فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 كتب المركز

الكتب كتاب الغيبة للشيخ الطوسي

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠٢٣/٠١/١٥ المشاهدات المشاهدات: ٦٧٥٠ التعليقات التعليقات: ٠

كتاب الغيبة

تأليف: العالم الرباني شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (قدّس سره)
تقديم وتحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)
الطبعة الأولى: ١٤٤٤هـ

رقم الإصدار: ٢٧٥

الفهرس

مقدَّمة المركز..................٣
ترجمة شيخ الطائفة (قدّس سره) بقلم السيِّد حسين بحر العلوم (قدّس سره)..................١٥
مقدّمة المؤلِّف..................٢٥
[الفصل الأوَّل]: [الكلام في الغيبة]..................٢٧
[الدليل على وجوب الرئاسة]..................٣١
[اعتراض بعض على كلام المرتضى (رحمه الله) في الغيبة]..................٣١
[الجواب عن الاعتراض المزبور]..................٣٢
[الدليل على وجوب عصمة الإمام]..................٤٣
[الدليل على أنَّ الحقَّ لا يخرج عن الأُمَّة]..................٤٣
[الدليل على فساد قول الكيسانيَّة]..................٤٤
[الدليل على فساد قول الناووسيَّة]..................٤٨
الكلام على الواقفة..................٤٨
[نصُّ الإمام الكاظم (عليه السلام) على إمامة الإمام الرضا (عليه السلام)]..................٥٨
[أخبار استُدِلَّ بها على أنَّ الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) هو القائم، وأنَّه حيٌّ لم يمت، والجواب عنها]..................٧٣
[السبب الباعث لقوم على القول بالوقف]..................٩٤
[الأخبار الواردة في طعن رواة الواقفة]..................٩٩
[بعض معجزات الإمام الرضا (عليه السلام) التي لبعضها رجع بعض الواقفة عن الوقف]..................١٠٣
[احتمال التشكيك في ولادة الإمام الحجَّة (عجّل الله فرجه) والجواب عنه]..................١٠٨
[ردُّ سائر الفِرَق المخالفة للإماميَّة في الحجَّة (عجّل الله فرجه) من المحمّديَّة والفطحيَّة وغيرها]..................١١٣
[ذكر أنَّ الغيبة لحكمة اقتضاها، ونعلم ذلك إجمالاً]..................١١٧
[ذكر ما يمكن أنْ يكون حكمةً وسبباً للغيبة]..................١٢١
[السؤال عن حكم الحدود حال الغيبة وجوابه]..................١٢٥
[السؤال عن طريق إصابة الحقِّ حال الغيبة وجوابه]..................١٢٦
[علَّة غيبة الإمام (عجّل الله فرجه) من أوليائه]..................١٢٨
[ذكر أنَّ ستر ولادة صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) ليس من خوارق العادات، وما لها من النظائر]..................١٣٦
[إثبات ولادة صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) وإبطال ما أُورد عليه من الشُّبَه]..................١٣٨
[استبعاد أنَّ صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) منذ وُلِدَ لا يعرف أحد مكانه]..................١٣٩
[الجواب عن الاعتراض بطول عمره (عجّل الله فرجه) بما يزيد عن العمر الطبيعي، وكونه خارقاً للعادة، وذكر المعمَّرين]..................١٤٤
[الدليل على إمامة صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) من روايات المخالفين في الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)]..................١٥٩
[أخبار الخاصَّة على إمامة الاثني عشر (عليهم السلام)]..................١٧١
[بيان صحَّة أخبار أنَّ الأئمَّة اثنا عشر، وأنَّ المراد منهم الأئمَّة الإماميَّة]..................١٩٣
[دليل آخر على أنَّ إمامة صاحب الأمر (عجّل الله فرجه) من جهة إخبار الأئمَّة السابقة عليه بغيبته، وصفة غيبته، وحوادث زمان غيبته]..................١٩٤
[الروايات الدالَّة على خروج المهدي (عجّل الله فرجه)]..................٢١٥
[الروايات الدالَّة على أنَّ المهدي (عجّل الله فرجه) من ولد عليٍّ (عليه السلام)]..................٢٢٤
[الروايات الدالَّة على أنَّ المهدي (عجّل الله فرجه) من ولد الحسين (عليه السلام)]..................٢٢٧
[إبطال قول السبائيَّة في أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) حيٌّ باقٍ بالأخبار وغيرها]..................٢٣١
[إبطال قول الكيسانيَّة في أنَّ محمّد بن الحنفيَّة حيٌّ وأنَّه القائم بالأخبار وغيرها]..................٢٣٤
[إبطال قول الناووسيَّة في أنَّ الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) حيٌّ وأنَّه المهدي بالأخبار وغيرها]..................٢٣٥
[إبطال قول الواقفة]..................٢٣٦
[إبطال قول المحمّديَّة في أنَّ محمّد بن عليٍّ العسكري (عليه السلام) لم يمت وأنَّه المهدي بالأخبار وغيرها]..................٢٣٦
[أخبار وفاة محمّد في حياة أبيه الإمام الهادي (عليه السلام)]..................٢٣٨
[معجزات الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)]..................٢٤٢
[الردُّ على من قال بأنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) حيٌّ باقٍ]..................٢٥٦
[الردُّ على من قال: إنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) يحيى بعد موته ويعيش وهو القائم]..................٢٥٨
[الردُّ على من قال بالفترة بعد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)]..................٢٥٩
[الردُّ على من قال بإمامة جعفر بن عليٍّ بعد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)]..................٢٦٠
[الردُّ على من قال بأنَّه مشتبه في أنَّ للعسكري (عليه السلام) ولداً أم لا، فيتوقَّف]..................٢٦٢
[ردُّ القول بأنَّ الإمامة انقطعت بعد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) كما انقطعت النبوَّة]..................٢٦٣
[إبطال قول الفطحيَّة]..................٢٦٤
[الأخبار الدالَّة على أنَّ الإمامة لا تجتمع في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام)، وذمِّ جعفر بن عليٍّ الكذَّاب]..................٢٦٤
[ردُّ القول بأنَّ الأئمَّة ثلاثة عشر، وأنَّ للحجَّة (عليه السلام) ولداً]..................٢٦٧
[الفصل الثاني]: [الكلام في ولادة صاحب الزمان وصحَّتها]..................٢٦٩
[الفصل الثالث]: [الأخبار المتضمِّنة لمن رآه (عليه السلام) وهو لا يعرفه أو عرفه فيما بعد]..................٢٩٥
[الفصل الرابع]: [ظهور المعجزات الدالَّة على إمامة الحجَّة (عجّل الله فرجه)]..................٣٢٣
[ظهور المعجزات الدالَّة على صحَّة إمامته (عجّل الله فرجه) في زمان الغيبة]..................٣٢٥
[ظهور المعجزات من جهته (عجّل الله فرجه) من التوقيعات]..................٣٢٩
[الفصل الخامس]: [في ذكر العلَّة المانعة من ظهور الحجَّة (عجّل الله فرجه)]..................٣٦٩
[الأخبار الواردة في امتحان الشيعة في حال الغيبة، وصعوبة الأمر عليهم، واختبارهم للصبر عليه]..................٣٧٧
[الفصل السادس]: [في ذكر طرف من أخبار السفراء الذين كانوا في حال الغيبة]..................٣٨٧
[ذكر المحمودين من وكلاء الأئمَّة (عليهم السلام)]..................٣٩٠
[ذكر المذمومين من وكلاء الأئمَّة (عليهم السلام)]..................٣٩٥
[ذكر السفراء الممدوحين في زمان الغيبة]..................٣٩٧
[أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله)]..................٣٩٧
ذكر أبي جعفر محمّد بن عثمان بن سعيد العمري، والقول فيه..................٤٠٣
ذكر إقامة أبي جعفر محمّد بن عثمان بن سعيد العمري أبا القاسم الحسين ابن روح (رضي الله عنهما) مقامه بعده بأمر الإمام (صلوات الله عليه)..................٤١٠
[صورة بعض توقيعات الحجَّة (عجّل الله فرجه)]..................٤١٦
[استعمال التقيَّة من قِبَل الحسين بن روح (رضي الله عنه)]..................٤٢٥
[الأخبار المرويَّة عن الحسين بن روح (رضي الله عنه)]..................٤٢٨
ذكر أمر أبي الحسن عليِّ بن محمّد السمري بعد الشيخ أبي القاسم الحسين ابن روح (رضي الله عنه)، وانقطاع الأعلام به وهم الأبواب..................٤٣٣
ذكر المذمومين الذين ادَّعوا البابيَّة [والسفارة كذباً وافتراءً]..................٤٣٦
[التوقيعات الواردة على أقوام ثقات في زمان السفراء المحمودين]..................٤٥٣
[الفصل السابع]: [فيما ذُكِرَ في بيان عمره (عجّل الله فرجه)]..................٤٥٧
[ذكر ما روي في أنَّ صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) يموت ثمّ يعيش أو يُقتَل ثمّ يعيش وتأويله وذكر معارضاته]..................٤٦٢
[ذكر الأخبار الواردة في أنَّه لا تعيين لوقت خروجه (عجّل الله فرجه)]..................٤٦٤
[ذكر ما ورد من توقيت زمان الظهور ببعض الأوقات ثمّ تغيَّر لمصلحة اقتضته، وبيان معنى البداء]..................٤٦٧
ذكر طرف من العلامات الكائنة قبل خروجه (عليه السلام)..................٤٧٢
[الفصل الثامن]: [في ذكر طرف من صفاته ومنازله وسيرته (عجّل الله فرجه)]..................٥٠٧
المصادر والمراجع..................٥٢١

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدَّمة المركز:
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
وبعد..
فلا يخفى عظمة كتاب الغيبة لشيخ الطائفة (قدّس سره) على كلِّ من سمع به، وبكلمة واحدة نقول: إنَّه أجمع الكُتُب وأدقّها وأوسعها منهجاً وأضبطها فيما يرتبط بغيبة الإمام (عجّل الله فرجه)، والحديث عن هذا الكتاب العظيم وبشكل مختصر يقع في نقاط:
١ - اسم الكتاب:
* ذكر الشيخ (قدّس سره) في (الفهرست) عندما ترجم لنفسه قائلاً: (محمّد بن الحسن بن عليٍّ الطوسي، مصنِّف هذا الفهرست، له مصنَّفات، منها: كتاب تهذيب الأحكام، وهو يشتمل على عدَّة كُتُب من كُتُب الفقه...، وله كتاب مختصر أخبار المختار بن أبي عبيدة (رحمه الله)، وله كتاب الغيبة، وله كتاب المسائل الحائريَّة، نحو من ثلاثمائة مسألة، وله كتاب هداية المسترشد وبصيرة المتعبِّد، وله كتاب اختيار الرجال، وله كتاب المجالس في الأخبار، وله كتاب مقتل الحسين (عليه السلام)، وله كتاب في الأُصول كبير، خرج منه الكلام في التوحيد وبعض الكلام في العدل)(١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الفهرست (ص ٢٤٠ - ٢٤٢/ الرقم ٧١٤/١٢٩).

↑صفحة ٣↑

* وكذلك عبَّر عنه الشيخ آغا بزرك الطهراني - سواء في كتاب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة)(٢) أو في المقدَّمة القيِّمة التي وضعها لهذا الكتاب - عبَّر عنه بـ(الغيبة).
* ولكن بعض الكُتَّاب(٣) ادَّعى أنَّ الشيخ (قدّس سره) لم يضع له عنواناً، وهو كما ترى.
٢ - موضوع الكتاب:
قال الشيخ (قدّس سره) في مقدَّمة الكتاب (ص ٢٥): (...أمَّا بعد، فإنِّي مجيب إلى ما رسمه الشيخ الجليل، أطال الله بقاءه من إملاء كلام في غيبة صاحب الزمان، وسبب غيبته، والعلَّة التي لأجلها طالت غيبته، وامتداد استتاره، مع شدَّة الحاجة إليه وانتشار الحيل، ووقوع الهرج والمرج، وكثرة الفساد في الأرض، وظهوره في البرِّ والبحر، ولِمَ لم يظهر؟ وما المانع منه؟ وما المحوج إليه؟ والجواب عن كلِّ ما يُسئَل عن ذلك من شُبَه المخالفين، ومطاعن المعاندين. وأنا مجيب إلى ما سأله، وممتثل ما رسمه...).
من هو الشيخ الجليل؟
وقع خلاف في تحديد هويَّة هذا الشيخ:
* جاء في هامش بعض النُّسَخ المطبوعة لهذا الكتاب: إنَّ مراد المؤلِّف من عبارة (الشيخ الجليل) هو الشيخ المفيد (قدّس سره)(٤).
ويردُّه: من الثابت أنَّ وفاة الشيخ المفيد (قدّس سره) في سنة (٤١٣هـ)، وكان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) اُنظر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج ١٦/ ص ٧٩/ الرقم ٣٩٩).
(٣) كتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي الجامع للمسائل العقليَّة والنقليَّة في موضوع الغيبة، عبَّاس إسماعيل زاده.
(٤) المقال المتقدِّم.

↑صفحة ٤↑

تأليف هذا الكتاب بتصريح الشيخ (قدّس سره) سنة (٤٤٧هـ)، خاصَّةً وأنَّ الشيخ الطوسي يُعقِّب على هذا (الشيخ الجليل) بالدعاء له قائلاً: (أطال الله بقاءه)، الأمر الذي يحكي عن أنَّ هذا الشيخ قد كان حيًّا أثناء تأليف الشيخ الطوسي لهذا الكتاب.
* قيل: ... والذي يبدو - من خلال الالتفات إلى تاريخ وفيات مشايخ الطوسي - أنَّ بالإمكان تحديد المراد من عبارة (الشيخ الجليل)، فإنَّ الذي بقي على قيد الحياة من مجموع مشايخ الطوسي الثمانية والثلاثين(٥) - على ما ذُكِرَ - في فترة تأليف هذا الكتاب، شيخان فقط(٦)، وهما: القاضي أبو القاسم عليٌّ التنوخي (ت ٤٤٧هـ)، وأبو العبَّاس أحمد بن عليٍّ النجاشي (قدّس سره) صاحب كتاب الرجال (ت ٤٥٠هـ).
وعليه لا بدَّ أنْ يكون الشيخ الطوسي قد ألَّف هذا الكتاب نزولاً عند طلب أحد هذين الشيخين.
ولكن صاحب كتاب الرجال المعروف هو زميل الشيخ لا أُستاذه، نعم والد النجاشي في طبقة مشايخ الشيخ الطوسي (قدّس سره)، إلَّا أنَّه ليس له كتاب رجالي معروف.
إلَّا إذا قيل: إنَّ مراد المؤلِّف من (الشيخ الجليل) شخصاً من أقرانه في العلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) اُنظر: الشيخ الطوسي (ص ١٠٩) فما بعد. وقد ذكر الشيخ آغا بزرك الطهراني أنَّ عدد شيوخ الطوسي يصل إلى (٤٠) شيخاً، إلَّا أنَّه لم يذكر منهم من كان حيًّا في (حياة الشيخ الطوسي) سوى (٣٧) شيخاً فقط.
(٦) وقد تمَّ ذكر تاريخ وفاة الكثير من هؤلاء المشايخ في المصدرين الآنفين، كما يمكن الحصول على تواريخ وفيات الآخرين من خلال الرجوع إلى: رجال عصر الشيخ الطوسي، في هزاره شيخ طوسي (ألفية الشيخ الطوسي) (ص ١١٨). وفيما يتعلَّق بالعلماء الذين يرجع تاريخ وفاتهم إلى عام (٤٤٧هـ) فما بعد، لا نرى من شيوخه غير هذين الشيخين.

↑صفحة ٥↑

بيد أنَّ هذا الاحتمال يبدو ضعيفاً أيضاً، وذلك لأنَّ الشيخ الطوسي (قدّس سره) قد تولَّى زعامة الطائفة (الشيعيَّة) سنة (٤٣٦هـ) بعد رحيل أُستاذه السيِّد المرتضى (قدّس سره)، ولم يرد في بيان سيرته أنَّ شخصاً كان من أقرانه في تلك الفترة، بل قيل في عظمته: إنَّه بلغ مرتبة أعطاه الخليفة في حينها كرسي الكلام(٧).
وإنْ كان بالإمكان أنْ يكون خطاب الشيخ (قدّس سره) لهذا الرجل من باب الإجلال والتكريم سواء كان من أقرانه أو حتَّى من تلامذته، من باب التواضع وجميل الأدب كما هو المعهود من سيرة علمائنا نزولاً عند رغبة من يطلب منهم الكتابة في بعض الموضوعات المهمَّة.
ومع عدم القرينة على تحديد هويَّة الشيخ الجليل يبقى اسمه مجهولاً بالنسبة لنا، ولعلَّه الأرجح.
٣ - أين ومتى تمَّ تأليف كتاب الغيبة؟
الراجح أنَّه تمَّ تأليف الكتاب في بغداد، وتوجد عدَّة شواهد تدلُّ عليه، فإنَّ الشيخ (قدّس سره) هاجر إلى النجف (٤٤٨هـ) بينما تلك الشواهد تتحدَّث عن عام (٤٤٧هـ)، منها:
* قوله (قدّس سره): (فإنْ قيل: ادِّعاؤكم طول عمر صاحبكم أمر خارق للعادات...، لأنَّه على قولكم له في هذا الوقت - الذي هو سنة سبع وأربعين وأربعمائة - مائة وإحدى وتسعون سنة)(٨).
وإنْ كان يبدو من حساب عمر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) مع سنة كتابة هذا المقطع من شيخ الطائفة (قدّس سره) أنَّ حساب الولادة هو سنة (٢٥٦هـ) وليس (٢٥٥هـ).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) اُنظر على سبيل المثال: الشيخ الطوسي وتراثه الحديثي (مجلَّة علوم الحديث/ العدد ٦/ ص ١٢٥).
(٨) اُنظر (ص ١٤٤).

↑صفحة ٦↑

* قوله (قدّس سره): (قال محمّد بن الحسن - مصنِّف هذا الكتاب -: رأيت قبره في الموضع الذي ذكره...، وهو إلى يومنا هذا - وذلك سنة سبع وأربعين وأربعمائة)(٩)، جاء هذا في معرض حديثه عن زيارته لقبر عثمان بن سعيد (رضي الله عنه) السفير الأول للإمام (عجّل الله فرجه).
٤ - الرجال والتوثيق:
يُعَدُّ كتاب الغيبة لشيخ الطائفة (قدّس سره) من المصادر المهمَّة في التوثيق الخاصِّ أو العامِّ، فقد تناول (قدّس سره) العديد من الموارد التي يُستفاد منها التوثيق، من قبيل:
* عنوان الوكالة: وقد صنَّف فيها الوكلاء إلى صنفين:
١ - أهل الصلاح والاستقامة، من قبيل: حمران بن أعين، والمفضَّل بن عمر، والمعلَّى بن خُنَيس، ونصر بن قابوس اللخمي، وصفوان بن يحيى، ومحمّد ابن سنان، وعليّ بن مهزيار الأهوازي، وأيُّوب بن نوح بن درَّاج وغيرهم، حيث كانوا من الوكلاء الصالحين(١٠).
٢ - أهل الانحراف والضلال، من قبيل: صالح بن محمّد بن سهل، وفارس بن حاتم بن ماهويه القزويني، وأحمد بن هلال العبرتاتي، وأبي طاهر محمّد بن عليِّ بن بلال، حيث كانوا من المذمومين(١١).
* المقالات والفِرَق:
يتحدَّث شيخ الطائفة (قدّس سره) عن العديد من الفِرَق وعن مقالاتهم وإبطالها كالسبئيَّة والكيسانيَّة والناووسيَّة والفطحيَّة والمحمّديَّة والواقفيَّة، ويتحدَّث من زاوية أُخرى عن انقراض هذه الفِرَق وعدم بقائها إلى زمان تأليف هذا الكتاب،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩) اُنظر (ص ٤٠٢ و٤٠٣).
(١٠) اُنظر (ص ٣٩٠).
(١١) اُنظر (ص ٣٩٥).

↑صفحة ٧↑

وهذا له أهمّيَّة كبيرة كما ذكره المصنِّف في كتابه، وما قاله (قدّس سره): (على أنَّ هذه الفِرَق كلَّها قد انقرضت بحمد الله، ولم يبقَ قائل يقول بقولها، وذلك دليل على بطلان هذه الأقاويل)(١٢).
كما ويتحدَّث عن صنفين من الواقفة:
١ - من استمرَّ وقفهم إلى أنْ ماتوا عليه، من قبيل: زياد بن مروان القندي، وعثمان بن عيسى الرواسي، وغيرهم.
٢ - من رجعوا عنه، من قبيل: عبد الرحمن بن الحجَّاج، ورفاعة بن موسى، ويونس بن يعقوب، وجميل بن درَّاج، وحمَّاد بن عيسى(١٣).
٥ - المصادر التي اعتمد عليها الشيخ في كتابه:
أوَّلاً: المصادر التي اعتمد عليها في البحوث الكلامية والعقليَّة، وهي:
١ - تلخيص الشافي للمصنِّف (قدّس سره): قال (قدّس سره): (قد أجبنا عن هذا السؤال في (التلخيص) مستوفًى، وجملته أنَّ...)(١٤).
٢ - شرح الجُمَل للمصنِّف (قدّس سره): قال (قدّس سره): (وأجبنا عن كلِّ ما يُسئَل عن ذلك مستوفًى في (تلخيص الشافي) و(شرح الجُمَل) لا نُطوِّل بذكره هاهنا)(١٥).
٣ - الذخيرة للسيِّد المرتضى (قدّس سره): قال (قدّس سره): (الذي نقوله في هذا الباب ما ذكره المرتضى (رحمه الله) في (الذخيرة)...)(١٦).
٤ - كُتُب ابن قبة الرازي (رحمه الله): والتي أورد معظمها الشيخ الصدوق (قدّس سره)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) اُنظر (ص ٢٦٧).
(١٣) اُنظر (ص ١٠٣).
(١٤) اُنظر (ص ١٢٧).
(١٥) اُنظر (ص ٣١).
(١٦) اُنظر (ص ٣٨).

↑صفحة ٨↑

في (كمال الدِّين)، حيث نجد التطابق التامَّ في بعض الموارد، منها: معالجة بعض شُبُهات الغيبة، والردُّ على جماعة جعفر، وإنكار الولادة.
٥ - الفصول العشرة في الغيبة للشيخ المفيد (قدّس سره): ولم يذكره صريحاً إلَّا أنَّه بالمقارنة مع المعلومات الواردة في الغيبة مع الواردة في الفصول نجد التطابق التامَّ أو التقارب الكبير، ومنها: الردُّ على فِرَق الواقفة، وطول عمر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، وذكر بعض المعمَّرين.
٦ - المقنع للسيِّد المرتضى (قدّس سره): أيضاً لم يذكره صريحاً، ويمكن استفادة التطابق التامِّ أو الجزئي في بعض المباحث.
ثانياً: المصادر التي اعتمد عليها في البحوث الروائيَّة والتاريخيَّة، وهي على أصناف أيضاً:
الصنف الأوَّل: المصادر المتداولة والمطبوعة، وهي:
١ - كتاب الكافي للشيخ الكليني (قدّس سره).
٢ - الغيبة للشيخ النعماني (قدّس سره).
٣ - كمال الدِّين وتمام النعمة للشيخ الصدوق (قدّس سره).
٤ - كتاب مسائل عليِّ بن جعفر.
٥ - كتاب سُلَيم بن قيس الهلالي.
الصنف الثاني: المصادر غير الموجودة:
١ و٢ - الرجعة وكتاب القائم (عجّل الله فرجه): للفضل بن شاذان النيشابوري.
٣ - الغيبة أو ما يُسمَّى بكتاب إثبات الرجعة للفضل بن شاذان النيسابوري.
والمتتبِّع لهذا الكتاب يجد طُرُق الشيخ (قدّس سره) إلى هذه الكُتُب من خلال ملاحظة (الفهرست) وما يبدأ به أسانيد الروايات.

↑صفحة ٩↑

٤ - أخبار الأبواب: لأحمد بن عليِّ بن عبَّاس بن نوح، أبو العبَّاس السيرافي.
وطريق الشيخ الطوسي (رحمه الله) إلى كتاب الوكلاء، بواسطة (جماعة من أصحابنا) ، وهو هنا بواسطة (الحسين بن إبراهيم القمِّي)، الذي ينقل عنه عن الكتاب.
إنْ قلتَ: إنَّ الشيخ بنفسه يُصرِّح أنَّ كتاب السيرافي غير موجود، فكيف ينقل عنه؟ قال (قدّس سره) في (الفهرست): (أحمد بن محمّد بن نوح، يُكنَّى أبا العبَّاس السيرافي، سكن البصرة، واسع الرواية، ثقة في روايته، غير أنَّه حُكي عنه مذاهب فاسدة في الأُصول، مثل القول بالرؤية وغيرها. وله تصانيف، منها: كتاب الرجال الذين رووا عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وزاد على ما ذكره ابن عقدة كثيراً، وله كُتُب في الفقه على ترتيب الأُصول، وذكر الاختلاف فيها، وله كتاب أخبار الأبواب، غير أنَّ هذه الكُتُب كانت في المسودَّة ولم يوجد منها شيء. أخبرنا عنه جماعة من أصحابنا بجميع رواياته، ومات عن قرب، إلَّا أنَّه كان بالبصرة ولم يتَّفق لقائي إيَّاه)(١٧).
قلتُ: يحتمل أنَّ النسخة وصلت له بعد تأليفه لكتاب (الفهرست) الذي ألَّفه متقدِّماً على كتاب الغيبة والعديد من كُتُبه، حيث ذكر في مقدَّمة (الفهرست): (ولـمَّا تكرَّر من الشيخ الفاضل (أدام الله تأييده)، الرغبة فيما يجري هذا المجرى، وتوالى منه الحثُّ على ذلك، ورأيته حريصاً عليه، عمدت إلى كتاب يشتمل على ذكر المصنَّفات والأُصول...)، وحيث إنَّ وفاة الشيخ المفيد (قدّس سره) هي في حدود (٤١٣هـ) فيكون كتاب الفهرست موجوداً قبل هذا الوقت بمدَّة.
على أنَّ له (قدّس سره) طريقاً إلى جميع رواياته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧) الفهرست (ص ٨٤ و٨٥/ الرقم ١١٧/٥٥).

↑صفحة ١٠↑

٥ و٦ - الأوصياء وكتاب الغيبة: لمحمّد بن عليِّ بن أبي العزاقر الشلمغاني.
٧ - في نصرة الواقفة: لأبي محمّد عليِّ بن أحمد العلوي الموسوي.
وقد نقل عنه الشيخ الطوسي في غيبته ذيل (الكلام في الواقفة)، حيث نقل عدَّة روايات استدلُّوا بها على الوقف.
٨ - كُتُب سعد بن عبد الله الأشعري القُمِّي.
الصنف الثالث: الروايات المتناثرة أو مجهولة المصدر: ومن مواردها وهي عديدة كالرواية الأُولى والثانية والثالثة، وهناك العديد من الموارد كما يقف عليها المتتبِّع.
كما تكرَّر من الشيخ ذكر جماعة وعدَّة في بداية الطُّرُق لبعض الروايات، وهذا ينبغي بحثه مفصَّلاً لضبط طُرُق الشيخ (قدّس سره) وأنْ لا يُرمى الحديث بالإرسال لمجرَّد عدم وجود الواسطة، فإنَّه (قدّس سره) يعتمد على طُرُقه في (الفهرست)، لتأخُّر هذا الكتاب عنها.
٦ - منهج شيخ الطائفة (قدّس سره) الكلامي:
يُعَدُّ الشيخ الطوسي (قدّس سره) في طليعة علماء الكلام الشيعة، ومدرسته الكلاميَّة هي امتداد للمدارس السابقة عليه من أساتذته وشيوخه كالمرتضى والمفيد (قدّس سرهما)، بل تمتدُّ هذه المدرسة إلى هشام بن الحَكَم (رحمه الله) وغيره من علماء الكلام الشيعة.
وكيفما كان فمنهج شيخ الطائفة (قدّس سره) هو منهج كلامي في هذا الكتاب في طابعه العامِّ.
وعلم الكلام هو الذي اضطلع بمهمَّة الاستدلال على المسائل الكلاميَّة، فالمتكلِّم ينطلق في إثبات ما يعتقد به ابتداءً من التوحيد وانتهاءً بالمعاد وما بينهما من تفصيلات، فمهمَّة المتكلِّم هي الاستدلال على العقائد الدِّينيَّة وإثباتها بالأدلَّة

↑صفحة ١١↑

العقليَّة والنقليَّة ومن ثَمَّ دفع الشُّبُهات المثارة حولها سواء كانت على مستوى الأُصول أو تفريعاتها.
٧ - منهج شيخ الطائفة (قدّس سره) في الحديث:
الحديث عن منهج شيخ الطائفة (قدّس سره) في خبر الواحد تكمن أهمّيَّته في النظر إلى الروايات الموجودة في كتاب الغيبة، وعلى أيِّ أساس ومنهج تمَّ تدوينها، خصوصاً وأنَّ التدوين لهذا الكتاب جاء متأخِّراً بالنسبة لمؤلَّفات الشيخ (قدّس سره).
* قول شيخ الطائفة (قدّس سره) في خبر الواحد: قال (قدّس سره): (والذي أذهب إليه أنَّ خبر الواحد لا يوجب العلم، وأنَّه كان يجوز أنْ ترد العبادة بالعمل به عقلاً، وقد ورد جواز العمل به في الشرع)، ثمّ ذكر شروط العمل به.
ثمّ قال (قدّس سره): (فأمَّا ما اخترته من مذهب فهو: أنَّ خبر الواحد إذا كان وارداً من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة وكان ذلك مرويًّا عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو عن واحد من الأئمَّة (عليهم السلام)، وكان الراوي ممَّن لا يُطعَن في روايته، ويكون سديداً في نقله... جاز العمل به)(١٨).
هذا هو رأيه (قدّس سره) الذي يمكن اعتماده في كتابه، على أنَّه (قدّس سره) قد فصَّل في كيفيَّة اعتماده على خبر الواحد حتَّى في دائرة الإرسال، فقد قال (قدّس سره) ما نصُّه: (وإذا كان أحد الراويين مسنداً والآخر مرسَلاً، نُظِرَ في حال المرسِل، فإنْ كان ممَّن يُعلَم أنَّه لا يُرسِل إلَّا عن ثقة موثوق به فلا ترجيح لخبر غيره على خبره، ولأجل ذلك سوَّت الطائفة بين ما يرويه محمّد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمّد بن أبي نصر، وغيرهم من الثقات الذين عُرفوا بأنَّهم لا يروون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨) العدَّة في أُصول الفقه (ج ١/ ص ١٠٠ و١٢٦).

↑صفحة ١٢↑

ولا يُرسِلون إلَّا عمَّن يُوثَق به وبين ما أسنده غيرهم، ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم)(١٩).
فينبغي قبل الحكم على رواية ما في كتاب الغيبة الاطِّلاع على مبنى شيخ الطائفة في حجّيَّة خبر الواحد وطريقته (قدّس سره) في تلقِّي الأخبار، وهو ما نجده جليًّا واضحاً في كتابه القيِّم (العدَّة)، فراجع.
عملنا في الكتاب:
١ - اعتمدنا في تحقيق الكتاب على الكثير من النُّسَخ المخطوطة، وبعضها موجود في المكتبة الخطّيَّة لمركزنا، ولم نجد حاجة إلى بيان هويَّة كلِّ نسخة، لذا أشرنا إلى مواطن الاختلاف بعبارة: (في بعض النُّسَخ).
٢ - لم نولِ أهمّيَّة للاختلاف في بعض الحروف بين النُّسَخ الخطّيَّة، وإنَّما لاحظنا الاختلاف - وأشرنا إليه في الهامش - بين الكلمات في حال اختلاف المعنى بينها.
٣ - اخترنا العبارة التي نراها أنسب - من بين النُّسَخ الخطّيَّة في حال الاختلاف - ووضعناها في المتن، ولم نختر نسخة معيَّنة لنجعلها هي الأصل.
٤ - قمنا بتحريك الآيات القرآنيَّة على ضوء القرآن الكريم.
٥ - الإتيان بالأحاديث محرَّكة لتسهيل القراءة على القارئ الكريم.
٦ - إضافة مصادر أُخرى في هامش الأحاديث الشريفة للكتاب.
٧ - ضبط أسماء الأعلام والرواة اعتماداً على كُتُب الرجال، وترجمة بعضهم بما نراه مناسباً.
٨ - شرح بعض المفردات اللغويَّة المبهمة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩) العدَّة في أُصول الفقه (ج ١/ ص ١٥٤).

↑صفحة ١٣↑

٩ - الإتيان بشروح بعض الأحاديث من الكُتُب التالية:
أ - شرح أُصول الكافي لمولى محمّد صالح المازندراني (ت ١٠٨١هـ)/ ضبط وتصحيح: السيِّد عليّ عاشور/ طبع ونشر دار إحياء التراث العربي/ ط ١/ ١٤٢١هـ.
ب - مرآة العقول في شرح أخبار الرسول للعلَّامة المجلسي (ت ١١١١هـ)/ نشر دار الكُتُب الإسلاميَّة/ ط ٢/ ١٤٠٤هـ.
ج - بحار الأنوار الجامعة لدُرَر أخبار الأئمَّة الأطهار للعلَّامة المجلسي (ت ١١١١)/ نشر مؤسَّسة الوفاء/ ط ٢/ ١٤٠٣هـ/ بيروت.
نسأل الله تعالى أنْ يتقبَّل منَّا هذا القليل ببركة المولى صاحب العصر والزمان (عجّل الله فرجه)، وأنْ يُعجِّل في فرجه ويُسهِّل مخرجه ويجعلنا من شيعته وأنصاره والمستشهدين بين يديه.
وختاماً فقد جرت عادة المحقِّقين على كتابة ترجمة لصاحب الكتاب المحقَّق، ونحن نكتفي بترجمة السيِّد حسين بحر العلوم (قدّس سره) لشيخ الطائفة (قدّس سره) في كتاب (تلخيص الشافي)، وقد اختصرنا الترجمة حذراً من التطويل...

* * *

↑صفحة ١٤↑

ترجمة شيخ الطائفة (قدّس سره) بقلم السيِّد حسين بحر العلوم (قدّس سره)

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين.
لقد كتب كثير من المؤرِّخين وعلماء الرجال عن هذه الشخصيَّة الإسلاميَّة الفذَّة، بما يجلُّ عن التعداد والإحصاء، فقلَّ أنْ تجد كتاباً أو بحثاً عن الشخصيَّات في التاريخ والتأليف لا يتعرَّض إلى ذكر شيخ الطائفة (قدّس سره)، اللَّهُمَّ إلَّا أنْ ينبض به عرق الطائفيَّة البغيضة، فيسحق وجدانه - إنْ كان له وجدان - ويجتاز مرحلة التاريخ، بلا هوادة - كما يتجلَّى ذلك عند الخطيب البغدادي في تاريخه، والحموي في معجم البلدان -.
* في غرَّة رمضان المبارك من سنة (٣٨٥هـ) وُلِدَ شيخ الطائفة - على الإطلاق - أبو جعفر محمّد بن الحسن بن عليِّ بن الحسن الطوسي (قدّس سره)، في بلاد (طوس) التي هي أقدم بلاد فارس، وأشهرها لدى المؤرِّخين والرحَّالة...
* وبقي شيخنا المترجَم في مسقط رأسه (طوس) مدَّة لا تقلُّ عن ربع قرن ينتهل مناهل العلم والأدب - على اختلاف فروعهما - من أفكار فطاحل العلماء والأُدباء - السُّنَّة والشيعة -، ونشأ - طيلة هذه المدَّة - نشأة علميَّة متواصلة حتَّى أصبح مشار البنان وملاك الألسن بالمدح والثناء بين أقرانه وذويه، الأمر الذي حفَّزه إلى أنْ يواصل سيره العلمي إلى أبعد غاية، وأرفع مستوى، وأعمق غوراً في عالم التحقيق والتدقيق.
ولم تكن بلاد (طوس) - يومئذٍ - ميداناً واسعاً للعلم بحيث يملأ طموح

↑صفحة ١٥↑

شيخنا الطوسي، المتدفِّق العزم، المحلِّق الفكر، فعزم على الرحيل إلى (مدرسة بغداد) حيث الحياة الفكريَّة، ومهبط العلماء والفضلاء من جميع أقطار العالم المتحضِّر - في ذلك العهد -، وفعلاً تمَّ لشيخنا ذلك.
* ففي عام (٤٠٨هـ) انتقل إلى بغداد (دار الرشيد) حيث مشتبك الآراء والأفكار من هنا وهناك - وهو بعد لم يتجاوز سنَّ الشباب والريعان -.
وكانت الزعامة الجعفريَّة الكبرى قد انحصرت في (شيخ الأُمَّة) ومعلِّمها الأوَّل وعلمها الخفَّاق الشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي (قدّس سره).
فنزل على مدرسته العلميَّة، ضيف العلم والأدب، وأخذ ينتهل من ينبوعه الثرِّ، ويتربَّى على سلوكه الإسلامي القويم، فكان المنطلق الأوَّل - في بغداد - لذهنيَّة شيخنا المترجَم، ثمّ امتدَّت حياته العلميَّة إلى أبعد من ذلك، فصحب من علماء بغداد ورجالاتها العظام العدد الكثير، حيث لمسوا فيه الشخصيَّة الطافحة والعقليَّة الجبَّارة، منهم شيخه الحسن بن عبد الله الغضائري (٤١١هـ) وغيره، وقد شارك النجاشي - صاحب الرجال - في كثير من مشايخه.
ويشاء القدر الغاشم أنْ يختطف من وسط الميدان فارسه المعلَّم وكمّيَّه المقدام (شيخ الأُمَّة) سنة (٤١٣هـ)، وكان يوم وفاته في بغداد كيوم الحشر - كما يُعبِّر المؤرِّخون -.
ويشمت أعداؤه - كالخطيب البغدادي وأمثاله - ويحزن عليه العلم والعلماء والقلم والمنبر، ويرثيه واقعه الصريح بقوله:

لا صوَّت الناعي بفقدك أنَّه * * * يوم على آل الرسول عظيم
إنْ كنت قد غيَّبت في جدث الثرى * * * فالعدل والتوحيد فيك مقيم

ولكن اللطف الإلهي بواقع الأُمَّة أبى أنْ يتركها فلولاً بغير قيادة، فقيَّض

↑صفحة ١٦↑

لها أجلّ تلامذة شيخها الراحل، وأكفأهم للزعامة المذهبيَّة في عنفوان التيَّار العقائدي، ذلك هو علم الهدى السيِّد المرتضى (قدّس سره).
فانتصب للفتيا والمنبر، والزعامة المذهبيَّة، وسار على غرار (شيخ الأُمَّة)، وارتقى نفس الكرسي الذي كان يجلس عليه أُستاذه للكلام حول المذاهب ومناقشتها وإعطاء الرأي الصحيح للواقع الإسلامي.
* وإذا بشيخنا المترجَم يحتلُّ نفس المكانة التي كان يحتلُّها - لدى أُستاذه الأوَّل - عند أُستاذه الجديد، وأبيه الروحي العطوف، ولم يأل سيِّدنا المرتضى جهداً في تقدير شيخنا الطوسي، وتقييم مواهبه النادرة، فقد أعلا مجلسه في مدرسته العلميَّة (دار العلم) ووضع تحت تصرُّفه مكتبته الضخمة الحاوية لجميع الفنون العلميَّة - كما يُعبِّر التاريخ -، وعيَّن له مرتَّباً شهريًّا كافياً، وداراً محترمة للسكنى، وهيَّأ له جميع مؤهِّلات التحصيل والتدريس والتأليف.
وعاش شيخنا أبو جعفر على هذا وشبهه في كنف أُستاذه الأكبر، وأبيه الحاني، ومربِّي سلوكه الخُلُقي طيلة (١٣ عاماً) لم يشعر بغربة الأهل والوطن طرفة عين.
حتَّى إذا تدحرج التاج عن مفرقه، وتحوَّلت مرحلة التاريخ، وتمخَّض القدر المحتوم عن واقعه الأليم، فإذا بسيِّدنا المرتضى يلفظ روحه الطاهرة في بغداد سنة (٤٣٦هـ)، لينقل إلى مثواه الأخير بجوار جدِّه الحسين (عليه السلام).
* ولم يكن في بغداد - بعد هذين العلمين: المفيد والمرتضى - من يحمل اللواء ويملأ الدست، ويسير بالأُمَّة الإسلاميَّة إلى هدفها الأسمي، وغايتها المنشودة، أكفأ من شيخ الطائفة شيخنا الطوسي (قدّس سره)، فكان المرشَّح - طبيعيًّا - لرئاسة المذهب، وقيادة الأُمَّة الإسلاميَّة.
وهكذا سار شيخنا على خطى أُستاذيه الجليلين في إدارة المعهد العلمي

↑صفحة ١٧↑

وقيادة المذهب الشاملة، وتسيير شؤون الناس الاجتماعيَّة والدِّينيَّة، فكانت داره الواسعة - كوسعة صدره - مأوى للوفود من شتَّى أقطار العالم يحلُّ مشاكلهم العامَّة والخاصَّة، ويُغذِّيهم العلم والأدب، ويخصب فيهم الأخلاق الفاضلة، ويهديهم إلى طُرُق الخير والصلاح.
حتَّى أطبقت كلمات المؤرِّخين في التعبير عن عظمة مجلسه العلمي بهذا المضمون: (كان يضمُّ مجلسه العلمي أكثر من ثلاثمائة مجتهد من الشيعة. أمَّا من العامَّة فالعدد الكثير...)، وبلغت به العظمة أوجها، والزعامة ذروتها حتَّى جعل له خليفة زمانه (القائم بأمر الله عبد الله بن القادر بالله أحمد الخليفة العبَّاسي) كرسي الكلام والإفادة، كما كان لشيخه المفيد من قبل. وكان لهذا الكرسي - يومئذٍ - منزلة كبرى في المجتمع، إذ لم يُخصَّص إلَّا لمن تسامى في العلم وبرز فيه، فيُؤهِّله مقامه - تلقائيًّا - إلى ذلك التعظيم والتكريم.
وأخذ المذهب الجعفري - في عهد شيخنا الطوسي - يتربَّع على كرسي الزعامة المطلقة حتَّى كاد أنْ يطبق أُفُق بغداد - على سعته واختلاف مذاهبه يومئذٍ -، وذلك ببركة وعبقريَّة قائده المظفَّر وسياسته الحكميَّة.
ويشقُّ ذلك على ذوي الضمائر الملتوية، فيكفهرُّ الجوُّ، وتغلي مراجل وتجرح عواطف وتداس زعامات فارغة، كانت تعيش على موائد الدولة، وتُنغِّص على الشعب المسكين لقمة الدعة والاطمينان، وتحول بين أجفان عينيه المتعبتين عن الاستسلام إلى لذَّة النوم.
غليان الفتنة الطائفيَّة في بغداد على عهد طغرلبك واحتراق الشيعة بنارها:
فما كاد أنْ ينتهي عام (٤٤٩هـ) حتَّى أُثيرت الفتن (الجانبيَّة) من كلِّ صوب وحدب، تعلَّق شرارتها بثقاب الحقد والحسد، فلا يروق (لمذاهب

↑صفحة ١٨↑

المسلمين يومئذٍ) أنْ يبرز على مسرح الفكر مذهب الإمام الصادق (عليه السلام) خشية أنْ يختم به المطاف وتنتهي به المسرحيَّة.
وتأكل النار (نار الفتنة) كلَّ أخضر ويابس على عهد السفَّاح الأهوج (طغرلبك السلجوقي)، فتُباح بغداد لأيدي المستهترين بالعلم والكرامة، وهدَّت جوامع ومجامع، وفُرِّقت جماعات، وقُتِلَ كثير من العلماء، وهرب آخرون، وأحدق البلاء بشيخنا الطوسي أكثر لأنَّه في الصميم، وهو الهدف لسهام الفتنة المفضوحة، والغاية المنشودة لذوي الحقد والعداء.
وأُحرقت داره وكُتُبه، ومؤلَّفاته التي ألَّفها في بغداد، ونُهِبَت عامَّة كُتُب الشيعة ودورهم، وأُحرقت مكتبة الشيعة الضخمة (دار العلم) التي بناها سابور ابن أردشير وزير بهاء الدولة.
ونستطيع أنْ نتلمس مغزى الفتنة وما كان يُقصَد من ورائها ممَّا ينقله المؤرِّخون:
قال ابن الأثير في حوادث (٤٥١هـ): (... واحترقت فيه خزانة الكُتُب التي وقفها سابور بن أردشير الوزير... وكان سابور بن أردشير من وزراء (الشيعة للمَلِك الشيعي) أبي نصر بهاء الدولة...)(٢٠).
وفي (لسان الميزان): (... قال ابن النجَّار: أُحرقت كُتُبه عدَّة نُوَب بمحضر من الناس في رحبة جامع النصر، واستتر هو خوفاً على نفسه بسبب ما يظهر عنه من انتقاص السلف...)(٢١).
وفي (المنتظم) لابن الجوزي في حوادث سنة (٤٤٨هـ): (... وفي هذه السنة أُقيم الأذان في المشهد بمقابر قريش، ومشهد العتيقة، ومساجد الكرخ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) راجع: الكامل في التاريخ (ج ١٠/ ص ٧).
(٢١) لسان الميزان (ج ٥/ ص ١٣٥).

↑صفحة ١٩↑

بـ (الصلاة خير من النوم)، وأُزيل ما كانوا يستعملونه في الأذان (حيَّ على خير العمل)، وقُلِعَ جميع ما كان على أبواب الدور والدروب من (محمّد وعليٍّ خير البشر)، ودخل إلى الكرخ منشدو أهل السُّنَّة من باب البصرة، فأنشدوا الأشعار في مدح الصحابة، وتقدَّم رئيس الرؤساء إلى ابن النسوي بقتل أبي عبد الله بن الجلَّاب شيخ البزَّازين بباب الطاق، لما كان يتظاهر به من الغلوِّ في الرفض، فقُتِلَ وصُلِبَ على باب دُكَّانه، وهرب أبو جعفر الطوسي، ونُهِبَت داره...).
وقال في موضع آخر: (وفي صفر هذه السنة كُبِسَت دار أبي جعفر الطوسي متكلِّم الشيعة بالكرخ، وأُخِذَ ما وُجِدَ من دفاتره، وكرسي كان يجلس عليه للكلام، وأُخرج ذلك إلى الكرخ، وأُضيف إليه ثلاثة مجانيق بيض كان الزوَّار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة، فأُحرق الجميع...)(٢٢).
اتَّضح لنا - بجلاء - منبثق الفتنة، ومغزاها الأهوج، خصوصاً من كلام ابن الجوزي المكشوف. ولو استعرضت غير ما ذكرناه من أقوال المؤرِّخين لرأيت كلَّهم يشير أو يُصرِّح بأنَّ سبب القصَّة، ومسرحها، وأبطالها، وأهدافها كلَّ أُولئك من نسيج واحد، وعلى نول واحد، ألَا وهي الطائفيَّة الضيِّقة والتعصُّب المخزي. ولا أدري متى، وكيف ينحلُّ هذا الصراع، وإلى أين تسير بنا السفينة، وهل تصل - يوماً ما - إلى ميناء الإسلام والسلام؟

إلى أنْ يعود الماء في النهر جارياً * * * وتخضرُّ جنباه تموت الضفادع

* ولـمَّا رأى شيخنا (قدّس سره) توسُّع الفتنة في بغداد، وخشي الخطر على نفسه - بعد أنْ ذهبت جميع أمواله وكُتُبه ضحيَّة الحقد البغيض وأكلة لنار التعصُّب الطائفي - خرج بأهله وولده لاجئاً إلى قبر الإمام عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) في النجف الأشرف، وذلك سنة (٤٥٠هـ).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢) المنتظم في تاريخ الأُمَم والملوك (ج ١٦/ ح ٨ و١٦).

↑صفحة ٢٠↑

تاريخ النجف قاحل قبل ورود الشيخ لها (قدّس سره):
وكانت مدينة الإمام عليٍّ (عليه السلام) - قبل هذا التاريخ - قاحلة من كلِّ شيء، مقفرَّة من كلِّ أنيس، لو استثنينا بعض البيوتات البسيطة المحيطة بالحرم العلوي المقدَّس للتعيُّش من ذلك على أيدي بعض الزائرين والرحَّالين -. وتقع العين - أحياناً - على ذكوات بيض، وأكم من الرمل، وقبور قليلة، متفرِّقة الأمكنة تحيط بالصحن الشريف تبرُّكاً بحسن الجوار، فيحسبها الرائي - من بعيد - أنَّها أطناب وبيوت.
ولم يذكر لنا التاريخ - قبل هذه الفترة - عن هذه المدينة شيئاً يستحقُّ الإعجاب ويثير الانتباه إلَّا ما كان يتعلَّق بالحرم العلوي المطهَّر.
وبهذا يُعتذَر عن أُولئك الذين مرُّوا على تاريخ النجف - قبل تأسيسها على يد شيخنا الطوسي - مرُّ الكرام، إذ لم يشاهدوا بها ما يسترعي عنايتهم ويُطلِق إعجابهم سوى قبر الإمام عليٍّ (عليه السلام)، فتحدَّثوا عن ذلك فحسب بما أوحى لهم ضميرهم الملتوي، وانطلق بهم واقعهم المشوَّه، بغضِّ النظر عن شخصيَّة الإمام عليٍّ (عليه السلام)، أو التشكيك في مدفنه، أو غير ذلك ممَّا يبعث على الجهل - أحياناً -، والتجاهل - على الأكثر -.
ولكن النجف - بعد حين - أصبحت - ببركة هذا الرجل العظيم ومواصلة جهاده الإسلامي في ذات الله - مثاراً للإعجاب، ومناراً للعالم المحتضِّر، حيث جعل منها داراً للعلم، ومعهداً للتدريس، وجامعة إسلاميَّة كبرى تتحدَّى - بفضل الجهاد والمثابرة - العالم بأسره، في العلم والتحقيق، والانهماك في سبيل الحقِّ والواقعيَّة.
وانبرت تشرق حول أُفُقه السخي رُوَّاد الفضيلة والعلم من هنا وهناك حتَّى أصبحت - بعد فترة قليلة - عاصمة العلم وقدوة العلماء، ومنطلق التاريخ الإسلامي - رغم أنف الحقد - في كلِّ أدواره، ومن شتَّى منابعه.

↑صفحة ٢١↑

شيخ الطائفة واضع الحجر الأساس لجامعة الإمام عليٍّ (عليه السلام):
ولشيخنا المترجَم - وحده، مستعينا بروح الإمام عليٍّ (عليه السلام) - فضل تمصير النجف - لا من الناحية العلميَّة فقط -، بل من شتَّى نواحي الحياة، فهو واضع الحجر الأساسي لجامعتها العلميَّة، وهو باعث الروح في تاريخها الواجم حتَّى أخذت هذه المدينة تساير القرون - بمركزها الحسَّاس -، وتضرب بجناحيها الآفاق رغم الحوادث التي مرَّت بها - ولا تزال تمرُّ عليها كلَّ حين -، واستمرَّ شيخنا الطوسي في جهاده العلمي حتَّى انتظم الوضع الدراسي على عهده بخطوات سريعة، فكانت الحوزة العلميَّة - يومئذٍ - تربو على المئات من رُوَّاد العلم، والطلبة الناشئين.
وتقدَّمت بخطوات أكثر في عصر الشيخ الجليل عليِّ بن حمزة بن محمّد بن شهريار (خازن الحرم المطهَّر يومئذٍ)، وذلك سنة (٥٧٢هـ).
وبلغ الوضع الدراسي حينئذٍ أوج عنفوانه، وتكاثرت الهجرة - بلا انقطاع -، وظلَّ هكذا مستمرًّا حتَّى أوائل القرن السابع الهجري.
الشيخ يُودِّع النفس الأخير في النجف الأشرف، ويُدفَن في داره:

المرء بعد الموت أُحدوثة * * * يُفنى وتبقى منه آثاره
فأحسن الحالات حال امرئ * * * تطيب بعد الموت أخباره

ولم يزل شيخنا (قدّس سره) مشغولاً برعاية حقوله الخصيبة التي غرس بذورها بيده المباركة، وسقاها بروحه القدسيَّة، حتَّى أينعت وآتت أُكُلها كلَّ حين، فإذا بجامعة الإمام عليٍّ (عليه السلام) حديقة غنَّاء تنفح الآفاق الإسلاميَّة بعطر العلم ونسيم الحياة.
وفي غمرة من سخاء، وعلى فترة من واقعيَّة يُسدِّد القدر المحتوم رميته،

↑صفحة ٢٢↑

فإذا بالرعيل يتراجع، وإذا بالفتوح تُطوى، وإذا بعميد الجامعة رهن جدثه الطاهر، فتعطَّلت حركة العلم برهة - غير قصيرة من الزمن -، وشُلَّت الخطوات السريعة، ولا عجب، فقد فَقَدَ العلم به صاحب اللواء، وزعيم المعسكر الأوَّل، ورائد الفكر والنضج الاجتماعي، وروعة النادي ومغزى حديثه وسمره، ذلك هو شيخ الطائفة - على الإطلاق - أبو جعفر الطوسي (غمر الله جدثه الطاهر برحمته ورضوانه).
لقد حسر عمره الشريف (٧٥ عاماً) في سبيل إعلاء كلمة الحقِّ، وإحياء معالم الدِّين، وبعث الحياة والروح في أعصاب المجتمع الإسلامي، ليقف على قدميه في ميدان الصراع العقائدي، ويُثبِت للتأريخ والأجيال أنَّ سلاح العلم والإيمان أعمق وأشدّ مقاومةً من أيِّ سلاح آخر - مهما كانت نوعيَّته -.
ما أجلّ ذلك العمر المبارك الذي كان كلُّه سخاء ومعطيات في سبيل تدعيم المذهب الجعفري، رغم الطائفيَّة الهوجاء التي كانت تلعب دورها في ذلك الحين كما لمسناها من ثنايا فتنة بغداد المفضوحة.

مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)
١٤٤٤هـ

↑صفحة ٢٣↑

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المؤلِّف:
الحمد لله الذي هدانا لحمده، وجعلنا من أهله، ووفَّقنا للتمسُّك بدينه والانقياد لسبيله، ولم يجعلنا من الجاحدين لنعمته، المنكرين لطوله وفضله ومن الذين ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩].
وصلَّى الله على سيِّد أنبيائه وخاتم أصفيائه محمّد صلَّى الله عليه وعلى آله الطيِّبين، النجوم الزاهرة، والأعلام الظاهرة، الذين نتمسَّك بولايتهم، ونتعلَّق بعرى حبلهم، ونرجو الفوز بالتمسُّك بهم، وسلَّم تسليماً.
أمَّا بعد، فإنِّي مجيب إلى ما رسمه الشيخ الجليل(٢٣)، أطال الله بقاءه من إملاء كلام في غيبة صاحب الزمان، وسبب غيبته، والعلَّة التي لأجلها طالت غيبته، وامتداد استتاره، مع شدَّة الحاجة إليه وانتشار الحيل، ووقوع الهرج والمرج، وكثرة الفساد في الأرض، وظهوره في البرِّ والبحر، ولِمَ لم يظهر؟ وما المانع منه؟ وما المحوج إليه؟ والجواب عن كلِّ ما يُسئَل عن ذلك من شُبَه المخالفين، ومطاعن المعاندين.
وأنا مجيب إلى ما سأله، وممتثل ما رسمه، مع ضيق الوقت، وشعث الفكر، وعوائق الزمان، وصوارف الحدثان، وأتكلَّم بجُمَل يزول معها الريب وتنحسم به الشُّبَه ولا أُطوِّل الكلام فيه فيُمَلُّ، فإنَّ كُتُبي فيما فُصِّل في الإمامة وكُتُب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) قيل: المراد به الشيخ المفيد (رحمه الله).

↑صفحة ٢٥↑

شيوخنا مبسوطة في هذا المعنى في غاية الاستقصاء، وأتكلَّم عن كلِّ ما يُسئَل في هذا الباب من الأسئلة المختلفة، وأُردف ذلك بطرف من الأخبار الدالَّة على صحَّة ما نذكره، ليكون ذلك تأكيداً لما نذكره، وتأنيساً للمتمسِّكين بالأخبار، والمتعلِّقين بظواهر الأحوال، فإنَّ كثيراً من الناس يخفى عليهم الكلام اللطيف الذي يتعلَّق بهذا الباب، وربَّما لم يتبيَّنه، وأجعل للفريقين طريقاً إلى ما نختاره ونلتمسه، ومن الله تعالى أستمدُّ المعونة والتوفيق، فهما المرجوَّان من جهته، والمطلوبان من قِبَله، وهو حسبي ونعم الوكيل.

* * *

↑صفحة ٢٦↑

[الفصل الأوَّل]: [الكلام في الغيبة]

↑صفحة ٢٧↑

فصل: في الكلام في الغيبة:
اعلم أنَّ لنا في الكلام في غيبة صاحب الزمان (عليه السلام) طريقين:
أحدهما: أنْ نقول: إذا ثبت وجوب الإمامة في كلِّ حالٍ، وأنَّ الخلق مع كونهم غير معصومين لا يجوز أنْ يخلو من رئيس في وقت من الأوقات، وأنَّ من شرط الرئيس أنْ يكون مقطوعاً على عصمته، فلا يخلو ذلك الرئيس من أنْ يكون ظاهراً معلوماً، أو غائباً مستوراً، فإذا علمنا أنَّ كلَّ من يُدَّعى له الإمامة ظاهراً ليس بمقطوع على عصمته، بل ظاهر أفعالهم وأحوالهم ينافي العصمة، علمنا أنَّ من يُقطَع على عصمته غائب مستور.
وإذا علمنا أنَّ كلَّ من يُدَّعى له العصمة قطعاً ممَّن هو غائب من الكيسانيَّة والناووسيَّة والفطحيَّة والواقفة وغيرهم قولهم باطل، علمنا بذلك صحَّة إمامة ابن الحسن (عليه السلام) وصحَّة غيبته وولايته، ولا نحتاج إلى تكلُّف الكلام في إثبات ولادته، وسبب غيبته، مع ثبوت ما ذكرناه، لأنَّ(٢٤) الحقَّ لا يجوز خروجه عن الأُمَّة.
والطريق الثاني: أنْ نقول: الكلام في غيبة ابن الحسن (عليه السلام) فرع على ثبوت إمامته، والمخالف لنا إمَّا أنْ يُسلِّم لنا إمامته ويسأل عن سبب غيبته (عليه السلام) فنتكلَّف جوابه، أو لا يُسلِّم لنا إمامته فلا معنى لسؤاله عن غيبة من لم يثبت إمامته، ومتى نوزعنا في ثبوت إمامته دلَلنا عليها بأنْ نقول: قد ثبت وجوب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) في بعض النُّسَخ: (ولأنَّ).

↑صفحة ٢٩↑

الإمامة مع بقاء التكليف على من ليس بمعصوم في جميع الأحوال والأعصار بالأدلَّة القاهرة، وثبت أيضاً أنَّ من شرط الإمام أنْ يكون مقطوعاً على عصمته، وعلمنا أيضاً أنَّ الحقَّ لا يخرج عن الأُمَّة.
فإذا ثبت ذلك وجدنا الأُمَّة بين أقوال:
بين قائل يقول: لا إمام، فما ثبت من وجوب الإمامة في كلِّ حالٍ يُفسِد قوله.
وقائل يقول بإمامة من ليس بمقطوع على عصمته، فقوله يبطل بما دلَلنا عليه من وجوب القطع على عصمة الإمام (عليه السلام).
ومن ادَّعى العصمة لبعض من يذهب إلى إمامته، فالشاهد يشهد بخلاف قوله، لأنَّ أفعالهم الظاهرة وأحوالهم تنافي العصمة، فلا وجه لتكلُّف القول فيما نعلم ضرورةً خلافه.
ومن ادُّعيت له العصمة وذهب قوم إلى إمامته كالكيسانيَّة القائلين بإمامة محمّد بن الحنفيَّة، والناووسيَّة القائلين بإمامة جعفر بن محمّد (عليه السلام) وأنَّه لم يمت، والواقفيَّة الذين قالوا: إنَّ موسى بن جعفر (عليه السلام) لم يمت، فقولهم باطل من وجوه سنذكرها.
فصار الطريقان محتاجين إلى فساد قول هذه الفِرَق ليتمَّ ما قصدناه، ويفتقران إلى إثبات الأُصول الثلاثة التي ذكرناها من وجوب الرئاسة، ووجوب القطع على العصمة، وأنَّ الحقَّ لا يخرج عن الأُمَّة، ونحن ندلُّ على كلِّ واحدٍ من هذه الأقوال بموجز من القول، لأنَّ استيفاء ذلك موجود في كُتُبي في الإمامة على وجه لا مزيد عليه.
والغرض بهذا الكتاب ما يختصُّ الغيبة دون غيرها، والله الموفِّق لذلك بمنِّه.

↑صفحة ٣٠↑

[الدليل على وجوب الرئاسة]:
والذي يدلُّ على وجوب الرئاسة ما ثبت من كونها لطفاً في الواجبات العقليَّة فصارت واجبة، كالمعرفة التي لا يعرى مكلَّف من وجوبها عليه، ألَا ترى أنَّ من المعلوم أنَّ من ليس بمعصوم من الخلق متى خلوا من رئيس مهيب يردع المعاند، ويُؤدِّب الجاني، ويأخذ على يد المتغلِّب، ويمنع القويَّ من الضعيف، وأمنوا ذلك، وقع الفساد، وانتشر الحِيَل، وكثر الفساد، وقلَّ الصلاح، ومتى كان لهم رئيس هذه صفته كان الأمر بالعكس من ذلك، من شمول الصلاح وكثرته، وقلَّة الفساد ونزارته؟ والعلم بذلك ضروري لا يخفى على العقلاء، فمن دفعه لا يحسن مكالمته، وأجبنا عن كلِّ ما يُسئَل عن ذلك مستوفًى في (تلخيص الشافي)(٢٥) و(شرح الجُمَل)(٢٦) لا نُطوِّل بذكره هاهنا.
[اعتراض بعض على كلام المرتضى (رحمه الله) في الغيبة]:
ووجدت لبعض المتأخِّرين كلاماً اعترض به كلام المرتضى (رحمه الله) في الغيبة، وظنَّ أنَّه ظفر بطائل، فموَّه به على من ليس له قريحة ولا بصر بوجوه النظر، وأنا أتكلَّم عليه.
فقال: الكلام في الغيبة والاعتراض عليها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّا نُلزِم الإماميَّة ثبوت وجه قبح فيها أو في التكليف معها، فيلزمهم أنْ يُثبِوا أنَّ الغيبة ليس فيها وجه قبح، لأنَّ مع ثبوت وجه القبح تقبح الغيبة، وإنْ ثبت فيها وجه حسن كما نقول في قبح تكليف ما لا يطاق إنَّ فيه وجه قبح وإنْ كان فيه وجه حسن بأنْ يكون لطفاً لغيره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥) تلخيص الشافي (ج ١/ ص ٦٩/ الطريقة الأُولى).
(٢٦) شرح جُمَل العلم والعمل (ص ١٩١ و١٩٢/ وجوب الإمامة في كلِّ زمان).

↑صفحة ٣١↑

والثاني: أنَّ الغيبة تنقض طريق وجوب الإمامة في كلِّ زمان، لأنَّ كون الناس مع رئيس مهيب متصرِّف أبعد من القبيح لو اقتضى كونه لطفاً واجباً في كلِّ حالٍ، وقبح التكليف مع فقده لانتقض(٢٧) بزمان الغيبة، لأنَّا في زمان الغيبة نكون مع رئيس هذه صفته(٢٨) أبعد من القبيح، وهو دليل وجوب هذه الرئاسة، ولم يجب وجود رئيس هذه صفته(٢٩) في زمان الغيبة ولا قبح التكليف مع فقده، فقد وُجِدَ الدليل ولا مدلول، وهذا نقض الدليل.
والثالث: أنْ يقال: إنَّ الفائدة بالإمامة هي كونه مبعِّداً من القبيح على قولكم، وذلك لا يحصل مع وجوده غائباً، فلم ينفصل وجوده من عدمه، وإذا لم يختصّ وجوده غائباً بوجه الوجوب الذي ذكروه لم يقتضِ دليلكم وجوب وجوده مع الغيبة، فدليلكم مع أنَّه منتقض حيث وُجِدَ مع انبساط اليد، ولم يجب انبساط اليد مع الغيبة، فهو غير متعلِّق بوجود إمام غير منبسط اليد، ولا هو حاصل في هذه الحال.
[الجواب عن الاعتراض المزبور]:
الكلام عليه أنْ نقول:
أمَّا الفصل الأوَّل من قوله: (إنَّا نُلزِم الإماميَّة أنْ يكون في الغيبة وجه قبح) وعيد منه محض لا يقترن به حجَّة، فكان ينبغي أنْ يتبيَّن وجه القبح الذي أراد إلزامه إيَّاهم لننظر فيه ولم يفعل، فلا يتوجَّه وعيده.
وإنْ قال ذلك سائلاً على وجه: ما أنكرتم أنْ يكون فيها وجه قبح؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧) في بعض النُّسَخ: (لا ينقص)، وفي بعضها: (لا ينقض).
(٢٨) في بعض النُّسَخ: (سبيله)، وفي بعضها: (سبيله) (صفته خ ل).
(٢٩) في بعض النُّسَخ: (صفته) (سبيله خ ل).

↑صفحة ٣٢↑

فإنَّا نقول: وجوه القبح معقولة من كون الشيء ظلماً وعبثاً وكذباً ومفسدةً وجهلاً، وليس شيء من ذلك موجوداً هاهنا، فعلمنا بذلك انتفاء وجوه القبح.
فإنْ قيل: وجه القبح أنَّه لم يزح علَّة المكلَّف على قولكم، لأنَّ انبساط يده الذي هو لطف في الحقيقة والخوف من تأديبه لم يحصل، فصار ذلك إخلالاً بلطف المكلِّف فقبح لأجله.
قلنا: قد بيَّنَّا في باب وجوب الإمامة بحيث أشرنا إليه أنَّ انبساط يده (عليه السلام) والخوف من تأديبه إنَّما فات المكلَّفين لما يرجع إليهم، لأنَّهم أحوجوه إلى الاستتار بأنْ أخافوه ولم يُمكِّنوه، فأتوا من قِبَل نفوسهم.
وجرى ذلك مجرى أنْ يقول قائل: (من لم يحصل له معرفة الله تعالى في تكليفه وجه قبح)، لأنَّه لم يحصل ما هو لطف له من المعرفة، فينبغي أنْ يقبح تكليفه.
فما يقولونه هاهنا من أنَّ الكافر أُتِيَ من قِبَل نفسه، لأنَّ الله قد نصب له الدلالة على معرفته ومكَّنه من الوصول إليها، فإذا لم ينظر ولم يعرف أُتِيَ في ذلك من قِبَل نفسه ولم يُقبح ذلك تكليفه، فكذلك نقول: انبساط يد الإمام وإنْ فات المكلَّف فإنَّما أُتِيَ من قِبَل نفسه، ولو مكَّنه لظهر وانبسطت يده فحصل لطفه فلم يقبح تكليفه، لأنَّ الحجَّة عليه لا له.
وقد استوفينا نظائر ذلك في الموضع الذي أشرنا إليه، وسنذكر فيما بعد إذا عرض ما يحتاج إلى ذكره.
وأمَّا الكلام في الفصل الثاني فهو مبنيٌّ على المغالطة، ولا نقول: إنَّه لم يفهم ما أورده، لأنَّ الرجل كان فوق ذلك لكن أراد التلبيس والتمويه (في قوله)(٣٠): إنَّ دليل وجوب الرئاسة يُنتَقض بحال الغيبة، لأنَّ كون الناس مع رئيس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠) بدل ما بين القوسين في بعض النُّسَخ: (وهو قوله).

↑صفحة ٣٣↑

مهيب(٣١) متصرِّف أبعد من القبيح لو اقتضى كونه لطفاً واجباً على كلِّ حالٍ، وقبح التكليف مع فقده لانتقض(٣٢) بزمان الغيبة، [لأنَّا في زمان الغيبة](٣٣) فلم يقبح التكليف مع فقده، فقد وُجِدَ الدليل ولا مدلول وهذا نقض.
وإنَّما قلنا: إنَّه تمويه لأنَّه ظنَّ أنَّا نقول: إنَّ في حال الغيبة دليل وجوب الإمامة قائم ولا إمام فكان نقضاً، ولا نقول ذلك، بل دليلنا في حال وجود الإمام بعينه هو دليل حال غيبته، في أنَّ في الحالين الإمام لطف، فلا نقول: إنَّ زمان الغيبة خلا من وجوب رئيس، بل عندنا أنَّ الرئيس حاصل، وإنَّما ارتفع انبساط يده لما يرجع إلى المكلَّفين على ما بيَّنَّاه، لا لأنَّ انبساط يده خرج من كونه لطفاً، بل وجه اللطف به قائم، وإنَّما لم يحصل لما يرجع إلى غير الله.
فجرى مجرى أنْ يقول قائل: كيف يكون معرفة الله تعالى لطفاً مع أنَّ الكافر لا يعرف الله؟ فلمَّا كان التكليف على الكافر قائماً والمعرفة مرتفعة دلَّ على أنَّ المعرفة ليست لطفاً على كلِّ حالٍ، لأنَّها لو كانت كذلك لكان ذلك نقضاً.
وجوابنا في الإمامة كجوابهم في المعرفة من أنَّ الكافر لطفه قائم بالمعرفة، وإنَّما فوَّت نفسه بالتفريط في النظر المؤدِّي إليها، فلم يقبح تكليفه، فكذلك نقول:
الرئاسة لطف للمكلَّف في حال الغيبة، وما يتعلَّق بالله من إيجاده حاصل، وإنَّما ارتفع تصرُّفه وانبساط يده لأمر يرجع إلى المكلَّفين، فاستوى الأمران، والكلام في هذه المعنى مستوفًى أيضاً بحيث ذكرناه.
وأمَّا الكلام في الفصل الثالث من قوله: (إنَّ الفائدة بالإمامة هي كونه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١) في بعض النُّسَخ: (موجب).
(٣٢) في بعض النُّسَخ: (ينتقض) (لانتقض ظ).
(٣٣) من بعض النُّسَخ.

↑صفحة ٣٤↑

مبعِّداً من القبيح على قولكم، وذلك لم يحصل مع غيبته، فلم ينفصل وجوده من عدمه، فإذا لم يختصّ وجوده غائباً بوجه الوجوب الذي ذكروه لم يقتضِ دليلكم وجوب وجوده مع الغيبة، فدليلكم مع أنَّه منتقض حيث وُجِدَ مع انبساط اليد، ولم يجب انبساط اليد مع الغيبة، فهو غير متعلِّق بوجود إمام غير منبسط اليد ولا هو حاصل في هذه الحال).
فإنَّا نقول: إنَّه لم يفعل في هذا الفصل أكثر من تعقيد القول على طريقة المنطقيِّين من قلب المقدَّمات وردِّ بعضها على بعض، ولا شكَّ أنَّه قصد بذلك التمويه والمغالطة، وإلَّا فالأمر أوضح من أنْ يخفى.
ومتى قالت الإماميَّة: إنَّ انبساط يد الإمام لا يجب في حال الغيبة حتَّى يقول: دليلكم لا يدلُّ على وجوب إمام غير منبسط اليد، لأنَّ هذه حال الغيبة؟ بل الذي صرَّحنا به دفعة بعد أُخرى أنَّ انبساط يده واجب في الحالين، في حال ظهوره وحال غيبته، غير أنَّ حال ظهوره مُكِّن منه فانبسطت يده، وحال الغيبة لم يُمكَّن فانقبضت يده، لا أنَّ انبساط يده خرج من باب الوجوب. وبيَّنَّا أنَّ الحجة بذلك قائمة على المكلَّفين من حيث منعوه ولم يُمكِّنوه، فأتوا من قِبَل نفوسهم، وشبَّهنا ذلك بالمعرفة دفعة بعد أُخرى.
وأيضاً فإنَّا نعلم أنَّ نصب الرئيس واجب بعد الشرع لما في نصبه من اللطف، لتحمُّله للقيام بما لا يقوم به غيره، ومع هذا فليس التمكين واقعاً لأهل الحلِّ والعقد من نصب من يصلح لها خاصَّة على مذهب أهل العدل الذين كلامنا معهم، ومع هذا لا يقول أحد: إنَّ وجوب نصب الرئيس سقط الآن من حيث لم يقع التمكين منه.
فجوابنا في غيبة الإمام جوابهم في منع أهل الحلِّ والعقد من اختيار من يصلح للإمامة، ولا فرق بينهما، وإنَّما الخلاف بيننا أنَّا قلنا: علمنا ذلك عقلاً، وقالوا: ذلك معلوم شرعاً، وذلك فرق من غير موضع الجمع.

↑صفحة ٣٥↑

فإنْ قيل: أهل الحلِّ والعقد إذا لم يُمكَّنوا من اختيار من يصلح للإمامة فإنَّ الله يفعل ما يقوم مقام ذلك من الألطاف فلا يجب إسقاط التكليف، وفي الشيوخ من قال: إنَّ الإمام يجب نصبه في الشرع لمصالح دنياويَّة، وذلك غير واجب أنْ يفعل لها اللطف.
قلنا: أمَّا من قال: نصب الإمام لمصالح دنياويَّة قوله يفسد: لأنَّه لو كان كذلك لما وجب إمامته، ولا خلاف بينهم في أنَّه يجب إقامة الإمام مع الاختيار.
على أنَّ ما يقوم به الإمام من الجهاد وتولية الأُمراء والقضاة وقسمة الفيء واستيفاء الحدود والقصاصات أُمور دينيَّة لا يجوز تركها، ولو كان لمصلحة دنياويَّة لما وجب ذلك، فقوله ساقط بذلك.
وأمَّا مَنْ قال: يفعل الله ما يقوم مقامه، باطل، لأنَّه لو كان كذلك لما وجب عليه إقامة الإمام مطلقاً على كلِّ حالٍ، ولكان يكون ذلك من باب التخيير، كما نقول في فروض الكفايات. وفي علمنا بتعيين ذلك ووجوبه على كلِّ حالٍ دليل على فساد ما قالوه.
على أنَّه يلزم على الوجهين جميعاً المعرفة.
بأنْ يقال: الكافر إذا لم يحصل له المعرفة يفعل الله له ما يقوم مقامها، فلا يجب عليه المعرفة على كلِّ حالٍ.
أو يقال: إنَّ ما يحصل من الانزجار عن فعل الظلم عند المعرفة أمر دنياوي لا يجب لها المعرفة، فيجب من ذلك إسقاط وجوب المعرفة.
ومتى قيل: إنَّه لا بدل للمعرفة.
قلنا: وكذلك لا بدل للإمام على ما مضى - وذكرناه في (تلخيص الشافي)(٣٤)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤) تلخيص الشافي (ج ١/ ص ٨٧/ لا يقوم شيء من الألطاف مقام الإمامة).

↑صفحة ٣٦↑

وكذلك إنْ بيَّنوا أنَّ الانزجار من القبيح عند المعرفة أمر ديني، قلنا مثل ذلك في وجود الإمام سواء.
فإنْ قيل: لا يخلو وجود رئيس مطاع منبسط اليد من أنْ يجب على الله جميع ذلك أو يجب علينا جميعه أو يجب على الله إيجاده وعلينا بسط يده.
فإنْ قلتم: يجب جميع ذلك على الله، فإنَّه يُنتَقض بحال الغيبة، لأنَّه لم يوجد إمام منبسط اليد، وإنْ وجب علينا جميعه فذلك تكليف ما لا يطاق، لأنَّا لا نقدر على إيجاده، وإنْ وجب عليه إيجاده وعلينا بسط يده وتمكينه فما دليلكم عليه؟ مع أنَّ فيه أنَّه يجب علينا أنْ نفعل ما هو لطف للغير، وكيف يجب على زيد بسط يد الإمام لتحصيل لطف عمرو؟ وهل ذلك إلَّا نقض الأُصول؟
قلنا: الذي نقوله: إنَّ وجود الإمام المنبسط اليد إذا ثبت أنَّه لطف لنا على ما دلَلنا عليه ولم يكن إيجاده في مقدورنا لم يحسن أنْ نُكلَّف إيجاده، لأنَّه تكليف ما لا يطاق، وبسط يده وتقوية سلطانه قد يكون في مقدورنا وفي مقدور الله، فإذا لم يفعل الله تعالى علمنا أنَّه غير واجب عليه وأنَّه واجب علينا، لأنَّه لا بدَّ من أنْ يكون منبسط اليد ليتمَّ الغرض بالتكليف، وبيَّنَّا بذلك أنَّ بسط يده لو كان من فعله تعالى لقهر الخلق عليه، والحيلولة بينه وبين أعدائه وتقوية أمره بالملائكة ربَّما أدَّى إلى سقوط الغرض بالتكليف، وحصول الإلجاء، فإذاً يجب علينا بسط يده على كلِّ حالٍ وإذا لم نفعله أتينا من قِبَل نفوسنا.
فأمَّا قولهم: في ذلك إيجاب اللطف علينا للغير، غير صحيح.
لأنَّا نقول: إنَّ كلَّ من يجب عليه نصرة الإمام وتقوية سلطانه له في ذلك مصلحة تخصُّه، وإنْ كانت فيه مصلحة يرجع إلى غيره كما نقوله في أنَّ الأنبياء يجب عليهم تحمُّل أعباء النبوَّة والأداء إلى الخلق ما هو مصلحة لهم، لأنَّ لهم في القيام بذلك مصلحة تخصُّهم وإنْ كانت فيها مصلحة لغيرهم.

↑صفحة ٣٧↑

ويلزم المخالف في أهل الحلِّ والعقد بأنْ يقال: كيف يجب عليهم اختيار الإمام لمصلحة ترجع إلى جميع الأُمَّة؟ وهل ذلك إلَّا إيجاب الفعل عليهم لما يرجع إلى مصلحة غيرهم؟ فأيُّ شيء أجابوا به فهو جوابنا بعينه سواء.
فإنْ قيل: لِمَ زعمتم أنَّه يجب إيجاده في حال الغيبة؟ وهلَّا جاز أنْ يكون معدوماً؟
قلنا: إنَّما أوجبنا ذلك من حيث إنَّ تصرُّفه الذي هو لطفنا إذا لم يتمّ إلَّا بعد وجوده، وإيجاده لم يكن في مقدورنا، قلنا عند ذلك: إنَّه يجب على الله ذلك وإلَّا أدَّى إلى أنْ لا نكون مزاحي العلَّة بفعل اللطف، فنكون أتينا من قِبَله تعالى لا من قِبَلنا، وإذا أوجده ولم نُمكِّنه من انبساط يده أتينا من قِبَل نفوسنا، فحسن التكليف، وفي الأوَّل لم يحسن.
فإنْ قيل: ما الذي تريدون بتمكيننا إيَّاه؟ أتريدون أنْ نقصده ونشافهه، وذلك لا يتمُّ إلَّا مع وجوده.
قيل لكم: لا يصحُّ جميع ذلك إلَّا مع ظهوره وعلمنا أو علم بعضنا بمكانه.
وإنْ قلتم: نريد بتمكيننا أنْ نبخع لطاعته والشدِّ على يده، ونكفَّ عن نصرة الظالمين، ونقوم على نصرته متى دعانا إلى إمامته ودلَّنا عليها بمعجزته.
قلنا لكم: فنحن يمكننا ذلك في زمان الغيبة وإنْ لم يكن الإمام موجوداً فيه، فكيف قلتم لا يتمُّ ما كُلِّفناه من ذلك إلَّا مع وجود الإمام؟
قلنا: الذي نقوله في هذا الباب ما ذكره المرتضى (رحمه الله) في (الذخيرة)(٣٥) وذكرناه في (تلخيص الشافي)(٣٦) أنَّ الذي هو لطفنا من تصرُّف الإمام وانبساط يده لا يتمُّ إلَّا بأُمور ثلاثة:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥) الذخيرة في علم الكلام (ص ٤١٥).
(٣٦) تلخيص الشافي (ج ١/ ص ١٠٦).

↑صفحة ٣٨↑

أحدها يتعلَّق بالله، وهو إيجاده.
والثاني يتعلَّق به من تحمُّل أعباء الإمامة والقيام بها.
والثالث يتعلَّق بنا من العزم على نصرته، ومعاضدته، والانقياد له، فوجوب تحمُّله عليه فرع على وجوده، لأنَّه لا يجوز أنْ يتناول التكليف المعدوم، فصار إيجاد الله إيَّاه أصلاً لوجوب قيامه، وصار وجوب نصرته علينا فرعاً لهذين الأصلين، لأنَّه إنَّما يجب علينا طاعته إذا وُجِدَ، وتحمَّل أعباء الإمامة وقام بها، فحينئذٍ يجب علينا طاعته، فمع هذا التحقيق كيف يقال: لِمَ لا يكون معدوماً؟
فإنْ قيل: فما الفرق بين أنْ يكون موجوداً مستتراً حتَّى إذا علم الله منَّا تمكينه أظهره، وبين أنْ يكون معدوماً حتَّى إذا علم منَّا العزم على تمكينه أوجده؟
قلنا: لا يحسن من الله تعالى أنْ يوجب علينا تمكين من ليس بموجود، لأنَّه تكليف ما لا يطاق، فإذاً لا بدَّ من وجوده.
فإنْ قيل: يوجده الله تعالى إذا علم أنَّا ننطوي على تمكينه بزمان واحد كما أنَّه يُظهِره عند مثل ذلك.
قلنا: وجوب تمكينه والانطواء على طاعته لازم في جميع أحوالنا، فيجب أنْ يكون التمكين من طاعته والمصير إلى أمره ممكناً في جميع الأحوال وإلَّا لم يحسن التكليف، وإنَّما كان يتمُّ ذلك لو لم نكن مكلَّفين في كلِّ حالٍ لوجوب طاعته والانقياد لأمره، بل كان يجب علينا ذلك عند ظهوره، والأمر عندنا بخلافه.
ثمّ يقال لمن خالفنا في ذلك وألزمنا عدمه على استتاره: لِمَ لا يجوز أنْ يُكلِّف الله تعالى المعرفة ولا ينصب عليها دلالة إذا علم أنَّا لا ننظر فيها، حتَّى إذا علم من حالنا أنَّا نقصد إلى النظر ونعزم على ذلك أوجد الأدلَّة ونصبها، فحينئذٍ ننظر ونقول: ما الفرق بين دلالة منصوبة لا ننظر فيها وبين عدمها حتَّى إذا عزمنا على النظر فيها أوجدها الله تعالى؟

↑صفحة ٣٩↑

ومتى قالوا: نصب الأدلَّة من جملة التمكين الذي لا يحسن التكليف من دونه كالقدرة والآلة.
قلنا: وكذلك وجود الإمام (عليه السلام) من جملة التمكين من وجوب طاعته، ومتى لم يكن موجوداً لم تُمْكِنَّا طاعته، كما أنَّ الأدلَّة إذا لم تكن موجودة لم يُمْكِنَّا النظر فيها، فاستوى الأمران.
وبهذا التحقيق يسقط جميع ما يُورَد في هذا الباب من عبارات لا نرتضيها في الجواب وأسئلة المخالف عليها، وهذا المعنى مستوفًى في كُتُبي وخاصَّةً في (تلخيص الشافي)، فلا نُطوِّل بذكره.
والمثال الذي ذكره من أنَّه لو أوجب الله علينا أنْ نتوضَّأ من ماء بئر معيَّنة لم يكن لها حبل نستقي به، وقال لنا: إنْ دنوتم من البئر خلقت لكم حبلاً تستقون به [من] الماء، فإنَّه يكون مزيحاً لعلَّتنا، ومتى لم ندنُ من البئر كنَّا قد أتينا من قِبَل نفوسنا لا من قِبَله تعالى.
وكذلك لو قال السيِّد لعبده وهو بعيد منه: اشتر لي لحماً من السوق، فقال: لا أتمكَّن من ذلك، لأنَّه ليس معي ثمنه، فقال: إنْ دنوت أعطيتك ثمنه، فإنَّه يكون مزيحاً لعلَّته، ومتى لم يدنُ لأخذ الثمن يكون قد أُتِيَ من قِبَل نفسه لا من قِبَل سيِّده، وهذه حال ظهور الإمام مع تمكيننا، فيجب أنْ يكون عدم تمكيننا هو السبب في أنْ لم يظهر في هذه الأحوال لا عدمه، إذ كنَّا لو مكَّناه (عليه السلام) لوُجِدَ وظهر.
قلنا: هذا كلام من يظنُّ أنَّه يجب علينا تمكينه إذا ظهر ولا يجب علينا ذلك في كلِّ حالٍ، ورضينا بالمثال الذي ذكره، لأنَّه تعالى لو أوجب علينا الاستقاء في الحال لوجب أنْ يكون الحبل حاصلاً في الحال لأنَّ به تزاح العلَّة، لكن إذا قال: متى دنوتم من البئر خلقت لكم الحبل إنَّما هو مكلِّف للدنوِّ لا للاستقاء، فيكفي

↑صفحة ٤٠↑

القدرة على الدنوِّ في هذه الحال، لأنَّه ليس بمكلَّف للاستقاء منها، فإذا دنا من البئر صار حينئذٍ مكلَّفا للاستقاء، فيجب عند ذلك أنْ يخلق له الحبل، فنظير ذلك أنْ لا يجب علينا في كلِّ حالٍ طاعة الإمام وتمكينه، فلا يجب عند ذلك وجوده، فلمَّا كانت طاعته واجبة في الحال ولم نقف على شرطه(٣٧) ولا وقت منتظر وجب أنْ يكون موجوداً لتزاح العلَّة في التكليف ويحسن.
والجواب: عن مثال السيِّد مع غلامه مثل ذلك، لأنَّه إنَّما كلَّفه الدنوَّ منه لا الشراء، فإذا دنا منه وكلَّفه الشراء وجب عليه إعطاء الثمن.
ولهذا قلنا: إنَّ الله تعالى كلَّف من يأتي إلى يوم القيامة ولا يجب أنْ يكونوا موجودين مزاحي العلَّة، لأنَّه لم يُكلِّفهم الآن، فإذا أوجدهم وأزاح علَّتهم في التكليف بالقدرة والآلة ونصب الأدلَّة حينئذٍ تناولهم التكليف، فسقط بذلك هذه المغالطة.
على أنَّ الإمام إذا كان مكلَّفاً للقيام بالأمر وتحمُّل أعباء الإمامة كيف يجوز أنْ يكون معدوماً؟ وهل يصحُّ تكليف المعدوم عند عاقل؟ وليس لتكليفه ذلك تعلُّق بتمكيننا أصلاً، بل وجوب التمكين علينا فرع على تحمُّله على ما مضى القول فيه، وهذا واضح.
ثمّ يقال لهم: أليس النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اختفى في الشعب ثلاث سنين لم يصل إليه أحد، واختفى في الغار ثلاثة أيَّام؟ ولم يجز قياساً على ذلك أنْ يُعدِمه الله تعالى تلك المدَّة مع بقاء التكليف على الخلق الذين بعثه لطفاً لهم.
ومتى قالوا: إنَّما اختفى بعدما دعا إلى نفسه وأظهر نبوَّته فلمَّا أخافوه استتر.
قلنا: وكذلك الإمام لم يستتر إلَّا وقد أظهر آباؤه موضعه وصفته، ودلُّوا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧) في بعض النُّسَخ: (شرط).

↑صفحة ٤١↑

عليه، ثمّ لـمَّا خاف عليه أبوه الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) أخفاه وستره، فالأمران إذاً سواء.
ثمّ يقال لهم: خبِّرونا لو علم الله من حال شخص أنَّ من مصلحته أنْ يبعث الله إليه نبيًّا معيَّناً يُؤدِّي إليه مصالحه، وعلم أنَّه لو بعثه لقتله هذا الشخص، ولو مُنِعَ من قتله قهراً كان فيه مفسدة له أو لغيره، هل يحسن أنْ يُكلِّف هذا الشخص ولا يبعث إليه ذلك النبيَّ، أو لا يُكلِّف؟
فإنْ قالوا: لا يُكلِّف.
قلنا: وما المانع منه وله طريق إلى معرفة مصالحه بأنْ يُمكِّن النبيَّ من الأداء إليه؟
وإنْ قلتم: يُكلِّفه ولا يبعث إليه.
قلنا: وكيف يجوز أنْ يُكلِّفه ولم يفعل به ما هو لطف له مقدور؟
فإنْ قالوا: أُتِيَ في ذلك من قِبَل نفسه.
قلنا: هو لم يفعل شيئاً وإنَّما علم أنَّه لا يُمكِّنه، وبالعلم لا يحسن تكليفه مع ارتفاع اللطف، ولو جاز ذلك لجاز أنْ يُكلِّف ما لا دليل عليه إذا علم أنَّه لا ينظر فيه، وذلك باطل، ولا بدَّ أنْ يقال: إنَّه يبعث إلى ذلك الشخص ويوجب عليه الانقياد له ليكون مزيحاً لعلَّته، فإمَّا أنْ يمنع منه بما لا ينافي التكليف، أو يجعله بحيث لا يتمكَّن من قتله، فيكون قد أُتِيَ من قِبَل نفسه في عدم الوصول إليه، وهذه حالنا مع الإمام في حال الغيبة سواء.
فإنْ قال: لا بدَّ أنْ يُعلِمه أنَّ له مصلحة في بعثة هذا الشخص إليه على لسان غيره ليعلم أنَّه قد أُتِيَ من قِبَل نفسه.
قلنا: وكذلك أعلمنا الله على لسان نبيِّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة من آبائه (عليهم السلام) موضعه، وأوجب علينا طاعته، فإذا لم يظهر لنا علمنا أنَّا أتينا من قِبَل نفوسنا، فاستوى الأمران.

↑صفحة ٤٢↑

[الدليل على وجوب عصمة الإمام]:
وأمَّا الذي يدلُّ على الأصل الثاني وهو أنَّ من شأن الإمام أنْ يكون مقطوعاً على عصمته، فهو أنَّ العلَّة التي لأجلها احتجنا إلى الإمام ارتفاع العصمة، بدلالة أنَّ الخلق متى كانوا معصومين لم يحتاجوا إلى إمام، وإذا خلوا من كونهم معصومين احتاجوا إليه، علمنا عند ذلك أنَّ علَّة الحاجة هي ارتفاع العصمة، كما نقوله في علَّة حاجة الفعل إلى فاعل إنَّها الحدوث، بدلالة أنَّ ما يصحُّ حدوثه يحتاج إلى فاعل في حدوثه، وما لا يصحُّ حدوثه يستغني عن الفاعل، وحكمنا بذلك أنَّ كلَّ محدَث يحتاج إلى محدِث، فبمثل ذلك يجب الحكم بحاجة كلِّ من ليس بمعصوم إلى إمام وإلَّا انتقضت العلَّة، فلو كان الإمام غير معصوم لكانت علَّة الحاجة فيه قائمة واحتاج إلى إمام آخر، والكلام في إمامه كالكلام فيه، فيُؤدِّي إلى إيجاب أئمَّة لا نهاية لهم أو الانتهاء إلى معصوم وهو المراد.
وهذه الطريقة قد أحكمناها في كُتُبنا، فلا نُطوِّل بالأسئلة عليها، لأنَّ الغرض بهذا الكتاب غير ذلك، وفي هذا القدر كفاية.
[الدليل على أنَّ الحقَّ لا يـخرج عن الأمَّة]:
وأمَّا الأصل الثالث وهو أنَّ الحقَّ لا يخرج عن الأُمَّة، فهو متَّفق عليه بيننا وبين خصومنا وإنْ اختلفنا في علَّة ذلك.
لأنَّ عندنا أنَّ الزمان لا يخلو من إمام معصوم لا يجوز عليه الغلط على ما قلناه، فإذاً الحقُّ لا يخرج عن الأُمَّة لكون المعصوم فيهم.
وعند المخالف لقيام أدلَّة يذكرونها دلَّت على أنَّ الإجماع حجَّة، فلا وجه للتشاغل بذلك.
فإذا ثبتت هذه الأُصول ثبت إمامة صاحب الزمان (عليه السلام)، لأنَّ كلَّ من يقطع على ثبوت العصمة للإمام قطع على أنَّه الإمام، وليس فيهم من يقطع على

↑صفحة ٤٣↑

عصمة الإمام ويخالف في إمامته إلَّا قوم دلَّ الدليل على بطلان قولهم كالكيسانيَّة والناووسيَّة والواقفة، فإذا أفسدنا أقوال هؤلاء ثبت إمامته (عليه السلام).
[الدليل على فساد قول الكيسانيَّة]:
[أقول](٣٨): وأمَّا الذي يدلُّ على فساد قول الكيسانيَّة القائلين بإمامة محمّد ابن الحنفيَّة فأشياء:
منها: أنَّه لو كان إماماً مقطوعاً على عصمته لوجب أنْ يكون منصوصاً عليه نصًّا صريحاً، لأنَّ العصمة لا تُعلَم إلَّا بالنصِّ، وهم لا يدَّعون نصًّا صريحاً عليه وإنَّما يتعلَّقون بأُمور ضعيفة دخلت عليهم فيها شبهة لا تدلُّ على النصِّ، نحو إعطاء أمير المؤمنين (عليه السلام) إيَّاه الراية يوم البصرة، وقوله له: «أنت ابني حقًّا»، مع كون الحسن والحسين (عليهما السلام) ابنيه، وليس في ذلك دلالة على إمامته على وجه، وإنَّما يدلُّ على فضيلته ومنزلته.
على أنَّ الشيعة تروي أنَّه جرى بينه وبين عليِّ بن الحسين (عليهما السلام) كلام في استحقاق الإمامة، فتحاكما إلى الحجر، فشهد الحجر لعليِّ بن الحسين (عليهما السلام) بالإمامة، فكان ذلك معجزاً له، فسلَّم له الأمر وقال بإمامته.
١ - وَاَلْخَبَرُ بِذَلِكَ مَشْهُورٌ عِنْدَ اَلْإِمَامِيَّةِ، لِأَنَّهُمْ رَوَوْا: أَنَّ مُحَمَّدَ اِبْنَ اَلْحَنَفِيَّةِ نَازَعَ عَلِيَّ بْنَ اَلْحُسَيْنِ (عليهما السلام) فِي اَلْإِمَامَةِ وَاِدَّعَى أَنَّ اَلْأَمْرَ أُفْضِيَ إِلَيْهِ بَعْدَ أَخِيهِ اَلْحُسَيْنِ (عليه السلام)، فَنَاظَرَهُ عَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ (عليه السلام) وَاِحْتَجَّ عَلَيْهِ بِآيٍ مِنَ اَلْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأُولُوا الْأَرحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وَأَنَّ هَذِهِ اَلْآيَةَ جَرَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ (عليهما السلام) وَوُلْدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «أُحَاجُّكَ إِلَى اَلْحَجَرِ اَلْأَسْوَدِ».
فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تُحَاجُّنِي إِلَى حَجَرٍ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُجِيبُ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨) من بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ١٧٨).

↑صفحة ٤٤↑

فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا، فَمَضَيَا حَتَّى اِنْتَهَيَا إِلَى اَلْحَجَرِ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ (عليه السلام) لِمُحَمَّدِ اِبْنِ اَلْحَنَفِيَّةِ: «تَقَدَّمْ فَكَلِّمْهُ».
فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ وَوَقَفَ حِيَالَهُ وَتَكَلَّمَ ثُمَّ أَمْسَكَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ عَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ (عليه السلام)، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ اَلمَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ اَلْعَظَمَةِ»، ثُمَّ دَعَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ: «لَـمَّا أَنْطَقْتَ هَذَا اَلْحَجَرَ»، ثُمَّ قَالَ: «أَسْأَلُكَ بِالَّذِي جَعَلَ فِيكَ مَوَاثِيقَ اَلْعِبَادِ(٣٩) وَاَلشَّهَادَةَ لِمَنْ وَافَاكَ لَـمَّا أَخْبَرْتَ لِمَنِ اَلْإِمَامَةُ وَاَلْوَصِيَّةُ».
فَتَزَعْزَعَ اَلْحَجَرُ حَتَّى كَادَ أَنْ يَزُولَ، ثُمَّ أَنْطَقَهُ اَللهُ تَعَالَى فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، سَلِّمِ اَلْإِمَامَةَ لِعَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ، فَرَجَعَ مُحَمَّدٌ عَنْ مُنَازَعَتِهِ وَسَلَّمَهَا إِلَى عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ (عليهما السلام)(٤٠)،(٤١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩) قال المولى المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج ٦/ ص ٢٩٠ و٢٩١): (إشارة إلى ما ثبت بالنصوص المعتبرة من أنَّ الله تعالى لـمَّا أخذ من ابن آدم الميثاق له بالربوبيَّة، ولمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالنبوَّة، ولأوصيائه بالإمامة جعل تلك المواثيق وديعة عند الحجر، وكان مَلَكاً عظيم الشأن، وكان شديد المحبَّة لمحمّد وآله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثمّ جعله في صورة دُرَّة بيضاء ووضعه في ذلك المكان وأمر الخلق بإتيانه وتجديد العهد والميثاق عنده، وهو يجيء يوم القيامة وله لسان ناطق وعين ناظرة يشهد لكلِّ من وافاه إلى ذلك المكان وحفظ الميثاق).
(٤٠) رواه بألفاظ متقاربة الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (٥٢٢/ ج ١٠/ باب ١٧/ ح ٣) بإسناده عن عليِّ ابن رئاب عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وزرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٤٨/ باب ما يفصل بين دعوى المحقِّ والمبطل في أمر الإمامة/ ح ٥) بإسناده عن أبي عبيدة وزرارة جميعاً عن أبي جعفر (عليه السلام)، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ١٧٢ و١٧٣)، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ١/ ص ٤٨٥)، وابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٢٨٨) عن نوادر الحكمة لمحمّد بن يحيى مختصراً، والراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ١/ ص ٢٥٧ و٢٥٨/ ح ٣)، وأحمد بن عليٍّ الطبرسي (رحمه الله) في الاحتجاج (ج ٢/ ص ٤٦ و٤٧).
ويأتي الإشارة إلى هذا الحديث في (ص ٢٣٤)، فانتظر.
(٤١) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٤/ ص ٨٦ و٨٧): (اعلم أنَّ الأخبار في حال محمّد بن الحنفيَّة مختلفة، فمنها ما يؤول على جلالة قدره كما هو المشهور عند الإماميَّة، ومنها ما يدلُّ على صدور بعض الزلَّات منه، وهذا الخبر منها، فإنَّ ادِّعاء الإمامة بغير حقٍّ كفر، لاسيّما مع العلم بالإمام، فإنَّه ظاهر أنَّه كان قد سمع مراراً من أبيه وأخويه (عليهم السلام) النصَّ على الاثني عشر (عليهم السلام)، وقد مرَّ أنَّه كان حاضراً عند وصيَّة أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد نصَّ على عليِّ بن الحسين (عليه السلام) بمحضره، وقد يُأوَّل هذا بأنَّ هذه الدعوى كان على سبيل المصلحة لئلَّا تنخدع ضعفة الشيعة بأنَّه أكبر وأقرب وأولى بالإمامة. وتأخُّره عن الحسين (صلوات الله عليه) أيضاً مما يُطعَن به فيه، ويحتمل أنْ يكون رخَّصه (عليه السلام) لبعض المصالح. وأمَّا ادِّعاء المختار وأصحابه من الكيسانيَّة إمامته ومهدويَّته وغيبته فالظاهر أنَّها كانت بغير رضاه، بل بغير خبره واطِّلاعه. وبالجملة حسن القول فيهم أو ترك التعرُّض لهم أحسن من القدح فيهم، والله يعلم. وروى الطبرسي وابن شهرآشوب عن المبرَّد في الكامل قال: قال أبو خالد الكابلي لمحمّد بن الحنفية: أتخاطب ابن أخيك بما لا يخاطبك بمثله؟ فقال: إنَّه حاكمني إلى الحجر الأسود وزعم أنَّه يُنطِقه، فصرت معه إلى الحجر فسمعت الحجر يقول: سلِّم الأمر إلى ابن أخيك فإنَّه أحقّ منك. فصار أبو خالد إماميًّا).

↑صفحة ٤٥↑

ومنها: تواتر الشيعة الإماميَّة بالنصِّ عليه من أبيه وجدِّه، وهي موجودة في كُتُبهم في الأخبار لا نُطوِّل بذكرها الكتاب.
ومنها: الأخبار الواردة عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من جهة الخاصَّة والعامَّة على ما سنذكره فيما بعد بالنصِّ على إمامة الاثني عشر، وكلُّ من قال بإمامتهم قطع على وفاة محمّد بن الحنفيَّة وسياقة الإمامة إلى صاحب الزمان (عليه السلام).
ومنها: انقراض هذه الفرقة فإنَّه لم يبقَ في الدنيا في وقتنا ولا قبله بزمان طويل قائل يقول به، ولو كان ذلك حقًّا لما جاز انقراضه.
فإنْ قيل: كيف يُعلَم انقراضهم؟ وهلَّا جاز أنْ يكون في بعض البلاد البعيدة وجزائر البحر وأطراف الأرض أقوام يقولون بهذا القول كما يجوز أنْ يكون في أطراف الأرض من يقول بمذهب الحسن(٤٢) في أنَّ مرتكب الكبيرة منافق؟ فلا يمكن ادِّعاء انقراض هذه الفرقة، وإنَّما كان يمكن العلم بذلك لو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٢) أي الحسن البصري.

↑صفحة ٤٦↑

كان المسلمون فيهم قلَّة والعلماء محصورين، فأمَّا وقد انتشر الإسلام وكثر العلماء، فمن أين يُعلَم ذلك؟
قلنا: هذا يُؤدِّي إلى أنْ لا يمكن العلم بإجماع الأُمَّة على قول ولا مذهب بأنْ يقال: لعلَّ في أطراف الأرض من يخالف ذلك، ويلزم أنْ يجوز أنْ يكون في أطراف الأرض من يقول: إنَّ البرد(٤٣) لا يُنقِض الصوم، وإنَّه يجوز للصائم أنْ يأكل إلى طلوع الشمس، لأنَّ الأوَّل كان مذهب أبي طلحة الأنصاري، والثاني مذهب حذيفة والأعمش، وكذلك مسائل كثيرة من الفقه كان الخلف فيها واقعاً بين الصحابة والتابعين، ثمّ زال الخلف فيما بعد، واجتمع أهل الأعصار على خلافه، فينبغي أنْ يُشَكَّ في ذلك ولا نثق بالإجماع على مسألة سبق الخلاف فيها، وهذا طعن من يقول: إنَّ الإجماع لا يمكن معرفته ولا التوصُّل إليه، والكلام في ذلك لا يختصُّ هذه المسألة، فلا وجه لإيراده هنا.
ثمّ إنَّا نعلم أنَّ الأنصار طلبت الإمرة ودفعهم المهاجرون عنها، ثمّ رجعت الأنصار إلى قول المهاجرين على قول المخالف، فلو أنَّ قائلاً قال: يجوز عقد الإمامة لمن كان من الأنصار لأنَّ الخلاف سبق فيه، ولعلَّ في أطراف الأرض من يقول به، فما كان يكون جوابهم فيه؟ فأيُّ شيء قالوه فهو جوابنا بعينه، فلا نُطوِّل بذكره.
فإنْ قيل: إذا كان الإجماع عندكم إنَّما يكون حجَّة بكون المعصوم فيه، فمن أين تعلمون دخول قوله في جملة أقوال الأُمَّة؟ وهلَّا جاز أنْ يكون قوله منفرداً عنهم فلا تثقون بالإجماع؟
قلنا: المعصوم إذا كان من جملة علماء الأُمَّة فلا بدَّ من أنْ يكون قوله موجوداً في جملة أقوال العلماء، لأنَّه لا يجوز أنْ يكون منفرداً مظهراً للكفر فإنَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣) في بعض النُّسَخ: (التبرُّد) (البرد خ ل).

↑صفحة ٤٧↑

ذلك لا يجوز عليه، فإذاً لا بدَّ [من] أنْ يكون قوله في جملة الأقوال، وإنْ شككنا في أنَّه الإمام.
فإذا اعتبرنا أقوال الأُمَّة ووجدنا بعض العلماء يخالف فيه، فإنْ كنَّا نعرفه ونعرف مولده ومنشأه لم نعتد بقوله، لعلمنا أنَّه ليس بإمام، وإنْ شككنا في نسبه لم تكن المسألة إجماعاً.
فعلى هذا أقوال العلماء من الأُمَّة اعتبرناها فلم نجد فيهم قائلاً بهذا المذهب الذي هو مذهب الكيسانيَّة أو الواقفة، وإنْ وجدنا فرضاً واحداً أو اثنين فإنَّا نعلم منشأه ومولده، فلا يُعتَد بقوله، واعتبرنا أقوال الباقين الذين نقطع على كون المعصوم فيهم، فسقطت هذه الشبهة على هذا التحرير وبان وهنها.
[الدليل على فساد قول الناووسيَّة]:
فأمَّا القائلون بإمامة جعفر بن محمّد (عليه السلام) من الناووسيَّة، وأنَّه حيٌّ لم يمت، وأنَّه المهدي، فالكلام عليهم ظاهر، لأنَّا نعلم موت جعفر بن محمّد (عليه السلام) كما نعلم موت أبيه وجدِّه (عليهما السلام)، وقتل عليٍّ (عليه السلام)، وموت النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلو جاز الخلاف فيه لجاز الخلاف في جميع ذلك، ويُؤدِّي إلى قول الغلاة والمفوِّضة الذين جحدوا قتل عليٍّ والحسين (عليهما السلام)، وذلك سفسطة.
وسنُشبِع الكلام في ذلك عند الكلام على الواقفة والناووسيَّة إنْ شاء الله تعالى.
الكلام على الواقفة:
وأمَّا الذي يدلُّ على فساد مذهب الواقفة الذين وقفوا في إمامة أبي الحسن موسى (عليه السلام) وقالوا: (إنَّه المهدي)، فقولهم باطل بما ظهر من موته (عليه السلام)، واشتهر واستفاض، كما اشتهر موت أبيه وجدِّه ومن تقدَّم من آبائه (عليهم السلام).

↑صفحة ٤٨↑

ولو شككنا لم ننفصل من الناووسيَّة والكيسانيَّة والغلاة والمفوِّضة الذين خالفوا في موت من تقدَّم من آبائه (عليهم السلام).
على أنَّ موته اشتهر ما لم يشتهر موت أحد من آبائه (عليهم السلام)، لأنَّه أُظهر وأُحِضَر القضاة والشهود، ونودي عليه ببغداد على الجسر وقيل: (هذا الذي تزعم الرافضة أنَّه حيٌّ لا يموت مات حتف أنفه)، وما جرى هذا المجرى لا يمكن الخلاف فيه.
٢ - فَرَوَى يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ، قَالَ: حَضَرَ اَلْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ اَلرَّوَّاسِيُّ جِنَازَةَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام)، فَلَمَّا وُضِعَ عَلَى شَفِيرِ اَلْقَبْرِ، إِذَا رَسُولٌ مِنْ سِنْدِيِّ بْنِ شَاهَكَ قَدْ أَتَى أَبَا اَلمَضَا خَلِيفَتَهُ - وَكَانَ مَعَ اَلْجِنَازَةِ - أَنِ اِكْشِفْ وَجْهَهُ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ تَدْفِنَهُ حَتَّى يَرَوْهُ صَحِيحاً لَمْ يَحْدُثْ بِهِ حَدَثٌ.
قَالَ: وَكَشَفَ عَنْ وَجْهِ مَوْلَايَ حَتَّى رَأَيْتُهُ وَعَرَفْتُهُ، ثُمَّ غُطِّي وَجْهُهُ وَأُدْخِلَ قَبْرَهُ (صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ).
٣ - وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ اَلْعُبَيْدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي رَحِيمُ(٤٤) أُمُّ وَلَدِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ - وَكَانَتِ اِمْرَأَةً حُرَّةً فَاضِلَةً قَدْ حَجَّتْ نَيِّفاً وَعِشْرِينَ حِجَّةً -، عَنْ سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي اَلْحَسَنِ (عليه السلام) - وَكَانَ يَخْدُمُهُ فِي اَلْحَبْسِ وَيَخْتَلِفُ فِي حَوَائِجِهِ - أَنَّهُ حَضَرَهُ حِينَ مَاتَ كَمَا يَمُوتُ اَلنَّاسُ مِنْ قُوَّةٍ إِلَى ضَعْفٍ إِلَى أَنْ قَضَى (عليه السلام).
٤ - وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ اَلْبَرْقِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ(٤٥) اَلمُهَلَّبِيِّ، قَالَ: لَـمَّا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤) في بعض النُّسَخ: (رحيمة).
(٤٥) في بعض النُّسَخ: (عبَّاد) (غياث خ ل)، وفي بعضها: (غياث)، ولم نجد في كُتُب الرجال ترجمة لمحمّد بن غياث المهلبي، بل الموجود في تاريخ بغداد (ج ٣/ ص ١٧٥/ الرقم ١١٩٧)، وسِيَر أعلام النبلاء (ج ١٠/ ص ١٨٩ و١٩٠/ الرقم ٣٩)، والنجوم الزاهرة (ج ٢/ ص ٢١٧)، والأنساب للسمعاني (ج ٥/ ص ٤١٩)، ورغبة الأمل (ج ٤/ ص ١٣٨): (محمّد بن عبَّاد بن عبَّاد بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي محدِّث البصرة)، واختلفوا في تاريخ وفاته بين (٢١٤ و٢١٦ و٢٢٣هـ)، وقال السمعاني: (إنَّ لمهلب بن أبي صفرة أمير خراسان عشرة أولاد، أحدهم المترجَم له، ولم يذكر منها محمّد بن غياث).

↑صفحة ٤٩↑

حَبَسَ هَارُونُ اَلرَّشِيدُ أَبَا إِبْرَاهِيمَ مُوسَى (عليه السلام) وَأَظْهَرَ اَلدَّلَائِلَ وَاَلمُعْجِزَاتِ وَهُوَ فِي اَلْحَبْسِ تَحَيَّرَ اَلرَّشِيدُ، فَدَعَا يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ اَلْبَرْمَكِيَّ(٤٦)، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَلِيٍّ، أَمَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ اَلْعَجَائِبِ؟ أَلَا تُدَبِّرُ فِي أَمْرِ هَذَا اَلرَّجُلِ تَدْبِيراً يُرِيحُنَا مِنْ غَمِّهِ؟
فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ اَلْبَرْمَكِيُّ: اَلَّذِي أَرَاهُ لَكَ يَا أَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ أَنْ تَمُنَّنَّ عَلَيْهِ وَتَصِلَ(٤٧) رَحِمَهُ فَقَدْ - وَاَلله - أَفْسَدَ عَلَيْنَا قُلُوبَ شِيعَتِنَا. وَكَانَ يَحْيَى يَتَوَلَّاهُ، وَهَارُونُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ.
فَقَالَ هَارُونُ: اِنْطَلِقْ إِلَيْهِ وَأَطْلِقْ عَنْهُ اَلْحَدِيدَ، وَأَبْلِغْهُ عَنِّي اَلسَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ اِبْنُ عَمِّكَ: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي فِيكَ يَمِينٌ عَنِّي لَا أُخَلِّيكَ حَتَّى تُقِرَّ لِي بِالْإِسَاءَةِ، وَتَسْأَلَنِي اَلْعَفْوَ عَمَّا سَلَفَ مِنْكَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ فِي إِقْرَارِكَ عَارٌ، وَلَا فِي مَسْأَلَتِكَ إِيَّايَ مَنْقَصَةٌ، وَهَذَا يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ (هُوَ)(٤٨) ثِقَتِي وَوَزِيرِي وَصَاحِبُ أَمْرِي، فَسَلْهُ بِقَدْرِ مَا أَخْرُجُ مِنْ يَمِينِي وَاِنْصَرِفْ رَاشِداً(٤٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦) هو يحيى بن خالد بن برمك، أبو الفضل، الوزير السرِّي الجواد، سيِّد بني برمك وأفضلهم، وهو مؤدِّب رشيد العبَّاسي ومعلِّمه، وُلِدَ في سنة (١٢٠هـ)، وتُوفِّي سنة (١٩٠هـ).
راجع: الأعلام للزركلي (ج ٨/ ص ١٤٤)، ووفيات الأعيان لابن خلِّكان (ج ٦/ ص ٢١٩ - ٢٢٩/ الرقم ٨٠٦)، وتاريخ بغداد (ج ١٤/ ص ١٣٣ - ١٣٦/ الرقم ٧٤٥٩)، وغيرها من كُتُب التراجم.
(٤٧) في بعض النُّسَخ: (وتصل عليه رحمه).
(٤٨) ليس في بعض النُّسَخ.
(٤٩) رواه ابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٤٠٨ و٤٠٩) مختصراً.

↑صفحة ٥٠↑

٥ - قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ(٥٠): فَأَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ أَنَّ أَبَا إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) قَالَ لِيَحْيَى: «يَا أَبَا عَلِيٍّ، أَنَا مَيِّتٌ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مِنْ أَجَلِي أُسْبُوعٌ، اُكْتُمْ مَوْتِي وَاِئْتِنِي يَوْمَ اَلْجُمُعَةِ عِنْدَ اَلزَّوَالِ، وَصَلِّ عَلَيَّ أَنْتَ وَأَوْلِيَائِي فُرَادَى، وَاُنْظُرْ إِذَا سَارَ هَذَا اَلطَّاغِيَةُ إِلَى اَلرَّقَّةِ، وَعَادَ إِلَى اَلْعِرَاقِ لَا يَرَاكَ وَلَا تَرَاهُ لِنَفْسِكَ، فَإِنِّي رَأَيْتُ فِي نَجْمِكَ وَنَجْمِ وُلْدِكَ وَنَجْمِهِ أَنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ، فَاحْذَرُوهُ»، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا عَلِيٍّ، أَبْلِغْهُ عَنِّي: يَقُولُ لَكَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ: رَسُولِي يَأْتِيكَ يَوْمَ اَلْجُمُعَةِ فَيُخْبِرُكَ بِمَا تَرَى، وَسَتَعْلَمُ غَداً إِذَا جَاثَيْتُكَ بَيْنَ يَدَيِ اَلله مَنِ اَلظَّالِمُ وَاَلمُعْتَدِي عَلَى صَاحِبِهِ، وَاَلسَّلَامُ».
فَخَرَجَ يَحْيَى مِنْ عِنْدِهِ، وَاِحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ اَلْبُكَاءِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى هَارُونَ فَأَخْبَرَهُ بِقِصَّتِهِ وَمَا رَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ هَارُونُ: إِنْ لَمْ يَدَّعِ اَلنُّبُوَّةَ بَعْدَ أَيَّامٍ فَمَا أَحْسَنَ حَالَنَا.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ اَلْجُمُعَةِ تُوُفِّيَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام)، وَقَدْ خَرَجَ هَارُونُ إِلَى اَلمَدَائِنِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأُخْرِجَ إِلَى اَلنَّاسِ حَتَّى نَظَرُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ دُفِنَ (عليه السلام) وَرَجَعَ اَلنَّاسُ، فَافْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ تَقُولُ: مَاتَ، وَفِرْقَةٌ تَقُولُ: لَمْ يَمُتْ(٥١)،(٥٢).
٦ - وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبْدُونٍ(٥٣) سَمَاعاً وَقِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو اَلْفَرَجِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠) في بعض النُّسَخ: (عبَّاد) (غياث خ ل).
(٥١) أي فرقة تقول: مات حتف أنفه، وفرقة تقول: لم يمت بل قُتِلَ بالسُّمِّ.
(٥٢) رواه ابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٤٠٩) مختصراً.
(٥٣) قال النجاشي في رجاله (ص ٨٧/ الرقم ٢١١): (أحمد بن عبد الواحد بن أحمد البزَّاز، أبو عبد الله، شيخنا، المعروف بابن عبدون).
وعدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (٤١٣ و٤١٤/ الرقم ٥٩٨٨/٦٩) فيمن لم يرو عنهم (عليهم السلام)، وترحَّم عليه في الفهرست (ص ١٦٩ و١٧٠/ الرقم ٤٤٥/١٣) في ترجمة عبد الله بن أبي زيد الأنباري.

↑صفحة ٥١↑

عَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ اَلْأَصْبَهَانِيُّ(٥٤)، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اَلله بْنِ عَمَّارٍ(٥٥)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلنَّوْفَلِيُّ(٥٦)، عَنْ أَبِيهِ.
قَالَ اَلْأَصْبَهَانِيُّ: وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ اَلْحَسَنِ اَلْعَلَوِيُّ(٥٧)، وَحَدَّثَنِي غَيْرُهُمَا بِبَعْضِ قِصَّتِهِ، وَجَمَعْتُ ذَلِكَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، قَالُوا: كَانَ اَلسَّبَبُ فِي أَخْذِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليهما السلام) أَنَّ اَلرَّشِيدَ جَعَلَ اِبْنَهُ فِي حِجْرِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْأَشْعَثِ، فَحَسَدَهُ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ اَلْبَرْمَكِيُّ، وَقَالَ: إِنْ أَفْضَتِ اَلْخِلَافَةُ إِلَيْهِ زَالَتْ دَوْلَتِي وَدَوْلَةُ وُلْدِي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٤) قال المؤلِّف (رحمه الله) في الفهرست (ص ٢٨٠ و٢٨١/ الرقم ٨٩٩/٧٨): (أبو الفرج الأصبهاني زيدي المذهب، له كتاب الأغاني كبير، ومقاتل الطالبيِّين، وغير ذلك من الكُتُب).
وهو عليُّ بن الحسين بن محمّد القرشي، أصبهاني الأصل بغدادي المنشأ، وُلِدَ في سنة (٢٨٤هـ)، وتُوفِّي سنة (٣٥٦هـ)، وقد نصَّ على تشيُّعه أكثر من ترجم له، كالذهبي في المغني في الضعفاء (ج ٢/ص ٨٢/الرقم ٤٢٤٩)، وفي ميزان الاعتدال (ج ٣/ص ١٢٣ و١٢٤/الرقم ٥٨٢٥).
(٥٥) في تاريخ بغداد (ج ٥/ ص ٦/ الرقم ٢٢٩٩): (أحمد بن عبيد الله بن عمَّار، أبو العبَّاس الثقفي الكاتب، المعروف بحمار العُزَير، له مصنَّفات في مقاتل الطالبيِّين وغير ذلك، وكان يتشيَّع...، تُوفِّي أبو العبَّاس أحمد بن عبيد الله بن محمّد بن عمَّار في شهر ربيع الأوَّل من سنة أربع عشرة وثلاثمائة).
وفي لسان الميزان (ج ١/ ص ٢١٩/ الرقم ٦٨٢): (أحمد بن عبيد الله بن محمّد بن عمَّار المعروف بحمار العُزَير، من رؤوس الشيعة).
وفي هديَّة العارفين (ج ١/ ص ٥٨): (أحمد بن عبيد الله بن محمّد بن عماد أبو العبَّاس الثقفي البغدادي، تُوفِّي سنة (٣١٩هـ))، وذكر له كُتُباً منها: كتاب المبيضَّة في أخبار مقاتل آل أبي طالب.
(٥٦) عدَّه البرقي (رحمه الله) في رجاله (ص ٦٠)، والمؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٨٨/ الرقم ٥٧١٥/١٢) من أصحاب الهادي (عليه السلام).
(٥٧) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله فيمن لم يرو عنهم (عليهم السلام) قائلاً: (يحيى بن الحسن العلوي، له كتاب نسب آل أبي طالب).
وفي بعض النُّسَخ: (محمّد بن الحسن العلوي)، ولم نجد له ترجمة في كُتُب الرجال، وما أثبتناه من مقاتل الطالبيِّين.

↑صفحة ٥٢↑

فَاحْتَالَ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ - وَكَانَ يَقُولُ بِالْإِمَامَةِ - حَتَّى دَاخَلَهُ وَأَنِسَ إِلَيْهِ. وَكَانَ يُكْثِرُ غِشْيَانَهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَيَقِفُ عَلَى أَمْرِهِ، فَيَرْفَعُهُ إِلَى اَلرَّشِيدِ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ بِمَا يَقْدَحُ فِي قَلْبِهِ. ثُمَّ قَالَ يَوْماً لِبَعْضِ ثِقَاتِهِ: تُعَرِّفُونَ لِي رَجُلاً مِنْ آلِ أَبِي طَالِبٍ لَيْسَ بِوَاسِعِ اَلْحَالِ يُعَرِّفُنِي مَا أَحْتَاجُ [إِلَيْهِ](٥٨)؟
فَدُلَّ عَلَى عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَحَمَلَ إِلَيْهِ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ مَالاً، وَكَانَ مُوسَى (عليه السلام) يَأْنَسُ إِلَيْهِ وَيَصِلُهُ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إِلَيْهِ بِأَسْرَارِهِ كُلِّهَا، فَكَتَبَ لِيُشْخِصَ بِهِ، فَأَحَسَّ مُوسَى (عليه السلام) بِذَلِكَ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: «إِلَى أَيْنَ يَا اِبْنَ أَخِي؟».
قَالَ: إِلَى بَغْدَادَ.
قَالَ: «مَا تَصْنَعُ؟».
قَالَ: عَلَيَّ دَيْنٌ، وَأَنَا مُمْلِقٌ(٥٩).
قَالَ: «فَأَنَا أَقْضِي دَيْنَكَ وَأَفْعَلُ بِكَ وَأَصْنَعُ»، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى ذَلِكَ.
فَقَالَ لَهُ: «اُنْظُرْ يَا اِبْنَ أَخِي، لَا تُؤتِمْ أَوْلَادِي»، وَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ وَأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا قَامَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، قَالَ أَبُو اَلْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) لِمَنْ حَضَرَهُ: «وَاَلله لَيَسْعَيَنَّ فِي دَمِي، وَيُؤتِمَنَّ أَوْلَادِي».
فَقَالُوا لَهُ: جَعَلَنَا اَللهُ فِدَاكَ، فَأَنْتَ تَعْلَمُ هَذَا مِنْ حَالِهِ وَتُعْطِيهِ وَتَصِلُهُ؟!
فَقَالَ لَهُمْ: «نَعَمْ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَنَّ اَلرَّحِمَ إِذَا قُطِعَتْ فَوُصِلَتْ قَطَعَهَا اَللهُ».
فَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَتَّى أَتَى إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، فَتَعَرَّفَ مِنْهُ خَبَرَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٨) من مقاتل الطالبيِّين.
(٥٩) في العين للفراهيدي (ج ٥/ ص ١٧٤/ مادَّة ملق): (الإملاق: كثرة إنفاق المال والتبذير حتَّى يورث حاجة).

↑صفحة ٥٣↑

مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليه السلام) وَرَفَعَهُ إِلَى اَلرَّشِيدِ، وَزَادَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: إِنَّ اَلْأَمْوَالَ تُحْمَلُ إِلَيْهِ مِنَ اَلمَشْرِقِ وَاَلمَغْرِبِ، وَإِنَّ لَهُ بُيُوتَ أَمْوَالٍ، وَإِنَّهُ اِشْتَرَى ضَيْعَةً بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ فَسَمَّاهَا: اَلْيَسِيرَةَ، وَقَالَ لَهُ صَاحِبُهَا وَقَدْ أَحْضَرَ اَلمَالَ: لَا آخُذُ هَذَا اَلنَّقْدَ، وَلَا آخُذُ إِلَّا نَقْدَ كَذَا(٦٠)، فَأَمَرَ بِذَلِكَ اَلمَالِ فَرُدَّ، وَأَعْطَاهُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ مِنَ اَلنَّقْدِ اَلَّذِي سَأَلَ بِعَيْنِهِ.
فَرَفَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَى اَلرَّشِيدِ، فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ يُسَبَّبُ لَهُ(٦١) عَلَى بَعْضِ اَلنَّوَاحِي، فَاخْتَارَ كُوَرَ اَلمَشْرِقِ، وَمَضَتْ رُسُلُهُ لِتَقْبِضَ اَلمَالَ، وَدَخَلَ هُوَ فِي بَعْضِ اَلْأَيَّامِ إِلَى اَلْخَلَإِ فَزَحَرَ زَحْرَةً(٦٢) خَرَجَتْ مِنْهَا حِشْوَتُهُ(٦٣) [كُلُّهَا](٦٤) فَسَقَطَ، وَجَهَدُوا فِي رَدِّهَا فَلَمْ يَقْدِرُوا، فَوَقَعَ لِمَا بِهِ وَجَاءَهُ اَلمَالُ وَهُوَ يَنْزِعُ، فَقَالَ: مَا أَصْنَعُ بِهِ وَأَنَا فِي اَلمَوْتِ؟
وَحَجَّ اَلرَّشِيدُ فِي تِلْكَ اَلسَّنَةِ، فَبَدَأَ بِقَبْرِ اَلنَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَلله، إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ شَيْءٍ أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَهُ، أُرِيدُ أَنْ أَحْبِسَ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ اَلتَّشْتِيتَ بِأُمَّتِكَ وَسَفْكَ دِمَائِهَا.
ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُخِذَ مِنَ اَلمَسْجِدِ فَأُدْخِلَ إِلَيْهِ فَقَيَّدَهُ، وَأُخْرِجَ مِنْ دَارِهِ بَغْلَانِ عَلَيْهِمَا قُبَّتَانِ مُغَطَّاتَانِ هُوَ (عليه السلام) فِي إِحْدَاهُمَا، وَوَجَّهَ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا خَيْلاً،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٠) في بعض النُّسَخ: (كذا وكذا).
(٦١) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٤٨/ ص ٢٣٥): (قوله: (يُسبَّب له): أي يُكتَب له فإنَّ الكتاب سبب لتحصيل المال).
وفي بعض النُّسَخ: (يسب له).
(٦٢) في القاموس المحيط (ج ٢/ص ٣٨): (الزحير والزحار والزحارة: ... استطلاق البطن بشدَّة).
(٦٣) في الصحاح للجوهري (ج ٦/ ص ٢٣١٣/ مادَّة حشا): (حشوة البطن وحشوته - بالكسر والضمِّ -: أمعاؤه).
(٦٤) من مقاتل الطالبيِّين.

↑صفحة ٥٤↑

فَأَخَذَ بِوَاحِدَةٍ عَلَى طَرِيقِ اَلْبَصْرَةِ، وَاَلْأُخْرَى عَلَى طَرِيقِ اَلْكُوفَةِ، لِيُعَمِّيَ عَلَى اَلنَّاسِ أَمْرَهُ، وَكَانَ فِي اَلَّتِي مَضَتْ إِلَى اَلْبَصْرَةِ، وَأَمَرَ اَلرَّسُولَ أَنْ يُسَلِّمَهُ إِلَى عِيسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ اَلمَنْصُورِ، وَكَانَ عَلَى اَلْبَصْرَةِ حِينَئِذٍ، فَمَضَى بِهِ، فَحَبَسَهُ عِنْدَهُ سَنَةً.
ثُمَّ كَتَبَ إِلَى اَلرَّشِيدِ أَنْ خُذْهُ مِنِّي وَسَلِّمْهُ إِلَى مَنْ شِئْتَ وَإِلَّا خَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَقَدِ اِجْتَهَدْتُ بِأَنْ أَجِدَ عَلَيْهِ حُجَّةً، فَمَا أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى إِنِّي لَأَتَسَمَّعُ عَلَيْهِ إِذَا دَعَا لَعَلَّهُ يَدْعُو عَلَيَّ أَوْ عَلَيْكَ، فَمَا أَسْمَعُهُ يَدْعُو إِلَّا لِنَفْسِهِ يَسْأَلُ اَلرَّحْمَةَ وَاَلمَغْفِرَةَ.
فَوَجَّهَ مَنْ تَسَلَّمَهُ مِنْهُ، وَحَبَسَهُ عِنْدَ اَلْفَضْلِ بْنِ اَلرَّبِيعِ بِبَغْدَادَ، فَبَقِيَ عِنْدَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَأَرَادَ اَلرَّشِيدُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ فَأَبَى، فَكَتَبَ بِتَسْلِيمِهِ إِلَى اَلْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى، فَتَسَلَّمَهُ مِنْهُ، وَأَرَادَ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَبَلَغَهُ أَنَّهُ عِنْدَهُ فِي رَفَاهِيَةٍ وَسَعَةٍ وَهُوَ حِينَئِذٍ بِالرَّقَّةِ، فَأَنْفَذَ مَسْرُورَ اَلْخَادِمِ إِلَى بَغْدَادَ عَلَى اَلْبَرِيدِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليه السلام) فَيَعْرِفَ خَبَرَهُ، فَإِنْ كَانَ اَلْأَمْرُ عَلَى مَا بَلَغَهُ أَوْصَلَ كِتَاباً مِنْهُ إِلَى اَلْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَأَمَرَهُ بِامْتِثَالِهِ، وَأَوْصَلَ كِتَاباً مِنْهُ آخَرَ إِلَى اَلسِّنْدِيِّ بْنِ شَاهَكَ يَأْمُرُهُ بِطَاعَةِ اَلْعَبَّاسِ، فَقَدِمَ مَسْرُورٌ، فَنَزَلَ دَارَ اَلْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَا يُرِيدُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليه السلام)، فَوَجَدَهُ عَلَى مَا بَلَغَ اَلرَّشِيدَ، فَمَضَى مِنْ فَوْرِهِ إِلَى اَلْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَاَلسِّنْدِيِّ، فَأَوْصَلَ اَلْكِتَابَيْنِ إِلَيْهِمَا، فَلَمْ يَلْبَثِ اَلنَّاسُ أَنْ خَرَجَ اَلرَّسُولُ يَرْكُضُ إِلَى اَلْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى، فَرَكِبَ مَعَهُ وَخَرَجَ مَشْدُوهاً دَهِشاً حَتَّى دَخَلَ عَلَى اَلْعَبَّاسِ، فَدَعَا بِسِيَاطٍ وَعُقَابَيْنِ(٦٥)، فَوَجَّهَ ذَلِكَ إِلَى اَلسِّنْدِيِّ، وَأَمَرَ بِالْفَضْلِ فَجُرِّدَ ثُمَّ ضَرَبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ، وَخَرَجَ مُتَغَيِّرَ اَللَّوْنِ خِلَافَ مَا دَخَلَ، فَأُذْهِبَتْ نَخْوَتُهُ، فَجَعَلَ يُسَلِّمُ عَلَى اَلنَّاسِ يَمِيناً وَشِمَالاً.
وَكَتَبَ مَسْرُورٌ بِالْخَبَرِ إِلَى اَلرَّشِيدِ، فَأَمَرَ بِتَسْلِيمِ مُوسَى (عليه السلام) إِلَى اَلسِّنْدِيِّ بْنِ شَاهَكَ، وَجَلَسَ مَجْلِساً حَافِلاً، وَقَالَ: أَيُّهَا اَلنَّاسُ، إِنَّ اَلْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى قَدْ عَصَانِي،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٥) في لسان العرب (ج ١/ ص ٦٢١/ مادَّة عقب): (العقابان: خشبتان يَشْبَحُ الرجلُ بينهما الجِلْدَ).

↑صفحة ٥٥↑

وَخَالَفَ طَاعَتِي، وَرَأَيْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ فَالْعَنُوهُ، فَلَعَنَهُ اَلنَّاسُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ حَتَّى اِرْتَجَّ اَلْبَيْتُ وَاَلدَّارُ بِلَعْنِهِ.
وَبَلَغَ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ، فَرَكِبَ إِلَى اَلرَّشِيدِ، وَدَخَلَ مِنْ غَيْرِ اَلْبَابِ اَلَّذِي يَدْخُلُ اَلنَّاسُ مِنْهُ حَتَّى جَاءَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اِلْتَفِتْ إِلَيَّ يَا أَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ.
فَأَصْغَى إِلَيْهِ فَزِعاً، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اَلْفَضْلَ حَدَثٌ، وَأَنَا أَكْفِيكَ مَا تُرِيدُ.
فَانْطَلَقَ وَجْهُهُ وَسُرَّ، وَأَقْبَلَ عَلَى اَلنَّاسِ فَقَالَ: إِنَّ اَلْفَضْلَ كَانَ عَصَانِي فِي شَيْءٍ فَلَعَنْتُهُ، وَقَدْ تَابَ وَأَنَابَ إِلَى طَاعَتِي فَتَوَلَّوْهُ.
فَقَالُوا لَهُ: نَحْنُ أَوْلِيَاءُ مَنْ وَالَيْتَ وَأَعْدَاءُ مَنْ عَادَيْتَ وَقَدْ تَوَلَّيْنَاهُ.
ثُمَّ خَرَجَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ بِنَفْسِهِ عَلَى اَلْبَرِيدِ حَتَّى أَتَى بَغْدَادَ، فَمَاجَ اَلنَّاسُ(٦٦) وَأَرْجَفُوا بِكُلِّ شَيْءٍ، فَأَظْهَرَ أَنَّهُ وَرَدَ لِتَعْدِيلِ اَلسَّوَادِ وَاَلنَّظَرِ فِي أَمْرِ اَلْعُمَّالِ، وَتَشَاغَلَ بِبَعْضِ ذَلِكَ، وَدَعَا اَلسِّنْدِيَّ فَأَمَرَهُ فِيهِ بِأَمْرِهِ، فَامْتَثَلَهُ.
وَسَأَلَ مُوسَى (عليه السلام) اَلسِّنْدِيَّ عِنْدَ وَفَاتِهِ أَنْ يَحْضُرَهُ مَوْلًى لَهُ يَنْزِلُ عِنْدَ دَارِ اَلْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي أَصْحَابِ اَلْقَصَبِ لِيُغَسِّلَهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ.
قَالَ: سَأَلْتُهُ أَنْ يَأْذَنَ لِي أَنْ أُكَفِّنَهُ فَأَبَى، وَقَالَ: «إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ مُهُورُ نِسَائِنَا وَحَجُّ صَرُورَتِنَا(٦٧) وَأَكْفَانُ مَوْتَانَا مِنْ طُهْرَةِ أَمْوَالِنَا، وَعِنْدِي كَفَنِي».
فَلَمَّا مَاتَ أَدْخَلَ عَلَيْهِ اَلْفُقَهَاءَ وَوُجُوهَ أَهْلِ بَغْدَادَ وَفِيهِمُ: اَلْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ وَغَيْرُهُ، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ لَا أَثَرَ بِهِ، وَشَهِدُوا عَلَى ذَلِكَ، وَأُخْرِجَ فَوُضِعَ عَلَى اَلْجِسْرِ بِبَغْدَادَ وَنُودِيَ: هَذَا مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ قَدْ مَاتَ فَانْظُرُوا إِلَيْهِ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٦) قال الجوهري في الصحاح (ج ١/ ص ٣٤٢/ مادَّة موج): (ماج البحر يموج موجاً: اضطربت أمواجه. وكذلك الناس يموجون).
(٦٧) في الصحاح للجوهري (ج ٢/ ص ٧١١/ مادَّة صرر): (يقال: رجل صرورة للذي لم يحجّ...، وامرأة صرورة: لم تحجّ).

↑صفحة ٥٦↑

فَجَعَلَ اَلنَّاسُ يَتَفَرَّسُونَ فِي وَجْهِهِ وَهُوَ مَيِّتٌ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَعْضِ اَلطَّالِبِيِّينَ أَنَّهُ نُودِيَ عَلَيْهِ: هَذَا مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ اَلَّذِي تَزْعُمُ اَلرَّافِضَةُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ فَانْظُرُوا إِلَيْهِ، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ.
قَالُوا: وَحُمِلَ فَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ قُرَيْشٍ، فَوَقَعَ قَبْرُهُ إِلَى جَانِبِ رَجُلٍ مِنَ اَلنَّوْفَلِيِّينَ يُقَالُ لَهُ: عِيسَى بْنُ عَبْدِ اَلله(٦٨).
٧ - وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ اَلْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ(٦٩)، قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ(٧٠) مِنْ أَهْلِ قَطِيعَةِ(٧١) اَلرَّبِيعِ مِنَ اَلْعَامَّةِ مِمَّنْ كَانَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، قَالَ: جَمَعَنَا اَلسِّنْدِيُّ بْنُ شَاهَكَ ثَمَانِينَ رَجُلاً مِنَ اَلْوُجُوهِ اَلمَنْسُوبِينَ إِلَى اَلْخَيْرِ، فَأَدْخَلَنَا عَلَى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليه السلام)، وَقَالَ لَنَا اَلسِّنْدِيُّ: يَا هَؤُلَاءِ، اُنْظُرُوا إِلَى هَذَا اَلرَّجُلِ هَلْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ؟ فَإِنَّ أَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ لَمْ يُرِدْ بِهِ سُوءاً، وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ بِهِ أَنْ يَقْدِمَ لِيُنَاظِرَهُ(٧٢)، وَهُوَ صَحِيحٌ مُوَسَّعٌ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ فَسَلُوهُ، وَلَيْسَ لَنَا هَمٌّ إِلَّا اَلنَّظَرُ إِلَى اَلرَّجُلِ فِي فَضْلِهِ وَسَمْتِهِ.
فَقَالَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ (عليه السلام): «أَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ اَلتَّوْسِعَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا فَهُوَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٨) مقاتل الطالبيِّين (ص ٣٣٣ فصاعداً)؛ ورواه المفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٣٩ - ٢٤٣) مع تغيير ما، والفتَّال (رحمه الله) في روضة الواعظين (ص ٢٢٠) مرسَلاً كما في الإرشاد، وابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٤٤١) مختصراً، وابن الصبَّاغ في الفصول المهمَّة (ج ٢/ ص ٩٥٦)، والشبلنجي في نور الأبصار (ص ٣٠٧)، عن أحمد بن عبد الله بن عمَّار مختصراً.
(٦٩) في بعض النُّسَخ: (بشناء)، وفي بعضها: (سنان).
(٧٠) قال الحميري (رحمه الله) في قرب الإسناد (ص ٣٣٤/ ذيل الحديث ١٢٣٦)، والصدوق (رحمه الله) في أماليه (ص ٢١٣/ ذيل الحديث ٢٣٧/٢١)، وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٩١/ باب ٨/ ذيل الحديث ٢): (قال الحسن: وكان هذا الشيخ من خيار العامَّة، شيخ صدوق، مقبول القول، ثقة جدًّا عند الناس).
(٧١) في القاموس المحيط (ج ٣/ ص ٧٠): (القطيعة كشريفة: ... محال ببغداد أقطعها المنصور أُناساً من أعيان دولته، ليعمروها ويسكنوها).
(٧٢) في بعض النُّسَخ: (فيناظره).

↑صفحة ٥٧↑

عَلَى مَا ذَكَرَ، غَيْرَ أَنِّي أُخْبِرُكُمْ أَيُّهَا اَلنَّفَرُ أَنِّي قَدْ سُقِيتُ اَلسَّمَّ فِي سَبْعِ تَمَرَاتٍ، وَأَنَا غَداً أَخْضَرُّ وَبَعْدَ غَدٍ أَمُوتُ»، فَنَظَرْتُ إِلَى اَلسِّنْدِيِّ بْنِ شَاهَكَ يَضْطَرِبُ وَيَرْتَعِدُ مِثْلَ اَلسَّعَفَةِ(٧٣)،(٧٤).
فموته (عليه السلام) أشهر من أنْ يحتاج إلى ذكر الرواية به، لأنَّ المخالف في ذلك يدفع الضرورات، والشكُّ في ذلك يُؤدِّي إلى الشكِّ في موت كلِّ واحدٍ من آبائه وغيرهم، فلا يُوثَق بموت أحد.
[نصُّ الإمام الكاظم (عليه السلام) على إمامة الإمام الرضا (عليه السلام)]:
على أنَّ المشهور عنه (عليه السلام) أنَّه وصَّى إلى ابنه عليِّ بن موسى (عليه السلام) وأسند إليه أمره بعد موته، والأخبار بذلك أكثر من أنْ تُحصى، نذكر منها طرفاً ولو كان حيًّا باقياً لما احتاج إليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٣) الكافي (ج ١/ ص ٢٥٨ و٢٥٩/ باب أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) يعلمون متى يموتون.../ ح ٢)؛ ورواه الحميري (رحمه الله) في قرب الإسناد (ص ٣٣٣ و٣٣٤/ ح ١٢٣٦)، والصدوق (رحمه الله) في أماليه (ص ٢١٣/ ح ٢٣٧/٢١)، وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٩١/ باب ٨/ ح ٢)، والفتَّال (رحمه الله) في روضة الواعظين (ص ٢١٧) عن الحسن بن محمّد بن بشَّار، وابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٤٤١) عن الحسن بن محمّد بن بشَّار مختصراً.
(٧٤) قال المولى المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج ٦/ ص ٣٧ و٣٨): (قوله: (من أهل قطيعة الربيع) القطيعة كشريعة محال ببغداد أقطعها المنصور أُناساً من أعيان دولته ليعمروها ويسكنوها. قوله: (جمعنا) على صيغة المجهول. وقوله: (ثمانين) حال عن ضمير المتكلِّم. ويحتمل أنْ يكون على صيغة المعلوم وثمانين مفعوله...، قوله: (ولم يرد به أمير المؤمنين سوءاً) أراد به هارون الرشيد (لعنه الله). قوله: (... فضله وسمته) المراد بالفضل آثاره، وبالسمت الهيأة الحسنة، وهي هيأة أهل الخير. قوله: (أيُّها النفر) النفر بالتحريك والتسكين، والنفرة والنفير الجماعة من الناس. قوله: (إنِّي قد سُقيت السَّمَّ في سبع تمرات)، قال الصدوق: سمَّه هارون الرشيد (لعنه الله) فقتله. وقال الشهيد الأوَّل: قُبِضَ مسموماً ببغداد في حبس السندي بن شاهك (لعنه الله) لستّ بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة، وقيل: يوم الجمعة لخمس خلون من رجب سنة إحدى وثمانين ومائة. قوله: (مثل السعفة) السعفة بالتحريك غصن النخل).

↑صفحة ٥٨↑

٨ - فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ اَلْكُلَيْنِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْحَسَنِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَعُبَيْدِ اَلله بْنِ اَلمَرْزُبَانِ(٧٥)، عَنِ اِبْنِ سِنَانٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي اَلْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) - مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقْدَمَ اَلْعِرَاقَ بِسَنَةٍ - وَعَلِيٌّ اِبْنُهُ جَالِسٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ وَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ، [أَمَا إِنَّهُ](٧٦) سَيَكُونُ فِي هَذِهِ اَلسَّنَةِ حَرَكَةٌ فَلَا تَجْزَعْ لِذَلِكَ».
قَالَ: قُلْتُ: وَمَا يَكُونُ جَعَلَنِيَ اَللهُ فِدَاكَ؟ فَقَدْ أَقْلَقْتَنِي(٧٧).
قَالَ: «أُصَيَّرُ إِلَى هَذِهِ اَلطَّاغِيَةِ، أَمَا إِنَّهُ لَا يَبْدَأُنِي مِنْهُ سُوءٌ وَمِنَ اَلَّذِي يَكُونُ بَعْدَهُ».
قَالَ: قُلْتُ: وَمَا يَكُونُ جَعَلَنِيَ اَللهُ فِدَاكَ(٧٨)؟
قَالَ: «يُضِلُّ اَللهُ اَلظَّالِمِينَ، وَيَفْعَلُ اَللهُ مَا يَشَاءُ».
قَالَ: قُلْتُ: وَمَا ذَلِكَ، جَعَلَنِيَ اَللهُ فِدَاكَ؟
قَالَ: «مَنْ ظَلَمَ اِبْنِي هَذَا حَقَّهُ وَجَحَدَهُ إِمَامَتَهُ مِنْ بَعْدِي كَانَ كَمَنْ ظَلَمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) إِمَامَتَهُ وَجَحَدَهُ حَقَّهُ(٧٩) بَعْدَ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)».
قَالَ: قُلْتُ: وَاَلله لَئِنْ مَدَّ اَللهُ لِي فِي اَلْعُمُرِ لَأُسَلِّمَنَّ لَهُ حَقَّهُ وَلَأُقِرَّنَّ بِإِمَامَتِهِ.
قَالَ: «صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ، يَمُدُّ اَللهُ فِي عُمُرِكَ وَتُسَلِّمُ لَهُ حَقَّهُ (عليه السلام)، وَتُقِرُّ لَهُ بِإِمَامَتِهِ وَإِمَامَةِ مَنْ يَكُونُ بَعْدَهُ».
قَالَ: قُلْتُ: وَمَنْ ذَاكَ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٥) كذا في الكافي والإرشاد، وفي بعض النُّسَخ: (محمّد بن عليِّ بن عبد الله بن المرزبان).
(٧٦) من الكافي.
(٧٧) في الكافي: (جُعلت فداك؟ فقد أقلقني ما ذكرت).
(٧٨) في الكافي: (جُعلت فداك).
(٧٩) في الكافي: (كمن ظلم عليَّ بن أبي طالب حقَّه وجحده إمامته).

↑صفحة ٥٩↑

قَالَ: «اِبْنُهُ مُحَمَّدٌ».
قَالَ: قُلْتُ لَهُ: اَلرِّضَا وَاَلتَّسْلِيمُ(٨٠)،(٨١).
٩ - عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبَّادٍ اَلْقَصْرِيِّ(٨٢) جَمِيعاً، عَنْ دَاوُدَ اَلرَّقِّيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٠) الكافي (ج ١/ ص ٣١٩/ باب الإشارة والنصِّ على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)/ ح ١٦)؛ ورواه الكشِّي (رحمه الله) في رجاله (ج ٢/ ص ٧٩٦ و٧٩٧/ ح ٩٨٢)، والصدوق (رحمه الله) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٤٠ و٤١/ باب ٤/ ح ٢٩)، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٥٢ و٢٥٣) بإسناده عن الكليني، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٥١ و٥٢) عن محمّد بن يعقوب.
(٨١) قال المولى المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج ٦/ ص ٢٠٣ و٢٠٤): (قوله: (أصير إلى الطاغية) اللَّام للعهد إشارة إلى المهدي العبَّاسي، والتاء للمبالغة في طغيانه وتجاوزه عن الحدِّ. قوله: (لا يبدأني منه سوء) بدء كلِّ شيء أوَّله وابتداؤه، يعني لا يصلني ابتداءً منه سوء وهو القتل، ولا من الذي بعده وهو موسى بن المهدي، وقد قتله بعده هارون الرشيد بالسمِّ، وهذا من دلائل إمامته، إذ أخبر بما يكون، وقد وقع كما أخبر. قوله: (قال: قلت: وما يكون) سأل السائل عن مآل حاله مع الطواغيت، فأشار (عليه السلام) إلى أنَّه القتل بقوله: «يضلُّ الله الظالمين» أي يتركهم مع أنفسهم الطاغية، حتَّى يقتلوا نفساً معصومة، ولم يمنعهم جبراً، وهذا معنى إضلالهم، وإلى أنَّه ينصب مقامه إماماً آخر بقوله: «ويفعل الله ما يشاء». ولـمَّا كان هذا الفعل مجملاً بحسب الدلالة والخصوصيَّة سأل السائل عنه بقوله: (ما ذاك؟)، يعني وما ذاك الفعل؟ فأجاب (عليه السلام) بأنَّه نصب ابنه عليّ للإمامة والخلافة، ومن ظلم ابني هذا حقَّه، وجحده إمامته، كان كمن ظلم عليَّ بن أبي طالب حقَّه وجحده إمامته، وذلك لأنَّ من أنكر الإمام الآخر لم يؤمن بالإمام الأوَّل، ولأنَّهما صراط الحقِّ، فالتارك لأحدهما كان كالتارك للآخر في الخروج عنه قطعاً).

↑صفحة ٦٠↑

إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام): جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي قَدْ كَبِرَ(٨٣) سِنِّي فَخُذْ بِيَدِي (وَأَنْقِذْنِي)(٨٤) مِنَ اَلنَّارِ، (مَنْ صَاحِبُنَا بَعْدَكَ)(٨٥)؟
فَأَشَارَ إِلَى اِبْنِهِ أَبِي اَلْحَسَنِ (عليه السلام)، فَقَالَ: «هَذَا صَاحِبُكُمْ مِنْ بَعْدِي»(٨٦)،(٨٧).
١٠ - عَنْهُ، عَنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ اِبْنِ عَبْدِ اَلله(٨٨)، عَنِ اَلْحَسَنِ، عَنِ اِبْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ(٨٩)، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي اَلْحَسَنِ اَلْأَوَّلِ (عليه السلام): أَلَا تَدُلُّنِي عَلَى(٩٠) مَنْ آخُذُ مِنْهُ دِينِي؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٢) كذا في الكافي، وهو الصحيح.
عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٥٢/ الرقم ٥٢٠٧/١٣) من أصحاب عليِّ بن موسى الرضا (عليه السلام)، وكذا البرقي (رحمه الله) في رجاله (ص ٥٤).
وفي بعض النُّسَخ: (البصري).
(٨٣) في بعض النُّسَخ: (كبرت).
(٨٤) ليس في الكافي.
(٨٥) بدل ما بين القوسين في الكافي: (قال).
(٨٦) الكافي (ج ١/ ص ٣١٢/ باب الإشارة والنصِّ على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)/ ح ٣)؛ ورواه المفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٤٨) بإسناده عن الكليني، والفتَّال (رحمه الله) في روضة الواعظين (ص ٢٢٢) عن داود الرقِّي، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٤٤) عن محمّد بن يعقوب.
(٨٧) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٣/ ص ٣٤٢): (القصري نسبة إلى موضع. وفي القاموس: القصر عَلَم لسبعة وخمسين موضعاً. والرقِّي بفتح الراء وشدِّ القاف: نسبة إلى رقَّة وهي بلد على الفرات. (قد كبر سنِّي) أي طال عمري وأخاف أنْ أموت قبل أنْ أعرف الإمام بعدك، أو أخاف أنْ لا أتمكَّن من المجيء إلى بلدك بعد سماع خبر وفاتك. وفي الصحاح والقاموس والنهاية: السنُّ الضرس ومقدار العمر، مؤنَّثة، في الناس وغيرهم، انتهى. ولكن تأنيثها لـمَّا لم يكن حقيقيًّا يجوز في النسبة إليه التذكير والتأنيث، فلذا ورد في هذا الخبر على التذكير، وفي الخبر الآتي على التأنيث).
(٨٨) هو أحمد بن محمّد بن عبد الله بن مروان الأنباري، روى عن الإمامين الرضا والجواد (عليهما السلام).
وفي بعض النُّسَخ: (أحمد بن محمّد بن عبيد الله).
(٨٩) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٦١/ الرقم ٩٦٨): (محمّد بن إسحاق بن عمَّار بن حيَّان التغلبي الصيرفي، ثقة عين).
وعدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٤٤ و٣٦٥/ الرقم ٥١٢٩/٣٠ و٥٤١٠/٢٣) من أصحاب الكاظم والرضا (عليهما السلام).
(٩٠) في الكافي: (إلى).

↑صفحة ٦١↑

فَقَالَ: «هَذَا اِبْنِي عَلِيٌّ، إِنَّ أَبِي أَخَذَ بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي إِلَى قَبْرِ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنَّ اَللهَ قَالَ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وَإِنَّ اَللهَ (عزَّ وجلَّ) إِذَا قَالَ قَوْلاً وَفَى بِهِ»(٩١)،(٩٢).
١١ - عَنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى(٩٣)، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنِ اَلْحَسَنِ اِبْنِ مَحْبُوبٍ، عَنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ نُعَيْمٍ اَلصَّحَّافِ(٩٤)، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَهِشَامُ بْنُ اَلْحَكَمِ وَعَلِيُّ بْنُ يَقْطِينٍ(٩٥) بِبَغْدَادَ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ يَقْطِينٍ: كُنْتُ عِنْدَ اَلْعَبْدِ اَلصَّالِحِ (عليه السلام) [جَالِساً فَدَخَلَ عَلَيْهِ اِبْنُهُ عَلِيٌّ](٩٦)، فَقَالَ لِي: «يَا عَلِيَّ بْنِ يَقْطِينٍ، هَذَا عَلِيٌّ سَيِّدُ وُلْدِي، أَمَا إِنِّي [قَدْ] نَحَلْتُهُ كُنْيَتِي».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩١) الكافي (ج ١/ ص ٣١٢/ باب الإشارة والنصِّ على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)/ ح ٤)؛ ورواه المفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٤٨ و٢٤٩) بإسناده عن الكليني، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٤٤ و٤٥) عن محمّد بن يعقوب.
(٩٢) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٣/ ص ٣٤٣): ((ألَا) للعرض. (إلى من آخذ) أي بعد وفاتك. (فقال: هذا) خبر مبتدأ محذوف، أي هو هذا، أو مبتدأ خبره (ابني)، أي ابني حقيقةً القابل للإمامة كما مرَّ. (إلى قبر رسول الله) أي إلى ما يجاور قبره. ويدلُّ على أنَّ قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ معناه أنِّي أجعل ذلك أبداً ولا أُخلي الأرض من خليفة إلى يوم القيامة).
(٩٣) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٥٣/ الرقم ٩٤٦): (محمّد بن يحيى أبو جعفر العطَّار القمِّي شيخ أصحابنا في زمانه، ثقة عين كثير الحديث).
وعدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٤١٠ و٤١١/ الرقم ٥٩٥٥/٣٦) في من لم يرو عنهم (عليهم السلام).
(٩٤) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٥٣/ الرقم ١٢٠): (الحسين بن نعيم الصحَّاف مولى بني أسد، ثقة وأخواه عليٌّ ومحمّد).
وعدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ١٨٣/ الرقم ٢٢٠٨/٦٥) من أصحاب الصادق (عليه السلام) مع توصيفه بالكوفي.
(٩٥) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٧٣/ الرقم ٧١٥): (عليُّ بن يقطين بن موسى البغدادي سكنها، وهو كوفي الأصل...، وُلِدَ عليٌّ بالكوفة سنة (١٢٤هـ)...، مات سنة (١٨٢هـ) في أيَّام موسى بن جعفر (عليه السلام) ببغداد وهو محبوس في سجن هارون).
(٩٦) ما بين المعقوفتين من الكافي، وكذا ما يأتي.

↑صفحة ٦٢↑

فَضَرَبَ هِشَامٌ بِرَاحَتِهِ(٩٧) جَبْهَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ كَيْفَ قُلْتَ؟
فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ يَقْطِينٍ: سَمِعْتُهُ وَاَلله مِنْهُ كَمَا قُلْتُ.
فَقَالَ هِشَامٌ: إِنَّ اَلْأَمْرَ (وَاَلله)(٩٨) فِيهِ مِنْ بَعْدِهِ(٩٩)،(١٠٠).
١٢ - عَنْهُ، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُكَيْمٍ(١٠١)، عَنْ نُعَيْمٍ اَلْقَابُوسِيِّ(١٠٢)، عَنْ أَبِي اَلْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٧) في بعض النُّسَخ: (براحة).
(٩٨) ليس في الكافي.
(٩٩) الكافي (ج ١/ ص ٣١١/ باب الإشارة والنصِّ على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)/ ح ١)؛ ورواه المسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٠٢ و٢٠٣) عن محمّد بن الحسين بن نعيم الصحَّاف وهشام بن الحَكَم باختلاف، والصدوق (رحمه الله) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٣١ و٣٢/ باب ٤/ ح ٣) باختلاف، والخزَّاز القمِّي (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٧١ و٢٧٢) بإسناده عن أحمد بن محمّد بن عيسى، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٤٩) بإسناده عن الكليني، والفتَّال (رحمه الله) في روضة الواعظين (ص ٢٢٢) مختصراً، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٤٣ و٤٤) عن محمّد بن يعقوب.
(١٠٠) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٣/ ص ٣٤١): ((فقال لي) في بعض النُّسَخ (له) فالقائل الصحَّاف، والضمير راجع إلى ابن يقطين، وقيل: الضمير لابنه علىٍّ، واللَّام بمعنى (في)، وهو بعيد. (نحلته) أي أعطيته. والراحة: الكفُّ. والضرب للتعجُّب. ولعلَّه كان ظنَّ أنَّه القائم كما توهَّم غيره، أو للتأسُّف لإشعار الكلام بقرب وفاته (عليه السلام)، لاسيّما مع نحلة الكنية. (ويحك) قيل: منصوب بتقدير حرف النداء للتعجُّب، وقال الجوهري: ويح كلمة رحمة، وويل كلمة عذاب. وقال الزبيدي: هما بمعنى واحد، تقول: ويح لزيد وويل لزيد ترفعهما على الابتداء، ولك أنْ تقول: ويحاً لزيد وويلاً لزيد فتنصبهما بإضمار فعل).
(١٠١) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٤١٢/ الرقم ١٠٩٨): (معاوية بن حُكَيم بن معاوية بن عمَّار الدهني ثقة، جليل في أصحاب الرضا (عليه السلام)).
وعدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٧٨/ الرقم ٥٦٠٦/٢٢) من أصحاب الجواد (عليه السلام)، وفي (ص ٣٩٢/ الرقم ٥٧٨٨/٤٢) من أصحاب الهادي (عليه السلام) مع وصفه بالكوفي، وفي (ص ٤٤٩/ الرقم ٦٣٨٤/١٣٤) في من لم يرو عنهم (عليهم السلام).
(١٠٢) عدَّه المفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٤٨) من خاصَّة الإمام الكاظم (عليه السلام) وثقاته وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته.

↑صفحة ٦٣↑

[أَنَّهُ](١٠٣) قَالَ: «اِبْنِي عَلِيٌّ(١٠٤) أَكْبَرُ وُلْدِي وَآثَرُهُمْ(١٠٥) عِنْدِي وَأَحَبُّهُمْ إِلَيَّ، وَهُوَ يَنْظُرُ مَعِي فِي اَلْجَفْرِ، وَلَمْ يَنْظُرْ فِيهِ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ»(١٠٦)،(١٠٧).
١٣ - عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ وَعَلِيِّ بْنِ اَلْحَكَمِ جَمِيعاً، عَنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ اَلمُخْتَارِ(١٠٨)، قَالَ: خَرَجَتْ إِلَيْنَا أَلْوَاحٌ مِنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٣) من الكافي.
(١٠٤) في الكافي: (إنَّ ابني عليًّا).
(١٠٥) في الكافي: (وأبرُّهم).
(١٠٦) الكافي (ج ١/ ص ٣١١ و٣١٢/ باب الإشارة والنصِّ على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)/ ح ٢)؛ ورواه الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ١٧٨ و١٧٩/ ج ٣/ باب ١٤/ ح ٢٤) بإسناده عن نعيم بن قابوس باختلاف، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٠٢) بإسناده عن نصر بن قابوس، والصدوق (رحمه الله) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٤٠/ باب ٤/ ح ٢٧) باختلاف، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٤٩ و٢٥٠) بإسناده عن الكليني، وحسين بن عبد الوهَّاب في عيون المعجزات (ص ٩٧) كما في إثبات الوصيَّة، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٤٤) عن محمّد بن يعقوب، والراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ٢/ ص ٨٩٧) مرسَلاً عن الإمام الكاظم (عليه السلام)، وابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٤٧٦) عن نعيم القابوسي.
(١٠٧) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٣/ ص ٣٤٢): ((إنَّ ابني علىٌّ) خبر (إنْ)، وكان حقُّه (إنَّ عليًّا ابني)، فقدَّم لإفادة الحصر مبالغةً، أي لشدَّة اختصاصه بي ومحبَّتي له كأنَّه ابني دون غيره، أو المراد بالابن الابن الذي يعرف فيه أبوه خَلْقه وخُلُقه وشمائله. و(أكبر) خبر مبتدأ محذوف، والجملة استيناف بيان للسابق. وفي إرشاد المفيد: (ابني عليٌّ) بدون (إنَّ)، فـ (عليٌّ) عطف بيان لـ (ابني)، و(أكبر) خبره، وهو أظهر. (وأبرُّهم بي) أي أوصلهم بي وأشدّهم إحساناً).
(١٠٨) هو الحسين بن المختار أبو عبد الله القلانسي، كوفي، عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ١٨٣/ الرقم ٢٢١١/٦٨) من أصحاب الصادق (عليه السلام)، وفي (ص ٣٣٤/ الرقم ٤٩٧٢/٣) من أصحاب الكاظم (عليه السلام).
وعدَّه الشيخ المفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٤٨) من خاصَّة الإمام الكاظم (عليه السلام)، وثقاته، وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته.

↑صفحة ٦٤↑

أَبِي اَلْحَسَنِ (عليه السلام) - وَهُوَ فِي اَلْحَبْسِ -: «عَهْدِي إِلَى أَكْبَرِ وُلْدِي أَنْ يَفْعَلَ كَذَا وَأَنْ يَفْعَلَ كَذَا، وَفُلَانٌ لَا تُنِلْهُ شَيْئاً حَتَّى أَلْقَاكَ أَوْ يَقْضِيَ اَللهُ عَلَيَّ اَلمَوْتَ»(١٠٩)،(١١٠).
١٤ - عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ مَرْوَانَ اَلْقَنْدِيِّ - [وَكَانَ مِنَ اَلْوَاقِفَةِ](١١١) -، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) وَعِنْدَهُ أَبُو اَلْحَسَنِ اِبْنُهُ، فَقَالَ لِي: «يَا زِيَادُ، هَذَا اِبْنِي عَلِيٌّ، إِنَّ(١١٢) كِتَابَهُ كِتَابِي، وَكَلَامَهُ كَلَامِي، وَرَسُولَهُ رَسُولِي، وَمَا قَالَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ»(١١٣)،(١١٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٩) الكافي (ج ١/ ص ٣١٢ و٣١٣/ باب الإشارة والنصِّ على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)/ ح ٨)؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٣٩/ باب ٤/ ح ٢٣ و٢٤) مختصراً، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٥٠) بإسناده عن الكليني، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٤٦) عن محمّد بن يعقوب.
(١١٠) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٣/ ص ٣٤٥): (اللوح: ما يُكتَب فيه من خشب أو كتف أو قرطاس. والعهد: الوصيَّة والتقدُّم إلى المرء في الشيء. والظرف لغو متعلِّق بـ (عهدي)، أو مستقرّ خبر المبتدأ، وعلى الأوَّل (أنْ) مصدريَّة، والمصدر خبر المبتدأ، وعلى الثاني (أنْ) مفسِّرة لتضمُّن العهد معنى القول. وجملة (فلان) عطف على (عهدي)، أو على مدخول (أنْ) المفسِّرة، ولعلَّ المراد بـ (فلان) بعض أولاده، ويحتمل غيرهم. (لا تنله) أي لا تعطه. وهذا أيضاً يدلُّ على النصِّ كنايةً وبتقريب ما مرَّ، للإخبار بالموت).
(١١١) من الكافي.
(١١٢) في الكافي: (هذا ابني فلان) بدل (هذا ابني عليٌّ، إنَّ).
(١١٣) الكافي (ج ١/ ص ٣١٢/ باب الإشارة والنصِّ على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)/ ح ٦)؛ ورواه الكشِّي (رحمه الله) في رجاله (ج ٢/ ص ٧٦٧/ ح ٨٨٧) بإسناده عن أبي سعيد الزيَّات باختلاف، والصدوق (رحمه الله) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٣٩/ باب ٤/ ح ٢٥) باختلاف، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٥٠) بإسناده عن الكليني، والفتَّال (رحمه الله) في روضة الواعظين (ص ٢٢٢)، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٤٥) عن محمّد بن يعقوب.
(١١٤) قال المولى المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج ٦/ ص ١٨٣): (قوله: (عن زياد بن مروان القندي وكان من الواقفة) وقف في الرضا (عليه السلام)، وكان سبب وقفه مع سماعه النصَّ عن موسى ابن جعفر (عليهما السلام) على ابنه الرضا (عليه السلام) أنَّه كان عنده سبعون ألف دينار من مال موسى بن جعفر (عليه السلام)، فأنكر موته وإمامة الرضا (عليه السلام) لئلَّا يدفع المال إليه).

↑صفحة ٦٥↑

١٥ - عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْفَضْلِ، عَنِ اَلمَخْزُومِيِّ(١١٥) - وَكَانَتْ أُمُّهُ مِنْ وُلْدِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -، قَالَ: بَعَثَ إِلَيْنَا أَبُو اَلْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) فَجَمَعَنَا، ثُمَّ قَالَ [لَنَا](١١٦): «أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ(١١٧)؟».
فَقُلْنَا: لَا.
قَالَ: «اِشْهَدُوا أَنَّ اِبْنِي هَذَا وَصِيِّي، وَاَلْقَيِّمُ بِأَمْرِي، وَخَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي، مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدِي دَيْنٌ فَلْيَأْخُذْهُ مِنِ اِبْنِي هَذَا، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدِي عِدَةٌ فَلْيَتَنَجَّزْهَا مِنْهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ لِقَائِي فَلَا يَلْقَنِي إِلَّا بِكِتَابِهِ»(١١٨)،(١١٩).
١٦ - عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ اَلْخَزَّازِ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٥) عدَّه الشيخ المفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٤٨) من خاصَّة الإمام الكاظم (عليه السلام) وثقاته وأهل الورع والفقه من شيعته.
ويظهر من رواية عيون أخبار الرضا (عليه السلام) أنَّ المخزومي هو عبد الله بن الحارث.
(١١٦) من الكافي.
(١١٧) في الكافي: (لِمَ دعوتكم؟).
(١١٨) الكافي (ج ١/ ص ٣١٢/ باب الإشارة والنصِّ على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)/ ح ٧)؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٣٦/ باب ٤/ ح ١٤) باختلاف، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٥٠ و٢٥١) بإسناده عن الكليني، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٤٥) عن محمّد بن يعقوب.
(١١٩) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٣/ ص ٣٤٤ و٣٤٥): ((أنَّ ابني هذا) المراد الرضا (عليه السلام)، وفي العيون: (إنَّ عليًّا ابني هذا)، وعلى تقدير عدم معلوميَّة المشار إليه يُعلَم منه إمامة الرضا (عليه السلام)، إذ يدلُّ على وفاة موسى (عليه السلام) وأنَّ أحد أولاده إمام بعده، ولم يقل أحد بإمامة غيره بعده كما مرَّ. والتنجُّز طلب الوفاء بالوعد. واللَّقاء بالفتح مصدر لقي من باب علم. (إلَّا بكتابه) الضمير راجع إلى الرضا (عليه السلام)، أي إلَّا مع كتابه الدالّ على الإذن لشدَّة التقيَّة والخوف، ولأنَّه أعلم بمن ينبغي دخوله عليَّ ومن لا ينبغي، ويحتمل رجوع الضمير إلى الموصول، أي يبعث إليَّ كتابه ولا يدخل عليَّ فيكون إطلاق اللقاء عليه مجازاً، ولكن لا يخلو من بعد).

↑صفحة ٦٦↑

عَنْ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ(١٢٠)، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام): إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَحْدُثَ حَدَثٌ وَلَا أَلْقَاكَ، فَأَخْبِرْنِي عَنِ اَلْإِمَامِ بَعْدَكَ.
فَقَالَ: «اِبْنِي فُلَانٌ» يَعْنِي أَبَا اَلْحَسَنِ (عليه السلام)(١٢١)،(١٢٢).
١٧ - وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنِ اِبْنِ مِهْرَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي اَلْجَهْمِ(١٢٣)، عَنْ نَصْرِ بْنِ قَابُوسَ(١٢٤)، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام): إِنِّي سَأَلْتُ أَبَاكَ (عليه السلام): مَنِ اَلَّذِي يَكُونُ بَعْدَكَ؟ فَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ أَنْتَ هُوَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام) ذَهَبَ اَلنَّاسُ يَمِيناً وَشِمَالاً(١٢٥) وَقُلْتُ بِكَ أَنَا وَأَصْحَابِي، فَأَخْبِرْنِي مَنِ اَلَّذِي يَكُونُ مِنْ بَعْدِكَ مِنْ وُلْدِكَ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٠) عدَّه الشيخ المفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٤٨) من خاصَّة الإمام الكاظم (عليه السلام) وثقاته وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته.
(١٢١) الكافي (ج ١/ ص ٣١٣/ باب الإشارة والنصِّ على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)/ ح ١١)؛ ورواه المفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٥١) بإسناده عن الكليني، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٤٦) عن محمّد بن يعقوب.
(١٢٢) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٣/ ص ٣٤٦): ((أنْ يحدث حدث) بالتحريك، أي حادثة كالحبس والقتل والموت. و(يعني) كلام الراوي أو راوي الراوي، والأخير أظهر، إذ الظاهر أنَّ الكناية من الراوي).
(١٢٣) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ١٧٩/ الرقم ٤٧٢): (سعيد بن أبي الجهم القابوسي اللخمي، أبو الحسين، من ولد قابوس بن النعمان بن المنذر، كان سعيد ثقةً في حديثه، وجهاً بالكوفة، وآل أبي الجهم بيت كبير بالكوفة).
وعدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٢١٥/ الرقم ٢٨٢٥/٦٣) من أصحاب الصادق (عليه السلام).
(١٢٤) عدَّه الشيخ المفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٤٨) من خاصَّة الكاظم (عليه السلام) وثقاته وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته.
(١٢٥) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٣/ ص ٣٤٦): ((يميناً وشمالاً) أي إلى جهات مختلفة غير الصراط المستقيم).

↑صفحة ٦٧↑

قَالَ: «اِبْنِي فُلَانٌ»(١٢٦).
١٨ - عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ اَلضَّحَّاكِ بْنِ اَلْأَشْعَثِ(١٢٧)، عَنْ دَاوُدَ بْنِ زُرْبِيٍّ(١٢٨)، قَالَ: جِئْتُ إِلَى أَبِي إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) بِمَالٍ، (قَالَ)(١٢٩): فَأَخَذَ بَعْضَهُ وَتَرَكَ بَعْضَهُ، فَقُلْتُ: أَصْلَحَكَ اَللهُ لِأَيِّ شَيْءٍ تَرَكْتَهُ عِنْدِي.
فَقَالَ: «إِنَّ صَاحِبَ هَذَا اَلْأَمْرِ يَطْلُبُهُ مِنْكَ»، فَلَمَّا جَاءَ نَعْيُهُ(١٣٠) بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا (عليه السلام) فَسَأَلَنِي ذَلِكَ اَلمَالَ، فَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِ(١٣١).
١٩ - عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ اَلْحَكَمِ(١٣٢)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٦) الكافي (ج ١/ ص ٣١٣/ باب الإشارة والنصِّ على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)/ ح ١٢)؛ ورواه الكشِّي (رحمه الله) في رجاله (ج ٢/ ٧٤٧/ ح ٨٤٩) باختلاف، والصدوق (رحمه الله) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٣٩ و٤٠/ باب ٤/ ح ٢٦) باختلاف أيضاً، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٥١) بإسناده عن الكليني، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٤٦) عن محمّد بن يعقوب.
(١٢٧) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٢٧/ الرقم ٣٠٧٢/٢) من أصحاب الصادق (عليه السلام).
(١٢٨) في بعض النُّسَخ: (داود بن رزين)، قال السيِّد الخوئي (قدّس سره) في معجم رجال الحديث (ج ٨/ ص ١٠٤/ الرقم ٤٣٩٤): في الطبعة المعرَّبة: (داود بن زربي) بدل (داود بن رزين)، وهو الصحيح الموافق للروضة، كذا في الطبعة القديمة (أي من الكافي) والمرآة والوافي أيضاً، وابن رزين ممَّن روى عنه يونس وابن أبي عمير، وابن زربي وثَّقه المفيد (رحمه الله) وغيره.
(١٢٩) ليس في الكافي والإرشاد.
(١٣٠) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٣/ ص ٣٤٦): (النعي: الإخبار بالموت).
(١٣١) الكافي (ج ١/ ص ٣١٣/ باب الإشارة والنصِّ على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)/ ح ١٣)؛ ورواه الكشِّي (رحمه الله) في رجاله (ج ٢/ ص ٦٠١/ ح ٥٦٥) بإسناده عن الضحَّاك بن الأشعث، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٥١ و٢٥٢) بإسناده عن الكليني، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٤٧) عن محمّد بن يعقوب.
(١٣٢) كذا في بعض النُّسَخ، ولكن في الكافي والإمامة والتبصرة وغيرهما: (أبي الحَكَم الأرمني)، ولم نجد له ذكر في كُتُب الرجال.

↑صفحة ٦٨↑

عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اَلله بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(١٣٣)، عَنْ يَزِيدَ اِبْنِ سَلِيطٍ(١٣٤) فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ، عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ فِي اَلسَّنَةِ اَلَّتِي قُبِضَ (عليه السلام) فِيهَا: «إِنِّي أُوخَذُ فِي هَذِهِ اَلسَّنَةِ، وَاَلْأَمْرُ [هُوَ](١٣٥) إِلَى اِبْنِي عَلِيٍّ، سَمِيِّ عَلِيٍّ، فَأَمَّا عَلِيٌّ اَلْأَوَّلُ فَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا (عَلِيٌّ)(١٣٦) اَلْآخَرُ فَعَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ (عليهما السلام)، أُعْطِيَ فَهْمَ اَلْأَوَّلِ وَحِلْمَهُ وَنَصْرَهُ وَوُدَّهُ وَذِمَّتَهُ [وَمِحْنَتَهُ](١٣٧) وَمِحْنَةَ اَلْآخَرِ، وَصَبْرَهُ عَلَى مَا يَكْرَهُ...» تَمَامَ اَلْخَبَرِ(١٣٨)،(١٣٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٣) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٢١٦/ الرقم ٥٦٢): (عبد الله بن إبراهيم بن محمّد بن عليِّ بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أبو محمّد، ثقة، صدوق).
(١٣٤) عدَّه البرقي (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٨)، والمؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٤٥/ الرقم ٥١٥٩/٣) من أصحاب الكاظم (عليه السلام).
وعدَّه الشيخ المفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٤٨) من خاصَّة الكاظم (عليه السلام) وثقاته وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته.
(١٣٥) من الكافي.
(١٣٦) ليس في الكافي.
(١٣٧) من الكافي، وفيه: (دينه) بدل (ذمَّته).
(١٣٨) الكافي (ج ١/ ص ٣١٥/ باب الإشارة والنصِّ على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)/ ضمن الحديث ١٤)؛ ورواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ٨٠/ ضمن الحديث ٦٨)، والصدوق (رحمه الله) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٣٣ - ٣٥/ باب ٤/ ح ٩) باختلاف، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٥٢) بإسناده عن الكليني، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٥٠) عن الكليني وابن بابويه.
(١٣٩) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٣/ ص ٣٥٦ و٣٥٧): ((إنِّي أُوخذ) على بناء المجهول بقلب الهمزة واواً. ويقال: هو سميُّ فلان، إذا وافق اسمه اسمه. وقيل في قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، أي نظيراً يستحقُّ مثل اسمه. (أُعطي فهم الأوَّل) أي أمير المؤمنين (عليه السلام). (وودَّه) أي الحبُّ الذي جعل الله له في قلوب المؤمنين، كما روي أنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]، أُنزل في أمير المؤمنين (عليه السلام)...، (ومحنته) أي امتحانه وابتلاؤه بأذى المخالفين ومخالفتهم وخذلان أصحابه له. ثمّ اعلم أنَّه قد ثبت مساواة جميع الأئمَّة في جميع الكمالات كما مرَّ، فتخصيص بعضهم ببعضها لظهور هذا البعض منه أكثر من غيره بسبب المصالح المختصَّة بزمانه، كظهور الغزوات والشجاعة والفصاحة من أمير المؤمنين (عليه السلام)، والدعوات عن عليِّ بن الحسين (عليه السلام) لفراغه، وانتشار العلوم من الباقر والصادق (عليهما السلام) لقلَّة التقيَّة في زمانهما، وهكذا).

↑صفحة ٦٩↑

٢٠ - وَرَوَى أَبُو اَلْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ اَلْأَسَدِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اَلله، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ اَلْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي اَلْخَطَّابِ وَاَلْحَسَنُ بْنُ مُوسَى اَلْخَشَّابُ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنِ اَلْحَسَنِ بْنِ اَلْحَسَنِ - فِي حَدِيثٍ لَهُ -، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي اَلْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام): أَسْأَلُكَ؟
فَقَالَ: «سَلْ إِمَامَكَ».
فَقُلْتُ: مَنْ تَعْنِي فَإِنِّي لَا أَعْرِفُ إِمَاماً غَيْرَكَ؟
قَالَ: «هُوَ عَلِيٌّ اِبْنِي قَدْ نَحَلْتُهُ كُنْيَتِي».
قُلْتُ: سَيِّدِي أَنْقِذْنِي مِنَ اَلنَّارِ، فَإِنَّ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) قَالَ: إِنَّكَ أَنْتَ اَلْقَائِمُ بِهَذَا اَلْأَمْرِ.
قَالَ: «أَوَلَمْ أَكُنْ قَائِماً؟»، ثُمَّ قَالَ: «يَا حَسَنُ، مَا مِنْ إِمَامٍ يَكُونُ قَائِماً فِي أُمَّةٍ إِلَّا وَهُوَ قَائِمُهُمْ، فَإِذَا مَضَى عَنْهُمْ فَالَّذِي يَلِيهِ هُوَ اَلْقَائِمُ وَاَلْحُجَّةُ حَتَّى يَغِيبَ عَنْهُمْ، فَكُلُّنَا قَائِمٌ، فَاصْرِفْ جَمِيعَ مَا كُنْتَ تُعَامِلُنِي بِهِ إِلَى اِبْنِي عَلِيٍّ، [وَاَلله](١٤٠) وَاَلله مَا أَنَا فَعَلْتُ ذَاكَ بِهِ، بَلِ اَللهُ فَعَلَ بِهِ ذَاكَ حُبًّا».
٢١ - وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ(١٤١)، عَنِ اَلْفَضْلِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٠) من بعض النُّسَخ.
(١٤١) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٢٩/ الرقم ٦١٥٩/٢) فيمن لم يرو عنهم (عليهم السلام)، قائلاً: (عليُّ ابن محمّد القتيبي، تلميذ الفضل بن شاذان، نيسابوري، فاضل).
وقال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٥٩/ الرقم ٦٧٨): (عليه اعتمد أبو عمرو الكشِّي في كتاب الرجال).

↑صفحة ٧٠↑

اِبْنِ شَاذَانَ اَلنَّيْشَابُورِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ وَصَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى وَعُثْمَانَ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُوسَى بْنِ بَكْرٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام)، فَقَالَ لِي: «إِنَّ جَعْفَراً (عليه السلام) كَانَ يَقُولُ: سَعِدَ اِمْرُؤٌ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَرَى خَلَفَهُ مِنْ نَفْسِهِ»، ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى اِبْنِهِ عَلِيٍّ، فَقَالَ: «هَذَا، وَقَدْ أَرَانِيَ اَللهُ خَلَفِي مِنْ نَفْسِي»(١٤٢).
٢٢ - عَنْهُ(١٤٣)، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اَلله، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ اِبْنِ اَلْحَكَمِ وَعَلِيِّ بْنِ اَلْحَسَنِ بْنِ نَافِعٍ(١٤٤)، عَنْ هَارُونَ بْنِ خَارِجَةَ، قَالَ: قَالَ لِي هَارُونُ بْنُ سَعْدٍ اَلْعِجْلِيُّ(١٤٥): قَدْ مَاتَ إِسْمَاعِيلُ اَلَّذِي كُنْتُمْ تَمُدُّونَ إِلَيْهِ أَعْنَاقَكُمْ، وَجَعْفَرٌ شَيْخٌ كَبِيرٌ يَمُوتُ غَداً أَوْ بَعْدَ غَدٍ، فَتَبْقَوْنَ بِلَا إِمَامٍ، فَلَمْ أَدْرِ مَا أَقُولُ، فَأَخْبَرْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) بِمَقَالَتِهِ، فَقَالَ: «هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، أَبَى اَللهُ - وَاَلله - أَنْ يَنْقَطِعَ هَذَا اَلْأَمْرُ حَتَّى يَنْقَطِعَ اَللَّيْلُ وَاَلنَّهَارُ، فَإِذَا رَأَيْتَهُ فَقُلْ لَهُ: هَذَا مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ يَكْبَرُ وَنُزَوِّجُهُ وَيُولَدُ لَهُ فَيَكُونُ خَلَفاً إِنْ شَاءَ اَللهُ تَعَالَى»(١٤٦).
٢٣ - وَفِي خَبَرٍ آخَرَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام) فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ: «يَظْهَرُ صَاحِبُنَا وَهُوَ مِنْ صُلْبِ هَذَا - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليه السلام) -، فَيَمْلَأُهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً، وَتَصْفُو لَهُ اَلدُّنْيَا».
٢٤ - وَرَوَى أَيُّوبُ بْنُ نُوحٍ، عَنِ اَلْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، قَالَ: سَمِعْتُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٢) رواه المسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٠٤) عن محمّد بن سنان عن موسى بن بكر الواسطي، والخزَّاز القمِّي (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٧٣) بإسناده عن بكر بن موسى الواسطي، والحسن بن الفضل الطبرسي (رحمه الله) في مكارم الأخلاق (ص ٢٢٢) عن أبي إبراهيم (عليه السلام).
(١٤٣) الظاهر أنَّ الضمير يرجع إلى أبي الحسين محمّد بن جعفر الأسدي.
(١٤٤) في كمال الدِّين: (عليّ بن الحسن بن نافع الورَّاق).
(١٤٥) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣١٨/ الرقم ٤٧٣٣/١) من أصحاب الصادق (عليه السلام). ويظهر من رجال الكشِّي أنَّه زيدي.
(١٤٦) رواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٦٥٧/ باب ٥٨/ ح ٢).

↑صفحة ٧١↑

عَلِيَّ بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ أَخِي مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليه السلام) - كَانَ وَاَلله حُجَّةَ اَلله فِي اَلْأَرْضِ بَعْدَ أَبِي (صَلَوَاتُ اَللهُ عَلَيْهِ) - إِذْ طَلَعَ اِبْنُهُ عَلِيٌّ، فَقَالَ لِي: «يَا عَلِيُّ، هَذَا صَاحِبُكَ، وَهُوَ مِنِّي بِمَنْزِلَتِي مِنْ أَبِي، فَثَبَّتَكَ اَللهُ عَلَى دِينِهِ».
فَبَكَيْتُ، وَقُلْتُ فِي نَفْسِي: نَعَى وَاَلله إِلَيَّ نَفْسَهُ.
فَقَالَ: «يَا عَلِيُّ، لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَمْضِيَ مَقَادِيرُ اَلله فِيَّ، وَلِي بِرَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أُسْوَةٌ، وَبِأَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ وَفَاطِمَةَ وَاَلْحَسَنِ وَاَلْحُسَيْنِ (عليهم السلام)».
وَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَحْمِلَهُ هَارُونُ اَلرَّشِيدُ فِي اَلمَرَّةِ اَلثَّانِيَةِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ... تَمَامَ اَلْخَبَرِ.
والأخبار في هذا المعنى أكثر من أنْ تُحصى، وهي موجودة في كُتُب الإماميَّة معروفة ومشهورة مَنْ أرادها وقف عليها من هناك، وفي هذا القدر هاهنا كفاية إنْ شاء الله تعالى.
فإنْ قيل: كيف تُعوِّلون على هذه الأخبار وتدَّعون العلم بموته، والواقفة تروي أخباراً كثيرة تتضمَّن أنَّه لم يمت، وأنَّه القائم المشار إليه، موجودة في كُتُبهم وكُتُب أصحابكم، فكيف تجمعون بينها؟ وكيف تدَّعون العلم بموته مع ذلك؟
قلنا: لم نذكر هذه [الأخبار] إلَّا على جهة الاستظهار والتبرُّع، لا لأنَّا احتجنا إليها في العلم بموته، لأنَّ العلم بموته حاصل لا يُشَكُّ فيه كالعلم بموت آبائه (عليهم السلام)، والمشكِّك في موته كالمشكِّك في موتهم وموت كلِّ من علمنا بموته.
وإنَّما استظهرنا بإيراد هذه الأخبار تأكيداً لهذا العلم، كما نروي أخباراً كثيرة فيما نعلم بالعقل والشرع وظاهر القرآن والإجماع وغير ذلك، فنذكر في ذلك أخباراً على وجه التأكيد.

↑صفحة ٧٢↑

[أخبار استُدِلَّ بها على أنَّ الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) هو القائم، وأنَّه حيٌّ لم يمت، والجواب عنها]:
فأمَّا ما ترويه الواقفة فكلُّها أخبار آحاد لا يعضدها حجَّة، ولا يمكن ادِّعاء العلم بصحِّتها، ومع هذا فالرواة لها مطعون عليهم، لا يُوثَق بقولهم ورواياتهم، وبعد هذا كلِّه فهي متأوَّلة.
ونحن نذكر جُمَلاً ممَّا رووه ونُبيِّن القول فيها، فمن ذلك أخبار ذكرها أبو محمّد عليُّ بن أحمد العلوي الموسوي في كتابه (في نصرة الواقفة).
٢٥ - قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ(١٤٧)، قَالَ: حَدَّثَنِي اَلْحَسَنُ بْنُ سَمَاعَةَ(١٤٨)، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنِ اَلْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «لَا يَنْسِجُنِي وَاَلْقَائِمَ أَبٌ».
فهذا أوَّلاً خبر واحد لا يُدفَع المعلوم لأجله، ولا يُرجَع إلى مثله، وليس يخلو أنْ يكون المراد به أنَّه ليس بيني وبين القائم أب، أو أراد لا يلدني وإيَّاه أب، فإنْ أراد الأوَّل فليس فيه تصريح بأنَّ موسى هو القائم، ولِمَ لا يجوز أنْ يكون المراد غيره كما قالت الفطحيَّة: إنَّ الإمام بعد أبي عبد الله (عليه السلام) عبد الله الأفطح ابنه؟ وإذا احتُمِلَ ذلك سقط الاحتجاج به.
على أنَّا قد بيَّنَّا أنَّ كلَّ إمام يقوم بعد الأوَّل يُسمَّى قائماً، فعلى هذا يُسمَّى موسى قائماً ولا يجيء منه ما قالوه.
على أنَّه لا يمتنع أنْ يكون أراد ردًّا على الإسماعيليَّة الذين ذهبوا إلى إمامة محمّد بن إسماعيل بعد أبي عبد الله (عليه السلام) فإنَّ إسماعيل مات في حياته، فأراد: الذي يقوم مقامي ليس بيني وبينه أب بخلاف ما قالوه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٧) قال المؤلِّف (رحمه الله) في الفهرست (ص ٢٣١/ الرقم ٦٧١/٨٦): (محمّد بن بشر له كتاب).
(١٤٨) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٠ - ٤٢/ الرقم ٨٤): (الحسن بن محمّد بن سماعة، أبو محمّد الكندي الصيرفي، من شيوخ الواقفة، كثير الحديث، فقيه، ثقة، وكان يعاند في الوقف ويتعصَّب...، تُوفِّي ليلة الخميس لخمس خلون من جمادى الأُولى سنة ثلاث وستِّين ومائتين بالكوفة).

↑صفحة ٧٣↑

وإنْ أراد أنَّه لم يلده وإيَّاه أب نفياً للإمامة عن إخوته، فإنَّا نقول بذلك، مع أنَّه ليس ذلك قولاً لأحد.
٢٦ - قَالَ اَلمُوسَوِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ خَلَفٍ اَلْأَنْمَاطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اَلله بْنُ وَضَّاحٍ(١٤٩)، عَنْ يَزِيدَ اَلصَّائِغِ(١٥٠)، قَالَ: لَـمَّا وُلِدَ لِأَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) أَبُو اَلْحَسَنِ (عليه السلام) عَمِلْتُ لَهُ أَوْضَاحاً(١٥١) وَأَهْدَيْتُهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَتَيْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) بِهَا قَالَ لِي: «يَا يَزِيدُ، أَهْدَيْتَهَا وَاَلله لِقَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)».
فهو مع كونه خبراً واحداً رجاله غير معروفين، ولو سُلِّم لكان الوجه فيه ما قلناه من أنَّه القائم من بعده بلا فصل على ما مضى القول فيه.
٢٧ - قَالَ اَلمُوسَوِيُّ: وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ اَلْحَسَنِ اَلْمِيثَمِيُّ(١٥٢)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلمَدَائِنِيِّ(١٥٣)، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ اَللهَ اِسْتَنْقَذَ بَنِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٩) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٢١٥/ الرقم ٥٦٠): (عبد الله بن وضَّاح، أبو محمّد، كوفي، ثقة، من الموالي، صاحب أبا بصير يحيى بن القاسم كثيراً).
وعدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٤٠/ الرقم ٥٠٦٣/٢٤) من أصحاب الكاظم (عليه السلام).
(١٥٠) عدَّه البرقي (رحمه الله) في رجاله (ص ١٢) من أصحاب الباقر (عليه السلام).
وقال الكشِّي (رحمه الله): (ذكر فضل بن شاذان في بعض كُتُبه أنَّ يزيد الصائغ من الكذَّابين المشهورين)، كما في خلاصة الأقوال (ص ٤١٩/ الرقم ٢).
(١٥١) في القاموس المحيط (ج ١/ ص ٢٥٥): (الوضح: ... حلي من الفضَّة، جمعه أوضاح).
(١٥٢) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٧٤/ الرقم ١٧٩): (أحمد بن الحسن بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم التمَّار، مولى بني أسد، روى عن الرضا (عليه السلام)، ثقة، صحيح الحديث، معتمد عليه).
(١٥٣) عدَّه البرقي (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٣)، والمؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٢٦/ الرقم ٤٨٧٨/١٩) من أصحاب الصادق (عليه السلام).

↑صفحة ٧٤↑

إِسْرَائِيلَ مِنْ فِرْعَوْنِهَا بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَإِنَّ اَللهَ مُسْتَنْقِذٌ هَذِهِ اَلْأُمَّةَ مِنْ فِرْعَوْنِهَا بِسَمِيِّهِ».
فالوجه فيه أيضاً - مع أنَّه خبر واحد - أنَّ الله استنقذهم بأنْ دلَّهم على إمامته والإبانة عن حقِّه بخلاف ما ذهبت إليه الواقفة.
٢٨ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي حَنَانُ بْنُ سَدِيرٍ، قَالَ: كَانَ أَبِي جَالِساً وَعِنْدَهُ عَبْدُ اَلله بْنُ سُلَيْمَانَ اَلصَّيْرَفِيُّ(١٥٤) وَأَبُو اَلمَرَاهِفِ وَسَالِمٌ اَلْأَشَلُّ(١٥٥)، فَقَالَ عَبْدُ اَلله بْنُ سُلَيْمَانَ لِأَبِي: يَا أَبَا اَلْفَضْلِ، أَعَلِمْتَ أَنَّهُ وُلِدَ لِأَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) غُلَامٌ فَسَمَّاهُ فُلَاناً؟ - يُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ -.
فَقَالَ سَالِمٌ: إِنَّ هَذَا لَحَقٌّ؟
فَقَالَ عَبْدُ اَلله: نَعَمْ.
فَقَالَ سَالِمٌ: وَاَلله لَأَنْ يَكُونَ حَقًّا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِي بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ وَإِنِّي مُحْتَاجٌ إِلَى خَمْسَةِ دَرَاهِمَ أَعُودُ بِهَا عَلَى نَفْسِي وَعِيَالِي.
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اَلله بْنُ سُلَيْمَانَ: وَلِمَ ذَاكَ؟
قَالَ: بَلَغَنِي فِي اَلْحَدِيثِ أَنَّ اَللهَ عَرَضَ سِيرَةَ قَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، فَقَالَ: اَللَّهُمَّ اِجْعَلْهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ لَهُ: لَيْسَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، فَقَالَ: اَللَّهُمَّ اِجْعَلْنِي مِنْ أَنْصَارِهِ، فَقِيلَ لَهُ: لَيْسَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، فَقَالَ: اَللَّهُمَّ اِجْعَلْهُ سَمِيِّي، فَقِيلَ لَهُ: أُعطِيتَ ذَلِكَ.
فلا أدري ما الشبهة في هذا الخبر، لأنَّه لم يسنده إلى إمام وقال: بلغني في الحديث كذا، وليس كلُّ ما يبلغه يكون صحيحاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٤) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٢٥/ الرقم ٥٩٢): (عبد الله بن سليمان الصيرفي، مولى، كوفي، روى عن جعفر بن محمّد (عليه السلام)، له أصل رواه).
(١٥٥) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ١٣٧/ الرقم ١٤٣٣/٦) من أصحاب الباقر (عليه السلام)، قائلاً: (بيَّاع المصاحف)؛ والظاهر أنَّه سالم بن عبد الرحمن الأشلّ.

↑صفحة ٧٥↑

وقد قلنا: إنَّ من يقوم بعد الإمام الأوَّل يُسمَّى قائماً، أو يلزمه من السيرة مثل سيرة الأوَّل سواء، فسقط القول به.
٢٩ - قَالَ: وَرَوَى زَيْدٌ اَلشَّحَّامُ وَغَيْرُهُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَالِماً يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ اَللهَ تَعَالَى عَرَضَ سِيرَةَ قَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ...» وَذَكَرَ اَلْحَدِيثَ.
وقد تكلَّمنا عليه مع تسليمه(١٥٦).
٣٠ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَحْرُ بْنُ زِيَادٍ اَلطَّحَّانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّهُمْ يَرْوُونَ أَنَّ أَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَالَ بِالْكُوفَةِ عَلَى اَلْمِنْبَرِ: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ اَلدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اَللهُ ذَلِكَ اَلْيَوْمَ حَتَّى يَبْعَثَ اَللهُ رَجُلاً مِنِّي يَمْلَأُهَا قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً».
فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): «نَعَمْ».
قَالَ: فَأَنْتَ هُوَ؟
فَقَالَ: «لَا، ذَاكَ سَمِيُّ فَالِقِ اَلْبَحْرِ».
فالوجه فيه - بعد كونه خبراً واحداً - أنَّ لسميِّ فالق البحر أنْ يقوم بالأمر ويملأها قسطاً وعدلاً إنْ مُكِّن من ذلك، وإنَّما نفاه عن نفسه تقيَّةً من سلطان الوقت لا نفي استحقاقه للإمامة.
٣١ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ اَلصَّيْرَفِيُّ(١٥٧)، عَنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ سُلَيْمَانَ(١٥٨)، عَنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٦) أي في (ح ٢٨).
(١٥٧) الظاهر أنَّه الحسن بن عليٍّ الوشَّاء، قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٩/ الرقم ٨٠): (الحسن ابن عليِّ بن زياد الوشَّاء، بجلي، كوفي، قال أبو عمرو: ويُكنَّى بأبي محمّد الوشَّاء، وهو ابن بنت إلياس الصيرفي).
(١٥٨) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ١٨٣/ الرقم ٢٢٢٦/٨٣) من أصحاب الصادق (عليه السلام)، قائلاً: (الحسين بن سليمان الكناني، كوفي، أبو عبد الله).

↑صفحة ٧٦↑

ضُرَيْسٍ اَلْكُنَاسِيِّ(١٥٩)، عَنْ أَبِي خَالِدٍ اَلْكَابُلِيِّ(١٦٠)، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ اَلْحُسَيْنِ (عليه السلام) وَهُوَ يَقُولُ: «إِنَّ قَارُونَ كَانَ يَلْبَسُ اَلثِّيَابَ اَلْحُمْرَ، وَإِنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَلْبَسُ اَلسُّودَ وَيُرْخِي اَلشُّعُورَ، فَبَعَثَ اَللهُ عَلَيْهِمْ مُوسَى (عليه السلام)، وَإِنَّ بَنِي فُلَانٍ لَبِسُوا(١٦١) اَلسَّوَادَ وَأَرْخَوُا اَلشُّعُورَ، وَإِنَّ اَللهَ تَعَالَى مُهْلِكُهُمْ بِسَمِيِّهِ».
٣٢ - قَالَ: وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، قَالَ: تَذَاكَرْنَا عِنْدَهُ اَلْقَائِمَ، فَقَالَ: «اِسْمُهُ اِسْمٌ لِحَدِيدَةِ اَلْحَلَّاقِ».
فالوجه فيه - بعد كونه خبراً واحداً - ما قدَّمناه من أنَّ موسى هو المستحقُّ للقيام للأمر بعد أبيه.
ويحتمل أيضاً أنْ يريد أنَّ الذي يفعل ما تضمَّنه الخبر والذي له العدل(١٦٢) والقيام بالأمر يتمكَّن منه من ولد موسى، ردًّا على الذين قالوا ذلك في ولد إسماعيل وغيره، فأضافه إلى موسى (عليه السلام) لما كان ذلك في ولده، كما يقال: الإمامة في قريش، ويُراد بذلك في أولاد قريش وأولاد أولاد من يُنسَب إليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٩) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٢٧/ الرقم ٣٠٧٦/٦) من أصحاب الصادق (عليه السلام)، قائلاً: (ضريس بن عبد المَلِك بن أعين الشيباني الكوفي، أبو عمارة).
وقال الكشِّي (رحمه الله) في رجاله (ج ٢/ ص ٦٠١/ ح ٥٦٦): (قال حمدويه: سمعت أشياخي يقولون: ضريس إنَّما سُمِّي الكناسي لأنَّ تجارته بالكناسة، وكان تحته بنت حمران، وهو خيِّر، فاضل، ثقة).
(١٦٠) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ١١٩/ الرقم ١٢١٣/٢) من أصحاب عليِّ بن الحسين (عليهما السلام)، قائلاً: (كنكر، يُكنَّى أبا خالد الكابلي، وقيل: إنَّ اسمه وردان)، وفي (ص ١٤٨/ الرقم ١٦٤٢/٥) من أصحاب الباقر (عليه السلام)، وفي (ص ٣١٧/ الرقم ٤٧٣١/٢٦) من أصحاب الصادق (عليه السلام).
(١٦١) في بعض النُّسَخ: (للبسوا).
(١٦٢) في بعض النُّسَخ: (له بسط العدل).

↑صفحة ٧٧↑

٣٣ - قَالَ: وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ سَمَاعَةَ(١٦٣)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْحَسَنِ، عَنْ أَبِيهِ اَلْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «اِبْنِي هَذَا - يَعْنِي أَبَا اَلْحَسَنِ (عليه السلام) - هُوَ اَلْقَائِمُ، وَهُوَ مِنَ اَلمَحْتُومِ، وَهُوَ اَلَّذِي يَمْلَأُهَا قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً».
فالوجه فيه أيضاً ما قدَّمناه في غيره.
٣٤ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اَلله بْنُ سَلَامٍ، عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ سِنَانٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «مِنَ اَلمَحْتُومِ أَنَّ اِبْنِي هَذَا قَائِمُ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ، وَصَاحِبُ اَلسَّيْفِ» وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي اَلْحَسَنِ (عليه السلام).
فالوجه فيه أيضاً ما قدَّمنا[ه](١٦٤) في غيره سواء من أنَّ له ذلك استحقاقاً، أو يكون من ولده من يقوم بذلك فعلاً.
٣٥ - قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ رِزْقِ اَلله، عَنْ أَبِي اَلْوَلِيدِ اَلطَّرَائِفِيِّ، قَالَ: كُنْتُ لَيْلَةً عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) إِذْ نَادَى غُلَامَهُ، فَقَالَ: «اِنْطَلِقْ فَادْعُ لِي سَيِّدَ وُلْدِي».
فَقَالَ لَهُ اَلْغُلَامُ: مَنْ هُوَ؟
فَقَالَ: «فُلَانٌ» يَعْنِي أَبَا اَلْحَسَنِ (عليه السلام).
[قَالَ]: فَلَمْ أَلْبَثْ حَتَّى جَاءَ بِقَمِيصٍ بِغَيْرِ رِدَاءٍ...، إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى عَضُدِي وَقَالَ: «يَا أَبَا اَلْوَلِيدِ، كَأَنِّي بِالرَّايَةِ اَلسَّوْدَاءِ صَاحِبَةِ اَلرُّقْعَةِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٣) عدَّه البرقي (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٣) من أصحاب الصادق (عليه السلام).
وعدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ١٧٨/ الرقم ٢١٣٢/٧٠) من أصحاب الصادق (عليه السلام)، وفي (ص ٣٣٤/ الرقم ٤٩٦٩/٩)، من أصحاب الكاظم (عليه السلام)، قائلاً: (واقفي).
واستظهر السيِّد الخوئي (قدّس سره) في معجم رجال الحديث (ج ٥/ ص ٣٧/ الرقم ٢١٧٣) أنَّه جعفر ابن محمّد بن سماعة الذي وثَّقه النجاشي (رحمه الله).
(١٦٤) ما بين المعقوفتين من بعض النُّسَخ، وكذا ما يأتي.

↑صفحة ٧٨↑

اَلْخَضْرَاءِ تَخْفِقُ فَوْقَ رَأْسِ هَذَا اَلْجَالِسِ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ يَهُدُّونَ جِبَالَ اَلْحَدِيدِ هَدًّا، لَا يَأْتُونَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا هَدُّوهُ».
قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، هَذَا؟
قَالَ: «نَعَمْ، هَذَا يَا أَبَا اَلْوَلِيدِ يَمْلَأُهَا قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَعُدْوَاناً، يَسِيرُ فِي أَهْلِ اَلْقِبْلَةِ بِسِيرَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، يَقْتُلُ أَعْدَاءَ اَلله حَتَّى يَرْضَى اَللهُ».
قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، هَذَا؟
قَالَ: «هَذَا»، ثُمَّ قَالَ: «فَاتَّبِعْهُ وَأَطِعْهُ وَصَدِّقْهُ وَأَعْطِهِ اَلرِّضَا مِنْ نَفْسِكَ فَإِنَّكَ سَتُدْرِكُهُ إِنْ شَاءَ اَللهُ».
فالوجه فيه أيضاً أنْ يكون قوله: «كأنِّي بالراية على رأس هذا» أي على رأس من يكون من ولد هذا، بخلاف ما يقول الإسماعيليَّة وغيرهم من أصناف المِلَل الذين يزعمون أنَّ المهدي منهم، فأضافه إليه مجازاً على ما مضى ذكر نظائره، ويكون أمره بطاعته وتصديقه وأنَّه يُدرك حال إمامته.
٣٦ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اَلله بْنُ جَمِيلٍ(١٦٥)، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ اَلْقَمَّاطِ(١٦٦)، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اَلله بْنُ غَالِبٍ، قَالَ: أَنْشَدْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) هَذِهِ اَلْقَصِيدَةَ:

فَإِنْ تَكُ أَنْتَ اَلمُرْتَجَى لِلَّذِي نَرَى * * * فَتِلْكَ اَلَّتِي مِنْ ذِي اَلْعُلَى فِيكَ نَطْلُبُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٥) لم نجد له ذكراً في كُتُب الرجال، فلعلَّ الصحيح: (عبد الله عن جميل)، والمراد من (الجميل) هو جميل بن درَّاج، ومن (عبد الله) إمَّا عبد الله بن جبلة، أو عبد الله بن حمَّاد، أو عبد الله بن المغيرة.
(١٦٦) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ١٩٩/ الرقم ٥٢٩): (صالح بن سعيد، أبو سعيد القمَّاط، مولى بني أسد، كوفي).
وعدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٢٥/ الرقم ٣٠٣٩/١٧) من أصحاب الصادق (عليه السلام).

↑صفحة ٧٩↑

فَقَالَ: «لَيْسَ أَنَا صَاحِبَ هَذِهِ اَلصِّفَةِ، وَلَكِنْ هَذَا صَاحِبُهَا» وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي اَلْحَسَنِ (عليه السلام).
فالوجه فيه أيضاً ما قلنا[ه] في الخبر الأوَّل من أنَّ صاحب هذا من ولده دون غيره ممَّن يُدَّعى له ذلك.
٣٧ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اَلله لِذَاذٌ(١٦٧)، عَنْ صَارِمِ بْنِ عُلْوَانَ اَلْجَوْخِيِّ(١٦٨)، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَاَلمُفَضَّلُ وَيُونُسُ بْنُ ظَبْيَانَ وَاَلْفَيْضُ بْنُ اَلمُخْتَارِ وَاَلْقَاسِمُ(١٦٩) - شَرِيكُ اَلمُفَضَّلِ - عَلَى أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) وَعِنْدَهُ إِسْمَاعِيلُ اِبْنُهُ، فَقَالَ اَلْفَيْضُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، نَتَقَبَّلُ مِنْ هَؤُلَاءِ اَلضِّيَاعَ فَنُقَبِّلُهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا نَتَقَبَّلُهَا.
فَقَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ».
فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ اِبْنُهُ: لَمْ تَفْهَمْ، يَا أَبَهْ.
فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «أَنَا لَمْ أَفْهَمْ؟ أَقُولُ لَكَ: اِلْزَمْنِي، فَلَا تَفْعَلُ».
فَقَامَ إِسْمَاعِيلُ مُغْضَباً، فَقَالَ اَلْفَيْضُ: إِنَّا نَرَى أَنَّهُ صَاحِبُ هَذَا اَلْأَمْرِ مِنْ بَعْدِكَ.
فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «لَا وَاَلله مَا هُوَ كَذَلِكَ»، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا أَلْزَمُ لِي مِنْ ذَلِكَ» وَأَشَارَ إِلَى أَبِي اَلْحَسَنِ (عليه السلام) وَهُوَ نَائِمٌ، فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، فَنَامَ عَلَى صَدْرِهِ، فَلَمَّا اِنْتَبَهَ أَخَذَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام) بِسَاعِدِهِ ثُمَّ قَالَ: «هَذَا وَاَلله اِبْنِي حَقًّا، هُوَ وَاَلله يَمْلَأُهَا قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٧) في بعض النُّسَخ: (لزاز).
(١٦٨) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٢٧/ الرقم ٣٠٦٦/٤٤) من أصحاب الصادق (عليه السلام).
وفي بعض النُّسَخ: (الحضرمي (الجوخي خ ل))، وفي بعضها: (الحضرمي).
(١٦٩) هو القاسم بن عبد الرحمن الصيرفي، عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٧١/ الرقم ٣٩٠٦/٩) من أصحاب الصادق (عليه السلام)، والبرقي (رحمه الله) في رجاله (ص ١٦) من أصحاب الصادق (عليه السلام)، قائلاً: (القاسم بن عبد المَلِك).
وفي الكافي (ج ٨/ ص ٣٧٤/ ح ٥٦٢): (وكان رجل صدق).

↑صفحة ٨٠↑

فَقَالَ لَهُ قَاسِمٌ اَلثَّانِيَةَ: هَذَا، جُعِلْتُ فِدَاكَ؟
قَالَ: «إِي وَاَلله اِبْنِي هَذَا لَا يَخْرُجُ مِنَ اَلدُّنْيَا حَتَّى يَمْلَأَ اَللهُ اَلْأَرْضَ بِهِ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً»، ثَلَاثَ أَيْمَانٍ يَحْلِفُ بِهَا.
فالوجه فيه أيضاً ما قلناه من أنَّ الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً يكون من ولده دون ولد إسماعيل على ما ذهب إليه قوم، فلذلك قرنه بالأيمان علماً منه بأنَّ قوماً يعتقدون في ولد إسماعيل هذا، فنفاه وقرنه بالأيمان لتزول الشبهة والشكُّ والريبة.
٣٨ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي حَنَانُ بْنُ سَدِيرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ اَلْبَزَّازِ(١٧٠)، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «إِنَّ صَاحِبَ هَذَا اَلْأَمْرِ يَلِي اَلْوَصِيَّةَ وَهُوَ اِبْنُ عِشْرِينَ سَنَةً».
فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَوَاَلله مَا وَلِيَهَا أَحَدٌ قَطُّ كَانَ أَحْدَثَ مِنْهُ، وَإِنَّهُ لَفِي اَلسِّنِّ اَلَّذِي قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام).
فليس في هذا الخبر تصريح مَن الذي يقوم بهذا الأمر، وإنَّما قال: يكون ابن عشرين سنة، وحمله الراوي على ما أراد، وقول الراوي ليس بحجَّة، ولو حمل غيره على غيره لكان [قد](١٧١) ساواه في التأويل، فبطل التعلُّق به.
٣٩ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ اَلْقَاسِمِ اَلْحَذَّاءِ(١٧٢) وَغَيْرِهِ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ زُرْبِيٍّ، قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ اَلْعَبْدُ اَلصَّالِحُ (عليه السلام) - وَهُوَ فِي اَلْحَبْسِ -، فَقَالَ: «اِئْتِ هَذَا اَلرَّجُلَ - يَعْنِي يَحْيَى بْنَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٠) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ١٢٤/ الرقم ١٢٤٤/١٦) من أصحاب الباقر (عليه السلام)، قائلاً: (إسماعيل بن زياد البزَّاز الكوفي الأسدي، تابعي، روى عنه وعن أبي عبد الله (عليهما السلام))، وعدَّه (رحمه الله) في (ص ١٥٩/ الرقم ١٧٨٢/٨٦) من أصحاب الصادق (عليه السلام).
(١٧١) من بعض النُّسَخ.
(١٧٢) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ١٤٩/ الرقم ١٦٥١/٣) من أصحاب الباقر (عليه السلام)، وفي (ص ٣٤٦/ الرقم ٥١٧٢/١٦) من أصحاب الكاظم (عليه السلام)، قائلاً: (واقفي).

↑صفحة ٨١↑

خَالِدٍ -، فَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ أَبُو فُلَانٍ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ أَخْرَجْتَنِي مِنْ بِلَادِي وَفَرَّقْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ عِيَالِي».
فَأَتَيْتُهُ وَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: زُبَيْدَةُ طَالِقٌ، وَعَلَيْهِ أَغْلَظُ اَلْأَيْمَانِ، لَوَدِدْتُ أَنَّهُ غَرِمَ اَلسَّاعَةَ أَلْفَيْ أَلْفٍ، وَأَنْتَ خَرَجْتَ.
فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَأَبْلَغْتُهُ، فَقَالَ: «اِرْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ: وَاَلله لَتُخْرِجَنِّي أَوْ لَأَخْرُجَنَّ».
فلا أدري أيَّ تعلُّق في هذا الخبر ودلالة على أنَّه القائم بالأمر؟ وإنَّما فيه إخبار بأنَّه إنْ لم يُخرجه ليخرجنَّ - يعني من الحبس -، ومع ذلك فقد قرنه باليمين أنَّه إنْ لم يفعل به ليفعلنَّ، وكلاهما لم يوجد، فإذا لم يُخرجه يحيى كان ينبغي أنْ يخرج وإلَّا حنث في يمينه، وذلك لا يجوز عليه.
٤٠ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مَنْصُورٍ اَلزُّبَالِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخاً بِأَذْرِعَاتٍ - قَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ -، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا (عليه السلام) يَقُولُ عَلَى مِنْبَرِ اَلْكُوفَةِ: «كَأَنِّي بِابْنِ حَمِيدَةَ قَدْ مَلَأَهَا عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً».
فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَهُوَ مِنْكَ، أَوْ مِنْ غَيْرِكَ؟
فَقَالَ: «لَا، بَلْ هُوَ رَجُلٌ مِنِّي».
فالوجه فيه أنَّ صاحب (هذا)(١٧٣) الأمر يكون من ولد حميدة وهي أُمُّ موسى بن جعفر (عليه السلام)، كما يقال: يكون من ولد فاطمة (عليها السلام)، وليس فيه أنَّه يكون منها لصلبها دون نسلها، كما لا يكون كذلك إذا نُسِبَ إلى فاطمة (عليها السلام)، وكما لا يلزم (أنْ يكون) ولده لصلبه وإنْ قال: إنَّه يكون منِّي، بل يكفي أنْ يكون من نسله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٣) ما بين القوسين ليس في بعض النُّسَخ، وكذا ما يأتي.

↑صفحة ٨٢↑

٤١ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ اَلْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ اَلْعَلَوِيُّ(١٧٤)، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) فَسَأَلْتُهُ عَنْ صَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ.
قَالَ: «صَاحِبُ اَلْبَهْمَةِ» وَأَبُو اَلْحَسَنِ فِي نَاحِيَةِ اَلدَّارِ وَمَعَهُ عَنَاقٌ مَكِّيَّةٌ وَيَقُولُ لَهَا: «اُسْجُدِي لِلهِ اَلَّذِي خَلَقَكِ».
ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ اَلَّذِي يَمْلَأُهَا قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً».
فأوَّل ما فيه أنَّه سأله عن مستحقِّ (هذا) الأمر بعده، فقال: «صاحب البهمة»، وهذا نصٌّ عليه بالإمامة.
وقوله: «أمَا إنَّه يملأها قسطاً وعدلاً (كما مُلِئَت ظلماً وجوراً)» لا يمتنع أنْ يكون المراد أنَّ من ولده من يملأها قسطاً وعدلاً، وإذا احتُمِلَ ذلك سقطت المعارضة.
٤٢ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي اَلْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ سِنَانٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) وَذَكَرَ اَلْبِدَاءَ للهِ، فَقَالَ(١٧٥): «فَمَا أَخْرَجَ اَللهُ إِلَى اَلمَلَائِكَةِ، وَأَخْرَجَهُ اَلمَلَائِكَةُ إِلَى اَلرُّسُلِ، فَأَخْرَجَهُ اَلرُّسُلُ إِلَى اَلْآدَمِيِّينَ، فَلَيْسَ فِيهِ بِدَاءٌ، وَإِنَّ مِنَ اَلمَحْتُومِ أَنَّ اِبْنِي هَذَا هُوَ اَلْقَائِمُ».
فما يتضمَّن هذا الخبر من ذكر البداء معناه الظهور على ما بيَّنَّاه في غير موضع.
وقوله: «إنَّ المحتوم أنَّ ابنه هو القائم» معناه القائم بعده في موضع الإمامة والاستحقاق لها دون القيام بالسيف على ما مضى القول فيه.
٤٣ - قَالَ: وَرَوَى بَقْبَاقَةُ - أَخُو بَنِينَ اَلصَّيْرَفِيِّ -، قَالَ: حَدَّثَنِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٤) في الإثبات: (أحمد بن إسحاق العلوي).
(١٧٥) في بعض النُّسَخ: (وذكر البداء فقال: لله البداء).

↑صفحة ٨٣↑

اَلْإِصْطَخْرِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «كَأَنِّي بِابْنِ حَمِيدَةَ عَلَى أَعْوَادِهَا قَدْ دَانَتْ لَهُ شَرْقُ اَلْأَرْضِ وَغَرْبُهَا».
فالوجه فيه أيضاً أنَّه يكون من نسلها على ما مضى القول فيه.
٤٤ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَطَاءٍ ضِرْغَامَةُ، عَنْ خَلَّادٍ اَللُّؤْلُؤِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ اَلمَكِّيُّ(١٧٦)، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) - وَكَانَتْ لَهُ مَنْزِلَةٌ مِنْهُ -، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «يَا سَعِيدُ، [اَلْأَئِمَّةُ](١٧٧) اِثْنَا عَشَرَ إِذَا مَضَى سِتَّةٌ فَتَحَ اَللهُ عَلَى اَلسَّابِعِ، وَيَمْلِكُ مِنَّا أَهْلَ اَلْبَيْتِ خَمْسَةٌ، وَتَطْلُعُ اَلشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا عَلَى يَدِ اَلسَّادِسِ».
فهذا الخبر فيه تصريح بأنَّ الأئمَّة اثنا عشر، وما قال بعد ذلك من التفصيل يكون قول الراوي على ما يذهب إليه الإسماعيليَّة.
٤٥ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي حَنَانُ بْنُ سَدِيرٍ، عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ اَلْأَبْرَصِ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «عَلَى رَأْسِ اَلسَّابِعِ مِنَّا اَلْفَرَجُ».
يحتمل أنْ يكون السابع منه، لأنَّه الظاهر من قوله: «منَّا» إشارة إلى نفسه، وكذلك نقول: السابع منه [هو](١٧٨) القائم [بالأمر].
وليس في الخبر: (السابع من أوَّلنا)، وإذا احتُمِلَ ما قلناه سقطت المعارضة به.
٤٦ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اَلله بْنُ جَبَلَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ جَنَاحٍ(١٧٩)، عَنْ حَازِمِ اِبْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام): إِنَّ أَبَوَيَّ هَلَكَا، وَقَدْ أَنْعَمَ اَللهُ عَلَيَّ وَرَزَقَ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهُمَا وَأَحُجُّ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٦) سعيد المكّي يُطلَق على أربعة أشخاص كلّهم من أصحاب الصادق (عليه السلام).
(١٧٧) من إثبات الهداة (ج ٢/ ص ١٢١/ ح ٣٦١).
(١٧٨) ما بين المعقوفتين من بعض النُّسَخ، وكذا ما يأتي.
(١٧٩) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٢١٩/ الرقم ٢٩١١/١٤٩) من أصحاب الصادق (عليه السلام)، قائلاً: (سَلَمة بن جناح الكوفي).

↑صفحة ٨٤↑

فَقَالَ: «نَعَمْ»، ثُمَّ قَالَ بِيَمِينِهِ: «يَا أَبَا حَازِمٍ، مَنْ جَاءَكَ يُخْبِرُكَ عَنْ صَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ أَنَّهُ غَسَّلَهُ وَكَفَّنَهُ وَنَفَضَ اَلتُّرَابَ مِنْ قَبْرِهِ فَلَا تُصَدِّقْهُ»(١٨٠).
فإنَّما فيه أنَّ صاحب هذا الأمر لا يموت حتَّى يقوم بالأمر، ولم يذكر من هو، والفائدة فيه أنَّ في الناس من اعتقد أنَّه يموت ويبعثه الله ويحييه - على ما سنُبيِّنه -، فكان هذا ردًّا عليه، ولا شبهة فيه.
٤٧ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ اَلصَّيْرَفِيُّ، عَنْ عَبْدِ اَلْكَرِيمِ بْنِ عَمْرٍو(١٨١)، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «كَأَنِّي بِابْنِي هَذَا - يَعْنِي أَبَا اَلْحَسَنِ (عليه السلام) - قَدْ أَخَذَهُ بَنُو فُلَانٍ فَمَكَثَ فِي أَيْدِيهِمْ حِيناً وَدَهْراً، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ أَيْدِيهِمْ فَيَأْخُذُ بِيَدِ رَجُلٍ مِنْ وُلْدِهِ حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهِ إِلَى جَبَلِ رَضْوَى(١٨٢)».
فهذا الخبر لو حُمِلَ على ظاهره لكان كذباً، لأنَّه حُبِسَ في الأولة وخرج ولم يفعل ما تضمَّنه، وفي الثانية لم يخرج.
ثمّ ليس فيه أنَّ من يأخذ بيد رجل من ولده حتَّى ينتهي إلى جبل رضوى أنَّه يكون القائم وصاحب السيف الذي يظهر على الأرض، فلا تعلُّق بمثل ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٠) رواه النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٧٦ و١٧٧/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٦) باختلاف يسير.
ويأتي نحو ذيله في (ح ٤٠٧).
(١٨١) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٤٥/ الرقم ٦٤٥): (عبد الكريم بن عمرو بن صالح الخثعمي، مولاهم، كوفي، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهما السلام)، ثمّ وقف على أبي الحسن (عليه السلام)، كان ثقة ثقة، عيناً، يُلقَّب كرَّاماً).
(١٨٢) في معجم البلدان (ج ٣/ ص ٥١): (رضوى - بفتح أوَّله وسكون ثانيه -: ... جبل بالمدينة...، وهو من ينبع على مسيرة يوم، ومن المدينة على سبع مراحل، ميامنه طريق مكَّة، ومياسره طريق البريراء).

↑صفحة ٨٥↑

٤٨ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ(١٨٣)، عَنْ دَاوُدَ اَلصَّرْمِيِّ(١٨٤)، عَنْ عَلِيِّ اِبْنِ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «مَنْ جَاءَكَ فَقَالَ لَكَ: إِنَّهُ مَرَّضَ اِبْنِي هَذَا وَأَغْمَضَهُ وَغَسَّلَهُ وَوَضَعَهُ فِي لَحْدِهِ وَنَفَضَ يَدَهُ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ، فَلَا تُصَدِّقْهُ».
فهذا الخبر رواه ابن أبي حمزة وهو مطعون عليه، وهو واقفي، وسنذكر(١٨٥) ما دعاه إلى القول بالوقف.
على أنَّه لا يمتنع أنْ يكون المراد به الردُّ على من ربَّما يدَّعي أنَّه تولَّى تمريضه وغسله ويكون في ذلك كاذباً، لأنَّه مرض في الحبس، ولم يصل إليه من يفعل ذلك، وتولَّى بعض مواليه - على ما قدَّمناه - غسله، وعند قوم من أصحابنا تولَّاه ابنه، فيكون قصد البيان عن بطلان قول من يدَّعي ذلك.
٤٩ - قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ(١٨٦)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي اَلْحَسَنِ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ لِي: «يَا عَلِيُّ، مَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّهُ مَرَّضَنِي وَغَمَّضَنِي وَغَسَّلَنِي وَوَضَعَنِي فِي لَحْدِي وَنَفَضَ يَدَهُ مِنْ تُرَابِ قَبْرِي، فَلَا تُصَدِّقْهُ».
فالوجه فيه أيضاً ما قلناه في الخبر الأوَّل سواء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٣) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٣٣/ الرقم ٤٩٦٢/٢) من أصحاب الكاظم (عليه السلام)، وفي (ص ٣٨٤/ الرقم ٥٦٦١/٧) من أصحاب الهادي (عليه السلام).
(١٨٤) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ١٦١/ الرقم ٤٢٥): (داود بن مافنة الصرمي، مولى بني قرة، ثمّ بني صرمة منهم، كوفي، روى عن الرضا (عليه السلام)، يُكنَّى أبا سليمان، وبقي إلى أيَّام أبي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام)).
(١٨٥) يأتي في (ح ٦٥) وما بعده.
(١٨٦) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ١٨٤/ الرقم ٤٨٨): (سليمان بن داود المنقري، أبو أيُّوب الشاذكوني، بصري، ليس بالمتحقِّق بنا، غير أنَّه روى عن جماعة أصحابنا، من أصحاب جعفر بن محمّد (عليه السلام)، وكان ثقةً).

↑صفحة ٨٦↑

٥٠ - قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَعْيَنُ بْنُ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ أَعْيَنَ(١٨٧)، قَالَ: بَعَثَنِي عَبْدُ اَلله اِبْنُ بُكَيْرٍ إِلَى عَبْدِ اَلله اَلْكَاهِلِيِّ سَنَةَ أُخِذَ اَلْعَبْدُ اَلصَّالِحُ (عليه السلام) زَمَنَ اَلمَهْدِيِّ، فَقَالَ: أَقْرِئْهُ اَلسَّلَامَ وَسَلْهُ أَتَاهُ خَبَرٌ...، إِلَى أَنْ قَالَ: أَقْرِئْهُ اَلسَّلَامَ وَقُلْ لَهُ: حَدَّثَنِي أَبُو اَلْعَيْزَارِ(١٨٨) فِي مَسْجِدِكُمْ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَهُوَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «يُقْدَمُ بِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ اَلْعِرَاقَ مَرَّتَيْنِ، فَأَمَّا اَلْأُولَى فَيُعَجَّلُ سَرَاحُهُ وَيُحْسَنُ جَائِزَتُهُ، وَأَمَّا اَلثَّانِيَةُ فَيُحْبَسُ فَيَطُولُ حَبْسُهُ ثُمَّ يُخْرَجُ مِنْ أَيْدِيهِمْ عَنْوَةً».
فهذا الخبر مع أنَّه خبر واحد يحتمل أنْ يكون الوجه فيه أنَّه يخرج من أيديهم عنوة بأنْ ينقله الله إلى دار كرامته، ولا يبقى في أيديهم يُعذِّبونه ويُؤذونه.
على أنَّه ليس فيه مَنْ هو ذلك الشخص، وصاحب الأمر مشترك بينه وبين غيره، فلِمَ حُمِلَ عليه دون غيره؟
٥١ - قَالَ: وَأَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ وَحُمْرَانُ وَاَلْهَيْثَمُ بْنُ وَاقِدٍ اَلْجَزَرِيُّ(١٨٩)، عَنْ عَبْدِ اَلله اَلرَّجَانِيِّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ اَلْعَبْدُ اَلصَّالِحُ (عليه السلام)، فَقَالَ: «يَا أَحْمَدُ، اِفْعَلْ كَذَا».
فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، اِسْمُهُ فُلَانٌ؟
فَقَالَ: «بَلِ اِسْمُهُ أَحْمَدُ وَمُحَمَّدٌ»، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا عَبْدَ اَلله، إِنَّ صَاحِبَ هَذَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٧) لم نجد له ذكراً في كُتُب الرجال، والظاهر أنَّه عبد الرحمن بن أعين الذي كان من أصحاب الباقر والصادق والكاظم (عليهم السلام).
(١٨٨) هو يحيى بن عقبة بن أبي العيزار، أبو القاسم، كوفي، عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٢٢/ الرقم ٤٨٠٤/٢١) من أصحاب الصادق (عليه السلام).
(١٨٩) عدَّه البرقي (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٠) والمؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٢٠/ الرقم ٤٧٦٩/٣٧) من أصحاب الصادق (عليه السلام).
وقال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٣٦/ الرقم ١١٧١): (روى عن أبي عبد الله (عليه السلام)، له كتاب).

↑صفحة ٨٧↑

اَلْأَمْرِ يُؤْخَذُ فَيُحْبَسُ فَيَطُولُ حَبْسُهُ، فَإِذَا هَمُّوا بِهِ دَعَا بِاسْمِ اَلله اَلْأَعْظَمِ فَأَفْلَتَهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ».
فهذا أيضاً من جنس الأوَّل يحتمل أنْ يكون أراد بفلته الموت دون الحياة.
٥٢ - قَالَ: [وَ]رَوَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ اَلْبَزَّازِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مِنْهَالٍ اَلْقَمَّاطُ(١٩٠)، عَنْ حَدِيدٍ اَلسَّابَاطِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ لِأَبِي اَلْحَسَنِ (عليه السلام) غَيْبَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا تَقِلُّ وَاَلْأُخْرَى تَطُولُ، حَتَّى يَجِيئَكُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ مَاتَ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ وَنَفَضَ تُرَابَ اَلْقَبْرِ مِنْ يَدِهِ، فَهُوَ فِي ذَلِكَ كَاذِبٌ لَيْسَ يَمُوتُ وَصِيٌّ حَتَّى يُقِيمَ وَصِيًّا، وَلَا يَلِي اَلْوَصِيَّ إِلَّا اَلْوَصِيُّ، فَإِنْ وَلِيَهُ غَيْرُ وَصِيٍّ عَمِيَ».
وإنَّما فيه تكذيب من يدَّعي موته قبل أنْ يقيم وصيًّا، وهذا لعمري باطل، فأمَّا إذا أوصى وأقام غيره مقامه فإنَّه ليس فيه ذكره(١٩١).
٥٣ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اَلله بْنُ سَلَامٍ أَبُو هُرَيْرَةَ(١٩٢)، عَنْ زُرْعَةَ(١٩٣)، عَنْ مُفَضَّلٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، إِذْ جَاءَهُ أَبُو اَلْحَسَنِ وَمُحَمَّدٌ وَمَعَهُمَا عَنَاقٌ يَتَجَاذَبَانِهَا فَغَلَبَهُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهَا، فَاسْتَحْيَا أَبُو اَلْحَسَنِ، فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٠) الظاهر أنَّه عمرو بن المنهال بن مقلاص القيسي، قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٨٩ و٢٩٠/ الرقم ٧٧٦): (روى عن أبي عبد الله وأبو الحسن (عليهما السلام)، له ولدان: أحمد والحسن من أهل الحديث، له كتاب)، وقال (رحمه الله) في ترجمة ابنه الحسن (ص ٥٧/ الرقم ١٣٣): (إنَّه كوفي، ثقة، هو وأبوه أيضاً).
(١٩١) كذا، والظاهر أنَّ الصحيح: (نكرة).
(١٩٢) وقع في طريق النجاشي (رحمه الله) إلى كتاب خالد بن ماد القلانسي الكوفي.
راجع: رجال النجاشي (ص ١٤٩/ الرقم ٣٨٨).
(١٩٣) هو زرعة بن محمّد، أبو محمّد الحضرمي الذي وثَّقه النجاشي (رحمه الله)، قال المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٣٧/ الرقم ٥٠١١/٢).
وقال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ١٧٦/ الرقم ٤٦٦): (إنَّه واقفي المذهب).

↑صفحة ٨٨↑

جَانِبِي، فَضَمَمْتُهُ إِلَيَّ وَقَبَّلْتُهُ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «أَمَا إِنَّهُ صَاحِبُكُمْ مَعَ أَنَّ بَنِي اَلْعَبَّاسِ يَأْخُذُونَهُ فَيَلْقَى مِنْهُمْ عَنَتاً، ثُمَّ يُفْلِتُهُ اَللهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ بِضَرْبٍ مِنَ اَلضُّرُوبِ، ثُمَّ يَعْمَى عَلَى اَلنَّاسِ أَمْرُهُ حَتَّى تَفِيضَ عَلَيْهِ اَلْعُيُونُ، وَتَضْطَرِبَ فِيهِ اَلْقُلُوبُ كَمَا تَضْطَرِبُ اَلسَّفِينَةُ فِي لُجَّةِ اَلْبَحْرِ وَعَوَاصِفِ اَلرِّيحِ، ثُمَّ يَأْتِي اَللهُ عَلَى يَدَيْهِ بِفَرَجٍ لِهَذِهِ اَلْأُمَّةِ لِلدِّينِ وَاَلدُّنْيَا».
فما تضمَّن هذا الخبر من أنَّ بني العبَّاس يأخذونه صحيح جرى الأمر فيه على ذلك، وأفلته الله منهم بالموت.
وقوله: «يَعْمَى عَلَى اَلنَّاسِ أَمْرُهُ» كذلك هو، لأنَّه اختُلِفَ فيه هذا الاختلاف، وفاضت عليه عيون عند موته.
وقوله: «ثُمَّ يَأْتِي اَللهُ عَلَى يَدَيْهِ» يعني على يدي من يكون من ولده بفرج لهذه الأُمَّة، وهو الحجَّة (عليه السلام)، وقد بيَّنَّا ذلك في نظائره.
٥٤ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي حَنَانٌ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ اَلمَسْعُودِيِّ(١٩٤)، قَالَ: حَدَّثَنَا اَلْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو(١٩٥)، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله اَلنُّعْمَانِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «صَاحِبُ اَلْأَمْرِ يُسْجَنُ حِيناً، وَيَمُوتُ حِيناً، وَيَهْرُبُ حِيناً».
فأوَّل ما فيه أنَّه قال: «يموت حيناً»، وذلك خلاف مذهب الواقفة، فأمَّا الهرب فإنَّما صحَّ ذلك فيمن ندَّعيه نحن دون من يذهبون إليه، لأنَّ أبا الحسن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٤) عنونه المؤلِّف (رحمه الله) في الفهرست (ص ٢٧٠/ الرقم ٨٣٢/١١)، قائلاً: (له كتاب)، وعدَّه (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٥٢/ الرقم ٦٤١٩/٢٠) فيمن لم يرو عنهم (عليهم السلام).
(١٩٥) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ١٠٥/ الرقم ١٠٣٥/٢) من أصحاب الحسين (عليه السلام)، وفي (ص ١١٩/ الرقم ١٢١٦/٣) من أصحاب عليِّ بن الحسين (عليه السلام)، وفي (ص ١٤٧/ الرقم ١٦٣٠/٦١) من أصحاب الباقر (عليه السلام) بزيادة كلمة (مولاهم)، وفي (ص ٣٠٦/ الرقم ٤٥١٣/٥٣٨) من أصحاب الصادق (عليه السلام)، قائلاً: (المنهال بن عمرو الأسدي، كوفي، روى عن عليِّ بن الحسين وأبي جعفر وأبي عبد الله (عليهم السلام)).

↑صفحة ٨٩↑

موسى (عليه السلام) ما علمنا أنَّه هرب وإنَّما هو شيء يدَّعونه لا يوافقهم عليه أحد، ونحن يمكننا أنْ نتأوَّل قوله: «يموت حيناً» بأنْ نقول: يموت ذكره.
٥٥ - قَالَ: وَرَوَى بَحْرُ بْنُ زِيَادٍ(١٩٦)، عَنْ عَبْدِ اَلله اَلْكَاهِلِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنْ جَاءَكُمْ مَنْ يُخْبِرُكُمْ بِأَنَّهُ مَرِضَ اِبْنِي هَذَا وَهُوَ شَهِدَهُ، وَهُوَ أَغْمَضَهُ وَغَسَّلَهُ وَأَدْرَجَهُ فِي أَكْفَانِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَوَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ، وَهُوَ حَثَا عَلَيْهِ اَلتُّرَابَ، فَلَا تُصَدِّقُوهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَا».
فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ اَلتَّمِيمِيُّ(١٩٧) - وَكَانَ حَاضِرَ اَلْكَلَامِ بِمَكَّةَ -: يَا أَبَا يَحْيَى، هَذِهِ وَاَلله فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ.
فَقَالَ لَهُ اَلْكَاهِلِيُّ: فَسَهْمُ اَلله فِيهِ أَعْظَمُ، يَغِيبُ عَنْهُمْ شَيْخٌ وَيَأْتِيهِمْ شَابٌّ فِيهِ سُنَّةٌ مِنْ يُونُسَ.
فليس فيه أكثر من تكذيب من يدَّعي أنَّه فعل ذلك وتولَّاه، لعلمه بأنَّه ربَّما ادَّعى ذلك من هو كاذب، لأنَّه لم يتولَّ أمره إلَّا ابنه عند قوم أو مولاه على المشهور، فأمَّا غير ذلك فمن ادَّعاه كان كاذباً.
وأمَّا ظهور صاحب هذا الأمر فلعمري يكون في صورة شابٍّ ويظنُّ قوم أنَّه شاخ، لأنَّه في سنِّ شيخ قد هرم.
٥٦ - قَالَ: وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ اَلْحَارِثِ، رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ قَدْ يَقُومُ اَلْقَائِمُ لَقَالَ اَلنَّاسُ: أَنَّى يَكُونُ هَذَا وَبَلِيَتْ عِظَامُهُ»(١٩٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٦) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ١٧٢/ الرقم ٢٠١٣/٦٤) من أصحاب الصادق (عليه السلام)، قائلاً: (بحر بن زياد البصري).
(١٩٧) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣١٣/ الرقم ٤٦٤٤/٦٦٩) من أصحاب الصادق (عليه السلام)، قائلاً: (محمّد بن زياد التميمي، عربي، كوفي).
(١٩٨) روى نحوه النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٥٦ و١٥٧/ باب ١٠/ فصل ١/ ح ١٣).
ويأتي نحوه في (ح ٤٠٦).

↑صفحة ٩٠↑

فإنَّما فيه أنَّ قوماً يقولون: إنَّه بليت عظامه لأنَّهم يُنكِرون أنْ يبقى هذه المدَّة الطويلة، وقد ادَّعى قوم أنَّ صاحب الزمان مات وغيَّبه الله، فهذا ردٌّ عليهم.
٥٧ - قَالَ: وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «فِي صَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ أَرْبَعُ سُنَنٍ مِنْ أَرْبَعَةِ أَنْبِيَاءَ: سُنَّةٌ مِنْ مُوسَى، وَسُنَّةٌ مِنْ عِيسَى، وَسُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ، وَسُنَّةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم). أَمَّا [مِنْ](١٩٩) مُوسَى فَخَائِفٌ يَتَرَقَّبُ، وَأَمَّا [مِنْ] يُوسُفَ فَالسِّجْنُ، وَأَمَّا [مِنْ] عِيسَى فَيُقَالُ: مَاتَ، وَلَمْ يَمُتْ، وَأَمَّا [مِنْ] مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَالسَّيْفُ»(٢٠٠).
فما تضمَّن هذا الخبر من الخصال كلّها حاصلة في صاحبنا.
فإنْ قيل: صاحبكم لم يُسجَن في الحبس.
قلنا: لم يُسجَن في الحبس وهو في معنى المسجون، لأنَّه بحيث لا يُوصَل إليه ولا يُعرَف شخصه على التعيين، فكأنَّه مسجون.
٥٨ - قَالَ: وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اَلله، عَنْ زُرْعَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُفَضَّلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ بَنِي اَلْعَبَّاسِ سَيَعْبَثُونَ بِابْنِي هَذَا، وَلَنْ يَصِلُوا إِلَيْهِ»، ثُمَّ قَالَ: «وَمَا صَائِحَةٌ تَصِيحُ، وَمَا سَاقَةٌ تَسْقُ، وَمَا مِيرَاثٌ يُقْسَمُ، وَمَا أَمَةٌ تُبَاعُ».
٥٩ - [قَالَ](٢٠١): وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ اَلْحَجَّاجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ بَنِي فُلَانٍ يَأْخُذُونَنِي وَيَحْبِسُونَنِي»، وَقَالَ: «وَذَاكَ وَإِنْ طَالَ فَإِلَى سَلَامَةٍ».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٩) ما بين المعقوفتين من إثبات الهداة (ج ٥/ ص ١١٧/ ح ٢٧٦)، وكذا ما بعده.
(٢٠٠) يأتي في (ح ٤٠٨)، وله تخريجات نذكرها هناك.
(٢٠١) من إثبات الهداة (ج ٤/ ص ٢٤٧/ ح ٣٨).

↑صفحة ٩١↑

فالوجه في الخبر الأوَّل أنَّهم ما يصلون إلى دينه وفساد أمره، دون أنْ لا يصلوا إلى جسمه بالحبس، لأنَّ الأمر جرى على خلافه.
وكذلك قوله: «وَذَاكَ وَإِنْ طَالَ فَإِلَى سَلَامَةٍ» معناه إلى سلامة من دينه(٢٠٢).
٦٠ - قَالَ: وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ اَلمُسْتَنِيرِ، عَنِ اَلمُفَضَّلِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ غَيْبَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا أَطْوَلُ [مِنَ اَلْأُخْرَى](٢٠٣)، حَتَّى يُقَالَ: مَاتَ، وَبَعْضٌ يَقُولُ: قُتِلَ، فَلَا يَبْقَى عَلَى أَمْرِهِ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَا يَطَّلِعُ أَحَدٌ عَلَى مَوْضِعِهِ وَأَمْرِهِ وَلَا غَيْرِهِ إِلَّا اَلمَوْلَى اَلَّذِي يَلِي أَمْرَهُ»(٢٠٤).
فهذا الخبر صريح فيما(٢٠٥) نذهب إليه في صاحبنا، لأنَّ له غيبتين، الأُولى كان يُعرَف فيها أخباره ومكاتباته، والثانية أطول انقطع ذلك فيها، وليس يطَّلع عليه أحد إلَّا من يختصُّه، وليس كذلك لأبي الحسن موسى (عليه السلام).
٦١ - قال: وروى عليُّ بن معاذ، قال: قلت لصفوان بن يحيى: بأيِّ شيء قطعت على عليٍّ(٢٠٦)؟
قال: صلَّيت ودعوت الله واستخرت (عليه)(٢٠٧) وقطعت عليه.
فهذا ليس فيه أكثر من التشنيع على رجل بالتقليد، وإنْ صحَّ ذلك فليس فيه حجَّة على غيره.
على أنَّ الرجل الذي ذُكِرَ ذلك عنه فوق هذه المنزلة، لموضعه وفضله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٢) في بعض النُّسَخ: (إلى سلامة في دينه).
(٢٠٣) من إثبات الهداة (ج ٥/ ص ١١٨/ ح ٢٧٩).
(٢٠٤) يأتي في (ح ١٢٠)، وله تخريجات نذكرها هناك.
(٢٠٥) في بعض النُّسَخ: (بما).
(٢٠٦) ليس في بعض النُّسَخ.
(٢٠٧) أي الإمام الرضا (عليه السلام).

↑صفحة ٩٢↑

وزهده ودينه، فكيف يستحسن أنْ يقول لخصمه في مسألة علميَّة: إنَّه قال فيها بالاستخارة؟ اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يعتقد فيه من البله والغفلة ما يُخرجه عن التكليف، فيسقط المعارضة لقوله(٢٠٨).
٦٢ - ثمّ قال: وقال عليٌّ بقباقة: سألت صفوان بن يحيى وابن جندب وجماعة من مشيختهم - وكان الذي بينه وبينهم عظيم -: بأيِّ شيء قطعتم على هذا الرجل الشيء بان لكم فأقبل قولكم؟
قالوا كلُّهم: لا والله إلَّا أنَّه قال فصدَّقناه، وأحالوا جميعاً على البزنطي.
فقلت: سوءة لكم وأنتم مشيخة الشيعة، أترسلونني إلى ذلك الصبيِّ الكذَّاب فأقبل منه وأدعكم أنتم؟
والكلام في هذا الخبر مثل ما قلناه في الخبر الأوَّل سواء.
٦٣ - قَالَ: وَسُئِلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِبَاطٍ(٢٠٩): هَلْ سَمِعَ أَحَداً رَوَى عَنْ أَبِي اَلْحَسَنِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: عَلِيٌّ اِبْنِي وَصِيِّي أَوْ إِمَامٌ بَعْدِي أَوْ بِمَنْزِلَتِي مِنْ أَبِي أَوْ خَلِيفَتِي أَوْ مَعْنَى هَذَا؟
قَالَ: لَا.
فليس فيه أكثر من أنَّ ابن رباط قال: إنَّه لم يسمع أحداً يقول ذلك، وإذا لم يسمع هو لا يدلُّ على أنَّ غيره لم يسمعه، وقد قدَّمنا طرفاً من الأخبار عمَّن سمع ذلك، فسقط الاعتراض به.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٨) كذا، والظاهر أنَّ الصحيح: (بقوله).
(٢٠٩) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٥١/ الرقم ٦٥٩): (عليُّ بن الحسن بن رباط البجلي، أبو الحسن، كوفي، ثقة، معوَّل عليه).
وعدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٦٢/ الرقم ٥٣٧٤/٦٠) من أصحاب الرضا (عليه السلام).
ويظهر من المؤلِّف (رحمه الله) في تهذيب الأحكام (ج ٨/ ص ٩٧/ ذيل الحديث ٣٢٨/٧)، والاستبصار (ج ٣/ ص ٣١٧/ ذيل الحديث ١١٢٨/٨) اعتماده عليه.

↑صفحة ٩٣↑

٦٤ - قال: وسأل أبو بكر الأرمني عبد الله بن المغيرة: بأيِّ شيء قطعت على عليٍّ؟
قال: أخبرتني سلمى(٢١٠) أنَّه لم يكن عند أبيه أحد بمنزلته.

فالوجه فيه أيضاً ما قلناه في غيره سواء.
ومن طرائف الأُمور أنْ يتوصَّل إلى الطعن على قوم أجلَّاء في الدِّين والعلم والورع بالحكايات عن أقوام لا يُعرَفون، ثمّ لا يقنع بذلك حتَّى يجعل ذلك دليلاً على فساد المذهب، إنَّ هذه لعصبيَّة ظاهرة وتحامل عظيم، ولولا أنَّ رجلاً منسوباً إلى العلم له صيت وهو من وجوه المخالفين لنا أورد هذه الأخبار وتعلَّق بها، لم يحسن إيرادها، لأنَّها كلُّها ضعيفة رواها من لا يُوثَق بقوله.
فأوَّل دليل على بطلانها أنَّه لم يثق قائل بها - على ما سنُبيِّنه -، ولولا صعوبة الكلام على المتعلِّق بها في الغيبة بعد تسليم الأُصول وضيق الأمر عليه فيه وعجزه عن الاعتراض عليه لما التجأ إلى هذه الخرافات، فإنَّ المتعلِّق بها يعتقد بطلانها كلَّها.
[السبب الباعث لقوم على القول بالوقف]:
وقد روي السبب الذي دعا قوماً إلى القول بالوقف.
٦٥ - فروى الثقات أنَّ أوَّل من أظهر هذا الاعتقاد عليُّ بن أبي حمزة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٠) هي سالمة مولاة أبي عبد الله (عليه السلام) التي عدَّها المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٢٧/ الرقم ٤٩١٠/٢) من أصحاب الصادق (عليه السلام).
وعدَّها البرقي (رحمه الله) في رجاله (ص ٦٢) ممَّن روى عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قائلاً: (سلمى مولاة أبي عبد الله).
والمراد من (عليٍّ) الرضا (عليه السلام).

↑صفحة ٩٤↑

البطائني، وزياد بن مروان القندي(٢١١)، وعثمان بن عيسى الرواسي، طمعوا في الدنيا، ومالوا إلى حطامها، واستمالوا قوماً فبذلوا لهم شيئاً ممَّا اختانوه من الأموال، نحو حمزة بن بزيع، وابن المكاري(٢١٢)، وكرَّام الخثعمي(٢١٣)، وأمثالهم.
٦٦ - فَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى اَلْعَطَّارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ اَلْفَضْلِ(٢١٤)، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ، قَالَ: مَاتَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) وَلَيْسَ مِنْ قُوَّامِهِ أَحَدٌ إِلَّا وَعِنْدَهُ اَلمَالُ اَلْكَثِيرُ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ وَقْفِهِمْ وَجَحْدِهِمْ مَوْتَهُ، طَمَعاً فِي اَلْأَمْوَالِ، كَانَ عِنْدَ زِيَادِ بْنِ مَرْوَانَ اَلْقَنْدِيِّ سَبْعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ ثَلَاثُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ وَتَبَيَّنْتُ اَلْحَقَّ وَعَرَفْتُ مِنْ أَمْرِ أَبِي اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا (عليه السلام) مَا عَلِمْتُ تَكَلَّمْتُ وَدَعَوْتُ اَلنَّاسَ إِلَيْهِ، فَبَعَثَا إِلَيَّ وَقَالَا: مَا يَدْعُوكَ إِلَى هَذَا؟ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ اَلمَالَ فَنَحْنُ نُغْنِيكَ، وَضَمِنَا لِي عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَقَالَا [لِي](٢١٥): كُفَّ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١١) قد ورد ترجمته في كُتُب الرجال وغيرها، وبحث عنه السيِّد الخوئي (قدّس سره) في معجم رجال الحديث (ج ٨/ ص ٣٢٦ - ٣٣١/ الرقم ٤٨١١) مفصَّلاً، ثمّ استظهر بأنَّه ثقة، لوجهين: وقوعه في أسانيد كامل الزيارات، وعدِّه الشيخ المفيد (رحمه الله) في الإرشاد من خاصَّة الكاظم (عليه السلام) وثقاته وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته في فصل ممَّن روى النصَّ على الرضا (عليه السلام) بالإمامة من أبيه.
(٢١٢) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٨/ الرقم ٧٨): (الحسين بن أبي سعيد، هاشم بن حيَّان المكاري، أبو عبد الله، كان [هو] وأبوه وجهين في الواقفة، وكان الحسين ثقةً في حديثه).
(٢١٣) هو عبد الكريم بن عمرو بن صالح الخثعمي المتقدِّم ذكره في (ح ٤٧).
(٢١٤) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٣٢/ الرقم ٤٩٤٩/٢٨) من أصحاب الكاظم (عليه السلام)، قائلاً: (واقفي).
وقال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٨٩/ الرقم ٢١٨): (له كتاب النوادر).
وقال الكشِّي (رحمه الله) في رجاله (ج ٢/ ص ٨٣٠/ ح ١٠٤٩): (ذكر بعض أشياخي أنَّ أحمد بن الفضل الخزاعي واقفي).
(٢١٥) من بحار الأنوار (ج ٤٨/ ص ٢٥٢).

↑صفحة ٩٥↑

فَأَبَيْتُ، وَقُلْتُ لَهُمَا: إِنَّا رُوِّينَا عَنِ اَلصَّادِقِينَ (عليهم السلام) أَنَّهُمْ قَالُوا: «إِذَا ظَهَرَتِ اَلْبِدَعُ فَعَلَى اَلْعَالِمِ أَنْ يُظْهِرَ عِلْمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ سُلِبَ نُورَ اَلْإِيمَانِ»، وَمَا كُنْتُ لِأَدَعَ اَلْجِهَادَ وَأَمْرَ اَلله عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَنَاصَبَانِي وَأَضْمَرَا لِيَ اَلْعَدَاوَةَ(٢١٦).
٦٧ - وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ اَلْحَسَنِ بْنِ اَلْوَلِيدِ، عَنِ اَلصَّفَّارِ وَسَعْدِ بْنِ عَبْدِ اَلله اَلْأَشْعَرِيِّ جَمِيعاً، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ اَلْأَنْبَارِيِّ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، قَالَ: مَضَى أَبُو إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) وَعِنْدَ زِيَادٍ اَلْقَنْدِيِّ سَبْعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى اَلرَّوَّاسِيِّ ثَلَاثُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَخَمْسُ جَوَارٍ، وَمَسْكَنُهُ بِمِصْرَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ أَبُو اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا (عليه السلام) أَنِ اِحْمِلُوا مَا قِبَلَكُمْ مِنَ اَلمَالِ وَمَا كَانَ اِجْتَمَعَ لِأَبِي عِنْدَكُمْ مِنْ أَثَاثٍ وَجَوَارٍ، فَإِنِّي وَارِثُهُ وَقَائِمٌ مَقَامَهُ، وَقَدِ اِقْتَسَمْنَا مِيرَاثَهُ، وَلَا عُذْرَ لَكُمْ فِي حَبْسِ مَا قَدِ اِجْتَمَعَ لِي وَلِوَارِثِهِ قِبَلَكُمْ» وَكَلَامٌ يُشْبِهُ هَذَا.
فَأَمَّا اِبْنُ أَبِي حَمْزَةَ فَإِنَّهُ أَنْكَرَهُ وَلَمْ يَعْتَرِفْ بِمَا عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ زِيَادٌ اَلْقَنْدِيُّ.
وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ عِيسَى فَإِنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ أَبَاكَ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِ) لَمْ يَمُتْ، وَهُوَ حَيٌّ قَائِمٌ، وَمَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ مَاتَ فَهُوَ مُبْطِلٌ، وَأَعْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ مَضَى كَمَا تَقُولُ، فَلَمْ يَأْمُرْنِي بِدَفْعِ شَيْءٍ إِلَيْكَ، وَأَمَّا اَلْجَوَارِي فَقَدْ أَعْتَقْتُهُنَّ وَتُزُوِّجَتْ بِهِنَّ.
٦٨ - وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عُقْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ اَلتَّيْمِيِّ(٢١٧)، قَالَ: سَمِعْتُ حَرْبَ بْنَ اَلْحَسَنِ اَلطَّحَّانَ(٢١٨) يُحَدِّثُ يَحْيَى بْنَ اَلْحَسَنِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٦) رواه الكشِّي (رحمه الله) في رجاله (ج٢/ ص ٧٨٦/ ح ٩٤٦)، وفي (ج ٢/ ص ٧٠٦/ ح ٧٥٩) بإسناده عن محمّد بن جمهور صدره، وابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ٧٥/ صدر الحديث ٦٦) بإسناده عن أحمد بن الفضل صدره، والصدوق (رحمه الله) في علل الشرائع (ج ١/ ص ٢٣٥ و٢٣٦/ باب ١٧١/ ح ١)، وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ١٠٣/ باب ١٠/ ح ٢).
(٢١٧) في بعض النُّسَخ: (التيملي).
(٢١٨) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ١٤٨/ الرقم ٣٨٦): (كوفي، قريب الأمر في الحديث، له كتاب، عامِّي الرواية)؛ وفي بعض النُّسَخ: (حارث بن الحسن).

↑صفحة ٩٦↑

اَلْعَلَوِيَّ(٢١٩) أَنَّ يَحْيَى بْنَ اَلمُسَاوِرِ(٢٢٠) قَالَ: حَضَرَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ اَلشِّيعَةِ، وَكَانَ فِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: دَخَلَ عَلِيُّ بْنُ يَقْطِينٍ عَلَى أَبِي اَلْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام)، فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ، فَأَجَابَهُ، ثُمَّ قَالَ أَبُو اَلْحَسَنِ (عليه السلام): «يَا عَلِيُّ، صَاحِبُكَ يَقْتُلُنِي».
فَبَكَى عَلِيُّ بْنُ يَقْطِينٍ، وَقَالَ: يَا سَيِّدِي، وَأَنَا مَعَهُ؟
قَالَ: «لَا يَا عَلِيُّ لَا تَكُونُ مَعَهُ وَلَا تَشْهَدُ قَتْلِي».
قَالَ عَلِيٌّ: فَمَنْ لَنَا بَعْدَكَ، يَا سَيِّدِي؟
فَقَالَ: «عَلِيٌّ اِبْنِي هَذَا، هُوَ خَيْرُ مَنْ أُخْلِفُ بَعْدِي، هُوَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ أَبِي، هُوَ لِشِيعَتِي عِنْدَهُ عِلْمُ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، سَيِّدٌ فِي اَلدُّنْيَا وَسَيِّدٌ فِي اَلْآخِرَةِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ اَلمُقَرَّبِينَ».
فَقَالَ يَحْيَى بْنُ اَلْحَسَنِ لِحَرْبٍ: فَمَا حَمَلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي حَمْزَةَ عَلَى أَنْ بَرِئَ مِنْهُ وَحَسَدَهُ؟
قَالَ: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ اَلمُسَاوِرِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: حَمَلَهُ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ مَالِهِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٩) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٥٠/ الرقم ٦٣٩٧/٨) في من لم يرو عنهم (عليهم السلام)، ثمّ قال: (له كتاب نسب آل أبي طالب). وقال (رحمه الله) في الفهرست (ص ٢٦٣/ الرقم ٨٠٣/١٤): (له كتاب المسجد).
وصرَّح النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٤١ و٤٤٢/ الرقم ١١٨٩) أنَّ من له كتاب المسجد وكتاب نسب آل أبي طالب رجل واحد، وهو يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين ابن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، أبو الحسين، العالم الفاضل الصدوق، روى عن الرضا (عليه السلام).
(٢٢٠) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٢٢/ الرقم ٤٧٩٦/١٣) من أصحاب الصادق (عليه السلام)، قائلاً: (يحيى بن المساور، أبو زكريا التميمي، مولاهم، كوفي).
وعدَّه البرقي (رحمه الله) في رجاله (ص ٣١) من أصحاب الصادق (عليه السلام)، قائلاً: (يحيى بن المساور العابد).
وقد أدرك أربعة من الأئمَّة (عليهم السلام) من الباقر إلى الرضا (عليهم السلام).

↑صفحة ٩٧↑

[اَلَّذِي](٢٢١) اِقْتَطَعَهُ، لِيُشْقِيَهُ اَللهُ فِي اَلدُّنْيَا وَاَلْآخِرَةِ. ثُمَّ دَخَلَ بَعْضُ بَنِي هَاشِمٍ وَاِنْقَطَعَ اَلْحَدِيثُ.
٦٩ - وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ حُبْشِيِّ بْنِ قُونِيٍّ(٢٢٢)، عَنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ اَلْحَسَنِ اِبْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ(٢٢٣)، قَالَ: كُنْتُ أَرَى عِنْدَ عَمِّي عَلِيِّ بْنِ اَلْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ شَيْخاً مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ، وَكَانَ يُهَازِلُ عَمِّي، فَقَالَ لَهُ يَوْماً: لَيْسَ فِي اَلدُّنْيَا شَرٌّ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ اَلشِّيعَةِ - أَوْ قَالَ: اَلرَّافِضَةِ -.
فَقَالَ لَهُ عَمِّي: وَلِمَ لَعَنَكَ اَللهُ؟
قَالَ: أَنَا زَوْجُ بِنْتِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بِشْرٍ اَلسَّرَّاجِ(٢٢٤)، قَالَ لِي لَـمَّا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ: إِنَّهُ كَانَ عِنْدِي عَشَرَةُ آلَافِ دِينَارٍ وَدِيعَةً لِمُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليه السلام)، فَدَفَعْتُ اِبْنَهُ عَنْهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَشَهِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ، فَالله اَلله خَلِّصُونِي مِنَ اَلنَّارِ وَسَلِّمُوهَا إِلَى اَلرِّضَا (عليه السلام).
فَوَاَلله مَا أَخْرَجْنَا حَبَّةً، وَلَقَدْ تَرَكْنَاهُ يَصْلَى بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ(٢٢٥).
وإذا كان أصل هذا المذهب أمثال هؤلاء، كيف يُوثَق برواياتهم أو يُعوَّل عليها؟!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢١) من بعض النُّسَخ.
(٢٢٢) قال المؤلِّف (رحمه الله) في الفهرست (ص ١٦٣/ الرقم ٤٢٨/٥٥): (له كتاب الهدايا، أخبرنا به أحمد ابن عبدون، عنه)، وعدَّه (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٣٢/ الرقم ٦١٨٩/٣٢) في من لم يرو عنهم (عليهم السلام)، قائلاً: (عليُّ بن حبشي بن قوني الكاتب)، وقد كنَّاه (رحمه الله) في بعض الروايات بأبي القاسم، كما في تهذيب الأحكام (ج ٦/ ص ٥٢/ ح ١٢٤/١).
(٢٢٣) قد وقع بهذا العنوان في طريق المؤلِّف (رحمه الله) إلى سعد بن طريف في الفهرست (ص ١٣٧/ الرقم ٣٢١/٦).
(٢٢٤) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٧٥/ الرقم ١٨١): (أحمد بن أبي بشر السرَّاج، كوفي، مولى، يُكنَّى أبا جعفر، ثقة في الحديث، واقف، روى عن موسى بن جعفر (عليه السلام)، له كتاب نوادر).
وقد ترجم له المؤلِّف (رحمه الله) في الفهرست (ص ٦٢/ الرقم ٦٤/٢).
(٢٢٥) رواه ابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٤٤٨) مختصراً.

↑صفحة ٩٨↑

[الأخبار الواردة في طعن رواة الواقفة]:
وأمَّا ما روي من الطعن على رواة الواقفة فأكثر من أنْ يُحصى، وهو موجود في كُتُب أصحابنا نحن نذكر طرفاً منه.
٧٠ - رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى اَلْأَشْعَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ اَلْخَشَّابِ(٢٢٦)، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَعُيَيْنَةُ بَيَّاعُ اَلْقَصَبِ(٢٢٧) عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ اَلْبَطَائِنِيِّ - وَكَانَ رَئِيسَ اَلْوَاقِفَةِ -، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ لِي أَبُو إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام): «إِنَّمَا أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ يَا عَلِيُّ أَشْبَاهُ اَلْحَمِيرِ».
فَقَالَ لِي عُيَيْنَةُ: أَسَمِعْتَ؟
قُلْتُ: إِي وَاَلله لَقَدْ سَمِعْتُ.
فَقَالَ: لَا وَاَلله، لَا أَنْقُلُ إِلَيْهِ قَدَمِي مَا حَيِيتُ.
٧١ - وَرَوَى اِبْنُ عُقْدَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ اَلْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ اِبْنِ يَزِيدَ(٢٢٨) وَعَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ جَمِيعاً، قَالَا: قَالَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ عِيسَى اَلرَّوَّاسِيُّ:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٦) هو الحسن بن موسى الخشَّاب الذي قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٢/ الرقم ٨٥): (من وجوه أصحابنا، مشهور، كثير العلم والحديث، له مصنَّفات، منها: كتاب الردِّ على الواقفة).
وقد ترجم له المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٢٠/ الرقم ٦٠٦٨/٣)، وفي الفهرست (ص ٩٩/ الرقم ١٧٠/١٠).
(٢٢٧) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٠٢/ الرقم ٨٢٥): (عيينة بن ميمون، بيَّاع القصب، ثقة، عين، مولى بجيلة، روى عن أبي عبد الله (عليه السلام)).
وعدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٦٢/ الرقم ٣٧٣٣/٦٤٢) من أصحاب الصادق (عليه السلام)، قائلاً: (عيينة بن ميمون البجلي، مولاهم القصباني، كوفي).
(٢٢٨) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٦٦/ الرقم ٥٤٤١/٥٤) من أصحاب الرضا (عليه السلام)، وترجم له في الفهرست (ص ٢١٥/ الرقم ٦٠٦/٢١) أيضاً.
وكذا ترجم له النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٦٤/ الرقم ٩٨١)، قائلاً: (محمّد بن عمر بن يزيد، بيَّاع السابري، روى عن أبي الحسن (عليه السلام)، له كتاب).

↑صفحة ٩٩↑

حَدَّثَنِي زِيَادٌ اَلْقَنْدِيُّ وَاِبْنُ مُسْكَانَ، قَالَا: كُنَّا عِنْدَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) إِذْ قَالَ: «يَدْخُلُ عَلَيْكُمُ اَلسَّاعَةَ خَيْرُ أَهْلِ اَلْأَرْضِ».
فَدَخَلَ أَبُو اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا (عليه السلام) وَهُوَ صَبِيٌّ، فَقُلْنَا: خَيْرُ أَهْلِ اَلْأَرْضِ!
ثُمَّ دَنَا فَضَمَّهُ إِلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: «يَا بُنَيَّ، تَدْرِي مَا قَالَ ذَانِ؟».
قَالَ: «نَعَمْ يَا سَيِّدِي، هَذَانِ يَشُكَّانِ فِيَّ».
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَسْبَاطٍ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا اَلْحَدِيثِ اَلْحَسَنَ بْنَ مَحْبُوبٍ، فَقَالَ: بَتَرَ(٢٢٩) اَلْحَدِيثَ، لَا وَلَكِنْ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ رِئَابٍ أَنَّ أَبَا إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) قَالَ لَهُمَا: «إِنْ جَحَدْتُمَاهُ حَقَّهُ أَوْ خُنْتُمَاهُ فَعَلَيْكُمَا لَعْنَةُ اَلله وَاَلمَلَائِكَةِ وَاَلنَّاسِ أَجْمَعِينَ. يَا زِيَادُ، لَا تَنْجُبُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ أَبَداً».
قَالَ عَلِيُّ بْنُ رِئَابٍ: فَلَقِيتُ زِيَادَ اَلْقَنْدِيِّ، فَقُلْتُ لَهُ: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) قَالَ لَكَ كَذَا وَكَذَا.
فَقَالَ: أَحْسَبُكَ قَدْ خُولِطْتَ.
فَمَرَّ وَتَرَكَنِي، فَلَمْ أُكَلِّمْهُ وَلَا مَرَرْتُ بِهِ.
قَالَ اَلْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ: فَلَمْ نَزَلْ نَتَوَقَّعُ لِزِيَادٍ دَعْوَةَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) حَتَّى ظَهَرَ مِنْهُ أَيَّامَ اَلرِّضَا (عليه السلام) مَا ظَهَرَ، وَمَاتَ زِنْدِيقاً.
٧٢ - وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي اَلْخَطَّابِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي اَلْبِلَادِ، قَالَ: قَالَ اَلرِّضَا (عليه السلام): «مَا فَعَلَ اَلشَّقِيُّ حَمْزَةُ بْنُ بَزِيعٍ(٢٣٠)؟».
قُلْتُ: هُوَ ذَا، هُوَ قَدْ قَدِمَ.
فَقَالَ: «يَزْعُمُ أَنَّ أَبِي حَيٌّ، هُمُ اَلْيَوْمَ شُكَّاكٌ، وَلَا يَمُوتُونَ غَداً إِلَّا عَلَى اَلزَّنْدَقَةِ».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٩) بتر الحديث: أي جعله أبتراً وترك آخره، ثمّ ذكر ما تركه الراوي.
(٢٣٠) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٥٦/ الرقم ٥٢٧٨/٣٩) من أصحاب الرضا (عليه السلام).

↑صفحة ١٠٠↑

قَالَ صَفْوَانُ: فَقُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي: شُكَّاكٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَكَيْفَ يَمُوتُونَ عَلَى اَلزَّنْدَقَةِ؟! فَمَا لَبِثْنَا إِلَّا قَلِيلاً حَتَّى بَلَغَنَا عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ هُوَ كَافِرٌ بِرَبٍّ أَمَاتَهُ.
قَالَ صَفْوَانُ: فَقُلْتُ: هَذَا تَصْدِيقُ اَلْحَدِيثِ(٢٣١).
٧٣ - وَرَوَى أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ(٢٣٢)، قَالَ: قُلْتُ لِلْقَاسِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ اَلْقُرَشِيِّ(٢٣٣) - وَكَانَ مَمْطُوراً(٢٣٤) -: أَيَّ شَيْءٍ سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدِ اِبْنِ أَبِي حَمْزَةَ؟
قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْهُ إِلَّا حَدِيثاً وَاحِداً.
قَالَ اِبْنُ رَبَاحٍ: ثُمَّ أَخْرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ حَدِيثاً كَثِيراً فَرَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ.
قَالَ اِبْنُ رَبَاحٍ: وَسَأَلْتُ اَلْقَاسِمَ هَذَا: كَمْ سَمِعْتَ مِنْ حَنَانٍ؟
فَقَالَ: أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ أَوْ خَمْسَةً.
قَالَ: ثُمَّ أَخْرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ حَدِيثاً كَثِيراً فَرَوَاهُ عَنْهُ.
٧٤ - وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ(٢٣٥)، قَالَ سَمِعْتُ اَلرِّضَا (عليه السلام) يَقُولُ فِي اِبْنِ أَبِي حَمْزَةَ: «أَلَيْسَ هُوَ اَلَّذِي يَرْوِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣١) رواه ابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٤٤٨) مختصراً.
(٢٣٢) في بعض النُّسَخ: (عليّ بن رياح)، وكذا في بقيَّة موارد الحديث.
(٢٣٣) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٣٦/ الرقم ٦٢٤١/٢) في من لم يرو عنهم (عليهم السلام)، قائلاً: (القاسم بن إسماعيل القرشي، يُكنَّى أبا محمّد المنذر، روى عنه حميد بن زياد أُصولاً كثيرة).
(٢٣٤) وكان ممطوراً: أي كان من الواقفة، لأنَّ الواقفة تُسمَّى بالكلاب الممطورة.
(٢٣٥) هو إمَّا أحمد بن عمر بن أبي شيبة الذي وثَّقه النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٩٨/ الرقم ٢٤٥)، وقال: (روى عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، وعن أبيه من قبل).
وإمَّا أحمد بن عمر الحلَّال الذي عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٥٢/ الرقم ٥٢١٣/١٩) من أصحاب الرضا (عليه السلام)، قائلاً: (أحمد بن عمر الحلَّال، كان يبيع الحلِّ، كوفي، أنماطي، ثقة، ردي الأصل)، وفي (ص ٤١٢/ الرقم ٥٩٧٠/٥١) في من لم يرو عنهم (عليهم السلام).

↑صفحة ١٠١↑

أَنَّ رَأْسَ اَلمَهْدِيِّ(٢٣٦) يُهْدَى إِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى، وَهُوَ صَاحِبُ اَلسُّفْيَانِيِّ؟ وَقَالَ: إِنَّ أَبَا إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) يَعُودُ إِلَى ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ، فَمَا اِسْتَبَانَ لَهُمْ كَذِبُهُ؟».
٧٥ - وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، قَالَ: ذُكِرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عِنْدَ اَلرِّضَا (عليه السلام)، فَلَعَنَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي حَمْزَةَ أَرَادَ أَنْ لَا يُعْبَدَ اَللهُ فِي سَمَائِهِ وَأَرْضِهِ، فَأَبَى اَللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ اَلمُشْرِكُونَ، وَلَوْ كَرِهَ اَللَّعِينُ اَلمُشْرِكُ».
قُلْتُ: اَلمُشْرِكُ؟
قَالَ: «نَعَمْ وَاَلله وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُهُ كَذَلِكَ، [وَ](٢٣٧) هُوَ فِي كِتَابِ اَلله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٢]، وَقَدْ جَرَتْ فِيهِ وَفِي أَمْثَالِهِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُطْفِئَ نُورَ اَلله».
والطعون على هذه الطائفة أكثر من أنْ تُحصى لا نُطوِّل بذكرها الكتاب، فكيف يُوثَق بروايات هؤلاء القوم وهذه أحوالهم وأقوال السلف الصالح فيهم؟
ولولا معاندة من تعلَّق بهذه الأخبار التي ذكروها لما كان ينبغي أنْ يُصغى إلى من يذكرها، لأنَّا قد بيَّنَّا من النصوص على الرضا (عليه السلام) ما فيه كفاية، ويُبطِل قولهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٦) قوله (عليه السلام): «إنَّ رَأْسَ اَلمَهْدِيِّ...» إلى آخره، المراد من المهدي هو محمّد بن الخليفة العبَّاسي المنصور المتولِّي للخلافة سنة (١٥٨هـ) بعهد من أبيه المتوفِّي سنة (١٦٩هـ) ، وكان جدُّه السفَّاح عقد الخلافة أوَّلاً لأخيه عبد الله المنصور، وجعله وليَّ عهده، ومن بعده لابن أخيه عيسى بن موسى بن محمّد بن عليٍّ، ولكن المنصور عهد في موته لابنه المهدي محمّد المزبور، ثمّ إنَّه أجبر عيسى بن موسى المذكور على الخلع، فخلع نفسه عن الخلافة، فجعلها المهدي لابنه الهادي موسى، وبعده لابنه الآخر هارون، هذا مجمل خبرهما، وإنَّما أراد الإمام (عليه السلام) الطعن على عليِّ بن أبي حمزة وتكذيبه في روايته أنَّ المهدي يُقتَل ويُحمَل رأسه إلى عيسى بن موسى.
(٢٣٧) من بعض النُّسَخ.

↑صفحة ١٠٢↑

[بعض معجزات الإمام الرضا (عليه السلام) التي لبعضها رجع بعض الواقفة عن الوقف]:
ويُبطِل ذلك أيضاً ما ظهر من المعجزات على يد الرضا (عليه السلام) الدالَّة على صحَّة إمامته، وهي مذكورة في الكُتُب.
ولأجلها رجع جماعة من القول بالوقف مثل: عبد الرحمن بن الحجَّاج، ورفاعة بن موسى، ويونس بن يعقوب، وجميل بن درَّاج، وحمَّاد بن عيسى وغيرهم، وهؤلاء من أصحاب أبيه الذين شكُّوا فيه ثمّ رجعوا.
وكذلك من كان في عصره، مثل: أحمد بن محمّد بن أبي نصر، والحسن بن عليٍّ الوشَّاء وغيرهم ممَّن (كان)(٢٣٨) قال بالوقف، فالتزموا الحجَّة وقالوا بإمامته وإمامة من بعده من ولده.
٧٦ - فَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي اَلْخَطَّابِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ - وَهُوَ مِنْ آلِ مِهْرَانَ -، وَكَانُوا يَقُولُونَ بِالْوَقْفِ، وَكَانَ عَلَى رَأْيِهِمْ، فَكَاتَبَ(٢٣٩) أَبَا اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا (عليه السلام) وَتَعَنَّتَ(٢٤٠) فِي اَلمَسَائِلِ، فَقَالَ: كَتَبْتُ إِلَيْهِ كِتَاباً وَأَضْمَرْتُ فِي نَفْسِي أَنِّي مَتَى دَخَلْتُ عَلَيْهِ أَسْأَلُهُ عَنْ ثَلَاثِ مَسَائِلَ مِنَ اَلْقُرْآنِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [الزخرف: ٤٠]، وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القَصص: ٥٦].
قَالَ أَحْمَدُ: فَأَجَابَنِي عَنْ كِتَابِي، وَكَتَبَ فِي آخِرِهِ اَلْآيَاتِ اَلَّتِي أَضْمَرْتُهَا فِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٨) ليس في بعض النُّسَخ.
(٢٣٩) في بعض النُّسَخ: (وكاتب).
(٢٤٠) في بعض النُّسَخ: (وتعنّته).

↑صفحة ١٠٣↑

نَفْسِي أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْهَا وَلَمْ أَذْكُرْهَا فِي كِتَابِي إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَصَلَ اَلْجَوَابُ أُنْسِيتُ مَا كُنْتُ أَضْمَرْتُهُ، فَقُلْتُ: أَيُّ شَيْءٍ هَذَا مِنْ جَوَابِي؟ ثُمَّ ذَكَرْتُ أَنَّهُ مَا أَضْمَرْتُهُ(٢٤١).
٧٧ - وَكَذَلِكَ اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ اَلْوَشَّاءُ، وَكَانَ يَقُولُ بِالْوَقْفِ فَرَجَعَ، وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى خُرَاسَانَ فِي تِجَارَةٍ لِي، فَلَمَّا وَرَدْتُهُ بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا (عليه السلام) يَطْلُبُ مِنِّي حِبَرَةً - وَكَانَتْ بَيْنَ ثِيَابِي قَدْ خَفِيَ عَلَيَّ أَمْرُهَا -، فَقُلْتُ: مَا مَعِي مِنْهَا شَيْءٌ، فَرَدَّ اَلرَّسُولَ وَذَكَرَ عَلَامَتَهَا وَأَنَّهَا فِي سَفَطِ كَذَا، فَطَلَبْتُهَا، فَكَانَ كَمَا قَالَ، فَبَعَثْتُ بِهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ كَتَبْتُ مَسَائِلَ أَسْأَلُهُ عَنْهَا، فَلَمَّا وَرَدْتُ بَابَهُ خَرَجَ إِلَيَّ جَوَابُ تِلْكَ اَلمَسَائِلِ اَلَّتِي أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ أَظْهَرْتُهَا.
فَرَجَعَ عَنِ اَلْقَوْلِ بِالْوَقْفِ إِلَى اَلْقَطْعِ عَلَى إِمَامَتِهِ(٢٤٢).
٧٨ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ(٢٤٣): قَالَ اِبْنُ اَلنَّجَاشِيِّ: مَنِ اَلْإِمَامُ بَعْدَ صَاحِبِكُمْ؟
فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا (عليه السلام) فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «اَلْإِمَامُ بَعْدِي اِبْنِي»، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ يَجْرَأُ(٢٤٤) أَحَدٌ أَنْ يَقُولَ: اِبْنِي، وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ؟»(٢٤٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤١) رواه ابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٤٤٨ و٤٤٩) مختصراً.
(٢٤٢) رواه حسين بن عبد الوهَّاب (رحمه الله) في عيون المعجزات (ص ٩٨ و٩٩) مفصَّلاً، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٥٣) باختلاف، وابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٤٤٩) مختصراً.
(٢٤٣) في بحار الأنوار (ج ٥٠/ ص ٢٠/ ح ٥): (جعفر بن محمّد بن مالك، عن ابن أبي الخطاب، عن البزنطي).
(٢٤٤) في بعض النُّسَخ: (يتجرَّى).
(٢٤٥) رواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٢٠/ باب الإشارة والنصِّ على أبي جعفر الثاني (عليه السلام)/ ح ٥)، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٧٧) بإسناده عن الكليني، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٩٣ و٩٤) عن محمّد بن يعقوب باختلاف، وابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٤٤٩).

↑صفحة ١٠٤↑

٧٩ - وَرَوَى عَبْدُ اَلله بْنُ جَعْفَرٍ اَلْحِمْيَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى اَلْيَقْطِينِيِّ، قَالَ: لَـمَّا اِخْتَلَفَ اَلنَّاسُ فِي أَمْرِ أَبِي اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا (عليه السلام) جَمَعْتُ مِنْ مَسَائِلِهِ مِمَّا سُئِلَ عَنْهُ، وَأَجَابَ عَنْهُ خَمْسَ عَشْرَةَ أَلْفَ مَسْأَلَةٍ.
٨٠ - وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَلله بْنِ اَلْأَفْطَسِ(٢٤٦)، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى اَلمَأْمُونِ، فَقَرَّبَنِي وَحَيَّانِي، ثُمَّ قَالَ: رَحِمَ اَللهُ اَلرِّضَا (عليه السلام) مَا كَانَ أَعْلَمَهُ، لَقَدْ أَخْبَرَنِي بِعَجَبٍ، سَأَلْتُهُ لَيْلَةً وَقَدْ بَايَعَ لَهُ اَلنَّاسُ، فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، أَرَى لَكَ أَنْ تَمْضِيَ إِلَى اَلْعِرَاقِ وَأَكُونَ خَلِيفَتَكَ بِخُرَاسَانَ.
فَتَبَسَّمَ، ثُمَّ قَالَ: «لَا لَعَمْرِي وَلَكِنْ مِنْ دُونِ خُرَاسَانَ بِدَرَجَاتٍ، إِنَّ لَنَا هُنَا مَكْثاً، وَلَسْتُ بِبَارِحٍ حَتَّى يَأْتِيَنِي اَلمَوْتُ، وَمِنْهَا اَلمَحْشَرُ لَا مَحَالَةَ».
فَقُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟
فَقَالَ: «عِلْمِي بِمَكَانِي كَعِلْمِي بِمَكَانِكَ».
قُلْتُ: وَأَيْنَ مَكَانِي أَصْلَحَكَ اَللهُ؟
فَقَالَ: «لَقَدْ بَعُدَتِ اَلشُّقَّةُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، أَمُوتُ بِالمَشْرِقِ وَتَمُوتُ بِالمَغْرِبِ».
فَقُلْتُ: صَدَقْتَ، وَاَللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ وَآلُ مُحَمَّدٍ، فَجَهَدْتُ اَلْجَهْدَ كُلَّهُ وَأَطْمَعْتُهُ فِي اَلْخِلَافَةِ وَمَا سِوَاهَا فَمَا أَطْمَعَنِي فِي نَفْسِهِ(٢٤٧).
٨١ - وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَلله بْنِ اَلْحَسَنِ اَلْأَفْطَسُ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٦) هو محمّد بن عبد الله بن الحسن بن عليِّ بن عليٍّ زين العابدين (عليه السلام)، قال الأزوارقاني في الفخري في أنساب الطالبيِّين (ص ٨٠): (وأمَّا عليُّ بن عليٍّ زين العابدين (عليه السلام) فعقبه من الحسن الأفطس وحده، وعقبه الصحيح من خمسة رجال، وعدَّ منهم عبد الله الشهيد)، وقال في (ص ٨٣): (أمَّا عبد الله بن الحسن الأفطس، فعقبه الصحيح من محمّد وحده).
وروى في مقاتل الطالبيِّين (ص ٣٨١) رواية بأنَّ المعتصم ولي عهد المأمون (عليهما اللعنة) أجبره بشرب شربة مسمومة فشربه فمات من وقته.
(٢٤٧) رواه ابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٤٤٩) باختلاف.

↑صفحة ١٠٥↑

اَلمَأْمُونِ يَوْماً وَنَحْنُ عَلَى شَرَابٍ حَتَّى إِذَا أَخَذَ مِنْهُ اَلشَّرَابُ مَأْخَذَهُ صَرَفَ نُدَمَاءَهُ وَاِحْتَبَسَنِي، ثُمَّ أَخْرَجَ جَوَارِيَهُ، وَضَرَبْنَ وَتَغَنَّيْنَ، فَقَالَ لِبَعْضِهِنَّ: بِاللهِ لَـمَّا رَثَيْتِ مَنْ بِطُوسَ قَطَناً، فَأَنْشَأَتْ تَقُولُ:

سُقْيَا لِطُوسٍ وَمَنْ أَضْحَى بِهَا قَطَناً * * * مِنْ عِتْرَةِ اَلمُصْطَفَى أَبْقَى لَنَا حَزَناً
أَعْنِي أَبَا حَسَنِ اَلمَأْمُونَ إِنَّ لَهُ * * * حَقًّا عَلَى كُلِّ مَنْ أَضْحَى بِهَا شَجَناً

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَلله: فَجَعَلَ يَبْكِي حَتَّى أَبْكَانِي، ثُمَّ قَالَ لِي: وَيْلَكَ يَا مُحَمَّدُ أَيُلْزِمُنِي(٢٤٨) أَهْلُ بَيْتِي وَأَهْلُ بَيْتِكَ أَنْ أَنْصِبَ أَبَا اَلْحَسَنِ عَلَماً، وَاَلله أَنْ لَوْ أُخْرِجْتُ(٢٤٩) مِنْ هَذَا اَلْأَمْرِ لَأَجْلَسْتُهُ مَجْلِسِي غَيْرَ أَنَّهُ عُوجِلَ، فَلَعَنَ اَللهُ عَبْدَ اَلله(٢٥٠) وَحَمْزَةَ اِبْنَيِ اَلْحَسَنِ، فَإِنَّهُمَا قَتَلَاهُ، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اَلله، وَاَلله لَأُحَدِّثَنَّكَ بِحَدِيثٍ عَجِيبٍ فَاكْتُمْهُ.
قُلْتُ: مَا ذَاكَ، يَا أَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ؟
قَالَ: لَـمَّا حَمَلَتْ زَاهِرِيَّةُ بِبَدْرٍ أَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا اَلْحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ، وَجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، وَعَلِيَّ بْنَ اَلْحُسَيْنِ، وَاَلْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ (عليهم السلام) كَانُوا يَزْجُرُونَ اَلطَّيْرَ وَلَا يُخْطِئُونَ، وَأَنْتَ وَصِيُّ اَلْقَوْمِ، وَعِنْدَكَ عِلْمُ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ، وَزَاهِرِيَّةُ حَظِيَّتِي وَمَنْ لَا أُقَدِّمُ عَلَيْهَا أَحَداً مِنْ جَوَارِيَّ، وَقَدْ حَمَلَتْ غَيْرَ مَرَّةٍ كُلَّ ذَلِكَ يَسْقُطُ، فَهَلْ عِنْدَكَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ نَنْتَفِعُ بِهِ؟
فَقَالَ: «لَا تَخْشَ مِنْ سِقْطِهَا، فَسَتَسْلَمُ وَتَلِدُ غُلَاماً صَحِيحاً مُسْلِماً أَشْبَهَ اَلنَّاسِ بِأُمِّهِ، قَدْ زَادَهُ اَللهُ فِي خَلْقِهِ مَرْتَبَتَيْنِ، فِي يَدِهِ اَلْيُمْنَى خِنْصِرٌ وَفِي رِجْلِهِ اَلْيُمْنَى خِنْصِرٌ».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٨) في بعض النُّسَخ: (أيلومني).
(٢٤٩) قوله: (لو أُخرجت...) مدخول (لو) محذوف، و(أُخرجت) جوابه، أي لو بقي وأمثاله، كما يدلُّ عليه: (غير أنَّه عوجل..). وفي بعض النُّسَخ: (لخرجت).
(٢٥٠) في بعض النُّسَخ: (عبيد الله).

↑صفحة ١٠٦↑

فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ وَاَلله فُرْصَةٌ إِنْ لَمْ يَكُنِ اَلْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرَ خَلَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَتَوَقَّعُ أَمْرَهَا حَتَّى أَدْرَكَهَا اَلمَخَاضُ، فَقُلْتُ لِلْقَيِّمَةِ: إِذَا وَضَعَتْ فَجِيئِينِي بِوَلَدِهَا ذَكَراً كَانَ أَوْ أُنْثَى، فَمَا شَعُرْتُ إِلَّا بِالْقَيِّمَةِ وَقَدْ أَتَتْنِي بِالْغُلَامِ كَمَا وَصَفَهُ زَائِدَ اَلْيَدِ وَاَلرِّجْلِ، كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ اَلْأَمْرِ يَوْمَئِذٍ وَأُسَلِّمَ مَا فِي يَدَيَّ إِلَيْهِ فَلَمْ تُطَاوِعْنِي نَفْسِي لَكِنِّي دَفَعْتُ إِلَيْهِ اَلْخَاتَمَ، فَقُلْتُ: دَبِّرِ اَلْأَمْرَ فَلَيْسَ عَلَيْكَ مِنِّي خِلَافٌ، وَأَنْتَ اَلمُقَدَّمُ، (وَ)بِاللهِ أَنْ لَوْ فَعَلَ لَفَعَلْتُ(٢٥١).
٨٢ - وَقِصَّتُهُ مَعَ حَبَابَةَ اَلْوَالِبِيَّةِ صَاحِبَةِ اَلْحَصَاةِ اَلَّتِي طَبَعَ فِيهَا أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَقَالَ لَهَا: «مَنْ طَبَعَ فِيهَا فَهُوَ إِمَامٌ»، وَبَقِيَتْ إِلَى أَيَّامِ اَلرِّضَا (عليه السلام)، فَطَبَعَ فِيهَا، وَقَدْ شَهِدَتْ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ آبَائِهِ (عليهم السلام) وَطَبَعُوا فِيهِ(٢٥٢)، وَهُوَ (عليه السلام) آخِرُ مَنْ لَقِيَتْهُمْ، وَمَاتَتْ بَعْدَ لِقَائِهَا إِيَّاهُ، وَكَفَّنَهَا فِي قَمِيصِهِ(٢٥٣).
٨٣ - وَكَذَلِكَ قِصَّتُهُ مَعَ أُمِّ غَانِمٍ اَلْأَعْرَابِيَّةِ صَاحِبَةِ اَلْحَصَاةِ أَيْضاً - اَلَّتِي طَبَعَ فِيهَا أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَطَبَعَ بَعْدَهُ سَائِرُ اَلْأَئِمَّةِ إِلَى زَمَانِ أَبِي مُحَمَّدٍ اَلْعَسْكَرِيِّ (عليه السلام) - مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ(٢٥٤).
فلو لم يكن لمولانا أبي الحسن الرضا (عليه السلام) والأئمَّة من ولده (عليهم السلام) غير هاتين الدلالتين في نصِّه من أمير المؤمنين على إمامتهم، لكان في ذلك كفاية لمن أنصف من نفسه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥١) رواه ابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٤٤٦) مختصراً.
(٢٥٢) في بعض النُّسَخ: (فيها).
(٢٥٣) روى هذه القصَّة الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٤٦ و٣٤٧/ باب ما يفصل بين دعوى المحقِّ والمبطل في أمر الإمامة/ ح ٣)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٥٣٦ و٥٣٧/ باب ٤٩/ ح ١).
(٢٥٤) يأتي في (ح ١٧١)، وله تخريجات نذكرها هناك.

↑صفحة ١٠٧↑

[احتمال التشكيك في ولادة الإمام الحجَّة (عجّل الله فرجه) والجواب عنه]:
فإنْ قيل: قد مضى في كلامكم أنَّا نعلم موت موسى بن جعفر (عليهما السلام) كما نعلم موت أبيه وجدِّه (عليهما السلام)، فعليكم لقائل أنْ يقول: إنَّا نعلم أنَّه لم يكن للحسن بن عليٍّ ابن كما نعلم أنَّه لم يكن له عشرة بنين، وكما نعلم أنَّه لم يكن للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ابن لصلبه عاش بعد موته.
فإنْ قلتم: لو علمنا أحدهما كما نعلم الآخر لما جاز أنْ يقع فيه خلاف كما لا يجوز أنْ يقع الخلاف في الآخر.
قيل: لمخالفكم أنْ يقول: ولو علمنا موت محمّد بن الحنفيَّة، وجعفر بن محمّد وموسى بن جعفر (عليهم السلام) كما نعلم موت محمّد بن عليِّ بن الحسين (عليه السلام) لما وقع الخلاف في أحدهما كما لم يجز أنْ يقع في الآخر.
قلنا: نفي ولادة الأولاد من الباب الذي لا يصحُّ أنْ يُعلَم صدوره في موضع من المواضع، ولا يمكن أحداً أنْ يدَّعي فيمن لم يظهر له ولد أنْ يعلم أنَّه لا ولد له، وإنَّما يُرجَع في ذلك إلى غالب الظنِّ والأمارة، بأنَّه لو كان له ولد لظهر وعُرِفَ خبره، لأنَّ العقلاء قد تدعوهم الدواعي إلى كتمان أولادهم لأغراض مختلفة.
فمن الملوك من يخفيه خوفاً عليه وإشفاقاً، وقد وُجِدَ من ذلك كثير في عادة الأكاسرة والملوك الأُوَل، وأخبارهم معروفة.
وفي الناس من يُولَد له ولد من بعض سراياه أو ممَّن تزوَّج بها سرًّا، فيرمي به ويجحده خوفاً من وقوع الخصومة مع زوجته وأولاده الباقين، وذلك أيضاً يوجد كثيراً في العادة.
وفي الناس من يتزوَّج بامرأة دنيَّة في المنزلة والشرف وهو من ذوي الأقدار والمنازل، فيُولَد له، فيأنف من إلحاقه به، فيجحده أصلاً.

↑صفحة ١٠٨↑

وفيهم من يتحرَّج، فيُعطيه شيئاً من ماله.
وفي الناس من يكون من أدونهم نسباً، فيتزوَّج بامرأة ذات شرف ومنزلة لهوى منها فيه بغير علم من أهلها، إمَّا بأنْ يُزوِّجه نفسها بغير وليٍّ على مذهب كثير من الفقهاء، أو تُولِّي أمرها الحاكم فيُزوِّجها على ظاهر الحال، فيُولَد له، فيكون الولد صحيحاً، وتنتفي منه أنفةً وخوفاً من أوليائها وأهلها.
وغير ذلك من الأسباب التي لا نُطوِّل بذكرها الكتاب.
فلا يمكن ادِّعاء نفي الولادة جملةً، وإنَّما نعلم ما نعلمه إذا كانت الأحوال سليمة، ونعلم أنَّه لا مانع من ذلك، فحينئذٍ نعلم انتفاءه.
فأمَّا علمنا بأنَّه لم يكن للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ابن عاش بعده، فإنَّما علمناه لما علمنا عصمته ونبوَّته، ولو كان له ولد لأظهره، لأنَّه لا مخافة عليه في إظهاره، وعلمنا أيضاً بإجماع الأُمَّة على أنَّه لم يكن له ابن عاش بعده.
ومثل ذلك لا يمكن أنْ يُدَّعى العلم به في ابن الحسن (عليه السلام)، لأنَّ الحسن (عليه السلام) كان كالمحجور عليه، وفي حكم المحبوس، وكان الولد يُخاف عليه، لما علم وانتشر من مذهبهم أنَّ الثاني عشر هو القائم بالأمر المؤمَّل لإزالة الدُّوَل، فهو مطلوب لا محالة، وخاف أيضاً من أهله كجعفر أخيه الذي طمع في الميراث والأموال، فلذلك أخفاه ووقعت الشبهة في ولادته.
ومثل ذلك لا يمكن ادِّعاء العلم به في موت من عُلِمَ موته، لأنَّ الميِّت مشاهد معلوم يُعرَف بشاهد الحال موته، وبالأمارات الدالَّة عليه يضطرُّ من رآه إلى ذلك، فإذا أخبر من لم يشاهده علمه واضطرَّ إليه، وجرى الفرق بين الموضعين.
مثل ما يقول الفقهاء في الأحكام الشرعيَّة من أنَّ البيِّنة إنَّما يمكن أنْ تقوم على إثبات الحقوق لا على نفيها، لأنَّ النفي لا يقوم عليه بيِّنة إلَّا إذا كان تحته إثبات، فبان الفرق بين الموضعين لذلك.

↑صفحة ١٠٩↑

فإنْ قيل: العادة تسوَّى بين الموضعين، لأنَّ الموت قد يشاهد الرجل يحتضر كما تشاهد القوابل الولادة، وليس كلُّ أحد يشاهد احتضار غيره، كما أنَّه ليس كلُّ أحد يشاهد ولادة غيره، ولكن أظهر ما يمكن في علم الإنسان بموت غيره إذا لم يكن يشاهده أنْ يكون جاره ويعلم بمرضه ويتردَّد في عيادته، ثمّ يعلم بشدَّة مرضه ويشتدُّ الخوف من موته، ثمّ يسمع الواعية من داره ولا يكون في الدار مريض غيره، ويجلس أهله للعزاء وآثار الحزن والجزع عليهم ظاهرة، ثمّ يُقسَّم ميراثه، ثمّ يتمادى الزمان ولا يُشاهَد ولا يُعلَم لأهله غرض في إظهار موته وهو حيٌّ.
فهذه سبيل الولادة، لأنَّ النساء يشاهدن [الحمل] ويتحدَّثن بذلك سيّما إذا كانت حرمة رجل نبيه(٢٥٥) يتحدَّث الناس بأحوال مثله إذا استسرَّ بجارية في بعض المواضع لم يخفَ تردُّده إليها، ثمّ إذا وُلِدَ المولود ظهر البشر والسرور في أهل الدار، وهنَّأهم الناس إذا كان المهنَّأ جليل القدر وانتشر ذلك، وتُحدِّث على حسب جلالة قدره، ويعلم الناس أنَّه قد وُلِدَ مولود سيّما إذا عُلِمَ أنَّه لا غرض في أنْ يُظهِر أنَّه وُلِدَ له ولد ولم يُولَد له.
فمتى اعتبرنا العادة وجدناها في الموضعين على سواء، وإنْ نقض الله العادة فإنَّه يمكن في أحدهما مثل ما يمكن في الآخر، فإنَّه قد يجوز أنْ يمنع الله ببعض الشواغل عن مشاهدة الحامل وعن أنْ يحضر ولادتها إلَّا عدد يؤمن مثلهم على كتمان أمره، ثمّ ينقله الله من مكان الولادة إلى قلَّة جبل أو برّيَّة لا أحد فيها ولا يطَّلع على ذلك الأمر إلَّا من لا يُظهِره إلَّا على المأمون مثله.
وكما يجوز ذلك فإنَّه يجوز أنْ يمرض الإنسان ويتردَّد إليه عوَّاده، فإذا اشتدَّ حاله وتُوقِّع موته، وكان يُؤيَس من حياته نقله الله إلى قلَّة جبل وصيَّر مكانه

↑صفحة ١١٠↑

شخصاً ميِّتاً يشبهه كثيراً من الشبه، ثمّ يمنع بالشواغل وغيرها من مشاهدته إلَّا لمن يُوثَق به، ثمّ يُدفَن الشخص ويحضر جنازته من كان يتوقَّع موته ولا يرجو حياته، فيتوهم أنَّ المدفون هو ذاك العليل.
وقد يسكن نبض الإنسان وتنفُّسه، وينقض الله العادة ويُغيِّبه عنهم وهو حيٌّ، لأنَّ الحيَّ منَّا إنَّما يحتاج إليهما لإخراج البخارات المحترقة ممَّا حول القلب بإدخال هواءٍ باردٍ صافٍ ليُروِّح عن القلب، وقد يمكن أنْ يفعل الله من البرودة في الهواء المحدق بالقلب ما يجري هواء بارد يدخلها بالتنفُّس. فيكون الهواء المحدق بالقلب أبداً بارداً ولا يحترق منه شيء، لأنَّ الحرارة التي تحصل فيه تقوم بالبرودة.
والجواب أنَّا نقول: أوَّلاً: أنَّه لا يلتجئ من يتكلَّم في الغيبة إلى مثل هذه الخرافات إلَّا من كان مفلساً من الحجَّة عاجزاً عن إيراد شبهة قويَّة غير متمكِّن من الكلام عليها بما يرتضي مثله، فعند ذلك يلتجئ إلى مثل هذه التمويهات والتذليقات.
ونحن نتكلَّم على ذلك على ما به، فنقول:
إنَّ ما ذُكِرَ من الطريق الذي به يُعلَم موت الإنسان ليس بصحيح على كلِّ وجه، لأنَّه قد يتَّفق جميع ذلك وينكشف عن باطل بأنْ يكون لمن أظهر ذلك غرض حكمي، فيُظهِر التمارض ويتقدَّم إلى أهله بإظهار جميع ذلك ليختبر به أحوال غيره ممَّن له عليه طاعة أو إمرة، وقد سبق الملوك كثيراً والحكماء إلى مثل ذلك، وقد يدخل عليهم أيضاً شبهة بأنْ يلحقه علَّة سكتة، فيُظهِرون جميع ذلك ثمّ ينكشف عن باطل، وذلك أيضاً معلوم بالعادات. وإنَّما يُعلَم الموت بالمشاهدة وارتفاع الحسِّ وجمود النبض، ويستمرُّ ذلك أوقاتاً كثيرة ربَّما انضاف إلى ذلك أمارات معلومة بالعادة من جرَّب المرضى ومارسهم يعلم ذلك.

↑صفحة ١١١↑

وهذه حالة موسى بن جعفر (عليهما السلام)، فإنَّه أُظهِرَ للخلق الكثير الذين لا يخفى على مثلهم الحال، ولا يجوز عليهم دخول الشبهة في مثله.
وقوله: بأنَّه يجوز أنْ يُغيِّب اللهُ الشخصَ ويُحضِر شخصاً على شبهه على أصله لا يصحُّ، لأنَّ هذا يسدُّ باب الأدلَّة ويُؤدِّي إلى الشكِّ في المشاهدات، وأنَّ جميع ما نراه ليس هو الذي رأيناه بالأمس، ويلزم الشكُّ في موت جميع الأموات، ويجيء منه مذهب الغلاة والمفوِّضة الذين نفوا القتل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وعن الحسين (عليه السلام)، وما أدَّى إلى ذلك يجب أنْ يكون باطلاً.
وما قاله: إنَّ الله يفعل داخل الجوف حول القلب من البرودة ما ينوب مناب الهواء، ضرب من هوس الطبِّ، ومع ذلك يُؤدِّي إلى الشكِّ في موت جميع الأموات على ما قلناه.
على أنَّ على قانون الطبِّ حركات النبض والشريانات من القلب، وإنَّما يبطل ببطلان الحرارة الغريزيَّة، فإذا فُقِدَ حركات النبض عُلِمَ بطلان الحرارة وعُلِمَ عند ذلك موته، وليس ذلك بموقوف على التنفُّس، ولهذا يلتجئون إلى النبض عند انقطاع النفس أو ضعفه، فيبطل ما قالوه.
وحمله الولادة على ذلك وما ادَّعاه من ظهور الأمر فيه صحيح متى فرضنا الأمر على ما قاله من أنَّه يكون الحمل لرجل نبيه، وقد عُلِمَ إظهاره ولا مانع من ستره وكتمانه، ومتى فرضنا كتمانه وستره لبعض الأغراض التي قدَّمنا بعضها لا يجب العلم به ولا اشتهاره.
على أنَّ الولادة في الشرع قد استقرَّ أنْ يثبت بقول القابلة ويُحكَم بقولها في كونه حيًّا أو ميِّتاً، فإذا جاز ذلك كيف لا يُقبَل قول جماعة نقلوا ولادة صاحب الأمر (عليه السلام) وشاهدوه وشاهدوا من شاهده من الثقات؟!
ونحن نورد الأخبار في ذلك عمَّن رآه وحكى له.

↑صفحة ١١٢↑

وقد أجاز صاحب السؤال أنْ يعرض في ذلك عارض يقتضي المصلحة، أنَّه إذا وُلِدَ أنْ ينقله الله إلى قلَّة جبل أو موضع يخفى فيه أمره ولا يطَّلع عليه [أحد]، وإنَّما ألزم على ذلك عارضاً في الموت، وقد بيَّنَّا الفصل بين الموضعين.
[ردُّ سائر الفِرَق المخالفة للإماميَّة في الحجَّة (عجّل الله فرجه) من المحمّديَّة والفطحيَّة وغيرها]:
وأمَّا من خالف من الفِرَق الباقية الذين قالوا بإمامة غيره كالمحمّديَّة الذين قالوا بإمامة محمّد بن عليِّ بن محمّد بن عليٍّ الرضا (عليهم السلام)، والفطحيَّة القائلة بإمامة عبد الله بن جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام)، وفي هذا الوقت بإمامة جعفر بن عليٍّ.
وكالفرقة القائلة: إنَّ صاحب الزمان حمل لم يُولَد بعد.
وكالذين قالوا: إنَّه مات ثمّ يعيش.
وكالذين قالوا بإمامة الحسن (عليه السلام) وقالوا: هو اليقين، ولم يصحّ لنا ولادة ولده، فنحن في فترة.
فقولهم ظاهر البطلان من وجوه:
أحدها: انقراضهم، فإنَّه لم يبقَ قائل يقول بشيء من هذه المقالات، ولو كان حقًّا لما انقرض.
ومنها: أنَّ محمّد بن عليٍّ العسكري مات في حياة أبيه موتاً ظاهراً، والأخبار في ذلك ظاهرة معروفة، من دفعه كمن دفع موت من تقدَّم من آبائه (عليهم السلام).
٨٤ - فَرَوَى سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله اَلْأَشْعَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هَاشِمٍ دَاوُدُ بْنُ اَلْقَاسِمِ اَلْجَعْفَرِيُّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي اَلْحَسَنِ اَلْعَسْكَرِيِّ (عليه السلام) وَقْتَ وَفَاةِ اِبْنِهِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَقَدْ كَانَ أَشَارَ إِلَيْهِ وَدَلَّ عَلَيْهِ، وَإِنِّي لَأُفَكِّرُ فِي نَفْسِي وَأَقُولُ: هَذِهِ قِصَّةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) وَقِصَّةُ إِسْمَاعِيلَ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ أَبُو اَلْحَسَنِ (عليه السلام) وَقَالَ: «نَعَمْ يَا أَبَا

↑صفحة ١١٣↑

هَاشِمٍ، بَدَا لِلهِ فِي أَبِي جَعْفَرٍ(٢٥٦) وَصَيَّرَ مَكَانَهُ أَبَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَدَا لَهُ فِي إِسْمَاعِيلَ بَعْدَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام) وَنَصَبَهُ، وَهُوَ كَمَا حَدَّثَتْكَ نَفْسُكَ وَإِنْ كَرِهَ اَلمُبْطِلُونَ، أَبُو مُحَمَّدٍ اِبْنِي اَلْخَلَفُ مِنْ بَعْدِي، عِنْدَهُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَمَعَهُ آلَةُ اَلْإِمَامَةِ، وَاَلْحَمْدُ للهِ»(٢٥٧)،(٢٥٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٥) في العين للفراهيدي (ج ٤/ ص ٦٠/ مادَّة نبه): (رجل نبيه: أي شريف).
(٢٥٦) هو السيِّد محمّد المعروف، جلالته وعظم شأنه أكثر من أنْ يُذكَر، وقبره مزار معروف في (بلد) التي هي مدينة قديمة على يسار دجلة قرب سامرَّاء، والعامَّة والخاصَّة يُعظِّمون مشهده الشريف، ويُعبِّرون عنه بسبع الدجيل.
(٢٥٧) رواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٢٧/ باب الإشارة والنصِّ على أبي محمّد (عليه السلام)/ ح ١٠)، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٤٤) عن سعد بن عبد الله مختصراً باختلاف، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣١٩) بإسناده عن الكليني.
ويأتي في (ح ١٦٧) أيضاً.
(٢٥٨) في هذه الرواية بعض ما لا يُمكن قبوله وفق قواعد مذهبنا، من أنَّ الله تعالى صيَّر الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) إماماً بعد أنْ أمات أخاه محمّداً، وهذا مخالف لما ثبت من أنَّ الإمامة منصوصة من الله تعالى من لدن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبالأسماء.
ويبدو أنَّ هناك خطأً في النُّسَخ أو في النقل لهذه الرواية، فلو عدنا إلى ما رواه المفيد (رحمه الله) المتوفَّى سنة (٤١٣هـ) - قبل الطوسي بـ (٤٧) سنة -، وإلى رواية الكليني (رحمه الله) المتوفَّى سنة (٣٢٩هـ) - قبل الطوسي بـ (١٣١) سنة -، نجد أنَّ نفس هذه الرواية وعن نفس الراوي، وقد رووها بما لا يلزم منه هذا الإشكال، إذ جاء في الكافي (ج ١/ ص ٣٢٧/ باب الإشارة والنصِّ على أبي محمّد (عليه السلام)/ ح ١٠)، وفي الإرشاد (ج ٢/ ص ٣١٨ و٣١٩)؛ واللفظ للكافي:
عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ اَلْجَعْفَرِيِّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي اَلْحَسَنِ (عليه السلام) بَعْدَ مَا مَضَى اِبْنُه أَبُو جَعْفَرٍ، وَإِنِّي لَأُفَكِّرُ فِي نَفْسِي أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ: كَأَنَّهُمَا - أَعْنِي أَبَا جَعْفَرٍ وَأَبَا مُحَمَّدٍ - فِي هَذَا اَلْوَقْتِ كَأَبِي اَلْحَسَنِ مُوسَى وَإِسْمَاعِيلَ اِبْنَيْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام)، وَإِنَّ قِصَّتَهُمَا كَقِصَّتِهِمَا، إِذْ كَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ اَلمُرْجَى بَعْدَ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ أَبُو اَلْحَسَنِ قَبْلَ أَنْ أَنْطِقَ، فَقَالَ: «نَعَمْ، يَا أَبَا هَاشِمٍ بَدَا لِله فِي أَبِي مُحَمَّدٍ بَعْدَ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) مَا لَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ لَه كَمَا بَدَا لَه فِي مُوسَى بَعْدَ مُضِيِّ إِسْمَاعِيلَ مَا كَشَفَ بِه عَنْ حَالِه، وَهُوَ كَمَا حَدَّثَتْكَ نَفْسُكَ وَإِنْ كَرِه اَلمُبْطِلُونَ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ اِبْنِي اَلْخَلَفُ مِنْ بَعْدِي، عِنْدَه عِلْمُ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْه، وَمَعَه آلَةُ اَلْإِمَامَةِ».        
والرواية واضحة في أنَّ الله تعالى أبدى للناس ما لم يكن معلوماً لديهم من أنَّ الإمامة في موسى والحسن (عليهما السلام) لا في إسماعيل ومحمّد (رضوان الله عليهما)، وهذا متناسب جدًّا مع القول بأنَّ المقصود من البداء هنا هو بمعنى الإبداء وإظهار ما كان خافياً على الناس مع علمه (عزَّ وجلَّ) المسبق، وهو ما عبَّر عنه النصُّ: «بَدَا لِله فِي أَبِي مُحَمَّدٍ بَعْدَ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) مَا لَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ لَه».

↑صفحة ١١٤↑

والأخبار بذلك كثيرة وبالنصِّ من أبيه على أبي محمّد (عليه السلام) لا نُطوِّل بذكرها الكتاب، وربَّما نذكر طرفاً منها فيما بعد إنْ شاء الله تعالى.
وأمَّا ما تضمَّنه الخبر من قوله: «بَدَا لِله فِيهِ» معناه بدا من الله فيه، وهكذا القول في جميع ما يُروى من أنَّه بدا لله في إسماعيل، معناه أنَّه بدا من الله، فإنَّ الناس كانوا يظنون في إسماعيل بن جعفر أنَّه الإمام بعد أبيه، فلمَّا مات علموا بطلان ذلك وتحقَّقوا إمامة موسى (عليه السلام)، وهكذا كانوا يظنُّون إمامة محمّد بن عليٍّ بعد أبيه، فلمَّا مات في حياة أبيه علموا بطلان ما ظنُّوه.
وأمَّا من قال: إنَّه لا ولد لأبي محمّد (عليه السلام) ولكن هاهنا حمل مشهور سيُولَد، فقوله باطل، لأنَّ هذا يُؤدِّي إلى خلوِّ الزمان من إمام يُرجَع إليه، وقد بيَّنَّا فساد ذلك.
على أنَّا سندلُّ على أنَّه قد وُلِدَ له ولد معروف، ونذكر الروايات في ذلك، فيبطل قول هؤلاء أيضاً.
وأمَّا من قال: إنَّ الأمر مشتبه، فلا يُدرى هل للحسن (عليه السلام) ولد أم لا؟ وهو مستمسِّك بالأوَّل حتَّى يتحقَّق ولادة ابنه، فقوله أيضاً يبطل بما قلناه من أنَّ الزمان لا يخلو من إمام، لأنَّ موت الحسن (عليه السلام) قد علمناه كما علمنا موت غيره، وسنُبيِّن ولادة ولده، فيبطل قولهم أيضاً.
وأمَّا من قال: إنَّه لا إمام بعد الحسن (عليه السلام)، فقوله باطل بما دلَلنا عليه من أنَّ الزمان لا يخلو من حجَّة لله عقلاً وشرعاً.

↑صفحة ١١٥↑

وأمَّا من قال: إنَّ أبا محمّد (عليه السلام) مات ويحيى بعد موته، فقوله باطل بمثل ما قلناه، لأنَّه يُؤدِّي إلى خلوِّ الخلق من إمام من وقت وفاته (عليه السلام) إلى حين يُحييه الله تعالى.
واحتجاجهم بما روي من أنَّ صاحب هذه الأمر يُحيى بعدما يموت، وأنَّه سُمِّي قائماً لأنَّه يقوم بعدما يموت(٢٥٩)، باطل، لأنَّ ذلك يحتمل - لو صحَّ الخبر - أنْ يكون أراد بعد أنْ مات ذكره(٢٦٠) حتَّى لا يذكره إلَّا من يعتقد إمامته، فيُظهِره الله لجميع الخلق.
على أنَّا قد بيَّنَّا أنَّ كلَّ إمام يقوم بعد الإمام الأوَّل يُسمَّى قائماً.
وأمَّا القائلون بإمامة عبد الله بن جعفر(٢٦١) من الفطحيَّة وجعفر بن عليٍّ(٢٦٢)، فقولهم باطل بما دلَلنا عليه من وجوب عصمة الإمام، وهما لم يكونا معصومين، وأفعالهما الظاهرة التي تنافي العصمة معروفة نقلها العلماء، وهي موجودة في الكُتُب، فلا نُطوِّل بذكرها الكتاب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٩) يأتي في (ح ٤٠٣) و(ح ٤٨٩).
(٢٦٠) كما صرَّح بذلك الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٧٨/ باب ٣٦/ ح ٣)، وفي معاني الأخبار (ص ٦٥)، والراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ٣/ ص ١١٧١ و١١٧٢/ ح ٦٦).
(٢٦١) هو عبد الله بن جعفر بن محمّد (عليه السلام). قال الكشِّي في رجاله (ج ٢/ ص ٥٢٤) بعد ترجمة عمَّار بن موسى الساباطي: (الفطحيَّة هم القائلون بإمامة عبد الله بن جعفر بن محمّد. وسمُّوا بذلك لأنَّه قيل: إنَّه كان أفطح الرأس، وقال بعضهم: كان أفطح الرجلين)، وذكر شرح حاله أيضاً في ترجمة هشام بن سالم (ج ٢/ ص ٥٦٥).
وكذلك ذكره الشيخ المفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢١٠/ باب ذكر أولاد أبي عبد الله (عليه السلام))، وفي (ج ٢/ ص ٢٢١/ باب ذكر طرف من دلائل أبي الحسن (عليه السلام))، والمؤلِّف (رحمه الله) في تلخيص الشافي (ج ٤/ ص ٢٠٠)، والنوبختي (رحمه الله) في فِرَق الشيعة (ص ٧٨)، وغيرهم.
(٢٦٢) هو الذي يُلقَّب بجعفر الكذَّاب لادِّعائه الإمامة بعد أخيه الحسن بن عليٍّ العسكري (عليهما السلام)، تُوفّي سنة (٢٧١هـ) وله (٤٥) سنة، وقبره في دار أبيه بسامرَّاء.
وسيأتي شرح حاله في (ح ٢٤٦).

↑صفحة ١١٦↑

على أنَّ المشهور الذي لا مرية فيه بين الطائفة أنَّ الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام)، فالقول بإمامة جعفر بعد أخيه الحسن يبطل بذلك.
فإذا ثبت بطلان هذه الأقاويل كلِّها لم يبقَ إلَّا القول بإمامة ابن الحسن (عليه السلام)، وإلَّا لأدَّى إلى خروج الحقِّ عن الأُمَّة، وذلك باطل.
[ذكر أنَّ الغيبة لحكمة اقتضاها، ونعلم ذلك إجمالاً]:
وإذا ثبتت إمامته بهذه السياقة ثمّ وجدناه غائباً عن الأبصار، علمنا أنَّه لم يغب مع عصمته وتعيُّن فرض(٢٦٣) الإمامة فيه وعليه إلَّا لسبب سوَّغه ذلك وضرورة ألجأته إليه، وإنْ لم يُعلَم على وجه التفصيل.
وجرى ذلك مجرى الكلام في إيلام الأطفال والبهائم وخلق المؤذيات والصور المشينات ومتشابه القرآن إذا سُئِلنا عن وجهها بأنْ نقول: إذا علمنا أنَّ الله تعالى حكيم لا يجوز أنْ يفعل ما ليس بحكمة ولا صواب، علمنا أنَّ هذه الأشياء لها وجه حكمة وإنْ لم نعلمه معيَّناً.
وكذلك نقول في صاحب الزمان (عليه السلام)، فإنَّا نعلم أنَّه لم يستتر إلَّا لأمر حكمي يُسوِّغه ذلك وإنْ لم نعلمه مفصَّلاً.
فإنْ قيل: نحن نعترض قولكم في إمامته بغيبته بأنْ نقول: إذا لم يمكنكم بيان وجه حسنها دلَّ ذلك على بطلان القول بإمامته، لأنَّه لو صحَّ لأمكنكم بيان وجه الحسن فيه.
قلنا: إنْ لزمنا ذلك لزم جميع أهل العدل قول الملحدة إذا قالوا: إنَّا نتوصَّل بهذه الأفعال التي ليست بظاهرة(٢٦٤) الحكمة إلى أنَّ فاعلها ليس بحكيم، لأنَّه لو كان حكيماً لأمكنكم بيان وجه الحكمة فيها، وإلَّا فما الفصل؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٣) في بعض النُّسَخ: (غرض).
(٢٦٤) في بعض النُّسَخ: (بظاهر).

↑صفحة ١١٧↑

فإذا قلتم: نتكلَّم أوَّلاً(٢٦٥) في إثبات حكمته، فإذا ثبت(٢٦٦) بدليل منفصل ثمّ وجدنا هذه الأفعال المشتبهة الظاهر حملناها على ما يطابق ذلك، فلا يُؤدِّي إلى نقض ما علمنا، ومتى لم يُسلِّموا لنا حكمته انتقلت المسألة إلى الكلام في حكمته.
قلنا: مثل ذلك ها هنا من أنَّ الكلام في غيبته فرع على إمامته، فإذا(٢٦٧) علمنا إمامته بدليل، وعلمنا عصمته بدليل آخر، وعلمناه غاب، حملنا غيبته على وجه يطابق عصمته، فلا فرق بين الموضعين.
ثمّ يقال للمخالف في الغيبة: أتُجوِّز أنْ يكون للغيبة سبب صحيح اقتضاها، ووجه من الحكمة أوجبها، أم لا تُجوِّز ذلك؟
فإنْ قال: يجوز ذلك.
قيل له: فإذا كان ذلك جائزاً فكيف جعلت وجود الغيبة دليلاً على فقد الإمام في الزمان مع تجويزك لها سبباً لا ينافي وجود الإمام؟ وهل يجري ذلك إلَّا مجرى من توصل بإيلام الأطفال إلى نفي حكمة الصانع تعالى وهو معترف بأنَّه يجوز أنْ يكون في إيلامهم وجه صحيح لا ينافي الحكمة، أو من توصَّل بظاهر الآيات المتشابهات إلى أنَّه تعالى مشبه للأجسام وخالق لأفعال العباد مع تجويزه أنْ يكون لها وجوه صحيحة توافق [الحكمة و](٢٦٨) العدل والتوحيد ونفي التشبيه؟
وإنْ قال: لا أُجوِّز ذلك.
قيل: هذا تحجُّر شديد فيما لا يُحاط بعلمه ولا يُقطَع على مثله، فمن أين قلت: إنَّ ذلك لا يجوز؟ وانفصل ممَّن قال: لا يجوز أنْ يكون للآيات المتشابهات وجوه صحيحة تطابق أدلَّة العقل، ولا بدَّ أنْ تكون على ظواهرها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٥) في بعض النُّسَخ: (نحن أوَّلاً نتكلَّم).
(٢٦٦) في بعض النُّسَخ: (ثبتت).
(٢٦٧) في بعض النُّسَخ: (وإذا).
(٢٦٨) من بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٨٧).

↑صفحة ١١٨↑

ومتى قيل: نحن متمكِّنون من ذكر وجوه الآيات المتشابهات، وأنتم لا تتمكَّنون من ذكر سبب صحيح للغيبة.
قلنا: كلامنا على من يقول: لا أحتاج إلى العلم بوجوه الآيات المتشابهات مفصَّلاً، بل يكفيني علم الجملة، ومتى تعاطيت ذلك كان تبرُّعاً، وإنْ اقتنعتم لنفسكم بذلك فنحن أيضاً نتمكَّن من ذكر وجه صحَّة الغيبة وغرض حكمي لا ينافي عصمته، وسنذكر ذلك فيما بعد، وقد تكلَّمنا عليه مستوفًى في كتاب الإمامة.
ثمّ يقال: كيف يجوز أنْ يجتمع صحَّة إمامة ابن الحسن (عليه السلام) بما بيَّنَّاه من سياقة الأُصول العقليَّة، مع القول بأنَّ الغيبة لا يجوز أنْ يكون لها سبب صحيح، وهل هذا إلَّا تناقض؟ ويجري مجرى القول بصحَّة التوحيد والعدل، مع القطع على أنَّه لا يجوز أنْ يكون للآيات المتشابهات وجه يطابق هذه الأُصول.
ومتى قالوا: نحن لا نُسلِّم إمامة ابن الحسن (عليه السلام)، كان الكلام معهم في ثبوت الإمامة دون الكلام في سبب الغيبة، وقد تقدَّمت الدلالة على إمامته (عليه السلام) بما لا يُحتاج إلى إعادته.
وإنَّما قلنا ذلك لأنَّ الكلام في سبب غيبة الإمام (عليه السلام) فرع على ثبوت إمامته، فأمَّا قبل ثبوتها فلا وجه للكلام في سبب غيبته، كما لا وجه للكلام في وجوه الآيات المتشابهات وإيلام الأطفال وحسن التعبُّد بالشرائع قبل ثبوت التوحيد والعدل.
فإنْ قيل: ألا كان السائل بالخيار بين الكلام في إمامة ابن الحسن (عليه السلام) ليعرف صحَّتها من فسادها، وبين أنْ يتكلَّم في سبب الغيبة؟
قلنا: لا خيار في ذلك، لأنَّ من شكَّ في إمامة ابن الحسن (عليه السلام) يجب أنْ يكون الكلام معه في نصِّ إمامته والتشاغل بالدلالة عليها، ولا يجوز مع الشكِّ

↑صفحة ١١٩↑

فيها أنْ نتكلَّم في سبب الغيبة، لأنَّ الكلام في الفروع لا يسوغ إلَّا بعد إحكام الأُصول لها، كما لا يجوز أنْ يُتكلَّم في سبب إيلام الأطفال قبل ثبوت حكمة القديم تعالى وأنَّه لا يفعل القبيح.
وإنَّما رجَّحنا الكلام في إمامته (عليه السلام) على الكلام في غيبته وسببها، لأنَّ الكلام في إمامته مبنيٌّ على أُمور عقليَّة لا يدخلها الاحتمال، وسبب الغيبة ربَّما غمض واشتُبِهَ، فصار الكلام في الواضح الجليِّ أولى من الكلام في المشتبه الغامض، كما فعلناه مع المخالفين للملَّة، فرجَّحنا الكلام في نبوَّة نبيِّنا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على الكلام على ادِّعائهم تأبيد شرعهم، لظهور ذلك وغموض هذا، وهذا بعينه موجود هاهنا.
ومتى عادوا إلى أنْ يقولوا: الغيبة فيها وجه من وجوه القبح، فقد مضى الكلام عليه(٢٦٩). على أنَّ وجوه القبح معقولة، وهي كونه ظلماً أو كذباً أو عبثاً أو جهلاً أو استفساداً، وكلُّ ذلك ليس بحاصل هاهنا، فيجب أنْ لا يُدَّعى فيه وجه القبح.
فإنْ قيل: ألا منع اللهُ الخلقَ من الوصول إليه وحال بينهم وبينه ليقوم بالأمر ويحصل ما هو لطف لنا، كما نقول في النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذ بعثه الله تعالى، فإنَّ الله تعالى يمنع منه ما لم يُؤدِّ؟ فكان يجب أنْ يكون حكم الإمام مثله.
قلنا: المنع على ضربين:
أحدهما لا ينافي التكليف بأنْ لا يُلجِئ إلى ترك القبيح.
والآخر يُؤدِّي إلى ذلك.
فالأوَّل قد فعله الله تعالى من حيث منع من ظلمه بالنهي عنه، والحثِّ على وجوب طاعته، والانقياد لأمره ونهيه، وأنْ لا يُعصى في شيء من أوامره، وأنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٩) في (ص ٣٢ و٣٣).

↑صفحة ١٢٠↑

يساعد على جميع ما يقوي أمره ويشيد سلطانه، فإنَّ جميع ذلك لا ينافي التكليف، فإذا عصى من عصى في ذلك ولم يفعل ما يتمُّ معه الغرض المطلوب، يكون قد أتي من قِبَل نفسه لا من قِبَل خالقه.
والضرب الآخر أنْ يحول بينهم وبينه بالقهر والعجز عن ظلمه وعصيانه، فذلك لا يصحُّ اجتماعه مع التكليف، فيجب أنْ يكون ساقطاً.
فأمَّا النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فإنَّما نقول: يجب أنْ يمنع الله منه حتَّى يُؤدِّي الشرع، لأنَّه لا يمكن أنْ يُعلَم ذلك إلَّا من جهته، فلذلك وجب المنع منه.
وليس كذلك الإمام، لأنَّ علَّة المكلَّفين مزاحة فيما يتعلَّق بالشرع، والأدلَّة منصوبة على ما يحتاجون إليه، ولهم طريق إلى معرفتها من دون قوله، ولو فرضنا أنَّه ينتهي الحال إلى حدٍّ لا يُعرَف الحقُّ من الشرعيَّات إلَّا بقوله، لوجب أنْ يمنع الله تعالى منه ويُظهِره بحيث لا يُوصَل إليه مثل النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ونظير مسألة الإمام أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذا أدَّى ثمّ عرض فيما بعد ما يوجب خوفه، لا يجب على الله تعالى المنع منه، لأنَّ علَّة المكلَّفين قد انزاحت بما أدَّاه إليهم، فلهم طريق إلى معرفة لطفهم.
اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يتعلَّق به أداء آخر في المستقبل، فإنَّه يجب المنع منه كما يجب في الابتداء، فقد سوَّينا بين النبيِّ والإمام.
[ذكر ما يمكن أنْ يكون حكمةً وسبباً للغيبة]:
فإنْ قيل: بينوا على كلِّ حالٍ - وإنْ لم يجب عليكم - وجه علَّة الاستتار وما يمكن أنْ يكون علَّة على وجه ليكون أظهر في الحجَّة وأبلغ في باب البرهان.
قلنا: ممَّا يُقطَع على أنَّه سبب لغيبة الإمام هو خوفه على نفسه بالقتل بإخافة الظالمين إيَّاه، ومنعهم إيَّاه من التصرُّف فيما جُعِلَ إليه التدبير والتصرُّف فيه، فإذا حيل بينه وبين مراده سقط فرض القيام بالإمامة، وإذا خاف على نفسه وجبت

↑صفحة ١٢١↑

غيبته، ولزم استتاره كما استتر النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تارةً في الشعب، وأُخرى في الغار، ولا وجه لذلك إلَّا الخوف من المضارِّ الواصلة إليه.
وليس لأحدٍ أنْ يقول: إنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما استتر عن قومه إلَّا بعد أدائه إليهم ما وجب عليه أداؤه ولم يتعلَّق بهم إليه حاجة، وقولكم في الإمام بخلاف ذلك، وأيضاً فإنَّ استتار النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما طال ولا تمادى، واستتار الإمام قد مضت عليه الدهور، وانقرضت عليه العصور.
وذلك أنَّه ليس الأمر على ما قالوه، لأنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنَّما استتر في الشِّعب والغار بمكَّة قبل الهجرة، وما كان أدَّى جميع الشريعة، فإنَّ أكثر الأحكام ومعظم القرآن نزل بالمدينة، فكيف أوجبتم أنَّه كان بعد الأداء؟
ولو كان الأمر على ما قالوه من تكامل الأداء قبل الاستتار، لما كان ذلك رافعاً للحاجة إلى تدبيره وسياسته وأمره ونهيه، فإنَّ أحداً لا يقول: إنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد أداء الشرع غير محتاج إليه ولا مُفتقَر إلى تدبيره، ولا يقول ذلك معاند.
وهو الجواب عن قول من قال: إنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما يتعلَّق من مصلحتنا قد أدَّاه، وما يُؤدِّي في المستقبل لم يكن في الحال مصلحة للخلق، فجاز ذلك الاستتار، وليس كذلك الإمام عندكم، لأنَّ تصرُّفه في كلِّ حالٍ لطف للخلق، فلا يجوز له الاستتار على وجه، ووجب تقويته والمنع منه ليظهر ويزاح علَّة المكلَّف.
لأنَّا قد بيَّنَّا أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع أنَّه أدَّى المصلحة التي تعلَّقت بتلك الحال فلم يُسْتَغْنَ عن أمره ونهيه وتدبيره بلا خلاف بين المحصِّلين، ومع هذا جاز له الاستتار، فكذلك الإمام.
على أنَّ أمر الله تعالى له بالاستتار بالشِّعب تارةً وفي الغار أُخرى ضرب من المنع منه، لأنَّه ليس كلُّ المنع أنْ يحول بينهم وبينه بالعجز أو بتقويته بالملائكة،

↑صفحة ١٢٢↑

لأنَّه لا يمتنع أنْ يُفرَض(٢٧٠) في تقويته بذلك مفسدة في الدِّين فلا يحسن من الله تعالى فعله، ولو كان خاليا من وجوه الفساد وعلم الله تعالى أنَّه تقتضيه المصلحة لقوَّاه بالملائكة، وحال بينهم وبينه، فلمَّا لم يفعل ذلك مع ثبوت حكمته ووجوب إزاحة علَّة المكلَّفين، علمنا أنَّه لم يتعلَّق به مصلحة بل مفسدة.
وكذلك نقول في الإمام (عليه السلام): إنَّ الله تعالى منع من قتله بأمره بالاستتار والغيبة، ولو علم أنَّ المصلحة تتعلَّق بتقويته بالملائكة لفعل، فلمَّا لم يفعل مع ثبوت حكمته ووجوه إزاحة علَّة المكلَّفين في التكليف، علمنا أنَّه لم يتعلَّق به مصلحة، بل ربَّما كان فيه مفسدة.
بل الذي نقول: إنَّ في الجملة يجب على الله تعالى تقوية يد الإمام بما يتمكَّن معه من القيام، ويبسط يده، ويُمكِّن ذلك بالملائكة وبالبشر، فإذا لم يفعله بالملائكة علمنا أنَّه لأجل أنَّه تعلَّق به مفسدة، فوجب أنْ يكون متعلِّقاً بالبشر، فإذا لم يفعلوه أتوا من قِبَل نفوسهم لا من قِبَله تعالى، فيبطل بهذا التحرير جميع ما يُورَد من هذا الجنس، وإذا جاز في النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنْ يستتر مع الحاجة إليه لخوف الضرر وكانت التبعة في ذلك لازمة لمخيفيه ومحوجيه إلى الغيبة، فكذلك غيبة الإمام (عليه السلام) سواء.
فأمَّا التفرقة بطول الغيبة وقصرها فغير صحيحة، لأنَّه لا فرق في ذلك بين القصير المنقطع والطويل الممتدِّ، لأنَّه إذا لم يكن في الاستتار لائمة على المستتر إذا أُحوج إليه، بل اللَّائمة على من أحوجه إليها، جاز أنْ يتطاول سبب الاستتار كما جاز أنْ يقصر زمانه.
فإنْ قيل: إذا كان الخوف أحوجه إلى الاستتار فقد كان آباؤه (عليهم السلام) عندكم على تقيَّة وخوف من أعدائهم، فكيف لم يستتروا؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٠) في بعض النُّسَخ: (أنْ يعرض).

↑صفحة ١٢٣↑

قلنا: ما كان على آبائه (عليهم السلام) خوف من أعدائهم، مع لزوم التقيَّة والعدول عن التظاهر بالإمامة ونفيها عن نفوسهم، وإمام الزمان (عليه السلام) كلُّ الخوف عليه، لأنَّه يظهر بالسيف، ويدعو إلى نفسه، ويجاهد من خالفه عليه، فأيُّ نسبة بين خوفه من الأعداء وخوف آبائه (عليهم السلام) لولا قلَّة التأمُّل.
على أنَّ آباءه (عليهم السلام) متى قُتلوا أو ماتوا كان هناك من يقوم مقامهم ويسدُّ مسدَّهم يصلح للإمامة من أولاده، وصاحب الأمر (عليه السلام) بالعكس من ذلك، لأنَّ من المعلوم أنَّه لا يقوم أحد مقامه، ولا يسدُّ مسدَّه، فبان الفرق بين الأمرين.
وقد بيَّنَّا فيما تقدَّم الفرق بين وجوده غائباً لا يصل إليه أحد أو أكثرهم وبين عدمه حتَّى إذا كان المعلوم التمكُّن بالأمر يُوجِده.
وكذلك قولهم: ما الفرق بين وجوده بحيث لا يصل إليه أحد وبين وجوده في السماء؟
بأنْ قلنا: إذا كان موجوداً في السماء بحيث لا يخفى عليه أخبار أهل الأرض فالسماء كالأرض، وإنْ كان يخفى عليه أمرهم فذلك يجري مجرى عدمه، ثمّ نقلب عليهم في النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنْ يقال: أيُّ فرق بين وجوده مستتراً وبين عدمه وكونه في السماء؟ فأيُّ شيء قالوه قلنا مثله، على ما مضى القول فيه.
وليس لهم أنْ يُفرِّقوا بين الأمرين بأنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما استتر من كلِّ أحد وإنَّما استتر من أعدائه، وإمام الزمان مستتر عن الجميع.
لأنَّا أوَّلاً لا نقطع على أنَّه مستتر عن جميع أوليائه، والتجويز في هذا الباب كافٍ.
على أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لـمَّا استتر في الغار كان مستتراً من أوليائه وأعدائه، ولم يكن معه إلَّا أبو بكر وحده، وقد كان يجوز أنْ يستتر بحيث لا يكون معه أحد من وليٍّ ولا عدوٍّ إذا اقتضت المصلحة ذلك.

↑صفحة ١٢٤↑

[السؤال عن حكم الحدود حال الغيبة وجوابه]:
فإنْ قيل: فالحدود في حال الغيبة ما حكمها؟ فإنْ سقطت عن الجاني على ما يوجبها الشرع فهذا نسخ الشريعة، وإنْ كانت باقية فمن يقيمها؟
قلنا: الحدود المستحقَّة باقية في جنوب مستحقِّيها، فإنْ ظهر الإمام ومستحقُّوها باقون أقامها عليهم بالبيِّنة أو الإقرار، وإنْ كان فات ذلك بموته كان الإثم في تفويتها على من أخاف الإمام وألجأه إلى الغيبة، وليس هذا نسخاً لإقامة الحدود، لأنَّ الحدَّ إنَّما يجب إقامته مع التمكُّن وزوال المنع، ويسقط مع الحيلولة، وإنَّما يكون ذلك نسخاً لو سقط إقامتها مع الإمكان وزوال الموانع.
ويقال لهم: ما يقولون في الحال التي لا يتمكَّن أهل الحلِّ والعقد من اختيار الإمام، ما حكم الحدود؟
فإنْ قلتم: سقطت، فهذا نسخ على ما ألزمتمونا.
وإنْ قلتم: هي باقية في جنوب مستحقِّيها، فهو جوابنا بعينه.
فإنْ قيل: قد قال أبو عليٍّ(٢٧١): إنَّ في الحال التي لا يتمكَّن أهل الحلِّ والعقد من نصب الإمام يفعل الله ما يقوم مقام إقامة الحدود ويزاح(٢٧٢) علَّة المكلَّف.
وقال أبو هاشم(٢٧٣): إنَّ إقامة الحدود دنياويَّة لا تعلُّق لها بالدِّين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧١) هو محمّد بن عبد الوهَّاب بن سلام بن حمران بن أبان الجُبَّائي من أئمَّة المعتزلة، ورئيس علماء الكلام في عصره، كانت ولادته في سنة (٢٣٥هـ)، وتُوفّي سنة (٣٠٣هـ).
وقد تُرجِم له في: الأعلام للزركلي (ج ٦/ ص ٢٥٦)، ووفيات الأعيان لابن خلِّكان (ج ٤/ ص ٢٦٧/ الرقم ٦٠٧)، والبداية والنهاية لابن كثير (ج ١١/ ص ١٤٢)، وغيرها.
(٢٧٢) في بعض النُّسَخ: (ينزاح).
(٢٧٣) هو عبد السلام بن محمّد بن عبد الوهَّاب الجُبَّائي، ابن أبي عليٍّ المتقدِّم ذكره، شيخ المعتزلة ومصنِّف الكُتُب على مذاهبهم، سكن بغداد إلى حين وفاته، وُلِدَ في سنة (٢٤٧هـ)، وتُوفّي سنة (٣٢١هـ)، عالم بالكلام، من كبار المعتزلة، له آراء انفرد بها وتبعته فرقة سُمّيت (البهشميَّة) نسبةً إلى كنية أبي هاشم.
راجع ترجمته في: تاريخ بغداد (ج ١١/ ص ٥٦/ الرقم ٥٧٣٥)، والأعلام للزركلي (ج ٤/ ص ٧)، ووفيات الأعيان لابن خلِّكان (ج ٣/ ص ١٨٣/ الرقم ٣٨٣)، والبداية والنهاية لابن كثير (ج ١١/ ص ٢٠٠)، وميزان الاعتدال للذهبي (ج ٢/ ص ٦١٨/ الرقم ٥٠٦١).

↑صفحة ١٢٥↑

قلنا: أمَّا ما قاله أبو عليٍّ فلو قلنا مثله ما ضرَّنا، لأنَّ إقامة الحدود ليس هو الذي لأجله أوجبنا الإمام حتَّى إذا فات إقامتها انتقض دلالة الإمامة، بل ذلك تابع للشرع، وقد قلنا: إنَّه لا يمتنع أنْ يسقط فرض إقامتها في حال انقباض يد الإمام أو تكون باقية في جنوب أصحابها، وكما جاز ذلك جاز أيضاً أنْ يكون هناك ما يقوم مقامها، فإذا صرنا إلى ما قاله لم ينتقض علينا أصل.
وأمَّا ما قاله أبو هاشم من أنَّ ذلك لمصالح الدنيا، فبعيد، لأنَّ ذلك عبادة واجبة، ولو كان لمصلحة دنياويَّة لما وجبت.
على أنَّ إقامة الحدود عنده على وجه الجزاء والنكال جزء من العقاب، وإنَّما قُدِّم في دار الدنيا بعضه لما فيه من المصلحة، فكيف يقول مع ذلك: إنَّه لمصالح دنياويَّة؟ فبطل ما قالوه.
[السؤال عن طريق إصابة الحقِّ حال الغيبة وجوابه]:
فإنْ قيل: كيف الطريق إلى إصابة الحقِّ مع غيبة الإمام؟
فإنْ قلتم: لا سبيل إليها، جعلتم الخلق في حيرة وضلالة وشكٍّ في جميع أُمورهم.
وإنْ قلتم: يصاب الحقُّ بأدلَّته، قيل لكم: هذا تصريح بالاستغناء عن الإمام بهذه الأدلَّة.
قلنا: الحقُّ على ضربين: عقلي وسمعي، فالعقلي يُصاب بأدلَّته، والسمعي عليه أدلَّة منصوبة من أقوال النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ونصوصه وأقوال الأئمَّة (عليهم السلام) من ولده، وقد بيَّنوا ذلك وأوضحوه، ولم يتركوا منه شيئاً لا دليل عليه.

↑صفحة ١٢٦↑

غير أنَّ هذا وإنْ كان على ما قلناه، فالحاجة إلى الإمام قد بيَّنَّا ثبوتها، لأنَّ جهة الحاجة إليه المستمرَّة في كلِّ حالٍ وزمانٍ كونه لطفاً على ما تقدَّم القول فيه، ولا يقوم غيره مقامه، فالحاجة المتعلِّقة بالسمع أيضاً ظاهرة، لأنَّ النقل وإنْ كان وارداً عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعن آباء الإمام (عليهم السلام) بجميع ما يُحتاج إليه في الشريعة، فجائز على الناقلين العدول عنه، إمَّا تعمُّداً وإمَّا لشبهة، فينقطع النقل، أو يبقى فيمن لا حجَّة في نقله.
وقد استوفينا هذه الطريقة في (تلخيص الشافي)(٢٧٤)، فلا نُطوِّل بذكرها الكتاب.
فإنْ قيل: لو فرضنا أنَّ الناقلين كتم بعض منهم بعض الشريعة واحتيج إلى بيان الإمام ولم يُعلَم الحقُّ إلَّا من جهته، وكان خوف القتل من أعدائه مستمرًّا، كيف يكون الحال؟
فإنْ قلتم: يظهر وإنْ خاف القتل، فيجب أنْ يكون خوف القتل غير مبيح له الاستتار ويلزم ظهوره.
وإنْ قلتم: لا يظهر وسقط التكليف في ذلك الشيء المكتوم عن الأُمَّة، خرجتم من الإجماع، لأنَّه منعقد على أنَّ كلَّ شيء شرَّعه النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأوضحه فهو لازم للأُمَّة إلى أنْ تقوم الساعة.
وإنْ قلتم: إنَّ التكليف لا يسقط، صرَّحتم بتكليف ما لا يُطاق، وإيجاب العمل بما لا طريق إليه.
قلنا: قد أجبنا عن هذا السؤال في (التلخيص)(٢٧٥) مستوفًى، وجملته أنَّ الله تعالى لو علم أنَّ النقل ببعض الشرع المفروض ينقطع في حال يكون تقيَّة الإمام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٤) تلخيص الشافي (ج ١/ ص ١٣٦).
(٢٧٥) تلخيص الشافي (ج ٤/ ص ٢١٩).

↑صفحة ١٢٧↑

فيها مستمرَّة، وخوفه من الأعداء باقياً، لأسقط ذلك عمَّن لا طريق له إليه، فإذا علمنا بالإجماع أنَّ تكليف الشرع مستمرٌّ ثابت على جميع الأُمَّة إلى قيام الساعة، علمنا عند ذلك أنَّه لو اتَّفق انقطاع النقل بشيء من الشرع لما كان ذلك إلَّا في حال يتمكَّن فيها الإمام (عليه السلام) من الظهور والبروز والإعلام والإنذار.
وكان المرتضى (رحمه الله) يقول أخيراً: لا يمتنع أنْ يكون هاهنا أُمور كثيرة غير واصلة إلينا هي مودعة عند الإمام (عليه السلام)، وإنْ كان قد كتمها الناقلون ولم ينقلوها، ولم يلزم مع ذلك سقوط التكليف عن الخلق، لأنَّه إذا كان سبب الغيبة خوفه على نفسه من الذين أخافوه، فمن أحوجه إلى الاستتار أُتي من قِبَل نفسه في فوت ما يفوته من الشرع، كما أنَّه أُتي من قِبَل نفسه فيما يفوته من تأديب الإمام وتصرُّفه من حيث أحوجه إلى الاستتار، ولو زال خوفه لظهر، فيحصل له اللطف بتصرُّفه، وتبيَّن له ما عنده ممَّا انكتم عنه، فإذا لم يفعل وبقي مستتراً(٢٧٦) أُتي من قِبَل نفسه في الأمرين، وهذا قويٌّ تقتضيه الأُصول.
[علَّة غيبة الإمام (عجّل الله فرجه) من أوليائه]:
وفي أصحابنا من قال: إنَّ علَّة الاستتار عن أوليائه خوفه من أنْ يشيعوا خبره، ويتحدَّثوا باجتماعهم معه سروراً به، فيُؤدِّي ذلك إلى الخوف من الأعداء وإنْ كان غير مقصود.
وهذا الجواب يضعف، لأنَّ عقلاء شيعته لا يجوز أنْ يخفى عليهم ما في إظهار اجتماعهم معه من الضرر عليه وعليهم، فكيف يُخبرون بذلك العامَّة مع علمهم بما عليه وعليهم فيه من المضرَّة العامَّة، وإنْ جاز هذا على الواحد والاثنين لا يجوز على جماعة شيعته الذين لا يظهر لهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٦) في بعض النُّسَخ: (مستمرًّا).

↑صفحة ١٢٨↑

على أنَّ هذا يلزم عليه أنْ يكون شيعته قد عُدِموا الانتفاع به على وجه لا يتمكَّنون من تلافيه وإزالته، لأنَّه إذا عُلِّق الاستتار بما يُعلَم من حالهم أنَّهم يفعلونه، فليس في مقدورهم الآن ما يقتضي من ظهور الإمام (عليه السلام)، وهذا يقتضي سقوط التكليف الذي الإمام لطف فيه عنهم.
وفي أصحابنا من قال: علَّة استتاره عن الأولياء ما يرجع إلى الأعداء، لأنَّ انتفاع جميع الرعيَّة من وليٍّ وعدوٍّ بالإمام إنَّما يكون بأنْ ينفذ أمره ببسط يده، فيكون ظاهراً متصرِّفاً بلا دافع ولا منازع، وهذا ممَّا المعلوم أنَّ الأعداء قد حالوا دونه ومنعوا منه.
قالوا: ولا فائدة في ظهوره سرًّا لبعض أوليائه، لأنَّ النفع المبتغى من تدبير الأُمَّة لا يتمُّ إلَّا بظهوره للكلِّ ونفوذ الأمر، فقد صارت العلَّة في استتار الإمام على الوجه الذي هو لطف ومصلحة للجميع واحدة.
ويمكن أنْ يعترض هذا الجواب بأنْ يقال: إنَّ الأعداء وإنْ حالوا بينه وبين الظهور على وجه التصرُّف والتدبير، فلم يحولوا بينه وبين لقاء من شاء من أوليائه على سبيل الاختصاص، وهو يعتقد طاعته ويوجب اتِّباع أوامره، فإنْ كان لا نفع في هذا اللقاء لأجل الاختصاص لأنَّه غير نافذ الأمر للكلِّ، فهذا تصريح بأنَّه لا انتفاع للشيعة الإماميَّة بلقاء أئمَّتها من لدن وفاة أمير المؤمنين إلى أيَّام الحسن بن عليِّ أبي القائم (عليهم السلام) لهذه العلَّة.
ويوجب أيضاً أنْ يكون أولياء أمير المؤمنين (عليه السلام) وشيعته لم يكن لهم بلقائه انتفاع قبل انتقال الأمر إلى تدبيره وحصوله في يده، وهذا بلوغ من قائله إلى حدٍّ لا يبلغه متأمِّل.
على أنَّه لو سُلِّم أنَّ الانتفاع بالإمام لا يكون إلَّا مع الظهور لجميع الرعيَّة ونفوذ أمره فيهم لبطل قولهم من وجه آخر، وهو أنَّه يُؤدِّي إلى سقوط التكليف

↑صفحة ١٢٩↑

الذي الإمام لطف فيه عن شيعته، لأنَّه إذا لم يظهر لهم لعلَّة لا يرجع إليهم ولا كان في قدرتهم وإمكانهم إزالته، فلا بدَّ من سقوط التكليف عنهم، لأنَّه لو جاز أنْ يمنع قوم من المكلَّفين غيرهم لطفهم، ويكون التكليف الذي ذلك اللطف لطف فيه مستمرًّا عليهم، لجاز أنْ يمنع بعض المكلَّفين غيره بقيد وما أشبهه من المشي على وجه لا يمكن(٢٧٧) من إزالته، ويكون تكليف المشي مع ذلك مستمرًّا على الحقيقة.
وليس لهم أنْ يُفرِّقوا بين القيد وبين اللطف من حيث كان القيد يتعذَّر معه الفعل(٢٧٨) ولا يُتوهَّم وقوعه، وليس كذلك فقد اللطف، لأنَّ أكثر أهل العدل على أنَّ فقد اللطف كفقد القدرة والآلة، وأنَّ التكليف مع فقد اللطف فيمن له لطف معلوم كالتكليف مع فقد القدرة والآلة ووجود الموانع، وأنَّ من لم يفعل له اللطف ممَّن له لطف معلوم غير مزاح العلَّة في التكليف، كما أنَّ الممنوع غير مزاح العلَّة.
والذي ينبغي أنْ يُجاب عن السؤال الذي ذكرناه عن المخالف أنْ نقول: إنَّا أوَّلاً لا نقطع على استتاره عن جميع أوليائه، بل يجوز أنْ يظهر لأكثرهم، ولا يعلم كلُّ إنسان إلَّا حال نفسه، فإنْ كان ظاهراً له فعلَّته مزاحة، وإنْ لم يكن ظاهراً له عُلِمَ(٢٧٩) أنَّه إنَّما لم يظهر له لأمر يرجع إليه وإنْ لم يعلمه مفصَّلاً لتقصير من جهته،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٧) في بعض النُّسَخ: (لا يتمكَّن).
(٢٧٨) في بعض النُّسَخ: (متعذِّر معه اللطف).
(٢٧٩) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٢١٤ و٢١٥) بعد نقل ما في المتن: (ولنتكلَّم فيما التزمه (رحمه الله) في ضمن أجوبة اعتراضات المخالف من كون كلِّ من خفي عليه الإمام من الشيعة في زمان الغيبة فهم مقصِّرون مذنبون. فنقول: يلزم عليه أنْ لا يكون أحد من الفرقة المحقَّة الناجية في زمان الغيبة موصوفاً بالعدالة، لأنَّ هذا الذنب الذي صار مانعاً لظهوره (عليه السلام)

↑صفحة ١٣٠↑

 

من جهتهم إمَّا كبيرة أو صغيرة أصرُّوا عليها، وعلى التقديرين ينافي العدالة، فكيف كان يُحكَم بعدالة الرواة والأئمَّة في الجماعات؟ وكيف كان يُقبَل قولهم في الشهادات؟ مع أنَّا نعلم ضرورةً أنَّ كلَّ عصر من الأعصار مشتمل على جماعة من الأخيار لا يتوقَّفون مع خروجه (عليه السلام)، وظهور أدنى معجز منه في الإقرار بإمامته وطاعته. وأيضاً فلا شكَّ في أنَّ في كثير من الأعصار الماضية كان الأنبياء والأوصياء محبوسين ممنوعين عن وصول الخلق إليهم، وكان معلوماً من حال المقرِّين أنَّهم لم يكونوا مقصِّرين في ذلك، بل نقول: لـمَّا اختفى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الغار كان ظهوره لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) وكونه معه لطفاً له، ولا يمكن إسناد التقصير إليه.
فالحقُّ في الجواب أنَّ اللطف إنَّما يكون شرطاً للتكليف إذا لم يكن مشتملاً على مفسدة، فإنا نعلم أنَّه تعالى إذا أظهر علامة مشيَّته عند ارتكاب المعاصي على المذنبين كأنْ يسود وجوههم مثلاً، فهو أقرب إلى طاعتهم وأبعد عن معصيتهم، لكن لاشتماله على كثير من المفاسد لم يفعله، فيمكن أنْ يكون ظهوره (عليه السلام) مشتملاً على مفسدة عظيمة للمقرِّين يوجب استئصالهم واجتياحهم، فظهوره (عليه السلام) مع تلك الحال ليس لطفاً لهم. وما ذكره (رحمه الله) من أنَّ التكليف مع فقد اللطف كالتكليف مع فقد الآلة، فمع تسليمه إنَّما يتمُّ إذا كان لطفاً وارتفعت المفاسد المانعة عن كونه لطفاً.
وحاصل الكلام أنَّ بعد ما ثبت من الحسن والقبح العقليَّين، وأنَّ العقل يحكم بأنَّ اللطف على الله تعالى واجب، وأنَّ وجود الإمام لطف باتِّفاق جميع العقلاء على أنَّ المصلحة في وجود رئيس يدعو إلى الصلاح ويمنع عن الفساد، وأنَّ وجوده أصلح للعباد وأقرب إلى طاعتهم، وأنَّه لا بدَّ أنْ يكون معصوماً، وأنَّ العصمة لا تُعلَم إلَّا من جهته تعالى، وأنَّ الإجماع واقع على عدم عصمة غير صاحب الزمان (عليه السلام)، يثبت وجوده.
وأمَّا غيبته عن المخالفين، فظاهر أنَّه مستند إلى تقصيرهم، وأمَّا عن المقرِّين فيمكن أنْ يكون بعضهم مقصِّرين، وبعضهم مع عدم تقصيرهم ممنوعين من بعض الفوائد التي تترتَّب على ظهوره (عليه السلام)، لمفسدة لهم في ذلك ينشأ من المخالفين، أو لمصلحة لهم في غيبته بأنْ يؤمنوا به مع خفاء الأمر وظهور الشُّبَه وشدَّة المشقَّة، فيكونوا أعظم ثواباً. مع أنَّ إيصال الإمام فوائده وهداياته لا يتوقَّف على ظهوره بحيث يعرفونه، فيمكن أنْ يصل منه (عليه السلام) إلى أكثر الشيعة ألطاف كثيرة لا يعرفونه، كما سيأتي عنه (عليه السلام) أنَّه في غيبته كالشمس تحت السحاب. على أنَّ في غيبات الأنبياء دليلاً بيِّناً على أنَّ في هذا النوع من وجود الحجَّة مصلحة وإلَّا لم يصدر منه تعالى.
وأمَّا الاعتراضات الموردة على كلٍّ من تلك المقدَّمات وأجوبتها فموكول إلى مظانِّه).

↑صفحة ١٣١↑

وإلَّا لم يحسن تكليفه.
فإذا عُلِمَ بقاء تكليفه عليه واستتار الإمام عنه عُلِمَ أنَّه لأمر يرجع إليه، كما تقوله جماعتنا فيمن لم ينظر في طريق معرفة الله تعالى فلم يحصل له العلم، وجب أنْ يُقطَع على أنَّه إنَّما لم يحصل لتقصير يرجع إليه، وإلَّا وجب إسقاط تكليفه وإنْ لم يعلم ما الذي وقع تقصيره فيه.
فعلى هذا التقرير(٢٨٠) أقوى ما يُعلَّل به ذلك أنَّ الإمام إذا ظهر ولا يُعلَم شخصه وعينه من حيث المشاهدة، فلا بدَّ من أنْ يظهر عليه علم معجز يدلُّ على صدقه، والعلم بكون الشيء معجزاً يحتاج إلى نظر يجوز أنْ يعترض فيه شبهة، فلا يمتنع أنْ يكون المعلوم من حال من لم يظهر له أنَّه متى ظهر وأظهر المعجز لم ينعم النظر فيدخل عليه فيه شبهة، فيعتقد أنَّه كذَّاب ويشيع خبره فيُؤدِّي إلى ما تقدَّم القول فيه.
فإنْ قيل: أيُّ تقصير وقع من الوليِّ الذي لم يظهر له الإمام لأجل هذا المعلوم من حاله؟ وأيُّ قدرة له على النظر فيما يُظهِر له الإمام معه؟ وإلى أيِّ شيء يُرجَع في تلافي ما يوجب غيبته؟
قلنا: ما أحلنا في سبب الغيبة عن الأولياء إلَّا على معلوم يظهر موضع التقصير فيه وإمكان تلافيه، لأنَّه غير ممتنع أنْ يكون من المعلوم من حاله أنَّه متى ظهر له الإمام قصَّر في النظر في معجزه، فإنَّما أُتي في ذلك لتقصيره الحاصل في العلم بالفرق بين المعجز والممكن، والدليل من ذلك والشبهة، ولو كان من ذلك على قاعدة صحيحة لم يجز أنْ يشتبه عليه معجز الإمام عند ظهوره له، فيجب عليه تلافي هذا التقصير واستدراكه.
وليس لأحدٍ أنْ يقول: هذا تكليف لما لا يطاق وحوالة على غيب، لأنَّ هذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٠) في بعض النُّسَخ: (التقدير).

↑صفحة ١٣٢↑

الوليَّ ليس يعرف ما قصَّر فيه بعينه من النظر والاستدلال فيستدركه حتَّى يتمهَّد في نفسه ويتقرَّر، ونراكم تلزمونه ما لا يلزمه، وذلك أنَّ ما يلزم في التكليف قد يتميَّز تارةً ويشتبه أُخرى بغيره، وإنْ كان التمكُّن من الأمرين ثابتاً حاصلاً.
فالوليُّ على هذا إذا حاسب نفسه ورأى أنَّ الإمام لا يظهر له وأفسد أنْ يكون السبب في الغيبة ما ذكرناه من الوجوه الباطلة وأجناسها، علم أنَّه لا بدَّ من سبب يرجع إليه.
وإذا علم أنَّ أقوى العلل ما ذكرناه، علم أنَّ التقصير واقع من جهته في صفات المعجز وشروطه، فعليه معاودة النظر في ذلك عند ذلك، وتخليصه من الشوائب وما يوجب الالتباس، فإنَّه من اجتهد في ذلك حقَّ الاجتهاد ووفَّى النظر شروطه، فإنَّه لا بدَّ من وقوع العلم بالفرق بين الحقِّ والباطل، وهذه المواضع الإنسان فيها على نفسه بصيرة، وليس يمكن أنْ يُؤمَر فيها بأكثر من التناهي في الاجتهاد، والبحث والفحص والاستسلام للحقِّ، وقد بيَّنَّا أنَّ هذا نظير ما نقول لمخالفينا إذا نظروا في أدلَّتنا ولم يحصل لهم العلم سواء.
فإنْ قيل: لو كان الأمر على ما قلتم لوجب أنْ لا يعلم شيئاً من المعجزات في الحال، وهذا يُؤدِّي إلى أنْ لا يعلم النبوَّة وصدق الرسول، وذلك يُخرجه عن الإسلام فضلاً عن الإيمان.
قلنا: لا يلزم ذلك، لأنَّه لا يمتنع أنْ تدخل الشبهة في نوع من المعجزات دون نوع، وليس إذا دخلت الشبهة في بعضها دخل في سائرها، فلا يمتنع أنْ يكون المعجز الدالُّ على النبوَّة لم تدخل عليه فيه شبهة، فحصل له العلم بكونه معجزاً وعلم عند ذلك نبوَّة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والمعجز الذي يظهر على يد الإمام إذا ظهر يكون أمراً آخر يجوز أنْ يدخل عليه الشبهة في كونه معجزاً، فيشكُّ حينئذٍ في إمامته وإنْ كان عالماً بالنبوَّة.

↑صفحة ١٣٣↑

وهذا كما نقول: إنَّ من علم نبوَّة موسى (عليه السلام) بالمعجزات الدالَّة على نبوَّته إذا لم ينعم النظر في المعجزات الظاهرة على عيسى ونبيِّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا يجب أنْ يُقطَع على أنَّه ما عرف تلك المعجزات، لأنَّه لا يمتنع أنْ يكون عارفاً بها وبوجه دلالتها وإنْ لم يعلم هذه المعجزات واشتبه عليه وجه دلالتها.
فإنْ قيل: فيجب على هذا أنْ يكون كلُّ من لم يظهر له الإمام يقطع على أنَّه على كبيرة يلحق بالكفر، لأنَّه مقصِّر على ما فرضتموه فيما يوجب غيبة الإمام عنه ويقتضي فوت مصلحته، فقد لحق الوليُّ على هذا بالعدوِّ.
قلنا: ليس يجب في التقصير الذي أشرنا إليه أنْ يكون كفراً ولا ذنباً عظيماً، لأنَّه في هذه الحال ما اعتقد في الإمام أنَّه ليس بإمام، ولا أخافه على نفسه، وإنَّما قصَّر في بعض العلوم تقصيراً كان كالسبب في أنْ عُلِمَ من حاله أنَّ ذلك الشكَّ في الإمامة يقع منه مستقبلاً، والآن فليس بواقع، فغير لازم أنْ يكون كافراً، غير أنَّه وإنْ لم يلزم أن يكون كفراً ولا جارياً مجرى تكذيب الإمام والشكِّ في صدقه، فهو ذنب وخطأ لا ينافيان الإيمان واستحقاق الثواب، ولن يلحق الوليُّ بالعدوِّ على هذا التقدير، لأنَّ العدو في الحال معتقد في الإمام ما هو كفر وكبيرة، والوليُّ بخلاف ذلك.
وإنَّما قلنا: إنَّ ما هو كالسبب في الكفر لا يجب أنْ يكون كفراً في الحال أنَّ أحداً لو اعتقد في القادر منَّا بقدرة أنَّه يصحُّ أنْ يفعل في غيره من الأجسام مبتدئاً، كان ذلك خطأً وجهلاً ليس بكفر، ولا يمتنع أنْ يكون المعلوم من حال هذا المعتقِد أنَّه لو ظهر نبيٌّ يدعو إلى نبوَّته وجعل معجزه أنْ يفعل الله تعالى على يده فعلاً بحيث لا يصل إليه أسباب البشر أنَّه لا يقبله، وهذا لا محالة لو علم أنَّه معجز كان يقبله، وما سبق من اعتقاده في مقدور القدر كان كالسبب في هذا، ولم يلزم أنْ يجري مجراه في الكفر.

↑صفحة ١٣٤↑

فإنْ قيل: إنَّ هذا الجواب أيضاً لا يستمرُّ على أصلكم، لأنَّ الصحيح من مذهبكم أنَّ من عرف الله تعالى بصفاته وعرف النبوَّة والإمامة وحصل مؤمناً لا يجوز أنْ يقع منه كفر أصلاً، فإذا ثبت هذا فكيف يمكنكم أنْ تجعلوا علَّة الاستتار عن الوليِّ أنَّ المعلوم من حاله أنَّه إذا ظهر الإمام فظهر على يده علم معجز شكَّ فيه ولا يعرفه إماماً، وإنَّ الشكَّ في ذلك كفر، وذلك ينقض أصلكم الذي صحَّحتموه.
قيل: هذا الذي ذكرتموه ليس بصحيح، لأنَّ الشكَّ مع المعجز الذي يظهر على يد الإمام ليس بقادح في معرفته لغير(٢٨١) الإمام على طريق الجملة، وإنَّما يقدح في أنَّ ما علم على طريق الجملة وصحَّت معرفته هل هو هذا الشخص أم لا؟ والشكُّ في هذا ليس بكفر، لأنَّه لو كان كفراً لوجب أنْ يكون كفراً وإنْ لم يُظهِر المعجز، فإنَّه لا محالة قبل ظهور هذا المعجز في يده شاكٌّ فيه، ويجوز كونه إماماً وكون غيره كذلك، وإنَّما يقدح في العلم الحاصل له على طريق الجملة أنْ لو شكَّ في المستقبل في إمامته على طريق الجملة، وذلك ممَّا يمنع من وقوعه منه مستقبلاً.
وكان المرتضى (رضي الله عنه) يقول: سؤال المخالف لنا - لِمَ لا يظهر الإمام للأولياء؟ - غير لازم، لأنَّه إنْ كان غرضه أنَّ لطف الوليِّ غير حاصل، فلا يحصل تكليفه فإنَّه لا يتوجَّه، فإنَّ لطف الوليِّ حاصل، لأنَّه إذا علم الوليُّ أنَّ له إماماً غائباً يتوقَّع ظهوره (عليه السلام) ساعة ساعة ويجوز انبساط يده في كلِّ حال، فإنَّ خوفه من تأديبه حاصل، وينزجر لمكانه عن المقبّحات، ويفعل كثيراً من الواجبات، فيكون حال غيبته كحال كونه في بلد آخر، بل ربَّما كان في حال الاستتار أبلغ، لأنَّه مع غيبته يجوز أنْ يكون معه في بلده وفي جواره، ويشاهده

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨١) في بعض النُّسَخ: (بغير).

↑صفحة ١٣٥↑

من حيث لا يعرفه ولا يقف على أخباره، وإذا كان في بلد آخر ربَّما خفي عليه خبره، فصار حال الغيبة [و](٢٨٢) الانزجار حاصلاً عن(٢٨٣) القبيح على ما قلناه.
وإذا لم يكن قد فاتهم اللطف جاز استتاره عنهم وإنْ سُلِّم أنَّه يحصل ما هو لطف لهم، ومع ذلك يقال: لِمَ لا يظهر لهم؟ قلنا: ذلك غير واجب على كلِّ حالٍ، فسقط السؤال من أصله.
على أنَّ لطفهم بمكانه حاصل من وجه آخر، وهو أنَّ لمكانه يثقون بوصول جميع الشرع إليهم، ولولاه لما وثقوا بذلك وجوَّزوا أنْ يخفى عليهم كثير من الشرع وينقطع دونهم، وإذا علموا وجوده في الجملة أمنوا جميع ذلك، فكان اللطف بمكانه حاصلاً من هذا الوجه أيضاً.
[ذكر أنَّ ستر ولادة صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) ليس من خوارق العادات، وما لها من النظائر]:
وقد ذكرنا فيما تقدَّم أنَّ ستر ولادة صاحب الزمان (عليه السلام) ليس بخارق للعادات، إذ جرى أمثال ذلك فيما تقدَّم من أخبار الملوك، وقد ذكره العلماء من الفرس ومن روى أخبار الدولتين.
من ذلك ما هو مشهور كقصَّة كيخسرو وما كان من ستر أُمِّه حملها وإخفاء ولادتها، وأُمُّه بنت ولد أفراسياب مَلِك الترك، وكان جدُّه كيقاوس أراد قتل ولده فسترته أُمُّه إلى أنْ ولدته، وكان من قصَّته ما هو مشهور في كُتُب التواريخ، ذكره الطبري(٢٨٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٢) من بعض النُّسَخ.
(٢٨٣) في بعض النُّسَخ: (من).
(٢٨٤) تاريخ الطبري (ج ١/ ص ٣٦١ - ٣٦٧).

↑صفحة ١٣٦↑

وقد نطق القرآن بقصَّة إبراهيم (عليه السلام)، وأنَّ أُمَّه ولدته خفيًّا وغيَّبته في المغارة حتَّى بلغ، وكان من أمره ما كان(٢٨٥).
وما كان من قصَّة موسى (عليه السلام)، فإنَّ أُمَّه ألقته في البحر خوفاً عليه وإشفاقاً من فرعون عليه، وذلك مشهور نطق به القرآن(٢٨٦).
ومثل ذلك قصَّة صاحب الزمان (عليه السلام) سواء، فكيف يقال: إنَّ هذا خارج عن العادات.
ومن الناس من يكون له ولد من جارية يستتر بها(٢٨٧) من زوجته برهة من الزمان حتَّى إذا حضرته الوفاة أقرَّ به.
وفي الناس من يستر أمر ولده خوفاً من أهله أنْ يقتلوه طمعاً في ميراثه، قد جرت العادات بذلك، فلا ينبغي أنْ يُتعجَّب من مثله في صاحب الزمان (عليه السلام)، وقد شاهدنا من هذا الجنس كثيراً وسمعنا منه غير قليل، فلا نُطوِّل بذكره، لأنَّه معلوم بالعادات.
وكم وجدنا من ثبت نسبه بعد موت أبيه بدهر طويل، ولم يكن أحد يعرفه إذا شهد بنسبه رجلان مسلمان، ويكون الأب أشهدهما على نفسه ستراً عن أهله وخوفاً من زوجته وأهله، فوصَّى به فشهدا بعد موته، أو شهدا بعقده على امرأة عقداً صحيحاً فجاءت بولد يمكن أنْ يكون منه، فوجب بحكم الشرع إلحاقه به.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٥) راجع: تاريخ الطبري (ج ١/ ص ١٦٤)، ومجمع البيان (ج ٤/ ص ٩٦).
(٢٨٦) في سورة القَصص آية (٧ - ١٣)، وقد ذكر قصَّته مفصَّلاً الفخر الرازي في تفسيره (ج ٢٤/ ص ٢٢٧ فصاعداً)، والطبري في تفسيره (ج ٢٠/ ص ٣٧ فصاعداً)، وفي تاريخه (ج ١/ ص ٢٧٣ فصاعداً)، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في مجمع البيان (ج ٧/ ص ٤١٦ فصاعداً).
(٢٨٧) في بعض النُّسَخ: (يتسربها).

↑صفحة ١٣٧↑

[إثبات ولادة صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) وإبطال ما أُورد عليه من الشُّبَه]:
والخبر بولادة ابن الحسن (عليه السلام) وارد من جهات أكثر ممَّا يثبت به الأنساب في الشرع، ونحن نذكر طرفاً من ذلك فيما بعد إنْ شاء الله تعالى(٢٨٨).
وأمَّا إنكار جعفر بن عليٍّ(٢٨٩) - عمّ صاحب الزمان (عليه السلام) - شهادة الإماميَّة بولد لأخيه الحسن بن عليٍّ وُلِدَ في حياته، ودفعه بذلك وجوده بعده، وأخذه تركته وحوزه ميراثه، وما كان منه في حمل سلطان الوقت على حبس جواري الحسن (عليه السلام) واستبدالهنَّ بالاستبراء لهنَّ من الحمل ليتأكُّد نفيه لولد أخيه وإباحته دماء شيعتهم بدعواهم خلفاً له بعده كان أحقّ بمقامه، فليس بشبهة يعتمد على مثلها أحد من المحصِّلين، لاتِّفاق الكلِّ على أنَّ جعفراً لم يكن له عصمة كعصمة الأنبياء فيمتنع عليه لذلك إنكار حقٍّ ودعوى باطل، بل الخطأ جائز عليه، والغلط غير ممتنع منه(٢٩٠).
وقد نطق القرآن بما كان من ولد يعقوب (عليه السلام) مع أخيهم يوسف (عليه السلام) وطرحهم إيَّاه في الجُبِّ، وبيعهم إيَّاه بالثمن البخس، وهم أولاد الأنبياء، وفي الناس من يقول: كانوا أنبياء.
فإذا جاز منهم مثل ذلك مع عظم الخطأ فيه، فلِمَ لا يجوز مثله من جعفر بن عليٍّ مع ابن أخيه، وأنْ يفعل معه من الجحد طمعاً في الدنيا ونيلها؟ وهل يمنع من ذلك أحد إلَّا مكابر معاند؟
فإنْ قيل: كيف يجوز أنْ يكون للحسن بن عليٍّ (عليه السلام) ولد مع إسناده وصيَّته في مرضه الذي تُوفّي فيه إلى والدته المسمَّاة بحديث، المكنَّاة بأُمِّ الحسن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٨) في الفصل الثاني.
(٢٨٩) تقدَّم في (ص ١١٦).
(٢٩٠) راجع تفصيل ذلك في: الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٣٦).

↑صفحة ١٣٨↑

بوقوفه وصدقاته(٢٩١)، وأسند النظر إليها في ذلك، ولو كان له ولد لذكره في الوصيَّة.
قيل: إنَّما فعل ذلك قصداً إلى تمام ما كان غرضه في إخفاء ولادته، وستر حاله عن سلطان الوقت، ولو ذكر ولده أنْ أسند وصيَّته إليه لناقض غرضه خاصَّة وهو احتاج إلى الإشهاد عليها وجوه الدولة، وأسباب السلطان، وشهود القضاة ليتحرَّس بذلك وقوفه، ويتحفَّظ صدقاته، ويتمّ به الستر على ولده بإهمال ذكره وحراسة مهجته بترك التنبيه على وجوده، ومن ظنَّ أنَّ ذلك دليل على بطلان دعوى الإماميَّة في وجود ولد للحسن (عليه السلام)، كان بعيداً من معرفة العادات.
وقد فعل نظير ذلك الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام)(٢٩٢) حين أسند وصيَّته إلى خمسة نفر أوَّلهم المنصور إذ كان سلطان الوقت، ولم يُفرِد ابنه موسى (عليه السلام) بها إبقاءً عليه، وأشهد معه الربيع وقاضي الوقت وجاريته أُمَّ ولده حميدة البربريَّة، وختمهم بذكر ابنه موسى بن جعفر (عليهما السلام) لستر أمره وحراسة نفسه، ولم يذكر مع ولده موسى أحداً من أولاده الباقين لعلمه كان فيهم من يدَّعي مقامه من بعده، ويتعلَّق بإدخاله في وصيَّته، ولو لم يكن موسى (عليه السلام) ظاهراً مشهوراً في أولاده معروف المكان منه، وصحَّة نسبه واشتهار فضله وعلمه، وكان مستوراً لما ذكره في وصيَّته ولاقتصر على ذكر غيره، كما فعل الحسن بن عليٍّ والد صاحب الزمان (عليه السلام).
[استبعاد أنَّ صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) منذ وُلِدَ لا يعرف أحد مكانه]:
فإنْ قيل: قولكم: إنَّه منذ وُلِدَ صاحب الزمان (عليه السلام) إلى وقتنا هذا مع طول المدَّة لا يعرف أحد مكانه، ولا يعلم مستقرَّه، ولا يأتي بخبره من يوثق بقوله،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩١) يأتي في (ح ١٩٦).
(٢٩٢) يأتي في (ح ١٦٢).

↑صفحة ١٣٩↑

خارج عن العادة، لأنَّ كلَّ من اتَّفق له الاستتار عن ظالم لخوف منه على نفس أو لغير ذلك من الأغراض يكون مدَّة استتاره قريبة ولا يبلغ عشرين سنة، ولا يخفى أيضاً على الكلِّ في مدَّة استتارة مكانه، ولا بدَّ من أنْ يعرف فيه بعض أوليائه وأهله مكانه، أو يخبر بلقائه، وقولكم بخلاف ذلك.
قلنا: ليس الأمر على ما قلتم، لأنَّ الإماميَّة تقول: إنَّ جماعة من أصحاب أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) قد شاهدوا وجوده في حياته(٢٩٣)، وكانوا أصحابه وخاصَّته بعد وفاته، والوسائط بينه وبين شيعته معروفون ربَّما ذكرناهم فيما بعد، ينقلون إلى شيعته معالم الدِّين، ويُخرجون إليهم أجوبته في مسائلهم فيه، ويقبضون منهم حقوقه، وهم جماعة كان الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) عدَّلهم في حياته، واختصَّهم أُمناء له في وقته، وجعل إليهم النظر في أملاكه، والقيام بأُموره بأسمائهم وأنسابهم وأعيانهم، كأبي عمرو عثمان بن سعيد السمَّان، وابنه أبي جعفر محمّد بن عثمان بن سعيد، وغيرهم ممَّن سنذكر أخبارهم فيما بعد إنْ شاء الله تعالى، وكانوا أهل عقل وأمانة، وثقة ظاهرة، ودراية وفهم، وتحصيل ونباهة، وكانوا معظَّمين عند سلطان الوقت لعظم أقدارهم وجلالة محلِّهم، مكرَّمين لظاهر أمانتهم واشتهار عدالتهم، حتَّى إنَّه كان يدفع عنهم ما يضيفه إليهم خصومهم، وهذا يُسقِط قولهم: إنَّ صاحبكم لم يرَه أحد، ودعواهم خلافه.
فأمَّا بعد انقراض أصحاب أبيه، فقد كان مدَّة من الزمان أخباره واصلة من جهة السفراء الذين بينه وبين شيعته، ويُوثَق بقولهم، ويُرجَع إليهم لدينهم وأمانتهم وما اختصُّوا به من الدِّين والنزاهة، وربَّما ذكرنا طرفاً من أخبارهم فيما بعد(٢٩٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٣) يأتي في الفصل الثاني.
(٢٩٤) يأتي فيما بعد عند ذكر السفراء.

↑صفحة ١٤٠↑

وقد سبق الخبر عن آبائه (عليهم السلام) بأنَّ القائم (عليه السلام) له غيبتان، أُخراهما أطول من الأُولى(٢٩٥)، فالأُولى يُعرَف فيها خبره، والأُخرى لا يُعرَف فيها خبره، فجاء ذلك موافقاً لهذه الأخبار، فكان ذلك دليلاً ينضاف إلى ما ذكرناه، وسنُوضِّح عن هذه الطريقة فيما بعد إنْ شاء الله تعالى.
فأمَّا خروج ذلك عن العادات، فليس الأمر على ما قالوه، ولو صحَّ لجاز أنْ ينقض الله تعالى العادة في ستر شخص، ويخفي أمره لضرب من المصلحة وحسن التدبير، لما يعرض من المانع من ظهوره.
وهذا الخضر (عليه السلام) موجود قبل زماننا من عهد موسى (عليه السلام) عند أكثر الأُمَّة وإلى وقتنا هذا باتِّفاق أهل السِّيَر لا يُعرَف مستقرُّه، ولا يعلم أحد له أصحاباً إلَّا ما جاء به القرآن من قصَّته مع موسى (عليه السلام)(٢٩٦).
وما يذكره بعض الناس أنَّه يظهر أحياناً ولا يُعرَف ويظنُّ من يراه أنَّه بعض الزُّهَّاد، فإذا فارق مكانه توهَّمه المسمَّى بالخضر، ولم يكن عرفه بعينه في الحال، ولا ظنَّه فيها، بل اعتقد أنَّه بعض أهل الزمان.
وقد كان من غيبة موسى بن عمران (عليه السلام) عن وطنه وهربه من فرعون ورهطه ما نطق به القرآن، ولم يظفر بن أحد مدَّة من الزمان، ولا عرفه بعينه حتَّى بعثه الله نبيًّا ودعا إليه فعرفه الوليُّ والعدوُّ(٢٩٧).
وقد كان من قصَّة يوسف بن يعقوب (عليه السلام) ما جاء به سورة في القرآن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٥) تقدَّم في (ح ٦٠).
(٢٩٦) سورة الكهف آية (٦٠ - ٨٢)، وراجع تفسيرها في: تفسير العيَّاشي (ج ٢/ ص ٣٢٩ فصاعداً)، وتفسير القمِّي (ج ٢/ ص ٣٧ - ٤٠)، وتفسير البيضاوي (ج ٣/ ص ٥٠٧ فصاعداً)، وغيرها من كُتُب التفاسير والأخبار.
(٢٩٧) تقدَّم في (ص ١٣٧).

↑صفحة ١٤١↑

وتضمَّنت استتار خبره عن أبيه، وهو نبيُّ الله يأتيه الوحي صباحاً [ومساءً](٢٩٨)، وما يخفى عليه خبر ولده، وعن ولده أيضاً حتى إنَّهم كانوا يدخلون عليه ويعاملونه ولا يعرفونه، وحتَّى مضت على ذلك السنون والأزمان، ثمّ كشف الله أمره وظهر خبره، وجمع بينه وبين أبيه وإخوته(٢٩٩)، وإنْ لم يكن ذلك في عادتنا اليوم ولا سمعنا بمثله.
وكان من قصَّة يونس بن متَّى نبيِّ الله (عليه السلام) مع قومه وفراره منهم حين تطاول خلافهم له، واستخفافهم بحقوقه، وغيبته عنهم وعن كلِّ أحد حتَّى لم يعلم أحد من الخلق مستقرَّه، وستره الله تعالى في جوف السمكة، وأمسك عليه رمقه بضرب من المصلحة، إلى أنْ انقضت تلك المدَّة وردَّه الله تعالى إلى قومه، وجمع بينهم وبينه، وهذا أيضاً خارج عن عادتنا وبعيد من تعارفنا قد نطق به القرآن وأجمع عليه أهل الإسلام(٣٠٠).
ومثل ما حكيناه أيضاً قصَّة أصحاب الكهف وقد نطق بها القرآن وتضمَّن شرح حالهم واستتارهم عن قومهم فراراً بدينهم(٣٠١).
ولولا ما نطق القرآن به لكان مخالفونا يجحدونه دفعاً لغيبة صاحب الزمان (عليه السلام)، وإلحاقهم به، لكن أخبر الله تعالى أنَّهم بقوا ثلاثمائة سنة مثل ذلك مستترين خائفين، ثمّ أحياهم الله تعالى فعادوا إلى قومهم، وقصَّتهم مشهورة في ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٨) من بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٢٠٤).
(٢٩٩) تقدَّم في (ص ١٣٨).
(٣٠٠) سورة الصافَّات آية (١٣٩ - ١٤٨)، وسورة القلم آية (٤٨ - ٥٠)، وراجع: تاريخ الطبري (ج ١/ ص ٤٥٧ - ٤٦٢)، وبحار الأنوار (ج ١٤/ ص ٣٧٩ - ٤٠٦/ باب ٢٦).
(٣٠١) سورة الكهف آية (٩ - ٢٦)، وذُكِرَت قصَّتهم في تاريخ الطبري (ج ١/ ص ٤٥٤ - ٤٥٧)، وقَصص الأنبياء للراوندي (ص ٢٥٣/ ح ٣٢٤)؛ وراجع: بحار الأنوار (ج ١٤/ ص ٤٠٧ - ٤٣٧/ باب ٢٧).

↑صفحة ١٤٢↑

وقد كان من أمر صاحب الحمار(٣٠٢) الذي نزل بقصَّته القرآن وأهل الكتاب يزعمون أنَّه كان نبيًّا فأماته الله تعالى مائة عام ثمّ بعثه، وبقي طعامه وشرابه لم يتغيَّر(٣٠٣).
وكان ذلك خارقاً للعادة.
وإذا كان ما ذكرناه معروفاً كائناً كيف يمكن مع ذلك إنكار غيبة صاحب الزمان (عليه السلام)؟ اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يكون المخالف دهريًّا معطِّلاً يُنكِر جميع ذلك ويحيله، فلا نتكلَّم معه في الغيبة، بل ننتقل معه إلى الكلام في أصل التوحيد، وأنَّ ذلك مقدور، وإنَّما نُكلِّم في ذلك من أقرَّ بالإسلام وجوَّز كون ذلك مقدوراً لله تعالى، فنُبيِّن لهم نظائره في العادات.
وأمثال ما قلناه كثيرة ممَّا رواه أصحاب السِّيَر والتواريخ من ملوك الفرس(٣٠٤) وغيبتهم عن أصحابهم مدَّة لا يعرفون خبرهم، ثمّ عودهم وظهورهم لضرب من التدبير، وإنْ لم ينطق به القرآن فهو مذكور في التواريخ، وكذلك جماعة من حكماء الروم والهند(٣٠٥) قد كانت لهم غيبات وأحوال خارجة عن العادات لا نذكرها، لأنَّ المخالف ربَّما جحدها على عادتهم جحد الأخبار وهو مذكور في التواريخ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠٢) هو أرميا النبيُّ (عليه السلام)، راجع: تفسير العيَّاشي (ج ١/ ص ١٤٠/ ح ٤٦٦)، وتفسير القمِّي (ج ١/ ص ٩٠)؛ وذكره الطبري مفصَّلاً في تاريخه (ج ١/ ص ٣٨٣ فصاعداً).
أو عُزَير كما في كمال الدِّين (ص ٢٢٦/ باب ٢٢/ قطعة من الحديث ٢٠).
(٣٠٣) يأتي في (ح ٤٠٤ و٤٠٥).
(٣٠٤) يأتي في (ص ١٥٦).
(٣٠٥) مثل ما رواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٦٤٢) من أنَّه كان في الهند مَلِك عاش تسعمائة سنة وخمس وعشرين سنة، وأيضاً مثل قصَّة بلوهر ويوذاسف كما في كمال الدِّين (ص ٥٧٧ - ٦٣٨).

↑صفحة ١٤٣↑

[الجواب عن الاعتراض بطول عمره (عجّل الله فرجه) بما يزيد عن العمر الطبيعي، وكونه خارقاً للعادة، وذكر المعمَّرين]:
فإنْ قيل: ادِّعاؤكم طول عمر صاحبكم أمر خارق للعادات مع بقائه على قولكم كامل العقل تامُّ القوة والشباب، لأنَّه على قولكم له في هذا الوقت - الذي هو سنة سبع وأربعين وأربعمائة - مائة وإحدى وتسعون سنة، لأنَّ مولده على قولكم سنة ست وخمسين ومائتين، ولم تجرِ العادة بأنْ يبقى أحد من البشر هذه المدَّة، فكيف انتقضت العادة فيه ولا يجوز انتقاضها إلَّا على يد الأنبياء؟
قلنا: الجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما: أنَّا لا نُسلِّم أنَّ ذلك خارق لجميع العادات، بل العادات فيما تقدَّم قد جرت بمثلها وأكثر من ذلك، وقد ذكرنا بعضها كقصَّة الخضر (عليه السلام)، وقصَّة أصحاب الكهف، وغير ذلك.
وقد أخبر الله تعالى عن نوح (عليه السلام) أنَّه لبث في قومه ألف سنة إلَّا خمسين عاماً(٣٠٦)، وأصحاب السِّيَر يقولون: إنَّه عاش أكثر من ذلك(٣٠٧)، وإنَّما دعا قومه إلى الله تعالى هذه المدَّة المذكورة بعد أنْ مضت عليه ستُّون من عمره.
٨٥ - وروى أصحاب الأخبار أنَّ سلمان الفارسي (رضي الله عنه) لقي عيسى بن مريم (عليه السلام) وبقي إلى زمان نبيِّنا (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وخبره مشهور(٣٠٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠٦) كما في سورة العنكبوت آية (١٤).
(٣٠٧) كما في الكافي (ج ٨/ ص ٢٨٤/ ح ٤٢٩)، وأمالي الصدوق (ص ٦٠٢/ ح ٨٣٦/٧)، وكمال الدِّين (ص ٥٢٣/ باب ٤٦/ ح ١)، وقَصص الأنبياء للراوندي (ص ٩١/ ح ٨٠).
(٣٠٨) كما في السيرة النبويَّة لابن هشام (ج ١/ ص ١٤٦).
ويستفاد ممَّا رواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ١٦١ - ١٦٥/ باب ٩/ ح ٢١) أنَّه (رضي الله عنه) عمَّر خمسمائة سنة، وأنَّ بين عيسى (عليه السلام) ونبيِّنا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خمسمائة سنة.
ونقل النوري (رحمه الله) في نفس الرحمن (ص ٦٥٠) عن الشافي بأنَّه روى أصحاب الأخبار أنَّ سلمان الفارسي عاش ثلاثمائة وخمسين سنة، وقال بعضهم: بل عاش أكثر من أربعمائة سنة، وقيل: إنَّه أدرك عيسى (عليه السلام).

↑صفحة ١٤٤↑

وأخبار المعمَّرين من العرب والعجم معروفة مذكورة في الكُتُب والتواريخ(٣٠٩).
٨٦ - وروى أصحاب الحديث أنَّ الدجَّال موجود، وأنَّه كان في عصر النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنَّه باقٍ إلى الوقت الذي يخرج فيه، وهو عدوُّ الله(٣١٠).
فإذا جاز في عدوِّ الله لضرب من المصلحة، فكيف لا يجوز مثله في وليِّ الله؟ إنَّ هذا من العناد.
٨٧ - وروى من ذكر أخبار العرب أنَّ لقمان بن عاد كان أطول الناس عمراً، وأنَّه عاش ثلاثة آلاف سنة وخمسمائة سنة، ويقال: إنَّه عاش عمر سبعة أنسر، وكان يأخذ فرخ النسر الذَّكَر فيجعله في الجبل فيعيش النسر ما عاش، فإذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠٩) كتاريخ الطبري، والسيرة النبويَّة لابن هشام، وكتاب المعمَّرين لأبي حاتم السجستاني، وكمال الدِّين، وتقريب المعارف، وأمالي المرتضى، وكنز الفوائد للكراجكي، والفصول العشرة في الغيبة للمفيد (رحمه الله)، وغيرها.
(٣١٠) الظاهر أنَّه ابن الصيَّاد أو ابن الصائد، ذكره عبد الرزَّاق الصنعاني في مصنَّفه (ج ١١/ ص ٣٨٩/ باب الدجَّال)، وأحمد بن حنبل في مسنده (ج ٢/ ص ١٤٨)، والبخاري في صحيحه (ج ٨/ ص ١٥٨)، ومسلم في صحيحه (ج ٤/ ص ١٩٢)، وغيرهم.
ويحتمل كونه الجساسة كما في مصنَّف ابن أبي شيبة (ج ٨/ ص ٦٧٤ و٦٧٥/ ح ١٨٢)، ومسند أحمد (ج ٦/ ص ٤١٧)، وصحيح مسلم (ج ٨/ ص ٢٠٤)، وسُنَن ابن ماجة (ج ٢/ ص ١٣٥٤ و١٣٥٥/ ح ٤٠٧٤)، وغيرها من الكُتُب.
وقال الطبري في تاريخه (ج ١/ ص ١٢): (فأحسب أنَّ الذي ينتظرونه ويدَّعون أنَّ صفته في التوراة مثبتة هو الدجَّال الذي وصفه رسول الله [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)] لأُمَّته، وذكر لهم أنَّ عامَّة أتباعه اليهود، فإنْ كان ذلك هو عبد الله بن صيَّاد، فهو من نسل اليهود).

↑صفحة ١٤٥↑

مات أخذ آخر فربَّاه حتَّى كان آخرها لبد، وكان أطولها عمراً، فقيل: (طال الأمد على لبد)، وفيه يقول الأعشى(٣١١):

لنفسك إذ تختار سبعة أنسـر * * * إذا ما مضـى نسـر خلدت إلى نسـرِ
فعمَّر حتَّى خال أنَّ نسوره * * * خلود وهل يبقى النفوس على الدهرِ
وقال لأدناهنَّ إذ حلَّ ريشه * * * هلكت وأهلكت ابن عاد وما تدري(٣١٢)

ومنهم: ربيع بن ضبع بن وهب بن بغيض بن مالك بن سعد بن عيس(٣١٣) بن فزارة، عاش ثلاثمائة سنة وأربعين سنة، فأدرك النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولم يسلم.
وروي أنَّه عاش إلى أيَّام عبد المَلِك بن مروان، وخبره معروف، فإنَّه قال له: فصِّل لي عمرك، قال: عشت مائتي سنة في فترة عيسى، وعشرين ومائة سنة في الجاهليَّة وستِّين في الإسلام، فقال له: لقد طلبك جدٌّ غير عاثر، وأخباره معروفة، وهو الذي يقول وقد طعن في ثلاثمائة سنة:

أصبح منِّي الشباب قد حسـرا * * * إنْ ينأ عنِّي فقد ثوى عصـرا

والأبيات معروفة، وهو الذي يقول:

إذا كان الشتاء فأدفؤني * * * فإنَّ الشيخ يهدمه الشتاء
فأمَّا حين يذهب كلُّ قرٍّ * * * فسـربال خفيف أو رداء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١١) هو ميمون بن قيس من سعد بن ضبيعة بن قيس، وكان أعمى، يُكنَّى أبا بصير.
راجع: طبقات الشعراء (ص ٤١).
(٣١٢) ذكر نحوه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٥٥٩)، وذكره أبو الصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٤٩) مختصراً، والكراجكي (رحمه الله) في كنز الفوائد (ص ٢٤٨) باختلاف.
(٣١٣) في بعض النُّسَخ: (عنبس).

↑صفحة ١٤٦↑

إذا عاش الفتى مائتين عاماً * * * فقد أودى المسـرة والفتاء(٣١٤)،(٣١٥)

ومنهم: المستوغر بن ربيعة بن كعب بن زيد (بن)(٣١٦) مناة(٣١٧)، عاش ثلاثمائة وثلاثين سنة، حتَّى قال:

ولقد سئمت من الحياة وطولها * * * وعمَّرت من بعد السنين سنينا
مائة أتت من بعدها مائتان لي * * * وعمَّرت من عدد الشهور سنينا
هل ما بقي إلَّا كما قد فاتنا * * * يوم يكرُّ وليلة تحدونا(٣١٨)

ومنهم: أكثم بن صيفي الأسدي، عاش ثلاثمائة سنة وثلاثين سنة، وكان ممَّن أدرك النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآمن به، ومات قبل أنْ يلقاه، وله أخبار كثيرة، وحِكَم وأمثال، وهو القائل:

وإنْ امرءاً قد عاش تسعين حجَّة * * * إلى مائة لم يسأم العيش جاهل
خلت مائتان غير ستٍّ وأربع(٣١٩) * * * وذلك من عدِّ الليالي قلائل(٣٢٠)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٤) في أمالي المرتضى (ج ١/ ص ١٨٤)، وكنز الفوائد للكراجكي (ص ٢٤٩)، وخزانة الأدب للبغدادي (ج ٧/ ص ٣٥٤): (فقد ذهب اللذاذة والفتاء).
(٣١٥) ذكره مفصَّلاً الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٥٤٩/ باب ٥٢/ ح ١)، والمرتضى (رحمه الله) في أماليه (ج ١/ ص ١٨٤).
(٣١٦) ليس في بعض النُّسَخ.
(٣١٧) هو عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر.
وفي تقريب المعارف (ص ٤٥٠): (طلحة) بدل (طابخة).
(٣١٨) ذكره المرتضى (رحمه الله) في أماليه (ج ١/ ص ١٧٤) مفصَّلاً، وأبو الصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٥١) باختلاف يسير، والكراجكي (رحمه الله) في كنز الفوائد (ص ٢٤٩).
(٣١٩) في بعض النُّسَخ: (خلت مائتان بعد عشر وفاؤها)، وفي تقريب المعارف: (مضت مائتان بعد عشر وفازها).
(٣٢٠) ذكره الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٥٧٠) مفصَّلاً، وأبو الصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٥٤).

↑صفحة ١٤٧↑

وكان والده صيفي بن رياح بن أكثم أيضاً من المعمَّرين، عاش مائتين وسبعين سنة لا يُنكَر من عقله شيء، وهو المعروف بذي الحلم الذي قال فيه المتلمس اليشكري(٣٢١):

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * * * وما علم الإنسان إلَّا ليعلما(٣٢٢)

ومنهم: ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو، عاش مائتي سنة وعشرين سنة ولم يشب قطُّ، وأدرك الإسلام ولم يسلم.
وروى أبو حاتم والرياشي(٣٢٣)، عن العتبي(٣٢٤)، عن أبيه، قال: مات ضبيرة السهمي وله مائتا سنة وعشرون سنة، وكان أسود الشعر، صحيح الأسنان، ورثاه ابن عمِّه قيس بن عدي، فقال:

من يأمن الحدثان بعد * * * ضبيرة السهمي ماتا
سبقت منيَّته المشيب * * * وكان ميتته(٣٢٥) افتلاتا
فتزوَّدوا لا تهلكوا * * * من دون أهلكم خفاتا(٣٢٦)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢١) هو جرير بن عبد المسيح بن عبد الله بن دوفن، من بني ضبيعة، وأخواله بنو يشكر.
راجع: الأغاني (ج ٢٤/ ص ٣٥٨)، وطبقات الشعراء (ص ٦٦).
(٣٢٢) ذكره الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٥٧٠) مفصَّلاً، وأبو الصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٥٠).
(٣٢٣) هو أبو الفضل العبَّاس بن الفرج الرياشي النحوي اللغوي، قُتِلَ في المسجد الجامع بالبصرة في أيَّام العلوي صاحب الزنج، في سنة (٢٥٧هـ).
راجع: الأنساب للسمعاني (ج ٣/ ص ١١١ و١١٢).
(٣٢٤) هو محمّد بن عبيد الله بن معاوية، أبو عبد الرحمن، العتبي الأخباري، من أهل البصرة، حدَّث عن أبيه، روى عنه أبو حاتم السجستاني، وأبو الفضل الرياشي، تُوفّي سنة (٢٢٨هـ).
راجع: الأنساب للسمعاني (ج ٤/ ص ١٤٩).
(٣٢٥) في بعض النُّسَخ: (منيَّته).
(٣٢٦) ذكره المفيد (رحمه الله) في الفصول العشرة (ص ٩٩)، والحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٥٤)، والكراجكي (رحمه الله) في كنز الفوائد (ص ٢٥٠)، وأبو حاتم في المعمَّرين (ص ٢٠/ الرقم ١١).

↑صفحة ١٤٨↑

ومنهم: دريد بن الصمة الجشمي، عاش مائتي سنة، وأدرك الإسلام فلم يسلم، وكان أحد قوَّاد المشركين يوم حنين ومقدَّمتهم(٣٢٧)، حضر حرب النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقُتِلَ يومئذٍ(٣٢٨).
ومنهم: محصن بن غسَّان بن ظالم الزبيدي، عاش مائتي سنة وستًّا وخمسين سنة(٣٢٩).
ومنهم: عمرو بن حممة الدوسي، عاش أربعمائة سنة، وهو الذي يقول:

كبرت وطال العمر حتَّى كأنَّني * * * سليم أفاع ليلة غير مودع
فما الموت أفناني ولكن تتابعت * * * عليَّ سنون من مصيف ومربع
ثلاث مئات قد مررن كواملا * * * وها أنا هذا أرتجي منه أربع(٣٣٠)،(٣٣١)

ومنهم: الحارث بن مضاض الجرهمي، عاش أربعمائة سنة، وهو القائل:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * * * أنيس ولم يسمر بمكَّة سامر
بلى نحن كنَّا أهلها فأبادنا(٣٣٢) * * * صروف الليالي والجدود العواثر(٣٣٣)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٧) في الفصول العشرة: (مقدَّمهم).
(٣٢٨) ذكره المفيد (رحمه الله) في الفصول العشرة (ص ١٠٠)، والكراجكي (رحمه الله) في كنز الفوائد (ص ٢٥٠)، وأبو حاتم في المعمَّرين (ص ٢١/ الرقم ١٤).
(٣٢٩) ذكره المفيد (رحمه الله) في الفصول العشرة (ص ١٠٠)، وأبو حاتم في المعمَّرين (ص ٢١/ الرقم ١٣)، وفيهما: (محصن بن عتبان...) إلى آخره.
(٣٣٠) في الفصول العشرة وتقريب المعارف وكنز الفوائد: (وها أنا هذا أرتجي مرَّ أربع).
(٣٣١) ذكره المفيد (رحمه الله) في الفصول العشرة (ص ١٠٠)، والحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٥٠)، والكراجكي في كنز الفوائد (ص ٢٥٠).
(٣٣٢) في المعمَّرين: (فأزالنا).
(٣٣٣) ذكره المفيد (رحمه الله) في الفصول العشرة (ص ١٠١)، والحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٥٥)، والكراجكي (رحمه الله) في كنز الفوائد (ص ٢٥١)، وأبو حاتم في المعمَّرين (ص ٤٢/ الرقم ٤١).

↑صفحة ١٤٩↑

ومنهم: عبد المسيح بن بقيلة الغسَّاني، ذكر الكلبي(٣٣٤) وأبو عبيدة(٣٣٥) وغيرهما أنَّه عاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام فلم يسلم، وكان نصرانيًّا، وخبره مع خالد بن الوليد - لـمَّا نزل على الحيرة - معروف، حتَّى قال له: كم أتى لك؟ قال: خمسون وثلاثمائة سنة، قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سُفُن البحر ترفأ(٣٣٦) إلينا في هذا الجرف(٣٣٧)، ورأيت المرأة من أهل الحيرة تضع مكتلها على رأسها لا تُزوَّد إلَّا رغيفاً واحداً حتَّى تأتي الشام وقد أصبحت خراباً(٣٣٨)، وذلك دأب الله في العباد والبلاد، وهو القائل:

والناس أبناء علات(٣٣٩) فمن علموا * * * أنْ قد أقلَّ فمجفوٌّ ومحقور(٣٤٠)
وهم بنون لأُمٍّ إنْ رأوا نشبا * * * فذاك بالغيب محفوظ ومحصور(٣٤١)،(٣٤٢)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٤) هو أبو النضر محمّد بن السائب بن بشر بن كلب، الكلبي، صاحب التفسير، من أهل الكوفة، تُوفّي سنة (١٤٦هـ)، ويحتمل كون المراد منه ابنه أبو المنذر هشام بن محمّد، الكلبي، صاحب النسب، تُوفّي سنة (٢٠٦هـ).
راجع: الأنساب للسمعاني (ج ٥/ ص ٨٦).
(٣٣٥) هو معمر بن المثنَّى اللغوي البصري، أبو عبيدة، مولى بني تيم، تيم قريش، وُلِدَ سنة (١١٠هـ)، ومات سنة (٢٠٩هـ).
راجع: بغية الوعاة (ج٢/ص٢٩٤/الرقم٢٠١٠)، وتاريخ بغداد (ج١٣/ص٢٥٢/الرقم٧٢١٠).
(٣٣٦) في لسان العرب (ج ١/ ص ٨٧/ مادَّة رفأ): (أرفأت السفينة: قربت من المرفأ).
(٣٣٧) في الصحاح للجوهري (ج ٤/ ص ١٣٣٦/ مادَّة جرف): (الجرف: ما تجرفته السيول وأكلته من الأرض).
(٣٣٨) في أمالي المرتضى: (خراباً يباباً).
(٣٣٩) في لسان العرب (ج ١١/ص ٤٧٠/مادَّة علل): (إنَّ أبناء علات يُستَعمل في الجماعة المختلفين).
(٣٤٠) في أمالي المرتضى: (ومهجور).
(٣٤١) في أمالي المرتضى: (ومخفور).
(٣٤٢) ذكره المرتضى (رحمه الله) في أماليه (ج ١/ ص ١٨٨)، وأبو الصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٥٣)، وأبو حاتم في المعمَّرين (ص ٣٧/ الرقم ٣٤).

↑صفحة ١٥٠↑

ومنهم: النابغة الجعدي من بني عامر بن صعصعة يُكنَّى أبا ليلى.
قال أبو حاتم السجستاني(٣٤٣): كان النابغة الجعدي أسنّ من النابغة الذبياني، وروي أنَّه كان يفتخر ويقول: أتيت النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فأنشدته:

بلغنا السماء مجدنا وجدودنا * * * وإنَّا لنرجو فوق ذلك مظهرا(٣٤٤)

فقال النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أين المظهر(٣٤٥) يا أبا ليلى؟»، فقلت: الجنَّة يا رسول الله، فقال: «أجل إنْ شاء الله تعالى»، ثمّ أنشدته:

ولا خير في حلم إذا لم يكن له * * * بوادر تحمي صفوه أنْ يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له * * * حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

فقال له النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا يُفضِض الله فاك».
وقيل: إنَّه عاش مائة وعشرين سنة ولم يسقط من فيه سنٌّ ولا ضرس.
وقال بعضهم: رأيته وقد بلغ الثمانين تزفُّ غروبه(٣٤٦)، وكان كلَّما سقطت له

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤٣) هو سهل بن محمّد بن عثمان بن يزيد الحشمي (الجشمي)، من كبار العلماء باللغة والشعر من أهل البصرة، كان المبرَّد يلازم القراءة عليه، وله عدَّة كُتُب منها كتاب (المعمَّرين من العرب)، تُوفّي سنة (٢٥٠هـ).
راجع ترجمته في: هديَّة العارفين (ج ١/ ص ٤١١)، والأعلام للزركلي (ج ٣/ ص ١٤٣)، ومعجم المؤلِّفين (ج ٤/ ص ٢٨٥)، ووفيات الأعيان (ج ٢/ ص ٤٣٠ - ٤٣٣/ الرقم ٢٨٢)، والوافي بالوفيات (ج ١٦/ ص ١٠ و١١/ الرقم ٥٢٥٢)، وغيرها من كُتُب التراجم.
(٣٤٤) في بعض النُّسَخ: (مطهَّراً).
(٣٤٥) في بعض النُّسَخ: (أين المطهَّر).
(٣٤٦) تزفُّ: تلمع، قال الزبيدي في تاج العروس (ج ٢/ ص ٢٧٧): (وفي حديث النابغة: «تزفُّ غروبه»، هي جمع غرب، وهو ماء الفم وحدَّة الأسنان)، ومثله ما في النهاية لابن الأثير (ج ٣/ ص ٣٥١)، وفيه: (ترف).
وفي أمالي المرتضى (ج ١/ ص ١٩٢): (ترف: معنى تبرق، وكأنَّ الماء يقطر منها).

↑صفحة ١٥١↑

ثنية تنبت له أُخرى مكانها، وهو من أحسن الناس ثغراً(٣٤٧).
ومنهم: أبو الطمحان القيني من بني كنانة بن القين.
قال أبو حاتم(٣٤٨): عاش أبو الطمحان القيني من بني كنانة مائتي سنة.
وقال في ذلك:

حنتني حانيات الدهر حتَّى * * * كأنِّي خاتل(٣٤٩) أدنو(٣٥٠) لصيد
قصير الخطو يحسب من رآني * * * ولست مقيَّداً أنِّي بقيد(٣٥١)

وأخباره وأشعاره معروفة.
ومنهم: ذو الإصبع العدواني.
قال أبو حاتم(٣٥٢): عاش ثلاثمائة سنة، وهو أحد حُكَّام العرب في الجاهليَّة، وأخباره وأشعاره وحِكَمه معروفة(٣٥٣).
ومنهم: زهير بن جناب(٣٥٤) الحميري، لم نذكر نسبه لطوله.
قال أبو حاتم: عاش زهير بن جناب مائتي سنة وعشرين سنة، وواقع مائتي وقعة، وكان سيِّداً مطاعاً عاش شريفاً في قومه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤٧) ذكره المرتضى (رحمه الله) في أماليه (ج ١/ ص ١٩٠)، وأبو الصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٥٣)، وأبو حاتم في المعمَّرين (ص ٦٤/ الرقم ٦٥)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (ج ١/ ص ١٠٢ و١٠٣/ الرقم ١٧).
(٣٤٨) المعمَّرون (ص ٥٧/ الرقم ٥٣).
(٣٤٩) في لسان العرب (ج ١١/ ص ١٩٩/ مادَّة ختل): (المخاتلة: مشي الصياد قليلاً قليلاً في خفية لئلَّا يسمع الصيد حسَّه).
(٣٥٠) في المعمَّرين: (يدنو).
(٣٥١) ذكره المرتضى (رحمه الله) في أماليه (ج ١/ ص ١٨٥) مفصَّلاً.
(٣٥٢) المعمَّرون (ص ٩٠/ الرقم ١١٠).
(٣٥٣) ذكره المرتضى (رحمه الله) في أماليه (ج١/ص١٧٦) مفصَّلاً، والحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص٤٥٢).
(٣٥٤) هكذا في جميع المصادر، وفي بعض النُّسَخ: (حباب)، وفي بعضها: (خباب).

↑صفحة ١٥٢↑

ويقال: كانت فيه عشر خصال لم يجتمعن في غيره من أهل زمانه، كان سيِّد قومه، وشريفهم، وخطيبهم، وشاعرهم، ووافدهم إلى الملوك، وطبيبهم - والطبُّ في ذلك الزمان شرف -، وحازي قومه - وهو الكاهن(٣٥٥) -، وكان فارس قومه، وله البيت فيهم، والعدد منهم، وأوصى إلى بنيه، فقال:
يا بنيَّ، إنِّي كبرت سنِّي وبلغت حرساً من دهري (أي دهراً)(٣٥٦)، فأحكمتني التجارب والأُمور تجربة واختبار(٣٥٧)، فاحفظوا عنِّي ما أقول وعوا، وإيَّاكم والخور عند المصائب، والتواكل عند النوائب، فإنَّ ذلك داعية الغمِّ، وشماتة العدوِّ، وسوء الظنِّ بالربِّ، وإيَّاكم أنْ تكونوا بالأحداث مغترِّين، ولها آمنين، ومنها ساخرين، فإنَّه ما سخر قوم قطُّ إلَّا ابتلوا، ولكن توقَّعوها، فإنَّما الإنسان [في الدنيا](٣٥٨) غرض تعاوره الزمان فمقصِّر دونه، ومجاوز موضعه، وواقع عن يمينه وشماله، ثمّ لا بدَّ أنْ يصيبه(٣٥٩).
وأقواله معروفة، وكذلك أشعاره(٣٦٠).
ومنهم: دويد بن نهد بن زيد بن أسود بن أسلُم(٣٦١) - بضمِّ اللَّام - بن ألحاف بن قضاعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥٥) في أمالي المرتضى والمعمَّرين: (والخزازة الكُهَّان).
(٣٥٦) ليس في أمالي المرتضى.
(٣٥٧) في أمالي المرتضى: (احتيال).
(٣٥٨) من أمالي المرتضى.
(٣٥٩) في أمالي المرتضى: (أنَّه مصيبه).
(٣٦٠) ذكره المرتضى (رحمه الله) في أماليه (ج ١/ ص ١٧٢) مفصَّلاً، والحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٥١)، والكراجكي (رحمه الله) في كنز الفوائد (ص ٢٥١)، وأبو حاتم في المعمَّرين (ص ٢٤/ الرقم ١٩)، والجمحي في طبقات الشعراء (ص ٣٧).
(٣٦١) هو دويد بن زيد بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن ألحاف بن قضاعة بن مالك بن مرَّة ابن مالك بن حمير.

↑صفحة ١٥٣↑

قال أبو حاتم(٣٦٢): عاش دويد بن زيد أربعمائة وستًّا وخمسين سنة، ووصيَّته معروفة، وأخباره مشهورة، ومن قوله:

ألقى عليَّ الدهر رجلاً ويدا * * * والدهر ما أصلح يوماً أفسدا

يفسد ما أصلحه اليوم غدا(٣٦٣)

ومنهم: الحارث بن كعب بن عمرو بن وعلة المذحجي، ومذحج هي أُمُّ مالك بن أدد، وسُمّيت مذحجاً لأنَّها ولدت على أكمة تُسمَّى مذحجاً.
قال أبو حاتم(٣٦٤): جمع الحارث بن كعبة(٣٦٥) بنيه لـمَّا حضرته الوفاة، فقال: يا بنيَّ، قد أتت عليَّ ستُّون ومائة سنة ما صافحت يميني يمين غادر، ولا قنعت نفسي بحلَّة(٣٦٦) فاجر، ولا صبوت بابنة عمٍّ ولا كنَّة(٣٦٧)، ولا طرحت عندي مومسة قناعها، ولا بحت لصديق بسرٍّ(٣٦٨)، وإنِّي لعلى دين شعيب النبيِّ (عليه السلام) وما عليه أحد من العرب غيري وغير أسد بن خزيمة وتميم بن مر، فاحفظوا وصيَّتي، وموتوا على شريعتي، إلهكم فاتَّقوه يكفكم المهمَّ من أُموركم ويُصلِح لكم أعمالكم، وإيَّاكم ومعصيته، لا يحلُّ بكم الدمار، ويوحش منكم الديار.
يا بنيَّ، كونوا جميعاً ولا تتفرَّقوا فتكونوا شِيَعاً، فإنَّ موتاً في عزٍّ خير من حياة في ذلٍّ وعجز، وكلُّ ما هو كائن كائن، وكلُّ جمع(٣٦٩) إلى تبائن، الدهر ضربان،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦٢) المعمَّرون (ص ٢٠/ الرقم ١٢)، وفيه: (دويد بن نهد).
(٣٦٣) ذكره المرتضى (رحمه الله) في أماليه (ج ١/ ص ١٧١) مفصَّلاً، والحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٥١)، والكراجكي (رحمه الله) في كنز الفوائد (ص ٢٥٠)، وفيه: (دريد بن زيد).
(٣٦٤) المعمَّرون والوصايا (ص ٣٨ و٣٩)، ونسب فيه هذا القول إلى مالك بن المنذر البجلي.
(٣٦٥) كذا، والصحيح: (كعب).
(٣٦٦) في أمالي المرتضى والمعمَّرين: (بخلة فاجر).
(٣٦٧) في العين للفراهيدي (ج ٥/ ص ٢٨١/ مادَّة كن): (الكنَّة: امرأة الابن أو الأخ).
(٣٦٨) في المعمَّرين: (بسرِّي)، وفي بعض النُّسَخ: (بشر).
(٣٦٩) في أمالي المرتضى: (جميع).

↑صفحة ١٥٤↑

فضرب رجاء، وضرب بلاء(٣٧٠)، واليوم يومان، فيوم حبرة(٣٧١)، ويوم عبرة، والناس رجلان، فرجل لك، ورجل عليك، تزوَّجوا الأكفاء، وليستعملنَّ في طيبهنَّ الماء، وتجنَّبوا الحمقاء، فإنَّ ولدها إلى أفن(٣٧٢) ما يكون، ألَا إنَّه لا راحة لقاطع القرابة، وإذا اختلف القوم أمكنوا عدوَّهم، وآفة العدد اختلاف الكلمة، والتفضُّل بالحسنة يقي السيِّئة، والمكافأة بالسيِّئة الدخول فيها، والعمل بالسوء يزيل النعماء، وقطيعة الرحم تورث الهمَّ(٣٧٣)، وانتهاك الحرمة يزيل النعمة، وعقوق الوالدين يورث(٣٧٤) النكد، ويمحق العدد، ويخرب البلد، والنصيحة تجرُّ الفضيحة(٣٧٥)، والحقد يمنع الرفد(٣٧٦)، ولزوم الخطيئة يعقب البليَّة، وسوء الرعة(٣٧٧) يقطع أسباب المنفعة، الضغائن تدعو إلى التبائن، ثمّ أنشأ يقول:

أكلتُ شبابي فأفنيته * * * وأفنيتُ(٣٧٨) بعد دهور دهورا
ثلاثة أهلين صاحبتهم * * * فبادوا فأصبحت شيخاً كبيرا
قليل الطعام عسير القيام * * * قد ترك الدهر خطوي(٣٧٩) قصيرا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٠) في المعمَّرين وأمالي المرتضى: (الدهر صرفان، فصرف رخاء وصرف بلاء).
(٣٧١) في لسان العرب (ج ٤/ص ١٥٨/مادَّة حبر): (الحبور: السرور)؛ والمعنى: يوم سرور ويوم حزن.
وفي بعض النُّسَخ: (فيوم حيرة).
(٣٧٢) أَفَن كفَلَس وفَرَس: ضعف الرأي. راجع: الصحاح للجوهري (ج ٥/ص ٢٠٧١/مادَّة أفن).
(٣٧٣) في المعمَّرين: (تورث إلمام الهمِّ).
(٣٧٤) في المعمَّرين وأمالي المرتضى: (يُعقِب النكد).
(٣٧٥) في المعمَّرين: (النصيحة لا تهجم على الفضيحة).
(٣٧٦) في الصحاح للجوهري (ج ٢/ص ٤٧٥/مادَّة رفد): (الرِّفد - بالكسر -: العطاء والصلة).
(٣٧٧) في بعض النُّسَخ: (الدعة).
(٣٧٨) في المعمَّرين: (وأمضيت).
(٣٧٩) في المعمَّرين: (قيدي قصيراً).

↑صفحة ١٥٥↑

أبيت أراعي نجوم السماء * * * أقلب أمري بطوناً ظهورا(٣٨٠)

فهذا طرف من أخبار المعمَّرين من العرب واستيفاؤه في الكُتُب المصنَّفة في هذا المعنى موجود.
وأمَّا الفرس فإنَّها تزعم أنَّ فيما تقدَّم من ملوكها جماعة طالت أعمارهم، فيروون أنَّ الضحَّاك صاحب الحيِّتين عاش ألف سنة ومائتي سنة، وإفريدون العادل عاش فوق ألف سنة، ويقولون: إنَّ المَلِك الذي أحدث المهرجان عاش ألفي سنة وخمسمائة سنة، استتر منها عن قومه ستّمائة سنة.
وغير ذلك ممَّا هو موجود في تواريخهم وكُتُبهم لا نُطوِّل بذكرها، فكيف يقال: إنَّ ما ذكرناه في صاحب الزمان خارج عن العادات؟
ومن المعمَّرين من العرب: يعرب بن قحطان، واسمه ربيعة أوَّل من تكلَّم بالعربيَّة، ملك مائتي سنة على ما ذكره أبو الحسن النسَّابة الأصفهاني في كتاب (الفرع والشجر)، وهو أبو اليمن كلِّها، وهو منها كعدنان إلَّا شاذًّا نادراً(٣٨١).
ومنهم: عمرو بن عامر مزيقيا، روى الأصفهاني عن عبد المجيد بن أبي عيس(٣٨٢) الأنصاري، والشرقي بن قطامي أنَّه عاش ثمانمائة سنة، أربعمائة سنة سوقة في حياة أبيه، وأربعمائة سنة مَلِكاً، وكان في سني ملكه يلبس في كلِّ يوم حلَّتين، فإذا كان بالعشيِّ مُزِّقت الحلَّتان عنه لئلَّا يلبسهما غيره، فسُمِّي مزيقيا.
وقيل: إنَّما سُمِّي بذلك لأنَّ على عهده تمزَّقت الأزد فصاروا إلى أقطار الأرض، وكان ملك أرض سبأ فحدَّثته الكُهَّان بأنَّ الله يُهلِكها بالسيل العرم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨٠) ذكره المرتضى (رحمه الله) في أماليه (ج ١/ ص ١٦٧) باختلاف، والحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٥٠)، والكراجكي (رحمه الله) في كنز الفوائد (ص ٢٥١).
(٣٨١) راجع: التنبيه والإشراف (ص ٧٠)، والأخبار الطوال (ص ٧).
(٣٨٢) في بعض النُّسَخ: (عبس).

↑صفحة ١٥٦↑

فاحتال حتَّى باع ضياعه وخرج فيمن أطاعه من أولاده وأهله قبل السيل العرم، ومنه انتشرت الأزد كلُّها، والأنصار من ولده(٣٨٣).
ومنهم: جلهمة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن يعرب، ويقال لجلهمة: طيئ، وإليه تُنسَب طيئ كلُّها، وله خبر يطول شرحه، وكان له ابن أخ يقال له: يحابر بن مالك بن أدد، وكان قد أتى على كلِّ واحدٍ منهما خمسمائة سنة، وقع بينهما ملاحاة بسبب المرعى، فخاف جلهمة هلاك عشيرته، فرحل عنه، وطوى المنازل فسُمِّي طيئاً، وهو صاحب أجأ وسلمى - جبلين بطيئ(٣٨٤) -، ولذلك خبر يطول، معروف.
ومنهم: عمرو بن لحي، وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقيا، في قول علماء خزاعة، كان رئيس خزاعة في حرب خزاعة وجرهم، وهو الذي سنَّ السائبة الوصيلة والحام، ونقل صنمين وهما: هُبَل ومناة من الشام إلى مكَّة فوضعهما للعبادة، فسلَّم هُبَل إلى خزيمة بن مدركة، فقيل: هُبَل خزيمة، وصعد على أبي قبيس ووضع مناة بالمسلل(٣٨٥)، وقَدِمَ بالنرد، وهو أوَّل من أدخلها مكَّة، فكانوا يلعبون بها في الكعبة غدوةً وعشيَّةً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨٣) ذكر نحوه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٥٦٠) مختصراً؛ وذُكِرَ شرح حاله في السيرة النبويَّة لابن هشام (ج ١/ ص ٦ و٧).
(٣٨٤) قال الزمخشري: (أجأ وسلمى جبلان عن يسار سميراء). وقال أبو عبيد: (أجأ أحد جبلي طيئ وهو غربي فيد، وبينهما مسير ليلتين، وفيه قرى كثيرة).
راجع: معجم البلدان (ج ١/ ص ٩٤).
(٣٨٥) يبدو أنَّها منطقة بين مكَّة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة، ففي تحفة الأحوذي (ج ٨/ ص ٢٤٢): (اسم موضع قريب من قديد من جهة البحر...).
وقد يأتي بلفظ (المشلل) كما في معجم البلدان (ج ٤/ ص ٢٠٣) حيث قال ضمن كلام له: (غسَّان، ماء بالمشلل قريب من الجحفة).
راجع: معجم البلدان (ج ١/ ص ٩٤).

↑صفحة ١٥٧↑

٨٨ - فَرُوِيَ عَنِ اَلنَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَنَّهُ قَالَ: «رُفِعْتْ إِلَيَّ اَلنَّارُ فَرَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ رَجُلاً قَصِيراً أَحْمَرَ أَزْرَقَ يَجُرُّ قَصَبَهُ فِي اَلنَّارِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ».
وكان يلي من أمر الكعبة ما كان يليه جرهم قبله حتَّى هلك وهو ابن ثلاث مائة سنة وخمس وأربعين سنة، وبلغ ولده وأعقابهم ألف مقاتل فيما يذكرون(٣٨٦).
فإنْ كان المخالف لنا في ذلك من يحيل ذلك من المنجِّمين وأصحاب الطبائع، فالكلام معهم في أصل هذه المسألة، وأنَّ العالم مصنوع، وله صانع أجرى العادة بقصر الأعمار وطولها، وأنَّه قادر على إطالتها وعلى إفنائها، فإذا بُيِّن ذلك سهل الكلام.
وإنْ كان المخالف في ذلك من يُسلِّم ذلك غير أنَّه يقول: هذا خارج عن العادات، فقد بيَّنَّا أنَّه ليس بخارج عن جميع العادات.
ومتى قالوا: خارج عن عادتنا.
قلنا: وما المانع منه؟
فإنْ قيل: ذلك لا يجوز إلَّا في زمن الأنبياء.
قلنا: نحن ننازع في ذلك، وعندنا يجوز خرق العادات على يد الأنبياء والأئمَّة والصالحين، وأكثر أصحاب الحديث يُجوِّزون ذلك، وكثير من المعتزلة والحشويَّة، وإنْ سمُّوا ذلك كرامات، كان ذلك خلافاً في عبارة، وقد دلَلنا على جواز ذلك في كُتُبنا، وبيَّنَّا أنَّ المعجز إنَّما يدلُّ على صدق من يظهر على يده، ثمّ نعلمه نبيًّا أو إماماً أو صالحاً لقوله، وكلَّما يذكرونه من شُبَههم قد بيَّنَّا الوجه في كُتُبنا لا نُطوِّل بذكره هاهنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨٦) رواه ابن هشام في السيرة النبويَّة (ج ١/ ص ٥٠ و٥١).

↑صفحة ١٥٨↑

٨٩ - ووجدت بخطِّ الشريف الأجلّ الرضي أبي الحسن محمّد بن الحسين الموسوي (رضي الله عنه) تعليقاً في تقاويم جمعها مؤرَّخاً بيوم الأحد الخامس عشر من المحرَّم سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة أنَّه ذُكِرَ له حال شيخ في باب الشام قد جاوز المائة وأربعين سنة، فركبت إليه حتَّى تأمَّلته وحملته إلى القرب من داري بالكرخ، وكان أُعجوبة، شاهد الحسن بن عليِّ بن محمّد بن عليٍّ الرضا (عليهم السلام) أبا القائم (عليه السلام) ووصف صفته، إلى غير ذلك من العجائب التي شاهدها، هذه حكاية خطِّه بعينها.
فأمَّا ما يعرض من الهرم بامتداد الزمان وعلوِّ السنِّ وتناقض بنية الإنسان، فليس ممَّا لا بدَّ منه، وإنَّما أجرى الله العادة بأنْ يفعل ذلك عند تطاول الزمان ولا إيجاب هناك، وهو تعالى قادر أنْ لا يفعل ما أجرى العادة بفعله.
وإذا ثبتت هذه الجملة ثبت أنَّ تطاول العمر ممكن غير مستحيل، وقد ذكرنا فيما تقدَّم عن جماعة أنَّهم لم يتغيَّروا مع تطاول أعمارهم وعلوِّ سنِّهم، وكيف يُنكِر ذلك من يقرُّ بأنَّ الله تعالى يُخلِد المثابين في الجنَّة شُبَّاناً لا يبلون، وإنَّما يمكن أنْ ينازع في ذلك من يجحد ذلك ويسنده إلى الطبيعة وتأثير الكواكب الذي قد دلَّ الدليل على بطلان قولهم باتِّفاقٍ منَّا وممَّن خالفنا في هذه المسألة من أهل الشرع، فسقطت الشبهة من كلِّ وجه.
[الدليل على إمامة صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) من روايات المخالفين في الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)]:
دليل آخر: وممَّا يدل على إمامة صاحب الزمان ابن الحسن بن عليِّ بن محمّد ابن الرضا (عليهم السلام) وصحَّة غيبته ما رواه الطائفتان المختلفتان، والفرقتان المتباينتان العامَّة والإماميَّة أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) بعد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اثنا عشر لا يزيدون ولا ينقصون، وإذا ثبت ذلك فكلُّ من قال بذلك قطع على الأئمَّة الاثني عشر الذين نذهب إلى

↑صفحة ١٥٩↑

إمامتهم، وعلى وجود ابن الحسن (عليه السلام) وصحَّة غيبته، لأنَّ من خالفهم في شيء من ذلك لا يقصر الإمامة على هذا العدد، بل يُجوِّز الزيادة عليها، وإذا ثبت بالأخبار التي نذكرها هذا العدد المخصوص ثبت ما أردناه.
فنحن نذكر جُمَلاً من ذلك، ونحيل الباقي على الكُتُب المصنَّفة في هذا المعنى، لئلَّا يطول به الكتاب إنْ شاء الله تعالى.
فممَّا روي في ذلك من جهة مخالفي الشيعة:
٩٠ - مَا أَخْبَرَنِي بِهِ أَبُو عَبْدِ اَلله أَحْمَدُ بْنُ عُبْدُونٍ اَلمَعْرُوفُ بِابْنِ اَلْحَاشِرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو اَلْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ اَلشُّجَاعِيُّ اَلْكَاتِبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اَلله مُحَمَّدُ اِبْنُ إِبْرَاهِيمَ اَلمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي زَيْنَبَ اَلنُّعْمَانِيِّ اَلْكَاتِبِ(٣٨٧)، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ اِبْنِ عَلَّانَ اَلذَّهَبِيُّ(٣٨٨) اَلْبَغْدَادِيُّ بِدِمَشْقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ اَلْجَعْدِ(٣٨٩)، قَالَ: حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ(٣٩٠)، عَنْ زِيَادِ بْنِ خَيْثَمَةَ، عَنِ اَلْأَسْوَدِ بْنِ سَعِيدٍ اَلْهَمْدَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ(٣٩١) يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ: «يَكُونُ بَعْدِي اِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨٧) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٨٣/ الرقم ١٠٤٣): (شيخ من أصحابنا، عظيم القدر، شريف المنزلة، صحيح العقيدة، كثير الحديث...، رأيت أبا الحسين محمّد بن عليٍّ الشجاعي الكاتب يُقرَأ عليه كتاب الغيبة تصنيف محمّد بن إبراهيم النعماني بمشهد العتيقة).
(٣٨٨) في الغيبة للنعماني: (الدهني).
(٣٨٩) هو عليُّ بن الجعد بن عبيد الجوهري البغدادي، وُلِدَ سنة (١٣٦هـ)، ومات سنة (٢٣٠هـ).
راجع: تاريخ بغداد (ج ١١/ ص ٣٦٠/ الرقم ٦٢١٥).
(٣٩٠) هو زهير بن معاوية بن حديج أبو خيثمة الجعفي الكوفي، وُلِدَ سنة (١٠٠هـ)، ومات سنة (١٧٣هـ).
راجع: تقريب التهذيب (ج ١/ ص ٣١٧/ الرقم ٢٠٥٦).
(٣٩١) جابر بن سمرة بن جنادة السوائي، نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة (٧٠هـ).
راجع: تهذيب التهذيب (ج ٢/ ص ٣٥/ الرقم ٦٣).

↑صفحة ١٦٠↑

قَالَ: فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ أَتَتْهُ قُرَيْشٌ، فَقَالُوا: ثُمَّ يَكُونُ مَا ذَا؟
فَقَالَ: «ثُمَّ يَكُونُ اَلْهَرْجُ»(٣٩٢).
٩١ - وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اِبْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ(٣٩٣) وَسِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ(٣٩٤) وَحُصَيْنِ اِبْنِ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ(٣٩٥)، كُلِّهِمْ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ: «يَكُونُ بَعْدِي اِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً».
ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ(٣٩٦) لَمْ أَفْهَمْهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَأَلْتُ اَلْقَوْمَ، فَقَالُوا: [قَالَ](٣٩٧): «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»(٣٩٨).
٩٢ - وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اِبْنُ عَوْنٍ، عَنِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩٢) الغيبة للنعماني (ص ١٠٤/ باب ٤/ ح ٣١)؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٥٥/ ح ١٤)، وفي الخصال (ص ٤٧٢/ ح ٢٦)، والحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤١٨) عن زياد بن أبي خيثمة، والكراجكي (رحمه الله) في الاستنصار (ص ٢٥) عن أبي بكر بن أبي خيثمة، والراوندي (رحمه الله) في قَصص الأنبياء (ص ٣٦٧/ ح ٤٧٢) عن أبي بكر بن أبي خيثمة مختصراً، وابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ١/ ص ٢٥٠) مختصراً.
(٣٩٣) قال الخزرجي في خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٢٥): (زياد بن علاقة الثعلبي - بمثلَّثة -، أبو مالك الكوفي، تُوفِّي سنة (١٢٥هـ)).
(٣٩٤) قال الخزرجي في خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٥٥ و١٥٦): (سماك بن حرب بن أوس البكري الذهلي، أبو المغيرة الكوفي، مات سنة (١٢٣هـ)).
(٣٩٥) قال الخزرجي في خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٨٦): (الحصين بن عبد الرحمن السلمي، أبو الهذيل الكوفي، مات سنة (١٣٦هـ)).
(٣٩٦) في الغيبة للنعماني والخصال: (بشيء).
(٣٩٧) من الغيبة للنعماني والخصال.
(٣٩٨) الغيبة للنعماني (ص ١٠٥/ باب ٤/ ح ٣٢)؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في الخصال (ص ٤٧١/ ح ٢١) باختلاف يسير.

↑صفحة ١٦١↑

اَلشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: ذَكَرَ أَنَّ اَلنَّبِيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ: «لَا يَزَالُ أَهْلُ هَذَا اَلدِّينِ يُنْصَرُونَ عَلَى مَنْ نَاوَاهُمْ إِلَى اِثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً».
فَجَعَلَ اَلنَّاسُ يَقُومُونَ وَيَقْعُدُونَ، وَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ لِأَبِي أَوْ لِأَخِي: أَيَّ شَيْءٍ قَالَ؟
فَقَالَ: قَالَ: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»(٣٩٩).
٩٣ - وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اَلله بْنُ عُمَرَ(٤٠٠)، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اِبْنُ عَوْنٍ(٤٠١)، عَنِ اَلشَّعْبِيِّ(٤٠٢)، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: [ذَكَرَ](٤٠٣) أَنَّ اَلنَّبِيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ: «لَا يَزَالُ أَهْلُ [هَذَا] اَلدِّينِ يُنْصَرُونَ عَلَى مَنْ نَاوَاهُمْ إِلَى اِثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً».
فَجَعَلَ اَلنَّاسُ يَقُومُونَ وَيَقْعُدُونَ، وَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ لِأَبِي أَوْ لِأَخِي: أَيَّ شَيْءٍ قَالَ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩٩) رواه ابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ١/ ص ٢٥٠) بإسناده عن سماك بن حرب وزياد بن علاقة وحصين بن عبد الرحمن مختصراً.
ولم نجده بهذا الإسناد في الغيبة للنعماني.
(٤٠٠) قال الخزرجي في خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٢٥٢): (عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي، مولاهم، أبو شعيب البصري القواريري، مات سنة (٢٣٥هـ)).
وفي بعض النُّسَخ: (عبد الله بن عمر).
(٤٠١) قال الخزرجي في خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٢٠٩): (عبد الله بن عون بن أرطبان المزني، مولاهم، أبو عون الخزَّاز، روى عن جماعة منهم الشعبي، مات سنة (١٥١هـ)).
(٤٠٢) قال ابن حجر في تقريب التهذيب (ج ١/ ص ٤٦١/ الرقم ٣١٠٣): (عامر بن شراحيل الشعبي، أبو عمرو، ثقة، مشهور، مات بعد المائة).
وفي خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٨٤): (عامر بن شراحيل الحميري الشعبي، أبو عمرو الكوفي، تُوفّي سنة (١٠٣هـ)).
(٤٠٣) ما بين المعقوفتين من الغيبة للنعماني وبعض النُّسَخ، وكذا ما يأتي.

↑صفحة ١٦٢↑

فَقَالَ: قَالَ: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»(٤٠٤).
٩٤ - وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ(٤٠٥)، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ(٤٠٦)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اَلله بْنُ صَالِحٍ(٤٠٧)، قَالَ: حَدَّثَنَا اَللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ(٤٠٨)، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ(٤٠٩)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠٤) الغيبة للنعماني (ص ١٠٥/ باب ٤/ ح ٣٣)؛ ورواه الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤١٨) عن الشعبي، والكراجكي (رحمه الله) في الاستنصار (ص ٢٥) عن سليمان بن أحمر، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ١٦٢).
(٤٠٥) أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب بن شدَّاد، أبو بكر، أخذ علم الحديث عن يحيى بن معين، تُوفّي سنة (٢٧٩هـ).
راجع: تاريخ بغداد (ج ٤/ ص ٣٨٤/ الرقم ٢١٥٦).
(٤٠٦) قال ابن حجر في تقريب التهذيب (ج ٢/ ص ٣١٦/ الرقم ٧٦٧٩): (يحيى بن معين بن عون الغطفاني، مولاهم، أبو زكريَّا البغدادي، مات سنة (٢٣٣هـ) بالمدينة المنوَّرة).
(٤٠٧) قال ابن حجر في تقريب التهذيب (ج ١/ ص ٥٠١/ الرقم ٣٣٩٩): (عبد الله بن صالح بن محمّد بن مسلم الجهني، أبو صالح المصري، كاتب الليث، مات سنة (٢٢٣هـ)).
(٤٠٨) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث الفهمي، أصله من أهل أصبهان، روى عنه جماعة منهم: عبد الله بن صالح، وروى عن جماعة منهم: خالد بن يزيد، تُوفّي سنة (١٧٥هـ).
راجع: سير أعلام النبلاء (ج ٨/ ص ١٣٦/ الرقم ١٢)، وطبقات ابن سعد (ج ٧/ ص ٥١٧)، وتاريخ بغداد (ج ١٣/ ص ٤/ الرقم ٦٩٦٦)، ووفيات الأعيان (ج ٤/ ص ١٢٧/ الرقم ٥٤٩)، وميزان الاعتدال (ج ٣/ ص ٤٢٣/ الرقم ٦٩٩٨).
(٤٠٩) في بعض النُّسَخ: (خلف بن يزيد)، وما أثبتناه من الغيبة للنعماني وكُتُب التراجم.
قال ابن حجر في تقريب التهذيب (ج ١/ ص ٢٦٥/ الرقم ١٦٩٦): (خالد بن يزيد الجمحي، ويقال: السكسكي، أبو عبد الرحيم المصري، مات سنة (١٣٩هـ)).
وقال الخزرجي في خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٠٤): (روى عن عطاء والزهري، وعنه الليث، مات سنة (١٣٩هـ)).
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (ج ٩/ ص ٤١٤ و٤١٥/ الرقم ١٤٢): (خالد بن يزيد، أبو عبد الرحيم المصري، ثقة، روى عنه الليث).

↑صفحة ١٦٣↑

هِلَالٍ(٤١٠)، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ(٤١١)، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ شُفَيٍّ اَلْأَصْبَحِيِّ(٤١٢)، فَقَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اَلله بْنَ عُمَرَ(٤١٣) يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ: «يَكُونُ خَلْفِي اِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً»(٤١٤).
٩٥- وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ(٤١٥)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١٠) قال ابن حجر في تهذيب التهذيب (ج ٤/ ص ٨٣ و٨٤/ الرقم ١٥٩): (سعيد بن أبي هلال الليثي، مولاهم، أبو العلاء المصري، يقال: أصله من المدينة، روى عن جماعة منهم: ربيعة بن سيف، وروى عنه جماعة منهم: خالد بن يزيد المصري، وُلِدَ بمصر سنة (٧٠هـ)، وتُوفّي سنة (١٣٥هـ) أو (١٣٣هـ)).
وراجع: خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٤٣)، وتقريب التهذيب (ج ١/ ص ٣٦٦/ الرقم ٢٤١٧)، وغيرهما.
(٤١١) هو ربيعة بن سيف المعافري الإسكندراني، روى عنه جماعة منهم: سعيد بن أبي هلال، وروى عن جماعة منهم: شُفَي بن ماتع، تُوفّي قريباً من سنة (١٢٠هـ).
راجع: تهذيب التهذيب (ج ٣/ ص ٢٢١/ الرقم ٤٨٦)، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١١٦)، وتقريب التهذيب (ج ١/ ص ٢٩٦/ الرقم ١٩١١)، وغيرها.
(٤١٢) قال ابن حجر في تقريب التهذيب (ج ١/ ص ٤٢١/ الرقم ٢٨٢٣): (شُفَي - بالفاء مصغَّراً - ابن ماتع - بمثنَّاة -، الأصبحي، مات في خلافة هشام).
(٤١٣) في الغيبة للنعماني ومقتضب الأثر والعدد القويَّة: (عبد الله بن عمرو بن العاص).
(٤١٤) الغيبة للنعماني (ص ١٠٥/ باب ٤/ ح ٣٤، وص ١٢٥/ باب ٦/ ح ٢٣) عن محمّد بن عثمان؛ ورواه ابن عيَّاش في مقتضب الأثر (ص ٥) بإسناده إلى يحيى بن معين، وأبوالصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤١٨) عن ربيعة بن سيف، والكراجكي (رحمه الله) في الاستنصار (ص ٢٥ و٢٦) عن الليث، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ١٦٣)، وابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ١/ ص ٢٥٠) عن الليث بن سعد، وعليُّ بن يوسف المطهَّر الحلِّي في العدد القويَّة (ص ٨٤/ ح ١٤٤) عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
(٤١٥) قال ابن حجر في تهذيب التهذيب (ج ١/ ص ٦٧٩/ الرقم ٤٦٤١): (عفَّان بن مسلم بن عبد الله الصفَّار، أبو عثمان البصري، روى عنه جماعة منهم: أبو بكر بن أبي شيبة، وتُوفَي سنة (٢١٩هـ)).

↑صفحة ١٦٤↑

وَيَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ اَلسَّيْلَحِينِيُّ(٤١٦)، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ(٤١٧)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اَلله بْنُ عُثْمَانَ(٤١٨)، عَنْ أَبِي اَلطُّفَيْلِ(٤١٩)، قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اَلله بْنُ عُمَرَ(٤٢٠): يَا أَبَا اَلطُّفَيْلِ، عُدَّ اِثْنَيْ عَشَرَ مِنْ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ(٤٢١)، ثُمَّ يَكُونُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١٦) كذا في كُتُب الرجال، وفي بعض النُّسَخ: (المالجيني)، وفي الغيبة للنعماني وبعض النُّسَخ: (السالحيني).
وهو يحيى بن إسحاق، أبو زكريَّا أو أبو بكر البجلي، المعروف بالسيلحيني، سمع من جماعة منهم: حمَّاد بن سَلَمة، مات سنة (٢١٠هـ) في خلافة المأمون.
راجع: تاريخ بغداد (ج ١٤/ ص ١٦٢/ الرقم ٤٧٧٠)، وتقريب التهذيب (ج ٢/ ص ٢٩٦/ الرقم ٧٥٢٦).
وقال في معجم البلدان (ج ٣/ ص ١٧٢/ مادَّة سالحين): (والعامَّة تقول: صالحين، وكلاهما خطأ، وإنَّما هو السيلحين: قرية ببغداد).
(٤١٧) قال المزِّي في تهذيب الكمال (ج ٧/ ص ٢٥٣/ الرقم ١٤٨٢): (حمَّاد بن سَلَمة بن دينار البصري، أبو سَلَمة بن أبي صخرة، مولى ربيعة بن مالك بن حنظلة من بني تميم، روى عن عبد الله بن عثمان بن خثيم وجماعة، وروى عنه عفَّان بن مسلم ويحيى بن إسحاق السيلحيني وجماعة، تُوفّي سنة (١٦٧هـ)).
(٤١٨) كذا في الغيبة للنعماني، وفي بعض النُّسَخ: (عبد الله بن عمر).
قال ابن حجر في تهذيب التهذيب (ج ٥/ ص ٢٧٥/ الرقم ٥٣٦): (عبد الله بن عثمان بن خثيم القاري المكّي، أبو عثمان، حليف بني زهرة. روى عن جماعة منهم: أبي الطفيل، وروى عنه جماعة منهم: حمَّاد بن سَلَمة، تُوفّي في آخر خلافة أبي العبَّاس وأوَّل خلافة أبي جعفر).
وراجع: تقريب التهذيب (ج ١/ ص ٥١٣/ الرقم ٣٤٧٧)، وميزان الاعتدال (ج ٢/ ص ٤٥٩/ الرقم ٤٤٤٢)، وطبقات ابن سعد (ج ٥/ ص ٤٨٧)، وغيرها.
(٤١٩) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٤/ الرقم ٣٣٠/٥٢) من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وفي (ص ٧٠/ الرقم ٦٤٦/٨) من أصحاب عليٍّ (عليه السلام)، قائلاً: (عامر بن واثلة، يُكنَّى أبا الطفيل، أدرك ثمان سنين من حياة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وُلِدَ عام أُحُد)، وفي (ص ٩٥/ الرقم ٩٤١/٣) من أصحاب الحسن (عليه السلام)، وفي (ص ١١٨/ الرقم ١١٩٢/٢٤) من أصحاب السجَّاد (عليه السلام)، قائلاً: (عامر بن واثلة الكناني، يُكنَّى أبا الطفيل).
(٤٢٠) في الغيبة للنعماني: (عبد الله بن عمرو).
(٤٢١) هو من أجداد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إذ إنَّ نسبه الشريف: محمّد بن عبد الله بن عبد المطَّلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب...

↑صفحة ١٦٥↑

اَلنَّقْفُ وَاَلنِّقَافُ(٤٢٢)،(٤٢٣).
٩٦ - وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا (أَحْمَدُ)(٤٢٤)، قَالَ: حَدَّثَنَا اَلمُقَدَّمِيُّ(٤٢٥)، عَنْ عَاصِمِ [بْنِ عُمَرَ](٤٢٦) بْنِ عَلِيِّ بْنِ مِقْدَامٍ أَبُو يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي(٤٢٧)، عَنْ فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ(٤٢٨)، عَنْ أَبِي خَالِدٍ اَلْوَالِبِيِّ(٤٢٩)، قَالَ: حَدَّثَنَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٢٢) في بعض النُّسَخ: (النفاق).
قال الجزري في النهاية (ج ٥/ ص ١٠٩): (في حديث عبد الله بن عمر: «واعدد اثني عشر من بني كعب بن لؤي، ثمّ يكون النقف والنقاف» أي القتل والقتال. والنقف: هشم الرأس، أي: تهيج الفتن والحروب بعدهم)، وكذا في الفائق في غريب الحديث (ج ٣/ ص ٣٢٧).
(٤٢٣) الغيبة للنعماني (ص ١٠٦/ باب ٤/ ح ٣٥، وص ١٢٥/ باب ٦/ ح ٢٤)؛ ورواه أبو الصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤١٨ و٤١٩) عن حمَّاد بن سَلَمة، وابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ١/ ص ٢٥٠) باختلاف، والزمخشري في الفائق (ج ٣/ ص ٣٢٧)، وفيها: (اعدد) بدل (عد)، ورواه أيضاً الخطيب في تاريخ بغداد (ج ٦/ ص ٢٦١)، وفيه: (إذا ملك) بدل (عد).
(٤٢٤) ليس في الغيبة للنعماني.
(٤٢٥) هو محمّد بن أبي بكر بن عليِّ بن عطاء بن مقدم المقدمي، أبو عبد الله الثقفي، مولاهم البصري، مات سنة (٢٣٤هـ)، روى عن جماعة منهم: عمِّه عمر بن عليٍّ المقدمي.
راجع: تهذيب التهذيب (ج ٩/ ص ٦٨/ الرقم ٩٨).
(٤٢٦) من الغيبة للنعماني.
(٤٢٧) هو عمر بن عليِّ بن عطاء بن مقدم الثقفي المقدمي، أبو حفص البصري، روى عنه جماعة منهم: ابن أخيه محمّد بن أبي بكر بن عليٍّ. قال ابنه عاصم: مات سنة (١٩٠هـ).
راجع: تهذيب التهذيب (ج ٧/ ص ٤٢٧/ الرقم ٨٠٨)، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٢٨٥)، وغيرهما.
(٤٢٨) هو: فطر بن خليفة، أبو بكر الكوفي المخزومي الحنَّاط، وثَّقة أحمد بن حنبل، وقال عنه مترجموه: ثقة، صالح الحديث، كيِّس إلَّا أنَّه رُمي بالتشيُّع، مات سنة (١٥٣هـ).
راجع: سير أعلام النبلاء (ج ٧/ ص ٣٠/ الرقم ١٤)، وطبقات ابن سعد (ج ٦/ ص ٣٦٤)، وميزان الاعتدال (ج ٣/ ص ٣٦٣/ الرقم ٦٧٧٩)، وغيرها.
(٤٢٩) هو: هرمز، ويقال: هرم، روى عن جماعة منهم: جابر بن سمرة، وقال ابن سعد: أخبرنا محمّد بن عبيد، عن فطر، عن أبي خالد، مات سنة مائة. راجع: تهذيب التهذيب (ج ١٢/ص ٧٤/الرقم ٨٤٠٩).

↑صفحة ١٦٦↑

جَابِرُ اِبْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ: «لَا يَزَالُ هَذَا اَلدِّينُ ظَاهِراً لَا يَضُرُّهُ مَنْ نَاوَاهُ حَتَّى يَقُومَ اِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»(٤٣٠).
٩٧ - وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اَلله بْنُ جَعْفَرٍ اَلرَّقِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ(٤٣١)، عَنْ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ(٤٣٢)، عَنِ اَلشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ(٤٣٣)، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ اِبْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: حَدَّثَكُمْ(٤٣٤) نَبِيُّكُمْ كَمْ يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ اَلْخُلَفَاءِ؟
فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ قَبْلَكَ، وَإِنَّكَ لَأَحْدَثُ اَلْقَوْمِ سِنًّا، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَكُونُ بَعْدِي عِدَّةُ نُقَبَاءِ مُوسَى (عليه السلام)، قَالَ اَللهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣٠) الغيبة للنعماني (ص ١٠٦/ باب ٤/ ح ٣٦)، وفيه: (الأمر) بدل (الدِّين)؛ وروى نحوه الطبراني في المعجم الكبير (ج ٢/ ص ٢١٥ و٢١٦).
(٤٣١) هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أبو عمرو، ويقال: أبو محمّد الكوفي، واسم أبي إسحاق عمرو بن عبد الله.
عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٥٨/ الرقم ٣٦٦٨/٥٧٧) من أصحاب الصادق (عليه السلام)، وفي (ص ٣٤٠/ الرقم ٥٠٦٦/٢٧) من أصحاب الكاظم (عليه السلام).
وعدَّه البرقي (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٩) من أصحاب الكاظم (عليه السلام).
تُوفّي سنة (١٩١هـ) في خلافة هارون.
وراجع: سير أعلام النبلاء (ج ٨/ ص ٤٨٩/ الرقم ١٣٠)، وتهذيب التهذيب (ج ٨/ ص ٢١٢/ الرقم ٤٤٠)، وتاريخ بغداد (ج ١١/ ١٥٣ - ١٥٧/ الرقم ٥٨٤٧)، وميزان الاعتدال (ج ٣/ ص ٣٢٨/ الرقم ٦٦٢٩)، وغيرها.
(٤٣٢) قال ابن حجر في تهذيب التهذيب (ج ١٠/ ص ٣٦/ الرقم ٦٥): (مجالد بن سعيد بن عمير بن بسطام، أبو عمرو، ويقال: أبو سعيد الكوفي، روى عن الشعبي، مات سنة (١٤٤هـ)).
(٤٣٣) قال ابن حجر في تهذيب التهذيب (ج ١٠/ ص ١٠٠/ الرقم ٢٠٦): (مسروق بن الأجدع بن مالك... الهمداني، الوداعي، الكوفي، العابد، أبو عائشة، روى عن جماعة منهم: ابن مسعود، وروى عنه جماعة منهم: الشعبي، مات سنة (٦٢هـ) أو (٦٣هـ)).
(٤٣٤) في الغيبة للنعماني: (أحدَّثكم)، وفي الخصال: (هل حدَّثكم).

↑صفحة ١٦٧↑

اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ [المائدة: ١٢]»(٤٣٥).
٩٨ - وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ هَارُونَ بْنِ مُوسَى اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ(٤٣٦)، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ اَلمَعْرُوفُ بِابْنِ اَلْخَضِيبِ اَلرَّازِيِّ(٤٣٧)، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ زَكَرِيَّا اَلتَّمِيمِيِّ(٤٣٨)، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى اَلطُّوسِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اَلله بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنِ اَلْأَعْمَشِ(٤٣٩)، عَنْ أَبِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣٥) الغيبة للنعماني (ص ١٠٦/ باب ٤/ ح ٣٧، وص ١١٧ و١١٨/ باب ٦/ ح ١ - ٣)؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في الخصال (ص ٤٦٨ و٤٦٩/ ح ١٠)، وابن عيَّاش (رحمه الله) في مقتضب الأثر (ص ٣) بإسناده إلى مسروق باختلاف، وأبو الصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤١٧) عن الشعبي، والكراجكي (رحمه الله) في الاستنصار (ص ٢٤) عن محمّد بن عثمان مع اختلاف في آخره، والراوندي (رحمه الله) في قَصص الأنبياء (ص ٣٦٨/ ح ٤٧٤) عن الشعبي باختلاف، والأحسائي (رحمه الله) في عوالي اللئالي (ج ٤ / ٩٠ و٩١/ ح ١٢٣) عن مسروق باختلاف، وأحمد بن حنبل في مسنده (ج ١/ ص ٣٩٨) بإسناده عن المجالد باختلاف.
(٤٣٦) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٣٩/ الرقم ١١٨٤): (هارون بن موسى بن أحمد بن سعيد بن سعيد، أبو محمّد، التلعكبري، من بني شيبان، كان وجهاً في أصحابنا، ثقة، معتمداً، لا يُطعَن عليه).
وعدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٤٩/ الرقم ٦٣٨٦/١) في من لم يرو عنهم (عليهم السلام)، قائلاً: (جليل القدر، عظيم المنزلة، واسع الرواية، عديم النظير، ثقة، مات سنة (٣٨٥هـ)).
(٤٣٧) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٩٧/ الرقم ٢٤٠): (أحمد بن عليٍّ، أبو العباس الرازي الخضيب الأيادي، قال أصحابنا: لم يكن بذاك، وقيل: فيه غلوٌّ وترفُّع، وله كتاب الشفاء والجلاء في الغيبة، و...).
(٤٣٨) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ١٤٧/ الرقم ٣٨٠): (حنظلة بن زكريَّا بن حنظلة بن خالد بن العيار التميمي، أبو الحسن القزويني، لم يكن بذلك، له كتاب الغيبة).
وعدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٢٣/ الرقم ٦٠٩٥/٣٠) في من لم يرو عنهم (عليهم السلام).
(٤٣٩) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٢١٥/ الرقم ٢٨٣٤/٧٢) من أصحاب الصادق (عليه السلام)، قائلاً: (سليمان بن مهران، أبو محمّد الأسدي، مولاهم، الأعمش الكوفي).
وعدَّه ابن داود (رحمه الله) في القسم الأوَّل (الموثَّقين) من رجاله (ص ١٠٦/ الرقم ٧٢٩).
وفي تهذيب الكمال (ج ١٢/ ص ٧٦/ الرقم ٢٥٧٠) أنَّه تُوفّي سنة (١٤٧هـ).

↑صفحة ١٦٨↑

صَالِحٍ، عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَزَلَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) بِصَحِيفَةٍ مِنْ عِنْدِ اَلله عَلَى رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِيهَا اِثْنَا عَشَرَ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ اَللهَ تَعَالَى يَقْرَأُ عَلَيْكَ اَلسَّلَامَ وَيَأْمُرُكَ أَنْ تَدْفَعَ هَذِهِ اَلصَّحِيفَةَ إِلَى اَلنَّجِيبِ مِنْ أَهْلِكَ بَعْدَكَ، يَفُكُّ مِنْهَا أَوَّلَ خَاتَمٍ وَيَعْمَلُ بِمَا فِيهَا، فَإِذَا مَضَى دَفَعَهَا إِلَى وَصِيِّهِ بَعْدَهُ، وَكَذَلِكَ اَلْأَوَّلُ يَدْفَعُهَا إِلَى اَلْآخَرِ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ»، فَفَعَلَ اَلنَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مَا أُمِرَ بِهِ، فَفَكَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) أَوَّلُهَا وَعَمِلَ بِمَا فِيهَا، ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى اَلْحَسَنِ (عليه السلام)، فَفَكَّ خَاتَمَهُ وَعَمِلَ بِمَا فِيهَا، وَدَفَعَهَا بَعْدَهُ إِلَى اَلْحُسَيْنِ (عليه السلام)، ثُمَّ دَفَعَهَا اَلْحُسَيْنُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ (عليه السلام)، ثُمَّ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ، حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى آخِرِهِمْ (عليهم السلام).
٩٩ - وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنِ اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ مُحَمَّدِ بْنِ هَمَّامٍ(٤٤٠)، عَنِ اَلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ اَلْقُوهِسْتَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي عِيسَى بْنَ مُوسَى(٤٤١)، فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ أَدْرَكْتَ مِنَ اَلتَّابِعِينَ؟
فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا تَقُولُ، وَلَكِنِّي كُنْتُ بِالْكُوفَةِ فَسَمِعْتُ شَيْخاً فِي جَامِعِهَا يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، قَالَ: قَالَ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): «قَالَ لِي رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): يَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤٠) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٧٩ و٣٨٠/ الرقم ١٠٣٢): (محمّد بن أبي بكر، همَّام بن سهيل الكاتب الإسكافي، شيخ أصحابنا ومتقدِّمهم، له منزلة عظيمة، مات يوم الخميس سنة (٣٣٦هـ)، وكان مولده سنة (٢٥٨هـ)).
وثَّقه المؤلِّف (رحمه الله) في الفهرست (ص ٢١٧/ الرقم ٦١٢/٢٧)، وفي رجاله (ص ٤٣٨ و٤٣٩/ الرقم ٦٢٧٠/٢٠).
(٤٤١) في الغيبة للنعماني: (أخبرنا محمّد بن همَّام، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحسن بن عليِّ بن عيسى القوهستاني، قال: حدَّثنا بدر بن إسحاق بن بدر الأنماطي في سوق الليل بمكَّة - وكان شيخاً نفيساً من إخواننا الفاضلين، وكان من أهل قزوين - في سنة خمس وستِّين ومائتين، قال: حدَّثني أبي إسحاق بن بدر، قال: حدَّثني جدِّي بدر بن عيسى، قال: سألت أبي عيسى بن موسى...).

↑صفحة ١٦٩↑

عَلِيُّ، اَلْأَئِمَّةُ اَلرَّاشِدُونَ اَلمَهْدِيُّونَ اَلمَغْصُوبُونَ حُقُوقَهُمْ مِنْ وُلْدِكَ أَحَدَ عَشَرَ إِمَاماً وَأَنْتَ...»، والحديث مختصر(٤٤٢).
١٠٠ - وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ هَارُونَ بْنِ مُوسَى اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ(٤٤٣) اَلله اَلْهَاشِمِيِّ(٤٤٤)، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ اِبْنِ عِيسَى بْنِ اَلمَنْصُورِ(٤٤٥)، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو اَلْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلْعَسْكَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ اَلْحُسَيْنِ اِبْنِ عَلِيٍّ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِمْ)، قَالَ: «قَالَ [لِي](٤٤٦) عَلِيٌّ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِ): قَالَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اَللهَ (عزَّ وجلَّ) آمِناً مُطَهَّراً لَا يَحْزُنُهُ اَلْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ فَلْيَتَوَلَّكَ، وَلْيَتَوَلَّ بَنِيكَ اَلْحَسَنَ وَاَلْحُسَيْنَ، وَعَلِيَّ بْنَ اَلْحُسَيْنِ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، وَجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَمُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ، وَعَلِيَّ بْنَ مُوسَى، وَمُحَمَّداً، وَعَلِيًّا، وَاَلْحَسَنَ، ثُمَّ اَلمَهْدِيَّ، وَهُوَ خَاتَمُهُمْ. وَلَيَكُونَنَّ فِي آخِرِ اَلزَّمَانِ قَوْمٌ يَتَوَلَّوْنَكَ يَا عَلِيُّ يَشْنَأُهُمُ(٤٤٧)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤٢) الغيبة للنعماني (ص ٩٣ و٩٤/ باب ٤/ ح ٢٣) عن محمّد بن همَّام، باختلاف يسير.
(٤٤٣) في مناقب آل أبي طالب: (عبيد الله).
(٤٤٤) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٩١/ الرقم ٥٧٦٢/١٤) من أصحاب الهادي (عليه السلام)، وفي (ص ٤٤٢/ الرقم ٦٣٠٩/٥٩) في من لم يرو عنهم (عليهم السلام)، قائلاً: (محمّد بن أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن عيسى بن المنصور، عبَّاسي، هاشمي).
(٤٤٥) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٩٧/ الرقم ٨٠٦): (عيسى بن أحمد بن عيسى بن المنصور، أبو موسى السرَّ من رائي، روى عن أبي الحسن عليِّ بن محمّد (عليه السلام)).
وعدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٨٨/ الرقم ٥٧٠٥/٢) من أصحاب الهادي (عليه السلام)، وقال (رحمه الله) في ترجمة محمّد بن أحمد بن عبيد الله (ص ٤٤٢/ الرقم ٦٣٠٩/٥٩): (يروي عن عمِّه أبي موسى عيسى بن أحمد بن عيسى بن المنصور).
(٤٤٦) من بعض النُّسَخ.
(٤٤٧) شنأ الرجل: أبغضه مع عداوة وسوء خُلُق. راجع: لسان العرب (ج ١/ص ١٠١/مادَّة شنأ).

↑صفحة ١٧٠↑

اَلنَّاسُ، وَلَوْ أَحَبَّهُمْ كَانَ خَيْراً لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، يُؤْثِرُونَكَ وَوُلْدَكَ عَلَى اَلْآبَاءِ وَاَلْأُمَّهَاتِ وَاَلْإِخْوَةِ وَاَلْأَخَوَاتِ، وَعَلَى عَشَائِرِهِمْ وَاَلْقَرَابَاتِ، صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ اَلصَّلَوَاتِ، أُولَئِكَ يُحْشَرُونَ تَحْتَ لِوَاءِ اَلْحَمْدِ، يُتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ، وَيَرْفَعُ دَرَجَاتِهِمْ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»(٤٤٨).
[أخبار الخاصَّة على إمامة الاثني عشر (عليهم السلام)]:
فأمَّا ما روي من جهة الخاصَّة فأكثر من أنْ يُحصى، غير أنَّا نذكر طرفاً منها.
١٠١ - رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَلله بْنِ جَعْفَرٍ اَلْحِمْيَرِيُّ فِيمَا أَخْبَرَنَا بِهِ جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي اَلمُفَضَّلِ اَلشَّيْبَانِيِّ، عَنْهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْحُسَيْنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ.
وَأَخْبَرَنَا أَيْضاً جَمَاعَةٌ، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ اِبْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ أَبَانِ اِبْنِ أَبِي عَيَّاشٍ(٤٤٩)، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اَلله بْنَ جَعْفَرٍ اَلطَّيَّارِ(٤٥٠) يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ أَنَا وَاَلْحَسَنُ وَاَلْحُسَيْنُ (عليهما السلام) وَعَبْدُ اَلله بْنُ عَبَّاسٍ وَعُمَرُ بْنُ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَجَرَى بَيْنِي وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ كَلَامٌ، فَقُلْتُ لِمُعَاوِيَةَ: سَمِعْتُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤٨) رواه ابن شهرآشوب(رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ١/ص ٢٥٢)، إلى قوله (عليه السلام): «وَهُوَ خَاتَمُهُمْ».
(٤٤٩) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ١٠٩/ الرقم ١٠٦٧/١٠) من أصحاب السجَّاد (عليه السلام)، وفي (ص ١٢٦/ الرقم ١٢٦٤/٣٦) من أصحاب الباقر (عليه السلام)، قائلاً: (أبان بن أبي عيَّاش فيروز، تابعي، ضعيف)، وفي (ص ١٦٤/ الرقم ١٨٨٥/١٨٩) مع إضافة كلمة (البصري) من أصحاب الصادق (عليه السلام).
وذكره البرقي (رحمه الله) في رجاله (ص ٩) من أصحاب السجَّاد والباقر (عليهما السلام).
(٤٥٠) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٢/ الرقم ٢٨٧/٩) من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وفي (ص ٧٠/ الرقم ٦٤٢/٤) من أصحاب عليٍّ (عليه السلام)، وفي (ص ٩٥/ الرقم ٩٤٢/٤) من أصحاب الحسن (عليه السلام)، قائلاً: (عبد الله بن جعفر بن أبي طالب).
وقال السيِّد الخوئي (قدّس سره) في معجم رجال الحديث (ج ١١/ ص ١٤٧): (جلالة عبد الله بن جعفر الطيَّار بن أبي طالب بمرتبة لا حاجة معها إلى الإطراء).

↑صفحة ١٧١↑

رَسُولَ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ: «أَنَا أَوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ أَخِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَإِذَا اُسْتُشْهِدَ عَلِيٌّ فَالْحَسَنُ أَوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَإِذَا مَضَى اَلْحَسَنُ فَالْحُسَيْنُ أَوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَإِذَا اُسْتُشْهِدَ فَابْنُهُ عَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ أَوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَسَتُدْرِكُهُ يَا عَلِيُّ، ثُمَّ اِبْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. يَا عَلِيُّ، ثُمَّ يُكْمِلُهُ اِثْنَا عَشَرَ إِمَاماً تِسْعَةٌ مِنْ وُلْدِ اَلْحُسَيْنِ».
قَالَ عَبْدُ اَلله بْنُ جَعْفَرٍ: اِسْتَشْهَدْتُ اَلْحَسَنَ وَاَلْحُسَيْنَ وَعَبْدَ اَلله بْنَ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ اِبْنَ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَشَهِدُوا لِي عِنْدَ مُعَاوِيَةَ.
قَالَ سُلَيْمُ بْنُ قَيْسٍ: وَقَدْ سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ سَلْمَانَ وَأَبِي ذَرٍّ وَاَلْمِقْدَادِ، وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٤٥١)،(٤٥٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥١) كتاب سُلَيم بن قيس في كتابه (ص ٣٦١ - ٣٦٥) مفصَّلاً؛ ورواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥٢٩/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ٤)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٩٦ و٩٧/ باب ٤/ ح ٢٧) باختلاف، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٢٧٠/ باب ٢٤/ ح ١٥)، وفي الخصال (ص ٤٧٧/ ح ٤١)، وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٥٢ و٥٣/ باب ٦/ ح ٨)، وأبو الصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٢٠) عن سُلَيم بن قيس باختلاف يسير، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ١٧٩ و١٨٠) نقلاً عن ابن بابويه.
(٤٥٢) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٦/ ص ٢١٦ و٢١٧): (قوله: (كنَّا عند معاوية)، قال بعض الأفاضل: حكاية لما وقع في زمان أحد الثلاثة، لأنَّ عمر بن أُمِّ سَلَمة قُتِلَ بصفِّين، انتهى. ولا يخفى ما فيه، لأنَّه ذكر ابن عبد البرِّ وغيره عمر بن أبي سَلَمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر القرشي المخزومي ربيب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أُمُّه أُمُّ سَلَمة المخزوميَّة أُمُّ المؤمنين، يُكنَّى أبا حفص، وُلِدَ في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة، وشهد مع عليٍّ (رحمه الله) يوم الجمل، واستعمله على فارس وعلى البحرين، وتُوفّي بالمدينة في خلافة عبد المَلِك بن مروان سنة ثلاث وثمانين. وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (وستدركه يا عليُّ)، كان لعليِّ بن الحسين عند شهادة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) سنتان، لأنَّ شهادته كانت في سنة الأربعين من الهجرة، وولادة عليِّ بن الحسين في سنة ثمان وثلاثين، وكان للباقر عند شهادة الحسين (عليه السلام) أربع سنين تقريباً، لأنَّ الشهادة كانت في سنة إحدى وستِّين، وولادة الباقر (عليه السلام) في سنة سبع وخمسين...، وقوله: (ثمّ تكملة) كلام عبد الله بن جعفر، والتكملة التتمَّة، أي ثمّ ذكرت عند معاوية تتمَّتهم تفصيلاً، أو هو من كلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أي ثمّ تكملتهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، والأوَّل أظهر. وفي بعض النُّسَخ بالياء على صيغة المضارع، أي ثمّ يُكمِل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اثني عشر يُسمِّيهم).

↑صفحة ١٧٢↑

١٠٢ - وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اَلله بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ(٤٥٣) مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، [عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْعُصْفُرِيِّ](٤٥٤)، عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ(٤٥٥)، عَنْ أَبِي اَلْجَارُودِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إِنِّي وَأَحَدَ عَشَرَ مِنْ وُلْدِي وَأَنْتَ يَا عَلِيُّ زِرُّ اَلْأَرْضِ - أَعْنِي أَوْتَادَهَا وَجِبَالَهَا -، بِنَا أَوْتَدَ اَللهُ اَلْأَرْضَ أَنْ تَسِيخَ بِأَهْلِهَا، فَإِذَا ذَهَبَ اَلْاِثْنَا عَشَرَ مِنْ وُلْدِي سَاخَتِ اَلْأَرْضُ بِأَهْلِهَا وَلَمْ يُنْظَرُوا»(٤٥٦)،(٤٥٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥٣) هذا محلُّ تأمُّل، إذ محمّد بن يحيى يروي عن الحميري ومحمّد بن أحمد بن يحيى، ولم نجد رواية الحميري عن محمّد بن أحمد بن يحيى. وقد روى محمّد بن أحمد بن يحيى عن الحميري في عدَّة موارد منها: تهذيب الأحكام (ج ٦/ ص ٣٨٢/ ح ١١٢٩/٢٥٠، وج ٧/ ص ٣٢١/ ح ١٣٢٤/٣٢، وج ٩/ ص ٣٩٣/ ح ١٤٠٣/١٠)، فيحتمل أنْ يكون: (وعن).
(٤٥٤) من الكافي.
وهو عبَّاد بن يعقوب الأسدي الرواجني، أبو سعيد الكوفي الشيعي، روى عن عمرو بن أبي المقدام، تُوفّي سنة (٢٥٠هـ). راجع: تهذيب الكمال (ج ١٤/ ص ١٧٥/ الرقم ٣١٠٤).
(٤٥٥) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٩٠/ الرقم ٧٧٧): (عمرو بن أبي المقدام ثابت بن هرمز الحدَّاد، مولى بني عجل).
وعدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ١٤١/ الرقم ١٥٠٨/٤٣) من أصحاب الباقر (عليه السلام)، وفي (ص ٢٤٨/ الرقم ٣٤٧٠/٣٧٩) من أصحاب الصادق (عليه السلام)، قائلاً: (... مولاهم، كوفي، تابعي).
(٤٥٦) الأُصول الستَّة عشر (ص ١٦/ أصل أبي سعيد عبَّاد العصفري)؛ ورواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥٣٤/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ١٧)، وأبو الصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤١٩) عن أبي الجارود، والكراجكي (رحمه الله) في الاستنصار (ص٨) عن محمّد بن يحيى.
(٤٥٧) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٣٦/ ص ٢٥٩ و٢٦٠): (قال الفيروزآبادي: رزت الجرادة ترز وترز: غرزت ذنبها في الأرض لتبيض، كأرزت، والرجل: طعنه، والباب: أصلح عليه الرزة، وهي حديدة يدخل فيها القفل، والشيء في الشيء: أثبته. وقال: ساخت الأرض: انخسفت، انتهى. وفي بعض النُّسَخ بتقديم المعجمة على المهملة، قال الجزري: في حديث أبي ذرٍّ: قال - يصف عليًّا (عليه السلام): «وإنَّه لعالم الأرض وزرُّها الذي تسكن إليه قوامها»، وأصله من زرِّ القلب، وهو عظم صغير يكون قوام القلب به، وأخرج الهروي هذا الحديث عن سلمان. أقول: لعلَّ سوخها كناية عن تزلزلها وعدم انتظامها وتبدُّل أوضاعها وسائر ما يكون قبل قيام الساعة. وروي هذا الخبر في الكافي عن محمّد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن محمّد بن الحسين، عن أبي سعيد الغضنفري، عن عمرو بن ثابت، إلى قوله: «إنِّي واثنا عشر من ولدي وأنت...» إلخ، فالاثنا عشر مع فاطمة (عليها السلام)، أو أطلق الولد على أمير المؤمنين (عليه السلام) تغليباً، وعطف (أنت) عليه من قبيل عطف الخاصِّ على العامِّ تأكيداً وتشريفاً، كعطف جبرئيل على الملائكة. وأقول: يظهر من هذا السند أنَّ الأشعري في سند الشيخ تصحيف الغضنفري، فتأمَّل).

↑صفحة ١٧٣↑

١٠٣ - عَنْهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَعْمَةَ اَلسَّلُولِيِّ، عَنْ وُهَيْبِ بْنِ حَفْصٍ(٤٥٨)، عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ اَلْقَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي اَلسَّفَاتِجِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَلله اَلْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ (عليها السلام) وَبَيْنَ يَدَيْهَا [لَوْحٌ فِيهِ](٤٥٩) أَسْمَاءُ اَلْأَوْصِيَاءِ مِنْ وُلْدِهَا، فَعَدَدْتُ اِثْنَيْ عَشَرَ اِسْماً آخِرُهُمْ اَلْقَائِمُ، ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ مُحَمَّدٌ، وَثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ عَلِيٌّ(٤٦٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥٨) كذا في بعض النُّسَخ، وفي بعضها: (وهب بن جعفر).
قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٣١/ الرقم ١١٥٩): (وهيب بن حفص، أبو عليٍّ الجريري، مولى بني أسد، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهما السلام)، ووقف، وكان ثقةً).
(٤٥٩) من بحار الأنوار (ج ٣٦/ ص ٢٠١ و٢٠٢/ ح ٥).
(٤٦٠) رواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥٣٢/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ٩) بإسناده عن ابن محبوب، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٢٦٩/ باب ٢٤/ ح ١٣، وص ٣١١ و٣١٢ و٣١٣/ باب ٢٨/ ح ٣ و٤)، وفي الخصال (ص ص ٤٧٧ و٤٧٨/ ح ٤٢)، وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٥٢/ باب ٦/ ح ٦ و٧)، وفي من لا يحضره الفقيه (ج ٤/ ص ١٨٠/ ح ٥٤٠٨) بأسانيد مختلفة عن ابن محبوب، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام)، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٦) بإسناده عن الكليني، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ١٦٦) عن محمّد بن يعقوب، والحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٢١) عن جابر بن عبد الله الأنصاري، والفتَّال (رحمه الله) في روضة الواعظين (ص ٢٦١) عن جابر، والشعيري (رحمه الله) في جامع الأخبار (ص ٦٢/ ح ٧٩/٦) عن الحسن بن محبوب، وعليُّ بن يوسف الحلِّي (رحمه الله) في العدد القويَّة (ص ٧١/ ح ١٠٩ و١١٠) مختصراً، والجويني في فرائد السمطين (ج ٢/ ص ١٣٩/ ذيل الحديث ٤٣٥) بإسناده عن الصدوق.
قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٦/ ص ٢٢٨): (قوله: (من ولدها)، أي الأحد عشر، أو على المجاز والتغليب...، وعلى الأوَّل فقوله: (فعددت) الفاء فيه للتفريع، أي فضممت إليهم أباهم وأصلهم فصاروا معه اثنا عشر. (ثلاثة منهم) أي من الأولاد لا من الجميع، فإنَّ المسمى بعليٍّ من الجميع أربعة، والظاهر أنَّ التصحيف من النُّسَّاخ فإنَّه روى الصدوق في الإكمال والعيون والفقيه والشيخ في الغيبة بهذا الإسناد عن جابر، وفيها جميعاً وفي غيرها من الكُتُب: (وأربعة منهم عليٌّ)).

↑صفحة ١٧٤↑

١٠٤ - وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ اِبْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ غَزْوَانَ(٤٦١)، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «يَكُونُ تِسْعَةُ أَئِمَّةٍ بَعْدَ اَلْحُسَيْنِ، تَاسِعُهُمْ قَائِمُهُمْ(٤٦٢)»(٤٦٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦١) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ١٨١/ الرقم ٤٧٩): (سعيد بن غزوان الأسدي، مولاهم، كوفي، أخو فضيل، روى عن أبي عبد الله (عليه السلام)، ثقة، وابنه محمّد بن سعيد بن غزوان).
(٤٦٢) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٦/ ص ٢٣١): ((قائمهم) يعني يقوم بالسيف ويجاهد حتى يغلب الحقُّ وأهله على الباطل وأهله).
(٤٦٣) الكافي (ج ١/ ص ٥٣٣/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ١٥)؛ ورواه النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٩٥/ باب ٤/ ح ٢٥) عن محمّد بن يعقوب، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٦٨) بإسناده عن ابن أبي عمير باختلاف، والصدوق (رحمه الله) في الخصال (ص ٤١٩/ ح ١٢، وص ٤٨٠/ ح ٥٠) عن أبيه، عن عليِّ بن إبراهيم، وفي كمال الدِّين (ص ٣٥٠/ باب ٣٣/ ح ٤٥) بإسناده عن ابن أبي عمير باختلاف يسير، والطبري الشيعي (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٤٥٣/ ح ٤٣١/٣٥) بإسناده عن ابن أبي عمير باختلاف، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٧) بإسناده عن الكليني، وأبو الصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٢٥) عن أبي بصير، والكراجكي (رحمه الله) في الاستنصار (ص ١٧) عن المفيد (رحمه الله)، وابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ١/ ص ٢٥٥).

↑صفحة ١٧٥↑

١٠٥ - مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَلله بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْفُضَيْلِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ اَللهَ تَعَالَى أَرْسَلَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إِلَى اَلْجِنِّ وَاَلْإِنْسِ عَامَّةً، وَكَانَ مِنْ بَعْدِهِ اِثْنَا عَشَرَ وَصِيًّا، مِنْهُمْ مَنْ سَبَقَنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ بَقِيَ، وَكُلُّ وَصِيٍّ جَرَتْ بِهِ اَلسُّنَّةُ وَاَلْأَوْصِيَاءُ اَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَلَى سُنَّةِ أَوْصِيَاءِ عِيسَى إِلَى مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَكَانُوا اِثْنَيْ عَشَرَ، وَكَانَ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عَلَى سُنَّةِ اَلمَسِيحِ»(٤٦٤)،(٤٦٥).
١٠٦ - عَنْهُ، عَنْ أَبِي اَلْحُسَيْنِ(٤٦٦). وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦٤) رواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥٣٢/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ١٠) بإسناده عن محمّد بن عيسى، والصدوق (رحمه الله) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٥٩/ باب ٦/ ح ٢١)، وفي الخصال (ص ٤٧٨/ ح ٤٣)، وفي كمال الدِّين (ص ٣٢٦/ باب ٣٢/ ح ٤) بأسانيده عن محمّد بن الفضيل، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٦٩) عن محمّد بن عيسى، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٥) بإسناده عن الكليني، وأبو الصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٢٠) عن أبي حمزة الثمالي، والكراجكي (رحمه الله) في الاستنصار (ص ١٧) عن المفيد، والفتَّال (رحمه الله) في روضة الواعظين (ص ٢٦١) مرسَلاً، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ١٦٦ و١٦٧) عن محمّد بن يعقوب.
(٤٦٥) قال المولى المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج ٧/ ص ٣٧٦): (قوله: (وكلُّ وصىٍّ جرت به سُنَّة) منهم من جرت به العبادة، ومنهم من جرت به الشهادة، ومنهم من جرت به نشر العلوم، ومنهم من جرت المجاهدة والقتال وإظهار الدِّين، كلُّ ذلك لمصلحة ظاهرة وخفيَّة لا يعلمها إلَّا هو. قوله: (وكان أمير المؤمنين على سُنَّة المسيح) هي إمَّا ترك الدنيا بالكلّيَّة، أو افتراق الناس فيه ثلاث فِرَق: الناصبي، والغالي، والشيعي).
(٤٦٦) هو محمّد بن جعفر الأسدي الآتي ذيلاً، وقد روى المؤلِّف (رحمه الله) عنه أيضاً بثلاثة وسائط على ما يأتي في (ح ١١٥).
قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٧٣/ الرقم ١٠٢٠): (محمّد بن جعفر بن محمّد بن عون الأسدي، أبو الحسين الكوفي، ساكن الريِّ، يقال له: محمّد بن أبي عبد الله، كان ثقةً، صحيح الحديث).
وقال المؤلِّف (رحمه الله) في الفهرست (ص ٢٢٩/ الرقم ٦٦٠/٧٥): (محمّد بن جعفر الأسدي، يُكنَّى أبا الحسين).

↑صفحة ١٧٦↑

عَنْ أَبِي اَلْحُسَيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ اَلْأَسَدِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ اَلْآدَمِيِّ، عَنِ اَلْحَسَنِ اِبْنِ اَلْعَبَّاسِ بْنِ اَلْحَرِيشِ اَلرَّازِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ اَلثَّانِي (عليه السلام): «أَنَّ أَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَالَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ لَيْلَةَ اَلْقَدْرِ فِي كُلِّ سَنَةٍ(٤٦٧)، وَإِنَّهُ يَنْزِلُ فِي تِلْكَ اَللَّيْلَةِ أَمْرُ اَلسَّنَةِ، وَلِذَلِكَ اَلْأَمْرِ وُلَاةٌ بَعْدَ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَقَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ هُمْ؟ فَقَالَ: أَنَا وَأَحَدَ عَشَرَ مِنْ صُلْبِي أَئِمَّةٌ مُحَدَّثُونَ»(٤٦٨).
١٠٧ - مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَلله بْنِ جَعْفَرٍ اَلْحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هِلَالٍ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦٧) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٣/ ص ٧٧): (لا خلاف بين الإماميَّة في أنَّ ليلة القدر وفضلها باقية بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى انقراض الدنيا، وفي كلٍّ منها يكون تنزل الملائكة والروح، وإليه ذهب أكثر العامَّة).
(٤٦٨) رواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥٣٢ و٥٣٣/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ١١) بإسناده عن الحسن بن العبَّاس، وفي (ص ٢٤٧/ باب في شأن إنَّا أنزلناه في ليلة القدر وتفسيرها/ قطعة من الحديث ٢) بإسناده عن الحسن بن العبَّاس بن الحريش، عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام)، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٦٨/ باب ٤/ ح ٣) عن محمّد بن يعقوب، والصدوق (رحمه الله) في الخصال (ص ٤٧٩ و٤٨٠/ ح ٤٧)، وفي كمال الدِّين (ص ٣٠٤ و٣٠٥/ باب ٢٦/ ح ١٩) بإسناديه عن الحسن بن العبَّاس ابن الحريش، والخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٢٠ و٢٢١) عن الصدوق، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٦) بإسناده عن الكليني، وأبو الصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٢٥) عن الحسن بن العبَّاس بن الحريش، والكراجكي (رحمه الله) في الاستنصار (ص ١٣ و١٤) عن المفيد، والفتَّال (رحمه الله) في روضة الواعظين (ص ٢٦١) عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ١٧٢) عن محمّد بن يعقوب.

↑صفحة ١٧٧↑

اَلْعَبَرْتَائِيِّ(٤٦٩)، عَنِ اِبْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - فِي حَدِيثٍ لَهُ -: «إِنَّ اَللهَ اِخْتَارَ مِنَ اَلنَّاسِ اَلْأَنْبِيَاءَ [وَاِخْتَارَ مِنَ اَلْأَنْبِيَاءِ](٤٧٠) اَلرُّسُلَ، وَاِخْتَارَنِي مِنَ اَلرُّسُلِ، وَاِخْتَارَ مِنِّي عَلِيًّا، وَاِخْتَارَ مِنْ عَلِيٍّ اَلْحَسَنَ وَاَلْحُسَيْنَ، وَاِخْتَارَ مِنَ اَلْحُسَيْنِ اَلْأَوْصِيَاءَ، تَاسِعُهُمْ قَائِمُهُمْ، وَهُوَ ظَاهِرُهُمْ وَبَاطِنُهُمْ(٤٧١)»(٤٧٢).
١٠٨ - وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ اَلْبَزَوْفَرِيِّ(٤٧٣)، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ وَعَبْدِ اَلله بْنِ جَعْفَرٍ اَلْحِمْيَرِيِّ، عَنْ أَبِي اَلْخَيْرِ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَمَّادٍ اَلرَّازِيِّ(٤٧٤) وَاَلْحَسَنِ بْنِ ظَرِيفٍ جَمِيعاً، عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦٩) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٨٣/ الرقم ١٩٩): (أحمد بن هلال، أبو جعفر العبرتائي، صالح الرواية، يُعرَف منها ويُنكَر، وقد روي فيه ذموم من سيِّدنا أبي محمّد العسكري (عليه السلام)...، قال أبو عليّ بن همَّام: وُلِدَ أحمد بن هلال سنة (١٨٠هـ)، ومات سنة (٢٦٧هـ)).
ويأتي ذمُّه في (ح ٣١٣ و٣٧٤ ).
(٤٧٠) من بعض النُّسَخ، ودلائل الإمامة.
(٤٧١) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٣٦/ ص ٢٥٦): (قوله: (وهو ظاهرهم) أي يظهر ويغلب على الأعادي، (وهو باطنهم) أي يبطن ويغيب عنهم زماناً).
(٤٧٢) رواه النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٧٣/ باب ٤/ ذيل الحديث ٧) بإسناديه عن أحمد بن هلال باختلاف، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٢٨١/ باب ٢٤/ ذيل الحديث ٣٢) بإسناده عن عبد الله بن جعفر باختلاف، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٢٥ و٢٢٦) عن الحميري باختلاف يسير، وابن عيَّاش (رحمه الله) في مقتضب الأثر (ص ٩ و١٠)، والطبري الشيعي (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٤٥٣ و٤٥٤/ ح ٤٣٢/٣٦) عن أبو الحسين عليِّ بن هبة الله، عن ابن بابويه، وأبو الصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤١٩ و٤٢٠) عن أبي بصير كما في إثبات الوصيَّة، والكراجكي (رحمه الله) في الاستنصار (ص ٨ و٩) عن ابن أبي عمير باختلاف.
(٤٧٣) روى بعنوان أبو جعفر محمّد بن الحسين بن سفيان البزوفري عن أحمد بن إدريس، ذكره المؤلِّف (رحمه الله) في مشيخة تهذيب الأحكام (ج ١٠/ شرح مشيخة التهذيب ص ٣٥) في طريقه إلى أحمد بن إدريس.
(٤٧٤) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ١٩٨/ الرقم ٥٢٦): (صالح بن أبي حمَّاد، أبو الخير الرازي، واسم أبي الخير زاذويه، لقى أبا الحسن العسكري (عليه السلام)، وكان أمره ملبساً (ملتبساً) يُعرَف ويُنكَر).

↑صفحة ١٧٨↑

أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «قَالَ أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام) لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَلله اَلْأَنْصَارِيِّ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَمَتَى يَخِفُّ عَلَيْكَ أَنْ أَخْلُوَ بِكَ فَأَسْأَلَكَ عَنْهَا؟
قَالَ لَهُ جَابِرٌ: فِي أَيِّ اَلْأَوْقَاتِ أَحْبَبْتَ.
فَخَلَا بِهِ أَبِي فِي بَعْضِ اَلْأَوْقَاتِ، فَقَالَ لَهُ: يَا جَابِرُ، أَخْبِرْنِي عَنِ اَللَّوْحِ اَلَّذِي رَأَيْتَهُ فِي يَدِ أُمِّي فَاطِمَةَ (عليها السلام)، وَمَا أَخْبَرَتْكَ بِهِ أُمِّي أَنَّهُ فِي ذَلِكَ اَللَّوْحِ مَكْتُوبٌ.
فَقَالَ جَابِرٌ: أَشْهَدُ بِاللهِ أَنِّي دَخَلْتُ عَلَى أُمِّكَ فَاطِمَةَ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهَا) فِي حَيَاةِ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَهَنَّأْتُهَا بِوِلَادَةِ اَلْحُسَيْنِ (عليه السلام)، وَرَأَيْتُ فِي يَدِهَا لَوْحاً أَخْضَرَ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ زُمُرُّدٌ، وَرَأَيْتُ فِيهِ كِتَاباً أَبْيَضَ شِبْهَ نُورِ اَلشَّمْسِ، فَقُلْتُ لَهَا: بِأَبِي وَأُمِّي يَا اِبْنَةَ(٤٧٥) رَسُولِ اَلله، مَا هَذَا اَللَّوْحُ؟ فَقَالَتْ: هَذَا اَللَّوْحُ أَهْدَاهُ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) إِلَى رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فِيهِ اِسْمُ أَبِي وَاِسْمُ بَعْلِي وَاِسْمُ اِبْنَيَّ(٤٧٦) وَأَسْمَاءُ اَلْأَوْصِيَاءِ مِنْ وُلْدِي، فَأَعْطَانِيهِ أَبِي لِيَسُرَّنِي بِذَلِكَ.
قَالَ جَابِرٌ: فَأَعْطَتْنِيهِ أُمُّكَ فَاطِمَةُ (عليها السلام)، فَقَرَأْتُهُ، فَاسْتَنْسَخْتُهُ(٤٧٧).
قَالَ لَهُ أَبِي: فَهَلْ لَكَ يَا جَابِرُ أَنْ تَعْرِضَهُ عَلَيَّ؟
قَالَ: نَعَمْ.
فَمَشَى مَعَهُ أَبِي حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى مَنْزِلِ جَابِرٍ، فَأَخْرَجَ أَبِي صَحِيفَةً مِنْ رَقٍّ، وَقَالَ: يَا جَابِرُ، اُنْظُرْ فِي كِتَابِكَ لِأَقْرَأَ أَنَا عَلَيْكَ، فَنَظَرَ جَابِرٌ فِي نُسْخَتِهِ وَقَرَأَهُ أَبِي، فَمَا خَالَفَ حَرْفٌ حَرْفاً.
قَالَ جَابِرٌ: فَأَشْهَدُ بِاللهِ أَنِّي هَكَذَا رَأَيْتُ فِي اَللَّوْحِ مَكْتُوباً: بِسْمِ اَلله اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنَ اَلله اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ لِمُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ وَنُورِهِ وَسَفِيرِهِ وَحِجَابِهِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧٥) في بعض النُّسَخ: (بنت).
(٤٧٦) في بعض النُّسَخ: (وأسماء بني).
(٤٧٧) في بعض النُّسَخ: (واستنسخته).

↑صفحة ١٧٩↑

وَدَلِيلِهِ، نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ مِنْ عِنْدِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ، عَظِّمْ يَا مُحَمَّدُ أَسْمَائِي، وَاُشْكُرْ نَعْمَائِي، وَلَا تَجْحَدْ آلَائِي، إِنِّي أَنَا اَللهُ لَا إِلَهَ أَنَا، قَاصِمُ اَلْجَبَّارِينَ، وَمُدِيلُ اَلمَظْلُومِينَ، وَدَيَّانُ اَلدِّينِ، إِنِّي أَنَا اَللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، مَنْ رَجَا غَيْرَ فَضْلِي، أَوْ خَافَ غَيْرَ عَدْلِي، عَذَّبْتُهُ عَذَاباً لَا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ اَلْعَالَمِينَ، فَإِيَّايَ فَاعْبُدْ، وَعَلَيَّ فَتَوَكَّلْ، إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ نَبِيًّا فَكَمَلَتْ أَيَّامُهُ وَاِنْقَضَتْ مُدَّتُهُ إِلَّا جَعَلْتُ لَهُ وَصِيًّا، وَإِنِّي فَضَّلْتُكَ عَلَى اَلْأَنْبِيَاءِ، وَفَضَّلْتُ وَصِيَّكَ عَلِيًّا عَلَى اَلْأَوْصِيَاءِ، وَأَكْرَمْتُكَ بِشِبْلَيْكَ بَعْدَهُ وَسِبْطَيْكَ اَلْحَسَنِ وَاَلْحُسَيْنِ، فَجَعَلْتُ حَسَناً مَعْدِنَ عِلْمِي بَعْدَ اِنْقِضَاءِ مُدَّةِ أَبِيهِ، وَجَعَلْتُ حُسَيْناً خَازِنَ عِلْمِي، وَأَكْرَمْتُهُ بِالشَّهَادَةِ، وَخَتَمْتُ لَهُ بِالسَّعَادَةِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مَنِ اُسْتُشْهِدَ، وَأَرْفَعُ اَلشُّهَدَاءِ دَرَجَةً، جَعَلْتُ كَلِمَتِيَ اَلتَّامَّةَ مَعَهُ، وَحُجَّتِيَ اَلْبَالِغَةَ عِنْدَهُ، بِعِتْرَتِهِ(٤٧٨) أُثِيبُ وَأُعَاقِبُ. أَوَّلُهُمْ عَلِيٌّ سَيِّدُ اَلْعَابِدِينَ، وَزَيْنُ أَوْلِيَاءِ اَلمَاضِينَ، وَاِبْنُهُ شَبِيهُ جَدِّهِ اَلمَحْمُودِ مُحَمَّدٌ اَلْبَاقِرُ، بَاقِرُ عِلْمِي، وَاَلمَعْدِنُ لِحِكْمَتِي، سَيَهْلِكُ اَلمُرْتَابُونَ فِي جَعْفَرٍ، اَلرَّادُّ عَلَيْهِ كَالرَّادِّ عَلَيَّ، حَقَّ اَلْقَوْلُ مِنِّي لَأُكْرِمَنَّ مَثْوَى جَعْفَرٍ، وَلَأَسُرَّنَّهُ فِي أَشْيَاعِهِ وَأَنْصَارِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، أُنْتِجَ(٤٧٩) بَعْدَهُ فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ حِنْدِسٌ(٤٨٠)، لِأَنَّ خَيْطَ فَرْضِي لَا يَنْقَطِعُ، وَحُجَّتِي لَا تَخْفَى، وَإِنَّ أَوْلِيَائِي لَا يَشْقَوْنَ، أَلَا وَمَنْ جَحَدَ وَاحِداً مِنْهُمْ فَقَدْ جَحَدَ نِعْمَتِي، وَمَنْ غَيَّرَ آيَةً مِنْ كِتَابِي فَقَدِ اِفْتَرَى عَلَيَّ، وَوَيْلٌ لِلْمُفْتَرِينَ اَلْجَاحِدِينَ عِنْدَ اِنْقِضَاءِ مُدَّةِ عَبْدِي مُوسَى وَحَبِيبِي وَخِيَرَتِي. إِنَّ اَلمُكَذِّبَ بِالثَّامِنِ مُكَذِّبٌ بِكُلِّ أَوْلِيَائِي، وَعَلِيٌّ وَلِيِّي وَنَاصِرِي، وَمَنْ أَضَعُ عَلَيْهِ أَعْبَاءَ اَلنُّبُوَّةِ، وَأُمَتِّعُهُ(٤٨١) بِالْاِضْطِلَاعِ بِهَا، يَقْتُلُهُ عِفْرِيتٌ مُسْتَكْبِرٌ، يُدْفَنُ فِي اَلمَدِينَةِ اَلَّتِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧٨) في بعض النُّسَخ: (بعزَّته).
(٤٧٩) في بعض النُّسَخ: (أفتح)، وفي الكافي والاختصاص والغيبة للنعماني وإعلام الورى: (أُتيحت)، وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام): (انتخبت)، وفي الاحتجاج: (أُتيح).
(٤٨٠) في لسان العرب (ج ٦/ ص ٥٨/ مادَّة حندس): (الحندس: الظلمة).
(٤٨١) في بعض النُّسَخ وعيون أخبار الرضا (عليه السلام): (أمنحه).

↑صفحة ١٨٠↑

بَنَاهَا اَلْعَبْدُ اَلصَّالِحُ إِلَى جَنْبِ شَرِّ خَلْقِي، حَقَّ اَلْقَوْلُ مِنِّي لَأُقِرَّنَّ عَيْنَيْهِ بِمُحَمَّدٍ اِبْنِهِ وَخَلِيفَتِهِ وَوَارِثِ عِلْمِهِ، فَهُوَ مَعْدِنُ عِلْمِي، وَمَوْضِعُ سِرِّي، وَحُجَّتِي عَلَى خَلْقِي، جَعَلْتُ اَلْجَنَّةَ مَثْوَاهُ، وَشَفَّعْتُهُ فِي سَبْعِينَ أَلْفٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلُّهُمْ قَدِ اِسْتَوْجَبُوا اَلنَّارَ، وَأَخْتِمُ بِالسَّعَادَةِ لاِبْنِهِ عَلِيٍّ، وَلِيِّي وَنَاصِرِي، وَاَلشَّاهِدِ فِي خَلْقِي، وَأَمِينِي عَلَى وَحْيِي، أُخْرِجُ مِنْهُ اَلدَّاعِيَ إِلَى سَبِيلي، وَاَلْخَازِنَ لِعِلْمِيَ اَلْحَسَنَ. ثُمَّ أُكْمِلُ ذَلِكَ بِابْنِهِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، عَلَيْهِ كَمَالُ مُوسَى، وَبَهَاءُ عِيسَى، وَصَبْرُ أَيُّوبَ، سَيَذِلُّ أَوْلِيَائِي فِي زَمَانِهِ، وَيُتَهَادَى رُؤُوسُهُمْ كَمَا يُتَهَادَى رُؤُوسُ اَلتُّرْكِ وَاَلدَّيْلَمِ، فَيُقْتَلُونَ وَيُحْرَقُونَ وَيَكُونُونَ خَائِفِينَ مَرْعُوبِينَ وَجِلِينَ، تُصْبَغُ اَلْأَرْضُ بِدِمَائِهِمْ، وَيَفْشُو اَلْوَيْلُ وَاَلرَّنَّةُ فِي نِسَائِهِمْ، أُولَئِكَ أَوْلِيَائِي حَقًّا، بِهِمْ أَدْفَعُ كُلَّ فِتْنَةٍ عَمْيَاءَ حِنْدِسٍ، وَبِهِمْ أَكْشِفُ اَلزَّلَازِلَ، وَأَرْفَعُ اَلآصَارَ وَاَلْأَغْلَالَ، ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]».
قَالَ عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بْنُ سَالِمٍ: قَالَ لِي أَبُو بَصِيرٍ: لَوْ لَمْ تَسْمَعْ فِي دَهْرِكَ إِلَّا هَذَا اَلْحَدِيثَ لَكَفَاكَ، فَصُنْهُ إِلَّا عَنْ أَهْلِهِ(٤٨٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨٢) رواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥٢٧ و٥٢٨/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ٣) باختلاف، والخصيبي (رحمه الله) في الهداية الكبرى (ص ٣٦٤ - ٣٦٦) بإسناده عن أبي بصير باختلاف، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ١٦٨ - ١٧٠) عن جابر بن عبد الله الأنصاري باختلاف، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٦٩ - ٧٢/ باب ٤/ ح ٥) بأسانيد مختلفة عن بكر بن صالح باختلاف يسير، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٠٨ - ٣١١/ باب ٢٨/ ح ١)، وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٤٨ - ٥٠/ باب ٦/ ح ٢)، والمفيد (رحمه الله) في الاختصاص (ص ٢١٠ - ٢١٢) باختلاف، وأبو الصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٢١ و٤٢٢)، والكراجكي (رحمه الله) في الاستنصار (ص ١٨ و١٩) عن المفيد بإسناده عن صالح بن أبي حمَّاد مختصراً، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ١٧٤ - ١٧٧)، وابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ١/ ص ٢٥٥ و٢٥٦)، وأحمد بن عليٍّ الطبرسي (رحمه الله) في الاحتجاج (ج ١/ ص ٨٤ - ٨٧) باختلاف، وابن شاذان (رحمه الله) في الفضائل (ص ١١٣ و١١٤) مرفوعاً عن أبي بصير صدره باختلاف، والشعيري (رحمه الله) في جامع الأخبار (ص ٦٢ - ٦٦/ ح ٨٢/٩) نقلاً عن ابن بابويه، والديلمي (رحمه الله) في إرشاد القلوب (ج ٢/ ص ٢٩٠ - ٢٩٢) باختلاف، والبرسي (رحمه الله) في مشارق أنوار اليقين (ص ١٥٩ و١٦٠) مختصراً، والجويني في فرائد السمطين (ج ٢/ ص ١٣٦ - ١٣٩/ ح ٤٣٢) بإسناده عن الصدوق.
قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٣٦/ ص ١٩٨ - ٢٠٠): (الرقُّ - بالفتح والكسر -: الجلد الرقيق الذي يُكتَب فيه...، والسفير: الرسول المصلح بين القوم، وأُطلق الحجاب عليه لأنَّه واسطة بين الله وبين الخلق كالحجاب الواسطة بين المحجوب والمحجوب عنه، أو لأنَّ له وجهين: وجهاً إلى الله، ووجهاً إلى الخلق. والمراد بالأسماء إمَّا أسماء ذاته المقدَّسة أو الأئمَّة (عليهم السلام)...، والنعماء مفرد بمعنى النعمة العظيمة، وهي النبوَّة وما يلزمها ويلحقها. وبالآلاء سائر النِّعَم والأوصياء (عليهم السلام)...، والإدالة: إعطاء الدولة والغلبة. والمظلومون: الأئمَّة وشيعتهم الذين ينصرهم الله في آخر الزمان. وديان الدِّين أي المجازي لكلِّ مكلَّف ما عمل من خير وشرٍّ يوم الدِّين. وفي القاموس: الدِّين - بالكسر -: الجزاء والإسلام والعبادة والطاعة والحساب والقهر والسلطان والحكم والقضاء، والديَّان: القهَّار والقاضي والحاكم والحاسب والمجازي. (فمن رجا غير فضلي): كأنَّ المعنى أنَّ كلَّ ما يرجوه العباد من ربِّهم فليس جزاء لأعمالهم بحيث يجب على الله ذلك، بل هو من فضله سبحانه، وأعمالهم لا تكافئ عشراً من أعشار ما أنعم عليهم قبلها، بل هي أيضاً من نِعَمه تعالى، وإنْ لزم عليه سبحانه إعطاء الثواب بمقتضى وعده، فبعده أيضاً من فضله. وذهب الأكثر إلى أنَّ المعنى: رجا فضل غيري، ولا يخفى بعده لفظاً ومعنًى، ويُؤيِّد ما ذكرنا قوله: (أو خاف غير عدلي) إذ العقوبات التي يخافها العباد إنَّما هي من عدله، وإنَّ من اعتقد أنَّها ظلم فقد كفر. (عذَّبته عذاباً): أي تعذيباً، ويجوز أنْ يُجعَل مفعولاً به على السعة. (لا أُعذِّبه) الضمير للمصدر، أو للعذاب إنْ أُريد به ما يُعذَّب به على حذف حرف الجرِّ كما ذكره البيضاوي. (بشبليك): أي ولديك تشبيهاً لهما بولد الأسد في الشجاعة، أو له (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالأسد فيها، أو الأعمّ، أو المعنى: ولدي أسدك، تشبيهاً لأمير المؤمنين (عليه السلام) بالأسد. وفي القاموس: الشبل - بالكسر -: ولد الأسد).

↑صفحة ١٨١↑

١٠٩ - وَأَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ، عَنِ اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ اَلرَّازِيِّ اَلْإِيَادِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي اَلْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سِنَانٍ اَلمَوْصِلِيِّ اَلْعَدْلِ، عَنْ

↑صفحة ١٨٢↑

أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلْخَلِيليِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ اَلْهَمْدَانِيِّ(٤٨٣)، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ زِيَادِ(٤٨٤) بْنِ مُسْلِمٍ وَعَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ(٤٨٥)، عَنْ سَلَّامٍ(٤٨٦)، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلْمَى(٤٨٧) رَاعِيَ اَلنَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ: «سَمِعْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إِلَى اَلسَّمَاءِ، قَالَ اَلْعَزِيزُ (جَلَّ ثَنَاؤُهُ): ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾.
قُلْتُ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
قَالَ: صَدَقْتَ. يَا مُحَمَّدُ، مَنْ خَلَّفْتَ لِأُمَّتِكَ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨٣) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٠٢/ الرقم ٥٩٠٠/١٨) من أصحاب العسكري (عليه السلام)، قائلاً: (محمّد بن صالح بن محمّد الهمداني، وكيل، الدهقان).
وقال الكشِّي (رحمه الله) في رجاله (ج ٢/ ص ٨٤٧/ ضمن الحديث ١٠٨٨) في ترجمة إسحاق بن إسماعيل: (خرج لإسحاق بن إسماعيل من أبي محمّد (عليه السلام) توقيع، وفيه: «فإذا وردت بغداد فاقرأه على الدهقان، وكيلنا وثقتنا والذي يقبض من موالينا»).
(٤٨٤) في بعض النُّسَخ: (الذمال)، وفي بعضها: (الذبال)، وفي مقتضب الأثر: (الريَّان)، وكلُّها تصحيف. وما أثبتناه من المائة منقبة، ومقتل الخوارزمي، وفرائد السمطين، والطرائف.
قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ١٧١ و١٧٢/ الرقم ٤٥٢): (زياد بن أبي غياث، واسم أبي غياث مسلم، مولى آل دغش، روى عن أبي عبد الله (عليه السلام)، ذكره ابن عقدة وابن نوح، ثقة سليم).
وعدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٠٨/ الرقم ٢٦٨٧/٣٣) من أصحاب الصادق (عليه السلام)، قائلاً: (زياد بن مسلم، أبو عتاب الكوفي).
(٤٨٥) هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي، أبو عتبة، الشامي الداراني، ثقة، مات سنة (١٥٤هـ) وهو ابن بضع وثمانين سنة، تُرجِم له في: تقريب التهذيب (ج ١/ ص ٥٩٥/ الرقم ٤٠٥٥)، وطبقات ابن سعد (ج ٧/ ص ٤٦٦)، وغيرهما من كُتُب الرجال.
(٤٨٦) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ١٨٩/ الرقم ٥٠٢): (سلَّام بن أبي عمرة الخراساني، ثقة، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام)، سكن الكوفة، له كتاب).
وعدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٢١٨/ الرقم ٢٨٩١/١٢٩) من أصحاب الصادق (عليه السلام).
(٤٨٧) يقال: اسمه حريث، كوفي، وقيل: شامي، وهو خادم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
راجع: أُسد الغابة (ج ١/ ص ٧٦)، والإصابة (ج ١/ ص ٣٦٩/ الرقم ٥٢٥).

↑صفحة ١٨٣↑

قُلْتُ: خَيْرَهَا.
قَالَ: عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)؟
قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ.
قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي اِطَّلَعْتُ عَلَى اَلْأَرْضِ اِطِّلَاعَةً فَاخْتَرْتُكَ مِنْهَا، فَشَقَقْتُ لَكَ اِسْماً مِنْ أَسْمَائِي، فَلَا أُذْكَرُ فِي مَوْضِعٍ إِلَّا وَذُكِرْتَ مَعِي، فَأَنَا اَلمَحْمُودُ وَأَنْتَ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ اِطَّلَعْتُ اَلثَّانِيَةَ فَاخْتَرْتُ مِنْهَا عَلِيًّا، وَشَقَقْتُ لَهُ اِسْماً مِنْ أَسْمَائِي، فَأَنَا اَلْأَعْلَى وَهُوَ عَلِيٌّ. يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي خَلَقْتُكَ وَخَلَقْتُ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَاَلْحَسَنَ وَاَلْحُسَيْنَ مِنْ شَبَحِ نُورٍ مِنْ نُورِي(٤٨٨)، وَعَرَضْتُ وَلَايَتَكُمْ عَلَى أَهْلِ اَلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرَضِينَ، فَمَنْ قَبِلَهَا كَانَ عِنْدِي مِنَ اَلمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ جَحَدَهَا كَانَ عِنْدِي مِنَ اَلْكَافِرِينَ. يَا مُحَمَّدُ، لَوْ أَنَّ عَبْداً مِنْ عِبَادِي عَبَدَنِي حَتَّى يَنْقَطِعَ وَيَصِيرَ مِثْلَ اَلشَّنِّ اَلْبَالِي، ثُمَّ أَتَانِي جَاحِداً بِوَلَايَتِكُمْ مَا غَفَرْتُ لَهُ حَتَّى يُقِرَّ بِوَلَايَتِكُمْ. يَا مُحَمَّدُ، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهُمْ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ.
فَقَالَ: اِلْتَفِتْ عَنْ يَمِينِ اَلْعَرْشِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَاَلْحَسَنِ وَاَلْحُسَيْنِ وَعَلِيٍّ وَمُحَمَّدٍ وَجَعْفَرٍ وَمُوسَى وَعَلِيٍّ وَمُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ وَاَلْحَسَنِ وَاَلمَهْدِيِّ (عليهم السلام) فِي ضَحْضَاحٍ(٤٨٩) مِنْ نُورٍ، قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَاَلمَهْدِيُّ فِي وَسْطِهُمْ كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَؤُلَاءِ اَلْحُجَجُ، وَهَذَا اَلثَّائِرُ مِنْ عِتْرَتِكَ. يَا مُحَمَّدُ، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي إِنَّهُ اَلْحُجَّةُ اَلْوَاجِبَةُ لِأَوْلِيَائِي، وَاَلمُنْتَقِمُ مِنْ أَعْدَائِي»(٤٩٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨٨) في المائة منقبة: (من سنخ نوري)؛ وسنخ الشيء: أصله.
(٤٨٩) في لسان العرب (ج ٢/ ص ٥٢٤/ مادَّة ضحح): (الضحضاح: [ما] ينتشر على وجه الأرض).
(٤٩٠) رواه فرات الكوفي (رحمه الله) في تفسيره (ص ٧٤ و٧٥/ ح ٤٨/٢٣) بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وابن عيَّاش (رحمه الله) في مقتضب الأثر (ص ١٠ و١١)، ومحمّد بن أحمد القمِّي (رحمه الله) في مائة منقبة (ص ٣٧ - ٤٠/ المنقبة ١٧) بإسناده عن عليِّ بن سنان الموصلي باختلاف، وابن طاوس (رحمه الله) في الطرائف (ص ١٧٢ و١٧٣/ ح ٢٧٠)، والأسترآبادي (رحمه الله) في تأويل الآيات الظاهرة (ج ١/ ص ٩٨ و٩٩/ ح ٩٠) بإسناده عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، والخوارزمي في مقتل الحسين (عليه السلام) (ج ١/ ص ١٤٦ و١٤٧/ ح ٢٣)، والجويني في فرائد السمطين (ج ٢/ ص ٣١٩ و٣٢٠/ ح ٥٧١)، والقندوزي في ينابيع المودَّة (ج ٣/ ص ٣٨٠ و٣٨١/ ح ٢).

↑صفحة ١٨٤↑

١١٠ - وَرَوَى جَابِرٌ اَلْجُعْفِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنْ تَأْوِيلِ قَوْلِ اَلله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]، قَالَ: فَتَنَفَّسَ سَيِّدِي اَلصُّعَدَاءَ، ثُمَّ قَالَ: «يَا جَابِرُ، أَمَّا السَّنَةُ فَهِيَ جَدِّي رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَشُهُورُهَا اِثْنَا عَشَرَ شَهْراً، فَهُوَ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (وَ)(٤٩١) إلَيَّ، وَإِلَى اِبْنِي جَعْفَرٍ، وَاِبْنِهِ مُوسَى، وَاِبْنِهِ عَلِيٍّ، وَاِبْنِهِ مُحَمَّدٍ، وَاِبْنِهِ عَلِيٍّ، وَإِلَى اِبْنِهِ اَلْحَسَنِ، وَإِلَى اِبْنِهِ مُحَمَّدٍ اَلْهَادِي اَلمَهْدِيِّ، اِثْنَا عَشَرَ إِمَاماً، حُجَجُ اَلله فِي خَلْقِهِ، وَأُمَنَاؤُهُ عَلَى وَحْيِهِ وَعِلْمِهِ. وَاَلْأَرْبَعَةُ اَلْحُرُمُ اَلَّذِينَ هُمُ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ أَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ يَخْرُجُونَ بِاسْمٍ وَاحِدٍ: عَلِيٌّ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ، وَأَبِي عَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ، وَعَلِيُّ بْنُ مُوسَى، وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام)، فَالْإِقْرَارُ بِهَؤُلَاءِ هُوَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ، ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ قُولُوا بِهِمْ جَمِيعاً تَهْتَدُوا»(٤٩٢).
١١١ - أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سُفْيَانَ اَلْبَزَوْفَرِيِّ(٤٩٣)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سِنَانٍ اَلمَوْصِلِيِّ اَلْعَدْلِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْخَلِيلِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ اَلْمِصْرِيِّ(٤٩٤)، عَنْ عَمِّهِ اَلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩١) ليس في بعض النُّسَخ.
(٤٩٢) رواه ابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ١/ ص ٢٤٤) مختصراً.
(٤٩٣) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٦٨/ الرقم ١٦٢): (الحسين بن عليِّ بن سفيان بن خالد بن سفيان، أبو عبد الله البزوفري، شيخ، ثقة، جليل من أصحابنا).
(٤٩٤) هو جعفر بن أحمد بن عليِّ بن بيان بن زيد بن سيابة، أبو الفضل الغافقي المصري، ويُعرَف بابن أبي العلاء، مات سنة (٣٠٤هـ)، وكان رافضيًّا. راجع: لسان الميزان (ج ٢/ ص ١٠٨/ الرقم ٤٤٢).

↑صفحة ١٨٥↑

أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ اَلْبَاقِرِ، عَنْ أَبِيهِ ذِي اَلثَّفِنَاتِ(٤٩٥) سَيِّدِ اَلْعَابِدِينَ، عَنْ أَبِيهِ اَلْحُسَيْنِ اَلزَّكِيِّ اَلشَّهِيدِ، عَنْ أَبِيهِ أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - فِي اَللَّيْلَةِ اَلَّتِي كَانَتْ فِيهَا وَفَاتُهُ - لِعَلِيٍّ (عليه السلام): «يَا أَبَا اَلْحَسَنِ، أَحْضِرْ صَحِيفَةً وَدَوَاةً»، فَأَمْلَأَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَصِيَّتَهُ حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى هَذَا اَلمَوْضِعِ، فَقَالَ: «يَا عَلِيُّ، إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي اِثْنَا عَشَرَ إِمَاماً، وَمِنْ بَعْدِهِمْ اِثْنَا عَشَرَ مَهْدِيًّا، فَأَنْتَ يَا عَلِيُّ أَوَّلُ اَلْاِثْنَيْ عَشَرَ إِمَاماً، سَمَّاكَ اَللهُ تَعَالَى فِي سَمَائِهِ: عَلِيًّا اَلمُرْتَضَى، وَأَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ، وَاَلصِّدِّيقَ اَلْأَكْبَرَ، وَاَلْفَارُوقَ اَلْأَعْظَمَ، وَاَلمَأْمُونَ، وَاَلمَهْدِيَّ، فَلَا تَصِحُّ هَذِهِ اَلْأَسْمَاءُ لِأَحَدٍ غَيْرِكَ. يَا عَلِيُّ، أَنْتَ وَصِيِّي عَلَى أَهْلِ بَيْتِي حَيِّهِمْ وَمَيِّتِهِمْ، وَعَلَى نِسَائِي، فَمَنْ ثَبَّتَّهَا لَقِيَتْنِي غَداً، وَمَنْ طَلَّقْتَهَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهَا، لَمْ تَرَنِي(٤٩٦) وَلَمْ أَرَهَا فِي عَرْصَةِ اَلْقِيَامَةِ، وَأَنْتَ خَلِيفَتِي عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي، فَإِذَا حَضَرَتْكَ اَلْوَفَاةُ فَسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِيَ اَلْحَسَنِ اَلْبَرِّ اَلْوَصُولِ(٤٩٧)، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِيَ اَلْحُسَيْنِ اَلشَّهِيدِ اَلزَّكِيِّ اَلمَقْتُولِ، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ سَيِّدِ اَلْعَابِدِينَ ذِي اَلثَّفِنَاتِ عَلِيٍّ، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ مُحَمَّدٍ اَلْبَاقِرِ(٤٩٨)، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ جَعْفَرٍ اَلصَّادِقِ، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ مُوسَى اَلْكَاظِمِ، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ عَلِيٍّ اَلرِّضَا، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ مُحَمَّدٍ اَلثِّقَةِ اَلتَّقِيِّ، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ عَلِيٍّ اَلنَّاصِحِ، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩٥) في بحار الأنوار (ج ٣٦/ هامش ص ٢٦٠): (الثفنة من البعير ما يقع على الأرض من أعضائه إذا استناخ وغلظ كالركبتين. ولعلَّ وجه إطلاق (ذو الثفنات) على السجَّاد (عليه السلام) كثرة سجوده بحيث صار مواضع سجوده ذا ثفنة).
(٤٩٦) في بعض النُّسَخ: (لم ترثني).
(٤٩٧) الوصول: كثير الإعطاء.
(٤٩٨) في بعض النُّسَخ: (باقر العلم).

↑صفحة ١٨٦↑

اَلْحَسَنِ اَلْفَاضِلِ، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ مُحَمَّدٍ اَلمُسْتَحْفَظِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام)، فَذَلِكَ اِثْنَا عَشَرَ إِمَاماً، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِهِ اِثْنَا عَشَرَ مَهْدِيًّا، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ أَوَّلِ اَلمُقَرَّبِينَ، لَهُ ثَلَاثَةُ أَسَامِيَ: اِسْمٌ كَاسْمِي وَاِسْمِ أَبِي وَهُوَ عَبْدُ اَلله، وَأَحْمَدُ، وَاَلْاِسْمُ اَلثَّالِثُ اَلمَهْدِيُّ، هُوَ أَوَّلُ اَلمُؤْمِنِينَ»(٤٩٩).
١١٢ - وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ اَلْأَشْعَرِيِّ، عَنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اَلله، عَنِ اَلْحَسَنِ بْنِ مُوسَى اَلْخَشَّابِ، عَنِ اَلْحَسَنِ بْنِ سَمَاعَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ اَلْحَسَنِ بْنِ رِبَاطٍ، عَنِ اِبْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «اَلْاِثْنَا عَشَرَ اَلْإِمَامَ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ كُلُّهُمْ مُحَدَّثٌ [مِنْ](٥٠٠) وُلْدِ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَوُلْدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، فَرَسُولُ اَلله وَعَلِيٌّ (عليهما السلام) هُمَا اَلْوَالِدَانِ»(٥٠١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩٩) سند هذه الرواية في غاية الضعف، لاشتماله على عدَّة مجاهيل وضعفاء، فإنَّ (عليَّ بن سنان الموصلي العدل) و(أحمد بن محمّد بن الخليل) و(جعفر بن أحمد المصري) و(عمَّه الحسن بن عليٍّ، عن أبيه) كلُّهم مجاهيل، فلا تصلح رواية وردوا في طريقها للاستدلال.
اُنظر: الردُّ القاصم لدعوة المفتري على الإمام القائم للشيخ عليٍّ آل محسن (ص ٢٨ - ٣٤).
ولو تنزَّلنا، فهي لا تدلُّ على أكثر من أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يُسلِّم الأمر إلى ولده عند قرب وفاته، ممَّا يعني أنَّها لو صحَّت فهي متعلِّقة بما بعد ظهوره (عجَّل الله فرجه) لا في زمن الغيبة، هذا فضلاً عن معارضتها بالروايات الدالَّة على أنَّ الذي يحكم الأرض بعده (عجَّل الله فرجه) هو الإمام الحسين (عليه السلام).
(٥٠٠) ما أثبتناه من الكافي وبعض النُّسَخ، وفي بعضها: (هم المحدَّثون)، وفي بعضها: (هم محدَّثون).
(٥٠١) رواه الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ٣٤٠/ ج ٧/ باب ٥/ ح ٥)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥٣٣/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ١٤)، وفي (ص ٥٣١/ ح ٧) باختلاف، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٧) بإسناده عن الكليني باختلاف يسير، وأبو الصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٢٥) عن زرارة باختلاف يسير، والكراجكي (رحمه الله) في الاستنصار (ص ١٦ و١٧) عن المفيد (رحمه الله)، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ١٧١) عن محمّد بن يعقوب، وابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ١/ ص ٢٥٦) عن ابن أُذينة مختصراً.
قال المولى المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج ٧/ ص ٣٧٠ و٣٧١): (قوله: (كلُّهم محدَّث) مبتدأ وخبر، وإفراد الخبر باعتبار لفظ الكلِّ. وقوله: (من ولد رسول الله ومن ولد علىٍّ) خبر بعد خبر على الظاهر. وهذا الحكم باعتبار الأكثر، والقرينة علم المخاطب به. وقوله: (ورسول الله وعليٌّ هما الوالدان) وكما أنَّهما والدان للأئمَّة صورةً ومعنًى، كذلك هما والدان للأُمَّة معنًى حيث إنَّهما ولدا العلم وورثا الحكمة).

↑صفحة ١٨٧↑

١١٣ - وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ [بْنِ] اَلْحُسَيْنِ(٥٠٢)، عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام). وَمُحَمَّدِ بْنِ اَلْحُسَيْنِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى اَلمَدَنِيِّ(٥٠٣)، عَنْ أَبِي هَارُونَ اَلْعَبْدِيِّ(٥٠٤)، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنْتُ حَاضِراً لَـمَّا هَلَكَ أَبُو بَكْرٍ وَاِسْتَخْلَفَ عُمَرَ أَقْبَلَ يَهُودِيٌّ مِنْ عُظَمَاءِ يَثْرِبَ يَزْعُمُ يَهُودُ اَلمَدِينَةِ أَنَّهُ أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ حَتَّى رُفِعَ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ: يَا عُمَرُ، إِنِّي جِئْتُكَ أُرِيدُ اَلْإِسْلَامَ، فَإِنْ خَبَّرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ فَأَنْتَ أَعْلَمُ أَصْحَابِ هَذَا اَلْكِتَابِ وَاَلسُّنَّةِ وَجَمِيعِ مَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ.
قَالَ: فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكَ، لَكِنِّي أُرْشِدُكَ إِلَى مَنْ هُوَ أَعْلَمُ أُمَّتِنَا بِالْكِتَابِ وَاَلسُّنَّةِ وَجَمِيعِ مَا قَدْ تَسْأَلُ عَنْهُ، وَهُوَ ذَاكَ - وَأَوْمَأَ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) -.
فَقَالَ لَهُ اَلْيَهُودِيُّ: يَا عُمَرُ، إِنْ كَانَ هَذَا كَمَا تَقُولُ فَمَا لَكَ وَبِيعَةَ(٥٠٥) اَلنَّاسِ، وَإِنَّمَا ذَاكَ أَعْلَمُكُمْ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠٢) هو محمّد بن الحسين بن أبي الخطَّاب، أبو جعفر الزيَّات الهمداني، الذي قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٣٤/ الرقم ٨٩٧): (جليل من أصحابنا، عظيم القدر، كثير الرواية، ثقة، عين).
(٥٠٣) هو إبراهيم بن محمّد بن أبي يحيى المدني، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام)، وكان خصِّيصاً بهما، والعامَّة - بهذه العلَّة - تُضعِّفه.
راجع: رجال النجاشي (ص ١٤/ الرقم ١٢)، ورجال الطوسي (ص ١٥٦/ الرقم ١٧٢٠/٢٤)، والفهرست (ص ٣٤/ الرقم ١/١).
(٥٠٤) هو عمارة بن جوين، قال الذهبي في ميزان الاعتدال (ج ٣/ ص ١٧٣/ الرقم ٦٠١٨): (تابعي ليِّن بمرَّة...)، إلى أنْ قال: (وقال الدارقطني: متلوِّن، خارجي وشيعي، مات سنة (١٣٤هـ)).
(٥٠٥) في بعض النُّسَخ: (لبيعة).

↑صفحة ١٨٨↑

فَزَبَرَهُ(٥٠٦) عُمَرُ.
ثُمَّ إِنَّ اَلْيَهُودِيَّ قَامَ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَقَالَ: أَنْتَ كَمَا ذَكَرَ عُمَرُ؟
فَقَالَ: «وَمَا قَالَ عُمَرُ؟».
فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: فَإِنْ كُنْتَ كَمَا قَالَ عُمَرُ سَأَلْتُكَ عَنْ أَشْيَاءَ أُرِيدُ أَنْ أَعْلَمَ هَلْ يَعْلَمُهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ فَأَعْلَمَ أَنَّكُمْ فِي دَعْوَاكُمْ خَيْرُ اَلْأُمَمِ وَأَعْلَمُهَا صَادِقُونَ؟ وَمَعَ ذَلِكَ أَدْخُلُ فِي دِينِكُمُ اَلْإِسْلَامِ.
فَقَالَ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ (عليه السلام): «نَعَمْ، أَنَا كَمَا ذَكَرَ لَكَ عُمَرُ، سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ أُخْبِرْكَ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اَللهُ تَعَالَى».
قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثَةٍ وَوَاحِدَةٍ.
قَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام): «يَا يَهُودِيٌّ، لِمَ لَمْ تَقُلْ: أَخْبِرْنِي عَنْ سَبْعٍ؟».
فَقَالَ اَلْيَهُودِيُّ: إِنَّكَ إِنْ أَخْبَرْتَنِي بِالثَّلَاثِ سَأَلْتُكَ عَنِ اَلثَّلَاثِ وَإِلَّا كَفَفْتُ، وَإِنْ أَجَبْتَنِي فِي هَذِهِ اَلسَّبْعِ فَأَنْتَ أَعْلَمُ أَهْلِ اَلْأَرْضِ وَأَفْضَلُهُمْ وَأَوْلَى اَلنَّاسِ بِالنَّاسِ.
فَقَالَ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ يَا يَهُودِيُّ».
قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ أَوَّلِ حَجَرٍ وُضِعَ عَلَى وَجْهِ اَلْأَرْضِ، وَأَوَّلِ شَجَرَةٍ غُرِسَتْ عَلَى وَجْهِ اَلْأَرْضِ، وَأَوَّلِ عَيْنٍ نَبَعَتْ عَلَى وَجْهِ اَلْأَرْضِ، فَأَخْبَرَهُ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام).
ثُمَّ قَالَ لَهُ اَلْيَهُودِيُّ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ كَمْ لَهَا مِنْ إِمَامِ هُدًى؟ وَأَخْبِرْنِي عَنْ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ أَيْنَ مَنْزِلُهُ فِي اَلْجَنَّةِ؟ وَأَخْبِرْنِي مَنْ مَعَهُ فِي اَلْجَنَّةِ؟
فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): «إِنَّ لِهَذِهِ اَلْأُمَّةِ اِثْنَيْ عَشَرَ إِمَامَ هُدًى مِنْ ذُرِّيَّةِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠٦) في الصحاح للجوهري (ج ٢/ ص ٦٦٧/ مادَّة زبر): (الزبر - بالفتح -: الزجر والمنع، يقال: زبره يزبره بالضمِّ زبراً، إذا انتهره).

↑صفحة ١٨٩↑

نَبِيِّهَا، وَهُمْ مِنِّي. وَأَمَّا مَنْزِلُ نَبِيِّنَا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي اَلْجَنَّةِ فَهُوَ أَفْضَلُهَا وَأَشْرَفُهَا جَنَّةُ عَدْنٍ. وَأَمَّا مَنْ مَعَهُ فِي مَنْزِلِهِ مِنْهَا فَهَؤُلَاءِ اَلْاِثْنَا عَشَرَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَأُمُّهُمْ وَجَدَّتُهُمْ - أُمُّ أُمِّهِمْ - وَذَرَارِيُّهُمْ، لَا يَشْرَكُهُمْ فِيهَا أَحَدٌ»(٥٠٧)،(٥٠٨).
١١٤ - وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠٧) رواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥٣١ و٥٣٢/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ٨)، والصدوق (رحمه الله) مفصَّلاً باختلاف في كمال الدِّين (ص ٢٩٤ - ٢٩٦/ باب ٢٦/ ح ٣، وص ٣٠٠ - ٣٠٢/ باب ٢٦/ ح ٨)، وفي الخصال (ص ٤٧٦ و٤٧٧/ ح ٤٠)، وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٥٦ - و٥٧/ باب ٦/ ح ١٩)، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ١٦٦ - ١٦٨) عن محمّد بن يعقوب.
(٥٠٨) قال المولى المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج ٧/ ص ٣٧٢ و٣٧٣): (قوله: (قال: لـمَّا هلك أبو بكر) لا حاجة إلى (قال)، فكأنَّه للتأكيد، أو عطف على (قال) بحذف العاطف، ونظير ذلك كثير. قوله: (يهود يثرب) يثرب اسم للمدينة، قال الآبي: روي أنَّ لها في التوراة أحد عشر اسماً: المدينة، وطابة، وطيبة، والسكينة، وجابرة، والمحفَّة، والمحبوبة، والقاصدة، والمجبورة، والعذراء، والمرحومة. وقال السهيلي: إنَّما سُمّيت يثرب باسم رجل من العمالقة، وهو أوَّل من نزلها منهم، وهو يثرب بن قابد بن عقيل بن هلايل بن عوض بن عملاق بن ولاد بن إرم بن سام بن نوح (عليه السلام)، ولـمَّا دخلها النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كره لها هذا الاسم لما فيه من لفظ التثريب، وسمَّاها طيبة، وطابة، والمدينة. فإنْ قيل: قد سمَّاها الله تعالى به في القرآن، فالجواب: إنَّما سمَّاها به حاكياً ذلك عن المنافقين في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ...﴾ الآية [الأحزاب: ١٣]، فنبَّه بما حكى عنهم أنَّهم رغبوا عمَّا سمَّاها الله تعالى ورسوله، وأبوا إلَّا ما كانوا عليه في الجاهليَّة، والله سبحانه وتعالى قد سمَّاها المدينة في قوله تعالى: ﴿لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وقال القرطبي: كره (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اسمها يثرب لما فيه من الثراب، وكانت الجاهليَّة تُسمّيها بذلك باسم موضع منها كان اسمها يثرب. قوله: (لست هناك) أي لست في هذه المرتبة التي ذكرتها. قوله: (أُريد أنْ أعلم هل يعلمه أحد منكم) أشار بذلك إلى أنَّه كان عالماً بهذه الأشياء وإنَّما يسألها للامتحان والاختبار ليعلم ثبوت هذه الشريعة وحقيقتها...، قوله: (من ذرّيَّة نبيِّها) هذا باعتبار الأكثريَّة في التغليب، وكذا في قوله: (من ذرّيَّته). قوله: (وأُمُّهم وجدَّتهم) لعلَّ المراد بأُمِّهم فاطمة (عليها السلام)، وبجدَّتهم خديجة (عليها السلام) دون جميع الأُمَّهات والجدَّات وإنِ احتُمِلَ).

↑صفحة ١٩٠↑

أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلْبَرْقِيِّ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ دَاوُدَ بْنِ اَلْقَاسِمِ اَلْجَعْفَرِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ اَلثَّانِي (عليه السلام)، قَالَ: «أَقْبَلَ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَمَعَهُ اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام) وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى يَدِ سَلْمَانَ، فَدَخَلَ اَلمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ حَسَنُ اَلْهَيْأَةِ وَاَللِّبَاسِ، فَسَلَّمَ عَلَى أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَرَدَّ عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ، فَجَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ، أَسْأَلُكَ عَنْ ثَلَاثِ مَسَائِلَ إِنْ أَخْبَرْتَنِي بِهِنَّ عَلِمْتُ أَنَّ اَلْقَوْمَ قَدْ رَكِبُوا مِنْ أَمْرِكَ مَا قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ لَيْسُوا بِمَأْمُونِينَ فِي دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ، وَإِنْ تَكُنِ اَلْأُخْرَى عَلِمْتُ أَنَّكَ وَهُمْ شَرَعٌ سَوَاءٌ.
فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ.
قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ اَلرَّجُلِ إِذَا نَامَ أَيْنَ تَذْهَبُ رُوحُهُ؟ وَعَنِ اَلرَّجُلِ كَيْفَ يَذْكُرُ وَيَنْسَى؟ وَعَنِ اَلرَّجُلِ يُشْبِهُ وَلَدُهُ اَلْأَعْمَامَ وَاَلْأَخْوَالَ.
فَالْتَفَتَ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِلَى اَلْحَسَنِ (عليه السلام)، فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَجِبْهُ، فَأَجَابَهُ اَلْحَسَنُ (عليه السلام).
فَقَالَ اَلرَّجُلُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللهُ، وَلَمْ أَزَلْ أَشْهَدُ بِهَا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اَلله، وَلَمْ أَزَلْ أَشْهَدُ بِذَلِكَ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ وَصِيُّ رَسُولِ اَلله، وَاَلْقَائِمُ بِحُجَّتِهِ - وَأَشَارَ إِلَى أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) -، وَلَمْ أَزَلْ أَشْهَدُ بِهَا، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ وَصِيُّهُ وَاَلْقَائِمُ بِحُجَّتِهِ - وَأَشَارَ إِلَى اَلْحَسَنِ -، وَأَشْهَدُ أَنَّ اَلْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ وَصِيُّ أَبِيهِ وَاَلْقَائِمُ بِحُجَّتِهِ بَعْدَكَ، وَأَشْهَدُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ أَنَّهُ اَلْقَائِمُ بِأَمْرِ اَلْحُسَيْنِ بَعْدَهُ، وَأَشْهَدُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ اَلْقَائِمُ بِأَمْرِ عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ، وَأَشْهَدُ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ اَلْقَائِمُ بِأَمْرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَشْهَدُ عَلَى مُوسَى أَنَّهُ اَلْقَائِمُ بِأَمْرِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَشْهَدُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى أَنَّهُ اَلْقَائِمُ بِأَمْرِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَأَشْهَدُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ اَلْقَائِمُ بِأَمْرِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى، وَأَشْهَدُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ بِأَنَّهُ اَلْقَائِمُ بِأَمْرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَشْهَدُ عَلَى اَلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بِأَنَّهُ اَلْقَائِمُ بِأَمْرِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَشْهَدُ

↑صفحة ١٩١↑

عَلَى رَجُلٍ مِنْ وُلْدِ اَلْحَسَنِ لَا يُكَنَّى وَلَا يُسَمَّى حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرُهُ فَيَمْلَأَهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً، وَاَلسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ اَلله وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ قَامَ فَمَضَى.
فَقَالَ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، اِتَّبِعْهُ اُنْظُرْ أَيْنَ يَقْصِدُ؟
فَخَرَجَ اَلْحَسَنُ (عليه السلام)، فَقَالَ (لَهُ)(٥٠٩): مَا كَانَ إِلَّا أَنْ وَضَعَ رِجْلَهُ خَارِجاً مِنَ اَلمَسْجِدِ فَمَا دَرَيْتُ أَيْنَ أَخَذَ مِنْ أَرْضِ اَلله، فَرَجَعْتُ إِلَى أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَأَعْلَمْتُهُ.
فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَتَعْرِفُهُ؟
فَقُلْتُ: اَللهُ وَرَسُولُهُ وَأَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ.
فَقَالَ (عليه السلام): هُوَ اَلْخَضِرُ (عليه السلام)»(٥١٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠٩) ليس في بعض النُّسَخ.
(٥١٠) الكافي (ج ١/ ٥٢٥ و٥٢٦/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ١)؛ ورواه البرقي (رحمه الله) في المحاسن (ج ٢/ ص ٣٣٢ و٣٣٣/ ح ٩٩) مختصراً باختلاف، والقمِّي (رحمه الله) في تفسيره (ج ٢/ ص ٤٤ و٤٥) مرسَلاً باختلاف، وفي (ص ٢٤٩ و٢٥٠) عن أبيه، عن أبي هاشم مختصراً، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ١٦٠ - ١٦٢) مرسَلاً عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٦٦ - ٦٨/ باب ٤/ ح ٢) بإسناده عن أحمد بن محمّد بن خالد باختلاف مفصَّلاً، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣١٣ - ٣١٥/ باب ٢٩/ ح ١)، وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٦٧ - ٦٩/ باب ٦/ ح ٣٥)، وفي علل الشرائع (ج ١/ ص ٩٦ - ٩٨/ باب ٨٥/ ح ٦) بإسناده عن البرقي، والطبري الشيعي (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ١٧٤ - ١٧٦/ ح ٩٥/٢٦) بإسناده عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) مفصَّلاً باختلاف، وأبو الصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٢١) مختصراً، والكراجكي (رحمه الله) في الاستنصار (ص ٣١ - ٣٣) عن المفيد بإسناده عن محمّد بن يعقوب، ولم نجده في كُتُب المفيد (رحمه الله)، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ١٩١ - ١٩٣)، وأحمد بن عليٍّ الطبرسي (رحمه الله) في الاحتجاج (ج ١/ ص ٣٩٥ - ٣٩٨) عن أبي هاشم، وفي (ص ٣٩ و٤٠/ ح ٩) عن تفسير القمِّي.

↑صفحة ١٩٢↑

فهذا طرف من الأخبار قد أوردناها، ولو شرعنا في إيراد (ما)(٥١١) من جهة الخاصَّة في هذا المعنى لطال به الكتاب، وإنَّما أوردنا ما أوردنا منها ليصحَّ ما قلناه من نقل الطائفتين المختلفتين، ومن أراد الوقوف(٥١٢) على ذلك فعليه بالكُتُب المصنَّفة في ذلك فإنَّه يجد من ذلك شيئاً كثيراً حسب ما قلناه.
[بيان صحَّة أخبار أنَّ الأئمَّة اثنا عشر، وأنَّ المراد منهم الأئمَّة الإماميَّة]:
فإنْ قيل: دلُّوا أوَّلاً على صحَّة هذه الأخبار، فإنَّها [أخبار](٥١٣) آحاد لا يُعوَّل عليها فيما طريقه العلم، وهذه مسألة علميَّة. ثمّ دلُّوا على أنَّ المعنيَّ بها مَنْ تذهبون إلى إمامته، فإنَّ الأخبار التي رويتموها عن مخالفيكم وأكثر ما رويتموها من جهة الخاصَّة إذا سُلِّمت، فليس فيها صحَّة ما تذهبون إليه، لأنَّها تتضمَّن العدد فحسب، ولا تتضمَّن غير ذلك، فمن أين لكم أنَّ أئمَّتكم هم المرادون بها دون غيرهم؟
قلنا: أمَّا الذي يدلُّ على صحَّتها فإنَّ الشيعة الإماميَّة يروونها على وجه التواتر خلفاً عن سلف، وطريقة تصحيح ذلك موجودة في كُتُب الإماميَّة النصوص(٥١٤) على أمير المؤمنين (عليه السلام)، والطريقة واحدة.
وأيضاً فإنَّ نقل الطائفتين المختلفتين المتباينتين في الاعتقاد يدلُّ على صحَّة ما قد اتَّفقوا على نقله، لأنَّ العادة جارية أنَّ كلَّ من اعتقد مذهباً وكان الطريق إلى صحَّة ذلك النقل، فإنَّ دواعيه تتوفَّر إلى نقله، وتتوفَّر دواعي من خالفه إلى إبطال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١١) ليس في بعض النُّسَخ.
(٥١٢) في بعض النُّسَخ: (التوقيف).
(٥١٣) من بعض النُّسَخ.
(٥١٤) في بعض النُّسَخ: (والنصوص).

↑صفحة ١٩٣↑

ما نقله أو الطعن(٥١٥) عليه، والإنكار لروايته، بذلك جرت العادات في مدائح الرجال وذمِّهم وتعظيمهم والنقص منهم.
ومتى رأينا الفرقة المخالفة لهذه الفرقة قد نقلت مثل نقلها ولم تتعرَّض للطعن على نقله ولم تُنكِر متضمَّن الخبر دلَّ ذلك على أنَّ الله تعالى قد تولَّى نقله وسخَّرهم لروايته، وذلك دليل على صحَّة ما تضمَّنه الخبر.
وأمَّا الدليل على أنَّ المراد بالأخبار والمعنيَّ بها أئمَّتنا (عليهم السلام)، فهو أنَّه إذا ثبت بهذه الأخبار أنَّ الإمامة محصورة في الاثني عشر إماماً، وأنَّهم لا يزيدون ولا ينقصون، ثبت ما ذهبنا إليه، لأنَّ الأُمَّة بين قائلين: قائل يعتبر العدد الذي ذكرناه فهو يقول: إنَّ المراد بها من يذهب إلى إمامته، ومن خالف في إمامتهم لا يعتبر هذا العدد، فالقول - مع اعتبار العدد - إنَّ المراد غيرهم خروج عن الإجماع، وما أدَّى إلى ذلك وجب القول بفساده.
[دليل آخر على أنَّ إمامة صاحب الأمر (عجّل الله فرجه) من جهة إخبار الأئمَّة السابقة عليه بغيبته، وصفة غيبته، وحوادث زمان غيبته]:
ويدلُّ أيضاً على إمامة ابن الحسن (عليه السلام) وصحَّة غيبته ما ظهر وانتشر من الأخبار الشائعة الذائعة عن آبائه (عليهم السلام) قبل هذه الأوقات بزمان طويل من أنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة، وصفة غيبته وما يجري فيها من الاختلاف، ويحدث فيها من الحوادث، وأنَّه يكون له غيبتان إحداهما أطول من الأُخرى، وأنَّ الأُولى يُعرَف فيها خبره، والثانية لا يُعرَف فيها أخباره، فوافق ذلك على ما تضمَّنته الأخبار.
ولولا صحَّتها وصحَّة إمامته لما وافق ذلك، لأنَّ ذلك لا يكون إلَّا بإعلام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١٥) في بعض النُّسَخ: (والطعن).

↑صفحة ١٩٤↑

الله تعالى على لسان نبيِّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهذه أيضاً طريقة معتمدة اعتمدها الشيوخ قديماً.
ونحن نذكر من الأخبار التي تضمَّنت ذلك طرفاً ليُعلَم صحَّة ما قلناه، لأنَّ استيفاء جميع ما روي في هذا المعنى يطول، وهو موجود في كُتُب الأخبار، من أراده وقف عليه من هناك.
١١٥ - فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ اِبْنِ عَلِيٍّ اَلرَّازِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ اَلْأَسَدِيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اَلله، عَنْ مُوسَى اِبْنِ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ(٥١٦)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) فِي قَوْلِ اَلله تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]، قَالَ: «نَزَلَتْ فِي اَلْإِمَامِ، فَقَالَ: (إِنْ)(٥١٧) أَصْبَحَ إِمَامُكُمْ غَائِباً عَنْكُمْ فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِإِمَامٍ ظَاهِرٍ يَأْتِيكُمْ بِأَخْبَارِ اَلسَّمَاءِ وَاَلْأَرْضِ وَبِحَلَالِ اَلله تَعَالَى وَحَرَامِهِ»، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا وَاَلله مَا جَاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ اَلْآيَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَجِيءَ تَأْوِيلُهَا»(٥١٨).
١١٦ - سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، عَنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ(٥١٩)، عَنْ أَبِي اَلْحَسَنِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١٦) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٠٥/ الرقم ١٠٧٥): (موسى بن عمر بن يزيد بن ذبيان الصيقل، مولى بني نهد، أبو عليٍّ...، له كتاب طرائف النوادر، وكتاب النوادر).
(٥١٧) ليس في بعض النُّسَخ.
(٥١٨) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١١٥ و١١٦) عن سعد بن عبد الله، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٢٥ و٣٢٦/ باب ٣٢/ ح ٣).
(٥١٩) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٥٥/ الرقم ٥٢٦١/٢٢) من أصحاب الرضا (عليه السلام)، قائلاً: (ثقة).
وفي كمال الدِّين: (أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد)، وقد ترجم له النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٨٣/ الرقم ٢٠٠)، وقال: (ثقة، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهما السلام)).
وفي الكافي والغيبة للنعماني: (أحمد بن الحسن، عن عمر بن يزيد).

↑صفحة ١٩٥↑

اِبْنِ أَبِي اَلرَّبِيعِ اَلمَدَائِنِيِّ(٥٢٠)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَسِيدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ، قَالَتْ: لَقِيتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) فَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اَلله تَعَالَى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥ و١٦].
فَقَالَ: «إِمَامٌ يَخْنِسُ فِي زَمَانِهِ عِنْدَ اِنْقِطَاعٍ(٥٢١) مِنْ عِلْمِهِ عِنْدَ اَلنَّاسِ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، ثُمَّ يَبْدُو كَالشِّهَابِ اَلْوَقَّادِ، فَإِنْ أَدْرَكْتِ ذَلِكَ قَرَّتْ عَيْنُكِ(٥٢٢)»(٥٢٣)،(٥٢٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٢٠) في الكافي: (الحسن بن الربيع الهمداني)، وفي الغيبة للنعماني: (الحسن بن أبي الربيع الهمداني)، وفي كمال الدِّين: (الحسين بن الربيع المدائني)، وفي بعض النُّسَخ: (الحسن بن أبي الربيع المدائني)، وأيٌّ ما كان لم نجد له ترجمة.
(٥٢١) في كمال الدِّين: (انقضاء).
(٥٢٢) في كمال الدِّين: (عيناكِ).
(٥٢٣) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١١٩/ ح ١١٣) عن سعد بن عبد الله وعبد الله ابن جعفر الحميري، الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٤١/ باب في الغيبة/ ح ٢٣) بإسناده عن سعد بن عبد الله، وفي (ح ٢٢) بإسناده عن الحسن بن أبي الربيع باختلاف، والخصيبي (رحمه الله) في الهداية الكبرى (ص ٣٦٢) بإسناده عن الحسن بن أبي الربيع الهمداني مختصراً باختلاف، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٦٥) بإسناده عن الحسن بن أبي الربيع الهمداني باختلاف، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٥١/ باب ١٠/ ح ٦) بإسناده عن محمّد بن إسحاق باختلاف، وفي (ص ١٥١ و١٥٢/ ذيل الحديث ٦) عن محمّد بن يعقوب بإسناده عن الحسن بن أبي الربيع باختلاف، وفي (ص ١٥٢/ باب ١٠/ ح ٧) عن محمّد بن يعقوب بإسناده عن سعد بن عبد الله باختلاف يسير، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٢٤ و٣٢٥/ باب ٣٢/ ح ١) بإسناده عن أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد، والنيلي (رحمه الله) في منتخب الأنوار المضيئة (ص ٣٨ و٣٩)، والأسترآبادي (رحمه الله) في تأويل الآيات الظاهرة (ج ٢/ ص ٧٦٩ و٧٧٠/ ح ١٦) بإسناده عن الحسن بن الربيع باختلاف.
(٥٢٤) قال المولى المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج ٦/ ص ٢٦٧ و٢٦٨): (قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾، قالوا: الخُنَّس جمع خانس، وهي الكواكب، لأنَّها تغيب بالنهار وتظهر بالليل، وقيل: هي الكواكب الخمسة السيَّارة: زحل، والمشتري، والمرِّيخ، والزهرة، وعطارد، يريد به مسيرها ورجوعها، لقوله: ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾، ولا يرجع من الكواكب غيرها. والكُنَّس جمع كانس، وهي الكواكب التي تغيب وترجع، من كنس الظبي إذا تغيَّب واستتر في كناسة، وهو الموضع الذي يأوي إليه، وفسَّره (عليه السلام) بإمام يخنس أي يغيب سنة ستِّين ومائتين، وهي سنة مات أبوه (عليه السلام)، ثمّ يظهر ويرجع من أُفُق الحقِّ كالشهاب المتوقِّد في الليلة الظلماء يعرف كلُّ أحد أنَّه الإمام العادل. وإرادة الواحد من الجمع إمَّا للتعظيم، أو لأجل أنَّه داخل فيه ومن آحاده، لأنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) كلُّهم موصوفون بهذه الصفة سيّما على القول بالرجعة).

↑صفحة ١٩٦↑

١١٧ - سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُوسَى بْنِ قَاسِمٍ اَلْبَجَلِيِّ(٥٢٥) وَأَبِي قَتَادَةَ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ(٥٢٦)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليهما السلام)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: مَا تَأْوِيلُ قَوْلِ اَلله تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]؟
فَقَالَ: «إِذَا فَقَدْتُمْ إِمَامَكُمْ فَلَمْ تَرَوْهُ فَمَا ذَا تَصْنَعُونَ؟»(٥٢٧).
١١٨ - وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ اَلْبَزَوْفَرِيِّ، عَنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٢٥) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٠٥/ الرقم ١٠٧٣): (موسى بن القاسم بن معاوية بن وهب البجلي، أبو عبد الله، يُلقَّب المجلي، ثقة ثقة، جليل، واضح الحديث، حسن الطريقة).
روى عنه أحمد بن محمّد بن عيسى، وروى بعنوان موسى بن القاسم عن عليِّ بن جعفر.
وفي كمال الدِّين: (موسى بن القاسم، عن معاوية بن وهب البجلي)، وكلاهما أيضاً ثقتان.
(٥٢٦) كذا في كمال الدِّين (ج ٥١/ ص ١٥١/ ح ٥)، وفي بعض النُّسَخ: (وأبي قتادة معاً، عن عليِّ بن حفص)، والظاهر أنَّه سهو، إذ عليُّ بن محمّد بن حفص هو أبو قتادة.
قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٧٢/ الرقم ٧١٣): (عليُّ بن محمّد بن حفص بن عبيد بن حميد، مولى السائب بن مالك الأشعري، أبو قتادة القمِّي، روى عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وعمَّر، وكان ثقةً، وابنه الحسن بن أبي قتادة الشاعر، وأحمد بن أبي قتادة، أعقب).
(٥٢٧) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٢٥/ ح ١٢٤) عن سعد بن عبد الله، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٨١ و١٨٢/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ١٧) عن محمّد بن همَّام باختلاف، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٦٧)، وفيه: (قدمتم) بدل (فقدتم)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٦٠/ باب ٣٤/ ح ٣) عن أبيه، عن سعد بن عبد الله.

↑صفحة ١٩٧↑

أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ، عَنِ اَلْفَضْلِ بْنِ اَلشَّاذَانِ، عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ(٥٢٨)، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «إِنْ بَلَغَكُمْ عَنْ صَاحِبِكُمْ غَيْبَةٌ فَلَا تُنْكِرُوهَا»(٥٢٩)،(٥٣٠).
١١٩ - مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ اَلْأَسَدِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اَلله، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلصَّيْرَفِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ اَلمُثَنَّى اَلْعَطَّارِ، عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «يَفْقِدُ اَلنَّاسُ إِمَامَهُمْ فَيَشْهَدُ اَلمَوْسِمَ فَيَرَاهُمْ وَلَا يَرَوْنَهُ»(٥٣١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٢٨) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٠/ الرقم ٢٥): (إبراهيم بن عيسى، أبو أيُّوب الخزَّاز، وقيل: إبراهيم بن عثمان، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهما السلام)، ذكر ذلك أبو العبَّاس في كتابه، ثقة، كبير المنزلة).
ووثَّقه المؤلِّف (رحمه الله) في الفهرست (ص ٤١/ الرقم ١٣/١٣)، والكشِّي (رحمه الله) في رجاله (ج ٢/ ص ٦٦١/ ح ٦٧٩).
(٥٢٩) رواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح ١٥) بسنده عن محمّد بن مسلم، وفي (ص ٣٣٨/ ح ١٠) بسند آخر عن محمّد بن مسلم أيضاً باختلاف يسير، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٩٤/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٤٢).
(٥٣٠) قال المولى المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج ٦/ ص ٢٦٠): (قوله: (إنْ بلغكم عن صاحب هذا الأمر غيبة فلا تُنكِروها) لأنَّ غيبته حقٌّ ثابت وأمر محتوم، والمنكر لها القائل بعدم وجوده كالمنكر لإمامة عليٍّ (عليه السلام)، كما دلَّ عليه بعض الروايات من أنَّه كيف يؤمن بالأوَّل من لا يؤمن بالآخر. ولا وجه للإنكار أصلاً، لأنَّ سببه إمَّا استبعاد أنْ يكون الهادي للخلائق غائباً عنهم، وهو باطل، لتحقُّق الغيبة لجميع الأنبياء والأوصياء كما دلَّ عليه تصفُّح الأخبار وتتبُّع الآثار. وإمَّا طول الزمان واستبعاد أنْ يكون لأحد هذا العمر الطويل، وهو أيضاً باطل، لتحقُّقه في كثير من الخلائق).

(٥٣١) رواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٣٧ و٣٣٨/ باب في الغيبة/ ح ٦، وص ٣٣٩/ ح ١٢)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٨٠/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ١٣) بسنده عن يحيى بن المثنَّى باختلاف، و(ص ١٨٠ و١٨١/ ح ١٤) عن الكليني، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٤٦/ باب ٣٣/ ح ٣٣) بسنده عن جعفر بن محمّد بن مالك، وفي (ص ٣٥١/ ح ٤٩) بسنده عن يحيى بن المثنَّى، وفي (ص ٤٤٠/ باب ٤٣/ ح ٧) عن أبيه عن سعد، وفي (ص ١٨١/ ح ١٦) عن الكليني باختلاف، والطبري (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٤٨٢/ ح ٤٧٧/٨١) بإسناده عن يحيى بن المثنَّى العطَّار، وفي (ص ٥٣١/ ح ٥٠٩/١١٣) عن الحسن ابن محمّد بن سماعة الصيرفي، عن الحسين بن مثنَّى العطَّار، والحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٣٢) عن عبيد بن زرارة.
قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٤/ ص ٤٢): (لعلَّ المراد يعرفهم ولا يعرفونه كما روى الصدوق عن محمّد بن عثمان العمري، قال: والله إنَّ صاحب هذا الأمر يحضر الموسم كلَّ سنة فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه. فيشمل الغيبتين، أو هو مختصٌّ بالكبرى، إذ في الصغرى كان يعرفه بعض الناس، وعلى الثاني يحتمل أنْ تكون الرؤية بمعناها).

↑صفحة ١٩٨↑

١٢٠ - أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ اَلْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ جَبَلَةَ، عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ اَلمُسْتَنِيرِ(٥٣٢)، عَنِ اَلمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ غَيْبَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا تَطُولُ حَتَّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ: مَاتَ، وَيَقُولَ بَعْضُهُمْ: قُتِلَ، وَيَقُولَ بَعْضُهُمْ: ذَهَبَ، حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَى أَمْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ، لَا يَطَّلِعُ عَلَى مَوْضِعِهِ أَحَدٌ مِنْ وُلْدِهِ وَلَا غَيْرِهِ إِلَّا اَلمَوْلَى اَلَّذِي يَلِي أَمْرَهُ»(٥٣٣).
١٢١ - وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنِ اَلْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ اَلنَّيْشَابُورِيِّ، عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، (عَنْ أَبِي بَصِيرٍ)(٥٣٤)، عَنْ أَبِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٣٢) في الغيبة للنعماني وكتابنا هذا في (ح ٦٠): (إبراهيم بن المستنير)، ولم نجد له ترجمة في كُتُب الرجال لا بعنوان (إبراهيم) ولا بعنوان (عبد الله).
(٥٣٣) رواه النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٧٦/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٥)، والنيلي (رحمه الله) في منتخب الأنوار المضيئة (ص ١٥٥) عن أبي عبد الله محمّد المفيد، ولكن لم نجده في كُتُبه الموجودة عندنا، والمقدسي الشافعي في عقد الدُّرَر (ص ١٣٤) عن أبي عبد الله الحسين بن عليٍّ (عليه السلام) مختصراً. وتقدَّم في (ح ٦٠).
(٥٣٤) ليس في بعض النُّسَخ.

↑صفحة ١٩٩↑

جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «لَا بُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ مِنْ عُزْلَةٍ، وَلَا بُدَّ فِي عُزْلَتِهِ مِنْ قُوَّةٍ، وَمَا بِثَلَاثِينَ مِنْ وَحْشَةٍ، وَنِعْمَ اَلمَنْزِلُ طَيْبَةُ»(٥٣٥)،(٥٣٦).
١٢٢ - سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، عَنِ اَلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ اَلزَّيْتُونِيِّ(٥٣٧)، عَنِ اَلزُّهْرِيِّ اَلْكُوفِيِّ، عَنْ بُنَانِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ أَبِي اَلْحَسَنِ اَلْعَسْكَرِيِّ (عليه السلام) مُضِيُّ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)(٥٣٨)، فَقَالَ: «ذَاكَ إِلَيَّ مَا دُمْتُ حَيًّا بَاقِياً، وَلَكِنْ كَيْفَ بِهِمْ إِذَا فَقَدُوا مَنْ بَعْدِي؟».
١٢٣ - وَأَخْبَرَنَا اِبْنُ أَبِي جِيدٍ اَلْقُمِّيُّ(٥٣٩)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْحَسَنِ بْنِ اَلْوَلِيدِ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٣٥) روي مضمونه في الكافي (ج ١/ ص ٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح ١٦)، والغيبة للنعماني (ص ١٩٤/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٤١)، وغيرهما.
(٥٣٦) قال المولى المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج ٦/ ص ٢٦٥): (قوله: (ولا بدَّ له في غيبته من عزلة) إشارة إلى الغيبة الكبرى، لأنَّه يعتزل فيها الناس جميعاً، وفي بعض النُّسَخ: (ولا له في غيبته من عزلة)، وله وجه أيضاً، لأنَّه بين الناس ويراهم ولا يرونه مع ظهور آثاره عليهم ووصول فوائده إليهم كما مرَّ. قوله: (ونعم المنزل طيبة) طيبة بفتح الطاء، وقد يقال: طابة، سمَّى النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بذلك المدينة من الطيب وهو الطهارة، وقيل: الطيب العيش بها، وقيل: الطيب أرضها، قال الفاضل الأمين الأسترآبادي: يعني أنَّ طيبة وهي المدينة المعروفة منزله (عليه السلام)، وكان يستأنس بثلاثين من أوليائه، ويحتمل أنْ يكون هذا حاله في الصغرى. أقول: وممَّا يُؤيِّد هذا ما مرَّ في باب الإشارة إلى صاحب الزمان عن أبي هاشم الجعفري، قال: قلت لأبي محمّد (عليه السلام): جلالتك تمنعني من مسألتك، فتأذن لي أنْ أسألك؟ فقال: «سَلْ»، قلت: يا سيِّدي، هل لك ولد؟ فقال: «نعم»، قلت: فإنْ حدث بك حدث فأين أسأل عنه؟ قال: «بالمدينة». وقيل: كان طيبة اسم محلٍّ هو منزله (عليه السلام) مع ثلاثين من أصحابه وهو ليس بمستوحش معهم، وقيل: يحتمل أنْ يكون المراد أنَّه (عليه السلام) على هيأة مَنْ سنُّه ثلاثون سنة أبداً، وما في هذا السنِّ من وحشة، والله أعلم).
(٥٣٧) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٦٢/ الرقم ١٤٣): (الحسن بن عليٍّ الزيتوني الأشعري، أبو محمّد، له كتاب نوادر).
(٥٣٨) لعلَّ المراد به محمّد ابن الإمام عليٍّ النقي (عليه السلام).
(٥٣٩) هو عليُّ بن أحمد بن محمّد بن أبي جيد، قال الحرُّ العاملي (رحمه الله) في الوسائل (ج ٣٠/ ص ٥٢٩): (يعدُّون حديثه صحيحاً وحسناً).
وقال السيِّد الخوئي (قدّس سره) في معجم رجال الحديث (ج ١٢/ ص ٢٧٧/ الرقم ٧٩١٢): (ثقة، لأنَّه من مشايخ النجاشي).

↑صفحة ٢٠٠↑

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْحَسَنِ اَلصَّفَّارِ، عَنِ اَلْعَبَّاسِ بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ حَمْدَوَيْهِ اِبْنِ اَلْبَرَاءِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ اَلْأَعْلَى مَوْلَى آلِ سَامٍ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، فَلَمَّا نَزَلْنَا اَلرَّوْحَاءَ نَظَرَ إِلَى جَبَلِهَا مُطلّاً عَلَيْهَا، فَقَالَ لِي: «تَرَى هَذَا اَلْجَبَلَ؟ هَذَا جَبَلٌ يُدْعَى رَضْوَى مِنْ جِبَالِ فَارِسَ أَحَبَّنَا فَنَقَلَهُ اَللهُ إِلَيْنَا، أَمَا إِنَّ فِيهِ كُلَّ شَجَرَةٍ مُطْعِمٍ، وَنِعْمَ أَمَانٌ لِلْخَائِفِ مَرَّتَيْنِ، أَمَا إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ فِيهِ غَيْبَتَيْنِ، وَاحِدَةٌ قَصِيرَةٌ، وَاَلْأُخْرَى طَوِيلَةٌ».
١٢٤ - أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ اَلْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ اِبْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي اَلْعَلَاءِ(٥٤٠)، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «لَـمَّا دَخَلَ سَلْمَانُ (رضي الله عنه) اَلْكُوفَةَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا ذَكَرَ مَا يَكُونُ مِنْ بَلَائِهَا، حَتَّى ذَكَرَ مُلْكَ بَنِي أُمَيَّةَ وَاَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَالْزَمُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى يَظْهَرَ اَلطَّاهِرُ بْنُ اَلطَّاهِرِ اَلمُطَهَّرُ ذُو اَلْغَيْبَةِ اَلشَّرِيدُ اَلطَّرِيدُ».
١٢٥ - وَرَوَى أَبُو بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «فِي اَلْقَائِمِ شَبَهٌ مِنْ يُوسُفَ».
قُلْتُ: وَمَا هُوَ؟
قَالَ: «اَلْحَيْرَةُ وَاَلْغَيْبَةُ».
١٢٦ - وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي اَلمُفَضَّلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اَلله بْنِ جَعْفَرٍ اَلْحِمْيَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي اَلْخَطَّابِ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ اَلْقَاسِمِ، عَنِ اَلمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) عَنْ تَفْسِيرِ جَابِرٍ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٤٠) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٥٢/ الرقم ١١٧): (الحسين بن أبي العلاء الخفَّاف، أبو عليٍّ الأعور، مولى بني أسد...، إلى أنْ قال: وقال أحمد بن الحسين (رحمه الله): هو مولى بني عامر، وأخواه عليٌّ، وعبد الحميد، روى الجميع عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وكان الحسين أوجههم).

↑صفحة ٢٠١↑

فَقَالَ: «لَا تُحَدِّثْ بِهِ اَلسُّفْلَ(٥٤١) فَيُذِيعُونَهُ، أَمَا تَقْرَأُ كِتَابَ اَلله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدَّثِّر: ٨]، إِنَّ مِنَّا إِمَاماً مُسْتَتِراً، فَإِذَا أَرَادَ اَللهُ إِظْهَارَ أَمْرِهِ نَكَتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةً فَظَهَرَ فَقَامَ بِأَمْرِ اَلله تَعَالَى»(٥٤٢)،(٥٤٣).
١٢٧ - وَرَوَى عَبْدُ اَلله بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ اَلْكُوفِيُّ(٥٤٤)، عَنْ مُنْذِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قَابُوسَ(٥٤٥)، عَنْ نَصْرِ بْنِ اَلسِّنْدِيِّ(٥٤٦)، عَنْ أَبِي دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنِ سُفْيَانَ اَلمُسْتَرِقِّ، عَنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٤١) في رجال الكشِّي: (السفلة).
(٥٤٢) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٢٣/ ح ١٢١) عن عبد الله بن جعفر الحميري باختلاف يسير، والكليني (رحمه الله) الكافي (ج ١/ ص ٣٤٣/ ح ٣٠) بإسناده عن عبد الله بن القاسم باختلاف في أوَّله، والكشِّي (رحمه الله) في رجاله (ج ٢/ ص ٤٣٧/ ح ٣٣٨) بسنده عن المفضَّل بن عمر باختلاف يسير، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٢٨) عن محمّد بن الحسين باختلاف، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٨٧/ ح ٤٠) عن محمّد بن يعقوب، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٤٩/ ح ٤٢) بإسناده عن عبد الله بن جعفر الحميري باختلاف يسير، والأسترآبادي (رحمه الله) في تأويل الآيات الظاهرة (ج ٢/ ص ٧٣٢/ ح ١).
(٥٤٣) قال المولى المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج ٦/ ص ٢٧١): (قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ أي فإذا نُفِخَ في الصور وصُوِّت فيه، والناقور فاعول من النقر بمعنى التصويت، والنفخ وهو ما يُنفَخ ويُصوَّت فيه مثل القرن وغيره، وقد شبَّه (عليه السلام) به قلب المنتظَر، ففي الكلام مكنيَّة وتخييليَّة).
(٥٤٤) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٢١٩/ الرقم ٥٧٢): (عبد الله بن أبي عبد الله محمّد بن خالد ابن عمر الطيالسي، أبو العبَّاس التميمي، رجل من أصحابنا، ثقة، سليم الجنبة، وكذلك أخوه أبو محمّد الحسن).
(٥٤٥) كذا في الكافي وكمال الدِّين ودلائل الإمامة وإثبات الوصيَّة وظاهر الاختصاص، ولكن في بعض النُّسَخ: (منذر بن محمّد، عن قابوس)، وفي الغيبة للنعماني: (نصر بن محمّد بن قابوس).
قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٤١٨/ الرقم ١١١٨): (منذر بن محمّد بن المنذر بن سعيد بن أبي الجهم القابوسي، أبو القاسم، من ولد قابوس بن النعمان بن المنذر ناقلة إلى الكوفة، ثقة، من أصحابنا، من بيت جليل).
ولم نجد للقابوس في هذه الطبقة ذكراً في كُتُب الرجال، فلعلَّ ما في بعض النُّسَخ سهو، وكذا لم نجد بعنوان نصر بن محمّد بن قابوس، نعم نصر بن قابوس ونصر بن محمّد مذكوران في كُتُب الرجال.
(٥٤٦) كذا في الاختصاص وإثبات الوصيَّة؛ وفي الكافي والغيبة للنعماني: (منصور بن السندي)، وفي دلائل الإمامة: (نضر بن السندي)، وفي كمال الدِّين: (النصر بن أبي السري)، وعلى كلِّ حالٍ لم نجد له ترجمة في كُتُب الرجال.

↑صفحة ٢٠٢↑

ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ(٥٤٧)، عَنْ مَالِكٍ اَلْجُهَنِيِّ(٥٤٨)، عَنِ اَلْحَارِثِ بْنِ اَلمُغِيرَةِ(٥٤٩)، عَنِ اَلْأَصْبَغِ اِبْنِ نُبَاتَةَ. وَرَوَاهُ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي اَلْخَطَّابِ، عَنِ اَلْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ مَالِكٍ اَلْجُهَنِيِّ، عَنِ اَلْأَصْبَغِ اِبْنِ نُبَاتَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ أَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَوَجَدْتُهُ يَنْكُتُ فِي اَلْأَرْضِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ، مَا لِي أَرَاكَ مُفَكِّراً تَنْكُتُ فِي اَلْأَرْضِ، أَرَغْبَةً مِنْكَ فِيهَا؟
قَالَ(٥٥٠): «لَا وَاَلله مَا رَغِبْتُ فِيهَا وَلَا فِي اَلدُّنْيَا قَطُّ، وَلَكِنِّي تَفَكَّرْتُ فِي مَوْلُودٍ يَكُونُ مِنْ ظَهْرِي(٥٥١)، اَلْحَادِي عَشَرَ مِنْ وُلْدِي هُوَ اَلمَهْدِيُّ اَلَّذِي يَمْلَأُهَا عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً، يَكُونُ لَهُ حَيْرَةٌ وَغَيْبَةٌ تَضِلُّ فِيهَا أَقْوَامٌ وَيَهْتَدِي فِيهَا آخَرُونَ».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٤٧) كذا في الكافي والغيبة للنعماني والاختصاص وكمال الدِّين ودلائل الإمامة، وفي بعض النُّسَخ وإثبات الوصيَّة: (داود بن ثعلبة بن ميمون)، ولم نجد له ذكراً في كُتُب الرجال، فالظاهر أنَّه سهو.
(٥٤٨) هكذا في جميع المصادر، وفي بعض النُّسَخ: (أبي مالك الجهني)، والظاهر أنَّه سهو، بقرينة طبقة الرواة.
(٥٤٩) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ١٣٩/ الرقم ٣٦١): (حارث بن المغيرة النصري، من نصر بن معاوية، بصري، روى عن أبي جعفر وجعفر وموسى بن جعفر وزيد بن عليٍّ (عليهم السلام)، ثقة ثقة، له كتاب).
(٥٥٠) في بعض النُّسَخ: (فقال).
(٥٥١) المصادر نقلت الرواية بلفظ (من ظهري) من قبيل: الإمامة والتبصرة (ص ١٢٠/ ح ١١٥)، والكافي (ج ١/ ص ٣٣٨/ باب في الغيبة/ ح٧)، وكمال الدِّين (ص ٢٨٩/ باب ٢٦/ ح ١) بنفس السند بلفظ (من ظهري)، وغيرها من المصادر، وحتَّى في العديد من النُّسَخ الخطّيَّة لغيبة الطوسي، فما وقع من نسخة (ظهر) من خطأ النُّسَّاخ، وما استدلَّ به أتباع أحمد الگاطع مدَّعي اليمانيَّة من أنَّه المقصود من المولود من ظهر الحادي عشر من ولد أمير المؤمنين (عليه السلام) أوهى من بيت العنكبوت.

↑صفحة ٢٠٣↑

قُلْتُ: يَا مَوْلَايَ، فَكَمْ تَكُونُ اَلْحَيْرَةُ وَاَلْغَيْبَةُ؟
قَالَ: «سِتَّةُ أَيَّامٍ، أَوْ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، أَوْ سِتُّ سِنِينَ».
فَقُلْتُ: وَإِنَّ هَذَا اَلْأَمْرَ لَكَائِنٌ؟
فَقَالَ: «نَعَمْ كَمَا أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَأَنَّى لَكَ بِهَذَا اَلْأَمْرِ يَا أَصْبَغُ، أُولَئِكَ خِيَارُ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مَعَ أَبْرَارِ هَذِهِ اَلْعِتْرَةِ».
قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؟
قَالَ: «ثُمَّ يَفْعَلُ اَللهُ مَا يَشَاءُ، فَإِنَّ لَهُ بَدَاءَاتٍ وَإِرَادَاتٍ وَغَايَاتٍ وَنِهَايَاتٍ»(٥٥٢)،(٥٥٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥٢) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٢٠ و١٢١/ ح ١١٥) عن سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري ومحمّد بن يحيى العطَّار وأحمد بن إدريس باختلاف، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٣٨/ باب في الغيبة/ ح ٧) عن عليِّ بن محمّد عن عبد الله بن محمّد بن خالد باختلاف، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٧٠) عن الحميري عن عبد الله بن محمّد بن خالد الكوفي باختلاف يسير، وفي (ص ٢٦٥ و٢٦٦) عن سعد بن عبد الله يرفعه إلى الأصبغ بن نباتة مختصراً، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٦٨ و٦٩/ باب ٤/ ح ٤) عن محمّد بن يعقوب، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٢٨٨ و٢٨٩/ باب ٢٦/ح ١) بإسناده عن عبد الله بن محمّد الطيالسي، والطبري الشيعي (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٥٢٩ و٥٣٠/ ح ٥٠٤/١٠٨) بإسناده عن عبد الله بن محمّد بن خالد الكوفي باختلاف، والخزَّاز القمِّي (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢١٩) عن الصدوق، والخصيبي (رحمه الله) في الهداية الكبرى (ص ٣٦٢) بإسناده عن الأصبغ بن نباتة، والمفيد (رحمه الله) في الاختصاص (ص ٢٠٩) بإسناده عن محمّد بن خالد الطيالسي باختلاف، وأبو الصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٢٩) عن الأصبغ بن نباتة، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٢٨) عن الحارث بن المغيرة، وابن طاوس (رحمه الله) في الملاحم والفتن (ص ٣٥٣ و٣٥٤/ ح ٥٢٠) صدره عن الأصبغ بن نباتة مختصراً.
ويأتي صدره في (ح ٢٨٢).
(٥٥٣) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٤/ ص ٤٢ و٤٣): (في النهاية: فيه: بينا هو ينكت إذ انتبه، أي يُفكِّر ويُحدِّث نفسه، وأصله من النكت بالحصى ونكت الأرض بالقضيب، وهو أنْ يُؤثِّر فيها بطرفه فعل المفكِّر المهموم، ومنه الحديث: فجعل ينكت بقضيب، أي يضرب الأرض بطرفه، انتهى. (أرغبة) أي أتنكت لرغبة، وضمير (فيها) راجع إلى الأرض. ومعلوم أنَّه ليس هذا الفعل لرغبة في نفس الأرض، بل المعنى أنَّ اهتمامك وتفكُّرك لأنْ تملك الأرض وتصير والياً فيها، ويحتمل إرجاع الضمير إلى الخلافة، وربَّما يُحمَل الكلام على المطايبة. (من ظهر الحادي عشر) كذا في أكثر النُّسَخ، فالمعنى من ظهر الإمام الحادي عشر. و(من ولدي) نعت (مولود)، وربَّما يُقرَأ ظهر بالتنوين أي وراء، والمراد أنَّه يُولَد بعد هذا الدهر، والحادي عشر مبتدأ خبره المهدي، وفي إكمال الدِّين وغيره وبعض نُسَخ الكتاب: ظهري، فلا يحتاج إلى تكلُّف. والعدل والقسط متقاربان وكذا الظلم والجور، فالعطف فيهما للتفسير والتأكيد، والعدل نقيض الظلم والقسط الإنصاف وهو ضدُّ الجور. (له حيرة) لعلَّ المراد بها التحيُّر في المساكن وأنَّه كلَّ زمان في بلدة وناحية. (يضلُّ فيها) أي في الغيبة والحيرة وضلالتهم إنكارهم لوجود الإمام ورجوعهم عن مذهب الإماميَّة).

↑صفحة ٢٠٤↑

١٢٨ - وَرَوَى سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ اَلْحَسَنِ بْنِ عِيسَى اَلْعَلَوِيِّ(٥٥٤)، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليهما السلام)، قَالَ(٥٥٥): قَالَ لِي: «يَا بُنَيَّ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥٤) راجع ترجمته مع شرح حال من بعده في باب عقب عليٍّ العريضي ابن جعفر الصادق (عليه السلام) من كتابي الفخري في أنساب الطالبيِّين (ص ٢٩)، والمجدي في أنساب الطالبيِّين (ص ٣٣٢).
(٥٥٥) في هذه الرواية إرباك من جهتين:
الجهة الأُولى: أنَّ صدر الرواية جاء بلفظ: (عن أبيه عليِّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)، قال: قال لي: يا بُنَيَّ...)، وربَّما يُستَبْعَد أنْ يُخاطب الإمام الكاظم (عليه السلام) أخاه عليًّا بخطاب: (يا بُنَيَّ...)، ومعه لعلَّ الصحيح هو أنَّ النصَّ بلفظ: (عن أبيه عليِّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)، قال: قال لي أبي: يا بُنَيَّ...)، ليكون الخطاب من الإمام الصادق (عليه السلام) للإمام الكاظم (عليه السلام)، خصوصاً وأنَّ الرواية فيما بعد صريحة في سؤال الإمام الكاظم لأبيه الصادق (عليهما السلام).
الجهة الثانية: أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) حسب سياق الرواية يقول لولده أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) أنَّ عقولهم تصغر عن الغيبة وفهمها، وهو لا يتناسب مع ما نعتقده في المعصوم من علمه بالغيبة وتحمُّله لها وإيمانه بها، ولذا لا بدَّ أنْ تُحمَل الرواية على ما يصحُّ معه الخطاب بهذه الطريقة، كأنْ يُقال: إنَّ كلام الإمام الصادق (عليه السلام) كان مع جميع أولاده، بقرينة سياق النصِّ (أديانكم، آباؤكم وأجدادكم، عقولكم، أحلامكم، تعيشوا، تُدركوه)، ولا شكَّ أنَّ فيهم من لا يتحمَّل الغيبة ومحنتها، ويخرج حينها الإمام الكاظم (عليه السلام) تخصيصاً عن هذا الحكم.

↑صفحة ٢٠٥↑

إِذَا فُقِدَ اَلْخَامِسُ مِنْ وُلْدِ اَلسَّابِعِ مِنَ اَلْأَئِمَّةِ فَاللهَ اَللهَ فِي أَدْيَانِكُمْ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ مِنْ غَيْبَةٍ يَغِيبُهَا حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ هَذَا اَلْأَمْرِ مَنْ كَانَ يَقُولُ بِهِ. يَا بُنَيَّ، إِنَّمَا هِيَ مِحْنَةٌ مِنَ اَلله اِمْتَحَنَ بِهَا خَلْقَهُ، لَوْ عَلِمَ آبَاؤُكُمْ وَأَجْدَادُكُمْ دِيناً أَصَحَّ مِنْ هَذَا اَلدِّينِ لَاتَّبَعُوهُ».
قَالَ أَبُو اَلْحَسَنِ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي، مَنِ اَلْخَامِسُ مِنْ وُلْدِ اَلسَّابِعِ؟
قَالَ: «يَا بُنَيَّ، عُقُولُكُمْ تَصْغُرُ عَنْ هَذَا، وَأَحْلَامُكُمْ تَضِيقُ عَنْ حَمْلِهِ، وَلَكِنْ إِنْ تَعِيشُوا تُدْرِكُوهُ»(٥٥٦)،(٥٥٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥٦) رواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ٢) عن عليِّ بن محمّد، عن الحسن بن عيسى بن محمّد بن عليِّ بن جعفر، وابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١١٣/ ح ١٠٠) عن سعد بن عبد الله، والخصيبي (رحمه الله) في الهداية الكبرى (ص ٣٦١) عن الحسن بن عيسى باختلاف مع زيادة في آخره، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٦٥) عن سعد بن عبد الله)، وفي (ص ٢٧٠ و٢٧١) عن الحسن بن عيسى العلوي باختلاف، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٥٥ و١٥٦/ باب ١٠/ فصل ١/ ح ١١) عن محمّد بن يعقوب، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٥٩ و٣٦٠/ باب ٣٤/ ح ١) عن أبيه وابن الوليد، وفي علل الشرائع (ج ١/ ص ٢٤٤ و٢٤٥/ باب ١٧٨/ ح ٤) عن أبيه عن سعد بن عبد الله، والطبري الشيعي (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٥٣٤/ ح ٥١٦/١٢٠) عن أبي محمّد الحسن بن عيسى باختلاف، والخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٦٨ و٢٦٩) بإسناده عن سعد بن عبد الله باختلاف.
(٥٥٧) قال المولى المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج ٦/ ص ٢٥٠ و٢٥١): (قوله: (فالله الله في أديانكم): (الله) منصوب بفعل مضمر، والتكرير للتأكيد، أي احفظوا الله، أو أطيعوا في طاعتكم أو في أُموركم أو في سُبُلكم وطرائقكم، لأنَّ كلَّ ما جاء به النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فهو سبيل وطريق إلى الله تعالى، و(الدِّين) يُطلَق على كلِّ واحدٍ كما يُطلَق على المجموع، والمقصود هو الأمر برعاية جانب الله (عزَّ شأنه) فيها وطلب رضاه...، قوله: (يا بَنِيَّ) بفتح الباء وكسر النون على صيغة الجمع بقرينة قوله: (ولو علم آباؤكم) وهو خطاب مع أولاده، وليس على صيغة الإفراد خطاباً مع أخيه عليِّ بن جعفر، لإباء السياق، وعدم صحَّته بدون التجوُّز. قوله: (إنَّما هي محنة) المحنة بكسر الميم واحدة المِحَن التي يُمتحَن بها الإنسان من بليَّة وشدَّة محنة، وامتحنته أي اختبرته، والاسم المحنة، وقد جرت كلمة الله تعالى على اختبار الناس بأنواع المِحَن والبلايا ليُميِّز الجيِّد من الردي ويظهر الصابر وغيره، كما قال (جلَّ شأنه): ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقال: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. فإنْ قلت: حقيقة الاختبار طلب الخبر بالشيء ومعرفته لمن لا يكون عارفاً به، والله سبحانه عالم بمضمرات القلوب وخفيَّات الغيوب، فالمطيع في علمه متميِّز من العاصي، فما معنى الاختبار في حقِّه؟ قلنا: اختباره تعالى ليس إلَّا ليعلم غيره من خلقه طاعة من يطيع وعصيان من يعصي، ويتميَّز ذلك عنده، فهو من باب الكناية، لأنَّ التميُّز من لوازم الاختبار وعوارضه فأُطلق الملزوم وأُريد به اللازم، كما هو شأن الكناية. أو قلنا: اختباره تعالى استعارة بتشبيه فعله هذا ليُثيب المطيع ثواباً جزيلاً ويُعذِّب العاصي عذاباً وبيلاً باختبار الإنسان لعبيده ليتميَّز عنده المطيع والعاصي ليُثيب المطيع ويكرمه ويُعذِّب العاصي ويهينه، فأُطلق على فعله تعالى الاختبار مجازاً. قوله: (ولو علم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصحَّ من هذا لاتَّبعوه) دلَّ على أنَّ هذا الدِّين أصحّ الأديان، وليس دين أصحّ منه وإلَّا لاتَّبعه الصالحون المطهَّرون الذين شأنهم طلب الأصحّ والأفضل واتِّباع الأشرف والأكمل. ولعلَّ التفضُّل هنا مجرَّد عن معناه، فلا يلزم ثبوت الصحَّة لغير هذا الدِّين، وفيه حثٌّ على التمسُّك به وعدم مفارقته...، قوله: (من ولد السابع) كأنَّه سأل عن حقيقته وحقيقة صفاته المختصَّة به لا عن اسمه واسم أبيه، ولذلك أجاب (عليه السلام) بأنَّ عقولكم قاصرة عن إدراكه على هذا الوجه، لأنَّ حقيقة الإمام وصفاته لا يعلمها إلَّا الله سبحانه...، قوله: (يا بَنِيَّ) الظاهر أنَّه على صيغة الجمع، وأنَّ عليَّ بن جعفر يدخل في الخطاب على سبيل التغليب. قوله: (ولكن إنْ تعيشوا فسوف تُدرِكونه)، لا يقال: كيف يُدرِكونه مع فقده؟ لأنَّا نقول: معناه: فسوف تُدرِكون زمانه، أو فسوف تُدرِكونه قبل فقده وغيبته، أو نقول: معناه: إنْ تعيشوا وتبقوا على هذا الدِّين فسوف تُدرِكونه بعد الظهور بالرجعة، وفيه بعد، والله أعلم).

↑صفحة ٢٠٦↑

١٢٩ - أَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي اَلمُفَضَّلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اَلله بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اَلله اِبْنِ اَلمُطَّلِبِ (رحمه الله)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو اَلْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرِ بْنِ سَهْلٍ اَلشَّيْبَانِيُّ اَلرُّهْنِيُّ(٥٥٨)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥٨) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٨٤/ الرقم ١٠٤٤): (محمّد بن بحر الرهني، أبو الحسين الشيباني، ساكن نرماشير من أرض كرمان، قال بعض أصحابنا: إنَّه كان في مذهبه ارتفاع، وحديثه قريب من السلامة، ولا أدري من أين قيل ذلك).
وعنونه المؤلِّف (رحمه الله) في الفهرست (ص ٢٠٨/ الرقم ٥٩٨/١٣)، قائلاً: (كان متكلِّماً، عالماً بالأخبار، فقيهاً، إلَّا أنَّه متَّهم بالغلوِّ).

↑صفحة ٢٠٧↑

قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ اَلْحَارِثِ، عَنْ سَعْدِ(٥٥٩) بْنِ اَلمَنْصُورِ اَلْجَوَاشِنِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ اَلْبُدَيْلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ سَدِيرٍ اَلصَّيْرَفِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَاَلمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ وَدَاوُدُ بْنُ كَثِيرٍ اَلرَّقِّيُّ وَأَبُو بَصِيرٍ وَأَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ عَلَى مَوْلَانَا اَلصَّادِقِ (عليه السلام)، فَرَأَيْنَاهُ جَالِساً عَلَى اَلتُّرَابِ، وَعَلَيْهِ مِسْحٌ(٥٦٠) خَيْبَرِيٌّ مِطْرَفٌ(٥٦١) بِلَا جَيْبٍ مُقَصَّرُ اَلْكُمَّيْنِ، وَهُوَ يَبْكِي بُكَاءَ اَلْوَالِهَةِ اَلثَّكْلَى ذَاتِ اَلْكَبِدِ اَلْحَرَّى، قَدْ نَالَ اَلْحُزْنُ مِنْ وَجْنَتَيْهِ وَشَاعَ اَلتَّغَيُّرُ فِي عَارِضَيْهِ وَأَبْلَى اَلدَّمْعُ مَحْجِرَيْهِ(٥٦٢)، وَهُوَ يَقُولُ: «سَيِّدِي غَيْبَتُكَ نَفَتْ رُقَادِي، وَضَيَّقَتْ عَلَيَّ مِهَادِي، وَاِبْتَزَّتْ مِنِّي رَاحَةَ فُؤَادِي، سَيِّدِي غَيْبَتُكَ أَوْصَلَتْ مَصَائِبِي(٥٦٣) بِفَجَائِعِ اَلْأَبَدِ، وَفَقْدَ(٥٦٤) اَلْوَاحِدِ بَعْدَ اَلْوَاحِدِ بِفَنَاءِ اَلْجَمْعِ وَاَلْعَدَدِ، فَمَا أُحِسُّ بِدَمْعَةٍ تَرْقَأُ مِنْ عَيْنِي، وَأَنِينٍ يُفْشَا مِنْ صَدْرِي(٥٦٥)».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥٩) في كمال الدِّين: (سعيد بن المنصور)، قال الكشِّي في رجاله (ج ٢/ ص ٤٩٩/ ح ٤٢٠): (كان من رؤساء الزيديَّة).
(٥٦٠) في لسان العرب (ج ٢/ ص ٥٩٦/ مادَّة مسح): (المِسح - بكسر الميم -: الكساء من الشعر).
(٥٦١) في كمال الدِّين وبعض النُّسَخ: (مطوَّق).
(٥٦٢) قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط (ج ٢/ ص ٥): (المحجر كمجلس ومنبر: الحديقة، ومن العين ما دار بها وبدا من البرقع أو ما يظهر من نقابها، وعمامته إذا اعتمَّ، وما حول القرية).
(٥٦٣) في كمال الدِّين وبعض النُّسَخ: (مصابي).
(٥٦٤) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٢٢٣): (قوله (عليه السلام): «وفقد»، لعلَّه معطوف على الفجائع أو على الأبد، أي أوصلت مصابي بما أصابني قبل ذلك من فقد واحد بعد واحد بسبب فناء الجمع والعدد، وفي بعض النُّسَخ: (يفنى)، فالجملة معترضة أو حاليَّة).
(٥٦٥) في كمال الدِّين هنا زيادة: (عن دوارج الرزايا وسوالف البلايا إلَّا مثل بعيني عن غوابر أعظمها وأفظعها، وبواقي أشدّها وأنكرها، ونوائب مخلوطة بغضبك، ونوازل معجونة بسخطك).

↑صفحة ٢٠٨↑

قَالَ سَدِيرٌ: فَاسْتَطَارَتْ عُقُولُنَا وَلَهاً، وَتَصَدَّعَتْ قُلُوبُنَا جَزَعاً مِنْ ذَلِكَ اَلْخَطْبِ اَلْهَائِلِ وَاَلْحَادِثِ اَلْغَائِلِ(٥٦٦)، فَظَنَنَّا أَنَّهُ سَمَتَ(٥٦٧) لِمَكْرُوهَةٍ قَارِعَةً، أَوْ حَلَّتْ بِهِ مِنَ اَلدَّهْرِ بَائِقَةٌ، فَقُلْنَا: لَا أَبْكَى اَللهُ عَيْنَيْكَ يَا اِبْنَ خَيْرِ اَلْوَرَى، مِنْ أَيَّةِ حَادِثَةٍ تَسْتَذْرِفُ(٥٦٨) دَمْعَتَكَ، وَتَسْتَمْطِرُ عَبْرَتَكَ؟ وَأَيَّةُ حَالَةٍ حَتَمَتْ عَلَيْكَ هَذَا اَلمَأْتَمَ؟
قَالَ: فَزَفَرَ(٥٦٩) اَلصَّادِقُ (عليه السلام) زَفْرَةً اِنْتَفَخَ مِنْهَا جَوْفُهُ، وَاِشْتَدَّ مِنْهَا خَوْفُهُ، فَقَالَ: «وَيْكَمُ(٥٧٠) إِنِّي نَظَرْتُ صَبِيحَةَ هَذَا اَلْيَوْمِ فِي كِتَابِ اَلْجَفْرِ اَلمُشْتَمِلِ عَلَى عِلْمِ اَلْبَلَايَا وَاَلمَنَايَا وَعِلْمِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ اَلَّذِي خَصَّ اَللهُ تَقَدَّسَ اِسْمُهُ بِهِ مُحَمَّداً وَاَلْأَئِمَّةَ مِنْ بَعْدِهِ (عليهم السلام)، وَتَأَمَّلْتُ فِيهِ مَوْلِدَ قَائِمِنَا (عليه السلام) وَغَيْبَتَهُ وَإِبْطَاءَهُ وَطُولَ عُمُرِهِ وَبَلْوَى اَلمُؤْمِنِينَ مِنْ بَعْدِهِ فِي ذَلِكَ اَلزَّمَانِ، وَتَوَلُّدَ اَلشُّكُوكِ فِي قُلُوبِ اَلشِّيعَةِ مِنْ طُولِ غَيْبَتِهِ، وَاِرْتِدَادِ أَكْثَرِهِمْ عَنْ دِينِهِ، وَخَلْعِهِمْ رِبْقَةَ اَلْإِسْلَامِ مِنْ أَعْنَاقِهِمُ اَلَّتِي قَالَ اَللهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]، يَعْنِي اَلْوَلَايَةَ، فَأَخَذَتْنِي اَلرِّقَّةُ، وَاِسْتَوْلَتْ عَلَيَّ اَلْأَحْزَانُ».
فَقُلْنَا: يَا اِبْنَ رَسُولِ اَلله، كَرِّمْنَا وَفَضِّلْنَا بِإِشْرَاكِكَ إِيَّانَا فِي بَعْضِ مَا أَنْتَ تَعْلَمُهُ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ.
قَالَ: «إِنَّ اَللهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَدَارَ فِي اَلْقَائِمِ مِنَّا ثَلَاثَةً أَدَارَهَا لِثَلَاثَةٍ مِنَ اَلرُّسُلِ، قَدَّرَ مَوْلِدَهُ تَقْدِيرَ مَوْلِدِ مُوسَى (عليه السلام)، وَقَدَّرَ غَيْبَتَهُ تَقْدِيرَ غَيْبَةِ عِيسَى (عليه السلام)، وَقَدَّرَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٦٦) في لسان العرب (ج ١١/ ص ٥٠٧/ مادَّة غول): (الغوائل: الدواهي).
(٥٦٧) في لسان العرب (ج ٢/ ص ٤٦/ مادَّة سمت): (سمت لهم يسمت سمتاً: إذا هيَّأ لهم وجه العمل ووجه الكلام والرأي).
(٥٦٨) في كمال الدِّين: (تستنزف)، وهو بمعنى استخراج الدم كلِّه.
(٥٦٩) في لسان العرب (ج ٤/ ص ٣٢٤/ مادَّة زفر): (الزفرة: التنفُّس).
(٥٧٠) في هامش بعض النُّسَخ: (ويكم: مخفَّف ويحكم، وهو زجر للمشرف على الهلكة).

↑صفحة ٢٠٩↑

إِبْطَاءَهُ تَقْدِيرَ إِبْطَاءِ نُوحٍ (عليه السلام)، وَجَعَلَ(٥٧١) لَهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عُمُرَ اَلْعَبْدِ اَلصَّالِحِ - أَعْنِي اَلْخَضِرَ (عليه السلام) - دَلِيلاً عَلَى عُمُرِهِ».
فَقُلْنَا: اِكْشِفْ لَنَا يَا اِبْنَ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَنْ وُجُوهِ هَذِهِ اَلمَعَانِي.
قَالَ: «أَمَّا مَوْلِدُ مُوسَى (عليه السلام)، فَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَـمَّا وَقَفَ عَلَى أَنَّ زَوَالَ مُلْكِهِ عَلَى يَدِهِ، أَمَرَ بِإِحْضَارِ اَلْكَهَنَةِ، فَدَلُّوا عَلَى نَسَبِهِ وَأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمْ يَزَلْ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِشَقِّ بُطُونِ اَلْحَوَامِلِ مِنْ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى قُتِلَ فِي طَلَبِهِ نَيِّفٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ مَوْلُودٍ، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ اَلْوُصُولُ إِلَى قَتْلِ مُوسَى (عليه السلام) بِحِفْظِ اَلله تَعَالَى إِيَّاهُ. كَذَلِكَ بَنُو أُمَيَّةَ وَبَنُو اَلْعَبَّاسِ لَـمَّا أَنْ وَقَفُوا عَلَى أَنَّ [بِهِ](٥٧٢) زَوَالَ مَمْلَكَةِ(٥٧٣) اَلْأُمَرَاءِ وَاَلْجَبَابِرَةِ مِنْهُمْ عَلَى يَدَيِ اَلْقَائِمِ مِنَّا، نَاصَبُونَا لِلْعَدَاوَةِ، وَوَضَعُوا سُيُوفَهُمْ فِي قَتْلِ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَإِبَادَةِ نَسْلِهِ، طَمَعاً مِنْهُمْ فِي اَلْوُصُولِ إِلَى قَتْلِ اَلْقَائِمِ (عليه السلام)، فَأَبَى اَللهُ أَنْ يَكْشِفَ أَمْرَهُ لِوَاحِدٍ مِنَ اَلظَّلَمَةِ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ اَلمُشْرِكُونَ.
وَأَمَّا غَيْبَةُ عِيسَى (عليه السلام) فَإِنَّ اَلْيَهُودَ وَاَلنَّصَارَى اِتَّفَقَتْ(٥٧٤) عَلَى أَنَّهُ قُتِلَ، فَكَذَّبَهُمُ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]، كَذَلِكَ غَيْبَةُ اَلْقَائِمِ فَإِنَّ اَلْأُمَّةَ سَتُنْكِرُهَا لِطُولِهَا، فَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يُولَدْ، وَقَائِلٍ يَفْتَرِي بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ وُلِدَ وَمَاتَ، وَقَائِلٍ يَكْفُرُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ حَادِيَ عَشَرَنَا كَانَ عَقِيماً، وَقَائِلٍ يَمْرُقُ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى ثَالِثَ عَشَرَ فَصَاعِداً، وَقَائِلٍ يَعْصِي اَللهَ بِدَعْوَاهُ أَنَّ رُوحَ اَلْقَائِمِ (عليه السلام) يَنْطِقُ فِي هَيْكَلِ غَيْرِهِ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٧١) في بعض النُّسَخ: (حصل).
(٥٧٢) من بعض النُّسَخ.
(٥٧٣) في كمال الدِّين: (زوال ملكهم وملك الأُمراء).
(٥٧٤) في بعض النُّسَخ: (اتَّفقوا).
(٥٧٥) في بعض النُّسَخ: (مع تسع).

↑صفحة ٢١٠↑

وَأَمَّا إِبْطَاءُ نُوحٍ (عليه السلام) فَإِنَّهُ لَـمَّا اِسْتَنْزَلَ اَلْعُقُوبَةَ مِنَ اَلسَّمَاءِ بَعَثَ اَللهُ إِلَيْهِ جَبْرَئِيلَ (عليه السلام) مَعَهُ سَبْعُ(٥٧٥) نَوَيَاتٍ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اَلله، إِنَّ اَللهَ جَلَّ اِسْمُهُ يَقُولُ لَكَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ خَلَائِقِي وَعِبَادِي لَسْتُ أُبِيدُهُمْ بِصَاعِقَةٍ مِنْ صَوَاعِقِي إِلَّا بَعْدَ تَأْكِيدِ اَلدَّعْوَةِ وَإِلْزَامِ اَلْحُجَّةِ، فَعَاوِدِ اِجْتِهَادَكَ فِي اَلدَّعْوَةِ لِقَوْمِكَ فَإِنِّي مُثِيبُكَ عَلَيْهِ، وَاِغْرِسْ هَذَا اَلنَّوَى فَإِنَّ لَكَ فِي نَبَاتِهَا وَبُلُوغِهَا وَإِدْرَاكِهَا إِذَا أَثْمَرَتْ اَلْفَرَجَ وَاَلْخَلَاصَ، وَبَشِّرْ بِذَلِكَ مَنْ تَبِعَكَ مِنَ اَلمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا نَبَتَتِ اَلْأَشْجَارُ وَتَأَزَّرَتْ وَتَسَوَّقَتْ وَأَغْصَنَتْ وَزَهَا اَلثَّمَرُ عَلَيْهَا(٥٧٦) بَعْدَ زَمَانٍ طَوِيلٍ اُسْتُنْجِزَ مِنَ اَلله اَلْعِدَةُ، فَأَمَرَهُ اَللهُ تَعَالَى أَنْ يَغْرِسَ مِنْ نَوَى تِلْكَ اَلْأَشْجَارِ، وَيُعَاوِدَ اَلصَّبْرَ وَاَلْاِجْتِهَادَ، وَيُؤَكِّدَ اَلْحُجَّةَ عَلَى قَوْمِهِ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ اَلطَّوَائِفَ اَلَّتِي آمَنَتْ بِهِ، فَارْتَدَّ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ، وَقَالُوا: لَوْ كَانَ مَا يَدَّعِيهِ نُوحٌ حَقًّا لَمَا وَقَعَ فِي عِدَتِهِ خُلْفٌ. ثُمَّ إِنَّ اَللهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ يَأْمُرُهُ عِنْدَ إِدْرَاكِهَا كُلَّ مَرَّةٍ أَنْ يَغْرِسَ(٥٧٧) تَارَةً بَعْدَ أُخْرَى إِلَى أَنْ غَرَسَهَا سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَمَا زَالَتْ تِلْكَ اَلطَّوَائِفُ مِنَ اَلمُؤْمِنِينَ تَرْتَدُّ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ بَعْدَ طَائِفَةٍ إِلَى أَنْ عَادُوا إِلَى نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ رَجُلاً، فَأَوْحَى اَللهُ (عزَّ وجلَّ) عِنْدَ ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَقَالَ: اَلْآنَ أَسْفَرَ اَلصُّبْحُ عَنِ اَللَّيْلِ لِعَيْنِكَ(٥٧٨) حِينَ صَرَحَ اَلْحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ وَصَفَا اَلْأَمْرُ لِلْإِيمَانِ مِنَ اَلْكَدَرِ بِارْتِدَادِ كُلِّ مَنْ كَانَتْ طِينَتُهُ خَبِيثَةً، فَلَوْ أَنِّي أَهْلَكْتُ اَلْكُفَّارَ وَأَبْقَيْتُ مَنِ اِرْتَدَّ مِنَ اَلطَّوَائِفِ اَلَّتِي كَانَتْ آمَنَتْ بِكَ لَمَا كُنْتُ صَدَّقْتُ وَعْدِيَ اَلسَّابِقَ لِلْمُؤْمِنِينَ اَلَّذِينَ أَخْلَصُوا لِيَ اَلتَّوْحِيدَ مِنْ قَوْمِكَ وَاِعْتَصَمُوا بِحَبْلِ نُبُوَّتِكَ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٧٦) في هامش كمال الدِّين: (أي تقوَّت الشجرة وتقوَّى ساقها وكثرت أغصانها. وزهو الثمرة: احمرارها واصفرارها).
(٥٧٧) في بعض النُّسَخ: (بأنْ يغرس)، وفي كمال الدِّين: (بأنْ يغرسها).
(٥٧٨) في بعض النُّسَخ: (لغيبتك).

↑صفحة ٢١١↑

بِأَنْ أَسْتَخْلِفَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ، وَأُمَكِّنَ لَهُمْ دِينَهُمْ، وَأُبَدِّلَ خَوْفَهُمْ بِالْأَمْنِ، لِكَيْ(٥٧٩) تَخْلُصَ اَلْعِبَادَةُ لِي بِذَهَابِ اَلشَّكِّ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَكَيْفَ يَكُونُ اَلْاِسْتِخْلَافُ وَاَلتَّمْكِينُ وَبَدَلُ اَلْخَوْفِ بِالْأَمْنِ مِنِّي لَهُمْ، مَعَ مَا كُنْتُ أَعْلَمُ مِنْ ضَعْفِ يَقِينِ اَلَّذِينَ اِرْتَدُّوا وَخُبْثِ طِينَتِهِمْ وَسُوءِ سَرَائِرِهِمُ اَلَّتِي كَانَتْ نَتَائِجَ اَلنِّفَاقِ وَسُنُوخِ(٥٨٠) اَلضَّلَالَةِ؟ فَلَوْ أَنَّهُمْ تَنَسَّمُوا(٥٨١) مِنَ اَلمُلْكِ اَلَّذِي أُوتِيَ اَلمُؤْمِنُونَ وَقْتَ اَلْاِسْتِخْلَافِ إِذَا هَلَكَتْ(٥٨٢) أَعْدَاؤُهُمْ (لَنَشَقُوا)(٥٨٣) رَوَائِحَ صِفَاتِهِ(٥٨٤)، وَلَاسْتَحْكَمَ (سَرَائِرُ) نِفَاقِهِمْ، وَتَأَبَّدَ خَبَالُ ضَلَالَةِ قُلُوبِهِمْ، وَلَكَاشَفُوا إِخْوَانَهُمْ بِالْعَدَاوَةِ، وَحَارَبُوهُمْ عَلَى طَلَبِ اَلرِّئَاسَةِ، وَاَلتَّفَرُّدِ بِالْأَمْرِ وَاَلنَّهْيِ عَلَيْهِمْ، وَكَيْفَ يَكُونُ اَلتَّمْكِينُ فِي اَلدِّينِ وَاِنْتِشَارُ اَلْأَمْرِ فِي اَلمُؤْمِنِينَ مَعَ إِثَارَةِ اَلْفِتَنِ وَإِيقَاعِ اَلْحُرُوبِ؟ كُلَّا، فَـ ﴿اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧]».
قَالَ اَلصَّادِقُ (عليه السلام): «وَكَذَلِكَ اَلْقَائِمُ (عليه السلام) فَإِنَّهُ تَمْتَدُّ غَيْبَتُهُ لِيَصْرَحَ اَلْحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ، وَيَصْفُوَ اَلْإِيمَانُ مِنَ اَلْكَدَرِ بِارْتِدَادِ كُلِّ مَنْ كَانَتْ طِينَتُهُ خَبِيثَةً مِنَ اَلشِّيعَةِ اَلَّذِينَ يُخْشَى عَلَيْهِمُ اَلنِّفَاقُ إِذَا أَحَسُّوا بِالْاِسْتِخْلَافِ وَاَلتَّمْكِينِ وَاَلْأَمْنِ اَلمُنْتَشِرِ فِي عَهْدِ اَلْقَائِمِ (عليه السلام)».
قَالَ اَلمُفَضَّلُ: فَقُلْتُ: يَا اِبْنَ رَسُولِ اَلله، فَإِنَّ اَلنَّوَاصِبَ تَزْعُمُ (أَنَّ)(٥٨٥) هَذِهِ اَلْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٧٩) في بعض النُّسَخ: (لكن).
(٥٨٠) السنوخ: الرسوخ؛ وفي كمال الدِّين: (سنوح)، ومعناه: العروض.
(٥٨١) أي تشمَّموا؛ وفي كمال الدِّين: (تسنَّموا)، أي ركبوا.
(٥٨٢) في كمال الدِّين: (أهلكت).
(٥٨٣) ما بين القوسين ليس في بعض النُّسَخ، وكذا ما يأتي.
(٥٨٤) في بعض النُّسَخ: (صفائه).
(٥٨٥) ليس في بعض النُّسَخ. والمراد من الآية قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ...﴾ (النور: ٥٥).

↑صفحة ٢١٢↑

فَقَالَ: «لَا هَدَى اَللهُ قُلُوبَ اَلنَّاصِبَةِ، مَتَى كَانَ اَلدِّينُ اَلَّذِي اِرْتَضَاهُ [اَللهُ وَرَسُولُهُ](٥٨٦) مُتَمَكِّناً بِانْتِشَارِ اَلْأَمْنِ فِي اَلْأُمَّةِ، وَذَهَابِ اَلْخَوْفِ مِنْ قُلُوبِهَا، وَاِرْتِفَاعِ اَلشَّكِّ مِنْ صُدُورِهَا فِي عَهْدِ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَوْ فِي عَهْدِ عَلِيٍّ (عليه السلام)، مَعَ اِرْتِدَادِ اَلمُسْلِمِينَ وَاَلْفِتَنِ اَلَّتِي كَانَتْ تَثُورُ فِي أَيَّامِهِمْ، وَاَلْحُرُوبِ وَاَلْفِتَنِ اَلَّتِي كَانَتْ تَشُبُّ بَيْنَ(٥٨٧) اَلْكُفَّارِ وَبَيْنَهُمْ؟»، ثُمَّ تَلَا اَلصَّادِقُ (عليه السلام) هَذِهِ اَلْآيَةَ مَثَلاً لِإِبْطَاءِ اَلْقَائِمِ (عليه السلام): «﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا...﴾ اَلْآيَةَ [يوسف: ١١٠].
وَأَمَّا اَلْعَبْدُ اَلصَّالِحُ - أَعْنِي اَلْخَضِرَ (عليه السلام) - فَإِنَّ اَللهَ تَعَالَى مَا طَوَّلَ عُمُرَهُ لِنُبُوَّةٍ قَرَّرَهَا(٥٨٨) لَهُ، وَلَا لِكِتَابٍ نَزَّلَ(٥٨٩) عَلَيْهِ، وَلَا لِشَرِيعَةٍ يَنْسِخُ بِهَا شَرِيعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ اَلْأَنْبِيَاءِ (عليهم السلام)، وَلَا لِإِمَامَةٍ يُلْزِمُ عِبَادَهُ اَلْاِقْتِدَاءَ بِهَا، وَلَا لِطَاعَةٍ يَفْرِضُهَا، بَلَى إِنَّ اَللهَ تَعَالَى لَـمَّا كَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنْ يُقَدِّرَ مِنْ عُمُرِ اَلْقَائِمِ (عليه السلام) فِي أَيَّامِ غَيْبَتِهِ مَا يُقَدِّرُهُ(٥٩٠)، وَعَلِمَ مَا يَكُونُ مِنْ إِنْكَارِ عِبَادِهِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ اَلْعُمُرِ فِي اَلطُّولِ، طَوَّلَ عُمُرَ اَلْعَبْدِ اَلصَّالِحِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ أَوْجَبَ ذَلِكَ إِلَّا لِعِلَّةِ اَلْاِسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى عُمُرِ اَلْقَائِمِ (عليه السلام)، لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ حُجَّةَ اَلمُعَانِدِينَ، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ﴾ [النساء: ١٦٥]»(٥٩١).
والأخبار في هذا المعنى أكثر من أنْ تُحصى ذكرنا طرفاً منها لئلَّا يطول به الكتاب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٨٦) من كمال الدِّين و بعض النُّسَخ.
(٥٨٧) في كمال الدِّين: (تنشب)، وفي بعض النُّسَخ: (تنشب من).
(٥٨٨) في كمال الدِّين و بعض النُّسَخ: (قدرها).
(٥٨٩) في كمال الدِّين: (ينزله)، وفي بعض النُّسَخ: (ينزل).
(٥٩٠) في كمال الدِّين: (يقدر).
(٥٩١) رواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٥٢ - ٣٥٧/ باب ٣٣/ ح ٥٠).

↑صفحة ٢١٣↑

فإنْ قيل: هذه كلُّها أخبار آحاد لا يُعوَّل على مثلها في هذه المسألة، لأنَّها مسألة علميَّة.
قلنا: موضع الاستدلال من هذه الأخبار ما تضمَّن الخبر بالشيء قبل كونه، فكان كما تضمَّنه، فكان ذلك دلالة على صحَّة ما ذهبنا إليه من إمامة ابن الحسن، لأنَّ العلم بما يكون لا يحصل إلَّا من جهة علَّام الغيوب، فلو لم يرو إلَّا خبر واحد ووافق مخبره ما تضمَّنه الخبر لكان ذلك كافياً، ولذلك كان ما تضمَّنه القرآن من الخبر بالشيء قبل كونه دليلاً على صدق النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنَّ القرآن من قِبَل الله تعالى، وإنْ كانت المواضع التي تضمَّنت ذلك محصورة، ومع ذلك مسموعة من مخبر واحد، لكن دلَّ على صدقه من الجهة التي قلناها.
على أنَّ هذه الأخبار متواتر بها لفظاً ومعنًى.
فأمَّا اللفظ فإنَّ الشيعة تواترت بكلِّ خبر منه، وأمَّا المعنى فإنَّ كثرة الأخبار، واختلاف جهاتها، وتباين طُرُقها، وتباعد رواتها، يدلُّ على صحَّتها، لأنَّه لا يجوز أنْ يكون كلُّها باطلة، ولذلك يُستَدلُّ في مواضع كثيرة على معجزات النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) التي هي سوى القرآن وأُمور كثيرة في الشرع تتواتر معنًى، وإنْ كان كلُّ لفظ منها منقولاً من جهة الآحاد، وذلك معتمد عند من خالفنا في هذه المسألة، فلا ينبغي أنْ يتركوه وينسوه إذا جئنا إلى الكلام في الإمامة، والعصبيَّة لا ينبغي أنْ تنتهي بالإنسان إلى حدٍّ يجحد الأُمور المعلومة.
وهذا الذي ذكرناه معتبر في مدائح الرجال وفضائلهم، ولذلك استُدِلَّ على سخاء حاتم وشجاعة عمرو وغير ذلك بمثل ذلك وإنْ كان كلُّ واحد ممَّا يُروى من عطاء حاتم ووقوف عمرو في موقف من المواقف من جهة الآحاد، وهذا واضح.
وممَّا يدلُّ أيضاً على إمامة ابن الحسن (عليهما السلام) زائداً على ما مضى أنَّه لا خلاف

↑صفحة ٢١٤↑

بين الأُمَّة أنَّه سيخرج في هذه الأُمَّة مهدي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً، وإذا بيَّنَّا أنَّ ذلك المهدي من ولد الحسين (عليه السلام)، وأفسدنا قول كلِّ من يدَّعي ذلك من ولد الحسين سوى ابن الحسن (عليه السلام) ثبت أنَّ المراد به هو (عليه السلام).
[الروايات الدالَّة على خروج المهدي (عجّل الله فرجه)]:
والأخبار المرويَّة في ذلك أكثر من أنْ تُحصى، غير أنَّا نذكر طرفاً من ذلك.
فممَّا روي من أنَّه لا بدَّ من خروج مهدي في هذه الأُمَّة:
١٣٠ - رَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَالِكٍ اَلْفَزَارِيِّ، عَنْ حَيْدَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلْفَزَارِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ مُزَاحِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنِ اَلْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، قَالَ: هُوَ خُرُوجُ اَلمَهْدِيِّ (عليه السلام)(٥٩٢).
١٣١ - وَبِهَذَا اَلْإِسْنَادِ، عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: يَعْنِي يُصْلِحُ اَلْأَرْضَ بِقَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ، مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا يَعْنِي مِنْ بَعْدِ جَوْرِ أَهْلِ مَمْلَكَتِهَا، ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ بِقَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٧](٥٩٣).
١٣٢ - وَأَخْبَرَنَا اَلشَّرِيفُ أَبُو مُحَمَّدٍ اَلمُحَمَّدِيُّ (رحمه الله)(٥٩٤)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٩٢) رواه النيلي (رحمه الله) في منتخب الأنوار المضيئة (ص ٣١).
(٥٩٣) رواه النيلي (رحمه الله) في منتخب الأنوار المضيئة (ص ٣١ و٣٢) باختلاف يسير.
(٥٩٤) ذكره المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٤٣/ الرقم ٦٣١٨/٦٨) في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) في ترجمة محمّد بن أحمد بن عبد الله، مع توصيفه بأبي محمّد العلوي المحمّدي.
ووصفه النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٦٥ و٢٦٦/ الرقم ٦٩١) بالشريف أبي محمّد المحمّدي في ترجمة عليِّ بن أحمد أبي القاسم الكوفي.
وقال المؤلِّف (رحمه الله) في الفهرست (ص ٢٠٨/ الرقم ٥٩٩/١٤) في ترجمة محمّد بن أحمد بن عبد الله: (له كُتُب أخبرنا بها جماعة منهم الشريف أبو محمّد الحسن بن القاسم المحمّدي).

↑صفحة ٢١٥↑

تَمَّامٍ(٥٩٥)، عَنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلْقِطَعِيِّ(٥٩٦)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَاتِمٍ اَلْبَزَّازِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنِ اَلْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ اَلْعَبَّاسِ فِي قَوْلِ اَلله تَعَالَى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَ رَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢ و٢٣]، قَالَ: قِيَامُ اَلْقَائِمِ (عليه السلام)، وَمِثْلُهُ: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ١٤٨]، قَالَ: أَصْحَابُ اَلْقَائِمِ (عليه السلام)، يَجْمَعُهُمُ اَللهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.
١٣٣ - مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ اَلمُقْرِي(٥٩٧)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ اَلْعَبَّاسِ اَلمُقَانِعِيِّ(٥٩٨)، عَنْ بَكَّارِ بْنِ أَحْمَدَ(٥٩٩)، عَنِ اَلْحَسَنِ بْنِ اَلْحُسَيْنِ، عَنْ سُفْيَانَ اَلْجَرِيرِيِّ(٦٠٠)، عَنْ عَمْرِو بْنِ هَاشِمٍ اَلطَّائِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اَلله بْنِ عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ(٦٠١) فِي هَذِهِ اَلْآيَةِ: ﴿فَوَ رَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]، قَالَ: قِيَامُ قَائِمٍ (عليه السلام) مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم). قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٩٥) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٨٥/ الرقم ١٠٤٦): (محمّد بن عليِّ بن الفضل بن تمام بن سكين...)، إلى أنْ قال: (وكان ثقةً، عيناً، صحيح الاعتقاد، جيِّد التصنيف).
(٥٩٦) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٦٧/ الرقم ١٦٠): (الحسين بن محمّد بن الفرزدق بن بجير بن زياد الفزاري، أبو عبد الله، المعروف بالقطعي، كان يبيع الخرق، ثقة، له كُتُب، منها: كتاب فضائل الشيعة).
(٥٩٧) يأتي سند المؤلِّف (رحمه الله) إليه في (ح ١٥٠).
(٥٩٨) قال المؤلِّف (رحمه الله) في الفهرست (ص ١٦٤/ الرقم ٤٣٠/٥٧): (عليُّ بن العبَّاس المقانعي، له كتاب فضل الشيعة).
(٥٩٩) قال المؤلِّف (رحمه الله) في الفهرست (ص ٨٧/ الرقم ١٢٩/٤): (بكار بن أحمد، له كتاب الجنائز، أخبرنا به أحمد بن عبدون، عن عليِّ بن محمّد بن الزبير القرشي...، عن عليِّ بن العبَّاس، عنه).
(٦٠٠) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٢٠/ الرقم ٢٩٣٢/١٧٠) من أصحاب الصادق (عليه السلام)، قائلاً: (سفيان بن إبراهيم بن مرثد الأزدي الجريري، مولى، كوفي).
(٦٠١) عدَّه المؤلِّف (رحمه الله) في رجاله (ص ١٦٢/ الرقم ١٨٢٩/١٣٣) من أصحاب الصادق (عليه السلام)، قائلاً: (إسحاق بن عبد الله بن عليِّ بن الحسين المدني).

↑صفحة ٢١٦↑

قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور: ٥٥]، قَالَ: نَزَلَتْ فِي اَلمَهْدِيِّ (عليه السلام)(٦٠٢).
١٣٤ - وَأَخْبَرَنَا اَلْحُسَيْنُ بْنُ عُبَيْدِ اَلله، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ اَلْبَزَوْفَرِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ اَلنَّيْشَابُورِيِّ، عَنِ اَلْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ اَلنَّيْشَابُورِيِّ، عَنِ اَلْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنِ اَلمُثَنَّى اَلْحَنَّاطِ(٦٠٣)، عَنِ اَلْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ اَلصَّيْقَلِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ اَلْقَائِمَ لَا يَقُومُ حَتَّى يُنَادِيَ مُنَادٍ مِنَ اَلسَّمَاءِ تَسْمَعُ اَلْفَتَاةُ فِي خِدْرِهَا وَيَسْمَعُ أَهْلُ اَلمَشْرِقِ وَاَلمَغْرِبِ، وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]»(٦٠٤).
١٣٥ - وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ هَارُونَ بْنِ مُوسَى اَلتَّلَّعُكْبَرِيِّ، عَنْ أَبِي عَلِيِّ اَلرَّازِيِّ، عَنِ اِبْنِ أَبِي دَارِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ اَلْعَبَّاسِ اَلسِّنْدِيِّ اَلمُقَانِعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَاشِمٍ اَلْقَيْسِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ تَمَّامٍ اَلْبَصْرِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ اَلْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ(٦٠٥)، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَلله اَلْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «اَلمَهْدِيُّ يَخْرُجُ فِي آخِرِ اَلزَّمَانِ».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٠٢) رواه الأسترآبادي (رحمه الله) في تأويل الآيات الظاهرة (ج ٢/ ص ٦١٥/ ح ٤) إلَّا أنَّ فيه: (إسحاق بن عبد الله، عن عليِّ بن الحسين (عليهما السلام))، والقندوزي في ينابيع المودَّة (ج ٣/ ص ٢٥٢/ ح ٥١).
(٦٠٣) قال النجاشي (رحمه الله) في رجاله (ص ٤١٤/ الرقم ١١٠٦): (مثنَّى بن الوليد الحنَّاط، مولى، كوفي، روى عن أبي عبد الله (عليه السلام)).
وقال الكشِّي (رحمه الله) في رجاله (ج ٢/ ص ٦٢٩/ ح ٦٢٣): (قال عليُّ بن الحسن: سلام والمثنَّى بن الوليد والمثنَّى بن عبد السلام كلُّهم حنَّاطون، كوفيُّون، لا بأس بهم).