيعي وكان يطلب رؤية الإمام، ولو تنزَّلنا وسلَّمنا لكن قد ورد المانع من الإمام حيث ورد في ذيلها المنع، إذ قال: فلمَّا قربتُ منه إذ أنا بأسود مثل الفنيق قد اعترضني فصاح بي بصوت لم أسمع أهول منه: «ما تريد عافاك الله؟»، فأرعدت ووقفت، وزال الشخص عن بصري...؛ أجل في ذيل الرواية وهي طويلة جدًّا أنَّه وُفِّق للرؤية.
ومنها: ما ورد في (الغيبة) أيضاً: فَقَالَ: يَا أَحْمَدُ رَأَيْتَ طَلِبَتَكَ؟ فَقُلْتُ: وَمَنْ ذَاكَ، يَا سَيِّدِي؟ فَقَالَ: اَلَّذِي رَأَيْتَهُ فِي عَشِيَّتِكَ، وَهُوَ صَاحِبُ زَمَانِكَ(١٢٠).
وفي الحديث رجالات مجهولون، وهو منام، نعم يصلح أنْ يكون مؤمناً، لورود فقرة: (فَذَكَرَ أَنَّهُ مَكَثَ سَبْعَ سِنِينَ يَدْعُو رَبَّهُ وَيَسْأَلُهُ مُعَايَنَةَ صَاحِبِ اَلزَّمَانِ (عليه السلام)).
ومنها: ما ورد في (الغيبة) أيضاً: عَنْ حَبِيبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ بْنِ شَاذَانَ اَلصَّنْعَانِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ اَلْأَهْوَازِيِّ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آلِ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: يَا أَخِي، لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ، حَجَجْتُ عِشْرِينَ حِجَّةً كُلًّا أَطْلُبُ بِهِ عِيَانَ اَلْإِمَامِ، فَلَمْ أَجِدْ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلاً...(١٢١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٠) الغيبة للطوسي (ص ٢٦٢/ ح ٢٢٧)؛ ورواه الطبري الشيعي (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٥٤٥/ ح ٥٢٣/١٢٧).
(١٢١) الغيبة للطوسي (ص ٢٦٣/ ح ٢٢٨).

↑صفحة ١٢٥↑

قال المحقِّق السيِّد الخوئي (قدس سره) في (معجم رجال الحديث): (الرواية ضعيفة السند جدًّا، على أنَّها متعارضة من جهة نسبة القصَّة إلى عليِّ بن إبراهيم بن مهزيار، أو إلى إبراهيم بن مهزيار، والله العالم)(١٢٢).
ومنها: ما في (الغيبة) و(الاحتجاج): قَالَ: طَلَبْتُ هَذَا اَلْأَمْرَ طَلَباً شَاقًّا حَتَّى ذَهَبَ لِي فِيهِ مَالٌ صَالِحٌ، فَوَقَعْتُ - أي ذهبتُ - إِلَى اَلْعَمْرِيِّ وَخَدَمْتُهُ وَلَزِمْتُهُ، وَسَأَلْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ صَاحِبِ اَلزَّمَانِ (عليه السلام)(١٢٣)؛ بتقريب أنَّ المشار إليه في هذا أي رؤية صاحب الزمان.
وفيه أنَّ الوارد في (الوسائل): أَنَّهُ طَلَبَ مِنَ اَلْعَمْرِيِّ أَنْ يُوصِلَهُ إِلَى صَاحِبِ اَلزَّمَانِ (عليه السلام)، فَأَوْصَلَهُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَهُ، فَأَجَابَهُ عَنْ كُلِّ مَا أَرَادَ، ثُمَّ قَامَ وَدَخَلَ اَلدَّارَ، قَالَ: فَذَهَبْتُ لِأَسْأَلَ، فَلَمْ يَسْتَمِعْ(١٢٤). والحديث مضافاً إلى كونه مرفوعاً، وتعارض نقله ونهي الإمام للزهري، فهو على مدَّعانا أقرب.
ومنها: ما في (كمال الدِّين): فَسَأَلْتُهُ - أي محمّد بن شاذان سأل الكابلي - فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فِي اَلطَّلَبِ، وَأَنَّهُ أَقَامَ بِالمَدِينَةِ، فَكَانَ لَا يَذْكُرُهُ لِأَحَدٍ إِلَّا زَجَرَهُ، فَلَقِيَ شَيْخاً مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَهُوَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ اَلْعُرَيْضِيُّ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اَلَّذِي تَطْلُبُهُ بِصُرْيَاءَ، قَالَ: فَقَصَدْتُ صُرْيَاءَ، فَجِئْتُ إِلَى دِهْلِيزٍ مَرْشُوشٍ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٢) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٢/ ص ٢١٢).
(١٢٣) الغيبة للطوسي (ص ٢٧١/ ح ٢٣٦)، الاحتجاج (ج ٢/ ص ٢٩٧ و٢٩٨)، وفيه: (طلباً شافياً) بدل (طلباً شاقًّا).
(١٢٤) وسائل الشيعة (ج ٤/ ص ٢٠١/ ح ٤٩١٩/٧).

↑صفحة ١٢٦↑

وَطَرَحْتُ نَفْسِي عَلَى اَلدُّكَّانِ، فَخَرَجَ إِلَيَّ غُلَامٌ أَسْوَدُ، فَزَجَرَنِي وَاِنْتَهَرَنِي، وَقَالَ لِي: قُمْ مِنْ هَذَا اَلمَكَانِ وَاِنْصَرِفْ... الخبر(١٢٥).
وتقريب الاستدلال قوله: (لم يزل في الطلب).
وفيه أنَّ الإمام وصفه بالكذَّاب في نفس الرواية.
ومنها: ما ورد في كتاب (النجوم) على ما ورد في (البحار): قَالَ: كُنْتُ قَدْ سَأَلْتُ مَوْلَانَا اَلمَهْدِيَّ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِ) أَنْ يَأْذَنَ لِي فِي أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ يُشَرَّفُ بِصُحْبَتِهِ وَخِدْمَتِهِ فِي وَقْتِ غَيْبَتِهِ، أُسْوَةً بِمَنْ يَخْدُمُهُ مِنْ عَبِيدِهِ وَخَاصَّتِهِ(١٢٦).
ويردُّه مضافاً إلى الضعف السندي، ربَّما يقال: إنَّ الذي يخدمه من عبيده وخاصَّته لا يعرفونه بهويَّته، وهو طلب ذلك، فلا يصلح أنْ يكون دليلاً على ذلك.
وربَّما توجد روايات أُخرى على هذا المستوى من الضعف، ويبقى الاستقراء ناقصاً، والله العالم.
وأمَّا ما ورد في الروايات من الدعاء: «اَللَّهُمَّ أَرِنِي اَلطَّلْعَةَ اَلرَّشِيدَةَ، وَاَلْغُرَّةَ اَلْحَمِيدَةَ، وَاُكْحُلْ مَرَهِي(١٢٧) بِنَظِرَةٍ مِنِّي إِلَيْهِ...»(١٢٨)، وغيرها من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٥) كمال الدِّين (ص ٤٣٩ و٤٤٠/ باب ٤٣/ ضمن الحديث ٦)؛ ورواه الراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ٢/ ص ٩٦٣).
(١٢٦) بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٥٤/ ضمن الحديث ٣٨).
(١٢٧) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٨٣/ ص ٢٨٦): (مرهت العين مرهاً: إذا فسدت لترك الكحل، وإسناد الكحل إليه مجازي، أو أُطلق المره على العين المرهاء مجازاً).
وفي بعض النُّسَخ: (واكحل ناظري).
(١٢٨) المصباح للكفعمي (ص ٥٥١)، مصباح الزائر (ص ٤٥٦).

↑صفحة ١٢٧↑

الأدعية الشريفة، فهي ظاهرة في الإطلاق، فتشمل زمن الغيبة والظهور، وإنْ كان يُحتمَل أنْ تكون كناية عن طلب التشرُّف بالكون تحت لواءه، والانضمام في مشروعه، ولو على سبيل الرجعة، أو معناه: أرني شخصه وإنْ لم أعرف عنوانه، لأنَّه أيضاً من أعلى مراتب الكمال، أو بمعنى الدعوة إلى إزالة المانع.
فقد اتَّضح ممَّا سبق أنَّ السعي العملي والسفر في البلدان والجبال والوديان لغرض لقاء المحبوب والتشرُّف برؤيته (عجَّل الله فرجه) غير مرغوب فيه، بل ربَّما يقال: ثبت النهي عنه كما مرَّ في بداية الفصل.
ولنا أنْ نقول: في تتبُّعنا لعمليَّة ارتباط الأُمَّة بالقيادة في حلِّ مشاكلها في زمن الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام) لاسيّما في زمن الجواد والهادي والعسكري (عليهم السلام)، لم يظهر لدينا أنَّهم كانوا يُحبِّذون اللقاءات المباشرة، إمَّا من جهة المانع، وإمَّا من جهة إعداد الأُمَّة للتهيُّؤ إلى ظاهرة الغيبة، لذا نجدهم أنشؤوا في زمانهم فكرة النيابة والوكالات أو فعَّلوها، وقد عمل الإمامان الهادي والعسكري (عليهما السلام) خصوصاً حينما كانا في سامراء على تعميق نظام الوكالة، وأنَّ هرم النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي أُسِّس وقام على نظام الوكالة، بل نظام الوكالة والنيابة كان معمولاً به أيضاً في زمن الأئمَّة السابقين (عليهم السلام) بسبب الإرهاب السياسي والسجن وانتشار الشيعة في مناطق مختلفة تبتعد عن الأئمَّة في الغالب. نعم تكثَّف هذا النظام وأخذ بُعداً جديداً بعد الإعداد للغيبة، واحتجاب الأئمَّة المتأخِّرين (عليهم السلام)، فقد روى الطوسي (رحمه الله) في رواية محمّد بن عيسى، قَالَ: كَتَبَ أَبُو اَلْحَسَنِ

↑صفحة ١٢٨↑

اَلْعَسْكَرِيُّ (عليه السلام) إِلَى اَلمَوَالِي بِبَغْدَادَ وَاَلمَدَائِنِ وَاَلسَّوَادِ وَمَا يَلِيهَا: «قَدْ أَقَمْتُ أَبَا عَلِيٍّ بْنَ رَاشِدٍ مَقَامَ عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ وَمَنْ قِبَلَهُ مِنْ وُكَلَائِي...»(١٢٩).
وفي حديث آخر: قَالَ: سَأَلْتُهُ وَقُلْتُ: مَنْ أُعَامِلُ، أَوْ عَمَّنْ آخُذُ، وَقَوْلَ مَنْ أَقْبَلُ؟ فَقَالَ لَهُ: «اَلْعَمْرِيُّ ثِقَتِي، فَمَا أَدَّى إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّي، وَمَا قَالَ لَكَ عَنِّي فَعَنِّي يَقُولُ، فَاسْمَعْ لَهُ وَأَطِعْ، فَإِنَّه اَلثِّقَةُ اَلمَأْمُونُ»، وَأَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ أَنَّه سَأَلَ أَبَا مُحَمَّدٍ (عليه السلام) عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: «اَلْعَمْرِيُّ وَاِبْنُهُ ثِقَتَانِ، فَمَا أَدَّيَا إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّيَانِ، وَمَا قَالَا لَكَ فَعَنِّي يَقُولَانِ، فَاسْمَعْ لَهُمَا وَأَطِعْهُمَا، فَإِنَّهُمَا اَلثِّقَتَانِ اَلمَأْمُونَانِ»(١٣٠).
وفي خبر محمّد بن عيسى، والحسن بن عليِّ بن يقطين جميعاً، عن الرضا (عليه السلام)، قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنِّي لَا أَكَادُ أَصِلُ إِلَيْكَ أَسْأَلُكَ عَنْ كُلِّ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَعَالِمِ دِينِي، أَفَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ ثِقَةٌ آخُذُ عَنْهُ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَعَالِمِ دِينِي؟ فَقَالَ: «نَعَمْ»(١٣١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٩) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٠/ ح ٣٠٩).
(١٣٠) الكافي (ج ١/ ص ٣٢٩ و٣٣٠/ باب في تسمية من رآه (عليه السلام)/ ح ١).
(١٣١) رجال الكشِّي (ج ٢/ ص ٧٨٤/ ح ٩٣٥).

↑صفحة ١٢٩↑

وَعَنْ عَبْدِ اَلْعَزِيزِ بْنِ اَلمُهْتَدِي، قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا (عليه السلام): إِنَّ شُقَّتِي بَعِيدَةٌ، فَلَسْتُ أَصِلُ إِلَيْكَ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَآخُذُ مَعَالِمَ دِينِي مِنْ يُونُسَ مَوْلَى اِبْنِ يَقْطِينٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ»(١٣٢).
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ اَلمُسَيَّبِ، قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا (عليه السلام): شُقَّتِي بَعِيدَةٌ، وَلَسْتُ أَصِلُ إِلَيْكَ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَمِمَّنْ آخُذُ مَعَالِمَ دِينِي؟ فَقَالَ: «مِنْ زَكَرِيَّا بْنِ آدَمَ اَلْقُمِّيِّ اَلمَأْمُونِ عَلَى اَلدِّينِ وَاَلدُّنْيَا»(١٣٣).
وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ اَلْعَمْرِيَّ (رضي الله عنه) أَنْ يُوصِلَ لِي كِتَاباً قَدْ سَأَلْتُ فِيهِ عَنْ مَسَائِلَ أَشْكَلَتْ عَلَيَّ، فَوَرَدَتْ فِي اَلتَّوْقِيعِ بِخَطِّ مَوْلَانَا صَاحِبِ اَلزَّمَانِ (عليه السلام): «أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ أَرْشَدَكَ اَللهُ وَثَبَّتَكَ...»، إلى أنْ قال: «وَأَمَّا اَلْحَوَادِثُ اَلْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا...»(١٣٤).
وعليه فظاهرة الرجوع إلى الفقهاء لم تنشأ بعد الغيبة الصغرى، بل حسب الرصد العلمي كانت هذه الظاهرة موجودة في الأزمنة السابقة والأئمَّة السابقين (عليهم السلام)، وكان هذا الأمر مركوزاً في الأذهان بسبب النصوص القرآنيَّة، كقوله تعالى: ﴿فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢)، وإنَّما السؤال كان عن الشخص الثقة ليُرجَع إليه، وهذا السؤال من الشيعة إنَّما يُؤكِّد أنَّ الشيعة لم يرتضوا أصالة التسامح في رجوعهم وتبعيَّتهم للأشخاص، بل التحقيق هو الموجب للخروج عن عهدة التكليف والوصول إلى شاطئ الأمان وإبراء الذمَّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٢) رجال الكشِّي (ج ٢/ ص ٧٨٥/ ح ٩٣٨).
(١٣٣) رجال الكشِّي (ج ٢/ ص ٨٥٨/ ح ١١١٢).
(١٣٤) كمال الدِّين (ص ٤٨٣ و٤٨٤/ باب ٤٥/ ح ٤)، إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٧٠ و٢٧١)، الخرائج والجرائح (ج ٣/ ص ١١١٣ و١١٤/ ح ٣٠)، الاحتجاج (ج ٢/ ص ٢٨١ - ٢٨٣).

↑صفحة ١٣٠↑

وكيفما كان، فأصل رؤية الإمام ومشاهدته في حدِّ نفسها كمال، وإنْ لم تُفِدْ أنَّ الرائي أفضل من غيره، وأنَّه ثقة، وقوله حجَّة. وهذا هو معنى تمام المقتضي للكمال. وتكفينا عمومات الباب، كرؤية العالم، والكعبة، والقرآن، والمؤمن. وهكذا طلب الرؤية أيضاً - بمعنى السعي العملي كما مرَّت الإشارة إليه - لم يصدر من أهل العلم والفضل وأصحاب التقى والنهى، كما أنَّ سيرة المتشرِّعة قائمة على الانضمام تحت لوائه (عجَّل الله فرجه) من دون ضرورة طلب رؤيته، وإنَّما المهمُّ كسب رضاه ومعرفة هدفه وتنجيز مشروعه والسعي التامُّ في إعداد مقدَّمات الظهور كتهذيب النفس ونشر الدِّين وإصلاح العالم. نعم إذا عُدَّت الرؤية لازماً لا ينفكُّ عن هذه المقدَّمات فلا بأس بها.
وما ورد في بعض الأدعية والأعمال الموجبة لرؤية الإمام، فالمقصود حسب الظاهر التشرُّف بلقائه، وقد تحقَّقت الرؤية لبعض الأولياء لا لخصوص الكُمَّل، ولكن ليس هناك استلزام بأنَّ من تحقَّقت له الرؤية يكون هو الأفضل، ولا بدَّ من الالتفات إلى الفرق بين طلب الرؤية وحصول الرؤية. ولو قبلنا أنَّ أصل الرؤية مطلقاً - وفي جميع الظروف ولكلِّ الأفراد - مزيَّةٌ وكمالٌ، لكانت كمالاً لكلِّ من كان مع النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو بقيَّة الأئمَّة (عليهم السلام)، وهذا نظير نظريَّة عدالة الصحابة عند غيرنا، فالصحبة والرؤية مزيَّة بشرطها وشروطها، وحالهما كحال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ ...﴾ إلى قوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ (الأحزاب: ٣٠ - ٣٢).

↑صفحة ١٣١↑

ثمّ إنَّ الأصل الأوَّلي لكلِّ مدَّعٍ هو عدم التصديق به وعدم قبول دعواه، لاسيّما إذا كان يجرُّ مكسباً لصاحب الدعوى، وذلك بأنْ يخلق نتائج جوهريَّة لنفسه طريقةً، أو منهجاً، أو مشروعاً خاصًّا. ومن ذلك أغلب مدَّعي الرؤية، فلا بدَّ أنْ يكون الأصل في دعواه هو عدم التصديق، فلا يمكن إثبات حقَّانيَّة مذهبه بواسطة الرؤية واللقاء به (عجَّل الله فرجه) كما يدَّعيه بعض الصوفيَّة لإثبات حقَّانيَّة مطالبهم.
الخلاصة:
فانكشفت بذلك أُمور:
١ - أنَّ طلب الرؤية بمعنى السعي الفعلي لها في عصر الغيبة ليس راجحاً، لوجود المانع. وفرقٌ بين طلب الرؤية وبين تحقُّقها الخارجي. وكذا لا نُسلِّم بوجود تلازم بين تحقُّق الرؤية خارجاً، وبين صيرورة صاحبها أفضل علماً وورعاً.
٢ - أنَّ الأصل الأوَّلي هو عدم قبول دعوى مدَّعي الرؤية، إلَّا على سبيل القطع والاطمئنان.
٣ - أنَّه يمكن قبول دعوى الرؤية والمشاهدة بعد إقامة الشواهد في حقِّ من لا يُسلِّم بهذه الدعوى، ويكون خالياً من الأغراض الشخصيَّة، وإنَّما المهمُّ عنده التأكيد على وجود الإمام (عجَّل الله فرجه).
٤ - يجب أنْ لا يتجاوز مدى مدَّعي الرؤية القضايا الخارجيَّة الشخصيَّة دون القضايا المصيريَّة، بل سيرة السلف من الأصحاب على ذلك. ولو كان أهل البيت (عليهم السلام) يرتضون هذه الطريقة لأمضوها، سيَّما أنَّها

↑صفحة ١٣٢↑

تُعَدُّ قضيَّة مركزيَّة وجوهريَّة، بل الأمر بالعكس فقد تمَّ تنشيط ظاهرة الوكالات العامَّة، بل قد ورد التكذيب في مدَّعي الرؤية بهذا النحو بأنْ تصير الرؤية دليلاً شرعيًّا لفكرة، أو لموقف فقهي، أو امضاءً سياسيًّا، ونحو ذلك من الرؤية، فقد ورد: «وَسَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي اَلمُشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَنِ اِدَّعَى اَلمُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ اَلسُّفْيَانِيِّ وَاَلصَّيْحَةِ فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ»(١٣٥).
٥ - لا ريب أنَّ للمذهب علَّة مبقية، فقد صمد هذا المذهب طوال هذه الفترة الطويلة من عصر الغيبة حتَّى يومنا، ولم يُسجِّل الملف التاريخي أنَّ سبب هذا البقاء هم دعاة الرؤية، بل المسجَّل أنَّ المذهب تواصل على سواعد الفقهاء كالكليني والطوسي والمرتضى والعلَّامة والشهيد (رحمهم الله) ممَّن كان على نهج الأئمَّة (عليهم السلام) من التنصيب والرجوع إليهم على أساس النيابة العامَّة.
٦ - أنَّ هناك إطباقاً قوليًّا وعمليًّا على عدم الاعتناء بقول مدَّعي الرؤية، وهذا الإجماع يكشف عن أنَّ الموقف العملي الدقيق هو ذلك، وأنَّ سيرة الأعلام جرت على الاستهانة بمن يدَّعي الرؤية، ويريد أنْ يُثبِت الأُمور المصيريَّة. وكان جوابهم بقولهم: سلاماً.
٧ - أنَّه لو تمَّ أُسلوب الرؤية والمشاهدة في تحديد المسائل المهمَّة للزم الهَرْجُ والمَرْجُ، لأنَّ المدَّعين كثيرون، وهم متناقضون. ومن الملفت للانتباه أنَّ جُلَّ هؤلاء هم أصحاب تاريخ مجهول، بل تاريخ بعضهم مظلم، والنظر في سلوكيَّة هؤلاء مورد تأمُّل، بل الهدف الذي تبنَّاه أصحاب هذه المسالك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٥) كمال الدِّين (ص ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤)، الغيبة للطوسي (ص ٣٩٥/ ح ٣٦٥).

↑صفحة ١٣٣↑

المنحرفة هو عزل الأُمَّة عن الفقهاء الذين أكَّدنا أنَّهم هم السبيل الذي أُمضي من قِبَل أهل البيت (عليهم السلام) قبل وبعد الغيبة.
بعد اتِّضاح هذا الأمر فمتابعة الشواذِّ ممَّن يدَّعي الرؤية غير مغتفر، لقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ (الصافَّات: ٢٤).
٨ - نشر الثقافة المغلوطة في بعض المجتمعات الجاهلة والمنقطعة عن الثقافة الإسلاميَّة الأصيلة برهة من الزمن للأسباب والظروف السياسيَّة والقمعية التي مُنيت بها، فهذه الثقافة تكون سبباً للهلوسة في نفوس السُّذَّج، فيدَّعي ويُتَّبَع. كما أنَّها تكون سبباً لصدور بعض التصرُّفات غير المستدلِّ عليها شرعاً، والموجبة للوهن بالمذهب، والطعن في شموخه، فالثقافة العاتمة غير ذات الأُسُس الأرضيَّة تُؤمِّن لصاحبها شيئاً من المعرفة الجزئيَّة، وقد يحدث أنْ تُؤدِّي هذه الثقافة بصاحبها إلى مستويات اجتماعيَّة، وتُوسِّع من دائرة نفوذه على المستوى الجماهيري، باعتبار أنَّ الأُمَّة تخضع في تركيبتها إلى اعتبارات مختلفة من حيث الوعي والإدراك والمستوى الثقافي، فهي تتأثَّر بكثير من المعطيات من دون الوقوف على خلفيَّاتها وأهدافها وأبعادها، بل إنَّما تنساق بشكل عفوي باتِّجاه الأُمور الجاهزة من دون مناقشة وتحليل.
فلابدَّ أنْ يكون الميزان في قبول الثقافة هو الخضوع لاعتبارات عقليَّة، وقواعد منطقيَّة، وأُصول البحث العلمي، وضوابط تمييز الحقِّ من الباطل، وإلَّا يلزم غياب الحقيقة، وهو مخالف للفطرة والمنطق والقانون والوجدان، بل غير مغتفر عند من له أدنى حظٍّ من العلم، فلا بدَّ من

↑صفحة ١٣٤↑

(الفلتر) وصَّمَام الأمان، فمقياس أيِّ ثقافة صمودها أمام النقد العلمي، وتملُّكها لمكوِّناتها العلميَّة، ولا شفاعة للكثرة العدديَّة، ولا للواقع الاجتماعي والسياسي، إذا كان يعيش الجهالة والبُعد عن الثقافة الإسلاميَّة الحقَّة، فالعبرة في الرجوع للكفاءة العلميَّة المتخصِّصة والمتمرِّسة وذات الباع الطويل في التنقيب والتحليل، والتجرُّد عن الأهواء، إذ الكفاءة هي المحكُّ العلمي والعملي في التمييز، لا من يتناوشها عن بُعد بمنأى عن المراقبة والنقد.

* * *

↑صفحة ١٣٥↑

الفصل الرابع: للمهدي حيرة وغيبة

↑صفحة ١٣٧↑

* مقوِّمات الفكرة المهدويَّة.
* بعض أوجه الغيبة.
* الدليل الروائي على الولادة.

↑صفحة ١٣٨↑

قد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «تَكُونُ لَهُ - أي للمهدي - غَيْبَةٌ وَحَيْرَةٌ، يَضِلُّ فِيهَا أَقْوَامٌ»(١٣٦).
فما المراد من الحيرة؟
هل الحيرة في العقائد الدِّينيَّة بسبب الفراغ الفكري في الأُمَّة، أم الحيرة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، بمعنى أنَّ طول غيبته توجب وقوع الناس في الشكِّ والاختلاف في شأنه، أم الحيرة في شأن مصير العالم، أم الحيرة في غلبة الظَّلَمة وأهل الباطل واليأس من النصر الإلهي؟
ولماذا الغيبة توجب الحيرة والضلال؟
ظاهرة الغيبة حالة جديدة، وليست مألوفة عند عامَّة المسلمين وإنْ ثقَّف لها القرآن، والاعتقاد بوجود إمام وأنَّه غائب يوهم التعطيل، فيحتاج إلى وعي ووفرة علميَّة حتَّى تنجلي الحيرة، وكلَّما طالت الفترة إزداد الغموض، لاسيّما إذا اكتنفت الواقعة بعوامل مساعدة من قبيل استتار الولادة، والإطالة غير المألوفة زمناً للغيبة، والانقطاع التامِّ، والتشرُّف بالإمامة في سنٍّ مبكَّر جدًّا، وخفاء وتردُّد اسم الأُمِّ، والمِنَح التي مُنِحَت له

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٦) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٨/ باب في الغيبة/ ح ٧)، الغيبة للنعماني (ص ٦٨ و٦٧/ باب ٤/ ح ٤)، كمال الدِّين (ص ٢٨٨ و٢٨٩/ باب ٢٦/ ح ١)، كفاية الأثر (ص ٢٢٠)، الاختصاص (ص ٢٠٩)، الغيبة للطوسي (ص ٣٣٦/ ح ٢٨٢).

↑صفحة ١٣٩↑

فاقت منح الأنبياء والرُّسُل (عليهم السلام)، والإنجاز الذي سيُحقِّقه يفوق عمل الأنبياء (عليهم السلام)، كلُّ هذا وغيره يوجب الغموض وصعوبة القبول، خصوصاً أنَّا نعيش زمناً يصعب فيه تقبُّل العلوم الميتافيزيقيَّة والغيبيَّة.
لكنَّا نقول: إنَّ كلَّ ظاهرة حين نواجهها للوهلة الأُولى نحتاج إلى تصوُّرها وتعقُّل أطرافها وأطوارها، ولبقاء العقل البشري مرتاباً نحتاج إلى أنْ يُقام البرهان الساطع، خصوصاً أنَّ الأصل العقلي النظري والعملي يستدعي التحقيق وعدم القذف بالإنكار لمجرَّد الغرابة والاستبعاد، فمقتضى العقل الحسِّي البشري يستبعد وجود عالم ما وراء عالم الموت، ويرفض النشور والحساب، بيد أنَّ اكتناف الغموض والاستتار لما وراء هذا العالم لا يستدعي الإنكار من العقل، بل لا بدَّ من مواجهة الوسائل المعرفيَّة لهذه المعلومة، حتَّى ينكشف لنا سقم هذه القضيَّة أو صحَّتها، وهكذا العقل الحسِّي لا يُدرك لابدّيَّة وجود حجَّة في الأرض، وأنَّ تأثير هذا الحجَّة تأثير كوني.
وهل استطاع العقل البشري الحسِّي تعقُّل ظاهرة الوحي، أو وجود موجودات أُخرى كالملائكة والجنِّ وعوالم أُخرى غير خاضعة لإدراك الحواسِّ؟ فإنَّ هذه الموارد وغيرها مستبعَدة بحكم العقل الحسِّي، لا الرفض من قِبَل العقل التجرُّدي.
مقوِّمات الفكرة المهدويَّة:
وحينئذٍ نقول: إنَّ الفكرة المهدويَّة متقوِّمة بأُمور:
١ - المهدي وسماته، وصفاته، وإنجازاته.
٢ - الغيبة (الصغرى منها، والكبرى).

↑صفحة ١٤٠↑

٣ - الولادة، وطول الغيبة، ومجهوليَّة التوقيت، واختفاء الهويَّة الشخصيَّة.
والمتردِّد والمشكِّك في مثل هذه الأُمور، بل المنكر أيضاً لم يدَّعِ استحالة هذه الظواهر وامتناعها، بل يدَّعي عدم الدليل عليها.
وحول هذه الأُمور الثلاثة نقول:
الأمر الأوَّل: المهدي وسماته، وإنجازاته:
فقد تواترت الروايات على ذلك، وبمجرَّد الوقوف على الكمِّ الهائل من الروايات يجعلنا نذعن بأنَّ حقيقة المهدي (عجَّل الله فرجه) حقيقة إسلاميَّة - إنْ لم نقل دينيَّة فطريَّة -، وهذه الروايات قد تحدَّثت عن خصوصيَّات المهدي، وإمكانيَّاته (عجَّل الله فرجه)، وقد أُلِّفت كُتُب تتضمَّن الحديث عن المهدي، كـ: حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني، وسُنَن أبي داود، وكتاب آل محمّد للشيخ حسام الدِّين المردي، وسُنَن الترمذي، وكتاب الفتن، وسُنَن ابن ماجة، وغير ذلك.
فلا مجال للاجتهاد مقابل النصِّ، والاعتراض بأنَّ الأُمَّة التي لم تَنْقَدْ للأنبياء (عليهم السلام) كيف تنقاد للمهدي (عجَّل الله فرجه)؟ وذلك لورود النصِّ الصريح سنداً ودلالةً على أنَّ الذي يقوم بهذا الأمر العظيم والخطير هو المهدي (عجَّل الله فرجه)، وعدم تمكُّن الأنبياء (عليهم السلام) لهذا الدور لا يستلزم ممنوعيَّة قيام المهدي (عجَّل الله فرجه) به بعد ورود النصِّ بذلك.
نعم هناك شرذمة من العلماء أنكروا المهدي (عجَّل الله فرجه)، لشُبُهات مقابل البديهيَّات، كتبنِّيهم لنظريَّات في علم الاجتماع لا تنسجم مع الفكرة العالميَّة

↑صفحة ١٤١↑

للمنقذ، أو حمل ظاهرة المهدي على أنَّها ظاهرة اجتماعيَّة ليس من شأن الفرد القيام بها، ولأنَّ بعض المغرضين تلبَّس باسم المهدي لكسب مآرب دنيويَّة، بل سعى أُمراء الدولة العبَّاسيَّة أنْ يضعوا لوجوداتهم شيئاً من الشرعيَّة والقداسة فسمَّوا أولادهم بأسماء مختصَّة بالمهدي (عجَّل الله فرجه)، إلَّا أنَّ أدنى مراجعة للروايات يوجب رفض تلك النظريَّات، لما ورد من تشخيصه (عجَّل الله فرجه) بأنَّه ابن فلان، وسماته الشخصيَّة، ونحو ذلك.
وإذا انتهى الأمر إلى التشكيك في هذا الكمِّ الهائل من الروايات، لم يصمد يقين في أيَّة ضرورة دينيَّة، ولسرى الشكُّ في كلِّ الظواهر، ولانتهى الأمر إلى التشكيك وإنكار كلِّ الحقائق والمسلَّمات الدِّينيَّة. هذا مضافاً إلى أنَّ البنية التحتيَّة لرفض هذه الروايات هو نظريَّات وضعيَّة لا يُعلَم سقمها من صحَّتها، وعلى فرض التسليم بصحَّتها، فهل هي عامَّة وشاملة لكلِّ الظواهر بما فيها الظواهر الدِّينيَّة أم لا؟ إذ إنَّ مجرَّد الاستقراء الناقص لا يوجب تأسيس العموم العلمي.
الأمر الثاني: الغيبة:
فلم يصطدم بها المؤمنون في بداية الغيبة فضلاً عمَّن تأخَّر عنها، بل هي نتاج أخبار النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة (عليهم السلام)، التي هي مفتاح المعرفة والبرهنة.
فقد ورد عن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «تَكُونُ لَهُ غَيْبَةٌ وَحَيْرَةٌ حَتَّى تَضِلَّ اَلْخَلْقُ عَنْ أَدْيَانِهِمْ»(١٣٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٧) الإمامة والتبصرة (ص ١١٩ و١٢٠/ ح ١١٤)، كمال الدِّين (ص ٢٨٧/ باب ٢٥/ ح ٤).

↑صفحة ١٤٢↑

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «تَكُونُ لَهُ غَيْبَةٌ وَحَيْرَةٌ، يَضِلُّ فِيهَا أَقْوَامٌ»(١٣٨).
وعن الحسن (عليه السلام): «مِنْ وُلْدِ أَخِي اَلْحُسَيْنِ، اِبْنِ سَيِّدَةِ اَلْإِمَاءِ، يُطِيلُ اَللهُ عُمُرَهُ فِي غَيْبَتِهِ»(١٣٩).
وعن الحسين (عليه السلام): «قَائِمُ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ هُوَ اَلتَّاسِعُ مِنْ وُلْدِي، وَهُوَ صَاحِبُ اَلْغَيْبَةِ »(١٤٠).
وعن زين العابدين (عليه السلام): «اَلْقَائِمُ مِنَّا تَخْفَى وِلَادَتُهُ عَلَى اَلنَّاسِ»(١٤١).
وعن الباقر (عليه السلام): «إِمَامٌ يَخْنِسُ فِي زَمَانِهِ، عِنْدَ اِنْقِضَاءٍ مِنْ عِلْمِهِ، سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، ثُمَّ يَبْدُو كَالشِّهَابِ اَلْوَقَّادِ»(١٤٢).
وعن الصادق (عليه السلام): «إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ غَيْبَةً، فَلْيَتَّقِ اَللهَ عَبْدٌ وَلْيَتَمَسَّكْ بِدِينِهِ»(١٤٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٨) قد مرَّ في (ص ١٣٩)، فراجع.
(١٣٩) كمال الدِّين (ص ٣١٥ و٣١٦/ باب ٢٩/ ح ٢)، كفاية الأثر (ص ٢٢٥ و٢٢٦)، إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٣٠)، الاحتجاج (ج ٢/ ص ٩ و١٠).
(١٤٠) كمال الدِّين (ص ٣١٧/ باب ٣٠/ ح ٢)، إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٣٠ و٢٣١).
(١٤١) كمال الدِّين (ص ٣٢٢ و٣٢٣/ باب ٣١/ ح ٦)، إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٣١).
(١٤٢) الإمامة والتبصرة (ص ١١٩/ ح ١١٣)، كمال الدِّين (ص ٣٢٤ و ٣٢٥/ باب ٣٢/ ح ١).
(١٤٣) الإمامة والتبصرة (ص ١٢٦ و١٢٧/ ح ١٢٧)، الكافي (ج ١/ ص ٣٣٥ و٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ١)، الغيبة للنعماني (ص ١٧٣ و١٧٤/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ١١)، كمال الدِّين (ص ٣٤٣/ باب ٣٣/ ح ٢٥)، تقريب المعارف (ص ٤٣٢)، الغيبة للطوسي (ص ٤٥٥/ ح ٤٦٥).

↑صفحة ١٤٣↑

وعن الكاظم (عليه السلام): «إِنَّهُ لَا بُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ مِنْ غَيْبَةٍ»(١٤٤).
وعن الرضا (عليه السلام): «كَأَنِّي بِالشِّيعَةِ عِنْدَ فَقْدِهِمْ اَلثَّالِثَ مِنْ وُلْدِي يَطْلُبُونَ اَلمَرْعَى فَلَا يَجِدُونَهُ»، قُلْتُ لَهُ: وَلِمَ ذَاكَ، يَا اِبْنَ رَسُولِ اَلله؟ قَالَ: «لِأَنَّ إِمَامَهُمْ يَغِيبُ عَنْهُمْ...»(١٤٥).
وعن الجواد (عليه السلام): «هُوَ اَلَّذِي تَخْفَى عَلَى اَلنَّاسِ وِلَادَتُهُ، وَيَغِيبُ عَنْهُمْ شَخْصُهُ»(١٤٦).
وعنه (عليه السلام) أيضاً: قُلْتُ: مَنِ اَلْخَلَفُ بَعْدَكَ؟ فَقَالَ: «اِبْنِي عَلِيٌّ، وَاِبْنَا عَلِيٍّ»، ثُمَّ أَطْرَقَ مَلِيًّا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهَا سَتَكُونُ حَيْرَةٌ...»(١٤٧).
وعن الهادي (عليه السلام): «لَوْ لَا مَنْ يَبْقَى بَعْدَ غَيْبَةِ قَائِمِكُمْ (عليه السلام) مِنَ اَلْعُلَمَاءِ اَلدَّاعِينَ إِلَيْهِ، وَاَلدَّالِّينَ عَلَيْهِ، وَاَلذَّابِّينَ عَنْ دِينِهِ بِحُجَجِ اَلله، وَاَلمُنْقِذِينَ لِضُعَفَاءِ عِبَادِ اَلله مِنْ شِبَاكِ إِبْلِيسَ وَمَرَدَتِهِ، وَمِنْ فِخَاخِ اَلنَّوَاصِبِ، لَمَا بَقِيَ أَحَدٌ إِلَّا اِرْتَدَّ عَنْ دِينِ اَلله...»(١٤٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٤) الإمامة والتبصرة (ص ١١٣/ ح ١٠٠)، الكافي (ج ١/ ص ٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ٢)، الغيبة للنعماني (ص ١٥٥ و١٥٦/ باب ١٠/ فصل ١/ ح ١١)، كمال الدِّين (ص ٣٥٩ و٣٦٠/ باب ٣٤/ ح ١)، دلائل الإمامة (ص ٥٣٤/ ح ٥١٦/١٢٠)، كفاية الأثر (ص ٢٦٨)، الغيبة للطوسي (ص ١٦٦/ ح ١٢٨).
(١٤٥) كمال الدِّين (ص ٤٨٠/ باب ٤٤/ ح ٤)، علل الشرائع (ج ١/ ص ٢٤٥/ باب ١٧٩/ ح ٦)، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ٢/ ص ٢٤٧/ باب ٢٨/ ح ٦).
(١٤٦) كمال الدِّين (ص ٣٧٧ و٣٧٨/ باب ٣٦/ ح ٢)، كفاية الأثر (ص ٢٨١ و٢٨٢)، إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٤٢)، الاحتجاج (ج ٢/ ص ٢٤٩ و٢٥٠).
(١٤٧) الغيبة للنعماني (ص ١٩١/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٣٦).
(١٤٨) تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) (ص ٣٤٤ و٣٤٥/ ح ٢٢٥)، الاحتجاج (ج ١/ ص ٩).

↑صفحة ١٤٤↑

وعن العسكري (عليه السلام): «اِبْنِي مُحَمَّدٌ هُوَ اَلْإِمَامُ وَاَلْحُجَّةُ بَعْدِي، مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْهُ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، أَمَا إِنَّ لَهُ غَيْبَةً يَحَارُ فِيهَا اَلْجَاهِلُونَ، وَيَهْلِكُ فِيهَا اَلمُبْطِلُونَ، وَيَكْذِبُ فِيهَا اَلْوَقَّاتُونَ، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى اَلْأَعْلَامِ اَلْبِيضِ تَخْفِقُ فَوْقَ رَأْسِهِ بِنَجَفِ اَلْكُوفَةِ»(١٤٩).
هذا مضافاً إلى مَنْ روى حديث السفينة(١٥٠).
وروايات الأمان لأهل الأرض(١٥١).
وروايات من مات ولم يعرف إمامه(١٥٢).
وروايات الخلفاء والأئمَّة الاثني عشر(١٥٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٩) كمال الدِّين (ص ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٩)، كفاية الأثر (ص ٢٩٦)، إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٥٣).
(١٥٠) عَنْ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِيكُمْ مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَ فِيهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ». بصائر الدرجات (ص ٣١٧/ ج ٦/ باب ١٣/ ح ٤).
(١٥١) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «اَلنُّجُومُ أَمَانٌ لِأَهْلِ اَلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ اَلنُّجُومُ ذَهَبَ أَهْلُ اَلسَّمَاءِ، وَأَهْلُ بَيْتِي أَمَانٌ لِأَهْلِ اَلْأَرْضِ، فَإِذَا ذَهَبَ أَهْلُ بَيْتِي ذَهَبَ أَهْلُ اَلْأَرْضِ». كمال الدِّين (ص ٢٠٥/ باب ٢١/ ح ١٩).
(١٥٢) عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «مَنْ مَاتَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ إِمَامَهُ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». المحاسن (ص ١٥٣ و١٥٤/ ح ٧٨).
(١٥٣) عَنِ اِبْنِ مَسعُودٍ، عَنِ اَلنَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قَالَ: «اَلْخُلَفَاءُ بَعْدِي اِثْنَا عَشَرَ كَعِدَّةِ نُقَبَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ». كمال الدِّين (ص ٢٧١ و٢٧٢/ باب ٢٤/ ح ١٨).
وَعَنِ اَلصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ (عليهم السلام)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «اَلْأَئِمَّةُ بَعْدِي اِثْنَا عَشَرَ، أَوَّلُهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَآخِرُهُمُ اَلْقَائِمُ، فَهُمْ خُلَفَائِي وَأَوْصِيَائِي وَأَوْلِيَائِي وَحُجَجُ اَلله عَلَى أُمَّتِي بَعْدِي، اَلمُقِرُّ بِهِمْ مُؤْمِنٌ وَاَلمُنْكِرُ لَهُمْ كَافِرٌ».
من لا يحضره الفقيه (ج ٤/ ص ١٧٩ و١٨٠/ ح ٥٤٠٦).

↑صفحة ١٤٥↑

وروايات الثقلين(١٥٤).
ورواية مَنْ سَرَّه(١٥٥).
وروايات الرجعة(١٥٦).
وروايات: «اَللَّهُمَّ بَلَى لَا تَخْلُو اَلْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لله بِحُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً، وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اَلله وَبَيِّنَاتُهُ»(١٥٧).
وروايات علامات الظهور(١٥٨).
وكُتُب أُلِّفت قبل أو أثناء غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٤) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): «دَعَا رَسُولُ اَلله أَصْحَابَهُ بِمِنًى، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ، أَمَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا، كِتَابَ اَلله وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ اَلْحَوْضَ...». بصائر الدرجات (ص ٤٣٣/ ج ٨/ باب ١٧/ ح ٣).
(١٥٥) عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا (عليه السلام)، قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى اَلله بِغَيْرِ حِجَابٍ، وَيَنْظُرَ اَللهُ إِلَيْهِ بِغَيْرِ حِجَابٍ، فَلْيَتَوَلَّ آلَ مُحَمَّدٍ، وَلْيَتَبَرَّأْ مِنْ عَدُوِّهِمْ، وَلْيَأْتَمَّ بِإِمَامِ اَلمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ اَلْقِيَامَةِ نَظَرَ اَللهُ إِلَيْهِ بِغَيْرِ حِجَابٍ، وَنَظَرَ إِلَى اَلله بِغَيْرِ حِجَابٍ». المحاسن (ج ١/ ص ٦٠/ ح ١٠١).
(١٥٦) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَعْيَنَ وَأَبَا اَلْخَطَّابِ يُحَدِّثَانِ جَمِيعاً - قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ أَبُو اَلْخَطَّابِ مَا أَحَدَثَ - أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ اَلْأَرْضُ عَنْهُ وَيَرْجِعُ إِلَى اَلدُّنْيَا اَلْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، وَإِنَّ اَلرَّجْعَةَ لَيْسَتْ بِعَامَّةٍ، بَلْ هِيَ خَاصَّةٌ، لَا يَرْجِعُ إِلَّا مَنْ مَحَضَ اَلْإِيمَانَ مَحْضاً، أَوْ مَحَضَ اَلشِّرْكَ مَحْضاً». مختصر بصائر الدرجات (ص ٢٤).
(١٥٧) نهج البلاغة (ص ٤٩٧/ ح ١٤٧).
(١٥٨) عَنْ عُمَرَ بْنِ حَنْظَلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «خَمْسُ عَلَامَاتٍ قَبْلَ قِيَامِ اَلْقَائِمِ: اَلصَّيْحَةُ، وَاَلسُّفْيَانِيُّ، وَاَلْخَسْفُ، وَقَتْلُ اَلنَّفْسِ اَلزَّكِيَّةِ، وَاَلْيَمَانِيُّ». الكافي (ج ٨/ ص ٣١٠/ ح ٤٨٣). وغيرها من الروايات.

↑صفحة ١٤٦↑

ممَّا يُؤكِّد أنَّ ظاهرة الغيبة كانت مألوفة - وإنْ تقدَّم أنَّها غير مألوفة بحسب طبعها الأوَّلي، ولكن استأنسها الشيعة بسبب الميراث الروائي والسلوكي عند أهل الحديث والفقهاء وفي أذهان الشيعة - في تلك المرحلة الزمنيَّة.
فمن تلك الكُتُب مثلاً: الغيبة للعبَّاس بن هشام الناشري، وهو من أصحاب الرضا (عليه السلام)، وكتاب القائم للفضل بن شاذان، وكتاب عبد الله ابن جعفر الحميري، وكتاب محمّد بن القاسم البغدادي، وكتاب عبد الوهَّاب المادرائي، وكتاب عليِّ بن محمّد بن رياح السوَّاق، وكتاب أخبار القائم لمحمّد بن إبراهيم المعروف بعلَّان الكليني.
كما أنَّ أصحاب العسكري (عليه السلام) كانت مركوزةً عندهم فكرة الغيبة، وأنَّ الشيعة سيتَّجهون إلى ظاهرة الغيبة واحتجاب إمامهم، كأحمد بن إسحاق الأشعري، وعثمان بن سعيد العمري، وأحمد بن إدريس الأشعري أبي عليٍّ، ومحمّد بن عليِّ بن بلال الثقة، ومحمّد بن الحسين بن أبي الخطَّاب الزيَّات، ومحمّد بن الحسن الصفَّار، وحمدان بن سليمان النيسابوري، وعروة الوكيل القمِّي، والعزيز بن زهير، ومحمّد بن بلال، ومحمّد بن صالح بن محمّد الهمداني الدهقان، وعليِّ بن زياد الصيمري، وأبو سليمان المحمودي، وابن سعدان الكاتب الأنباري.
فهؤلاء وغيرهم قبلوا الغيبة بسهولة، ولم ينعكس لنا تاريخيًّا أنَّ أحد أصحاب الإمام الهادي أو العسكري (عليهما السلام) عاش ظاهرة الحيرة.
وهكذا الكلام مع وكلاء الناحية: محمّد بن إبراهيم، وداود بن القاسم، وابني عليِّ بن إبراهيم الهمداني.

↑صفحة ١٤٧↑

وهكذا الكلام مع فقهاء الغيبة الصغرى والكبرى، كالكليني والطوسي وكونها ظاهرة عاشتها الشيعة وتعاملوا معها، ولم يُسجِّل الباحثون والنُّقَّاد للمذهب الشيعي حالة انقلاب وتمزُّق بسبب الغيبة.
الأمر الثالث: الولادة، وطول الغيبة، ومجهوليَّة التوقيت، واختفاء الهويَّة الشخصيَّة:
فإنَّ الوجه في غيبته (عجَّل الله فرجه) استمراراً حتَّى صارت سبباً لإنكار ولادته (عجَّل الله فرجه)، فبعد ما ثبت بالأدلَّة القطعيَّة وجوب نصب الإمام وانحصار الأئمَّة (عليهم السلام) في الاثني عشر، ثمّ وجدناه غائباً عن الأبصار - علماً أنَّ ذلك لسببٍ ولا يضرُّ في المنظومة المهدويَّة عدم معرفة السبب وإنْ دلَّت عليه الروايات -، فهو نظير عدم معرفة المراد من الآيات المتشابهة، وآيات التجسيم، والجبر، وغيرها، وكذا عدم معرفة فلسفة العبادات، كعدد الركعات، والوجه في أعمال ومناسك الحجِّ.
بعض أوجه الغيبة:
ثمّ إنَّ الروايات أشارت إلى بعض أوجه الغيبة، نذكر بعضها:
١ - لئلَّا تكون في عنقه (عجَّل الله فرجه) بيعة لأحد، فعن عليٍّ (عليه السلام): «إِنَّ اَلْقَائِمَ مِنَّا إِذَا قَامَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، فَلِذَلِكَ تَخْفَى وِلَادَتُهُ، وَيَغِيبُ شَخْصُهُ»(١٥٩).
٢ - الخوف من القتل قبل تحقُّق الهدف، فعن الباقر (عليه السلام): «إِنَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٩) كمال الدِّين (ص ٣٠٣/ باب ٢٦/ ح ١٤)، إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٢٩).

↑صفحة ١٤٨↑

لِلْقَائِمِ غَيْبَةً قَبْلَ ظُهُورِهِ»، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: «يَخَافُ»، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى بَطْنِهِ(١٦٠).
٣ - اختبار الناس وتمحيصهم، فعن الصادق (عليه السلام): «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا بَقِيتُمْ بِلَا إِمَامٍ هُدًى وَلَا عَلَمٍ، يَتَبَرَّأُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ تُمَيَّزُونَ، وَتُمَحَّصُونَ، وَتُغَرْبَلُونَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ اِخْتِلَافُ اَلسَّيْفَيْنِ، وَإِمَارَةٌ أَوَّلَ مِنَ اَلنَّهَارِ، وَقَتْلٌ وَخَلْعٌ مِنْ آخِرِ اَلنَّهَارِ»(١٦١).
٤ - لأجل أنْ تجري في الإمام (عجَّل الله فرجه) سُنَن الأنبياء (عليهم السلام)، فعن العسكري (عليه السلام): «إِنَّ اِبْنِي هُوَ اَلْقَائِمُ مِنْ بَعْدِي، وَهُوَ اَلَّذِي يَجْرِي فِيهِ سُنَنُ اَلْأَنْبِيَاءِ (عليهم السلام) بِالتَّعْمِيرِ وَاَلْغَيْبَةِ...»(١٦٢).
٥ - لأجل تحقيق خروج المؤمنين من أصلاب الكافرين، فعن الصادق (عليه السلام): «لَنْ يَظْهَرَ أَبَداً حَتَّى تَظْهَرَ وَدَائِعُ اَلله (عزَّ وجلَّ)، فَإِذَا ظَهَرَتْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَظْهَرُ فَقَتَلَهُ»(١٦٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٠) كمال الدِّين (ص ٤٨١/ باب ٤٤/ ح ٩)، علل الشرائع (ج ١/ ص ٢٤٦/ باب ١٧٩/ ح ٩).
(١٦١) الإمامة والتبصرة (ص ١٣٠ و١٣١/ ح ١٣٦)، كمال الدِّين (ص ٣٤٧ و٣٤٨/ باب ٣٣/ ح ٣٦).
(١٦٢) كمال الدِّين (ص ٥٢٤/ باب ٤٦/ ح ٤)، الخرائج والجرائح (ج ٢/ ص ٩٦٤).
(١٦٣) عَنْ إِبْرَاهِيمَ اَلْكَرْخِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) - أَوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ -: أَصْلَحَكَ اَللهُ، أَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ (عليه السلام) قَوِيًّا فِي دِينِ اَلله (عزَّ وجلَّ)؟ قَالَ: «بَلَى»، قَالَ: فَكَيْفَ ظَهَرَ عَلَيْهِ اَلْقَوْمُ؟ وَكَيْفَ لَمْ يَدْفَعْهُمْ؟ وَمَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: «آيَةٌ فِي كِتَابِ اَلله (عزَّ وجلَّ) مَنَعَتْهُ»، قَالَ: قُلْتُ: وَأَيَّةُ آيَةٍ هِيَ؟ قَالَ: «قَوْلُهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الفتح: ٢٥]، إِنَّهُ كَانَ لله (عزَّ وجلَّ) وَدَائِعُ مُؤْمِنُونَ فِي أَصْلَابِ قَوْمٍ كَافِرِينَ وَمُنَافِقِينَ، فَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ (عليه السلام) لِيَقْتُلَ اَلْآبَاءَ حَتَّى يَخْرُجَ اَلْوَدَائِعُ، فَلَمَّا خَرَجَتِ اَلْوَدَائِعُ ظَهَرَ عَلَى مَنْ ظَهَرَ فَقَاتَلَهُ، وَكَذَلِكَ قَائِمُنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ لَنْ يَظْهَرَ أَبَداً حَتَّى تَظْهَرَ وَدَائِعُ اَلله (عزَّ وجلَّ)، فَإِذَا ظَهَرَتْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَظْهَرُ فَقَتَلَهُ». كمال الدِّين (ص ٦٤١ و٦٤٢).

↑صفحة ١٤٩↑

٦ - لأجل فسح المجال لوصول جميع أصناف الناس إلى الحكم، فقد ورد عن الصادق (عليه السلام): «مَا يَكُونُ هَذَا اَلْأَمْرُ حَتَّى لَا يَبْقَى صِنْفٌ مِنَ اَلنَّاسِ إِلَّا وَقَدْ وُلُّوا عَلَى اَلنَّاسِ حَتَّى لَا يَقُولَ قَائِلٌ: إِنَّا لَوْ وُلِّينَا لَعَدَلْنَا، ثُمَّ يَقُومُ اَلْقَائِمُ بِالْحَقِّ وَاَلْعَدْلِ»(١٦٤).
٧ - أمر إلهي غيبي، فَعَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ اَلْفَضْلِ اَلْهَاشِمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ اَلصَّادِقَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ غَيْبَةً لَا بُدَّ مِنْهَا، يَرْتَابُ فِيهَا كُلُّ مُبْطِلٍ»، فَقُلْتُ: وَلِمَ، جُعِلْتُ فِدَاكَ؟ قَالَ: «لِأَمْرٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَنَا فِي كَشْفِهِ لَكُمْ»، قُلْتُ: فَمَا وَجْهُ اَلْحِكْمَةِ فِي غَيْبَتِهِ؟ قَالَ: «وَجْهُ اَلْحِكْمَةِ فِي غَيْبَتِهِ وَجْهُ اَلْحِكْمَةِ فِي غَيْبَاتِ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ حُجَجِ اَلله تَعَالَى ذِكْرُهُ، إِنَّ وَجْهَ اَلْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ لَا يَنْكَشِفُ إِلَّا بَعْدَ ظُهُورِهِ، كَمَا لَمْ يَنْكَشِفْ وَجْهُ اَلْحِكْمَةِ فِيمَا أَتَاهُ اَلْخَضِرُ (عليه السلام) مِنْ خَرْقِ اَلسَّفِينَةِ، وَقَتْلِ اَلْغُلَامِ، وَإِقَامَةِ اَلْجِدَارِ لِمُوسَى (عليه السلام) إِلَى وَقْتِ اِفْتِرَاقِهِمَا»(١٦٥).
وسيأتي منَّا بيان الوجه في كيفيَّة الجمع بين هذه الروايات، إذ إنَّها لا تنافي - بحسب الألسن - ما تقدَّم من الوجه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٤) الغيبة للنعماني (ص ٢٨٢/ باب ١٤/ ح ٥٣).
(١٦٥) كمال الدِّين (ص ٤٨١ و٤٨٢/ باب ٤٤/ ح ١١)، علل الشرائع (ج ١/ ص ٢٤٥ و٢٤٦/ باب ١٧٩/ ح ٨)، الاحتجاج (ج ٢/ ص ١٤٠).

↑صفحة ١٥٠↑

الدليل الروائي على الولادة:
أمَّا ما ورد في الروايات من الدليل على الولادة:
فمنها:
١ - سُئل الإمام العسكري (عليه السلام): أَلَكَ وَلَدٌ؟ قَالَ: «إِي وَاَلله، سَيَكُونُ لِي وَلَدٌ يَمْلَأُ اَلْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً، فَأَمَّا اَلْآنَ فَلَا»(١٦٦).
٢ - عَنْ عَلَّانٍ اَلرَّازِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَـمَّا حَمَلَتْ جَارِيَةُ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) قَالَ: «سَتَحْمِلِينَ ذَكَراً، وَاِسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَهُوَ اَلْقَائِمُ مِنْ بَعْدِي»(١٦٧).
٣ - عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْقَاسِمِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام)، قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَكِيمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ اِبْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام)، قَالَتْ: بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو مُحَمَّدٍ اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، فَقَالَ: «يَا عَمَّةِ، اِجْعَلِي إِفْطَارَكِ هَذِهِ اَللَّيْلَةَ عِنْدَنَا، فَإِنَّهَا لَيْلَةُ اَلنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّ اَللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَيُظْهِرُ فِي هَذِهِ اَللَّيْلَةِ اَلْحُجَّةَ، وَهُوَ حُجَّتُهُ فِي أَرْضِهِ».
قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهُ: وَمَنْ أُمُّهُ؟
قَالَ لِي: «نَرْجِسُ».
قُلْتُ لَهُ: جَعَلَنِي اَللهُ فِدَاكَ، مَا بِهَا أَثَرٌ.
فَقَالَ: «هُوَ مَا أَقُولُ لَكِ».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٦) الخرائج والجرائح (ج ١/ ص ٤٧٨/ ح ١٩).
(١٦٧) كمال الدِّين (ص ٤٠٨/ باب ٣٨/ ح ٤)، كفاية الأثر (ص ٢٩٣ و٢٩٤).

↑صفحة ١٥١↑

قَالَتْ: فَجِئْتُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ جَاءَتْ تَنْزِعُ خُفِّي، وَقَالَتْ لِي: يَا سَيِّدَتِي وَسَيِّدَةَ أَهْلِي، كَيْفَ أَمْسَيْتِ؟
فَقُلْتُ: بَلْ أَنْتِ سَيِّدَتِي، وَسَيِّدَةُ أَهْلِي.
قَالَتْ: فَأَنْكَرَتْ قَوْلِي، وَقَالَتْ: مَا هَذَا، يَا عَمَّةِ؟
قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهَا: يَا بُنَيَّةُ، إِنَّ اَللهَ تَعَالَى سَيَهَبُ لَكِ فِي لَيْلَتِكِ هَذِهِ غُلَاماً سَيِّداً فِي اَلدُّنْيَا وَاَلْآخِرَةِ.
قَالَتْ: فَخَجِلَتْ وَاِسْتَحْيَتْ، فَلَمَّا أَنْ فَرَغْتُ مِنْ صَلَاةِ اَلْعِشَاءِ اَلْآخِرَةِ أَفْطَرْتُ وَأَخَذْتُ مَضْجَعِي، فَرَقَدْتُ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ فِي جَوْفِ اَللَّيْلِ قُمْتُ إِلَى اَلصَّلَاةِ، فَفَرَغْتُ مِنْ صَلَاتِي وَهِيَ نَائِمَةٌ لَيْسَ بِهَا حَادِثٌ، ثُمَّ جَلَسْتُ مُعَقِّبَةً، ثُمَّ اِضْطَجَعْتُ، ثُمَّ اِنْتَبَهْتُ فَزِعَةً وَهِيَ رَاقِدَةٌ، ثُمَّ قَامَتْ فَصَلَّتْ وَنَامَتْ.
قَالَتْ حَكِيمَةُ: وَخَرَجْتُ أَتَفَقَّدُ اَلْفَجْرَ، فَإِذَا أَنَا بِالْفَجْرِ اَلْأَوَّلِ كَذَنَبِ اَلسِّرْحَانِ، وَهِيَ نَائِمَةٌ، فَدَخَلَنِي الشُّكُوكُ، فَصَاحَ بِي أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام) مِنَ اَلمَجْلِسِ، فَقَالَ: «لَا تَعْجَلِي يَا عَمَّةِ، فَهَاكِ اَلْأَمْرُ قَدْ قَرُبَ».
قَالَتْ: فَجَلَسْتُ وَقَرَأْتُ الم اَلسَّجْدَةَ، وَيس، فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ إِذِ اِنْتَبَهَتْ فَزِعَةً، فَوَثَبْتُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: اِسْمُ اَلله عَلَيْكِ، ثُمَّ قُلْتُ لَهَا: أَتُحِسِّينَ شَيْئاً؟
قَالَتْ: نَعَمْ، يَا عَمَّةِ.
فَقُلْتُ لَهَا: اِجْمَعِي نَفْسَكِ، وَاِجْمَعِي قَلْبَكِ، فَهُوَ مَا قُلْتُ لَكِ.
قَالَتْ: فَأَخَذَتْنِي فَتْرَةٌ، وَأَخَذَتْهَا فَتْرَةٌ، فَانْتَبَهْتُ بِحِسِّ سَيِّدِي، فَكَشَفْتُ اَلثَّوْبَ عَنْهُ، فَإِذَا أَنَا بِهِ (عليه السلام) سَاجِداً يَتَلَقَّى اَلْأَرْضَ بِمَسَاجِدِهِ،

↑صفحة ١٥٢↑

فَضَمَمْتُهُ إِلَيَّ، فَإِذَا أَنَا بِهِ نَظِيفٌ مُتَنَظِّفٌ، فَصَاحَ بِي أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام): «هَلُمِّي إِلَيَّ اِبْنِي، يَا عَمَّةِ»، فَجِئْتُ بِهِ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ تَحْتَ أَلْيَتَيْهِ وَظَهْرِهِ، وَوَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ أَدْلَى لِسَانَهُ فِي فِيهِ، وَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَسَمْعِهِ وَمَفَاصِلِهِ، ثُمَّ قَالَ: «تَكَلَّمْ، يَا بُنَيَّ».
فَقَالَ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»، ثُمَّ صَلَّى عَلَى أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ وَعَلَى اَلْأَئِمَّةِ (عليهم السلام) إِلَى أَنْ وَقَفَ عَلَى أَبِيهِ، ثُمَّ أَحْجَمَ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام): «يَا عَمَّةِ، اِذْهَبِي بِهِ إِلَى أُمِّهِ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهَا، وَأْتِينِي بِهِ».
فَذَهَبْتُ بِهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا، وَرَدَدْتُهُ، فَوَضَعْتُهُ فِي اَلمَجْلِسِ، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَمَّةِ، إِذَا كَانَ يَوْمُ اَلسَّابِعِ فَأْتِينَا».
قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ جِئْتُ لِأُسَلِّمَ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، وَكَشَفْتُ اَلسِّتْرَ لِأَتَفَقَّدَ سَيِّدِي (عليه السلام)، فَلَمْ أَرَهُ، فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، مَا فَعَلَ سَيِّدِي؟
فَقَالَ: «يَا عَمَّةِ، اِسْتَوْدَعْنَاهُ اَلَّذِي اِسْتَوْدَعَتْهُ أُمُّ مُوسَى مُوسَى (عليه السلام)».
قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَلَمَّا كَانَ فِي اَلْيَوْمِ اَلسَّابِعِ جِئْتُ فَسَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ، فَقَالَ: «هَلُمِّي إِلَيَّ اِبْنِي»، فَجِئْتُ بِسَيِّدِي (عليه السلام) وَهُوَ فِي اَلْخِرْقَةِ، فَفَعَلَ بِهِ كَفَعْلَتِهِ اَلْأُولَى، ثُمَّ أَدْلَى لِسَانَهُ فِي فِيهِ كَأَنَّهُ يُغَذِّيهِ لَبَناً أَوْ عَسَلاً، ثُمَّ قَالَ: «تَكَلَّمْ، يَا بُنَيَّ».
فَقَالَ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللهُ»، وَثَنَّى بِالصَّلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أَمِيرِ

↑صفحة ١٥٣↑

اَلمُؤْمِنِينَ، وَعَلَى اَلْأَئِمَّةِ اَلطَّاهِرِينَ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ) حَتَّى وَقَفَ عَلَى أَبِيهِ (عليه السلام)، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ اَلْآيَةَ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القَصَص: ٥ و٦]»(١٦٨).
٤ - رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ اَلشَّلْمَغَانِيُّ فِي كِتَابِ (اَلْأَوْصِيَاءِ)، قَالَ: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ نَصْرٍ غُلَامُ أَبِي اَلْحَسَنِ (عليه السلام)، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَـمَّا وُلِدَ اَلسَّيِّدُ (عليه السلام) تَبَاشَرَ أَهْلُ اَلدَّارِ بِذَلِكَ، فَلَمَّا نَشَأَ خَرَجَ إِلَيَّ اَلْأَمْرُ أَنْ أَبْتَاعَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَعَ اَللَّحْمِ قَصَبَ مُخٍّ، وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا لِمَوْلَانَا اَلصَّغِيرِ (عليه السلام)(١٦٩).
٥ - عَنْ أَبِي غَانِمٍ اَلْخَادِمِ، قَالَ: وُلِدَ لِأَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) وَلَدٌ، فَسَمَّاهُ مُحَمَّداً، فَعَرَضَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ يَوْمَ اَلثَّالِثِ، وَقَالَ: «هَذَا صَاحِبُكُمْ مِنْ بَعْدِي...»(١٧٠).
٦ - عَنِ اَلسَّيَّارِيِّ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي نَسِيمٌ وَمَارِيَةُ، قَالَتَا: إِنَّه لَـمَّا سَقَطَ صَاحِبُ اَلزَّمَانِ (عليه السلام) مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيْهِ، رَافِعاً سَبَّابَتَيْهِ نَحْوَ اَلسَّمَاءِ، ثُمَّ عَطَسَ، فَقَالَ: «اَلْحَمْدُ لله رَبِّ اَلْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اَللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، زَعَمَتِ اَلظَّلَمَةُ أَنَّ حُجَّةَ اَلله دَاحِضَةٌ، لَوْ أَذِنَ لَنَا فِي اَلْكَلَامِ لَزَالَ اَلشَّكُّ»(١٧١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٨) كمال الدِّين (ص ٤٢٤ - ٤٢٦/ باب ٤٢/ ح ١).
(١٦٩) الغيبة للطوسي (ص ٢٤٥/ ح ٢١٣)؛ ورواه الخصيبي (رحمه الله) في الهداية الكبرى (ص ٣٥٨).
(١٧٠) كمال الدِّين (ص ٤٣١/ باب ٤٢/ ح ٨).
(١٧١) كمال الدِّين (ص ٤٣٠/ باب ٤٢/ ح ٥)؛ ورواه بتفاوت يسير الخصيبي (رحمه الله) في الهداية الكبرى (ص ٣٥٧ و٣٥٨)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٤٤ و٢٤٥/ ح ٢١١).

↑صفحة ١٥٤↑

فحصول الاطمئنان بأيِّ قضيَّة تاريخيَّة يتمُّ من خلال الشواهد، والقرائن، وتقويَّة القيمة الاحتماليَّة بسبب انضمام القرائن.
فتلخَّص أنَّ منشأ التشكيك والترديد في مثل هذه الظاهرة هو غياب أساليب المعرفة، والركون إلى المحسوس، أو نشوء شُبُهات، وتُرَّهات، أو عدم الرجوع إلى الروايات لعدم خبرويَّتهم، وغير ذلك، وإلَّا فالمسألة واضحة.
وعليه، فإنَّ أصحاب الحيرة هم الذين قلوبهم مريضة، وعقولهم عليلة، وإيمانهم مستودع، وميثاقهم متزلزل، وعقائدهم كبيت نسجته العنكبوت، يخرقها ريح البليَّات، ويُطيِّرها صرصر الشُّبُهات.

* * *

↑صفحة ١٥٥↑

الفصل الخامس: الثقافة المهدويَّة بين المبالغة والاستخفاف

↑صفحة ١٥٧↑

* حكم الدول قبل القائم (عجَّل الله فرجه).
* مصير أهل الذمَّة في عصر الإمام (عجَّل الله فرجه).
* أزمة الفكرة المهدويَّة.
* الرؤية الدِّينيَّة بين السلفيَّة والاعتزاليَّة.
* أزمة الخطاب المهدوي.
* نماذج من الخطاب المهدوي.

↑صفحة ١٥٨↑

من الآفات الكبرى لفهم الدِّين أنْ يعيش أتباعه إحدى الظاهرتين المتضادَّتين، إمَّا ظاهرة التحجُّر، وإمَّا ظاهرة التسامح والابتعاد عن خطِّ الاعتدال المرسوم من قِبَل الشريعة، فيقعُ الأتباع بين طرفي كمَّاشة - كلُّ طرف منهما في الزاوية الحادَّة - يُشكِّل خطراً، ويستدعي نتائج وخيمة وسلبيَّة، قد يُؤدِّي بالناظر والمشاهد إلى الانكماش والنفرة عن العقيدة، ظنًّا منه أنَّ هذا المتلبِّس هو الذي يُمثِّل الأصالة للفكر والرؤية والعمل.
وهذه جملة مصاديق لهذه الظاهرة:
١ - حكم الدول قبل القائم (عجَّل الله فرجه):
عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ اَلْقَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ»(١٧٢).
فقد فهم البعض من هذه الرواية انحصار الحكومة العادلة بحكومة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وبالتالي فكلُّ حكومة تكون قبل قيام القائم (عجَّل الله فرجه) فهي حكومة ضلال. وهذه الفكرة في الحقيقة مآلها إلى العلمانيَّة، وعزل الدِّين عن التصدِّي للحكومة وإدارة شؤون الناس، وقد عطَّل هذا الفهم للحديث وفق هذه النظرة جملة من الآيات والروايات، وكما أنَّ هذا الفهم صار سبباً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٢) الكافي (ج ٨/ ص ٢٩٥/ ح ٤٥٢).

↑صفحة ١٥٩↑

للحثِّ على عدم التصدِّي للإقرار لحكومة عادلة، وكأنَّ هذه المسألة ليست بفقهيَّة، ولا تحتاج إلى نظر الفقيه في فهم النصِّ الدِّيني، والاكتفاء بظاهر الحديث - إنْ سلم هذا الظهور - وعدم ملاحظة المعارض. والسير العلمي لفهم هذا النصِّ أنَّ كلَّ راية تدَّعي أنَّها راية المهدي قبل ظهور القائم فهي راية انحراف وضلال. ووزان هذا الحديث وزان الحديث الواصل عن الفضل، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «مَنِ اِدَّعَى مَقَامَنَا - يَعْنِي اَلْإِمَامَةَ - فَهُوَ كَافِرٌ، - أَوْ قَالَ: مُشْرِكٌ -»(١٧٣)، وعليه يكون المراد من رواية أبي بصير أنَّ كلَّ راية تُرفَع باسم المهدي وبمشروعيَّته أنَّها كراية المهدي فصاحبها طاغوت، أمَّا رفع الراية بمعنى دفع الضرر الأفسد، أو لأجل إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو نحو ذلك فلا نهي عنه في الرواية، هذا من زاوية.
وفي الزاوية المقابلة من الفهم المعوجِّ وإنْ لم يكن منتزعاً من الرواية بناءً على الفهم المنحرف لها تُعطى المشروعيَّة لكلِّ حكومة، وعدم تسجيل أيَّة ضابطة في الحكومات، وبالتالي تأسيس (أيديولوجيَّة) إدارة الناس بمعزل عن النصوص الدِّينيَّة، اعتقاداً أنَّ هذه المفردة - أي إدارة شؤون الناس - لا تحتاج في تحديدها إلى النصوص الدِّينيَّة، أو أنَّ النصَّ الدِّيني ساكت عنها، أو أنَّ النصَّ الدِّيني أجنبي عن هذه الأُمور فلتُطلَب من مظانِّها الأُخرى، بل قد يقال بقبح الخطاب الدِّيني في الأمر البديهي، اعتقاداً منهم أنَّ إدارة شؤون الناس من البديهي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٣) الغيبة للنعماني (ص ١١٥/ باب ٥/ ح ١٠).

↑صفحة ١٦٠↑

٢ - مصير أهل الذمَّة في عصر الإمام (عجَّل الله فرجه):
عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: قُلْتُ: فَمَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ اَلذِّمَّةِ عِنْدَهُ؟ قَالَ: «يُسَالِمُهُمْ كَمَا سَالَمَهُمْ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَيُؤَدُّونَ اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ»(١٧٤).
وَعَنْ جَابِرٍ، عَنِ اَلْبَاقِرِ (عليه السلام): «يَحْكُمُ بَيْنَ أَهْلِ اَلتَّوْرَاةِ بِالتَّوْرَاةِ، وَبَيْنَ أَهْلِ اَلْإِنْجِيلِ بِالْإِنْجِيلِ، وَبَيْنَ أَهْلِ اَلزَّبُورِ بِالزَّبُورِ، وَبَيْنِ أَهْلِ اَلْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ»(١٧٥).
فبمقتضى هذه النصوص، فهم البعض أنَّ أهل الكُتُب على حقٍّ، بدليل أنَّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، ومن جملة قوانين الإمام إمضاء الديانات الأُخرى، والحكم على وفق حكمهم، والحال أنَّ حكم الإمام كلَّه عدل وحقٌّ وقسط. ثمّ إنَّه لم يتصدَّ إلى توجيههم، بل إنَّه أمضى طريقتهم، وهذا يعني القول بحقَّانيَّة تلك الأديان، وعدم انحصار الحقَّانيَّة بالدِّين الإسلامي، هذا من زاوية.
وفي الزاوية المقابلة يذهب البعض إلى إقامة أشدّ العقوبة على الأُمَم غير الشيعيَّة، اعتماداً على قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ﴾ (البقرة: ١٩٣).
والظاهر بمقتضى الجمع العرفي بين الروايات أنَّ حكم الجزية في عصر الإمام يكون ثابتاً في المرحلة الأُولى من دولته، وقبل استقرار

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٤) المزار لابن المشهدي (ص ١٣٥/ باب ٥/ ح ٧).
(١٧٥) الغيبة للنعماني (ص ٢٤٢ و٢٤٣/ باب ١٣/ ح ٢٦).

↑صفحة ١٦١↑

حكومته، أو أنَّه حكم ثابت إلى أنْ تُقام الحجَّة الكاملة عليهم، أو إلى حين تحقُّق الرجعة.
٣ - أزمة الفكرة المهدويَّة:
الظاهرة الدِّينيَّة بما فيها الفكرة المهدويَّة تعيش بين أزمتين: أزمة الخرافة والتسويق للغيب المطلق المنفلت، وأزمة رفض عالم ما وراء الطبيعة. فقضيَّة الجنِّ مثلاً، والمَلَك، والشيطان، فُسِّرت في الأوساط اللادِّينيَّة للمتحمِّسين الجُهَّال على أساس الخرافة، وحماقة البشر، وساقت الناس إلى التلاعب بالعقول، وانتهاز السُّذَّج، وتهديم المعارف العلميَّة، وتحصيل المكاسب الماليَّة والسياسيَّة، كقصَّة قتيل الجنِّ، وتسخير الجنِّ، وإخباراته، وتصرُّفاته الوسيعة في عالمنا. وبين تفسير الظاهرة الدِّينيَّة على أساس القوانين الحسّيَّة الصرفة، فرُفِضَت أصل فكرة الجنِّ، وألبستها لباساً علميًّا جديداً تحت عنوان الظواهر المادّيَّة غير المرتقبة في الذهن، كما لو فسَّرنا سقوط التفَّاحة من الشجرة على أنَّ الجنَّ أسقطها، إلى أنْ ظهرت نظريَّة الجاذبيَّة الأرضيَّة، أو تفسير تسوُّس الأسنان بمكث الجنِّ فيها، إلى أنْ اكتُشِفَت الجراثيم ونحوها، كما ورد ذلك في (تفسير المنار).
وهكذا عاشت القضيَّة المهدويَّة ظاهرة الخرافة، فكراً وسلوكاً، عمداً وجهلاً، واستُغِلَّت لمقاصد سياسيَّة، أو ذاتيَّة غير موضوعيَّة، تُحرِّكها الأحاسيس الجماهيريَّة، وتخلق لها القَصَص، فصارت مكسباً لتحصيل القداسة، والوجاهة للمفلَّسين، وسعت إلى تعطيل العلوم والتخصُّصات، أو حلَّت محلَّ العِدل والبديل، فاستغلَّت الفكرة الخلَّابة لتسويق البشر إلى

↑صفحة ١٦٢↑

مطحنة الجهل، وقلبت المفاهيم الواقعيَّة والحقَّة، فغالت في الغيب، ورمته في أحضان الخرافة، وأغلقت الميزان، والعلم، وحملت الناس على السلوك إلى الغيب المطلق، بعيداً عن الأسباب الطبيعيَّة والتكوينيَّة التي نذعن نحن أنَّ الله جعلها نظام السير الكوني في عالم الاختبار والامتحان. وإنَّا وإنْ قلنا: إنَّ للغيب قسطاً، لكنَّه ليس كلَّ شيء، وإنَّما للعلوم والفنون مجال في ذلك، هذا من زاوية.
ومن الزاوية الأُخرى رُفِضَت القضيَّة المهدويَّة جملةً وتفصيلاً، ولو بسبب ردود الفعل اللَّاشعوريَّة للموقف الصادر من أرباب الغيب المطلق، كما في الزاوية الأُولى، ففُنِّدت الفكرة وأُطِّرت بإطار علمي، كظاهرة الإصلاح الاجتماعي العامِّ، وكغلبة قريش على الأُمَم بدل الإصلاح الذي يقوم به فرد معيَّن، أو تمييع الظاهرة إلى حدِّ تنزيلها منزلة سائر الدعاوى الأُخرى، أو تفريغ فائدة الإيمان بها وإرجاء الحديث عنها إلى وقت حصولها وترحيلها إلى المستقبل، أو أنَّها من الخيال والأُسطورة والميراث من المجتمعات الأُخرى. ورُوَّاد هذه النظريَّة أحمد أمين المصري، أو سعد محمّد حسن، أو محمّد عبد الله عثمان، أو الخطيب، أو ابن خلدون.
أقول: الدعوة إلى العقلانيَّة والواقعيَّة لا تعني رفض الغيب، وكذا الإيمان بالغيب لا يعني الانفلات وتعطيل العلوم، بل الجمع بين المقولتين العقلانيَّة والغيب ممكن وحاصل.
فالمعيار هو الواقع والحقُّ، ولكن ليس في مساحة الواقع المحسوس، بل الواقع النفس أمري الذي يحتضن عالم الغيب، ويرتضي المعارف الدِّينيَّة،

↑صفحة ١٦٣↑

ويُحدِّد لها طريقاً لا يتقاطع مع الثوابت العلميَّة والنتاج العلمي، فقضيَّة المهدي تعيش روح الغيب المنتظَم، فإنَّ أصل غيبته وفلسفة ذلك وبعض تفاصيل الغيب، كخروجه بغتةً مثلاً، هو من الغيب، بيد أنَّه بعدما ورد بالسير العلمي وجود الإمام وأثره، فلا مجال لرفضه، قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ (هود: ٤٩)، فهو من الغيب المنتظَم لا من الغيب الموهوم، ومن الغيب الذي لا يتقاطع مع العلم والفكر، لا من الغيب الذي يصادرهما ويصدُّهما، فلا نرتضي ترحيل الإصلاح العلمي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي إلى يد الغيب، أو يد المستقبل، حتَّى يظهر الإمام والمنقذ، بل لا بدَّ من السعي الحثيث لتنشيط المفاصل الاقتصاديَّة والعلميَّة والاجتماعيَّة التي تكون هي السبب في ظهوره، بل في تعجيله.
٤ - الرؤية الدِّينيَّة بين السلفيَّة والاعتزاليَّة:
الفهم الدِّيني يتمثَّل عند البعض بالرؤية السلفيَّة الأشعريَّة المقتصرة على الألفاظ، وإنْ عارض العقل فهي رؤية مانعة للتأويل، وانجرَّت هذه الرؤية إلى مظاهر التجسيم، والإكثار من مصطلح البدعة ورفض الإصلاح، والإصرار على التوقيفيَّة السلوكيَّة.
ويتمثَّل عند آخر بالرؤية الاعتزاليَّة التي بالغت في قدرة العقل ونفوذه في جميع القضايا، فنشأت عندنا ظاهرة العقل الظنِّي، والقياس، والاستحسان، بل بلغ الأمر إلى نفي كلِّ مورد لم يكن للعقل بتٌّ فيه، وعُطِّلت عمليًّا دائرة النصِّ الدِّيني، إلى أنْ وُلِدَت البراهمة بثوب جديد

↑صفحة ١٦٤↑

لتُقلِّل من شأن النصِّ المخالف للعقل الاستحساني، وابتعدت من حيث لا تشعر عن الغيب والاستتار، وأبحرت إلى الواقعيَّة التجريبيَّة، ووصفت القرآن الكريم بالبشريَّة.
والحقُّ عندنا: أنَّ الموضوع الدِّيني يتحقَّق من العقل البشري النظري والعملي والوحياني - أي الواصل إلينا من طريق السماء والوحي -، وأنَّ الألفاظ والخطاب الدِّيني سبيل العقل الوحياني، لكنَّها محكومة بالأساليب اللغويَّة، والظواهر معتبرة ومعتدٌّ بها ما لم تنصب قرائن - ولو منفصلة - على إرادة خلاف الظاهر، وأنَّ المجاز اللغوي وما بحكمه من الكناية والاستعارة والتمثيل مستحسن في النصِّ الدِّيني عند قيام القرينة، والنصُّ مصاغ مع مراعاته لمقتضى الحال لعصر روعي فيه أصحابه، فلا سلفيَّة في النصِّ، ولا اعتزاليَّة في سلطنة العقل، ولا رفض للعقل البشري، ولا تعطيل لنشاط العقل العملي الذي ينتهي إلى التسليم والإذعان والإيمان، ولا بدَّ من الرجوع إلى العقل الوحياني وفق ضوابطه، وفي مساحته المرتسمة لكلِّ من قَبِلَ الدِّين ومن لم يقبله، فهي دساتير شُرِّعت لا من متن العقل الوحياني فحسب، بل من متن الموضوعيَّة العلميَّة التي هي أعمّ من أنْ يكون الفرد في دائرة الدِّين وممَّن يرتضيه، أو في خارج الدائرة وممَّن لا يرتضيه.
والظاهرة المهدويَّة لا بدَّ أنْ تُعلَم، وأنْ تُمارَس وفق أُسلوب العقل النظري والعملي والوحياني بالمنهج المتقدِّم. ولكن قد تلوح مفاسد وانحرافات في بعض مفاهيم الظاهرة المهدويَّة لأسباب سلفيَّة شيعيَّة، يوجدها الجُهَّال المتحجِّرون المقدَّسون، فيتمسَّكون بالسطحيَّات، ويبتعدون

↑صفحة ١٦٥↑

عن أسرار الحركة المهدويَّة، أو لأسباب اعتزاليَّة شيعيَّة، تنحسر في محاكماتها إلى جادَّة العقل النظري البشري فقط، أو لأسباب شيعيَّة جافَّة بعيدة عن الأبعاد المعنويَّة المدركة لنا بطريق العقل العملي، فتحاكم الظاهرة المهدويَّة، وتستخلص بعقل بعيد عن الطراوة المعنويَّة.
٥ - أزمة الخطاب المهدوي:
الأُطروحة المهدويَّة وإنْ كانت تامَّة من حيث الفكر والمحتوى، بيد أنَّ أصحاب وصُنَّاع الخطاب المهدوي يوجبون أحياناً خفاءها، وفقدان متانتها، ممَّا يوجب الغموض في الفكر، وعدم التفاعل معها.
وضعف الخطاب له نماذج:
منها: الخطاب بمفرداته المعقَّدة، وآليَّاته القديمة، وسياقاته البالية، والعكوف على الشُّبُهات القديمة، سيَّما إذا اكتنف بتصرُّفات بهذا المستوى فإنَّه يستدعي خطاباً قديماً، يضفي القِدَم على الفكرة أيضاً، وأنَّ هذه الفكرة من الموروث العاجز عن مواكبة الحاضر والمستقبل، فلا بدَّ من الانتفاض ضدَّها وعزلها عن الساحات العلميَّة، بل البعض يصل إلى حالة الاستحياء من الانتماء إلى تلك الفكرة ظنًّا منه مقاطعة وسام الثقافة مع الخطاب المهدوي، لعدم ثقته به، ولاتِّهام الغير له بذلك، فيتبرَّأ في اللَّاشعور من الفكر المهدوي بسبب أزمة الخطاب المهدوي القديم.
ومنها: الخطاب الجديد المنسجم مع رؤى الناس الذي يسدُّ خلَّة الشباب، إلَّا أنَّه يُشبِع حاجة طبقة وجيل خاصٍّ فقط، فيُعطي الفكر المهدوي أوسمة وعناوين حديثة، مثل ديمقراطيَّة المهدي بأنْ يستشير

↑صفحة ١٦٦↑

المهدي أصحابه ويُقدِّم رأي الأكثر على رأيه وإنْ كان رأي الأكثر يتنافى مع رأيه، واشتراكيَّة المهدي، وشيوعيَّة أو عولمة المهدي، أو الحرّيَّة المستوحاة من الفكر المهدوي، أو الحداثة المهدويَّة، وما بعد الحداثة، أو تكنوقراطيَّة دولة المهدي، ونحوها.
ومشكلة هذا الخطاب أنَّ نفس هذه الأفكار ليست هي عين الرضا عندنا، فتنزيل فكرة سماويَّة على نغمة وضعيَّة محلُّ نظر، أجل ربَّما تُستعمَل هذه المصطلحات بحسب النقل لمعانٍ جديدة غير المعاني المقصود بها عند أصحابها المرفوضة بمبدأ الإسلام، إلَّا أنَّ هذه المعاني الجديدة حتَّى وإنْ قُبِلَت إسلاميًّا إلَّا أنَّها تبقى ظاهرة إلتقاطيَّة لألفاظ غير إسلاميَّة، فإنَّ نظريَّة تحديث وأسلمة الألفاظ الغربيَّة فيها أحياناً إرباك للمعاني، فضلاً عن ركَّة الطريقة، وعدم الثقة بألفاظ الحضارة الإسلاميَّة.
وكيفما كان، فليس هناك أزمة ألفاظ ليُستعان بمصطلحات الثقافات الأُخرى، وإنْ كان ولا بدَّ لدى البعض من ذلك، فينبغي من نصب القرينة الواضحة جدًّا لنفرَّ من قلق المعنى، والحمل على المعنى السقيم، فمثلاً لو اصطُلِحَ على لفظ الديمقراطيَّة بمعنى الاستشارة لرأي الآخر والاستعانة ببعض خبرويَّته، وهو وإنْ كان مبدأً إسلاميًّا مقبولاً، إلَّا أنَّ استعماله ربَّما يوجب الإيهام في المعنى الآخر، وهو حاكميَّة رأي الأكثر على رأي السماء.
ومنها: سرد الخطاب المهدوي بلحن عرفاني مسرف، أو من الخيال المفرط الذي لا يتحمَّله العقل إلَّا بتكلُّف وتأويل، والعمل على خلاف الظاهر من وقف على بواطن الحقائق ودقائقها، فقد ورد: أنَّ عليًّا (عليه السلام) قال

↑صفحة ١٦٧↑

يوماً لحذيفة بن اليمان: «يَا حُذَيْفَةُ، لَا تُحَدِّثِ اَلنَّاسَ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ فَيَطْغَوْا وَيَكْفُرُوا»(١٧٦)، وحيث إنَّ منظومة المهدويَّة لها مراتب من المعارف، وبعضها لا يتحمَّله إلَّا الأوحدي من الناس، فإنَّ عامَّة الناس يمجُّونها، فلا معنى للحديث بمثل هذه، إذ ورد أيضاً عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إِنَّا مَعَاشِرَ اَلْأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ اَلنَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ»(١٧٧).
ومن آفات الخطاب المهدوي أيضاً الاستعانة بالمبالغات، والمجازات، أو إحالة الفكرة إلى الغيب الجبري، وسلب إرادة التغيير والتأثير لدى الإنسان المؤمن، وتعطيل خطابات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حيث الخطاب، أو توصيف الفكر المهدوي بخطاب يُوحي أنَّ أُطروحته عاديَّة يمكن للكثير أنْ يصنعها، ولا حاجة إلى اللياقات السماويَّة، والدعم الربَّاني، أو تحديث الخطاب الذي يسعى لتمجيد شخصيَّات تعيش حقباً زمانيَّةً خاصَّةً، أو تغييب الخطاب المهدوي عن الواقع المعاش، أو تنظيم الخطاب المحقِّق للتطرُّف والعنف والتعسكر والتجيُّش والتعصُّب والتضيُّق والإقصاء وخلق روح اليأس واللَّامسؤوليَّة.
ولكن الخطاب المهدوي لا بدَّ أنْ يكون دفاعيًّا عصريًّا أصيلاً علميًّا معنويًّا عقلانيًّا غيبيًّا قرآنيًّا موصلاً إلى قِمَم العمران، لا يمينيًّا سلفيًّا، ولا يساريًّا تجديديًّا يُميِّع المفاهيم الإسلاميَّة الحقَّة، فعن عليٍّ (عليه السلام) في ذكر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٦) الغيبة للنعماني (ص ١٤٤/ باب ١٠/ ح ٣).
(١٧٧) الكافي (ج ١/ ص ٢٣/ كتاب العقل والجهل/ ح ١٥)؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في أماليه (ص ٥٠٤/ح ٦٩٢/٥)، وبتفاوت يسير البرقي (رحمه الله) في المحاسن (ج ١/ص ١٩٥/ح ١٧).

↑صفحة ١٦٨↑

الملاحم: «يَعْطِفُ اَلْهَوَى عَلَى اَلْهُدَى إِذَا عَطَفُوا اَلْهُدَى عَلَى اَلْهَوَى، وَيَعْطِفُ اَلرَّأْيَ عَلَى اَلْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا اَلْقُرْآنَ عَلَى اَلرَّأْيِ»(١٧٨)، فإنَّ عليًّا (عليه السلام) يرفض مبدأ سحق الهوى، بل يُرشِّد الهوى في طريق الهدف، ويمنع العكس، خلافاً للآخرين الذين يُسيِّسون الأهداف للوصول لأهوائهم. وأنَّ عليًّا (عليه السلام) يمنع حاكميَّة الرأي الشخصي على القرآن، بل يرى الأمر بالعكس، كحاكميَّة القرآن على العقل الفردي.
نماذج من الخطاب المهدوي:
وإليك نماذج مقتضبة للخطاب المهدوي المبيِّن لعقائد وفقه وسلوك فردي وجماعي وطقوس وسُنَن:
١ - ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القَصَص: ٥).
٢ - ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥).
٣ - ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ﴾ (النور: ٥٥).
٤ - ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣).
٥ - ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٨) نهج البلاغة (ص ١٩٥/ الخطبة ١٣٨).

↑صفحة ١٦٩↑

ولقد اكتفينا طلباً للاختصار بالخطاب القرآني، وإلَّا فالخطاب المهدوي أوسع من ذلك، إذ يعمُّ الخطاب النبوي، والمولوي، وأصحاب النبيِّ كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وسمرة بن جندب، وسلمان، وأبي ذرٍّ، وعمَّار، وزوجات النبيِّ عائشة، وحفصة، وأُمِّ سَلَمة، والتابعين كعون بن أبي جحيفة، وعباية بن ربعي، وقتادة، وخطاب النُّوَّاب والوكلاء والعلماء والمثقَّفين والسياسيِّين، والخطاب الأكاديمي، بل يعمُّ حتَّى الخطاب المهدوي المسجَّل في التوراة والإنجيل والزبور، وخطاب أبناء العامَّة من المفسِّرين، كالطبري، والرازي، والخازن، والآلوسي، وابن كثير، والسيوطي، ونحو ذلك، ومن الصحاح الستَّة (البخاري، ومسلم، وابن ماجة، وأبي داود، والنسائي والترمذي)، ومن كُتُب الحديث كالمستدرك على الصحيحين، ومجمع الزوائد، ومسند الشافعي، وسُنَن الدارقطني، وسُنَن البيهقي، ومسند أبي حنيفة، وكنز العُمَّال.
ولابدَّ من دراسة رصديَّة بحسب الأزمان والأطوار المتعدِّدة، ودراسة شاملة مقارنة، والبحث عن المشتركات في المطوَّلات والمنفردات، والبحث عن علل الخطاب في كلِّ مرحلة، ونماذجه وأهدافه من التحصين والتوحيد والدعوة، وتقديم دراسة داخليَّة للخطاب، ودراسة خارجيَّة مقارنة مع سائر الخطابات الدِّينيَّة، والوقوف الجادِّ على تأثير الكلام والفقه والتفسير عليه.

* * *

↑صفحة ١٧٠↑

الفصل السادس: علائم الظهور

↑صفحة ١٧١↑

* مصطلح العلامة.
* فلسفة ذكر العلائم.

↑صفحة ١٧٢↑

مصطلح العلامة:
ورد مصطلح (العلامة) في الدِّين في موارد شتَّى، نذكر بعضها لا على سبيل الحصر:
١ - علامة مسجَّلة في الكُتُب السماويَّة كالتوراة والإنجيل، تُبيِّن صفة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتُسمَّى بالبشائر، قال تعالى: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصفّ: ٦).
فقد ورد في (تفسير القمِّي) عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة: ١٤٦): «لِأَنَّ اَللهَ (عزَّ وجلَّ) قَدْ أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ فِي اَلتَّوْرَاةِ وَاَلزَّبُورِ وَاَلْإِنْجِيلِ صِفَةَ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَصِفَةَ أَصْحَابِهِ...»(١٧٩).
وقد جاء في (الكافي) عن الصادق (عليه السلام): «فَلَمَّا أَنْ بَعَثَ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) اَلمَسِيحَ (عليه السلام) قَالَ اَلمَسِيحُ لَهُمْ: إِنَّه سَوْفَ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي نَبِيٌّ اِسْمُهُ أَحْمَدُ مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ (عليه السلام)، يَجِيءُ بِتَصْدِيقِي وَتَصْدِيقِكُمْ، وَعُذْرِي وَعُذْرِكُمْ»(١٨٠).
وعن الباقر (عليه السلام): «فَلَمْ تَزَلِ اَلْأَنْبِيَاءُ تُبَشِّرُ بِمُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حَتَّى بَعَثَ اَللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اَلمَسِيحَ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ، فَبَشَّرَ بِمُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَذَلِكَ قَوْلُهُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٩) تفسير القمِّي (ج ١/ ص ٣٣).
(١٨٠) الكافي (ج ١/ ص ٢٩٣/ باب الإشارة والنصِّ على أمير المؤمنين (عليه السلام)/ ح ٣).

↑صفحة ١٧٣↑

تَعَالَى: ﴿يَجِدُونَهُ﴾ يَعْنِي اَلْيَهُودَ وَاَلنَّصَارَى، ﴿مَكْتُوباً﴾ يَعْنِي صِفَةَ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ﴿عِنْدَهُمْ﴾ يَعْنِي ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]...»(١٨١)، والحديث طويل، ومنقول في مصادر كثيرة، وهو نافع، وقد نقلنا منه موضع الحاجة.
وقد خاطب القرآن أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين عصوا الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيما أمرهم به ودعاهم إليه بقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ﴾ (المائدة: ١٥).
وفي رواية عن الرضا (عليه السلام): «فَخُذْ عَلَيَّ اَلسِّفْرِ اَلثَّالِثِ اَلَّذِي فِيهِ ذِكْرُ مُحَمَّدٍ وَبِشَارَةُ عِيسَى بِمُحَمَّدٍ»، قَالَ اَلْجَاثَلِيقُ: هَاتِ، فَأَقْبَلَ اَلرِّضَا يَتْلُو [ذَلِكَ] اَلسِّفْرَ مِنَ اَلْإِنْجِيلِ، حَتَّى بَلَغَ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: «يَا جَاثَلِيقُ، مَنْ هَذَا اَلنَّبِيُّ اَلمَوْصُوفُ؟»، قَالَ اَلْجَاثَلِيقُ: صِفْهُ، قَالَ: «لَا أَصِفُهُ إِلَّا بِمَا وَصَفَهُ اَللهُ تَعَالَى، هُوَ صَاحِبُ اَلنَّاقَةِ وَاَلْعَصَا وَاَلْكِسَاءِ، ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، يَهْدِي إِلَى اَلطَّرِيقِ اَلْأَفْضَلِ، وَاَلْمِنْهَاجِ اَلْأَعْدَلِ، وَاَلصِّرَاطِ اَلْأَقْوَمِ...» الحديث(١٨٢).
٢ - علائم في الكُتُب السماويَّة للمصلح العالمي، فقد ورد في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨١) الكافي (ج ٨/ ص ١١٧/ ح ٩٢).
(١٨٢) الثاقب في المناقب (ص ١٩٠/ ح ١٧١/١)، الخرائج والجرائح (ج ١/ ص ٣٤٤/ ح ٦).

↑صفحة ١٧٤↑

الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥)، وحيث كان النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يتلو هذه الآية على أشدّ خصومه وهم اليهود، وهم بمرأى منه، وهم سكوت، وهي علامة الرضا، إذ لو لم يكن هذا الحديث في التوراة وهم المتربِّصون بالنبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لاعترضوا عليه ونفوه، ولو كان صدر منهم اعتراض لانعكس إلينا.
٣ - علامات يوم القيامة، وهي على قسمين:
القسم الأوَّل: علامات تتحقَّق قبل وقوع القيامة، وتُسمَّى أشراط الساعة، وقد ذكرت الروايات منها: بعثة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، واندكاك السدِّ، وخروج يأجوج ومأجوج، وإتيان السماء بدخان مبين، ونزول السيِّد المسيح (عليه السلام)، وخروج دابَّة من الأرض، والفاطمي، وقتل الدجَّال.
قال عبد الوهَّاب الشعراني في (اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر): (إنَّ جميع أشراط الساعة التي أخبرنا بها الشارع حقٌّ لا بدَّ أنْ تقع كلَّها قبل قيام الساعة، وذلك كخروج المهدي، ثمّ الدجَّال، ثمّ نزول عيسى، وخروج الدابَّة، وطلوع الشمس من مغربها، ورفع القرآن، وفتح سدِّ يأجوج ومأجوج، حتَّى لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا مقدار يوم واحد لوقع ذلك كلُّه)(١٨٣).
وقال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (محمّد: ١٨)، والأشراط جمع (شَرَط)، وهي العلامة، وعلى هذا فإنَّ أشراط الساعة إشارة إلى علامات اقتراب القيامة. ويعتقد أكثر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٣) اليواقيت والجواهر (ج ٢/ ص ٥٦١).

↑صفحة ١٧٥↑

المفسِّرين أنَّ المراد من أشراط الساعة هو ظهور شخص النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «بُعِثْتُ أَنَا وَاَلسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ - وَيَجْمَعُ بَيْنَ سَبَّابَتَيْهِ -»(١٨٤).
ووردت أحاديث عديدة في بيان أشراط الساعة، من قبيل شيوع كثير من المعاصي بين الناس، فقد ورد عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «مِنْ أَشْرَاطِ اَلسَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ اَلْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ اَلْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ اَلْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ اَلزِّنَا»(١٨٥).
وقد ورد عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حِجَّةَ اَلْوَدَاعِ، فَأَخَذَ بِحَلْقَةِ بَابِ اَلْكَعْبَةِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَشْرَاطِ اَلسَّاعَةِ؟»، وَكَانَ أَدْنَى اَلنَّاسِ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ سَلْمَانُ (رَحْمَةُ اَلله عَلَيْهِ)، فَقَالَ: بَلَى، يَا رَسُولَ اَلله، فَقَالَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ اَلْقِيَامَةِ إِضَاعَةَ اَلصَّلَوَاتِ، وَاِتِّبَاعَ اَلشَّهَوَاتِ، وَاَلمَيْلَ إِلَى اَلْأَهْوَاءِ، وَتَعْظِيمَ أَصْحَابِ اَلمَالِ، وَبَيْعَ اَلدِّينِ بِالدُّنْيَا، فَعِنْدَهَا يَذُوبُ قَلْبُ اَلمُؤْمِنِ فِي جَوْفِهِ كَمَا يُذَابُ اَلْمِلْحُ فِي اَلمَاءِ مِمَّا يَرَى مِنَ اَلمُنْكَرِ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ...»، والحديث طويل(١٨٦).
القسم الثاني: علامات وحوادث، كتخلخل النظام الكوني، واندثار النظام السائد، وظهور نظام جديد، كما ذُكِرَ ذلك في سورة التكوير، والزلزلة، والانشقاق، والانفطار.
٤ - علامات ظهور الحجَّة (عجَّل الله فرجه)، فقد روى المسلمون على اختلاف طوائفهم أحاديث كثيرة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حول المهدي (عجَّل الله فرجه) وعلامات ظهوره، وما يجري في أيَّامه، وهكذا روى أهل البيت (عليهم السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٤) أمالي المفيد (ص ٢١١ و٢١٢/ المجلس ٢٤/ ح ١).
(١٨٥) صحيح البخاري (ج ١٠/ ص ٢٨٠)، روضة الواعظين (ص ٤٨٥).
(١٨٦) تفسير القمِّي (ج ٢/ ص ٣٠٣ - ٣٠٧).

↑صفحة ١٧٦↑

فَقَدْ سُئِلَ اَلْإِمَامُ اَلصَّادِقُ (عليه السلام) عَنْ ظُهُورِ قَائِمِ أَهْلِ اَلْبَيْتِ (عليهم السلام)، فَتَنَهَّدَ(١٨٧) وَقَالَ: «يَا لَهَا مِنْ طَامَّةٍ - وَبَكَى -، إِذَا حُكِّمَتْ فِي اَلدَّوْلَةِ اَلْخِصْيَانُ وَاَلنِّسْوَانُ وَاَلسُّودَانُ، وَأَخَذَتِ اَلْإِمَارَةَ اَلشُّبَّانُ وَاَلصِّبْيَانُ، وَخَرِبَ جَامِعُ اَلْكُوفَةِ مِنَ اَلْعُمْرَانِ، وَاِنْعَقَدَ اَلْجِسْرَانِ، فَذَلِكَ اَلْوَقْتُ زَوَالُ مُلْكِ بَنِي عَمِّيَ اَلْعَبَّاسِ، وَظُهُورُ قَائِمِنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ (عليهم السلام)»(١٨٨).
وقد ورد في بعض الروايات أنَّ من علامات الظهور: «خَسْفٌ يَكُونُ بِبَغْدَادَ، وَخَسْفُ قَرْيَةٍ جَابِيَةٍ بِالشَّامِ، وَخَسْفٌ بِالْبَصْرَةِ، وَنَارٌ تَظْهَرُ بِالمَشْرِقِ طُولاً، وَتَبْقَى فِي اَلْجَوِّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَنَارٌ تَظْهَرُ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ لَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ، وَخَرَابُ اَلشَّامِ، وَعَقْدُ اَلْجِسْرِ مِمَّا يَلِي اَلْكَرْخَ بِبَغْدَادَ، وَاِرْتِفَاعُ رِيحٍ سَوْدَاءَ بِهَا فِي أَوَّلِ اَلنَّهَارِ، وَزَلْزَلَةٌ حَتَّى يَنْخَسِفَ كَثِيرٌ مِنْهَا، وَاِخْتِلَافُ صِنْفَيْنِ مِنَ اَلْعَجَمِ، وَسَفْكُ دِمَاءٍ كَثِيرَةٍ بَيْنَهُمْ، وَغَلَبَةُ اَلْعَبِيدِ عَلَى بِلَادِ اَلشَّامِ، وَنِدَاءٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ يَسْمَعُهُ أَهْلُ اَلْأَرْضِ كُلُّ أَهْلِ لُغَةٍ بِلُغَتِهِمْ...» الخبر(١٨٩).
ومن الروايات التي ذكرت علامات الظهور: «خُرُوجُ رَايَةٍ مِنَ اَلمَشْرِقِ، وَرَايَةٍ مِنَ اَلمَغْرِبِ، وَفِتْنَةٌ تُظِلُّ أَهْلَ اَلزَّوْرَاءِ، وَخُرُوجُ رَجُلٍ مِنْ وُلْدِ عَمِّي زَيْدٍ بِالْيَمَنِ، وَاِنْتِهَابُ سِتَارَةِ اَلْبَيْتِ»(١٩٠).
وقال الباقر (عليه السلام): «لَا بُدَّ أَنْ يَمْلِكَ بَنُو اَلْعَبَّاسِ، فَإِذَا مَلَكُوا وَاِخْتَلَفُوا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٧) أي تنفَّس الصعداء، راجع: تاج العروس (ج ٥/ ص ٢٨٩/ مادَّة نهد).
(١٨٨) الملاحم والفتن (ص ٣٦٩ و٣٧٠/ ح ٥٤٢).
(١٨٩) الملاحم والفتن (ص ٣٧٠).
(١٩٠) فلاح السائل (ص ١٧١).

↑صفحة ١٧٧↑

وَتَشَتَّتَ أَمْرُهُمْ خَرَجَ عَلَيْهِمُ اَلْخُرَاسَانِيُّ وَاَلسُّفْيَانِيُّ، هَذَا مِنَ اَلمَشْرِقِ، وَهَذَا مِنَ اَلمَغْرِبِ...» الخبر(١٩١).
وقد تُقسَّم علائم الظهور إلى علائم محتومة وغير محتومة، وقد تُقسَّم إلى علائم قريبة وبعيدة، وتُقسَّم إلى علائم قبل عصر الظهور وعلائم بعد عصر الظهور، وقد تُقسَّم إلى علائم طوليَّة وعلائم عرضيَّة، وعلائم قد تحقَّقت وعلائم لم تتحقَّق، وعلائم تتداخل مع علائم يوم القيامة وعلائم تختصُّ بظهور القائم (عجَّل الله فرجه)، وعلائم فيها جنبة من العموميَّة وعلائم ليست فيها جنبة من العموميَّة، وعلائم قد تكرَّر ذكرها في الروايات وعلائم اختصَّ ذكرها في بعض الروايات، وعلائم قد دلَّت الروايات على أنَّها حصريَّة وعلائم لم تتناولها الروايات بالحصر.
وقد ذكرت كُتُب أبناء العامَّة علائم ظهور المهدي (عجَّل الله فرجه)، كسُنَن ابن ماجة، وسُنَن أبي داود، وكُتُب السيوطي، والطبراني، والشافعي، وغيرهم.
وهدفنا من هذه الدراسة الإشارة إلى أنَّه ينبغي في دراسة علائم الظهور أنْ تكون الدراسة قائمة على أساس الأشباه والنظائر، نظير علائم البشائر وعلائم القيامة.
فلسفة ذكر العلائم:
ولأجل البحث في فلسفة ذكر هذه العلائم فلا بدَّ من الالتفات إلى أُمور:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩١) الغيبة للنعماني (ص ٢٦٧/ باب ١٤/ ح ١٨).

↑صفحة ١٧٨↑

١ - أنَّ الهدف من ذكر نماذج للعلامات هو التنبيه على أنَّ مصطلح علائم ظهور الإمام ليس منحصراً بهذه الظاهرة، بل لها من النظائر والأشباه، والتأكيد على أنَّ قراءة علائم الظهور لا بدَّ أنْ تكون على غرار ووزان قراءة العلامات الأُخرى مع ملاحظة الفوارق.
٢ - أنَّ جملة من علائم الظهور هي من علائم يوم القيامة.
٣ - أنَّ علائم الظهور ليست في مرتبة واحدة، بل بعض تلك العلائم (العلائم العامَّة) قد تحقَّق، وبعضها وإنْ تحقَّق بالمرتبة النازلة منها إلَّا أنَّها علائم تشكيكيَّة بمعنى أنَّ لها قابليَّة الزيادة والنقيصة، كما ورد: «بَعْدَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً»، أو الميل مع الأهواء، أو بيع الدِّين بالدنيا، فإنَّ من علائم الظهور بعث الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وزوال حكومة بني العبَّاس - بناءً على عدم عودة حكومة بني العبَّاس -.
وعليه، فتحقُّق العلامة لا يوجب الظهور.
٤ - أنَّ بعض العلائم فيها جنبة الإعجاز والإذعان بظهور المهدي (عجَّل الله فرجه) دون البعض الآخر، وهذا كلُّه بالنسبة للعلامة المقارنة للظهور دون العلائم السابقة عليه.
ثمّ إنَّ هذه العلامة التي فيها جنبة الإعجاز، فإنَّ الظاهر المعظم فيها أنَّها للمتخصِّص لا لعامَّة الناس، فإنَّ العلامة لها وجهتان: واقعيَّة، وغير واقعيَّة، يُميِّزها المتخصِّص الحاذق، حتَّى العلامة الحتميَّة، كما في حديث المفضَّل الآنف حيث ورد المعروفون بالزيديَّة فإنَّهم يقولون: ما هذا إلَّا سحر عظيم، كبشائر النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويُؤكِّده رواية المفضَّل عن أبي عبد الله في

↑صفحة ١٧٩↑

حديث الظهور حيث ورد: «وَيَتَّصِلُ بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ خَبَرُ اَلمَهْدِيِّ (عليه السلام)» أي يتَّصل بالحسني وأصحابه الذين هم كنوز الله، كنوز لا من ذهب ولا من فضَّة، بل رجال كزبر الحديد، «فَيَقُولُونَ: يَا بْنَ رَسُولِ اَلله، مَنْ هَذَا اَلَّذِي نَزَلَ بِسَاحَتِنَا؟ فَيَقُولُ: أَخْرِجُوا بِنَا إِلَيْهِ حَتَّى نَنْظُرَهُ مَنْ هُوَ، وَمَا يُرِيدُ، وَاَلله وَيَعْلَمُ أَنَّهُ اَلمَهْدِيُّ...» الحديث(١٩٢)، إذ الظاهر مع ورود خبر المهدي لأصحاب الحسني كنوز الله المسبوقين بتلك العلائم خرجوا إليه لمعرفة ما يريد، ومن هو، فخبره شيء وماذا يريد شيء آخر، فمجرَّد وصول الخبر لا يلازم لزوم معرفته شخصيًّا ومعرفة مشروعه.
٥ - أنَّ السرَّ في ذكر البشائر على ما ورد في الخبر: «هُوَ ِتَصْدِيقِي وَتَصْدِيقِكُمْ، وَعُذْرِي وَعُذْرِكُمْ»(١٩٣)، أي سيكون أوَّلاً تصديق بالإعجاز الصادر عن الأئمَّة (عليهم السلام) في إخبارهم عن خصائص المهدي (عجَّل الله فرجه) وإثبات حقَّانيَّتهم، وثانياً يكون تصديقاً للمهدي (عجَّل الله فرجه)، وبعبارة أُخرى نُصدِّق بأخبار الغيبة التي أخبر عنها الأئمَّة (عليهم السلام)، وذلك بالمشاهدة، ثمّ نُطبِّق تلك العلائم على الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فإذعان بالكلّيَّات والعلائم وتنزيلها على الفرد والمصداق ومادَّة يحتجُّ بها على الآخرين، وهكذا تكون مادَّة للاعتذار.
٦ - الجمع بين خصيصتين (المجيء بغتةً) و(المجيء بعد الأشراط) كما تشير الآية الكريمة: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (محمّد: ١٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٢) الهداية الكبرى (ص ٤٠٣).
(١٩٣) قد مرَّ في (ص ١٧٣)، فراجع.

↑صفحة ١٨٠↑

الوجه في ذلك: (ينظرون) من الانتظار، وأنَّ الأشراط جمع شرط وهي العلامة، والمراد من أشراط الساعة أي علامات اقتراب القيامة، وليس المراد من قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أي تحقَّق جميع العلامات، بل المراد أنَّ بعضها قد ظهر، وفي هذا إشارة إلى اقتراب المشروط، والآية تريد أنْ تشير لبيان أمر واقعي، وهو أنَّ مجيء القيامة يكون بغتةً، وليس المراد أنَّهم ينتظرون إتيانها بغتةً حتَّى يكون قيد بغتةً للانتظار، فحصول المشروط بغتةً لا أنَّ الإتيان عندهم بغتةً، بل الإتيان عندهم ينبغي أنْ يكون من أوَّل الأمر لا عند حصول المشروط وهي الساعة المفسَّرة بالمهدي المنتظَر كما في رواية (مختصر بصائر الدرجات)(١٩٤).
وفي الحديث عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إِنَّمَا مَثَلُهُ - أي المهدي - كَمَثَلِ اَلسَّاعَةِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً»(١٩٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٤) عَنِ اَلمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَأَلْتُ سَيِّدِيَ اَلصَّادِقَ (عليه السلام): هَلْ لِلْمَأْمُولِ اَلمُنْتَظَرِ اَلمَهْدِيِّ (عليه السلام) مِنْ وَقْتٍ مُوَقَّتٍ يَعْلَمُهُ اَلنَّاسُ؟ فَقَالَ: «حَاشَ لله أَنْ يُوَقِّتَ ظُهُورَهُ بِوَقْتٍ يَعْلَمُهُ شِيعَتُنَا»، قُلْتُ: يَا سَيِّدِي، وَلِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: «لِأَنَّهُ هُوَ اَلسَّاعَةُ اَلَّتِي قَالَ اَللهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضِ...﴾ اَلْآيَةَ [الأعراف: ١٨٧]».
مختصر بصائر الدرجات (ص ١٧٩).
(١٩٥) عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ اَلمُنْذِرِ بْنِ حَيْفَرَ، قَالَ: قَالَ اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام): «سَأَلْتُ جَدِّي رَسُولَ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَنِ اَلْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ، فَقَالَ (عليه السلام): اَلْأَئِمَّةُ بَعْدِي عَدَدَ نُقَبَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ اِثْنَا عَشَرَ، أَعْطَاهُمُ اَللهُ عِلْمِي وَفَهْمِي، وَأَنْتَ مِنْهُمْ يَا حَسَنُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَلله، فَمَتَى يَخْرُجُ قَائِمُنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ؟ قَالَ: يَا حَسَنُ، إِنَّمَا مَثَلُهُ كَمَثَلِ اَلسَّاعَةِ ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]». كفاية الأثر (ص ١٦٨).

↑صفحة ١٨١↑

فالآية الواردة في سياق التهكُّم، أي كيف لهم أنْ ينتفعوا بالذكرى عند قيام المشروط بغتةً، إذ لا مجال للعمل حينئذٍ، وإنَّما ينبغي الانتفاع بالذكرى من الآن بعد ما جاءت أشراط القيامة وعلاماتها والمهدي، فبعد إذعانكم بالقيامة واقترابها والمهدي بسبب تقدُّم أشراطها وعلاماتها، فعليكم بالعمل الآن، لأنَّه ينبغي أنْ تحتملوا في كلِّ آنٍ أنَّ مجيء القيامة بغتةً فلا ينفعكم العمل، فالآية واردة في مقام لزوم تأصيل العمل والمبادرة إليه فوراً، وفيها إشارة لا حاجة إلى التسويف في أشراطها، فالعلامات شروط للوجوب خارج عن حيِّز التكليف، لا أنَّها شروط وجوديَّة حتَّى تكون محطَّ نظر التكليف والإعداد لها، فحال العلامات حالُ (إذا زالت الشمس فصلِّ)، فإنَّ زوال الشمس وإنْ كان علامة لوجوب الصلاة، ولكن لا أهمّيَّة للزوال، وإنَّما تمام الأهمّيَّة للصلاة وإعداد المقدَّمات الوجوديَّة للصلاة كالوضوء والطهارة، وتوفير جميع المقدَّمات التي يتوقَّف عليه العمل. وهكذا ينبغي لمن يريد الحجَّ أنْ يُوفِّر جميع الأُمور التي يتوقَّف عليها الحجُّ قبل تسعة ذي الحجَّة، فشراء التذكرة وإعداد جواز السفر وغير ذلك لا بدَّ أنْ يُوفِّرها حالاً حتَّى يتسنَّى له العمل في وقته.
بيان الحال في المنظومة المهدويَّة:
وبهذا البيان يتَّضح الحال في المنظومة المهدويَّة:
أ - إذا ظهر المهدي (عجَّل الله فرجه) فلا يخفى أمره على أحدٍ، وذلك لتقدُّم أشراط الظهور، بل وتحقُّق بعضها قبل الظهور وحينه. وفلسفة العلامة هو تأمين ظاهرة الانتظار كما ورد في الآية.

↑صفحة ١٨٢↑

ب - «اَلمَهْدِيُّ مِنَّا أَهْلَ اَلْبَيْتِ، يُصْلِحُ اَللهُ لَهُ أَمْرَهُ فِي لَيْلَةٍ»، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «يُصْلِحُهُ اَللهُ فِي لَيْلَةٍ»(١٩٦)، أي إنَّ الظهور يكون بغتةً. وقد تقدَّم أنْ لا تصادم بين العلامات وبين الظهور بغتةً.
ج - قد ورد في (مختصر بصائر الدرجات) منهج التعامل مع القضيَّة المهدويَّة، فقد ورد في ذيل ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ (الشورى: ١٨): قُلْتُ: فَمَا مَعْنَى يُمَارُونَ؟ قَالَ: «يَقُولُونَ: مَتَى وُلِدَ؟ وَمَنْ رَآهُ؟ وَأَيْنَ يَكُونُ؟ وَمَتَى يَظْهَرُ؟ وَكُلُّ ذَلِكَ اِسْتِعْجَالاً لِأَمْرِ اَلله، وَشَكًّا فِي قَضَائِهِ، وَدُخُولاً فِي قُدْرَتِهِ»(١٩٧). ثمّ إنَّ عدم معرفة الناس بزمن الظهور، وضمنيَّة كون الظهور يأتي بغتةً يستدعي وقوع الظهور في أيِّ وقتٍ، وينبغي ترقُّبه والاستعداد، فعدم المعرفة له أثر مثبت جليٌّ في النفوس.
٧ - وهكذا لسان بعض الروايات مثل: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ اَلدُّنْيَا إِلَّا لَيْلَةً لمَلَكَ فِيهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي»(١٩٨)، وهذا اللسان في الروايات قد تكرَّر في موارد منها قصَّة المهدي (عجَّل الله فرجه)، ومنها ما ورد في الحديث أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يوماً بارزاً للناس، إذ أتاه رجل يمشي، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: «مَا اَلمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ اَلسَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا»(١٩٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٦) كمال الدِّين (ص ١٥٢/ باب ٦/ ح ١٥).
(١٩٧) مختصر بصائر الدرجات (ص ١٧٩)؛ ورواه بتفاوت يسير الخصيبي (رحمه الله) في الهداية الكبرى (ص ٣٩٢ و٣٩٣).
(١٩٨) الملاحم لابن المنادي (ص ١٧٧/ ح ١١٧/٤)، كشف الغمَّة (ج ٣/ ص ٢٧٣).
(١٩٩) صحيح البخاري (ج ١/ ص ٤٨ و٤٩/ ح ٤٧).

↑صفحة ١٨٣↑

وهذا نظير النهي عن التوقيت، وأنَّ وقت خروج الإمام مجهول حتَّى لمثل الإمام، فقد ورد في رواية المفضَّل في (مختصر بصائر الدرجات): قُلْتُ: أَفَلَا تُوَقِّتُ لَهُ وَقْتاً؟ فَقَالَ: «يَا مُفَضَّلُ، لَا أُوَقِّتُ لَهُ وَقْتاً، وَلاَ يُوَقَّتُ لَهُ وَقْتٌ، إِنَّ مَنْ وَقَّتَ لِمَهْدِيِّنَا وَقْتاً فَقَدْ شَارَكَ اَللهَ فِي عِلْمِهِ، وَاِدَّعَى أَنَّهُ ظَهَرَ عَلَى سِرِّهِ»(٢٠٠)، فالتعليل ظاهر في انتفاء العلم حتَّى للأئمَّة (عليهم السلام)، والله العالم، مع الحفظ على مقولة علم الإمام(٢٠١).
ومنه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ (الأعراف: ١٨٧)، وقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ (الأعراف: ١٨٧)، قيل - كما في (الكشَّاف) للزمخشري -: (تختصُّهم بتعليم وقتها لأجل القرابة)(٢٠٢)، وكيفما كان فإنَّ ظاهر الآية الكريمة يريد عدم معرفة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بوقت الساعة، وينفي أنَّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان قد أخبر بعض أقربائه دون غيرهم.
٨ - ورد في الخبر: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ اَلْعَيْنِ فَلْيَقُرَأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾»(٢٠٣)، لأنَّ هذه السورة تعرض علائم يوم القيامة، ومن المعلوم أنَّ الإذعان بيوم القيامة يقتضي أنْ يكون المكلَّف قد أعدَّ نفسه لهذا السفر، لاسيَّما مجيئه بغتةً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٠) مختصر بصائر الدرجات (ص ١٧٩)؛ ورواه بتفاوت يسير الخصيبي (رحمه الله) في الهداية الكبرى (ص ٣٩٣).
(٢٠١) راجع: كتاب حقيقة علم آل محمّد وجهاته للسيِّد عليّ عاشور.
(٢٠٢) تفسير الكشَّاف (ج ٢/ ص ١٣٥).
(٢٠٣) معرفة الصحابة (ج ٣/ ص ١٩٢/ ح ٤٣٤٥).

↑صفحة ١٨٤↑

وهكذا يمكن أنْ نقول في علائم الظهور، فالنظر إلى العلائم لا لموضوعيَّة فيها، وإنَّما هي على نحو الطريقيَّة إلى النظر لصاحب الأمر، فليقرأ علائم الظهور من حيث الإذعان، وفي دائرة العقل العملي لا في العقل النظري، كما ورد عنهم (عليهم السلام) في استحباب الإكثار من ذكر: (الله أكبر) أو (سبحان الله) أو (الحمد لله)، فالهدف حسب الظاهر هو تحريك العقل العملي والوصول إلى شاطئ الإيمان والإذعان، وعقد القلب لاستنارة الفكر.
٩ - لم يُحدِّثنا التاريخ عن وجود مدرسة تسعى في تحقيق معالم القيامة لأجل التعجيل، فمن المناسب أنْ ننتهج نفس المنهج في علائم الظهور، فمن زخرف القول أنْ نعجل في المعاصي لكي يظهر الإمام (عجَّل الله فرجه)، فهي كما تقدَّم مقدَّمات وجوبيَّة لا وجوديَّة، فيجب عدم تحقيقها، وينبغي السعي للتعجيل في الظهور لا التعجيل في العلامة، والفرق واضح بينهما.
١٠ - روي أنَّ رجلاً أتى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال: متى قيام الساعة؟ فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «فَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟»، قَالَ: وَاَلله مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ عَمَلٍ، لَا صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اَللهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «اَلمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»(٢٠٤).
فتغيير السؤال من (متى) إلى (ماذا) إنَّما لبيان المناسب في مقام السؤال، وهو النهي عن هذا الوقت، وليس السؤال عن التاريخ والزمان، هذا أوَّلاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٤) علل الشرائع (ج ١/ ص ١٣٩ و١٤٠/ باب ١١٧/ ح ٢).

↑صفحة ١٨٥↑

وثانياً: إقرار النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنَّ المهمَّ هو كون الشخص قد ميَّز الحقَّ فأحبَّه وأحبَّ أهله، ليستتبع ذلك العمل به، فيُحشَر مع الحقِّ وأهله.
وثالثاً: أنَّ الأجل غير معلوم، وهو أجل قد أعدَّه الله، لعلمه أنَّ صلاح الخلق في إدامة التكليف عليهم إلى ذلك الوقت.
ورابعاً: التأكيد على لابدّيَّة هذا الأمر.
وخامساً: الاهتمام بالجانب التربوي المترتِّب للنظر في تلك العلامات، إذ بمقتضى الإطلاق المقامي وكون المتكلِّم في مقام البيان أنَّ الأمر الذي ينبغي أنْ يقع حوله السؤال هو إعداد العمل، ومن الواضح عدم ذكر العلامات وحصر الأهمّيَّة بقوله: (ماذا أعددت من عمل)، يُفهِم انحصار الأهمّيَّة بذلك لا غير.
ومنه يُفهَم حديث عمر بن أبان، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «اِعْرِفِ اَلْعَلَامَةَ، فَإِذَا عَرَفْتَهُ لَمْ يَضُرَّكَ تَقَدَّمَ هَذَا اَلْأَمْرُ أَوْ تَأَخَّرَ»(٢٠٥)، ويُؤيِّده أنَّ تحقُّق بعض تلك العلامات يجتمع مع مفهوم الانتظار، وبعد تحقُّق العلامة تزول فائدتها من جهة أنَّها سالبة بانتفاء الموضوع، فالذي يبقى مصاحباً هو الانتظار، فهو محطُّ التكليف. إذن فالمهمُّ في النظر الدِّيني هو تنشيط ظاهرة الانتظار، والإعداد له، وليس المهمُّ الوقوف على العلامة إلَّا بمقدار كونها كاشفاً إذعانيًّا.
١١ - ويحتمل أنَّ الإخبار عن الحوادث المستقبليَّة كعلائم الظهور قد تكون في سياق المعجزة والإخبارات الغيبيَّة، فتدور مدارها من الفائدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٥) الكافي (ج ١/ ص ٣٧٢/ باب أنَّه من عرف إمامه.../ ح ٧)، الغيبة للنعماني (ص ٣٥٢/ باب ٢٥/ ح ٦).

↑صفحة ١٨٦↑

١٢ - لا بدَّ من الالتفات إلى بعض السُّذَّج من الناس حينما يواجهون أحداثاً خطيرةً، فإنَّهم يُظهِرون اهتمامهم بقضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وبعلائم الظهور، ويبحثون عن المزيد ممَّا يمنحهم بصيص أمل، بل قد حاول بعض الكُتَّاب تنفيذ هذه الرغبة، وبذل جهوداً كبيرةً لترسيم المستقبل وفق ما تيسَّر من النصوص التي جاء أكثرها غامضاً وغائماً، واختلط غثُّها بسمينها، وتعرَّض كثير منها للتحريف، وزيد فيها ونُقِصَ وقُطِعَ، بل ينبغي للمؤمن أنْ يعيش عذوبة الانتظار، وهذا معنى قوله (عليه السلام): «اِعْرِفِ اَلْعَلَامَةَ، فَإِذَا عَرَفْتَهُ لَمْ يَضُرَّكَ تَقَدَّمَ هَذَا اَلْأَمْرُ أَوْ تَأَخَّرَ».
فما ذكره البعض من وجوب معرفة علامات الظهور مستدلِّين عليه بوجوب معرفته (عجَّل الله فرجه) بشخصه ولا يمكن ذلك إلَّا بالتعرُّف على العلائم، ففيه:
أوَّلاً: هذا الدليل لا يأتي في العلائم غير المحتومة، والعلائم التي تقع قبل ظهوره.
ثانياً: لا تنحصر معرفة الإمام (عجَّل الله فرجه) بشخصه عن طريق تلك العلائم وإنْ كانت حتميَّة ومقارنة لظهوره، نظير معرفة المسلمين لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حين البعثة مع جهلهم بالبشائر، وأنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) سيملك من المعاجز التي يستطيع بواسطتها التعرُّف عليه، وهكذا مواريث الأنبياء (عليهم السلام).
وأمَّا صيغة (افعل) في قوله: «اِعْرِفِ اَلْعَلَامَةَ» الدالُّ على وجوب التعرُّف أو استحبابه، ففيه أنَّ الظاهر من الأمر الإرشاديَّة لا النفسيَّة.

↑صفحة ١٨٧↑

١٣ - في المنظومة المهدويَّة هناك مفردات ينبغي الاهتمام بها:
منها: البيعة، وقد ورد في (صحيح مسلم) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليَّة»(٢٠٦)، وورد: «اَللَّهُمَّ إِنِّي أُجَدِّدُ لَهُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِي هَذَا، وَمَا عِشْتُ مِنْ أَيَّامِي، عَهْداً وَعَقْداً وَبَيْعَةً لَهُ فِي عُنُقِي»(٢٠٧).
ومنها: المودَّة له، اعتماداً على قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (الشورى: ٢٣). وفي حديث الصادق (عليه السلام) حينما دخلوا عليه فرأوه يبكي ويقول: «سَيِّدِي غَيْبَتُكَ نَفَتْ رُقَادِي»، وليتأمَّل في كلام الإمام الصادق حيث يُعبِّر: «غَيْبَتُكَ»، فهو إشارة إلى ما ورد في ذيل الحديث: «نَظَرْتُ فِي كِتَابِ اَلْجَفْرِ صَبِيحَةَ هَذَا اَلْيَوْمِ، وَهُوَ اَلْكِتَابُ اَلمُشْتَمِلُ عَلَى عِلْمِ اَلمَنَايَا وَاَلْبَلَايَا وَاَلرَّزَايَا، وَعِلْمِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ، اَلَّذِي خَصَّ اَللهُ بِهِ مُحَمَّداً وَاَلْأَئِمَّةَ مِنْ بَعْدِهِ (عليهم السلام)، وَتَأَمَّلْتُ مِنْهُ مَوْلِدَ قَائِمِنَا، وَغِيبَتَهُ، وَإِبْطَاءَهُ، وَطُولَ عُمُرِهِ، وَبَلْوَى اَلمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ اَلزَّمَانِ...، فَأَخَذَتْنِي اَلرِّقَّةُ، وَاِسْتَوْلَتْ عَلَيَّ اَلْأَحْزَانُ»(٢٠٨).
ومنها: الدعاء له: «اَللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِنَصْرِكَ، وَاُنْصُرْ عَبْدَكَ، وَقَوِّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٦) عن عبد الله بن مطيع، قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يقول: «من خلع يداً من طاعة لقى الله يوم القيامة لا حجَّة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليَّة». صحيح مسلم (ج ٦/ ص ٢٢).
(٢٠٧) مصباح الزائر (ص ٤٥٥) من دعاء العهد.
(٢٠٨) كمال الدِّين (ص ٣٥٣ و٣٥٤/ باب ٣٣/ ح ٥٠)، الغيبة للطوسي (ص ١٦٨ و١٦٩/ ح ١٢٩).

↑صفحة ١٨٨↑

أَصْحَابِكَ، وَصَبِّرْهُمْ، وَاِفْتَحْ لَهُمْ مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً، وَعَجِّلْ فَرَجَهُ، وَأَمْكِنْهُ مِنْ أَعْدَائِكَ، وَأَعْدَاءِ رَسُولِكَ، يَا أَرْحَمَ اَلرَّاحِمِينَ»(٢٠٩).
ومنها: السلام عليه، كزيارة آل يس.

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٩) مصباح المتهجِّد (ص ٦١).

↑صفحة ١٨٩↑

الفصل السابع: المنقذ العالمي في الأديان

↑صفحة ١٩١↑

قام الإجماع في الديانات السماويَّة الثلاثة: اليهوديَّة، والمسيحيَّة، والإسلام، بل غيرها أيضاً، على الاعتراف والاعتقاد بالمنقذ السماوي المتوِّج للقِيَم الربَّانيَّة، والموصل العالم - بما يعمُّ المادِّي منه - إلى مرفأ السلام.
وقد ذُكِرَ هذا المنقذ في ضمن أوصاف عامَّة:
١ - المنقذ روح الله، والنفس المستقيم، وعبد الله(٢١٠).
٢ - متابعة العالم كلِّه، أي العالم بكلِّه يتبعه(٢١١).
٣ - المنقذ العادل، والحاكم العادل(٢١٢).
٤ - محو الظلم والظالمين(٢١٣).
٥ - لا ينطق عن الهوى، وإنَّما يتكلَّم من الله، وما سمعه من النبيِّ والأولياء(٢١٤). وقد ذُكِرَ في محلِّه أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) عالم كعلم النبيِّ بالأشياء، وإنِ اختُلِفَ في كيفيَّة علمه من إيحاء بناءً على ما هو الصحيح من عدم انحصار الإيحاء بالنبيِّ، أو بالكشف، أو بغير ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٠) إنجيل يوحنَّا (ب ١٤).
(٢١١) إنجيل يوحنَّا (رقم ١٠/ ب ٢٩ و١٤)، إنجيل متَّى (ب ٢٤)، زبور داود (مزبور ٩٤/ من رقم ٩ إلى ١٣).
(٢١٢) إنجيل يوحنَّا (ب ١٤)، زبور داود (مزبور ٩٤).
(٢١٣) كتاب أشعياء النبيِّ (باب ١١).
(٢١٤) إنجيل يوحنَّا (ب ١٤).

↑صفحة ١٩٣↑

٦ - الهداية العامَّة للناس(٢١٥).
٧ - خروج كنوز الأرض له(٢١٦).
٨ - موجود بين الناس، ويراهم ولا يعرفونه، وذلك بسبب غفلتهم(٢١٧).
٩ - الأرض (قبل) وجوده يحكم (فيها) الظلم والجور(٢١٨).
وغير ذلك من النصوص السماويَّة الوارد فيها ذلك، من قبيل كمال العلوم، وعالِم بالعلوم، ومطَّلع على الغيب، ويحكم بحسب الواقع، ولا يعمل بالتقيَّة، ويُطهِّر مقام عيسى (عليه السلام) في أعين أنصاره، ويشهد بنبوَّته، ويحضر عيسى (عليه السلام) معه، ويؤمن المسيحيُّون به قبل غيرهم من الفِرَق الضالَّة، ولا يعلم ظهوره حتَّى الملائكة، وله رجعة.
ولمزيد من النصوص حول ذلك يُراجَع: (البراهين الساباطيَّة في الردِّ على النصارى) لجواد الساباطي من أعلام القرن الثاني عشر الهجري، و(دراسة الكتاب المقدَّس تحت المجهر) للكاتب الأُردني عودة مهاوش أبو محمّد الأُردني، و(أنيس الأعلام في الردِّ على اليهود والنصارى) لمحمّد صادق فخر الإسلام، و(الذين اعتنقوا الإسلام) لسفر محمّد رضا رضائي، و(المسيح الدجَّال) للأُستاذ سعيد أيُّوب المصري.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٥) زبور داود (مزمور ٣٧)، كتاب دانيال (ب ١٢).
(٢١٦) زبور داود (مزمور ٣٧)، كتاب دانيال (ب ١٢).
(٢١٧) إنجيل يوحنَّا (ب ١٣).
(٢١٨) كتاب دانيال (ب ١٢).

↑صفحة ١٩٤↑

ويُراجَع أيضاً الكُتُب السماويَّة:
١ - إنجيل يوحنَّا (ب ١٥/رقم ٢٧، ب ١٤/ رقم ١٦، ب ١٦/رقم ٧).
٢ - إنجيل متَّى (ب ٢٤/ رقم ٢٧).
٣ - إنجيل مرقس (ب ١٣/ رقم ٢٦).
٤ - إنجيل لوقا (ب ٢١).
٥ - زبور داود (مزمور ٣٧، وغيره).
٦ - كتاب دانيال (الكتاب المقدَّس/ ب ٧).
ولكنَّه مع اتِّفاقهم على لابدّيَّة المنقذ اختلفوا في مصداقه، هل هو العُزَير، أم المسيح، أم هو من نسل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أم من نسل إبراهيم الخليل (عليه السلام).
ومنشأ هذا الاختلاف هو الاختلاف في تأويل النصِّ الدِّيني بعدما كان متعرِّضاً إلى الصفات العامَّة على ما تقدَّمت الإشارة إليها، فحملُ النصِّ على أشخاصٍ خاصِّين ليس ببعيد إذا كان ذلك بسبب العوامل السياسيَّة، والتعصُّب، والحبِّ، والتأثُّر العاطفي، والسعي إلى تسجيل المفاخر لأديانهم بعدما نصَّت البشائر السماويَّة على كون المصلح ذا صفات عالية وكمالات رفيعة جدًّا.
وينبغي التنبيه على أُمور، هي:
١ - ينبغي التمييز وعدم الخلط بين البشائر بالمنقذ والبشائر بالنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فإنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإنْ كان منقذاً لكن إنقاذه ليس عالميًّا بالفعل.

↑صفحة ١٩٥↑

٢ - ينبغي الوقوف والتأنِّي ودراسة جميع الصفات للمنقذ العالمي قبل تحديده بمصداق، ثمّ ملاحظة الواقع التاريخي والقرائن في النصوص لملاحظة المصداق مع إدخال جميع ما كان من المحتمل أنْ يكون هو المنقذ العالمي.
فمثلاً ما ورد في بعض النصوص: أنَّ المسيح (عليه السلام) يذكر صفات المنقذ، فلا معنى لحمل المنقذ على كونه نفس المسيح (عليه السلام)، وكفى في تعيين المنقذ العالمي بكونه الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ما ورد في النصِّ الشريف في سفر الرؤيا: (... إنَّ السلطة كانت تريد قتل هذا الغلام، ولكن بعد ولادة الطفل غيب).
قال الباحث سعيد أيُّوب في كتابه (عقيدة المسيح الدجَّال): (ويقول كعب: مكتوب في أسفار الأنبياء: المهدي ما في عمله عيب)، ثمّ علَّق على هذا النصِّ بقوله: (وأشهد أنَّني وجدته كذلك في كُتُب أهل الكتاب، لقد تتبَّع أهل الكتاب أخبار المهدي كما تتبَّعوا أخبار جدِّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فدلَّت أخبار سفر الرؤيا إلى امرأة يخرج من صلبها اثنا عشر رجلاً، ثمّ أشار إلى امرأة أُخرى، أي: التي تلد الرجل الأخير الذي هو من صلب جدَّته، وقال السفر: إنَّ هذه المرأة الأخيرة ستحيط بها المخاطر، ورمز للمخاطر باسم التنِّين وقال: والتنِّين وقف أمام المرأة العتيدة حتَّى تلد ليبتلع ولدها متى ولدت [سفر الرؤيا ١٢: ٣]، أي: إنَّ القيادة كانت تريد قتل هذا الغلام، ولكن بعد ولادة الطفل. يقول باركلي في تفسيره: عندما هجمت عليها المخاطر اختطف الله ولدها وحفظه)(٢١٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٩) عقيدة المسيح الدجَّال (ص ٣٧٩).

↑صفحة ١٩٦↑

وهاهنا سؤالان:
السؤال الأوَّل: كيف يمكن الاستدلال بالنصوص الدِّينيَّة الواردة في الكُتُب التي حُكِمَ بتحريفها جزماً؟
وجوابه:
أوَّلاً: الدليل هو السُّنَّة الشريفة، وما ذُكِرَ يصلح أنْ يكون مؤيِّداً. على أنَّه سبيل لإقناع أصحاب تلك الكُتُب بحقَّانيَّة الإسلام والمذهب.
وثانياً: ليس جميع ما موجود في تلك الكُتُب محرَّفاً، بل إنَّ القرآن قد استشهد ببعض الكُتُب السماويَّة في بشائر النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وثالثاً: أنَّ الكُتُب قد ذكرت خصائص للمنقذ خاصَّةً قبل وقوعها، فيصحُّ الاعتماد عليها من جهة إخباراتها الغيبيَّة التي بُرهِنَ على صحَّتها في محكِّ الواقع التاريخي.
السؤال الثاني: كيف تكون فكرة المهدويَّة إسلاميَّة مع أنَّ وجود هذه النصوص الدِّينيَّة دليل على كونها إسرائيليَّة ومستوردة من خارج الفكر والتشريع الإسلامي، بل ليست من صميم الواقع الدِّيني الإسلامي.
وجوابه:
أوَّلاً: أنَّ مجرَّد وجود البشائر للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمفاهيم الإسلاميَّة لا يستدعي بطلانها، وهكذا ذكر الخصوصيات الخاصَّة بالرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الكُتُب السماويَّة يلزم على ذلك أنْ يكون الإسلام وهكذا النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فكرة إسرائيليَّة.
وثانياً: قد تقدَّم أنَّه لا تلازم بين كون الفكرة مذكورة في الكُتُب

↑صفحة ١٩٧↑

السماويَّة وبين كونها إسرائيليَّة باطلة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (النحل: ١٠٣) فالظاهر أنَّ الكُفَّار قد وقفوا على أنَّ بعض المفاهيم القرآنيَّة تتطابق مع الوارد في الكُتُب السماويَّة، ولذا اتَّهموا الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنَّ ما عنده من أهل الكتاب، فجاءت الآية في سياق الإطلاق المقامي، ولم تنفِ أنَّ ما عنده لم يكن في الكُتُب السماويَّة، وإنَّما أشارت إلى أنَّ القرآن لا يصلح أنْ يكون إيحاء بشر، بل البشر عاجز عن الإتيان به، فكيف إذا كان هؤلاء لا يجيدون العربيَّة؟ فبواسطة الإطلاق المقامي لا مانع من اتِّحاد الفكرة بين الروايات، ولنا من الشواهد في وحدة الأفكار كثيرة. فالمنظومة المهدويَّة كفكرة أسبق من رسالة النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إلَّا أنَّ الإسلام بفكره الشيعي الأصيل حوَّل الفكرة من أُطروحة وحديث المستقبل الفطري إلى مشروع في طريق التنفيذ بعد الاعتقاد بوجوده وتأثيره الكوني والتشريعي والمعنوي والهدايتي، وإخراجه من الغيب إلى الواقع، ومن المستقبل إلى الحاضر، ومن حلم إلى حقيقة نعيشها فتُؤثِّر بنا ونتأثَّر منها، ومن هنا أخبار المهدي عندنا خلافاً لأبناء العامَّة ليست محض خبر مستقبلي، بل حديث الحال.
فالمهدي (عجَّل الله فرجه) نعيشه ويعيش معنا، ويحمل همومنا، ويترقَّب الوعد الإلهي كما نترقَّبه بشغف، والولاية عندنا حيَّة مستمرَّة، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ (المعارج: ٦ و٧).

* * *

↑صفحة ١٩٨↑

الفصل الثامن: أسرار الانتظار

↑صفحة ١٩٩↑

إنَّ من المفاهيم المقارنة للفكرة المهدويَّة مفهوم الانتظار حتَّى صارا توأمَين لا ينفكَّان، فلا مجال لتعقُّل أحدهما إلَّا بتعقُّل الآخر، وركَّة الإدراك في أحدهما تسري إلى الآخر، ومن هنا فلا بدَّ من بيان المعنى الصحيح للانتظار لنفسه ولسلامة المنظومة المهدويَّة، فمن هنا نتحدَّث عن أسرار الانتظار، والتي منها:
١ - الأمل، والثبات، والحيويَّة التي يبعثها الانتظار في نفوس المستضعفين المؤمنين بالعقيدة.
٢ - إيجاد الرعب في قلوب الأعداء، وإقلاق مضاجعهم، فإنَّه آتيهم من حيث لا يشعرون، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ (المنافقون: ٤).
٣ - الإنذار الأقصى، والاستعداد التامُّ من القاعدة الجماهيريَّة لإمامهم، من خلال التخلُّق بالأخلاق الإسلاميَّة وفق منهج أهل البيت (عليهم السلام).
٤ - الوعد والوعيد، والتبشير والإنذار، فإنَّ الانتظار يخلف الخوف والرجاء أيضاً للقاعدة الجماهيريَّة، لما تصطحب هذه الفكرة والثقافة المهدويَّة من البُعد التنذيري والتخويفي للقاعدة الجماهيريَّة.
٥ - أنَّ في الانتظار إشارة إلى سُنَّة الحياة في التنازع على البقاء، قال تعالى: ﴿وَلَوْ لَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ﴾ (الحجّ: ٤٠)، إذ من نعوت

↑صفحة ٢٠١↑

وشؤون عالم الدنيا التزاحم والتنازع، ومن هنا سُمِّي عالم المادَّة عالم التزاحم، وبه تنتظم الحركة والسير من مبدأ إلى غاية. والعالم في حركته يتَّجه نحو هذه الغاية والمنتهى، وهي حكومة الصالحين بمقتضى الفكر المهدوي، وما دمنا في هذه الحركة فنحن نعيش الانتظار، فهو أمل تبديل ثقافة بثقافة وحياة بحياة وهدف بهدف. وبين مقولة الانتظار واليأس تقابل، فمن فقد الانتظار عاش اليأس، ومن عاش الانتظار هزم اليأس. والانتظار مقولة تحتاج إلى متعلَّق، وخير متعلَّق له هو المهدي الموعود (عجَّل الله فرجه) بلحاظ ذاته ومشروعه. ولا تصادم بين مقولة انتظار المهدي وبين ﴿إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: ١٥٦)، وبعبارة لا بدَّ للمجتمع الإنساني من تكامل، وذروة ذلك التكامل تتجلَّى بظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فعصره عصر الكمال البشري الإنساني، والأُمَّة تترقَّب ذلك التكامل للمجتمع البشري، وهي تسير في طريقها لإنجاز ذلك التكامل، فليس دورها معطَّلاً، بل دورها ممهِّد لذلك التكامل.
وبهذا البيان يتَّضح، أنَّ الفكرة المهدويَّة بما لها من مخزون عقائدي وثقافي وإنساني لتكامل البشريَّة والرقي بها نحو الصلاح والسعادة والعدالة تُحرِّض جميع البشريَّة، ولسانها لسان عامٍّ مستقطب لكلِّ الأديان السماويَّة، فليست هي فكرة انحصاريَّة على خصوص المذهب الحقِّ الشيعي، فالإنسان المؤمن والأُمَّة المؤمنة لا بدَّ أنْ يحملا هدفاً ويؤمنا به ويُضحّيا له، على أنْ يكون الهدف ممكناً ويصحُّ الوصول إليه، وهذا معنى: «اِنْتِظَارُ اَلْفَرَجِ مِنَ اَلْفَرَجِ»(٢٢٠).

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٠) الغيبة للطوسي (ص ٤٥٩/ ح ٤٧١).

↑صفحة ٢٠٢↑

الفصل التاسع: أزمة الفكر غير الشيعي في المنظومة المهدويَّة

↑صفحة ٢٠٣↑

* أزمة فكر المستشرقين في المنظومة المهدويَّة.
* أزمة فكر أبناء العامَّة في المنظومة المهدويَّة.
١ - أزمة فكر المستشرقين في المنظومة المهدويَّة:
ونقصد أُولئك الذين أنكروا فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من أساسها بأساليب مختلفة، مثل:
أ - أُسلوب التشكيك.
ب - أُسلوب الإصلاح والنقد العلمي.
ج - أُسلوب تنقيب التراث.
د - أُسلوب الحداثة وما بعدها.
هـ - أُسلوب العولمة.
فإنَّهم قذفوا الفكرة بالخرافة، والأُسطورة، واستعملوا لغة الاستهزاء، ووقفوا على بعض التصرُّفات الشاذَّة الصادرة عن غير المُدْرَك الشرعي.
ومن جملة المنكرين:
(دونلدسن) في كتابه (عقيدة الشيعة) حيث قال: (إنَّ من المحتمل جدًّا أنَّ الفشل الظاهر الذي أصاب المملكة الإسلاميَّة في توطيد أركان العدل والتساوي على زمن دولة الأُمويِّين (٤١ - ١٣٢هـ) كان من الأسباب لظهور فكرة المهدي آخر الزمان).
ويرى أيضاً أنَّ روايات المهدي (عجَّل الله فرجه) موضوعة في عصر ما قبل تدوين السُّنَّة النبويَّة. وأنَّ الكُتُب الروائيَّة السُّنّيَّة قد خلت من هذه الروايات.

↑صفحة ٢٠٥↑

وقال أيضاً: (ولـمَّا كان القرآن نفسه لم يرد فيه ما يُؤيِّد هذه الفكرة - أي فكرة المهدي -، كان من الضروري الالتجاء إلى الحديث لإثباتها)(٢٢١).
وقال (جولدزيهر) في كتابه (العقيدة والشريعة في الإسلام): (لا بدَّ من تأسيس فكرة الآمال الصامتة لتهدئة روع الناس، ومن أجلى مظاهر فكرة الآمال الصامتة واقعة المهدي)(٢٢٢).
وذهب آخر إلى أنَّ فكرة المهدي خيال موجود في قبائل شمال أفريقيا، على أساس الجهل، والتعصُّب، والنفوس الميَّالة إلى عبادة الأصنام.
وادَّعى أحمد أمين المصري في (المهدي والمهدويَّة)(٢٢٣)، وسعد محمّد حسن في (المهدي في الإسلام منذ أقدم العصور حتَّى اليوم)(٢٢٤) أنَّ فكرة المهدي أنشأها الفاطميُّون.
٢ – أزمة فكر أبناء العامَّة في المنظومة المهدويَّة:
سجَّل أهل الحديث وأهل التفسير من علماء العامَّة، واقعة الغيبة بنحو لا مجال للشكِّ فيها، وقذفوا المنكر لها بعدم البصيرة والخبرويَّة، وعدم المعرفة بأدنى موازين الفنِّ، ومع هذا اختلفوا مع الشيعة في المسألة في جملة من الاستفسارات بعد إذعانهم بإمكان الالتزام بما روي عن الشيعة، وسنشير إلى بعض تلك الاستفسارات:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢١) راجع: عقيدة الشيعة (ص ٢٣١ و٢٣٢).
(٢٢٢) راجع: العقيدة والشريعة في الإسلام (ص ٨٥).
(٢٢٣) راجع: المهدي والمهدويَّة (ص ١٥ فصاعداً).
(٢٢٤) راجع: المهدي في الإسلام منذ أقدم العصور حتَّى اليوم (ص ١٣٧ فصاعداً).

↑صفحة ٢٠٦↑

١ - مجهوليَّة ولادته (عجَّل الله فرجه) عند الناس توجب الشكَّ في الفكر الإمامي والقضيَّة المهدويَّة.
وجوابه من وجهين:
أوَّلاً: أنَّ مجهوليَّة الولادة حصلت حتَّى مع الأنبياء (عليهم السلام)، كمجهوليَّة ولادة موسى بن عمران (عليه السلام)، وهكذا مجهوليَّة ولادة إبراهيم (عليه السلام).
ثانياً: أنَّ خفاء الولادة للقريب والبعيد وإنْ كان خلافاً للعادة إلَّا أنَّ التاريخ حافل بقضايا تستدعي خفاء الولادة لأسباب كثيرة، كما لو تزوَّج الرجل امرأة ثانية وقد أخفى حالها، وكانت قد أنجبت له أطفالاً، وبقي أمره مستوراً حتَّى الوفاة.
٢ - إنكار جعفر أخي الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، لأنَّه توارث أمواله، ففعله يستلزم ألَّا وارث للعسكري (عليه السلام) من الطبقة الأُولى.
وجوابه: الاستدلال بفعل جعفر وهو ليس بمعصوم غير وارد، فاحتمال ارتكابه للذنب فضلاً عن صدور الخطأ منه احتمال قائم، ومجرَّد كونه ابن الإمام لا يستدعي عصمته أو تصديقه، وإخوة يوسف (عليه السلام) خير شاهد، بل إنَّ دواعي إنكار جعفر للولادة وانعدام الوارث الآخر وسموَّ مقام العسكري (عليه السلام) حيث إنَّ مقامه ممَّا تُطال له الرقاب وتطمع إليه النفوس وتسعى إليه الرجال فيكون الإنكار أمراً معتدًّا به، فهو ممَّن يجرُّ النار إلى قرصه.
ولو صحَّ مثل هذا الاستدلال، لصحَّت دعوى أبي لهب عمِّ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في إنكار الرسالة، وإنِ اعترفنا بوجود الفارق بين الولادة والرسالة.

↑صفحة ٢٠٧↑

٣ - وصيَّة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) لوالدته، وجعلها وصيَّة على أمواله مع عدم ذكر القائم في وصيَّته بجميع أمواله دليل على عدم وجود الولد، ولم يذكر ولده في الوصيَّة.
وجوابه: أنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) بعدما أراد إعطاء قيمة قانونيَّة لوصيَّته أشهد على وصيَّته بعض المؤيِّدين للحكومة مثل: (مولاه واثق، مولاه محمّد بن مأمون، فتح بن عبد ربِّه)، وهذا يستدعي عدم ذكر ولده في الوصيَّة للحفاظ على دمه.
٤ - لماذا باقي الأئمَّة (عليهم السلام) لم يعتمدوا على نفس طريقة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في الإخفاء إذا كانت النكتة هي الخوف على حياته، إذ لا فرق بينه وبينهم في لزوم حفظ الحياة؟
وجوابه: معروف عند الجميع - بمقتضى روايات المنقذ - أنَّ الإمام الثاني عشر سيمارس دوراً سياسيًّا فاعلاً جدًّا، ولم يُعيَّن تاريخ نهضته المباركة، فكلُّ حاكم يحتمل أنْ يكون الندُّ الأوَّل له هو الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فمشروعه الرئيس هو مناهضة السلاطين. وهذا بخلافه في سائر الأئمَّة (عليهم السلام)، فإنَّ الطابع العامَّ لسيرتهم هو التأكيد على التقيَّة، بل ورد المنع في خوض الصراع السياسي لأسباب مذكورة في محلِّها. هذا مضافاً إلى أنَّ دواعي الإخفاء غير ضروريَّة في الأئمَّة السابقين، باعتبار وجود حلقات سلسلة الإمامة وعدم انقطاعها، بخلاف المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، فلو لم يغب ثمّ قُتِلَ كما قُتِلَ آباؤه لانقطعت سلسلة الإمامة، باعتباره الإمام الأخير فيها، وانخرط التخطيط الإلهي. وتوقيفيَّة الأئمَّة (عليهم السلام) بالاثني عشر نظير توقيفيَّة الأنبياء (عليهم السلام) بعدد معيَّن.

↑صفحة ٢٠٨↑

٥ - كيف يمكن مع هذه المدَّة الطويلة أنْ لا يتَّصل الإمام بأحد، ولا يُعرَف له مكان؟
وجوابه: نفس ما يقال في الخضر الذي ورد ذكره في القرآن، أو موسى (عليه السلام)، فبعد مغادرته إلى مدين حيث إنَّ موسى كان نبيًّا قبل أمره بمواجهة فرعون، فلم يعرفه أحد حتَّى أمره الله بالدعوة، وهكذا في سفره إلى ميقات ربِّه وانحراف قومه في قضيَّة السامري، حتَّى إنَّ خليفته هارون لم يطَّلع على تفاصيل ما كان يفعله موسى (عليه السلام). وهكذا قصَّة يوسف (عليه السلام)، حتَّى إنَّ أباه لم يعرف مكانه، وهكذا قصَّة ذي النون يونس النبيِّ (عليه السلام).
٦ - أنَّ الإمام مع البُعد الزمني يُنسى نسبه، فقيامه إنَّما يكون مقبولاً إذا صاحبته المعجزة، ولكنَّ صدور المعجزة شأن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فيتنافى أمر الإمامة مع الخاتميَّة.
وجوابه: أنَّ صدور المعجزة لا ينحصر بالنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، نعم صدور المعجزة مع ادِّعاء النبوَّة أمر منحصر بالنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وصدور المعجزة يلازم صدق المدَّعي، وقد صدرت المعجزة والكرامة من غير النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كما ذكر الله تعالى ذلك بقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ (آل عمران: ٣٧).
وبهذا - أي إمامة محمّد بن الحسن المولود في (٢٥٥هـ) والمنصَّب للإمامة في (٢٦٠هـ)، وهو حيٌّ يعاصر الأزمات وإفلاس الحضارات في تحقيق الأهداف المنشودة، ولا بدَّ للأُمَم أنْ تتكامل بعقولها وقلوبها لتصبح أُمَّة المهدي وخاتم الأولياء، وله غيبة كبرى بدأت عام (٣٢٩هـ)، ولا زالت مستمرَّة حتَّى اليوم - انكشف الفارق بين الفكر الشيعي والفكر الآخر.

↑صفحة ٢٠٩↑

فإنَّ أبناء العامَّة ليس لعقيدتهم بالمهدي (عجَّل الله فرجه) أدنى تأثير على سلوكهم ومواقفهم، وذلك يعود إلى غموض شخصيَّة المهدي (عجَّل الله فرجه)، وافتقاد فكرة الإمامة بصورتها الشرعيَّة الصحيحة، لذا كانت قضيَّة المهدي (عجَّل الله فرجه) قضيَّة سطحيَّة تبقى في طيِّ النسيان وإنِ اعترف بعضهم بولادته.
وهذا بخلاف ما عند مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فهو حلقة الوصل، وهو الذي يُثبِت مشروعيَّة الاجتهاد، ويرتبط الشيعة بالمهدي (عجَّل الله فرجه) ارتباطاً روحيًّا وفقهيًّا وسلوكيًّا، وأنَّ فترة الانتظار عند الشيعة هي فترة التغيير والبناء، وبقاء روح المهدي (عجَّل الله فرجه) في نفوسهم، وهذا معناه تجلِّي أهدافه من رفض الظلم، والشرك، والفساد، والباطل، وحمل فكرة المهدي حمل الأمل والانتصار وتحقيق الإنجازات.
والحاصل أنَّ المهدي عند أبناء العامَّة واقعة مستقبليَّة لا أثر لها في حاضرهم، أمَّا المهدي عند الشيعة فهو الماضي والحاضر والمستقبل، فهو أصل من أُصول الدِّين أو المذهب، وهو مفتاح مشروعيَّة الفقيه، فهو حيٌّ في الضمير والوجدان والفكر الشيعي.

* * *

↑صفحة ٢١٠↑

الفصل العاشر: اعتماد الموازين في العقيدة المهدويَّة

↑صفحة ٢١١↑

* طوائف المدَّعين.
* مناشئ الادِّعاء.
* مناشئ تأثير الادِّعاء على القواعد الجماهيريَّة.
* الملازمات السلبيَّة للادِّعاء.
* دواعي الانحراف.
* الوسائل العلاجيَّة للانحراف.

↑صفحة ٢١٢↑

ورد في الدعاء الشريف: «اَللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي»(٢٢٥).
إنَّ ثراء القضيَّة المهدويَّة ومفروغيَّة تاريخيَّتها ومقبوليَّتها عند العقل الدِّيني بمختلف أطيافه وإنِ اختلفت المسمَّيات، اقترنت بظاهرة خطيرة وهي الأدعياء، ولم ينفكّ هذا التقارن من حين الولادة إلى حين الإنجاز، بل لا غرابة في ذلك، فإنَّ ظاهرة النبوَّة والرسالة على طول خطِّ سيرها صحبها المقنَّعون أيضاً.
ومن ظريف القول: حينما ادَّعى أحدهم النبوَّة وكانت معجزتُه رميَ الحصى في الماء فيتفتَّت، فلمَّا طُلِبَ منه استبدال الحصى، قال: أنتم أقسى من فرعون، فإنَّه لم يطلب من موسى استبدال العصا.
كما ادَّعى ذلك بعض آخر، ولـمَّا طُلِبَ منه إظهار معجزته، قال: معجزة مَنْ تُريدون؟ قالوا: معجزة موسى، قال: وما هي؟ قالوا: العصا، فقال: آتوني بأسهل، قالوا: معجزة إبراهيم، وهي صيرورة النار برداً وسلاماً، قال: أُريد الأسهل، فقال السلطان: معجزة عيسى، وهي إحياء الموتى، قال: هي ما سأُعطيكم، فإنِّي سأقتل السلطان ثمّ أُحييه، فقال السلطان: إنِّي مصدِّق معجزتك، ولا حاجة إلى أنْ تقوم بذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٥) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٧/ باب في الغيبة/ ح ٥)، الغيبة للنعماني (ص ١٧٠/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ٦)، كمال الدِّين (ص ٣٤٢ و٣٤٣/ باب ٣٣/ ح ٢٣).

↑صفحة ٢١٣↑

وهكذا حال المزيَّفين في القضيَّة المهدويَّة، فهم بين مدَّعٍ أنَّه المهدي، أو كونه النائب الخاصُّ، أو اليماني، أو الخراساني، أو النفس الزكيَّة، أو صاحب الراية السوداء، أو ابن الإمام، أو من الأبدال، أو غيرهم من العناوين الواردة في النصوص.
والمهمُّ أنْ نلاحظ:
طوائف المدَّعين:
أوَّلاً: أنْ نقف على طوائف المدَّعين أو من ادُّعي في حقِّهم ذلك، على صنفين:
الصنف الأوَّل: كمحمّد بن الحنفيَّة، ومحمّد بن عبد الله الموسوم بالنفس الزكيَّة، بل قد ادُّعي في حقِّ بعض الأئمَّة (عليهم السلام) أيضاً أنَّه هو المهدي، كالواقفيَّة والباقريَّة.
الصنف الثاني: كالمهدي العبَّاسي، أو أصحاب الحركة البابيَّة، أو محمّد ابن أحمد بن المهدي السوداني، وآخرون من الحُكَّام الأُمويِّين والعبَّاسيِّين، وغيرهم.
مناشئ الادِّعاء:
وثانياً: أنْ نقف على مناشئ انحراف أرباب هذه الدعوى والتي منها:
١ - الأخذ ببعض الفكر وترك البعض الآخر: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة: ٨٥).
٢ - الأخذ بالمتشابه من القرآن وترك محكمه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ

↑صفحة ٢١٤↑

هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (آل عمران: ٧).
٣ - الأخذ بالجزئيَّات من دون إرجاعها إلى كلّيَّاتها مع عكوفهم على ذلك.
٤ - الأخذ بالنصوص الشاذَّة، أو النادرة، أو المُعرَض عنها، أو المعارضة للمشهور.
٥ - السطحيُّون والمثقَّفون غير المتخصِّصين، فيسعى مثل هؤلاء للخوض في أبحاث شائكة، وتخصُّصيَّة، كمن حفظ شيئاً وغابت عنه أشياءُ.
٦ - عدم ضبط الثوابت والرجوع والارتكاز إليها، فيتحرَّكون في أُفُق المتغيِّر بمعزَل عن الثابت.
٧ - عدم تأسيس نظريَّة معرفيَّة لمادَّة البحث، أو الخلط في المناهج المعرفيَّة، كالاعتماد على المنامات، أو العلوم الغريبة، أو المكاشفات، وهذه على فرض صحَّتها كبرويًّا وصغرويًّا، وكونها حجَّة في حقِّ صاحبها، لا تصلح أنْ تكون حجَّة له على الآخرين، لاسيَّما لمن أراد إثبات دعواه بمثل هذه السُّبُل فضلاً عن إثبات حقَّانيَّة نفسه بها.
وقد ذُكِرَ في محلِّه أنَّه حتَّى من يعتمد على مثل هذه الوسائل فهو يرى أنَّ منها ما هو من دسائس الشيطان، أو أضغاث أحلام، أو أوهام شيطان، ولو صحَّ الاعتماد على هذه الطُّرُق فيلزمه قبول المتنافيين والمتكاذبين.
٨ - الاعتماد على مباني فاسدة، كمسالك الصوفيَّة، والعلوم الدخيلة

↑صفحة ٢١٥↑

على الإسلام، فعن الإمام الهادي (عليه السلام): «لا تلتفتوا إلى هؤلاء الخدَّاعين، فإنَّهم خلفاء الشيطان، ومخرِّبو قواعد الدِّين، يتزهَّدون لراحة الأجسام، ويتهجَّدون لصيد الأنعام، يتجوَّعون عمرا حتَّى يديخوا للإيكاف حمراً، لا يُهلِّلون إلَّا لغرور الناس، ولا يُقلِّلون الغذاء إلَّا لملأ العساس، واختلاس قلوب الدفناس، يُكلِّمون الناس بإملائهم في الحُبِّ، ويطرحون بإذليلائهم في الجبِّ، أورادهم الرقص والتصدية، وأذكارهم الترنُّم والتغنية، فلا يتبعهم إلَّا السفهاء، ولا يعتقدهم إلَّا الحمقى، فمن ذهب إلى زيارة أحدهم حيًّا وميِّتاً فكأنَّما ذهب إلى زيارة الشيطان، وعبادة الأوثان، ومن أعان أحداً منهم فكأنَّما أعان يزيد ومعاوية وأبا سفيان».
فقال له رجل من أصحابه: وإنْ كان معترفاً بحقوقكم؟
قال: فنظر إليه شبه المغضب، وقال: «دع ذا عنك، من اعترف بحقوقنا لم يذهب في عقوقنا، أمَا تدري أنَّهم أخسّ طوايف الصوفيَّة؟ والصوفيَّة كلُّهم مخالفونا، وطريقتهم مغايرة لطريقتنا، وإنْ هم إلَّا نصارى أو مجوس هذه الأُمَّة، أُولئك الذين يجهدون في إطفاء نور الله بأفواههم، والله متمُّ نوره ولو كره الكافرون»(٢٢٦).
مناشئ تأثير الادِّعاء على القواعد الجماهيريَّة:
وثالثاً: أنْ نقف على مناشئ التأثير لهذه القوى الظلمانيَّة على القواعد الجماهيريَّة، والتي منها:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٦) الاثنا عشريَّة (ص ٢٨ و٢٩).

↑صفحة ٢١٦↑

أ - الجهل، والمبالغة في الغيب، وعزل عالم التزاحم عن الأسباب الطبيعيَّة، وتفسير الظواهر الكونيَّة على أُسُس تخرُّصيَّة.
ب - الفقر، لكنَّ نفس الفقر ليس منشأً، وإنَّما المنشأ هو الإحساس بالفقر، والمظلوميَّة، والحرمان وتسجيله واحتسابه على المؤسَّسة الدِّينيَّة، أو اعتبار أنَّ المؤسَّسة السياسيَّة هي المؤسَّسة الدِّينيَّة، أو الإحساس الموهوم النفسي.
فإنَّ الإحساس بالفقر برؤية سلبيَّة قد يكون منشأً لنفوذ هذا الفكر، إمَّا عن طريق ضخِّ الأموال وشراء النفوس، وإمَّا بكون الفقر عاملاً مساعداً للارتباطات الروحيَّة المزيَّفة ولو على نحو التخدير أو العجز عن محاربة الفقر بالأسباب الطبيعيَّة، فيتوسَّل بعوامل ما وراء الطبيعة أو العوامل الطبيعيَّة للتغلُّب على الفقر، أو البحث عن جهة حاضنة لمحاربة الفقر كفارس الأحلام.
ج - تنشيط الخطاب التخويني التكفيري، وإضفاء الحركة الحماسيَّة في الخطاب، واستعمال هالة القداسة، وتوزيع أوسمة رمزيَّة للمنتمين.
د - استعمال أساليب جذَّابة خطابيًّا وتثقيفيًّا، كمقولة: الفناء في الله، أو العودة إلى الله، أو عين اليقين وحقِّ اليقين، فإنَّ بعض هذه الخطابات وإنْ كانت حقَّة إلَّا أنَّها تُوزَّع بأبخس الأثمان، وتُعامَل على أساس عرفاني مغلوط، أو الدعوى إلى المبالغة في حبِّ آل البيت (عليهم السلام) إلى حدِّ بلوغ مرتبة الباطنيَّة.
هـ - الهدم المنهجي للشخصيَّة في الأفكار والمعتقَد والقِيَم

↑صفحة ٢١٧↑

والسلوك، وذلك عن طريق التكرار والتقليد واستعمال أُسلوب العقل الجمعي، والانقياد الأعمى، والتلقين، وخلق روح التمرُّد على الروافد الفكريَّة.
ز - عزلها عن العلماء وإيجاد روح الكراهية والبغضاء لهم، بل إباحة دمائهم عن طريق تشويه صورهم بكونهم سبباً لعدم ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه)، أو أنَّ قتل العلماء يُعجِّل في ظهوره (عجَّل الله فرجه).
٩ - الإزدواجيَّة في العمل، فمن جانب يُدعون إلى طقوس خاصَّة دخيلة، ومن جانب تُعطَّل التكاليف الشرعيَّة بدعوى أنَّها تكاليف ظاهريَّة، وأنَّه لا بدَّ من البلوغ إلى باطن الشريعة، بل بلغ ببعضهم من ارتكاب المحرَّمات أنْ حرَّم ما هو محلَّل بالضرورة، أو حلَّل ما هو محرَّم كذلك.
الملازمات السلبيَّة للادِّعاء:
ورابعاً: أنْ نقف على ملازمات هذه الدعوى، والتي منها:
أ - الكذب.
ب - الإغراء بالجهل.
ج - بخس الحقِّ.
د - الهَرْج والمَرْج.
هـ - السرّيَّة والخفاء في المنهج والسلوك والفكر.
و - الخدعة والضلالة والحماقة.
ز - الغلوُّ.

↑صفحة ٢١٨↑

دواعي الانحراف:
وخامساً: أنْ نقف على دواعي الانحراف، والتي منها:
أ - الدافع النفسي والعاطفي.
ب - الدافع الفلسفي وانحراف الفكر.
ج - الدوافع السياسيَّة، بين الاختراق من أجهزة خارجيَّة لدوافع متعدِّدة، وبين إيجاد الشقاق والخلاف، وبين إحراج المذهب الشيعي، وبين إيجاد مجاميع ضاغطة على الموقف الشيعي، وبين تنشيط من قِبَل الحكومات الداخليَّة والخارجية لمآرب كثيرة، كإشغال الناس، وتصفية المخالفين عن طريقهم، وتبرير فشلهم.
د - الدافع المادِّي، ومكاسب الشهرة، وتحصيل حطام الدنيا.
هـ - الاستعجال وعدم الصبر والجري وراء تحصيل نشوة ولو وهميَّة للقضيَّة المهدويَّة.
الوسائل العلاجيَّة للانحراف:
وسادساً: أنْ نقف على المناعات التي يمكن أنْ تكون علاجاً لهذه الانحرافات، والتي منها:
أ - اعتماد العلم:
أوَّلاً: العلم بأنَّ الحركات الانحرافيَّة موجودة على مرِّ التاريخ.
وثانياً: العلم والوعي على فهم القضيَّة المهدويَّة، وفهم الوظائف، وفهم كيفيَّة الانتظار.
ب - اعتماد مبدأ عدم الوثوق بالفكر الخفي والغريب والشاذِّ والموهِم،

↑صفحة ٢١٩↑

وكذا الحركات والقيادات المظنونة والمجهولة والسلوكيَّات واللقاءات السرّيَّة.
ج - اعتماد أنَّ الأصالة للعمل الشرعي، وإمضاء قانون (أنَّ الله لا يُطاع من حيث يُعصى)، فالثوابت الشرعيَّة - من الصلاة والصوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاحتراز عن المحرَّمات كإضرار النفس بلا مبرِّر شرعي، ومَقْت الفكر الإرهابي لتكفير الآخر وإباحة دمه والتجاوز عن أعراض الناس - لها الأصالة، والاعتماد في العمل والتشريع والإمضاء.
د - اعتماد طريقة التحذير من السلوك والخطاب والمنهج الصوفي.
هـ - الإذعان بأنَّ الفكر الشيعي أصيل، وله جذور ومنهج من عصر النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى يومنا هذا، وهذا الطريق قد رسمه النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والعترة الطاهرة (عليهم السلام)، وبالتالي تُرفَض الوجودات النكرة والفكر المبتور والعقيم، فإنَّا حقبة زمنيَّة بين ماضٍ معروف ومستقبل مرسوم معلوم، فأيُّ اتِّجاه لا بدَّ أنْ يُوزَن على هذا الأساس، أمَّا الوجود المجهول الذي ليس له فقه مجذَّر، ولا فكر محدَّد، ولا مشروع متكامل وثابت، فلا يمكن قبوله والركون إليه.
و - اعتماد ثقافة عدم قبول أدعياء العلم اللدنِّي، وأدعياء الشذوذ العلمي، وأدعياء الطُّرُق غير المعهودة عقليًّا وعقلائيًّا ودينيًّا.
ز - إشاعة ثقافة عدم تشخصن القضيَّة المهدويَّة، وأنَّها منحصرة ومتقولبة بقوالب فرديَّة وشخصيَّة.

* * *

↑صفحة ٢٢٠↑

المصادر والمراجع

١ - القرآن الكريم.
٢ - إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات: الحرُّ العاملي/ ط ١/ ١٤٢٥هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
٣ - إثبات الوصيَّة للإمام عليِّ بن أبي طالب: عليُّ بن الحسين بن عليٍّ الهذلي المسعودي/ ط ٣/ ١٤٢٦هـ/ أنصاريان/ قم.
٤ - الاثنا عشريَّة: الحرُّ العاملي/ تعليق وإشراف: السيِّد مهدي اللَّازوردي والشيخ محمّد درودي/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
٥ - الاحتجاج: أحمد بن عليٍّ الطبرسي/ تعليق وملاحظات: السيِّد محمّد باقر الخرسان/ ١٣٨٦هـ/ دار النعمان/ النجف الأشرف.
٦ - الاختصاص: الشيخ المفيد/ تحقيق: عليّ أكبر الغفاري والسيِّد محمود الزرندي/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد للطباعة والنشر/ بيروت.
٧ - الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة: محمّد صدِّيق خان القنَّوجي/ بعناية: بسَّام عبد الوهَّاب الجابي/ ط ١/ ١٤٢١هـ/ دار ابن حزم/ بيروت.
٨ - الإرشاد: الشيخ المفيد/ تحقيق: مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام)/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.

↑صفحة ٢٢١↑

٩ - أضواء على الصحيحين: الشيخ محمّد صادق النجمي/ ترجمة: الشيخ يحيى كمالي البحراني/ ط ١/ ١٤١٩هـ/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم.
١٠ - أعلام الموقِّعين عن ربِّ العالمين: ابن قيِّم الجوزية/ تحقيق: محمّد أجمل الإصلاحي ومحمّد عزيز شمس/ ط ٢/ ١٤٤٠هـ/ دار عطاءات العلم/ الرياض.
١١ - إعلام الورى بأعلام الهدى: الفضل بن الحسن الطبرسي/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث/ قم.
١٢ - إقبال الأعمال: السيِّد عليُّ بن طاوس/ تحقيق: جواد القيُّومي الأصفهاني/ ط ١/ ١٤١٤هـ/ مكتب الإعلام الإسلامي.
١٣ - الأمالي: الشيخ الصدوق/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مركز الطباعة والنشر في مؤسَّسة البعثة/ قم.
١٤ - الأمالي: الشيخ الطوسي/ تحقيق: مؤسَّسة البعثة/ ط ١/ ١٤١٤هـ/ دار الثقافة/ قم.
١٥ - الأمالي: الشيخ المفيد/ تحقيق: حسين الأُستادولي وعليّ أكبر الغفاري/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
١٦ - الإمامة والتبصرة: ابن بابويه/ ط ١/ ١٤٠٤هـ/ مدرسة الإمام الهادي (عليه السلام)/ قم.
١٧ - إمتاع الأسماع بما للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع: المقريزي/ تحقيق وتعليق: محمّد عبد الحميد النميسي/ ط ١/ ١٤٢٠هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.

↑صفحة ٢٢٢↑

١٨ - الأنوار القدسيَّة: الشيخ محمّد حسين الأصفهاني/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ تصحيح وتعليق: الشيخ عليٌّ النهاوندي/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم.
١٩ - بحار الأنوار الجامعة لدُرَر أخبار الأئمَّة الأطهار: العلَّامة المجلسي/ تحقيق: يحيى العابدي الزنجاني وعبد الرحيم الربَّاني الشيرازي/ ط ٢/ ١٤٠٣هـ/ مؤسَّسة الوفاء/ بيروت.
٢٠ - بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمّد (عليهم السلام): محمّد بن الحسن ابن فرُّوخ (الصفَّار)/ تصحيح وتعليق وتقديم: الحاج ميرزا حسن كوجه باغي/ ١٤٠٤هـ/ منشورات الأعلمي/ طهران.
٢١ - البلد الأمين: الكفعمي/ ١٣٨٣هـ/ مكتبة الصدوق/ طهران.
٢٢ - تاج العروس: مرتضى الزبيدي/ تحقيق: عليّ شيري/ ١٤١٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٢٣ - تاريخ ابن خلدون: ابن خلدون/ ط ٤/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
٢٤ - التاريخ الكبير: البخاري/ المكتبة الإسلاميَّة/ دياربكر/ تركيا.
٢٥ - تُحَف العقول عن آل الرسول: ابن شعبة الحرَّاني/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ط ٢/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.

↑صفحة ٢٢٣↑

٢٦ - تذكرة الحفَّاظ: الذهبي/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
٢٧ - تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام)/ ط ١ محقَّقة/ ١٤٠٩هـ/ مدرسة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)/ قم.
٢٨ - تفسير البيان: السيِّد الخوئي/ ط ٤/ ١٣٩٥هـ/ دار الزهراء/ بيروت.
٢٩ - تفسير العيَّاشي: محمّد بن مسعود العيَّاشي/ تحقيق: السيِّد هاشم الرسولي المحلَّاتي/ المكتبة العلميَّة الإسلاميَّة/ طهران.
٣٠ - تفسير القمِّي: عليُّ بن إبراهيم القمِّي/ تصحيح وتعليق وتقديم: السيِّد طيِّب الموسوي الجزائري/ ط ٣/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة دار الكتاب/ قم.
٣١ - تفسير الكشَّاف: الزمخشري/ ١٣٨٥هـ/ شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده/ مصر.
٣٢ - تفسير الميزان (الميزان في تفسير القرآن): العلَّامة الطباطبائي/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٣٣ - تفسير فرات الكوفي: فرات بن إبراهيم الكوفي/ تحقيق: محمّد الكاظم/ ط ١/ ١٤١٠هـ/ مؤسَّسة طبع ونشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي/ طهران.
٣٤ - تقريب المعارف: أبو الصلاح الحلبي/ تحقيق: فارس الحسُّون/ ط ١٤١٧هـ.

↑صفحة ٢٢٤↑

٣٥ - تقييد العلم: الخطيب البغدادي/ تحقيق: يوسف العش/ ط ٢/ ١٩٧٤م/ دار إحياء السُّنَّة النبويَّة.
٣٦ - تهذيب الأحكام: الشيخ الطوسي/ تحقيق وتعليق: السيِّد حسن الموسوي الخرسان/ ط ٣/ ١٣٦٤هـ/ دار الكتب الإسلاميَّة/ طهران.
٣٧ - الثاقب في المناقب: ابن حمزة الطوسي/ تحقيق: نبيل رضا علوان/ ط ٢/ ١٤١٢هـ/ مؤسَّسة أنصاريان/ قم.
٣٨ - الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير: جلال الدِّين السيوطي/ ط ١/ ١٤٠١هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٣٩ - جنَّة المأوى في ذكر من فاز بلقاء الحجَّة (عجَّل الله فرجه): ميرزا حسين النوري الطبرسي/ ط ١/ ١٤٢٧هـ/ مؤسَّسة السيِّد المعصومة (عليها السلام)/ قم.
٤٠ - الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة: صدر الدِّين الشيرازي/ ط ٣/ ١٩٨١م/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
٤١ - الخرائج والجرائح: قطب الدِّين الراوندي/ بإشراف: السيِّد محمّد باقر الموحِّد الأبطحي/ ط ١/ ١٤٠٩هـ/ مؤسَّسة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)/ قم.
٤٢ - الخصال: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ١٣٦٢ش/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٤٣ - دلائل الإمامة: محمّد بن جرير الطبري الشيعي/ ط ١/ ١٤١٣هـ/ مؤسَّسة البعثة/ قم.

↑صفحة ٢٢٥↑

٤٤ - رجال الكشِّي (اختيار معرفة الرجال): الشيخ الطوسي/ تحقيق: السيِّد مهدي الرجائي/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث.
٤٥ - رجال النجاشي (فهرست أسماء مصنِّفي الشيعة): أبو العبَّاس أحمد ابن عليّ بن أحمد بن العبَّاس النجاشي الأسدي الكوفي/ ط ٥/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٤٦ - روضة الواعظين: محمّد بن الفتَّال النيسابوري/ تقديم: السيِّد محمّد مهدي السيِّد حسن الخرسان/ منشورات الشريف الرضي/ قم.
٤٧ - سُنَن ابن ماجة: أبو عبد الله محمّد بن يزيد القزويني (ابن ماجة)/ تحقيق وترقيم وتعليق: محمّد فؤاد عبد الباقي/ دار الفكر/ بيروت.
٤٨ - سُنَن أبي داود: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني/ تحقيق وتعليق: سعيد محمّد اللحَّام/ ط ١/ ١٤١٠هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٤٩ - شرح الأسماء الحسنى: المولى هادي السبزواري/ منشورات مكتبة بصيرتي/ قم.
٥٠ - شرح صحيح مسلم: النووي/ ١٤٠٧هـ/ دار الكتاب العربي/ بيروت.
٥١ - صحيح البخاري: محمّد بن إسماعيل البخاري الجعفي/ ط ٢/ ١٤١٠هـ/ أوقاف مصر.

↑صفحة ٢٢٦↑

٥٢ - صحيح مسلم: مسلم بن الحجَّاج بن مسلم القشيري النيسابوري/ دار الفكر/ بيروت.
٥٣ - الطبقات الكبرى: محمّد بن سعد/ دار صادر/ بيروت.
٥٤ - العرف الوردي في أخبار المهدي: جلال الدِّين السيوطي/ ط ١/ ١٤٢٧هـ/ المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميَّة/ طهران.
٥٥ - عقد الدُّرَر في أخبار المنتظَر: يوسف بن يحيى المقدسي/ تحقيق: عبد الفتَّاح محمّد الحلو/ ط ١/ ١٣٩٩هـ/ مكتبة عالم الفكر/ القاهرة.
٥٦ - عقيدة الشيعة: دوايت دونالدسن/ تحقيق وتصحيح: عليّ دهباشي/ ط ٢/ مؤسَّسة المفيد/ بيروت.
٥٧ - عقيدة المسيح الدجَّال في الأديان (قراءة في المستقبل): سعيد أيُّوب/ ط ١/ ١٤١١هـ/ دار الهادي/ بيروت.
٥٨ - العقيدة والشريعة في الإسلام: إجناس جولدتسهير/ دار الكُتُب الحديثة/ مصر.
٥٩ - علل الشرائع: الشيخ الصدوق/ تقديم: السيِّد محمّد صادق بحر العلوم/ ١٣٨٥هـ/ منشورات المكتبة الحيدريَّة ومطبعتها/ النجف الأشرف.
٦٠ - عوالي اللئالي: ابن أبي جمهور الأحسائي/ تحقيق: مجتبى العراقي/ ط ١/ ١٤٠٣هـ/ مطبعة سيِّد الشهداء (عليه السلام)/ قم.
٦١ - عيون أخبار الرضا (عليه السلام): الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق وتقديم: الشيخ حسين الأعلمي/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.

↑صفحة ٢٢٧↑

٦٢ - عيون المعجزات: حسين بن عبد الوهَّاب/ ١٣٦٩هـ/ مطبعة الحيدريَّة/ النجف الأشرف.
٦٣ - الغيبة: ابن أبي زينب النعماني/ تحقيق: فارس حسُّون كريم/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ أنوار الهدى.
٦٤ - الغيبة: الشيخ الطوسي/ تحقيق: عبد الله الطهراني وعليّ أحمد ناصح/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مطبعة بهمن/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم.
٦٥ - الفتن: أبو عبد الله نعيم بن حمَّاد المروزي/ تحقيق وتقديم: سهيل زكار/ ١٤١٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٦٦ - فرائد الأُصول: الشيخ مرتضى الأنصاري/ ط ١/ ١٤١٩هـ/ مجمع الفكر الإسلامي/ قم.
٦٧ - الفصول المختارة: الشيخ المفيد/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٦٨ - الفصول المهمَّة في معرفة الأئمَّة: عليُّ بن محمّد أحمد المالكي المكّي (ابن الصبَّاغ)/ تحقيق: سامي الغريري/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ دار الحديث/ قم.
٦٩ - فلاح السائل: رضيُّ الدِّين عليُّ بن طاوس.
٧٠ - الفهرست: الشيخ الطوسي/ تحقيق: جواد القيُّومي/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي.
٧١ - القول المختصر في علامات المهدي المنتظر (عجَّل الله فرجه): أحمد بن حجر الهيتمي المكّي/ ط ١/ ١٤٢٨هـ/ دار التقوى/ دمشق.

↑صفحة ٢٢٨↑

٧٢ - الكافي: الشيخ الكليني/ تحقيق: عليّ أكبر الغفاري/ ط ٥/ ١٣٦٣ش/ مطبعة حيدري/ دار الكُتُب الإسلاميَّة/ طهران.
٧٣ - الكتاب المقدَّس (العهد القديم): الكنيسة/ ١٩٨٠م/ دار الكتاب المقدَّس.
٧٤ - كشف الغمَّة في معرفة الأئمَّة: عليُّ بن أبي الفتح الإربلي/ ط ٢/ ١٤٠٥هـ/ دار الأضواء/ بيروت.
٧٥ - كفاية الأثر في النصِّ على الأئمَّة الاثني عشر: أبو القاسم عليُّ ابن محمّد الخزَّاز القمِّي الرازي/ تحقيق: السيِّد عبد اللطيف الحسيني الكوهكمري الخوئي/ ١٤٠١هـ/ انتشارات بيدار.
٧٦ - كمال الدِّين وتمام النعمة: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ١٤٠٥هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٧٧ - كنز العُمَّال في سُنَن الأقوال والأفعال: المتَّقي الهندي/ ضبط وتفسير: الشيخ بكري حيَّاني/ تصحيح وفهرسة: الشيخ صفوة السقَّا/ ١٤٠٩هـ/ مؤسَّسة الرسالة/ بيروت.
٧٨ - كنز الفوائد: أبو الفتح محمّد بن عليٍّ الكراجكي/ ط ٢/ ١٣٦٩ش/ مكتبة المصطفوي/ قم.
٧٩ - مائة منقبة من مناقب أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب والأئمَّة من ولده (عليهم السلام): محمّد بن أحمد القمِّي (ابن شاذان)/ إشراف: السيِّد محمّد باقر بن المرتضى الموحِّد الأبطحي/ ط ١/ ١٤٠٧هـ/ مدرسة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)/ قم.

↑صفحة ٢٢٩↑

٨٠ - مجلَّة رسالة الثقلين: مجلَّة إسلاميَّة جامعة/ ١٤١٩هـ/ إيران/ قم.
٨١ - مجمع البيان في تفسير القرآن: أمين الإسلام أبو عليٍّ الفضل بن الحسن الطبرسي/ قدَّم له: السيِّد محسن الأمين العاملي/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
٨٢ - المحاسن: أحمد بن محمّد بن خالد البرقي/ تصحيح وتعليق: السيِّد جلال الدِّين الحسيني المحدِّث/ ١٣٧٠هـ/ دار الكُتُب الإسلاميَّة/ طهران.
٨٣ - مختصر بصائر الدرجات: الحسن بن سليمان الحلِّي/ ط ١/ ١٣٧٠هـ/ منشورات المطبعة الحيدريَّة/ النجف الأشرف.
٨٤ - المزار الكبير: محمّد بن جعفر المشهدي/ تحقيق: جواد القيُّومي الأصفهاني/ ط ١/ ١٩١٩هـ/ نشر القيُّوم/ قم.
٨٥ - المستدرك على الصحيحين: أبو عبد الله الحاكم النيسابوري/ إشراف: يوسف عبد الرحمن المرعشلي.
٨٦ - مسند الشاميِّين: سليمان بن أحمد اللخمي الطبراني/ تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي/ ط ٢/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة الرسالة/ بيروت.
٨٧ - المصباح (جنَّة الأمان الواقية وجنَّة الإيمان الباقية): تقيُّ الدِّين إبراهيم بن عليّ العاملي الكفعمي/ ط ٣/ ١٤٠٣هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
٨٨ - مصباح الزائر: السيِّد عليُّ بن موسى بن طاوس/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث/ قم.

↑صفحة ٢٣٠↑

٨٩ - مصباح المتهجِّد: الشيخ الطوسي/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مؤسَّسة فقه الشيعة/ بيروت.
٩٠ - مطالب السؤول في مناقب آل الرسول (عليهم السلام): كمال الدِّين محمّد ابن طلحة الشافعي/ تحقيق: ماجد بن أحمد العطيَّة.
٩١ - معاني الأخبار: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ١٣٧٩هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٩٢ - معجم رجال الحديث: السيِّد الخوئي/ ط ٥/ ١٤١٣هـ.
٩٣ - معرفة الصحابة: أبو نعيم الأصفهاني/ تحقيق: مسعد عبد الحميد سعدني/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
٩٤ - مقتضب الأثر: ابن عيَّاش الجوهري/ مطبعة العلميَّة/ مكتبة الطباطبائي/ قم.
٩٥ - مقدَّمة فتح الباري: ابن حجر العسقلاني/ ط ١/ ١٤٠٨هـ/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
٩٦ - مكارم أخلاق النبيِّ والأئمَّة (عليهم السلام): قطب الدِّين الراوندي/ تحقيق: حسين الموسوي/ ط ١/ ١٤٣٠هـ/ العتبة العبَّاسيَّة المقدَّسة/ كربلاء.
٩٧ - الملاحم والفتن: ابن طاوس/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة صاحب الأمر/ أصفهان.
٩٨ - الملاحم: أحمد بن جعفر بن محمّد المعروف بـ (ابن المنادي)/ تحقيق: عبد الكريم العقيلي/ ط ١/ ١٤١٨هـ/ مطبعة أمير/ دار السيرة/ قم.

↑صفحة ٢٣١↑

٩٩ - من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ط ٢/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
١٠٠ - مناقب الإمام أميرالمؤمنين عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام): محمّد بن سليمان الكوفي/ تحقيق: الشيخ محمّد باقر المحمودي/ ط ١/ ١٤١٢هـ/ مجمع إحياء الثقافة الإسلاميَّة/ قم.
١٠١ - المهدي في الإسلام منذ أقدم العصور حتَّى اليوم: سعد محمّد حسن/ ط ١/ ١٣٧٣هـ/ دار الكتاب الغربي/ مصر.
١٠٢ - المهدي والمهدويَّة: أحمد أمين/ ١٩٥١م/ دار المعارف للطباعة والنشر/ مصر.
١٠٣ - نهج البلاغة: خُطَب أمير المؤمنين (عليه السلام)/ ما اختاره وجمعه: الشريف الرضي/ تحقيق: الدكتور صبحي صالح/ ط ١/ ١٣٨٧هـ، وبشرح محمّد عبدة/ ط ١/ ١٤١٢هـ/ دار الذخائر/ قم.
١٠٤ - الهداية الكبرى: الحسين بن حمدان الخصيبي/ ط ٤/ ١٤١١هـ/ مؤسَّسة البلاغ/ بيروت.
١٠٥ - وسائل الشيعة (تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة): الحرُّ العاملي/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث/ قم.
١٠٦ - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: ابن خلِّكان/ تحقيق: إحسان عبَّاس/ دار الثقافة.

↑صفحة ٢٣٢↑

١٠٧ - اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر: عبد الوهَّاب بن أحمد بن عليٍّ الشعراني المصري الحنفي/ ط ١/ ١٤١٨هـ/ دار إحياء التراث العربي، مؤسَّسة التاريخ العربي/ بيروت.

* * *

↑صفحة ٢٣٣↑

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٣ / ٤.٣
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
 

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved