فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » المهدي المنتظر بين التصوّر والتصديق ويليه كتاب الإمام محمد بن الحسن المهدي
 كتب المركز

الكتب المهدي المنتظر بين التصوّر والتصديق ويليه كتاب الإمام محمد بن الحسن المهدي

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: الشيخ محمد حسن آل ياسين الشخص المحقق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/٢٠ المشاهدات المشاهدات: ٥٨٧٣٧ التعليقات التعليقات: ١

المهدي المنتظر بين التصوّر والتصديق
ويليه كتاب الإمام محمّد بن الحسن المهدي عليه السلام

تأليف: سماحة الشيخ محمّد حسن آل ياسين رحمه الله (١٣٥٠ _ ١٤٢٧هـ)
تقديم: مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي عليه السلام

فهرست الموضوعات

كتاب المهدي المنتظر بين التصوّر والتصديق
مقدّمة المركز
الشيخ المؤلّف رحمه الله في سطور
دراسته/ أساتذته/ استقراره في الكاظمية
مؤلّفاته رحمه الله
كتابان في المهدي المنتظر عليه السلام
المقدّمة
تمهيد
المرحلة الأولى: فكرة المهدوية
المرحلة الثانية: من هو المهدي؟
المرحلة الثالثة: إمكان الغيبة والدليل عليها
ملاحق الكتاب
الملحق الأوّل
نصّ رسالة الشيخ ألكسم
جواب الرسالة
الملحق الثاني
أسماء الصحابة الذين رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث المهدي
أسماء الأئمّة الذين خرَّجوا الأحاديث والآثار الواردة في المهدي في كتبهم
ذكر لبعض الذين ألَّفوا كتباً في شأن المهدي
ذكر بعض الذين حكوا تواتر أحاديث المهدي ونقل كلامهم في ذلك
ذكر بعض ما ورد في الصحيحين من الأحاديث ممَّا له تعلّق بشأن المهدي
كتاب الإمام محمّد بن الحسن المهدي عليه السلام
مقدّمة المؤلّف
الفصل الأوّل: محمّد بن الحسن المهدي بين ولادته وإمامته
الفصل الثاني: محمّد بن الحسن المهدي بين إمامته وغيبته
الوجه الأوّل من أدلَّة الإمامة: نصُّ أبيه عليه
الوجه الثاني من أدلَّة الإمامة: النصّ النبوي على عدد الأئمّة
الوجه الثالث من أدلَّة الإمامة: النصّ على اسم المهدي وغيبته
١ _ الروايات المصرّحة بكون المهدي من قريش
٢ _ المهدي من أولاد عبد المطَّلب
٣ _ المهدي من العترة، من أهل البيت، من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم
٤ _ المهدي من أولاد علي عليه السلام
٥ _ المهدي من أولاد فاطمة عليها السلام
٦ _ المهدي من أولاد الحسين عليه السلام
٧ _ المهدي التاسع من ذرّية الحسين عليه السلام
٨ _ المهدي ثاني عشر الأوصياء وثاني عشر الأئمّة
٩ _ المهدي ابن الحسن العسكري
الجريدة الأولى: في ذكر بعض الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي عليه السلام
الجريدة الثانية: في ذكر المحدّثين الذين نصّوا على تواتر أحاديث المهدي أو صرَّحوا بصحَّتها من غير الشيعة الإمامية
الفصل الثالث غيبة الإمام المهدي عليه السلام بين المثبتين والمنكرين
مُلْحَقا الكتاب
الملحق الأوّل: سرداب الغيبة
الملحق الثاني: وكلاء الإمام المهدي في غيبته الصغرى
الوكيل الأوّل: عثمان بن سعيد
الوكيل الثاني: محمّد بن عثمان، أبو جعفر
الوكيل الثالث: أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي
الوكيل الرابع: علي بن محمّد السمري
تنبيه
مصادر الكتابين

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المركز:
قليلة هي الشخصيات الرائدة في مجتمعاتها، وأقلّ منها تنوّع ريادتها وموسوعيتها، إنَّ مثل هذه الشخصيات الفذّة لا يجود بها الدهر إلاَّ نزراً، ولا ينعم بها الزمان إلاَّ فرداً، ولئن شحَّ الزمان دهراً فقد جاد بمثل شيخنا المؤلّف رحمه الله، فقد كان مثالاً للشخصية الرائدة في عطائها، الموسوعية في معارفها، فإذا طالعت كتبه القيّمة المتنوّعة تجد فكره فيها قد أبحر في عوالم المعرفة، وغاص في لجج العلم، فأخرج لئالئ الفكر الصافي الأصيل ببيان جزل وقلم راقٍ، مع تأصيل للقضيّة المطروحة ومناقشتها بموضوعية.
فكان رحمه الله حقّاً مدرسة في أسلوبه، منفرداً في منهجه، طبع بصماته على كثير من حقول المعرفة والمطارحات الفكرية، فكتب في الأدب والفقه والعقيدة والتاريخ واللغة والتراجم وغيرها، وكلّ ذلك لم يخرجه عن معاصرته للواقع الذي يعيشه، ولا يمكن لمثل هذه الشخصية أن تحيط عدَّة صفحات باستجلاء عظمتها وعطائها، ولكن ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه، فنقول وبمزيد من الاختصار:
الشيخ المؤلّف رحمه الله في سطور
ولد رحمه الله في مدينة النجف الأشرف سنة (١٣٥٠هـ/ ١٩٣١م)، واختير عضواً عاملاً في المجمع العلمي العراقي في عام (١٩٨٠م)، وعضواً مؤازراً في مجمع اللغة العربية، واختير عضواً في لجنة إعداد معجم للنظائر العربية للمفردات المستعملة في الحضارات العراقية القديمة اعتماداً على المعجم الآشوري (الذي أصدرته جامعة شيكاغو) في العام (١٩٩٢م)، واختير عضواً في هيأة ملتقى الروّاد (ملتقى للمبدعين العراقيين الروّاد) العام (١٩٩٤م)، وعُلّقت عضويَّته في المجمع العلمي العراقي مع خمسة من العلماء الذين رفضوا حضور لقاء مع رئيس النظام السابق (الطاغية صدام) في العام (١٩٩٥م).
دراسته رحمه الله:
ابتدأ دراسته على والده، ثمّ التحق بمدرسة (منتدى النشر) وأنهى فيها ثلاث مراحل دراسية في العلوم العربية ثمّ الفقهية الأولى، واستمرَّ في دراسته على علماء عصره واختصَّ بالسيّد الخوئي قدس سره.
أساتذته رحمه الله:
١ _ والده الشيخ محمّد رضا آل ياسين قدس سره.
٢ _ آية الله الشيخ عبّاس الرميثي قدس سره في الفقه.
٣ _ آية الله الشيخ محمّد طاهر الشيخ راضي قدس سره في الأصول.
٤ _ آية الله الشيخ عبد الكريم الجزائري قدس سره في بعض المتون الفقهية.
٥ _ المرجع الأعلى السيّد أبو القاسم الخوئي قدس سره فقهاً وتفسيراً ورجالاً.
استقراره في الكاظمية:
غادر رحمه الله النجف عام (١٩٥٣م) إلى الكاظمية ليتسلَّم مهام التبليغ والإرشاد ممثّلاً عن المرجعية بعد وفاة عمّه (العلاَّمة الشيخ راضي آل ياسين قدس سره) الذي توفّي في ذلك العام.
وكان يستقبل الناس بوجهه السمح وأخلاقه العالية وقد ساهم كثيراً في نشر الوعي والتديّن في بغداد التي كان من أعلامها.
كما كان يؤمُّ المؤمنين في الصحن الكاظمي المطهَّر في صلاتي المغرب والعشاء، وكان يؤدّي صلاة الظهرين في مسجد إمام طه قرب ساحة الرصافي في وسط بغداد حيث كان يلقي محاضراته ومواعظه بين الصلاتين التي كانت تتميَّز بالرصانة العلمية والوضوح وشدّ السامع.
وكان معتمداً للمراجع، وكانت تربطه علاقة خاصّة بالمرجع الأعلى للطائفة السيّد أبو القاسم الخوئي قدس سره، عبَّر عنها رحمه الله: (علاقتي مع الإمام الراحل الخوئي قدس سره ليس علاقة التلميذ بأستاذه ومعلّمه فحسب، بل علاقة الابن بأبيه).
مؤلّفاته رحمه الله:
اتَّسمت كتابات ومؤلَّفات شيخنا المؤلّف رحمه الله بالأسلوب الرصين العلمي مع بيان وافٍ وتوضيح للمطلب، فهو بحقّ من السهل الممتنع، ومن أهم ميزات مؤلَّفاته رحمه الله التنوّع والموسوعية وإمكانية وصولها والاستفادة منها من قبل القارئ ومختلف مستوياته الثقافية، وهذه نقطة جديرة بالاهتمام والتأمّل، إذ قلَّما نجد الكتّاب خصوصاً بمثل شخصية مؤلّفنا من يستطيع إيصال المعلومة من خلال قلمه إلى غالبية القرّاء، بل عادةً ما تنحصر الفائدة فيه لثلَّة من المثقَّفين وأهل الاختصاص، وسنعرض لك أيّها القارئ الكريم مؤلّفاته وستلاحظ الساحة المعرفية الواسعة التي كان يتحرَّك فيها:
الدين الإسلامي بأصوله، الله بين الفطرة والدليل، المادّة بين الأزلية والحدوث، العدل الإلهي بين الجبر والاختيار، النبوّة، الإمامة، المعاد، هوامش على كتاب (نقد الفكر الديني)، الإسلام ونظام الطبقات، الإسلام بين الرجعية والتقدّمية، الإسلام والرقّ، الإسلام والسياسة، الدين الإسلامي (أصوله، نظمه، تعاليمه)، الإنسان بين الخلق والتطوّر (جزءان)، في رحاب الإسلام، في رحاب القرآن، مفاهيم إسلاميّة، منهج الطوسي في تفسير القرآن، الشباب والدين، نهج البلاغة، على هامش كتاب العروة الوثقى، بين يدي المختصر النافع، مناسك العمرة المفردة، تاريخ المشهد الكاظمي، نصوص الردّة في تاريخ الطبري تعرَّض فيه إلى أخطاء وقع فيها الطبري بخصوص حروب الردّة، تاريخ الصحافة في الكاظمية، لمحات من تاريخ الكاظمية، تاريخ الحكم البويهي، الصاحب بن عباد (حياته وأدبه) وهو أوّل مؤلّفاته، ديوان الصاحب بن عباد وكتاب عن أمثاله ومعارفه، كتاب الفرق بين الضادّ والظاء لابن عباد (تحقيق)، الأرقام العربية (مولدها، نشأتها، تطوّرها)، مسائل لغوية في مذكّرات معجمية، المُعمّى والأحاجي والألغاز، معجم النبات والزراعة (جزءان)، كتاب الاشتقاق للأصمعي (تحقيق)، كتاب مقدّمة كتاب العين للخليل الفراهيدي (تحقيق)، كتاب مناقب جعفر للمقدسي (تحقيق).
كما نشر عشرات المقالات والأبحاث في الكثير من الدوريات العربية، كما ترجمت العديد من مقالاته القيّمة إلى لغات أخرى في دوريات أجنبية منذ عام (١٩٥١م)، وأصدر مجلَّة (البلاغ) الفكرية الجامعة التي كتب فيها كبار الأدباء والعلماء كالدكتور مصطفى جواد والسيّد محمد صادق بن محمّد حسين الصدر والشيخ نفسه، وطرح حلاً للمراجعة الميسّرة في اللغة في عام (١٩٨٨م) بجمعه معجمات العربية كلّها في معجم واحد بطريقة مبسَّطة مع الحفاظ على خصوصية كلّ معجم منها على شكل قرص مضغوط.
وفي عام (١٩٨٠م) اعتزل رحمه الله القضايا الاجتماعية وانصرف إلى الكتابة والتأليف وتوقَّف عن نشاطاته كلّياً ولزم داره حزناً على ابن عمَّته آية الله العظمى الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره الذي اُعدم على يد الطاغية المجرم صدام، وبقي شيخنا ملازماً داره حتَّى ودَّع هذه الدنيا في يوم السبت (٢٦) جمادي الآخر سنة (١٤٢٧هـ/ ٢٠٠٦م)، وشُيّع في اليوم التالي تشيعاً مهيباً، ودفن في الصحن الكاظمي الشريف، وقد اُقيمت مجالس الفاتحة على روحه في الكاظمية وإيران ولبنان.
كتابان في المهدي المنتظر عليه السلام:
حفل الجانب العقائدي بالاهتمام البالغ من قِبَل شيخنا المؤلّف رحمه الله فكان حاضراً في فكره، مجاهداً بقلمه، فصدرت له مؤلّفات عدَّة في التوحيد والعدل الإلهي والنبوّة والإمامة وغيرها، وكان للعقيدة المهدوية شأنها الخاصّ بما تتميَّز به من بُعد اجتماعي يبني للحاضر ويؤسّس للمستقبل، مضافاً إلى بُعدها العقائدي، فصدر له كتابان في هذا الشأن وهما بين يديك (المهدي المنتظر بين التصور والتصديق)، و(الإمام محمّد بن الحسن المهدي عليه السلام)، استعرض فيها رحمه الله الكثير من الشبهات المطروحة قديماً وحديثاً بعد أن قام بتأصيل الفكرة والاستدلال عليها بالعقل والنقل والسيرة والتاريخ بما لا يدع مجالاً لأيّ فكرة شاذّة تراود أذهان البعض للتشكيك في بعض شؤونه سلام الله عليه سواء على صعيد الولادة أو الإمامة في الصغر أو الغيبة والعمر الطويل أو النواب وغيرها.
وبين يديك هذان الكتابان وهما خير شاهد على ما قلناه، فرحم الله شيخنا المؤلّف، وسلام عليه يوم وُلد، ويوم مات، ويوم يبعث حيّاً.
وختاماً جدير بنا أن نذكر:
كلمة وفد المرجعية الدينية في أربعينية سماحة الشيخ رحمه الله
إنَّ الإنسان خالدٌ بأعماله الصالحة، وحيٌّ بآثاره النافعة، وممَّن كتب الله تعالى له ذلك فقيدنا الغالي شيخ العلم والأدب والفضيلة سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمّد حسن آل ياسين رضوان الله عليه، الذي قضى ما يزيد على نصف قرن من سنيّ حياته المباركة في سبيل خدمة العلم والدين، فعُرف عالماً محقّقاً، وناقداً مدقّقاً، ومؤلّفاً نافعاً في مختلف المجالات الفكرية: عقيدةً وفقهاً ولغةً وأدباً وغير ذلك، بالإضافة إلى رجاحة عقله، ومتانة تفكيره، وزهده، وورعه، وبعده عن مظاهر الحياة الدنيا، وغيرته على الدين، واهتمامه بأمور المسلمين.
وقد ترك آثاراً مهمّة تُجسّدُ للأجيال القادمة صورةً مشرقةً عن خدماته الجليلة للدين والعلم، وهي كفيلةٌ بتسجيل اسمه الشريف في صحيفة الخالدين.
ولا غروّ في ذلك فإنَّه سليل أسرة علمية جليلة كان لهم _ وكما أثبت المؤرّخون _ من أمجادهم القديمة ما يمتدُّ بهم في طيّات الزمن إلى قرونٍ عديدةٍ.
وكان آخر من أضاء من هذه الدوحة المباركة فقيدنا الكبير سماحة الشيخ محمّد حسن الثاني من آل ياسين طيَّب الله ثراه، الذي كان بحقّ مفخرة من مفاخر هذا العصر في دينه وتقواه، وفي علمه الجمّ وأدبه الرفيع، وكان من أولئك الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
وقد قضى أعلى الله مقامه فأثكل العراق برحيله، وفقدت به الأمّة الإسلاميّة أحد رجالها الأفذاذ، وخسرت الكاظمية المقدَّسة عَلَماً من أعلامها البارزين، وانثلم بفقده ركن من أركانها العظام، وخبا نجم آخر من نجوم آل ياسين.

مدير المركز
السيّد محمّد القبانچي

مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام
سماحة الشيخ محمّد حسن آل ياسين رحمه الله (ت ١٤٢٧هـ)
قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) (الزخرف: ٦١)
(قال مقاتل بن سليمان ومن تبعه من المفسّرين: إنَّ هذه الآية نزلت في المهدي). (ابن حجر الهيتمي الشافعي)
قال تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (الصفّ: ٩)
(قال سعيد بن جبير: هو المهدي من عترة فاطمة). (الحافظ الكنجي الشافعي)
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم

المقدّمة:
الحمد لله على ما أنعم وألهم، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وسلَّم.
اُثيرت حول موضوع (المهدي المنتظر) سحب قاتمة من الشبه والشكوك، وكثر فيه الأخذ والردّ بين طوائف المسلمين، حتَّى بلغ الأمر ببعض الكتّاب والمؤلّفين إلى حدّ اعتبار الإيمان بالمهدي مساوقاً للإيمان بالخرافات والأساطير.
وكان لزاماً على الباحثين المعنيين بالدراسات الإسلاميّة _ والحال هذه _ أن يولوا الموضوع قدراً كبيراً من اهتمامهم، ويجرّدوا أقلامهم للبحث فيه بتجرّد وحيادٍ تامّين ليزيلوا الشبه الطارئة، ويبدّدوا الشكوك الموهومة، ويدحضوا المزاعم المفتراة، ويكشفوا الغطاء عن الحقيقة الناصعة لتبدو أمام الجمهور على واقعها الإسلامي المتلألئ الوضّاء.
ولعلَّ بين الناس من يتخيَّل أنَّ إثارة هذا الموضوع وأمثاله ممَّا يعيق التقريب بين المسلمين ويزيد نار الخلاف بينهم تأجّجاً واشتعالاً، وأنَّ استدال الستار على هذه الأمور أجدى وأنفع، ولكن ذلك _ فيما أعتقد _ خيال لا يمتُّ للحقيقة بصلة، لأنَّ الكتمان لم يكن في يوم من الأيّام علاجاً لمثل هذه المشاكل، بل لن يكون له من أثر سوى تهيئة المجال الواسع لسوء الظنّ وتعميق الهوة وتشويه الواقع، ولهذا يكون البحث المعتمد على الصراحة والصدق أبعث أثراً وأكثر فائدةً، حيث تتجلّى الحقائق المجهولة وينكشف زيف التكهّنات والتخرّصات، وتنغلق منافذ الريب والشكوك.
ومن هنا كان أملي في هذه الصفحات أن تصبح خطوة على الطريق نحو ذلك الهدف الكبير، ومساهمة مخلصة في عملية سلامة الرؤية ووضوح المعالم وتضييق الفجوة.
وسوف لن يكون لي من دور في هذه الرسالة _ إذ تُكتَب بهذا الدافع النبيل ولتحقيق ذلك الهدف الرفيع _ إلاَّ العرض الصادق والمحاكمة الأمينة والبحث النزيه المجرَّد عن الهوى والعاطفة، وكلّ مناي أن يجد فيها القارئ الكريم ما يبدّد السحب السوداء التي لفَّت هذا الموضوع على مرّ القرون وما يوضّح موقف الشيعة الإمامية من مسألة المهدي والمهدوية.
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

العراق - بغداد/ الكاظمية
محمّد حسن آل ياسين

[تمهيد]

كانت خلاصة ما انتهينا إليه في بحثنا عن (الإمامة)(١) أنَّها بحكم النصّ والعقل جزء متمّم للرسالة واستمرار لوجودها، وأنَّ كلّ ما دلَّ على ضرورة النبوّة ووجوبها يصلح نقله إلى الاستدلال به على وجوب الإمامة، لأنَّ وجود النبوّة دون الإمامة وجود منقطع الآخر، وذلك يناقض جوهر الإسلام القائم على استمرار الرسالة إلى يوم القيامة.
فالنبوّة بداية حياة، والإمامة استمرار لتلك الحياة، ولو جاز لنا أن نقول بالنبوّة دون الإمامة لجاز لنا أن نقول بأنَّ الرسالة محدودة النظر لم تقدّر لنفسها عمراً بعد حياة رسولها، ولم تحتط لأهدافها بوصيّ يستمرُّ في العمل والإمداد.
والحقّ، أنَّه لو لم تثبت الوصيّة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بطريق الرواية والنقل، فإنَّ العقل بمجرَّده حاكم بضرورة هذه الوصاية ووقوعها. وإنَّ أحدنا لا يرضى لنفسه أن يغيب عن حطامه الزائل أو يموت عن شيء من متاعه القليل دون أن يكل هذا وذاك إلى وصيّ أمين يديره ويحوطه. أفيجوز على نبيّ الإسلام أن يفارق تراثه العظيم _ وهو للإنسانية طوال عصورها _ دونما وصيّ يرعى هذا التراث ويحوطه على الوجه الصحيح!؟
إنَّ كلّ الظروف المحيطة بالإسلام حين وفاة النبي عليه السلام تدعونا إلى الإيمان بضرورة أنَّه أوصى، وأنَّه لم يترك غرسته المباركة في صحراء عرضة لريح هوجاء أو هجير محرق أو نزوة عارضة.
وهكذا يتجلّى بوضوح أنَّ الشيعة الإمامية لم يصدروا في معارضتهم للانتخاب عن انحياز عاطفي لشخص، أو رأي سياسي بالمعنى الشائع للسياسة، بل رأوا في النصّ ضماناً لحياة صحيحة ووسيلة لبناء سليم، فهم مندفعون في تأييد هذا الرأي بروح من الإيمان بالإسلام والإخلاص للهدف والشعور بالمصلحة.

* * *

وكان علي بن أبي طالب عليه السلام أوّل الأئمّة المنصوص عليهم، حيث تواترت النصوص النبوية في حقّه بالتصريح تارةً وبالتلميح أخرى، وكلّها على اختلاف مناسباتها وأساليبها تهدف _ كما أسلفنا _ إلى شيء واحد هو التعيين لمقام الإمامة والخلافة عنه بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم.
وكان ثاني الأئمّة: الحسن بن علي [عليه السلام].
والثالث: الحسين بن علي [عليه السلام].
والرابع: علي بن الحسين، السجّاد [عليه السلام].
والخامس: محمّد بن علي، الباقر [عليه السلام].
والسادس: جعفر بن محمّد، الصادق [عليه السلام].
والسابع: موسى بن جعفر، الكاظم [عليه السلام].
والثامن: علي بن موسى، الرضا [عليه السلام].
والتاسع: محمّد بن علي، الجواد [عليه السلام].
والعاشر: علي بن محمّد، الهادي [عليه السلام].
والحادي عشر: الحسن بن علي، العسكري [عليه السلام].
ثمّ كان محمّد بن الحسن المهدي [عليه السلام] هو الإمام الثاني عشر(٢)، وقد غاب عن أنظار الناس حتَّى يأذن الله تعالى له بالظهور: (فيملأ الأرض به عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(٣).
واتَّجهت نحو (المهدي) سهام الطعن والإنكار بكلّ عنف وتركيز، وكثر الكلام في موضوع (الغيبة) حتَّى اُغرق بضباب قاتم تصعب معه الرؤية المدركة والنظرة الفاحصة والتمييز الصحيح، وتباعد كثير من الباحثين المخلصين عن خوض هذا الموضوع فراراً من مشاكله وتعقيداته، وتعالت أصوات المنكرين تهدر في شماتة وتشفّ واستهزاء وهي تتخيَّل أنَّ سلاحها القائم على السخرية والتجريح سلاح قاطع لا يُفلّ ولا يُغلَب.
وهكذا نأى بحث (المهدي والمهدوية) عن المنهج العلمي السليم، وفقد الموضوعية الأمينة المخلصة، واُخضع لضغط العواطف البعيدة عن العقل والمنطق.
ومن هنا كان منهجنا في هذه الرسالة أن نلتزم جانب التجرّد والموضوعية، لنتجنَّب الهوة التي سقط فيها الكثيرون.
وسيكون هذا المنهج قائماً على تقسيم الحديث إلى ثلاث مراحل: تُعنى أولاها باستعراض فكرة (المهدوية) ومدى ارتباطها بالإسلام، وتتَّجه ثانيتها إلى تعيين (المهدي) في المأثور من النصوص النبوية، وتبحث الثالثة موضوع إمكان الغيبة، وما دلَّ عليه.
وسيضمن هذا السير المتئد الفاحص _ فيما أعتقد _ توضيحاً كاملاً لما ستتمخَّض عنه هذه الجولة من نتائج، وفهماً واعياً للمشكلة على حقيقتها الأصيلة البعيدة عن العواطف والأهواء والأغراض.

* * *

المرحلة الأولى: فكرة المهدوية
لو ألقينا نظرة خاطفة على مصادر التاريخ _ وبخاصّة تاريخ الأديان _ لأدركنا بجلاء أنَّ الإيمان بـ (المهدوية) لم يكن أبداً من مختصّات عقائد الشيعة الإمامية وليس من بدعهم التي ابتدعوها _ على حدّ تعبير بعض الكتّاب _، بل ليس ذلك من مختصّات المسلمين دون غيرهم من أبناء الديانات السماوية الأخرى.
وإنَّ اليهود والنصارى يعتقدون بمصلح منتظر في آخر الزمان هو (إيليا) عند اليهود، و(عيسى بن مريم) عند المسيحيين.
كما أنَّ المسلمين على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم وفئاتهم كذلك، حيث ذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية والكيسانية والإسماعيلية إلى الإيمان بـ (المهدي) والتصريح بكونه من ضروريات المذهب، وذهب السنّيون إلى مثل ذلك على لسان أئمّة مذاهبهم ورجال حديثهم، وادّعى عدد منهم المهدوية في المغرب وليبيا والسودان.
وهكذا تلتقي الديانات السماوية الثلاث في الإيمان بالفكرة.
ثمّ هكذا يلتقي الشيعة مع سائر إخوانهم المسلمين في هذا الأمر، ويعتقدون في المهدي ما يرويه الدكتور أحمد أمين من رأي السنّيين به من (أنَّه من أشراط الساعة، وأنَّه لا بدَّ في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيّد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلاميّة، ويسمّى _ المهدي _)(٤).
وإنَّهم ليرون في ذلك ما يراه الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلاميّة في المدينة المنوَّرة إذ يقول: إنَّ (أمر المهدي أمر معلوم والأحاديث فيه مستفيضة، بل متواترة متعاضدة... فهي بحقّ تدلُّ على أنَّ هذا الشخص الموعود به، أمره ثابت وخروجه حقّ)(٥).
ومن هنا يظهر أنَّ (الفكرة _ فكرة المهدي _ في ذاتها صحيحة) كما يقول الكاتب المصري المعاصر عبد الحسيب طه حميدة(٦).
ولكن المعجب المضحك في الأمر أنَّ عبد الحسيب هذا لم يلتفت عندما صحَّح الفكرة كما سلف، أنَّه قد تناقض مع نفسه، ونسي أنَّه قد سبق منه القول بكون (فكرة المهدوية إحدى ثمرات العقائد السبئية)(٧)، وهو يعني بذلك أنَّ هذه الفكرة قد اُخذت من العقائد اليهودية لا علاقة لها بالإسلام، وعلى الرغم من كونه لا يقصد من هذه العبارة إلاَّ اتّهام الشيعة بأخذ عقائدهم من يهودي لا يمتُّ للدين الإسلامي بصلة، فقد اتَّهم المسلمين أجمعين _ من حيث لا يشعر _ بمثل ذلك واعتبر ما سمّاه بالفكرة الصحيحة سابقاً (إحدى ثمرات العقائد السبئية) لاحقاً، وهذا التناقض والاضطراب إن دلَّ على شيء فإنَّما يدلُّ على سوء النيّة ومرض النفس، وخصوصاً وقد أثبتت الدراسات التاريخية الحديثة أن لا وجود لمن يسمّى بعبد الله ابن سبأ، وأنَّه شخص موهوم مختلق كوَّنت منه الحزازات إنساناً ذا أهمّية وأفكار وواضع عقائد وآراء. ولعلَّ أولئك الذين كانوا يكرّرون اسم عبد الله بن سبأ في صدر الإسلام كانوا يعنون به الصحابي الجليل عمّار بن ياسر، كما يرجّح بعض الباحثين(٨).
ومهما يكن من أمر فإنَّ الشيء المستخلص من الدراسة الفاحصة النزيهة أنَّ الشيعة لم يبتدعوا فكرة المهدوية، ولم يتبعوا فيها عقائد سبئية وغير سبئية، وأنَّ المهدوية فكرة بشَّرت بها الديانات السماوية الثلاث (اليهودية، والنصرانية، والإسلام)، وأنَّ الإسلام عندما أكَّد الواقع العملي لفكرة المهدوية سارع المسلمون إلى قبول ذلك ونقله والتسليم به بإذعانٍ تامّ.
ولا يمكن أن يكون ذلك كلّه رضوخاً إلى ما يسمّى بـ (ضلالات الشيعة وبدعهم)، وإنَّما هو الرضوخ الصحيح للحقيقة المستمدّة من عقائد الإسلام وأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد لخَّص هذه الحقيقة فضيلة العالم العراقي السُنّي الشيخ صفاء الدين آل شيخ الحلقة، فقال:
(وأمَّا المهدي المنتظر فقد بلغت الأحاديث الواردة فيه حدّاً من الكثرة يورث الطمأنينة بأنَّ هذا كائن في آخر الزمان، فيعيد للإسلام سلامته، وللإيمان قوَّته، وللدين نضارته...، وهي متواترة بلا شكّ ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها، على جميع الاصطلاحات المحرَّرة في الأصول).
(أمَّا الآثار عن الصحابة، المصرّحة بالمهدي، فهي كثيرة لها حكم الرفع. فإنَّ ما أورده البرزنجي في الإشاعة لأشراط الساعة، والآلوسي في تفسيره، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجة، والحاكم، وأبو يعلى، والطبراني، وعبد الرزّاق، وابن حنبل، ومسلم، وأبو نعيم، وابن عساكر، والبيهقي، والخطيب في تاريخه، والدارقطني، والردياني، ونعيم بن حماد في الفتن، وكذا ابن أبي شيبة، وأبو نعيم الكوفي، والبزّار، والديلمي، وعبد الجبّار الخولاني في تاريخه، والجويني، وابن حبّان، وأبو عمرو الداني في سننه، ففي ذلك كلّه كفاية...، فالإيمان بخروجه واجب، واعتقاد ظهوره تصديق لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم)(٩).
وسارع كثير من علماء المسلمين إقراراً بالمهدوية وتصحيحاً لأخبارها إلى تأليف الكتب والرسائل في هذا الموضوع لتعرف الأجيال من بعدهم جليّة الأمر وواقعه كما ورد في التشريع على لسان النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وكان من جملة أولئك المؤلّفين في هذا الموضوع على سبيل التمثيل لا الحصر:
١ _ عباد بن يعقوب الرواجني المتوفى سنة (٢٥٠هـ)، له كتاب (أخبار المهدي).
٢ _ أبو نعيم الأصبهاني المتوفّى سنة (٤٣٠هـ)، له كتاب (أربعين حديثاً في المهدي)(١٠)، وكتاب (مناقب المهدي)(١١)، وكتاب (نعت المهدي).
٣ _ محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي المتوفّى سنة (٦٥٨هـ)، له كتاب (البيان في أخبار صاحب الزمان) مطبوع.
٤ _ يوسف بن يحيى السلمي الشافعي المتوفّى سنة (٦٨٥هـ)، له كتاب (عقد الدرر في أخبار المهدي المنتظر)(١٢).
٥ _ ابن قيّم الجوزية المتوفّى سنة (٧٥١هـ) له كتاب (المهدي).
٦ _ ابن حجر الهيتمي الشافعي المتوفّى سنة (٨٥٢هـ)، له كتاب (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر)(١٣).
٧ _ جلال الدين السيوطي المتوفّى سنة (٩١١هـ)، له كتاب (العرف الوردي في أخبار المهدي) مطبوع، وكتاب (علامات المهدي).
٨ _ ابن كمال باشا الحنفي المتوفّى سنة (٩٤٠هـ)، له كتاب (تلخيص البيان في علامات مهدي آخر الزمان)(٠١٤).
٩ _ محمّد بن طولون الدمشقي المتوفّى سنة (٩٥٣هـ)، له كتاب (المُهدي إلى ما ورد في المَهدي)(١٥).
١٠ _ علي بن حسام الدين المتّقي الهندي المتوفّى سنة (٩٧٥هـ)، له كتاب (البرهان في علامات مهدي آخر الزمان، وكتاب (تلخيص البيان في أخبار مهدي آخر الزمان)(١٦).
١١ _ علي القاري الحنفي المتوفّى سنة (١٠١٤هـ)، له كتاب (الردّ على من حكم وقضى أنَّ المهدي جاء ومضى)، وكتاب (المشرب الوردي في أخبار المهدي)(١٧).
١٢ _ مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي المتوفّى سنة (١٠٣١هـ)، له كتاب (فرائد فوائد الفكر في الإمام المهدي المنتظر)(١٨).
١٣ _ القاضي محمّد بن علي الشوكاني المتوفّى سنة (١٢٥٠هـ)، له كتاب (التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجّال والمسيح)(١٩).
١٤ _ رشيد الراشد التاذفي الحلبي المعاصر، له (تنوير الرجال في ظهور المهدي والدجّال) مطبوع.

* * *

كذلك كان شأن الشعراء مع (المهدوية) ومهديّها، حيث تضمَّنت قصائد عدد غير قليل منهم كلّ معاني التطلّع إليها، والترقّب ليومها والإقرار بحتميَّتها، وكان من أولئك الشعراء على سبيل الاستشهاد لا الاستيعاب:
١ _ الكميت بن زيد الأسدي المتوفّى سنة (١٢٦هـ)، وفي ذلك يقول:

متى يقوم الحقّ فيكم متى * * * يقوم مهديّكم الثاني(٢٠)

٢ _ إسماعيل بن محمّد الحميري المتوفّى سنة (١٧٣هـ)، وفي ذلك يقول:

بان وليّ الأمر والقائم الذي * * * تطلع نفسي نحوه بتطرّب
له غيبة لا بدَّ من أن يغيبها * * * فصلّى عليه الله من متغيّب
فيمكث حيناً ثمّ يظهر حينه * * * فيملأ عدلاً كلّ شرق ومغرب(٢١)

٣ _ دعبل الخزاعي المتوفّى سنة (٢٤٦هـ)، وفي ذلك يقول:

خروج إمام لا محالة خارج * * * يقوم على اسم الله والبركات
يميّز فينا كلّ حقّ وباطل * * * ويجزي على النعماء والنقمات(٢٢)

٤ _ مهيار الديلمي المتوفّى سنة (٤٢٨هـ)، وفي ذلك يقول:

عسى الدهر يشفي غداً من عداك * * * قلب مغيظ بهم مُكْمَدِ
عسى سطوة الحقّ تعلو المحال * * * عسى يُغلب النقص بالسؤددِ
بسمعي لقائمكم دعوة * * * يلبّي لها كلّ مستنجَدِ(٢٣)

٥ _ ابن منير الطرابلسي المتوفّى سنة (٥٤٨)، وفي ذلك يقول على سبيل الدعابة:

واليت آل أميّـ * * * ـة الطهر الميامين الغرر
واُكذّب الراوي وأطعـ * * * ـن في ظهور المنتظر(٢٤)

٦ _ محمّد بن طلحة الشافعي المتوفّى سنة (٦٥٢هـ)، وفي ذلك يقول:

وقد قال رسول اللّـ * * * ـه قولاً قد رويناهُ

إلى أن يقول:

وقد أبداه بالنسبة * * * والوصف وسمّاهُ
ويكفي قوله (منّي) * * * لإشراق محياهُ
ومن بضعته الزهراء * * * مرساه ومسراهُ
فمن قالوا هو المهدي * * * ما ماتوا بما فاهوا(٢٥)

٧ _ ابن أبي الحديد المعتزلي المتوفّى سنة (٦٥٦هـ)، وفي ذلك يقول:

ولقد علمت بأنَّه لا بدَّ من * * * مهديّكم وليومه أتوقَّعُ
يحميه من جند الإله كتائب * * * كاليم أقبل زاخراً يتدفَّعُ
فيها لآل أبي الحديد صوارم * * * مشهورة ورماح خطّ شرعُ(٢٦)

٨ _ شمس الدين محمّد بن طولون الحنفي الدمشقي المتوفّى سنة (٩٥٣هـ)، وفي ذلك يقول في ضمن أرجوزة يسمّي فيها الأئمّة الاثني عشر:

والعسكري الحسن المطهَّر * * * محمّد المهدي سوف يظهر(٢٧)

٩ _ عبد الله بن علوي الحدّاد التريمي الشافعي المتوفّى سنة (١١٣٢هـ)، وفي ذلك يقول:

محمّد المهدي خليفة ربّنا * * * إمام الهدى بالقسط قامت ممالكه
كأنّي به بين المقام وركنها * * * يبايعه من كلّ حزب مباركه

ويقول في أخرى:

ومنّا إمام حان حين خروجه * * * يقوم بأمر الله خير قيام
فيملؤها بالحقّ والعدل والهدى * * * كما ملئت جوراً بظلم طغام(٢٨)
* * *

المرحلة الثانية: من هو المهدي؟
لقد نفى الإسلام ما ذهب إليه اليهود من كون (إيليا) هو المصلح المنتظر، وما ذهب إليه النصارى من كونه (عيسى بن مريم)، كذلك نفى الواقع الخارجي ما ذهب إليه الكيسانية من كونه (محمّد ابن الحنفية)، والإسماعيلية من كونه (إسماعيل بن جعفر)، لثبوت موت محمّد وإسماعيل وانتفاء بقائهما.
بقي الخلاف قائماً بين السُنّة والشيعة الإمامية في تعيين المهدي.
وخلاصة اعتقاد أهل السُنّة أنَّه سيظهر في آخر الزمان مهدي يقوم بالسيف وأنَّه (قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم بخروجه، وأنَّه من أهل بيته، وأنَّه يملك سبع سنين، وأنَّه يملأ الأرض عدلاً، وأنَّه يخرج مع عيسى على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام...، وأنَّه يؤمُّ هذه الأمّة ويُصلّي عيسى خلفه)(٢٩).
وخلاصة اعتقاد الشيعة الإمامية أنَّه سيظهر في آخر الزمان مهدي علوي النسب يقوم بالسيف، وأنَّه سيملأ الأرض عدلاً وقسطاً ويحقّق للإسلام مجال التطبيق الكامل في الأرض كلّ الأرض.
وإذن، فما هي جهة الاختلاف بين القولين؟
إنَّ الخلاف بينهما منحصر في كون السُنّة يعتقدون بأنَّ هذا المهدي سيولد في آخر الزمان وليس له الآن وجود، ولا يُعلم متى سيولد ومن أبوه، وعلى هذا الأساس أمكن للسنوسي في ليبيا وعبد الرحمن في السودان وغيرهما ادّعاء المهدوية والقيام بالسيف.
أمَّا الشيعة الإمامية فيرون أنَّ المهدي هو محمّد بن الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وأنَّه موجود في دار الدنيا ولكن لا يعرفه الناس.
وهذه هي نقطة الخلاف بين الجانبين.
وحين إنَّ البيّنة على المدَّعي _ كما جاء في القاعدة الفقهية _ فإنَّنا هنا سنورد البيّنات التي يتمسَّك بها الشيعة في إثبات ما يعتقدون، ونستعرض سائر ما دفعوا به حجج المنكرين، لتتَّضح جليّة الأمر لكلّ ذي عينين.
ولمَّا كانت الشيعة _ كما أسلفنا في صدر البحث _ تؤمن بأنَّ الإمامة منصب إلهي يحتاج إلى النصّ والتعيين فقد آمنت بإمامة المهدي محمّد بن الحسن جرياً وراء النصّ وتعبّداً به واتّباعاً لمنطوقه الصريح.
ولعلَّ هناك من يسأل فيقول: ما هو هذا النصّ؟ وما لفظه؟ ومن رواه؟
ولتوضيح الجواب لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ هذا النصّ على المهدي لم يكن خبراً واحداً أو خبرين، وإنَّما هي مجموعة أخبار نبوية متواترة تجاوزت العدّ بالعشرات إلى الحساب بالمئات، ورواها عدد كبير من الصحابة، وأخرجها عدد كبير آخر من الحفّاظ والرواة، وبهذه الاستفاضة والتواتر لم يعد يصحّ التردّد في صحَّة هذه الأحاديث والقطع بما دلَّت عليه.
ولزيادة الدقَّة والموضوعية نقول: إنَّ هذه الأحاديث من حيث السند والدلالة تنقسم إلى ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: صحيحة السند ظاهرة الدلالة خالية من كلّ ريب، وقد نصَّ أئمّة الحديث وأكابر الحفّاظ على صحَّتها أو حسنها وكون بعضها على شرط الشيخين البخاري ومسلم. ولا شكَّ في وجوب الأخذ بهذه الطائفة والعمل بها والاعتقاد بما دلَّت عليه.
الطائفة الثانية: أحاديث غير صحيحة من حيث السند وإن كانت ظاهرة الدلالة. والقواعد المقرَّرة في علم الحديث توجب الأخذ بها أيضاً لاعتضادها وانجبارها بالطائفة الأولى وأخذ المشهور لها بل الإجماع على مضمونها.
الطائفة الثالثة: وفيها الصحيح والضعيف، ولكنَّها مخالفة لعامّة الأحاديث المستفيضة المتواترة. واللازم طرحها والإعراض عنها إن لم يمكن تأويلها، مثل ما دلَّ على أنَّ اسم المهدي أحمد وأنَّ اسم أبيه يوافق اسم أب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، أو أنَّه من أولاد أبي محمّد الحسن الزكي، حيث إنَّ هذه الأخبار أخبار شاذّة أعرض عنها المشهور(٣٠).
وكانت أحاديث الطائفتين الأولى والثانية، وهي التي بيَّنا وجوب الأخذ بها تتَّجه نحو الهدف بعبارات شتّى وتقصد التعيين بألفاظ مختلفة، ونستطيع أن نوجز خلاصتها على النحو الآتي:
لقد نصَّ بعضها: على كون المهدي من قريش.
(أخرج أحمد والماوردي أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: (ابشروا بالمهدي، رجل من قريش، من عترتي، يخرج في اختلاف من الناس وزلزال، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً))(٣١).
ونصَّ بعض: على كونه من أولاد عبد المطَّلب.
أخرج ابن ماجة بسنده عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (نحن ولد عبد المطَّلب سادة أهل الجنة: أنا وحمزة وعلي وجعفر والحسن والحسين والمهدي)(٣٢).
وبعض: على كونه من آل محمّد.
(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي، اسمه كاسمي وكنيته ككنيتي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، فذلك هو المهدي)، وهذا حديث مشهور)(٣٣).
وبعض: على كونه من العترة.
(أخرج أبو داود بسنده عن اُمّ سَلَمة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (المهدي من عترتي))(٣٤).
وبعض: على كونه من أهل البيت.
(قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: (لو لم يبقَ من الدهر إلاَّ يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي، يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً))(٣٥).
وبعض: على كونه من أولاد علي.
(عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ علياً وصيّي، ومن ولده القائم المنتظر المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً))(٣٦).
وبعض: على كونه من أولاد فاطمة.
(أخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي وآخرون: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة))(٣٧).
وبعض: على كونه من أولاد الحسين.
(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تذهب الدنيا حتَّى يقوم بأمّتي رجل من ولد الحسين يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً))(٣٨).
وبعض: على كونه التاسع من ذرّية الحسين.
(عن سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال: دخلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم فإذا الحسين على فخذيه وهو يقبّل خدّيه ويلثم فاه ويقول: أنت سيّد ابن سيّد أخو سيّد، وأنت إمام ابن إمام أخو إمام، وأنت حجّة ابن حجّة أخو حجّة، أبو حجج تسعة تاسعهم قائمهم المهدي))(٣٩).
وبعض: على كونه ثاني عشر الأوصياء.
وثاني عشر الأئمّة.
وثاني عشر الخلفاء.
(إنَّ وصيّي علي بن أبي طالب وبعده سبطاي الحسن والحسين تتلوه تسعة أئمّة من صلب الحسين)، قال: يا محمّد فسمّهم لي، قال: (إذا مضى الحسين فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمّد، فإذا مضى محمّد فابنه جعفر، فإذا مضى جعفر فابنه موسى، فإذا مضى موسى فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمّد، فإذا مضى محمّد فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه الحسن، فإذا مضى الحسن فابنه الحجّة محمّد المهدي، فهؤلاء اثنا عشر)(٤٠).
(ذكر يحيى بن الحسن في كتاب العمدة من عشرين طريقاً في أنَّ الخلفاء بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش، في البخاري من ثلاثة طرق، وفي مسلم من تسعة طرق، وفي أبي داود من ثلاثة طرق، وفي الترمذي من طريق واحد. وفي الحميدي من ثلاثة طرق)(٤١).
وبعض: على كونه ابن الحسن العسكري.
(في المناقب عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن النبيّ: (... فبعده ابنه الحسن يُدعى بالعسكري، فبعده ابنه محمّد يُدعى بالمهدي والقائم والحجّة، فيغيب ثمّ يخرج، فإذا خرج يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً))(٤٢).
وهكذا نجد أنَّ هذه الأحاديث _ بهذا الجمع بين متفرّقها _ تحصر مهدي هذه الأمّة بابن الحسن العسكري، وهي النتيجة الثابتة التي لا مراء فيها.
وليكون القارئ على بيّنة أكثر من الأمر نورد فيما يلي أسماء رواة أحاديث المهدي المارّة الذكر من الصحابة بالخصوص، حيث لا تتَّسع هذه العجالة لتسجيل أسماء كلّ الرواة من سائر الطبقات.
١ _ أبو اُمامة الباهلي.
٢ _ أبو أيّوب الأنصاري.
٣ _ أبو سعيد الخدري.
٤ _ أبو سليمان _ راعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم _.
٥ _ أبو الطفيل.
٦ _ أبو هريرة.
٧ _ اُمّ حبيبة، اُمّ المؤمنين.
٨ _ اُمّ سَلَمة، اُمّ المؤمنين.
٩ _ أنس بن مالك.
١٠ _ ثوبان _ مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم _.
١١ _ جابر بن سمرة.
١٢ _ جابر بن عبد الله الأنصاري.
١٣ _ حذيفة بن اليمان.
١٤ _ سلمان الفارسي.
١٥ _ شهر بن حوشب.
١٦ _ طلحة بن عبيد الله.
١٧ _ عائشة، اُمّ المؤمنين.
١٨ _ عبد الرحمن بن عوف.
١٩ _ عبد الله بن الحارث بن حمزة.
٢٠ _ عبد الله بن عبّاس.
٢١ _ عبد الله بن عمر.
٢٢ _ عبد الله بن عمرو بن العاص.
٢٣ _ عبد الله بن مسعود.
٢٤ _ عثمان بن عفّان.
٢٥ _ علي بن أبي طالب [عليه السلام].
٢٦ _ علي الهلالي.
٢٧ _ عمّار بن ياسر.
٢٨ _ عمران بن حصين.
٢٩ _ عوف بن مالك.
٣٠ _ قرة بن أياس.
٣١ _ مجمع بن جارية الأنصاري(٤٣).
أمَّا الذين خرَّجوا أحاديث المهدي من حفّاظ الحديث ورجال الصحاح والسنن فقد أحصاهم الشيخ عبد المحسن العباد (٣٨) حافظاً من الأجلَّة والمشاهير(٤٤)، وكان منهم:
١ _ أبو داود في سننه.
٢ _ الترمذي في جامعه.
٣ _ ابن ماجة في سننه.
٤ _ النسائي في الكبرى.
٥ _ أحمد في مسنده.
٦ _ ابن حبّان في صحيحه.
٧ _ الحاكم في المستدرك.
٨ _ أبو بكر بن أبي شيبة في المصنَّف.
٩ _ نعيم بن حماد في كتاب الفتن.
١٠ _ أبو نعيم في المهدي والحلية.
١١ _ الطبراني في الكبير والأوسط والصغير.
١٢ _ الدارقطني في الإفراد.
١٣ _ البارودي في معرفة الصحابة.
١٤ _ أبو يعلى الموصلي في مسنده.
١٥ _ البزّار في مسنده.
١٦ _ الحارث بن أبي اُسامة في مسنده.
١٧ _ الخطيب في تلخيص المتشابه وفي المتَّفق والمفترق.
١٨ _ ابن عساكر في تاريخه.
١٩ _ ابن مندة في تاريخ أصبهان.
٢٠ _ أبو الحسن الحربي في الأوّل من الحربيات.
٢١ _ تمام الرازي في فوائده.
٢٢ _ ابن جرير في تهذيب الآثار.
٢٣ _ أبو بكر بن المقري في معجمه.
٢٤ _ أبو عمرو الداني في سننه.
٢٥ _ أبو غنم الكوفي في كتاب الفتن.
٢٦ _ الديلمي في مسند الفردوس.
٢٧ _ أبو بكر الإسكاف في فوائد الأخبار.
٢٨ _ أبو الحسين بن المناوي في كتاب الملاحم.
٢٩ _ البيهقي في دلائل النبوّة.
٣٠ _ أبو عمرو المقري في سننه.
٣١ _ ابن الجوزي في تاريخه.
٣٢ _ يحيى الحماني في مسنده.
٣٣ _ الروياني في مسنده.
٣٤ _ ابن سعد في الطبقات.

* * *

ولد سلام الله عليه في سامراء عند الفجر من يوم الخامس عشر من شهر شعبان سنة (٢٥٥هـ)(٤٥)، وسمّاه أبوه محمّداً، فكان ذلك مصداقاً للحديث النبوي المعروف: (يواطئ اسمه اسمي)(٤٦)، وكنّاه أبا القاسم(٤٧).
وقد تسالم على هذه الحقيقة رواة الشيعة الإمامية وكثيرون غيرهم من طوائف الإسلام الأخرى.
ولكن بعض المسلمين _ مع إقرارهم بالمهدوية _ أنكروا المهدي بحجّة عدم وجود ولد للعسكري، وأوردوا لإثبات هذه الحجّة أربعة أدلَّة نوجزها فيما يلي:
١ _ إنَّ العسكري عندما حضرته الوفاة جعل والدته (اُمّ الحسن) وصيّة عنه على كلّ ما لديه من وقوف وصدقات وشؤون، ولو كان له ولد لما عداه.
٢ _ إنَّ جعفر بن علي عمّ المهدي قد أنكر وجود ولد لأخيه، وشهادة العمّ في مثل هذا الأمر ذات أهمّية كبرى.
 ٣ _ إنَّ الشيعة تدَّعي أنَّ العسكري قد كتم أمر ولده عن غير خواصّه، فلماذا فعل ذلك مع كثرة أصحابه يومذاك وتمتّعهم بالحول والمال والقوَّة، في حين أنَّ الأئمّة السابقين في العصرين الأموي والعبّاسي كانوا في حال أصعب وضغط أشدّ، ومع ذلك لم يكتموا أمر أولادهم مثل هذا الكتمان.
٤ _ إنَّ مصادر التاريخ لم تعرف ولداً للحسن العسكري ولم ترو من خبره شيئاً.
وبهذه الأدلَّة الأربعة نفى النافون ولادة الإمام محمّد بن الحسن.
ونورد فيما يلي _ باختصار _ جواب هذه الأدلَّة ليتَّضح الأمر ويحصحص الحقّ، فنقول:
أمَّا جواب الدليل الأوّل:
فإنَّ الوصيّة للاُمّ لا تصلح برهاناً على نفي وجود الولد، وكان غرض الإمام منها صرف الأنظار عن ولده وعدم تسليط الأضواء عليه وإيهام خصومه بعدم وجود ولد له، بل زاد في الإيهام _ متعمّداً _ فأشهد لفيفاً من كبار رجالات الدولة يومذاك على الوصيّة(٤٨).
وكان الإمام العسكري في تصرّفه هذا سائراً على نهج جدّه جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام عندما جعل له خمسة أوصياء بعد وفاته هم: المنصور العبّاسي والربيع وقاضي المدينة بالإضافة إلى زوجته حميدة وولده موسى بن جعفر عليه السلام، وكان غرضه من ذلك إبعاد الأنظار عن ولده موسى(٤٩)، لأنَّه لو خصَّه بالوصيّة لكان للعبّاسيين معه شأن آخر من يوم وفاة أبيه، وقد كتب المنصور عندما بلغه نبأ وفاة الصادق إلى واليه على المدينة يأمره بتضييق الخناق على وصيّ جعفر بن محمّد، فكتب الوالي إلى المنصور _ بعد التحقيق _ يخبره بأنَّ الأوصياء خمسة وأنَّ أوّلهم وأبرزهم هو الخليفة نفسه، فكان في ذلك إبعاد الأذى عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام.
وأمَّا جواب الدليل الثاني:
فإنَّ جعفراً من أفراد الناس العاديين، ويجوز عليه ما يجوز عليهم من خطأ وعصيان وادّعاء باطل، وحسبه أن يكون شبيهاً بقابيل إذ قتل أخاه وبأبناء يعقوب عندما ألقوا أخاهم في الجب وآذوا أباهم وحلفوا اليمين الكاذبة على أنَّ أخاهم قد أكله الذئب.
وقد تخيَّل جعفر _ وهو يعلم بكتمان أمر ابن أخيه عن غير الخاصّة من أصحاب أبيه _ أنَّه سيكون الإمام بمجرَّد هذا الإنكار، وأنَّ الأموال الشرعية ستجبى إليه من كلّ حدب وصوب، ولكن إرادة الله غالبة، إذ سرعان ما انكشف زيف أمره، ثمّ ندم على ما فعل وتاب من سوء ما عمل حتَّى اشتهر باسم (جعفر التوّاب).
وليس عجيباً وقوف العمّ ضدّ ابن أخيه، فقديماً كان أبو لهب والعبّاس قادة التأليب على ابن أخيهما محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، حيث أنكروا نبوَّته ونسبوا له السحر والجنون وساقوا الجيوش لحربه ووضعوا الخطط للقضاء عليه.
وأمَّا جواب الدليل الثالث:
فإنَّ الذي دعا الإمام العسكري إلى كتمان أمر ولده هو ما يعلمه من اشتهار قيام الإمام الثاني عشر من أهل البيت بالسيف ليزيل دولة الباطل ويقيم دولة الحقّ، ولذلك كان الحكّام يخشون هذا الثائر ويعدّون العدَّة للقضاء عليه بكلّ صورة لو علموا أمره وعرفوا خبره، ومن هنا اضطرَّ العسكري إلى الكتمان والاحتفاظ بخبر ابنه سرّاً عند الخاصّة من أصحابه. وممَّا يوضّح ذلك ويؤيّده أنَّ السلطات الحاكمة قد بادرت بإرسال جلاوزتها ساعة وفاة العسكري إلى داره ليقبضوا على من يكون فيها من صبيان وغلمان(٥٠)، ولولا إرادة الله التي سهَّلت لمحمّد بن الحسن الفرار والاختفاء لقتلوه.
وللعسكري في هذا الكتمان أسوة باُمّ موسى بن عمران عندما اُوحي إليها بضرورة ستره وكتمانه خوفاً عليه من فرعون زمانه كما نطق القرآن المجيد بذلك.
أمَّا الأئمّة السابقون فلم يكن لزاماً عليهم أن يقوموا بالسيف، وإنَّما كان الأمر متروكاً للظروف وملابساتها وما يقتضيه كلّ ظرف منها من حكم وتكليف، ولذلك كان لهم بعض الأمان وبعض الحرّية وإن لم يكن أماناً وحرّيةً بمعناهما الصحيح.
وأمَّا جواب الدليل الرابع:
فإنَّ البنوَّة إنَّما تثبت _ في الشرع _ بقول القابلة والنساء اللائي يحضرن الولادة، وباعتراف صاحب الفراش، وبشهادة رجلين من المسلمين على إقرار الأب بابنه. وهذه الجوانب الثلاثة متوفّرة في هذا الولد.
فالسيّدة حكمية بنت الإمام الجواد عليه السلام هي التي تولَّت أمر الولادة وشهدت بها.
والإمام العسكري هو الأب وقد أقرَّ بهذه البنوَّة أمام خواصّه(٥١).
والمسلمون _ جيلاً بعد جيل _ يروون ذلك ويشهدون بصحَّته. وكان ممَّن روى خبر هذه الولادة _ بالإضافة إلى إجماع الشيعة الإمامية عليها _ من علماء المسلمين عدد غير قليل من المؤرّخين والمؤلّفين، ومنهم على سبيل التمثيل:
١ _ محمّد بن طلحة الشافعي المتوفّى سنة (٦٥٢هـ)(٥٢).
٢ _ سبط ابن الجوزي المتوفّى سنة (٥٥٤هـ)(٥٣).
٣ _ الكنجي الشافعي المتوفّى سنة (٦٥٨هـ)(٥٤).
٤ _ ابن خلّكان الشافعي المتوفّى سنة (٦٨١هـ)(٥٥).
٥ _ صلاح الدين الصفدي المتوفّى سنة (٧٦٤هـ)(٥٦).
٦ _ ابن حجر الهيتمي الشافعي المتوفّى سنة (٨٥٢هـ)(٥٧).
٧ _ ابن الصبّاغ المالكي المتوفّى سنة (٨٥٥هـ)(٥٨).
٨ _ ابن طولون الدمشقي المتوفّى سنة (٩٥٣هـ)(٥٩).
٩ _ الحسين بن عبد الله السمرقندي المتوفّى سنة (١٠٤٣هـ) تقريباً(٦٠).
١٠ _ محمّد الصبّان الشافعي المتوفّى سنة (١٢٠٦هـ)(٦١).
١١ _ سليمان القندوزي الحنفي المتوفّى سنة (١٢٩٤هـ)(٦٢).
١٢ _ محمّد أمين السويدي المتوفّى سنة (١٢٤٦هـ)(٦٣).
١٣ _ مؤمن الشبلنجي الشافعي المتوفّى (ق ١٤هـ)(٦٤).

* * *

المرحلة الثالثة: إمكان الغيبة والدليل عليها
لقد ثبت لدينا من كلّ ما سلف أنَّ فكرة (المهدوية) فكرة نابعة من صميم التشريع الإسلامي، وقد بشَّر بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما اُثر عنه، وتناقل روايتها علماء الحديث طبقة بعد طبقة. كما ثبت كذلك أنَّ المهدي الذي وردت فيه الأحاديث هو محمّد بن الحسن العسكري، وأنَّه ولد بسامراء وعرف خبر ولادته يومها عند الخاصّة من أصحاب أبيه، ثمّ اشتهر بعد ذلك في مصادر التاريخ.
ولا بدَّ لنا بعد ثبوت المرحلتين السابقتين أن ننتقل إلى بحل المرحلة الثالثة والأخيرة المتعلّقة بما يترتَّب على ولادة محمّد بن الحسن وثبوت كونه المهدي. ولعلَّ من الأفضل _ سيراً وراء المنهج والوضوح _ أن نتدرَّج في الحديث على ضوء التسلسل الآتي:
١ _ هل غاب المهدي؟
٢ _ وعلى فرض الغيبة هل يمكن أن يبقى الإنسان حيّاً طيلة هذه القرون؟
ويجدر بنا _ وقد بلغنا المرحلة الحسّاسة من البحث _ أن نقدّم التمهيد التالي قبل الدخول في صلب الحديث، ليكون عوناً لنا على استخلاص النتائج ووضوح الأهداف:
لقد جعل الإسلام العقل مصدراً للعقيدة وأساساً للإيمان، ونهى عن التقليد والتبعية العمياء، وكان الغرض من ذلك أن تستند أصول الاعتقاد إلى العقل وتعتمد عليه وتستمدّ قوَّتها وصلابتها منه وحده، دونما مشاركة شيء آخر من هوى النفس واندفاع العاطفة واتّباع الآخرين.
وهكذا كان العقل هو الدليل إلى الله تعالى وهو المرشد نحو الإيمان بوجوده ووحدانيَّته وضرورته، ثمّ كان العقل _ أيضاً _ هو الدليل على ضرورة النبوَّة والإمامة والمعاد تفريعاً على الإيمان بالله عز وجل. أمَّا المفردات الأخرى من أحكام الشرع ونصوص الدين فليست بحاجة إلى دليل عقلي، وليس لزاماً أن يقام عليها مثل هذا الدليل، بل يكفي في وجوب الإقرار بها مجرَّد ورود النصّ عليها بالطرق الشرعية المقرَّرة للتعبّد بالنصوص.
ومن هنا آمن المسلمون _ بصدق ويقين _ بمسألة وجود الملائكة مثلاً، أو تكلّم عيسى في المهد، أو تسبيح الحصى بيد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، لورود ذلك في القرآن الكريم والسُنّة الصحيحة.
وإنَّنا عندما نبحث موضوع المهدي وغيبته فإنَّما نبحثه مع المسلمين المقرّين بأصول الإسلام وأسس التشريع، دون غيرهم من منكري وجود الله تعالى أو غير المعتنقين للإسلام، وذلك لأنَّ المسألة تعتمد في جوهرها على الاستدلال بالقرآن الكريم والسُنّة الشريفة، فلا يصحُّ الكلام فيها مع من لا يؤمن بالكتاب والسُنّة.
وبتعبير آخر: إنَّنا نبحث هذا الموضوع على أساس الاعتقاد الديني المستند إلى الأدلَّة الشرعية التي أجمع المسلمون على وجوب العمل بها، وليس على أساس آخر، ولم تكن المسألة في حال من الأحوال من قبيل العملية الرياضية البديهية كحاصل ضرب (٢×٢)، أو من قبيل القاعدة الفلسفية التي لا يمكن فيها النقاش كبطلان الدور أو التسلسل.
وإذن، فليكن القارئ الكريم على علم بأنَّنا سنبحث هذه المشكلة بكلّ جوانبها على ضوء الكتاب والسُنّة لأنَّهما مصدر التشريع وباب المعرفة عند المسلمين وأنَّ إنكارهما والخروج عليهما إنكار للإسلام وخروج للإسلام وخروج على أحكامه وتكاليفه(٦٥).
إذا اتَّضح هذا التمهيد نقول:
إنَّ النصوص النبوية الشريفة التي رواها حفّاظ الحديث _ وفيهم من اتَّفق المسلمون على صحَّة حديثهم _ تكرّر كلمة (الغيبة)(٦٦)، وفي بعضها: (تكون له غيبة وحيرة تضلُّ فيها الأمم)(٦٧)، وفي رواية أخرى: (يغيب عن أوليائه غيبة، لا يثبت على القول بإمامته إلاَّ من امتحن الله قلبه للإيمان)(٦٨)، وفي حديث ابن عبّاس: (يبعث الله المهدي بعد إياس، وحتَّى يقول الناس: لا مهدي)(٦٩).
وكلمة (الغيبة) كما يقتضيها سياق الأحاديث المارّة الذكر لا تعني إحياء المهدي بعد موته، وإعادته إلى الدنيا بعد وفاته، وإنَّما هي ناظرة إلى اختفائه واحتجابه وعدم معرفة الناس له في مشاهدتهم إيّاه، وهذا هو الذي يتبادر إلى كلّ ذهن عند قراءة تلك الأحاديث والمرور بكلمة (الغيبة) المتكرّرة فيها.
والحديث الشريف الذي اتَّفق المسلمون على روايته: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) صريح في ضرورة وجود إمام في كلّ عصر وكلّ حين.
وبعد أن ثبتت ولادة محمّد بن الحسن بما لا يقبل الشكّ تكون كلمة (الغيبة) وضرورة وجود الإمام في كلّ زمان دليلين جليّين على استمرار حياة المهدي طيلة هذه القرون، وعلى ردّ سائر ما يقال في هذا الصدد من تردّد واستبعاد.
والقول بوفاة المهدي _ بالإضافة إلى مخالفته لأحاديث الغيبة وحديث استمرار الإمامة _ لم ينصّ عليه أحد من المؤرّخين، ولم يرد ذكره في أيّ كتاب بما فيها كتب المنكرين، متى مات، وفي أيّ يوم وأيّ شهر وأيّ سنة، ومتى شُيّع، ومن حضر تشييعه، وأين دفن وفي أيّ بلد!؟
إنَّ هذا كلّه يؤكّد أنَّ المهدي حيّ لم يمت، وأنَّه غاب واختفى عن أعين أعدائه حفاظاً على حياته ونجاة بنفسه.
وكان اختفاؤه هذا على مرحلتين:
الأولى: اختفاؤه عن أعين الناس حينما هجم جيش الخليفة على دار الإمام العسكري إثر وفاته، وكان يتَّصل خلال هذه الفترة بالثقات من وكلائه ويدلي إليهم بالأجوبة والردود على الأسئلة والمشاكل التي يوجّهها شيعته إليه.
الثانية: اختفاؤه الكامل عن كلّ الناس بحيث لا يتَّصل به أحد مطلقاً(٧٠).

* * *

إنَّ السؤال الملحّ الذي يقفز إلى الذهن _ بعد ثبوت وجود المهدي واختفائه واستمرار حياته إلى اليوم _ هو:
هل من الممكن للإنسان البقاء على قيد الحياة طوال هذه السنين؟ وهل تقرُّ العقول بذلك؟
وقبل الإجابة على هذا السؤال نودُّ أن نذكّر القارئ بما سلف منّا ذكره من أنَّ حقائق الشرع إذا ثبتت بالنقل الصحيح فإنَّنا _ باعتبارنا مسلمين _ يجب علينا التعبّد بذلك وقبوله ولو لم تهتد عقولنا لفهم فلسفته وإدراك سرّه.
وإنَّ الجهل بحكمة هذا الحكم أو علَّة ذاك لا يبرّر إنكاره ورفضه، بل لا بدَّ من الرضوخ والتنفيذ على كلّ حال، ولا يصحُّ في الإسلام أن ينكر المسلم حكماً من الأحكام أو يرفض الإقرار بفرض من الفروض بحجّة عدم فهم السرّ أو عدم الاقتناع بالتعليل.
أمَّا طول العمر وامتداد الحياة مئات من السنين فليس من المستحيلات كما يتصوَّر بعض المتصوّرين، بل روى المؤرّخون وقوع ذلك كثيراً في تاريخ البشرية الطويل.
فآدم عليه السلام _ مثلاً _ عمَّر ألف سنة.
ولقمان صاحب النسور عمَّر ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة.
وسلمان الفارسي رضي الله عنه عمَّر طويلاً في الأرض، وادَّعى بعض المؤرّخين أنَّه عاصر المسيح وأدرك الإسلام وتوفّي في أيّام الخليفة عمر بن الخطّاب.
إلى كثير وكثير ممَّن عمَّر مئات من السنين، وروى خبرهم المؤرّخون وبخاصّة السجستاني الذي جمع أخبارهم في كتاب سمّاه (المعمّرون)، وقد طبع لأوّل مرَّة في مصر سنة (١٣٢٣هـ/ ١٩٠٥م).
هذا من ناحية الإثبات التاريخي.
وأمَّا القرآن الكريم فهو أصدق قيلاً وأقوى حجّةً من كلّ مؤرّخ وكلّ رواية. وقد قال الله تعالى فيه وقوله الحقّ أنَّ نوحاً النبيّ عليه السلام لبث في قومه يدعوهم إلى الله (٩٥٠) عاماً، والله أعلم كم عاش قبل الدعوة وبعد الطوفان.
وأنَّ يونس النبيّ عليه السلام بقي في بطن الحوت مدَّة طويلة من الزمن، ولولا فضل الله عليه لبقي في بطنه إلى يوم القيامة، (فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [الصافّات: ١٤٣ و١٤٤]، ومعنى هذا اللبث بقاؤه حيّاً إلى يوم القيامة وبقاء الحوت حيّاً معه خلال هذه الآماد المتمادية.
وأنَّ أهل الكهف (لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) [الكهف: ٢٥]، ولا نعلم كم عاشوا قبل دخولهم في الكهف وبعد خروجهم منه.
وأنَّ (الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ) [البقرة: ٢٥٩]، ولعلَّ بقاء الطعام والشراب مائة عام دون أن يفسد أو يأسن أعجب من طول عمر الإنسان وأغرب(٧١).
هذا كلّه بالإضافة إلى ما تناقله مؤلّفوا السير ورجال الحديث وتلقّوه بالقبول من حياة الخضر من قبل زمان النبيّ موسى عليه السلام وإلى آخر الزمان.
فهل نصدّق بكلّ ذلك الذي نطق به القرآن واستفاضت به السُنّة أم لا؟ وهل يصحُّ منّا إنكاره ورفضه بمجرَّد أنَّ العقل البشري بمستواه الحاضر لم يدرك أسرار هذه الأمور ولم يكشف خباياها المجهولة؟!
وموضوع غيبة المهدي من هذا القبيل بالضبط، ولا بدَّ لنا من القول باستمرار حياته جرياً مع تلك النصوص وتصديقاً للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الذي (ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) [النجم: ٣ و٤]، وتنفيذاً لأمره تعالى: (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) [الحشر: ٧]، ولن يكون إيماننا بذلك غريباً أو أمراً لا سابقة له في الإسلام، بل هو مساوق للإيمان بعمر نوح ولبث يونس في الحوت وبقاء الطعام والشراب مائة عام لم يتسنَّه ولم يصبه التلف.

* * *

وإذا كان النصّ القرآني والحديث الشريف قد دلاَّ على إمكان بقاء الإنسان حيّاً أكثر من ألف عام وعلى وقوع ذلك في الأمم السابقة فليس معنى ذلك أنَّه شيء فوق العلم وفوق العقل، وهذا هو العلم الحديث يصرّح بأنَّ بإمكان الإنسان البقاء آلاف السنين لو تهيَّأ له من وسائل المحافظة على القوى البدنية ما يساعده على البقاء.
(إنَّ العلماء الموثوق بعلمهم يقولون: إنَّ كلّ الأنسجة الرئيسية من جسم الحيوان تقبل البقاء إلى ما لا نهاية له، وأنَّه في الإمكان أن يبقى الإنسان حيّاً ألوفاً من السنين إذا لم تعرض عليه عوارض تصرّم حبل حياته، وقولهم هذا ليس مجرَّد ظنّ، بل هو نتيجة عملية مؤيّدة بالامتحان).
(إنَّ الإنسان لا يموت لأنَّه عمَّر كذا من السنين سبعين أو ثمانين أو مائة أو أكثر، بل لأنَّ العوارض تنتاب بعض أعضائه فتتلفها، ولارتباط أعضائه بعضها ببعض تموت كلّها، فإذا استطاع العلم أن يزيل هذه العوارض أو يمنع فعلها لم يبقَ مانع يمنع استمرار الحياة مئات من السنين)(٧٢).
وأنَّ (جان روستان يعتقد بضوء الاكتشافات والتجارب العلمية أنَّ اتّباع طريقة حفظ الإنسان لم يعد يبدو مستحيلاً(٧٣)، فإنَّ الاكتشافات التي سجَّلها عدد من مشاهير العلماء منذ حوالي قرن تترك بعض الأمل في إمكانية التوصّل إلى مركب متناسق يساعد في تحقيق المزيد من التقدّم، اعتماداً على تجارب علمية سجَّلها براون سيكوارد، وألكسي كاريل، وفورنوف، وميتشبنكوف، وبوغو مولتيز، وفيلاتوف، وغيرهم).
(أمَّا روبرت ايتنجر الذي وضع أخيراً كتاباً قيّماً بعنوان _ الإنسان هل يمكن أن يخلد حيّاً _ فقد خلق آمالاً جديدة إذ قال: إنَّ الإنسان الذي يعيش ويتنفَّس الآن يملك حظّ البقاء من الناحية الفيزيائية)(٧٤).
هذا كلّه مضافاً إلى التصريحات الكثيرة بشأن إمكان المحافظة على حياة الإنسان ألوف السنين لو جُمَّد خلال هذه الفترة، وذلك باعتبار أنَّ التجميد يحافظ على كلّ الخلايا الحيّة، ومتى ما اُريدت إعادة الحركة إلى الإنسان المجمَّد اُعطي من الحرارة ما يستلزمه الجسم فيعود كما كان نابضاً بالحركة والحيوية.
ومهما يكن من أمر، فإنَّ تصريحات العلماء المعاصرين تؤكّد إمكان طول عمر الإنسان، وأنَّ هذا الإمكان هو المحفّز الأكبر لهم على المثابرة والسعي لمعرفة الوسائل التي تحقّق ذلك. وإذا صحَّ إمكان طول عمر الإنسان بحسب الاستعداد والطبيعة، كان ممكناً وصحيحاً طول عمر المهدي طيلة هذه القرون بحسب الطبيعة والإرادة الإلهية.

* * *

وبعد:
فإنَّ البشرية التي تعيش اليوم أعقد ظروفها الفكرية وأخطر مراحلها الحضارية في أمسّ الحاجة إلى هذا المصلح المنتظر الذي لا بدَّ أن يطلع عليها في يوم ما ليعيد ركب الإنسانية إلى نهجه الصحيح ويحمله على الصراط المستقيم.
وإنَّ العقل البشري _ المسلم وغير المسلم _ ليتطلَّع إلى مثل هذا المصلح المنتظر ويقرُّ بحتميته وضرورته، ولو لم يكن هناك نصّ عليه أو إشارة إليه. بل إنَّ الفيلسوف الإنكليزي المشهور (برنارد شو) قد بشَّر بهذا المصلح بدافع من فكره الذاتي وكتب في ذلك كتاباً سمّاه (الإنسان والسوبرمان)، وقد ذهب إلى أنَّ هذا المصلح المنتظر (إنسان حيّ ذو بنية جسدية صحيحة وطاقة عقلية خارقة، إنسان أعلى يترقّى إليه هذا الإنسان الأدنى بعد جهد طويل)، وأنَّه (يطول عمره حتَّى ينيف على ثلاثمائة سنة، ويستطيع أن ينتفع بما استجمعه من أطوار العصور وما استجمعه من أطوار حياته الطويلة)(٧٥).
ويقول عبّاس محمود العقّاد تعليقاً على ذلك: (يلوح لنا أن سوبرمان شو ليس بالمستحيل وأنَّ دعوته إليه لا تخلو من حقيقة ثابتة)(٧٦).

* * *

ولن نجد في ختام هذا الحديث خيراً من أن نبتهل إلى الله تعالى، فنقول:
(اللّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ فَقْدَ نَبيَّنا، وَغَيْبَةَ وَلِيَّنا، وَكَثْرَةَ عَدُوَّنا، وَقِلَّةَ عَدَدِنا، وَشِدَّةَ الفِتَن بنا وَتَظاهُرَ الزَّمانِ عَلَيْنا، فَصَلّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأعِنّا عَلى ذلِكَ بفَتْح مِنْكَ تُعَجَّلُهُ، وَبضُرٍ تَكْشِفُهُ، وَنَصْرٍ تُعِزُّهُ، وَسُلْطانِ حَقًّ تُظْهِرُهُ).
اللّهمّ انصره نصراً عزيزاً، وافتح له فتحاً يسيراً، واجعلنا من أنصاره وأعوانه، إنَّك سميع مجيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

* * *
ملاحق الكتاب

الملحق الأوّل: رسالة الشيخ ألكسم وجوابها.
الملحق الثاني: مقتطفات من مجلَّة الجامعة الإسلامية في المدينة المنوَّرة.
الملحق الأوّل
بعد صدور الطبعة الأولى من هذا الكتاب تسلَّمت من فضيلة الأستاذ الشيخ محمّد رضوان ألكسم من دمشق رسالة ينقد فيها على بعض ما تضمَّنه البحث من مطالب.
ويسرّني _ تعبيراً عن شكري العميق للشيخ ألكسم _ أن اُورد في ختام هذه الطبعة نصّ الرسالة وجوابي عليها، عسى أن يجد فيها القارئ الكريم بعض النفع والفائدة، والله وليّ التوفيق.
نصّ رسالة الشيخ ألكسم:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيّين.
حضرة السيّد الشيخ محمّد حسن آل ياسين المحترم:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أمَّا بعد، فلقد اطَّلعت على مؤلّفكم المهدي المنتظر بين التصوّر والتصديق وما ذكرتم فيه من قولكم إنَّه العرض الصادق والمحاكمة الأمينة والبحث النزيه المجرَّد عن الهوى والعاطفة.
وإنَّ أروع ما أعجبني فيه قولكم في الصحيفة (رقم ٥٠): (إنَّ الإسلام قد جعل العقل مصدراً للعقيدة وأساساً للإيمان ونهى عن التقليد والتبعية العمياء).
أقول: أيّها السيّد الكريم إنَّ هذا لم يكن يمكنني إلاَّ من أن أتقدَّم بما لا بدَّ منه ممَّا وعيت من دراساتي بصفتي أحد العاملين في الحقل الإسلامي لبيان ما أراه صواباً وإليكم البيان:
إنَّ الله سبحانه وتعالى نهانا نهياً جازماً في كثير من الآيات أن نعتقد أيّ اعتقاد لا يقين فيه، فقال سبحانه: (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا) [الأنعام: ١٤٨]، وقال: (لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً) [الكهف: ١٥]، وقال: (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) [النجم: ٢٨]، فهو سبحانه يطلب منّا العلم والسلطان وينهانا عن الظنّ، ويقرن نهيه هذا بالوعد والوعيد، فمن هذا نستطيع القول بأنَّ (العقائد لا تؤخذ إلاَّ عن يقين).
وبعد دراسة كتابكم وتدوين ملاحظاتي حوله رأيت أنَّكم ذكرتم أنَّه يقوم في هذه الفكرة (المهدي) على اليقين والعلم المتواتر، فقلتم في (ص ١٤): (حيث تواترت النصوص النبوية في حقّه، بالتصريح تارةً وبالتلميح أخرى)، وعقَّبتم في هامش الكتاب بأنَّ المصدر هو مراجعة كتاب المراجعات للشيخ السيّد عبد الحسين شرف الدين وكتاب الغدير الجزء الأوّل للأميني، وبالرجوع إليهما لم يكن هناك ما يصلح للاستدلال على هذه الفكرة سوى أحاديث لم تعد أن يكون سندها آحادياً لا تواتر فيه، فهل تفيد الأحاديث الصحيحة اليقين لديكم؟
إنَّ في هذا لغرابة، ثمّ إنَّ هناك أمراً آخر جديراً بالاهتمام هو ذكركم في الصفحة (١٤) ما نصّه: (ولا بدَّ للتخلّص من كلّ هذه السيّئات من إمام مختار جامع لجميع صفات الكمال، منزَّه عن كلّ ما يشين، بعيد عن كلّ سوء في التصرّف وخروج على قواعد الشريعة _ وذلك ما نطلق عليه اسم العصمة _...) الخ.
أخي الكريم أيّة عصمة هي تلك، وهل هناك عصمة لأحد من البشر، فما قولكم بقوله عليه السلام: (كلّ ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوّابون)، هل استثنى الرسول عندما قال: (كلّ ابن آدم خطّاء)؟ هل استثنى أحداً من الناس؟ فأين الحجّة على العصمة؟
هذا بالإضافة إلى أنَّكم استشهدتم بالحديث الصحيح (ص ٥٣): (من مات ولم يعلم إمام زمانه مات ميتة جاهلية)، وفهمتم منه استدامة إمامة محمّد بن الحسن، فمن من الناس يقبل هذا القول؟ إنَّنا نقول: إنَّ الحديث بمنطوقه ومفهومه يقول: إنَّ على كلّ مسلم أن يعرف إمام زمانه ويبايعه على العمل بالكتاب والسُنّة ولا دلالة على إمام معيَّن، فمن أين جاء التعيين؟ والحصر بالاثني عشر من أين أتى؟ أليس هذا بلا دليل؟
فإذا ما أردنا الله واليوم الآخر فعلينا بالتزام النصوص فما كان منها قطعياً أخذنا منه العقائد والأحكام، وما كان منها ظنّياً أخذنا منه الأحكام فقط، ولا يجوز لمسلم وعى هذا أن يبقى يعتقد بالأمور المظنونة فيرفعها إلى درجة الاعتقاد بلا دليل فيقول: إنَّ المهدي سيأتي ويجزم وليس عنده من أدلَّة الوحي ما يبرهن به على قوله.
وإنّي أرجو للأخ الأستاذ وصحبه الكرام أن تكون هذه الكلمة واقرة في نفسهم المطمئنّة لنيل ثواب الله ورضوانه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

دمشق
(١٥/ ربيع ٢/ ٨٩) (٢٩/٧/٦٩)
محمّد رضوان ألكسم

جواب الرسالة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
١ _ ما زلت مصرّاً على قولي من أنَّ (الإسلام قد جعل العقل مصدراً للعقيدة وأساساً للإيمان)، وأنا معكم في أنَّ (العقائد لا تؤخذ إلاَّ عن يقين)، وسوف لن أتراجع عن ذلك قيد شعرة، سواء أكانت نتائج البحث لي أم عليَّ.
٢ _ إنَّ تواتر النصوص النبوية بالتصريح والتلميح (الذي أشرنا إليه في ص ١٤ من الطبعة الأولى) يخصُّ علياً عليه السلام وكونه الإمام الشرعي بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، لا المهدي المنتظر كما ذكرتم، وإن كانت أحاديثه متواترة أيضاً، وقد قصدنا بالتواتر التواتر المعنوي لا اللفظي، وذلك لأنَّ كلّ الأحاديث المعنية تتَّجه بكلّ تأكيداتها إلى مسألة إمامة هذا الرجل بالذات والتعيين، ولو توجَّهت الأحاديث التي يكون سندها (آحادياً) _ حسب تعبيركم _ إلى التأكيد على مطلب واحد بالخصوص فإنَّ ذلك المطلب يكون متواتراً بلا شكّ.
٣ _ لقد بحثنا (العصمة) بالتفصيل في كتابنا (الإمامة)، وكلّ أملي أن تتفضَّلوا بقراءته وموافاتي برأيكم في هذا الموضوع.
٤ _ أمَّا قولكم: (من أين جاء التعيين؟ والحصر بالاثني عشر من أين أتى؟ أليس هذا بلا دليل؟)، فستجدون جوابه في كتاب (الإمامة) المشار إليه أيضاً.
٥ _ أمَّا ما ذكرتموه في آخر كتابكم من أنَّ المهدي من الأمور المظنونة التي لا يجوز رفعها إلى درجة الاعتقاد، فإنَّه دليل على عدم قراءتكم الكتاب بإمعان، ولو أعدّتم قراءته لرأيتم أسماء الصحابة الذين رووا حديث المهدي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأسماء العلماء الذين ألَّفوا في المهدي، وأسماء الحفّاظ المشهورين الذين أثبتوا هذه الأحاديث في كتبهم، ونصوص عدد من الأجلاَّء على تواتر حديث المهدي والقطع بصحَّته. وكيف لا يتحقَّق القطع واليقين بكلّ ذلك؟!
وسلام على من اتَّبع الهدى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

* * *

الملحق الثاني
يقول العالم السلفي المعاصر الشيخ عبد المحسن العباد المدرّس بالجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنوَّرة، في محاضرة له بعنوان (عقيدة أهل السُنّة والأثر في المهدي المنتظر)، وقد نالت هذه المحاضرة موافقة أساتذة تلك الجامعة وتأييدهم:
إنَّ الذي دفعته لاختيار هذا الموضوع أمران:
(الأوّل: إنَّ الأحاديث الواردة في المهدي لم ترد في الصحيحين على وجه التفصيل بل جاءت مجملة. وقد وردت في غيرهما مفسّرة لما فيهما، فقد يظنّ ظانّ أنَّ ذلك يقلّل من شأنها وذلك خطأ واضح، فالصحيح بل والحسن في غير الصحيحين مقبول معتمد عند أهل الحديث.
الثاني: إنَّ بعض الكتّاب في هذا العصر أقدم على الطعن في الأحاديث الواردة في المهدي بغير علم بل بجهل أو بالتقليد لأحد لم يكن من أهل العناية بالحديث وقد اطَّلعت على تعليق لعبد الرحمن محمّد عثمان على كتاب تحفة الآحوذي الذي طبع أخيراً في مصر، قال في الجزء السادس في باب ما جاء في الخلفاء. قال في تعليقه: يرى الكثيرون من العلماء أنَّ كلّ ما ورد من أحاديث عن المهدي إنَّما هي موضع شكّ وأنَّها لا تصحُّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل إنَّها من وضع الشيعة. انتهى. وقال معلّقاً بشأن المهدي في باب ما جاء في تقارب الزمن وقصر الأمل في الجزء المذكور: ويرى الكثيرون من العلماء الثقات الأثبات أنَّ ما ورد من أحاديث خاصّة بالمهدي ليست إلاَّ من وضع الباطنية والشيعة وأضرابهم وأنَّها لا تصحُّ نسبتها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. انتهى. بل لقد تجرَّأ بعضهم إلى ما هو أكثر من ذلك فنجد محيي الدين عبد الحميد يقول في تعليقه على الحاوي للفتاوي للسيوطي. يقول في آخر جزء في العرف الوردي في أخبار المهدي (ص ١٦٦) من الجزء الثاني: يرى بعض الباحثين أنَّ كلّ ما ورد عن المهدي وعن الدجّال من الإسرائيليات. انتهى. وأخطر من ذلك وأطم تعليق أبو رية رئيس بعثة الأزهر بما معناه أنَّ ما جاء من الأحاديث في شأن المهدي ونزول عيسى بن مريم والدجّال إنَّما هو رمز لانتصار الحقّ على الباطل.
لهذين الأمرين ولكون الواجب على كلّ مسلم ناصح لنفسه أن لا يتردَّد في تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به رأيت أن يكون الكلام حول هذا الأمر موضوع محاضرتي كما قلت، وقد جعلت عنوانها عقيدة أهل السُنّة والأثر في المهدي المنتظر..، ولكي تكون أيّها المستمع على علم مقدّماً بعناصر المحاضرة أسوقها لك فيما يلي:
الأوّل: ذكر أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الثاني: ذكر أسماء الأئمّة الذين خرَّجوا الأحاديث والآثار الواردة في المهدي في كتبهم.
الثالث: ذكر الذين أفردوا مسألة المهدي بالتأليف من العلماء.
الرابع: ذكر الذين حكوا تواتر أحاديث المهدي وحكاية كلامهم في ذلك.
الخامس: ذكر بعض ما ورد في الصحيحين من الأحاديث التي لها تعلّق بشأن المهدي.
السادس: ذكر بعض الأحاديث في شأن المهدي الواردة في غير الصحيحين مع الكلام عن أسانيد بعضها.
السابع: ذكر بعض العلماء الذين احتجّوا بأحاديث المهدي واعتقدوا موجبها وحكاية كلامهم في ذلك.
الثامن: ذكر من وقفت عليه ممَّن حكي عنه إنكار أحاديث المهدي أو التردّد فيها مع مناقشة كلامه باختصار.
التاسع: ذكر بعض ما يظنّ تعارضه مع الأحاديث الواردة في المهدي والجواب عن ذلك.
العاشر: كلمة ختامية.
أسماء الصحابة الذين رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث المهدي
جملة ما وقفت عليه من أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ستّة وعشرون، هم:
١ _ عثمان بن عفّان رضي الله عنه.
٢ _ علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
٣ _ طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه.
٤ _ عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.
٥ _ الحسين بن علي رضي الله عنه.
٦ _ اُمّ سَلَمة رضي الله عنها.
٧ _ اُمّ حبيبة رضي الله عنها.
٨ _ عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه.
٩ _ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
١٠ _ عبد الله بن عمر رضي الله عنه.
١١ _ عبد الله بن عمرو رضي الله عنه.
١٢ _ أبو سعيد الخدري رضي الله عنه.
١٣ _ جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
١٤ _ أبو هريرة رضي الله عنه.
١٥ _ أنس بن مالك رضي الله عنه.
١٦ _ عمّار بن ياسر رضي الله عنه.
١٧ _ عوف بن مالك رضي الله عنه.
١٨ _ ثوبان مولى رسول الله رضي الله عنه.
١٩ _ قرة بن أياس رضي الله عنه.
٢٠ _ علي الهلالي رضي الله عنه.
٢١ _ حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.
٢٢ _ عبد الله بن الحارث بن حمزة رضي الله عنه.
٢٣ _ عوف بن مالك رضي الله عنه.
٢٤ _ عمران بن حصين رضي الله عنه.
٢٥ _ أبو الطفيل رضي الله عنه.
٢٦ _ جابر الصدفي رضي الله عنه.

* * *

أسماء الأئمّة الذين خرَّجوا الأحاديث والآثار الواردة في المهدي في كتبهم
وأحاديث المهدي خرَّجها جماعة كثيرون من الأئمّة في الصحاح والسنن والمعاجم والمسانيد وغيرها قد بلغ عدد الذين وقفت على كتبهم أو اطَّلعت على ذكر تخريجهم لها ثمانية وثلاثين، هم:
١ _ أبو داود في سننه.
٢ _ الترمذي في جامعه.
٣ _ ابن ماجة في سننه.
٤ _ النسائي، ذكره السفاريني في لوامع الأنوار البهية، والمناوي في فيض القدير، وما رأيته في الصغرى ولعلَّه في الكبرى.
٥ _ أحمد في مسنده.
٦ _ ابن حبّان في صحيحه.
٧ _ الحاكم في المستدرك.
٨ _ أبو بكر بن أبي شيبة في المصنَّف.
٩ _ نعيم بن حماد في كتاب الفتن.
١٠ _ الحافظ أبو نعيم في كتاب المهدي وفي الحلية.
١١ _ الطبراني في الكبير والأوسط والأصغر.
١٢ _ الدارقطني في الأفراد.
١٣ _ البارودي في معرفة الصحابة.
١٤ _ أبو يعلى الموصلي في مسنده.
١٥ _ البزّار في مسنده.
١٦ _ الحارث بن أبي اُسامة في مسنده.
١٧ _ الخطيب في تلخيص المتشابه وفي المتَّفق والمتفرّق.
١٨ _ ابن عساكر في تاريخه.
١٩ _ ابن مندة في تاريخ أصبهان.
٢٠ _ أبو الحسن الحربي في الأوّل من الحربيات.
٢١ _ تمام الرازي في فوائده.
٢٢ _ ابن جرير في تهذيب الآثار.
٢٣ _ أبو بكر بن المقري في معجمه.
٢٤ _ أبو عمرو الداني في سننه.
٢٥ _ أبو غنم الكوفي في كتاب الفتن.
٢٦ _ الديلمي في مسند الفردوس.
٢٧ _ أبو بكر الأسكاف في فوائد الأخبار.
٢٨ _ أبو الحسين بن المناوي في كتاب الملاحم.
٢٩ _ البيهقي في دلائل النبوّة.
٣٠ _ أبو عمرو القمري في سننه.
٣١ _ ابن الجوزي في تاريخه.
٣٢ _ يحيى بن عبد الحميد الحماني في مسنده.
٣٣ _ الروياني في مسنده.
٣٤ _ ابن سعد في الطبقات.
٣٥ _ ابن خزيمة.
٣٦ _ الحسن بن سفيان.
٣٧ _ عمر بن شبه.
٣٨ _ أبو عوانة.
وهؤلاء الأربعة ذكر السيوطي في العرف الوردي كونهم ممَّن خرَّج أحاديث المهدي دون عزو التخريج إلى كتاب معيَّن.
ذكر لبعض الذين ألَّفوا كتباً في شأن المهدي
وكما اعتنى علماء هذه الأمّة بجمع الأحاديث الواردة عن نبيّهم صلى الله عليه وسلم تأليفاً وشرحاً كان للأحاديث المتعلّقة بأمر المهدي قسطها الكبير من هذه العناية، فمنهم من أدرجها ضمن المؤلّفات العامّة كما في السنن والمسانيد وغيرها، ومنهم من أفردها بالتأليف..، كلّ ذلك حصل منهم _ رحمهم الله وجزاهم خيراً _ حماية لهذا الدين وقياماً بما يجب من النصح للمسلمين، فمن الذين أفردوها بالتأليف:
١ _ أبو بكر ابن أبي خيثمة زهير بن حرب، قال ابن خلدون في مقدّمة تاريخه: ولقد توغّل أبو بكر بن أبي خيثمة على ما نقل السهيلي عنه في جملة للأحاديث الواردة في المهدي.
٢ _ ومنهم الحافظ أبو نعيم ذكره السيوطي في الجامع الصغير وذكره في العرف الوردي، بل قد لخَّص السيوطي الأحاديث التي جمعها أبو نعيم في المهدي وجعلها ضمن كتابه العرف الوردي وزاد عليها فيه أحاديث وآثاراً كثيرة جدّاً.
٣ _ ومن الذين أفردوا أحاديث المهدي بالتأليف السيوطي فقد جمع فيه جزءاً سمّاه العرف الوردي في أخبار المهدي وهو مطبوع ضمن كتابه الحاوي للفتاوي في الجزء الثاني منه، قال في أوّله: (الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، هذا جزء جمعت فيه الأحاديث والآثار الواردة في المهدي لخَّصت فيه الأربعين التي جمعها الحافظ أبو نعيم وزدت عليه ما فاته، ورمزت عليه صورة ك).
والأحاديث والآثار التي أوردها السيوطي في شأن المهدي تزيد على المائتين، تلك الأحاديث والآثار فيها الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، وإذا أورد الحديث الواحد أضافه إلى كلّ من الذين خرَّجوه، فيقول مثلاً في الحديث الواحد: (أخرج أبو داود وابن ماجة والطبراني والحاكم عن اُمّ سَلَمة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة)).
٤ _ ومنهم الحافظ عماد الدين ابن كثير، قال رحمه الله في كتابه الفتن والملاحم: (وقد أفردت في ذكر المهدي جزءاً على حدة، ولله الحمد والمنَّة).
٥ _ ومنهم الفقيه ابن حجر المكّي، وقد سمّى مؤلَّفه (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر)، ذكر ذلك البرزنجي في الإشاعة ونقل منه، وكذلك السفاريني في لوامع الأنوار البهية، وغيرهما.
٦ _ ومنهم علي المتّقي الهندي صاحب كنز العمّال، فقد ألَّف في شأن المهدي رسالة ذكرها البرزنجي في الإشاعة، وذكر ذلك قبله أيضاً ملاَّ علي قاري الحنفي في المرقاة شرح المشكاة، وذكره شارح رموز الحديث.
٧ _ ومن الذين ألَّفوا في شأن المهدي ملاَّ علي قاري، وسمّى مؤلَّفه (المشرب الوردي في مذهب المهدي)، ذكره في الإشاعة ونقل جملة كبيرة منه.
٨ _ ومنهم مرعي بن يوسف الحنبلي المتوفّى سنة ثلاث وثلاثين بعد الألف، وسمّى مؤلَّفه (فوائد الفكر في ظهور المهدي المنتظر)، ذكره السفاريني في لوامع الأنوار البهية، وذكره صديق حسن في الإذاعة وغيرها.
٩ _ ومن الذين ألَّفوا في شأن المهدي بالإضافة إلى مسألتي نزول عيسى عليه الصلاة والسلام وخروج المسيح الدجّال القاضي محمّد بن علي الشوكاني، وسمّى مؤلَّفه (التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجّال والمسيح)، ذكر ذلك صديق حسن في الإذاعة ونقل جملة منه، والشوكاني ممَّن ألَّف بشأنه، وحكى تواتر الأحاديث الواردة فيه.
١٠ _ ومنهم الأمير محمّد بن إسماعيل الصنعاني صاحب سبل السلام المتوفّى سنة (١١٨٢هـ)، قال صديق حسن في الإذاعة:
وقد جمع السيّد العلاَّمة بدر الملَّة المنير محمّد بن إسماعيل الأمير اليماني الأحاديث القاضية بخروج المهدي وأنَّه من آل محمّد صلى الله عليه وسلم، وأنَّه يظهر في آخر الزمان، ثمّ قال: (ولم يأتِ تعيين زمنه إلاَّ أنَّه يخرج قبل خروج الدجّال)، انتهى.
ذكر بعض الذين حكوا تواتر أحاديث المهدي ونقل كلامهم في ذلك
١ _ من الذين حكوا على أحاديث المهدي بأنَّها متواترة الحافظ أبو الحسن محمّد بن الحسين الآبري السجزي صاحب كتاب مناقب الشافعي المتوفّى سنة ثلاث وستّين وثلاثمائة من الهجرة، قال رحمه الله في محمّد بن خالد الجندي راوي حديث: (لا مهدي إلاَّ عيسى بن مريم): (محمّد بن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل، وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر المهدي وأنَّه من أهل بيته وأنَّه يملك سبع سنين وأنَّه يملأ الأرض عدلاً وأنَّ عيسى عليه السلام يخرج فيساعده على قتل الدجّال وأنَّه يؤمُّ هذه الأمّة ويصلّي عيسى خلفه)، نقل ذلك عنه ابن القيّم في كتابه المنار المنيف وسكت عليه، ونقل عنه أيضاً الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة محمّد بن خالد الجندي وسكت عليه، ونقل عنه ذلك وسكت عليه أيضاً في فتح الباري في باب نزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، ونقل ذلك عنه أيضاً السيوطي في آخر جزء العرف الوردي في أخبار المهدي وسكت عليه، ونقل ذلك عنه مرعي بن يوسف في كتابه فوائد الفكر في ظهور المهدي المنتظر، كما ذكر ذلك صديق حسن في كتابه الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة.
٢ _ ومنهم محمّد البرزنجي المتوفّى سنة ثلاث بعد المائة والألف في كتابه الإشاعة لأشراط الساعة، قال: (الباب الثالث في الأشراط العظام والأمارات القريبة التي تعقبها الساعة وهي أيضاً كثيرة، فمنها المهدي وهو أوّلها، واعلم أنَّ الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها لا تكاد تنحصر...)، إلى أن قال: (ثمّ الذي في الروايات الكثيرة الصحيحة الشهيرة أنَّه من ولد فاطمة...)، إلى أن قال: (تنبيه: قد علمت أنَّ أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزمان وأنَّه من عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ولد فاطمة بلغت حدّ التواتر المعنوي فلا معنى لإنكارها)، وقال في ختام كتابه المذكور بعد الإشارة إلى بعض أمور تجري في آخر الزمان: (وغاية ما ثبت بالأخبار الصحيحة الكثيرة الشهيرة التي بلغت التواتر المعنوي وجود الآيات العظام التي منها بل أوّلها خروج المهدي وأنَّه يأتي في آخر الزمان من ولد فاطمة يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً).
٣ _ ومن الذين حكوا تواتر أحاديث المهدي الشيخ محمّد السفاريني المتوفّى سنة ثمان وثمانين بعد المائة والألف في كتابه (لوامع الأنوار البهية)، قال: (وقد كثرت بخروجه _ يعني المهدي _ الروايات حتَّى بلغت حدّ التواتر المعنوي وشاع ذلك بين علماء السُنّة حتَّى عُدَّ من معتقداتهم)، ثمّ ذكر بعض الآثار والأحاديث في خروج المهدي وأسماء بعض الصحابة الذين رووها، ثمّ قال: (وقد روي عمَّن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم رضي الله عنهم بروايات متعدّدة وعن التابعين من بعدهم ما يفيد مجموعه العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرَّر عند أهل العلم ومدوَّن في عقائد أهل السُنّة والجماعة).
٤ _ ومنهم القاضي محمّد بن علي الشوكاني المتوفّى سنة خمسين بعد المائتين والألف وهو صاحب التفسير المشهور ومؤلّف نيل الأوطار، قال في كتابه (التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجّال والمسيح): (والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثاً فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر وهي متواترة بلا شكّ ولا شبهة، بل يصدق وصف المتواتر على ما هو دونها في جميع الاصطلاحات المحرَّرة في الأصول، وأمَّا الآثار عن الصحابة المصرّحة بالمهدي فهي كثيرة جدّاً لها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك) انتهى. وقال في مسألة نزول المسيح صلى الله عليه وسلم: (فتقرَّر أنَّ الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، والأحاديث الواردة في الدجّال متواترة، والأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه الصلاة والسلام متواترة).
٥ _ ومنهم الشيخ صديق حسن القنوجي المتوفّى سنة سبع بعد الثلاثمائة والألف، قال في كتابه الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة: (والأحاديث الواردة في المهدي على اختلاف رواياتها كثيرة جدّاً تبلغ حدّ التواتر المعنوي وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد...)، إلى أن قال: (لا شكَّ أنَّ المهدي يخرج في آخر الزمان من غير تعيين لشهر وعام لما تواتر من الأخبار في الباب واتَّفق عليه جمهور الأمّة خلفاً عن سلف إلاَّ من لا يعتدُّ بخلافه...)، إلى أن قال: (فلا معنى للريب في أمر ذلك الفاطمي الموعود المنتظر المدلول عليه بالأدلَّة، بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة إلى حدّ التواتر).
٦ _ وممَّن حكى تواتر أحاديث المهدي من المتأخّرين الشيخ محمّد بن جعفر الكتاني المتوفّى سنة خمس وأربعين بعد الثلاثمائة والألف قال في كتابه (نظم المتناثر من الحديث المتواتر): (وقد ذكروا أنَّ نزول سيّدنا عيسى عليه الصلاة والسلام ثابت بالكتاب والسُنّة والإجماع)، ثمّ قال: (والحاصل أنَّ الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، وكذا الواردة في الدجّال، وفي نزول سيّدنا عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام).
ذكر بعض ما ورد في الصحيحين من الأحاديث ممَّا له تعلّق بشأن المهدي
١ _ روى البخاري في صحيحه في باب نزول عيسى بن مريم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم).
٢ _ وروى مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه بمثل حديثه عن البخاري، ورواه أيضاً عن أبي هريرة بلفظ: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم فأمَّكم)، ورواه أيضاً عن أبي هريرة بلفظ: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم فأمَّكم منكم)، وفيه تفسير ابن أبي ذئب راوي الحديث لقوله: (وأمَّكم منكم) بقوله: (فأمَّكم بكتاب ربّكم تبارك وتعالى وسُنّة نبيّكم صلى الله عليه وسلم).
٣ _ وروى مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه أنَّه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزال طائفة من أمّتي يقاتلون على الحقّ ظاهرين إلى يوم القيامة)، قال: (فينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول أميرهم: تعال صلّ بنا، فيقول: لا، إنَّ بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمّة).
فهذه الأحاديث التي وردت في الصحيحين تدلُّ على أمرين:
أحدهما: أنَّه عند نزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام من السماء يكون المتولّي لإمرة المسلمين رجل منهم.
والثاني: أنَّ حضور أميرهم للصلاة وصلاته بالمسلمين وطلبه من عيسى عليه الصلاة والسلام عند نزوله أن يتقدَّم ليصلّي بهم يدلُّ على صلاح في هذا الأمير وهدى، وهي وإن لم يكن فيها التصريح بلفظ المهدي إلاَّ أنَّها تدلُّ على صفات رجل صالح يؤمُّ المسلمين في ذلك الوقت).
ثمّ يقول الشيخ العباد في أثناء محاضرته:
(فإن قال قائل: قد أكثرت من النقل عن أهل العلم في إثبات خروج المهدي في آخر الزمان، فلماذا؟ وهل وقفت على ذكر إنكار أحد لخروج المهدي أو التردّد في شأنه على الأقلّ؟
والجواب عن السؤال الأوّل هو: إنَّني أوردت بعض ما وقفت عليه من كلام أهل العلم بشأن خروج المهدي في آخر الزمان لتزداد أيّها المستمع ثباتاً ويقيناً بأنَّ اعتقاد خروجه آخر الزمان هو الجادّة المسلوكة، ولتعلم أنَّه الحقّ الذي لا يسوغ العدول عنه والالتفات إلى غيره، وعمدة أهل العلم في ذلك الأحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك، إذ لا مجال للرأي في مثل هذا الأمر، بل سبيله الوحيد هو الوحي لأنَّه من الأمور الغيبية.
أمَّا الجواب عن السؤال الثاني فهو: إنّي لم أقف على تسمية أحد في الماضين أنكر أحاديث المهدي أو تردَّد فيها سوى رجلين اثنين، أمَّا أحدهما فهو أبو محمّد بن الوليد البغدادي الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السُنّة، وقد مضى حكاية كلام شيخ الإسلام عنه وأنَّه قد اعتمد على حديث: (لا مهدي إلاَّ عيسى بن مريم)، وقال ابن تيمية: (وليس ممَّا يعتمد عليه لضعفه) انتهى. وسبق في أثناء كلام الذين نقلت عنهم أنَّه لو صحَّ هذا الحديث فالجمع بينه وبين أحاديث المهدي ممكن. ولم أقف على ترجمة لأبي محمّد المذكور.
وأمَّا الثاني فهو عبد الرحمن بن خلدون المغربي المؤرّخ المشهور، وهو الذي اشتهر بين الناس عنه تضعيف لأحاديث المهدي، وقد رجعت إلى كلامه في مقدّمة تاريخه فظهر لي منه التردّد لا الجزم بالإنكار. على كلّ حالٍ فإنكارها أو التردّد في التصديق بما دلَّت عليه شذوذ عن الحقّ ونكوب عن الجادّة المطروقة، وقد تعقَّبه الشيخ صديق حسن في كتابه الإذاعة حيث قال: (لا شكَّ أنَّ المهدي يخرج في آخر الزمان من غير تعيين لشهر وعام لما تواتر من الأخبار في الباب واتَّفق عليه جمهور الأمّة خلفاً عن سلف إلاَّ من لا يعتد بخلافه)، وقال: (لا معنى للريب في أمر ذلك الفاطمي الموعود والمنتظر المدلول عليه بالأدلَّة، بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة إلى حدّ التواتر) انتهى.
ولي ملاحظات على كلام ابن خلدون أرى أن اُشير إليها هنا:
الأولى: أنَّه لو حصل التردّد في أمر المهدي من رجل له خبرة بالحديث لاعتبر ذلك زللاً منه، فكيف إذا كان من الأخباريين الذين هم ليسوا من أهل الاختصاص، وقد أحسن الشيخ أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند حيث قال: (وأمَّا ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم، واقتحم قحماً لم يكن من رجالها)، وقال: (إنَّه تهافت في الفصل الذي عقده في مقدّمته للمهدي تهافتاً عجيباً وغلط أغلاطاً واضحة)، وقال: (إنَّ ابن خلدون لم يحسن قول المحدّثين: الجرح مقدَّم على التعديل، ولو اطَّلع على أقوالهم وفقهها ما قال شيئاً ممَّا قال).
الثانية: صدَّر ابن خلدون الفصل الذي عقده في مقدّمته للمهدي بقوله: (اعلم أنَّ المشهور بين الكافّة من أهل الإسلام على ممرّ الأعصار أنَّه لا بدَّ في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيّد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلاميّة ويسمّى بالمهدي ويكون خروج الدجّال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على إثره، وأنَّ عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجّال أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتمُّ بالمهدي في صلاته ويحتجّون في هذا الشأن بأحاديث خرَّجها الأئمّة وتكلَّم فيها المنكرون لذلك وربَّما عارضوها ببعض الأخبار).
أقول: هذه الشهادة التي شهدها ابن خلدون وهي أنَّ اعتقاد خروج المهدي هو المشهور بين الكافّة من أهل الإسلام على ممرّ الأعصار، ألا يسعه في ذلك ما وسع الناس على ممرّ الأعصار كما ذكر ابن خلدون نفسه؟ وهل ذلك إلاَّ شذوذ بعد معرفة أنَّ الكافّة على خلافه؟ وهل هؤلاء الكافّة اتَّفقوا على الخطأ؟ والأمر ليس اجتهادياً وإنَّما هو غيبي لا يسوغ لأحد إثباته إلاَّ بدليل من كتاب الله أو سُنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، والدليل معهم وهم أهل الاختصاص.
الثالثة: إنَّه قال قبل إيراد الأحاديث: (ونحن الآن نذكر هنا الأحاديث الواردة في هذا الشأن)، وقال في نهايتها: (فهذه جملة الأحاديث التي خرَّجها الأئمّة في شأن المهدي وخروجه في آخر الزمان)، وقال في موضع آخر بعد ذلك: (وما أورده أهل الحديث من أخبار المهدي قد استوفينا جميعه بمبلغ طاقتنا).
وأقول: إنَّه قد خانه الشيء الكثير كما يتَّضح ذلك بالرجوع إلى ما أثبته السيوطي في العرف الوردي في أخبار المهدي عن الأئمّة، بل إنَّ ممَّا فاته الحديث الذي ذكره ابن القيّم في المنار المنيف عن الحارث بن أبي اُسامة، وقال: (إسناده جيّد)، وتقدَّم ذكره بسنده، وحاصل ما قيل في رجاله.
الرابعة: وقال: (إنَّ جماعة من الأئمّة خرَّجوا أحاديث المهدي) فذكرهم وذكر الصحابة الذين أسندوها إليهم، ثمّ قال: (ربَّما يعرض لأسانيدها المنكرون كما نذكره إلاَّ أنَّ المعروف عند أهل الحديث أنَّ الجرح مقدَّم على التعديل، فإذا وجدنا طعناً ببعض رجال الأسانيد بغفلة أو سوء حفظ أو ضعف أو سوء رأي تطرَّق ذلك إلى صحَّة الحديث وأوهن منها. ولا تقولنَّ مثل ذلك ربَّما يتطرَّق إلى رجال الصحيحين، فإنَّ الإجماع قد اتَّصل في الأمّة على تلقّيهما بالقبول والعمل بما فيهما، وفي الإجماع أعظم حماية وأحسن دفعاً، وليس غير الصحيحين بمثابتهما في ذلك، فقد نجد مجالاً للكلام في أسانيدها بما نقل عن أئمّة الحديث في ذلك) انتهى.
أقول: إنَّ ابن خلدون أورد بعض الأحاديث وقدح فيها برجال في أسانيدها هم من رجال الصحيحين أو أحدهما، وذلك تناقض يخالف المبدأ الذي رسمه لنفسه وهو قوله: (ولا تقولنَّ مثل ذلك ربَّما يتطرَّق لرجال الصحيحين)، وهذا إن دلَّ على شيء فإنَّما يدلُّ على صحَّة ما ذكره عنه الشيخ أحمد شاكر حيث قال: (أمَّا ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم، واقتحم قحماً لم يكن من رجالها)، وممَّا أورده من الأحاديث وقدح فيه برجال هم من رجال الصحيحين أو أحدهما قوله: وخرَّج الحاكم في المستدرك عن علي رضي الله عنه من رواية أبي الطفيل، عن محمّد بن الحنفية، قال: كنّا عند علي رضي الله عنه فسأله رجل عن المهدي فقال له: (هيهاتَ) ثمّ عقد بيده مسبقاً فقال: (ذلك يخرج في آخر الزمان إذا قال الرجل: الله الله قتل...) إلى آخر الحديث، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، انتهى. ثمّ قال ابن خلدون: وإنَّما هو على شرط مسلم فقط، فإنَّ فيه عمّاراً الدهني ويونس بن أبي إسحاق لم يخرّج لهما البخاري، وفيه عمرو بن محمّد العنقري ولم يخرّج له البخاري احتجاجاً بل استشهاداً مع ما ينضمُّ إلى ذلك من تشيّع عمّار الدهني وهو وإن وثَّقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي وغيرهم فقد قال علي ابن المديني عن سفيان: إنَّ بشر بن مروان قطع عرقوبيه، قلت: في أيّ شيء؟ قال: في التشيّع. انتهى. وهؤلاء الثلاثة الذين قدح في الحديث من أجلهم هم من رجال مسلم، وذلك مناقض للخطَّة التي رسمها أوّلاً كما هو واضح.
الخامسة: إنَّ ابن خلدون نفسه قد اعترف بسلامة بعض أحاديث المهدي من النقد حيث قال بعد إيراد الأحاديث في المهدي: (فهذه جملة الأحاديث التي خرَّجها الأئمّة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان، وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلاَّ القليل والأقلّ منه) انتهى.
وأقول: إنَّ القليل الذي يسلم من النقد يكفي للاحتجاج به، ويكون الكثير الذي لم يسلم عاضداً له ومقوّياً، على أنَّه قد سلم الشيء الكثير كما تقدَّم في حكاية كلام القاضي محمّد بن علي الشوكاني الذي حكى تواترها، وقال: إنَّ فيها خمسين حديثاً فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، ثمّ إنَّه في آخر البحث ذكر ما يفيد تردّده في أمر المهدي وذلك يفيد عدم ثبات رأيه لكونه تكلَّم فيه بما ليس باختصاصه.
هذه بعض الملاحظات على كلام ابن خلدون في شأن المهدي، سأستوفي الكلام فيها مع ملاحظات أخرى عليه في الرسالة التي أنا بصدد تأليفها في هذا الموضوع إن شاء الله تعالى)(٧٧).

* * *
الإمام محمّد بن الحسن المهدي عليه السلام

تأليف: سماحة الشيخ محمّد حسن آل ياسين رحمه الله
(١٣٥٠ _ ١٤٢٧هـ)
تقديم: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المؤلّف:
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّد المصطفى المختار خاتم النبيّين وسيّد المرسلين، وآله الصفوة الميامين الطيّبين الطاهرين.
وبعد، فقد تكرَّر منّي القول فيما قدَّمتُ به كتبي السابقة المعنيَّة بالأئمّة المنتجبين: إنَّ الحديث عن تأريخهم المشرق الوهّاج أجملُ ألوان الحديث، وإنَّ سيرهم الشامخة المضمَّخة بالأريج أعذبُ السَّيَر، وإنَّ حياتهم المعطاء الدفّاقة بالطهر والنقاء أسمى ما عرفت البشرية من حياة، فيما تنشر من هدى؛ وتمنح من رشد؛ وتضفي من ألق ونور.
وقلتُ سابقاً وكرَّرتُ القول أيضاً: إنَّ نفسي كانت تسوقني _ ومنذ حين _ إلى كتابة هذه الأوراق المحمَّلة بخلاصة اللباب النافع الماتع من ذلك التاريخ المشرق الرائع؛ والمقتصرة على المختصر المفيد من تلك السَّيَر العطرة النضّاخة بالطيوب، مسجّلاً فيها أقباساً من إشعاع أولئك القادة العظام، أبواب علم النبوّة، وخزّان كنوز الوحي، وحاملي أسرار التنزيل، لأنَّ تلك الأقباس المتلألئة الزهراء هي زبدة عطاء الإسلام الأصيل، بما حمل من خير وصلاح ونجاة، وما ألهم من عزم ومضاء وفداء.
وعشتُ إزاء هذه الرغبة الملحَّة بين عاملَيْ أخذٍ وردّ، يستقي أحدهما حذره من شموخ هذا الموضوع ومن التضاؤل أمامه خوفاً وفرقاً من ولوج خضمّه البعيد الغور، ويستمدّ ثانيهما عزمه من الإحساس بأنَّ هناك جوانب في تاريخ الأئمّة وسيرتهم وتراثهم الفكري، لم تبحث على النحو الذي يجب أن يكون عليه البحث _ بمعناه المعاصر _ في العرض والسرد والتحليل، بعيداً عمَّا هو خارج عن المنهج العلمي من زوائد التفصيل والتطويل، بل إنَّ هناك من تلك الجوانب ما لم يسلَّط عليه الضوء الكاشف بالقدر الذي ينبغي له من جلاء وتبيين، ولم تُجمَع أطرافه المهمّة في دراسات موجزة تغني قارئ اليوم _ وهو العَجِل الضيّق الوقت _ عن الرجوع إلى الكتب الضخمة والموسوعات الكبرى التي لم تلتزم في المعظم بطرائق التبويب المنهجي الحديث، ولم تخضع في الغالب لقواعد التدقيق والغربلة والتمحيص.
واستسلمتُ أخيراً لعنف الرغبة التي عاشت في حنايا نفسي وقتاً غير قصير من الزمن، واقتحمتُ الميدان وكلّي أمل بأن يحالفني التوفيق في إنجاز حلقات هذه السلسلة على النحو الذي رجوتهُ لها، قياماً بواجب الوفاء بأبرز مسائل البحث ونقاطه الرئيسة، والتزاماً بالأمانة والموضوعية في النقل والنقد والمحاكمة واستخلاص النتائج.
وهكذا بدأتُ العمل _ متوكّلاً على الله _ في الإعداد لتلك الدراسات، وعلى هدى ذلك المنهج حرَّرتُ هذه الصفحات.
والله المسؤول أن يكتب لي في هذا المسعى بعضَ النجاح والفوز في إفادة القرّاء ونفعهم، وبعضَ الثواب والأجر في كتاب حسناته وميزان نفحاته، وهو تعالى وليُّ ذلك كلّه من قبلُ ومن بعدُ.

* * *

وعقدّتُ الفصل الأوّل من هذه الرسالة على (محمّد بن الحسن المهدي بين ولادته وإمامته)، فتحدَّثت فيه عن تاريخ ولادته _ يوماً وشهراً وسنةً _ في أرجح الروايات وأصحّها، وعن تلك الليلة السعيدة التي ولد فيها هذا المنتظر لإقامة دولة الحقّ، وما فعل الإمام الحسن العسكري عليه السلام إثر الولادة من إجراء أحكام السُنّة، من الأذان في أذني الوليد وذبح العقائق وتوزيع الصدقات على الفقراء.
ثمّ تحدَّثت خلال ذلك عمَّا كان يحيط بخبر هذا المولود من سرّية وكتمان بالغَيْن، وعن الأسباب الدافعة على هذا التخفّي، والجوانب المتعدّدة التي شملها ذلك الكتمان، وكيف استغلَّ الأعداء والمشكّكون هذا التستّر لإنكار وجود ولدٍ للإمام العسكري.
وأوردتُ أسماء المؤرّخين الذين نصّوا على ولادة الإمام المهدي _ وفيهم الشيعي والمالكي والشافعي والحنفي والحنبلي _، والروايات المروية عن الإمام العسكري عليه السلام بوجود ولده وإراءته إيّاه لبعض خواصّ شيعته. وناقشت في أثناء ذلك بعض الشكوك المثارة في هذا الموضوع، كالاختلاف في تاريخ الولادة، ومسألة وصيّة الإمام العسكري لوالدته دون ولده، وعدم الاتّفاق على اسم اُمّ المهدي، وعدم حضور أحد من النساء غير السيّدة حكيمة ساعة الولادة، وكذلك ادّعاء جعفر بن علي الإمامة بعد أخيه الحسن منكراً وجود ولدٍ لأخيه، معتمداً في كلّ ذلك على أقدم المصادر وأوثق الروايات.
وعقدّتُ الفصل الثاني على (الإمام محمّد بن الحسن المهدي عليه السلام بين إمامته وغيبته)، فتحدَّثت فيه عن الدليل على إمامته في أبرز وجوهه الثلاثة التي ذكرها الباحثون، وكان الوجه الأوّل منها: النصّ عليه من جهة أبيه خاصّة بالقدر الذي يصحُّ عدُّه من المتواتر معنىً ومضموناً، وكذلك النصّ عليه بالذات من قِبَل أئمّة أهل البيت عليهم السلام السابقين على الإمام العسكري.
ثمّ كان الوجه الثاني من الأدلَّة على إمامته: النصّ النبوي على عدد الأئمّة وكونهم اثني عشر لا يزيدون ولا ينقصون، وتصريح المحدّثين بأنَّ ذلك الحديث صحيح ومتواتر وفي أعلى درجات الصحَّة والتواتر، وإلى الحدّ الذي ينفي كلّ محاولة للتشكيك فيه أو نسبته إلى الضعف أو الإبهام.
وكان الوجه الثالث من ذلك الدليل: النصّ النبوي على اسم المهدي وغيبته، وهو نصّ متواتر المعنى والمدلول بما لا يصحُّ فيه النقاش أو التردّد، وقد أوردتُ فيه الروايات المأثورة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك ممَّا صرَّح فيها بكون المهدي من قريش، ومن أولاد عبد المطَّلب، ومن العترة أهل البيت من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أولاد علي وفاطمة، ومن ذرّية الحسين، وكونه ثاني عشر الأوصياء والأئمّة، وابن الحسن العسكري عليه السلام، مثبتاً عدم صحَّة بعض الأخبار المنسوبة إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ممَّا يخالف ما أسلفناه، سواء منها ما يتعلَّق باسم أبي المهدي أو الزعم بأنَّه لا مهدي إلاَّ عيسى بن مريم، مضافاً إلى الردّ على بعض الاعتراضات والشبهات المتعلّقة بهذا الموضوع. ثمّ أردفتُ ذلك بإيراد جريدتين ذكرتُ في اُولاهما أسماء بعض الصحابة الذين رووا عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حديثه في المهدي، وفي الثانية أسماء بعض رجال الحديث من غير الشيعة الإمامية الذين نصّوا على تواتر أحاديث المهدي أو صرَّحوا بصحَّتها. وألحقتُ ذلك بسرد أسماء بعض الباحثين من المحدّثين الذين ألَّفوا الكتب والرسائل في موضوع المهدي من غير الشيعة أيضاً، وكذلك أسماء بعض الشعراء الذين ذكروا المهدي في شعرهم، مترقّبين يوم ظهوره ومقرّين بحتمية ذلك.
وعقدتُ الفصل الثالث على (غيبة الإمام المهدي عليه السلام بين المثبتين والمنكرين)، فتحدَّثت فيه عن غيبة الإمام والدليل عليها، مستعرضاً الآراء في إمكان بقاء الإنسان على قيد الحياة طيلة قرون وقرون، وذكرتُ ما يجب أن يقال في مقدّمة هذا البحث من أنَّ الإيمان بمسألة الغيبة جزءٌ لا يتجزَّأ من الإيمان بالأمور التي ورد النصّ القطعي عليها في القرآن الكريم والحديث النبوي الصحيح بحكم كونهما مصدر التشريع والعقيدة وباب المعرفة عند المسلمين، وأوردت في خلال ذلك النصوص النبوية على الغيبة وما يدعم ذلك من الأحاديث المصرّحة بضرورة وجود إمام حيّ في كلّ عصر وزمان لئلاَّ يموت الإنسان الجاهل بإمام زمانه ميتة جاهلية. ثمّ شرحتُ موضوع (الغيبة الصغرى) التي كان يتَّصل المؤمنون فيها بإمامهم بواسطة وكلائه المعيَّنين المعروفين فيسألون ويستفهمون وكيف كانوا يتلقّون الأجوبة على تلك الأسئلة والحلول لتلك المشاكل، مستشهداً على ذلك بفقرات من تلك الجوابات المأثورة فيما تعمُّ به الحاجة وما ينفع الناس.
ثمّ شرحتُ موضوع (الغيبة الكبرى) وما قال العلماء في تفسيرها وتحديد المراد منها وبيان دوافعها وأسبابها، موضّحاً الموقف من مقولة إمكان بقاء الإنسان حيّاً طوال هذه السنين، ومبيّناً حديث القرآن الكريم ومصادر الدين والتاريخ عن وقوع ذلك مرّات ومرّات، ثمّ حديث العلم المعاصر عن إمكان ذلك وعن منطلقات العمل الدؤوب في كلّ مراكز البحث العلمي في العالم في اتّجاه إطالة عمر الإنسان. ثمّ ختمت الكلام في ذلك بذكر ما تنتظره البشرية اليوم من توقّع ظهور مصلح منتظر يقود ركب الإنسانية إلى النهج السوي ويحمله على الصراط المستقيم، مستشهداً بما بشَّر به الفيلسوف البريطاني (برناردشو) من حاجة الكرة الأرضية إلى هذا المنقذ الذي سمّاه (السوبرمان) وما ذكره في كتابه (الإنسان والسوبرمان) من مواصفات هذا المنقذ ومزاياه الخاصّة.
ثمّ أردفتُ الكتاب في آخره بملحقين: عُني أوّلهما بالكلام عمّا يسمّى (سرداب الغيبة)، وما قال فيه الأولياء والأعداء، وعن الصحيح الثابت في هذا الموضوع. وعُني الثاني بتعريفٍ وافٍ بوكلاء الإمام المهدي عليه السلام في عصر غيبته الصغرى، ليكون القارئ الكريم على علم بجلال مقامهم وسموّ منزلتهم.

* * *

وفي الختام _ كما في البدء _ أحمد الله تعالى أجزل الحمد على كريم آلائه وجميل نعمائه، ثمّ اُضاعف الحمد والشكر له عز وجل في آخر هذه السطور على ما وفَّقني إليه من إكمال هذه السلسلة بالحديث عن الإمام الثاني عشر المنتظر الموعود، خاتم الأوصياء وبقيّة الحجج، الذي نتلهَّف إلى رؤيته وإشراقة طلعته وحلول يوم ظهوره، ليملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، فترفرف على البشرية راية دولة القرآن وكلمة الحقّ، وما ذلك على لطفه ومنّه ببعيد.
والله أسأل _ من قبلُ ومن بعدُ _ أن يسدّد الخطا على الطريق، ويمدّ بمزيد من التوفيق، إنَّه خير مسدّد وموفّق ومعين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

محمّد حسن آل ياسين

الفصل الأوّل: محمّد بن الحسن المهدي بين ولادته وإمامته

في أعماق تلك الليلة البهيجة القمراء، ومع قرب إشراقة الخيوط الأولى لفجرها الوضّاح المتلألئ(٧٨)، لليوم الخامس عشر من شهر شعبان على الأرجح الأصحّ(٧٩)، ولعلَّه كان يوم الجمعة(٨٠)، من سنة خمس وخمسين ومائتين على الأشهر(٨١)، ولد أبو القاسم محمّد ابن الإمام الحسن بن علي العسكري عليه السلام(٨٢)، فكانت لولادته في نفس أبيه ونفوس من حضره من أهل بيته الأقربين فرحة غامرة لا توصف، وسرور بالغ لا يُحَدُّ بكلمات.
وروى المسعودي عن جماعة من الشيوخ العلماء على حدّ وصفه كما روى غيره أيضاً: إنَّ السيّدة حكيمة بنت الإمام أبي جعفر محمّد الجواد عليه السلام كانت تشدّها إلى إحدى جواري الإمام العسكري _ واسمها في هذه الرواية نرجس _ رابطة ودّ وثقى، وكانت نرجس تحبّها حبّاً جمّاً وتتلقّاها عند مجيئها إلى بيت ابن أخيها الإمام العسكري بحفاوة ولهفة فتقبّل كفّها وتنزع خفّها بيدها(٨٣). وإنَّ الإمام قد طلب من عمَّته وقد قدمت لزيارته في أحد الأيّام أن تمكث عندهم لقرب موعد ولادة نرجس، لتتولّى من أمرها ما تتولاَّه النساء من بعضهنَّ حين الولادة. وبعد منتصف الليل من تلك الليلة (العشية) المباركة للنصف من شعبان على الأرجح كما تقدَّم قامت السيّدة حكيمة ونرجس فصلَّتا نافلة الليل، ثمّ حدث الطلق على إثر ذلك وتمَّت الولادة عند الفجر(٨٤). فأخذت حكيمة الطفل بعد أن لفَّته في ثوب وحملته إلى أبي محمّد عليه السلام(٨٥)، فتناوله وأخرج لسانه فمسح على عينيه ففتحهما، ثمّ أدخله في فيه فحنَّكه(٨٦)، وأذَّن في اُذنه اليمنى وأقام في اليسرى(٨٧)، وعقَّ عنه بكبشين(٨٨)، وأمر بتوزيع الخبز والطعام على الفقراء(٨٩).

* * *

وممَّا يجب إيضاحه والوقوف مليّاً عنده في هذا المقام تتمّةً لخبر تلك الولادة: إنَّ أمر هذا الوليد الكريم محمّد بن الحسن كان قد اُحيط بالسرّية والكتمان من جميع وجوهه وسائر جهاته، وكان ذلك كلُه بدافع الحرص على سلامة هذا الولد والحفاظ عليه من دسائس الأعداء ومكائدهم الشرّيرة، وقد علَّل المؤرّخون ذلك (لصعوبة الوقت)، و(شدَّة طلب سلطان الوقت له واجتهاده في البحث عن أمره)(٩٠)، مضافاً إلى ما هو معلوم من كون هذا الإمام _ كما صرَّحت الأخبار النبوية التي تداول روايتها المسلمون جيلاً بعد جيل _ هو الذي يقوم بالسيف ليحطّم معاقل الجور ويبني دولة الحقّ ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت شروراً وظلماً(٩١).
وترشدنا النصوص التاريخية إلى أنَّ وفاة الإمام العسكري عليه السلام قد أحدثت في يومها _ نتيجةً لهذه السرّية _ هزَّةً عنيفة في نفوس كثير من الناس حتَّى بعض أولئك القائلين بإمامته من غير خواصّه والثقات المقرَّبين إليه، لأنَّهم لمَّا فقدوا إمامهم لم يروا لهذا الفقيد بين ظهرانيهم ولداً يتقبَّل التعازي ويتصدَّر المأتم وتتمثَّل فيه المواصفات الشرعية للإمامة والمؤهّلات المطلوبة المسلَّمة في الفقه الإسلامي.
وكان غير الشيعة من المسلمين كذلك أيضاً وبطريق أولى، فذهب جُلّهم إلى إنكار وجود ولد للإمام العسكري، لأنَّهم لم يشاهدوه ماثلاً أمامهم يوم وفاة أبيه وفيما تلا ذلك من الأيّام.
وكانت السلطة _ بحكم ما يرويه محدّثوها وقضاتها في مجالسهم الخاصّة _ تعلم على الإجمال أنَّ لهذا الفقيد ولداً وأنَّه الثاني عشر الثائر القائم بالسيف، ولذلك فهي في بحث دؤوب عنه ولكن مع التظاهر بإنكار وجوده إمعاناً في الحرب النفسية والإعلامية التي تريد بها بلبلة أفكار العامّة خلال عملية الفحص عن هذا المتواري عن الأنظار.
وربَّما زاد في هذه البلبلة أو دعمها أنَّ الإمام العسكري الذي أخفى خبر ولده عن غير خواصّه المقرَّبين لم يجعله وصيّاً عنه زيادةً في ذلك الإخفاء، وإنَّما كانت اُمّه الوصيّة عن ابنها كما هو معروف.
ثمّ كان جعفر أخو الإمام العسكري _ وهو المتهالك على الدنيا وزينتها كما اشتهر بين الناس _ قد ادَّعى خلافة أخيه والإمامة من بعده، ومع أنَّ كبار المسؤولين في الدولة يعلمون كذبه في ذلك لكنَّهم لم يروا بأساً من مجاراته في دعواه لبعض الوقت تكثيفاً لضباب الشكوك، غير أنَّ الشيعة الواعين لم يصدّقوه في ذلك، بل أعلنوا رفض زعمه وكذب ادّعائه بعد أن أحرجوه بالسؤال عن أمور مجهولة التفاصيل فردَّ جعفر عليهم تلك الأسئلة منكراً أن يكون هو وأسلافه ممَّن يعلمون الغيب، فأثبت بإنكاره هذا جهله بتراث سلفه الذي يضمُّ فيما يضمّ من كنوز المعرفة ما هو مدوَّن محفوظ عند الأئمّة عليهم السلام من الشؤون الغيبية التي سمعها جدّهم علي عليه السلام من لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الراوي عن الوحي والمحدّث بالغيب(٩٢)، فكتبه في جفر خاصّ يتداوله أهل البيت عليهم السلام خلفاً عن سلف، ممَّا لم يكن علماً بالغيب بالمعنى المباشر.
وخلاصة القول إفادة مجموع الشواهد والمأثورات التي سردها المؤرّخون بأنَّ الكتمان الذي اُحيط به خبر وجود محمّد بن الحسن العسكري قد شمل الجوانب الآتية:
١ _ إخفاء أمر حمل اُمّه به، فلم يعرف ذلك إلاَّ أخصّ الخواصّ من أصحاب أبيه.
٢ _ إخفاء أمر الولادة، فلم تحضرها من النساء غير عمَّة الإمام العسكري كما تقدَّم.
وكان إخفاء أمر الحمل والولادة هو السبب في ورود بعض الروايات المخالفة للمشهور في تحديد يوم الولادة وشهرها وسنتها، كما مرَّ ذكرها وبيان مصادرها في أحد الهوامش المتقدّمة.
٣ _ إخفاء اسم اُمّه صيانةً لها من احتمال قبض السلطة عليها في وقتٍ ما، لاستجوابها في أمر ابنها، ولذلك اختلفت الروايات في تحديد اسمها من بين أسماء جواري الإمام(٩٣)، لئلاَّ يعلم على وجه التعيين اُمّ محمّد بالذات من بين تلكم الإماء.
٤ _ يضاف إلى ما سبقت الإشارة إليه من عدم نصّ الإمام العسكري على ابنه في وصيَّته، بل لم يشركه مع اُمّه في ذلك لئلاَّ يكشف أمره للأعداء ويكون ذكره له مشجّعاً لهم على ملاحقته ومطاردته.
٥ _ إخفاء مكان وجود هذا الولد فلم يعلم به سوى أقرب المقرَّبين من ثقات الأصحاب، ولم يرَه إلاَّ الأمناء المخلصون من خاصّة الشيعة(٩٤).
وطبيعي أن تثير هذه السرّية المتعدّدة الجوانب كثيراً من الشكوك في نفوس الأبعدين عن دائرة الارتباط الوثيق والعلاقة المباشرة بشؤون الإمامة والأئمّة، وهم الذين لم يعلموا بنبأ ولادته كي يقرّوا بوجوده، وكانت للسلطة _ كما تقدَّمت الإشارة _ يد طولى في تلك الحرب النفسية المستغلّة لكتمان أمر هذا الوليد لنفي ميلاده وتكذيب خبره، وإن بقيت تبحث عنه هنا وهناك حقبة من الزمن حتَّى أيست من استطاعتها العثور عليه والإمساك به. ثمّ كان لجعفر بن علي في ادّعائه الإمامة بعد أخيه أثر قوي في نفي وجود ابنٍ لأخيه كي يحوز النار لرغيفه، فزاد نفيه في البلبلة وترداد الشائعات بموت الإمام العسكري عليه السلام من دون عقب.
وهكذا بدأت تتسرَّب الريب وتقوى ليستغلّها منذ ذلك اليوم بعض الكتّاب والمؤرّخين _ ومنهم السطحيون ومنهم المعادون لأهل البيت _، فكان فيهم المؤكّد للنفي، بل كان فيهم المتهكّم بمن يعتقد بإمامة من لم يوجد ولم يولد ولم يرَ النور.
ولكيلا نسوّد كثيراً من الصفحات بسرد ما حرَّره أولئك المنكرون على مرّ القرون، نجمل ذلك كلّه بالإشارة إلى الكتب التي أفرزتها المطابع في السنين الأخيرة وقد جمعت الأقاويل السابقة والشبهات اللاحقة، وهي كتب توحي وحدة مضمونها ومنطلقاتها بأنَّ هناك من خلفها (فئة) أو (فئات) _ قد تكون متعاونة ومنظّمة وربَّما لا تكون _ تعمل بدأب وجدّ وفي إطار مخطّطٍ يكاد يكون كالمتَّفق عليه في التشكيك بالمهدي المنتظر ومحاولة نفي وجوده من الأصل بمختلف أساليب النفي والتشكيك.
ويستفاد ممَّا قرأنا من كتابات هذه الزمرة أنَّ عدداً من أفرادها قد غلَّفوا أنفسهم بأسماء رمزية غير معروفة، ليدَّعوا أنَّهم كانوا في يوم من الأيّام من شيعة أهل البيت المؤمنين بالأئمّة الاثني عشر ثمّ انقلبوا على الأعقاب بعد وضوح الأمر لديهم حسب زعمهم، وبرز من بينهم من رمز لنفسه باسم (أحمد الكاتب) ومن اختار اسم (حسين الموسوي) ومن أطلق على نفسه اسم (ناصر الدين شاه) وإلى آخر تلك الأسماء الملفَّقة الموهومة. ثمّ أطلَّ علينا من بينهم أخيراً باحث يصلح أن يُعَدَّ المنظّر أو القائد لهذه المجموعة، وقد طرح نفسه في الساحة باسمه الصريح وعنوانه الواضح وهو (الدكتور عداب محمود الحمش)، فسار في الطريق نفسه وكرَّر شكوك أولئك الكتّاب ودعاواهم ولكن بأسلوب حاول أن يكون أكثر فرقعةً وضجيجاً، فحمل حملة شعواء على مجموع المأثور من الحديث النبوي عامّةً وما يرتبط منه بموضوع المهدي خاصّة، ممَّا أوردته كتب الحديث الشهيرة التي ترجع إليها طوائف المسلمين من السُنّة والشيعة، ولم يستثن من كلّ ذلك إلاَّ الصحيحين _ كالعادة _ من دون ذكر لما يمكن أن يُرَدَّ ويرفض من الأحاديث الواردة فيهما، بل مرتضياً ومصحّحاً لكلّ ما رواه الشيخان، حتَّى لو كان الرواة أمثال سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة ومعاوية بن أبي سفيان.
ثمّ كان آخر المطاف ذلك الاستطلاع الصحفي الذي طلعت علينا به جريدة (الملتقى الدولي) المصرية وهو يحمل عنوان (قنبلة فجَّرتها أجهزة الاستخبارات الغربية/ حكاية إذاعة بيان المهدي المنتظر عبر الفضائيات)(٩٥)، وقد أورد محرّر الاستطلاع في بدئه خلاصةً للتحليلات والنتائج التي توصَّل إليها الكاتب الصحفي محمّد عيسى داود في كتابه (المهدي المنتظر على الأبواب)، إذ قال فيه عن المهدي ما لفظه:
(إنَّه هدية الله عز وجل لتحقيق وعده للمؤمنين الصادقين بالنصر المؤكَّد والتمكين في الأرض، وظهور دين سيّد الخلق والأكوان والكائنات سيّدنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم على الدين كلّه ولو كره المشركون..، ولو كره الحاقدون..، مصداقاً للحديث الشريف المتَّفق عليه عند سائر المسلمين من أهل السُنّة والشيعة: (لا تنقضي الدنيا حتَّى يقيّض الله للأرض رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً)...، إنَّ المهدي يمثّل السموّ في الدين والفكر والسلوك...، وليس هو عيسى عليه السلام على الإطلاق...، حقّاً سيتعاصران لكنَّهما شخصان مختلفان، وحديث: (لا مهدي إلاَّ عيسى بن مريم) حديث فيه نظر).
ثمّ استطرد كاتب الاستطلاع بعد هذا التمهيد قائلاً:
(حدث في شهر يناير سنة ١٩٩٢م أن كرَّ بعض أعداء الإسلام على (المهدي المنتظر) فكرةً وقضيّةً وكلمةَ حقًّ بحرب شعواء محسوبة المبادئ والنهايات، حافلة بالمغالطات...، وألَّبوا الكتّاب والمفكّرين في أمريكا وأوربا بل والعرب، على هدم هذه الفكرة واقتلاعها من جذورها، ونشروا فعلاً مئات المقالات والأبحاث التي شكَّكت وتشكّك حتَّى الآن المسلمين بأوربا وأمريكا والمسلمين بكلّ مكان وتُسقط في أذهانهم أنَّ حرب اليهود والمسلمين هي دائماً حرب خاسرة للمسلمين، ولا مهرب أمامهم من السلام الاستسلامي).
وقال الأستاذ محمّد عيسى في خلال كتابه المذكور:
(إنَّ المفكّر الأمريكي اليهودي الأصل (Hansilya L.S.) كان قد أثار قضيّة المهدي وصرَّح بأنَّ المهدي المنتظر هو (وهم) لا بدَّ منه للمسلمين، لأنَّ المسلمين لا يستطيعون أن يعيشوا دون أوهام النصر على اليهود واسترداد بيت المقدس. حتَّى أنَّنا كمفكرين نلاحظ أنَّه كلَّما أذلَّ اليهودُ المسلمين تفجَّرت قضيّة المهدي وكانت الشمّاعة التي يعلّق عليها المسلمون آمالهم، وكلَّما دان أودنا لليهود أمرٌ وجدتَ المسلمين يقولون: إنَّها مقدّمة للمهدي، ولم يرَ أحدٌ من هو المهدي الذي حلموا به ولا يزالون.
أمَّا الكاتب الانجليزي (Aozoald.k.l) فقد قال: إنَّ المهدي كذبة كبرى لا يريد المسلمون أن يفيقوا منها، وإنَّ كلّ المسلمين لا يريدون شيئاً من هذه الحياة سوى ظهور مسلم واحد يبيد اليهود كلّهم ولا يُبقي منهم أثراً. ومَلِكُ المسلمين المنتظر هو هذا المسلم، فلماذا لا يعتقد المسلمون فيه؟
وقد كتب المفكّر الألماني (Fanmlrnndg G.H.) ما خلاصته: إنَّ رأس الفكر الإسلامي المعاصر يرتكز على أنَّ مهدي آخر الزمان سيملك الدنيا وينتصر على اليهود، ويعيد القدس للمسلمين، وهو رجل له أمارات وكلّها ظهرت، ومع هذا فالمهدي لم يظهر مع تحقّق كلّ علاماته التي يتوهّمونها، وهذا دليل على أنَّ المهدي مجرَّد (وهم) لا أساس له من الصحَّة، إلاَّ أنَّ كرامة المسلمين المهانة حافزٌ يردّد هذه الفكرة ليعوّض النقص والعجز والانقسام الذي يحكم كلّ المسلمين في عالم لا بقاء فيه إلاَّ للقوي.
ولكن هذا الكاتب الألماني كان أكثر الكتّاب أدباً وحنكةً عندما ختم بحثه بهذه الكلمات: إنَّ المهدي فكر، والفكر كثيراً ما يكوّن إرادة، والإرادة إذا قوت كثيراً ما تحقّق المعجزات، فهل يملك المسلمون الإرادة القوية في يوم قريب ويخرج منهم المهدي كفاتح، وحلمهم يتحقَّق ولو في أيّ شخص بحيث يرونه مهدي آخر الزمان؟ هذا ما ستجيب عنه الأيّام والسنوات العشر القادمة).
ثمّ يختم الباحث محمّد عيسى داود كتابه معلّقاً على تلك الأفكار والتكهّنات فيقول:
(ونحن المسلمين نرى أنَّ هذا الصراع والتسابق في هدم فكرة المهدي _ كأنَّهم إلى نصب يوفضون _ هو صدى لصحوة المسلمين وكرٌّ على (فكرةٍ) هي و(الحقيقة) شيء واحد.
ونحن لا نكره أن يناقشوا أيّ فكرة إسلاميّة...، ولكنَّنا نبغض أن يتستَّر (الحقد) تحت عباءة (النقاش)، وأن يلبس (اللسان البذيء) ثوب (اللسان الناطق بالعلم والحكمة)، وأن ينكروا ما لا يعرفون أسراره الحقيقية).

* * *

ولا اُريد التعقيب هنا على هذا الاستغلال اليهودي الدنيء للموضوع ومهاجمة كتّابهم ومأجوريهم لمجموع المؤمنين بالمهدي والمنتظرين لظهوره، لأنَّ كذب اليهود ودسّهم وتزويرهم للحقائق _ من يوم ادّعائهم صلب المسيح عليه السلام إلى يوم اختلاق أسطورة محرقتهم النازية المزعومة في العصر الأخير _ أشهر من أن يذكر، وأبين من أن يقام عليه برهان.
ولكنّي اُضيف حملتهم على الإمام المنتظر إلى قائمة الحملات المتعاقبة على المهدي والمهدوية على مرّ القرون، إن لم يكن بعضها من صنع أيديهم من حيث لا نعلم، وقد تردَّتْ لبوس من يدَّعي الانتماء إلى جمهور المسلمين.
كما إنّي لستُ في هذا المقام بصدد مناقشة التفاصيل والمنطلقات التي وردت في كتاب الدكتور (عداب) وكتب جماعته المشار إليهم ومن كان على شاكلتهم، فإنَّ لذلك مجالاً غير هذا المجال، ولكنَّني أقف من جميع أقوالهم على خصوص ما يتعلَّق ببحثنا هذا المعنيّ بمحمّد بن الحسن العسكري عليه السلام، أو على لباب ما يخصّ هذا البحث، بعيداً عن الجلبة الإعلامية التي اُريد بها الخداع والإبهام والإيهام، حيث ظنَّ أفراد هذه الفئة _ المكشوف منهم والمرموز له _ أنَّهم قد أتقنوا التخطيط لهجومهم وهيَّأوا له السلام الكفيل بالقضاء على خصومهم، غافلين عن كونه سلاحاً قديماً شهره قبلهم أسلافهم مؤسّسو مدرسة ابن تيمية وأضرابه والمتخرّجون عليهم وعليها عبر العصور، ولم يكن لهم اليوم من جهد مضاف إليه سوى إعادة الصقل واللمعان، بأمل أن يصطادوا به بعض المغفَّلين والسُذَّج ممَّن لم يقفوا على البيّنات ولم يعوا الحقائق.
وكانت خلاصة ما زعموه في هذا الموضوع _ كما جاء على لسان أحد الناطقين عنهم وبلفظ (الكاتب) لأفكارهم _:
إنَّ مسألة القول بكون محمّد بن الحسن العسكري هو المهدي المنتظر الذي يغيب، قد جمعت عدَّة فرضيات:
الأولى: وجود الولد.
الثانية: إنَّه الإمام بعد أبيه.
الثالثة: إنَّه المهدي المنتظر.
الرابعة: إنَّه الغائب.
ثمّ قال: (إنَّ كلّ واحدة من هذه الفرضيات بحاجة إلى إثبات، وخاصّة الفرضية الأولى التي تبتني عليها سائر الفرضيات، لأنَّ من المعروف أنَّ دعوى ولادة الإمام الثاني عشر محمّد بن الحسن العسكري تأتي بأدلَّة عقلية ونقلية وتاريخية، فلا بدَّ إذن من مراجعتها والتحقّق منها)(٩٦)، على الرغم من زعمه بـ (أنَّ القول بوجود ولدٍ للإمام العسكري في السرّ هو قول باطني سرّي)، وأنَّ للغلاة الباطنيين دوراً في صنع الفرضية المهدوية(٩٧).
أمَّا الدكتور (عداب) فقد كرَّر ما يشبه ذلك فقال:
(لو تحقَّق عندنا ولادة المهدي فعلاً لكان لهذه التخيّلات موضع للنظر فيها)(٩٨)، وقال في موضع آخر من كتابه: (وقد نصَّت كتبنا المعتبرة!! على أنَّ الحسن العسكري _ الإمام الحادي عشر _ توفّي ولم يكن له ولد)(٩٩)، ثمّ أعاد تكرار ذلك في موضع ثالث فقال: (إذا ثبتت ولادته تاريخياً فيمكن ساعتئذٍ مناقشة القضايا التي ترتَّبت عليها)(١٠٠)، ثمّ زاد في ادّعاءاته وتخرّصاته فقال: (فرضية ولادة ووجود الإمام محمّد بن الحسن العسكري التي لم يقل بها أهل البيت ولم يعرفوها في حياتهم)(١٠١).
وزاد (كاتب) هذه الزمرة وهو يستدلّ على (عدم معرفة أيّ أحد بمولد ابن للحسن العسكري في حياته) بـ (إقبال عامّة الشيعة على تعزية أخيه جعفر بن علي وتهنئته) وبوصية العسكري باتّفاق جميع الشيعة إلى اُمّه ولم يوص إلى أحد غيرها، (وإذا كان له ولد حتَّى في الرحم لكان أوصى إليه، وهذا ما لم يحدث).
ثمّ حاول هذا المتستّر باسمه المستعار أن يقيم البرهان على مجمل دعاويه هذه فقال:
(إنَّ الأدلَّة التاريخية الظاهرية والطبيعية كانت معاكسة لدعوى وجود ولد للإمام العسكري، فهو لم يعلن ذلك الأمر ولم يشر إلى وجود ولدٍ له في وصيَّته...، وقد انطلق القائلون بنظرية وجود الولد من قصَّة الجارية نرجس...، واختلف المؤرّخون الشيعة حول هوية اُمّه، ولم يقل جميعهم: إنَّ نرجس هي اُمّ المهدي وتردَّدوا بينها وبين سوسن وخمط و... و...، وقد اختلفوا حول تاريخ ولادته المفترضة في اليوم والشهر والسنة ممَّا يؤكّد قيام رواياتهم على التخرّص والتخمين...، وكانت كلّ تلك الروايات رغم ضعفها الشديد الذي يسقطها عن الحجّية ويجعلها شبيهة بالإشاعات إلى امرأة واحدة هي حكيمة، ممَّا يجعل الرواية خبراً واحداً لا يمكن الاحتجاج به).
والمستفاد من مجموع هذا النفخ في أبواق التشكيك والضرب على طبول التضليل: إجماع هذا الفريق على أنَّ البحث في أساسه معتمد على ما سمّوه (الفرضية الأولى) التي (تبتني عليها سائر الفرضيات)! وهي مسألة تحقّق ولادة محمّد بن الحسن المهدي، زاعمين أنَّ الكتب التي وصفوها بالمعتبرة قد نصَّت على أنَّ الحسن العسكري توفّي ولم يكن له ولد، وأنَّ الأدلَّة التاريخية الظاهرية والطبيعية كانت معاكسة لدعوى وجود هذا الولد، لأنَّ:
١ _ الإمام العسكري عليه السلام لم يعلن أمر هذا الولد كما يقولون.
٢ _ وأنَّ أيّ أحد لم يكن يعرف بمولد هذا الابن في حياة أبيه.
٣ _ وأنَّ الاختلاف في تاريخ ولادته المفترضة في اليوم والشهر والسنة يؤكّد قيام ذلك على التخرّص والتخمين.
٤ _ وأنَّ الحسن العسكري قد عهد بوصيَّته إلى اُمّه ولم يوص إلى أحد غيرها، وإذا كان له ولد لأوصى إليه.
٥ _ وأنَّ اختلاف المؤرّخين في اسم اُمّ المهدي دليل على النفي والعدم.
٦ _ وأنَّ حضور حكيمة دون غيرها من النساء ساعة الولادة يجعل الخبر من أخبار الآحاد التي لا يمكن الاحتجاج به.
٧ _ وأنَّ إقبال عامّة الشيعة على تعزية جعفر بوفاة أخيه دالٌّ على عدم وجود الولد.

* * *

هذه _ باختصار _ خلاصة أمينة لأهمّ ما جاء به أفراد تلك الزمرة أو الزمر المتجاوب بعضها مع بعض، فيما أودعوا في مدوّناتهم ومؤلّفاتهم من الأقاويل التي سبق لـ (سلفهم) أن أبدع بعضها ثمّ أضافوا إليها بعضاً آخر من ابتكارهم وإبداعهم. ولا بدَّ لنا ونحن بصدد تبيان الحقيقة وتمزيق حجب التعمية والضباب أن نقف باختصار أيضاً وقفة الفحص والتدقيق على كلّ فقرة من تلك الفقر التي أراد المشكّكون التعكّز عليها لتمرير أفكارهم القائمة في أحسن المحتملات على الجهل بالواقع وسطحية النظر والتفكير، إن لم تكن منبعثة من عوامل المغالطة والدسّ والتشهير.
ولمَّا كانت (الفرضية الأولى) لدى هؤلاء جميعاً هي مسألة (ولادة) هذا الإنسان و(وجوده) على الأرض، فإنَّنا نبدأ عملية الشرح والإيضاح بذكر أسماء المحدّثين والمؤرّخين والنسّابين الذين وقفتُ على ذكرهم للولادة في مصنّفاتهم المطبوعة التي تسنّى لي الاطّلاع عليها، لنرى مقدار الصدق والموضوعية والصحَّة فيما ذكر (دعاة الشكّ) من أنَّ الكتب المعتبرة قد نصَّت على أنَّ الحسن العسكري توفّي ولم يكن له ولد، ولنرى أيضاً كيف سيتخبَّطون فيما تبجَّحوا به من أنَّ ولادته إذا ثبتت تاريخياً كان من الممكن ساعتئذٍ مناقشة القضايا التي ترتَّبت عليها _ على مقتضى مقولات الدكتور عداب _، وفيما ادَّعوه من أنَّ الأدلَّة التاريخية الظاهرية والطبيعية كانت معاكسة لدعوى وجود ولدٍ للإمام العسكري عليه السلام.
واُورد فيما يأتي أسماء أولئك المؤلّفين الذين وقفتُ على تصريحاتهم بولادة محمّد بن الحسن العسكري ووجوده، مرتَّبة على تسلسل تواريخ وفياتهم، مع الاعتراف بأنَّ هذا العرض للأسماء قائم على التمثيل والاستشهاد لعدم القدرة على الحصر والاستيعاب:
١_ محمّد بن يعقوب الكليني، المتوفّى سنة (٣٢٩هـ)، في كتابه (الكافي ١: ٥١٤).
٢ _ علي بن الحسين المسعودي، المتوفّى سنة (٣٣٣هـ)، وقيل: (٣٤٥هـ)، في كتابيه (إثبات الوصية: ٢٢٩)، و(مروج الذهب ٤: ١٣٨).
٣ _ محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد، المتوفّى سنة (٤١٣هـ)، في كتابه (الإرشاد: ٣٧٢).
٤ _ الفضل بن الحسن الطبرسي، المتوفّى سنة (٥٤٨هـ)، في كتابه (إعلام الورى ٢: ١٥١).
٥ _ محمّد بن علي بن شهرآشوب السروي، المتوفّى سنة (٥٨٨هـ)، في كتابه (المناقب ٢: ٤٥٧).
٦ _ محمّد بن طلحة العدوي الشافعي، المتوفّى سنة (٦٥٢هـ)، في كتابه (مطالب السؤول ٢: ٧٩).
٧ _ يوسف بن قزغلي الشهير بسبط ابن الجوزي، المتوفّى سنة (٦٥٤هـ)، في كتابه (تذكرة الخواصّ: ٣٧٧).
٨ _ محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي، المتوفّى سنة (٦٥٨هـ)، في كتابيه (البيان: ١٠٢ _ ١١٢)، و(كفاية الطالب: ٣١٢).
٩ _ قاضي القضاة ابن خلّكان أحمد بن محمّد الشافعي، المتوفّى سنة (٦٨١هـ)، في كتابه (وفيات الأعيان ٣: ٣١٦).
١٠ _ علي بن عيسى الإربلي، المتوفّى سنة (٦٩٣هـ)، في كتابه (كشف الغمّة ٣: ١٩٧).
١١ _ أبو الفدا إسماعيل بن علي الشافعي الحموي، المتوفّى سنة (٧٣٢هـ)، في كتابه (تاريخ أبي الفدا ٢: ٤٥).
١٢ _ الذهبي محمّد بن أحمد بن عثمان، المتوفّى سنة (٧٤٨هـ)، في كتابه (تاريخ الإسلام/ الجزء الذي فيه حوادث ٢٥١ _ ٢٦٠هـ).
١٣ _ الصفدي خليل بن أيبك الشافعي، المتوفّى سنة (٧٤٦هـ) في كتابه (الوافي بالوفيات ٢: ٣٣٦).
١٤ _ أحمد بن علي الحسني الداوودي النسّابة، المتوفّى سنة (٨٢٨هـ)، في كتابه (عمدة الطالب: ١٨٨).
١٥ _ ابن الصبّاغ علي بن محمّد المكّي المالكي، المتوفّى سنة (٨٥٥هـ)، في كتابه (الفصول المهمّة: ٢٧٤).
١٦ _ ابن طولون محمّد بن علي الحنفي الدمشقي، المتوفّى سنة (٩٥٣هـ)، في كتابه (الأئمّة الاثنا عشر: ١١٧ و١١٨).
١٧ _ ابن حجر أحمد بن محمّد الشافعي الهيتمي، المتوفّى سنة (٩٧٣هـ)، في كتابه (الصواعق المحرقة: ١٠٠ و١٢٤).
١٨ _ الحسين بن عبد الله السمرقندي، المتوفّى حوالي سنة (١٠٤٣هـ)، في كتابه (تحفة الطالب/ المنشور في مجلَّة تراثنا: ٣٥٧ و٣٥٨/ العددان: ٣ و٤ من السنة ١٦).
١٩ _ الشيخ محمّد الصبّان المصري الشافعي، المتوفّى سنة (١٢٠٦هـ)، في كتابه (إسعاف الراغبين: ١٤٠).
٢٠ _ مؤمن بن حسن الشبلنجي الشافعي، المتوفّى بعد سنة (١٢٩٠هـ)، في كتابه (نور الأبصار: ١٥٤).
٢١ _ سليمان القندوزي الحنفي، المتوفّى سنة (١٢٩٤هـ)، في كتابه (ينابيع المودَّة: ٣٦٦ و٣٨٦ و٤٥٠ _ ٤٥٢).
٢٢ _ محمّد أمين السويدي البغدادي، المتوفّى بعد سنة (١٣٣٩هـ)، في كتابه (سبائك الذهب: ٧٨).
مضافاً إلى من ترجم للإمام الحسن العسكري عليه السلام ونصَّ على أنَّه (والد المنتظر محمّد)، ومنهم:
٢٣ _ ياقوت الحموي، المتوفّى سنة (٦٢٦هـ)، في كتابه (معجم البلدان ٦: ١٧٥).
٢٤ _ علي بن أبي الكرم المعروف بابن الأثير، المتوفّى سنة (٦٣٠هـ)، في كتابه (الكامل في التاريخ ٥: ٣٧٣).
٢٥ _ حسين بن محمّد المالكي الدياربكري، المتوفّى سنة (٩٨٢هـ)، في كتابه (تاريخ الخميس ٢: ٣٤٣).
٢٦ _ عبد الحيّ بن العماد الحنبلي، المتوفّى سنة (١٠٨٩هـ)، في كتابه (شذرات الذهب ٢: ١٤١).
هؤلاء هم الذين وقفتُ على كلماتهم فيما يحضرني من مؤلّفات السلف من الفقهاء والمحدّثين والنسّابين والمؤرّخين _ وفيهم الشيعي والشافعي والحنفي والمالكي والحنبلي _، وقد نصّوا جميعاً على ولادة محمّد بن الحسن العسكري ووجوده، وذكر أحد الباحثين المعاصرين أنَّه وقف على تصريحات مائة وثمانية وعشرين عالماً من علماء أهل السُنّة المسلمين بولادة محمّد بن الحسن المهدي(١٠٢)، وما أدري كيف صارت هذه الأقوال والروايات جميعاً صفراً على الشمال وبحكم العدم في نظر أدعياء التحقيق والتدقيق؟!
وما دام هؤلاء الأعلام الذين ذكرناهم قد أجمعوا على الإقرار بهذه الحقيقة الصارخة المدوية فلا يهمّنا بعد ذلك وجود من يريد سلوك طريق العناد والمجادلة بغير الحقّ.

* * *

ثمّ نعود إلى ما زعمه الزاعمون من أنَّ الإمام العسكري عليه السلام لم يعلن أمر هذا الولد، وأنَّ أيّ أحد لم يكن يعلم مولد هذا الابن في حياة أبيه، فنجد أنَّ ذلك زعم مفضوح البطلان، لما ورد من الروايات عن أصحاب الإمام العسكري، وقد تحدَّث بعضها عن ولادته، وبعضٌ عن إخبار أبيه بمولده، وبعضٌ آخر عن رؤية قوم له وهو طفل صغير في حياة أبيه، ممَّا ينفي ادّعاء الدكتور (عداب) من أنَّ فرضية ولادة الإمام محمّد بن الحسن العسكري ووجوده لم يقل بها أهل البيت ولم يعرفوها في حياتهم.
وجاء في الرواية عن أحمد بن إسحاق وسعد الأشعري إذ قال كلٌّ منهما: دخلتُ على أبي محمّد الحسن بن علي العسكري عليه السلام وأنا اُريد أن أسأله عن الخلف من بعده، فقال لي: (يا أحمد بن إسحاق، إنَّ الله تبارك وتعالى لم يُخل الأرض منذ خلق آدم ولا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجّة لله على خلقه...)، فقلت له: يا ابن رسول الله، فمن الإمام والخليفة بعدك؟ فنهض مسرعاً فدخل البيت، ثمّ خرج وعلى عاتقه غلام كأنَّ وجهه الفجر ليلة البدر، من أبناء ثلاث سنين، فقال: (يا أحمد بن إسحاق، لولا كرامتك على الله عز وجل وعلى حججه ما عرضتُ عليك ابني هذا، إنَّه سميُّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكنيّه، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)(١٠٣).
وحدَّث الراوندي عن أبي نعيم محمّد بن أحمد الأنصاري قال: وجَّه قوم من المفوّضة كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي محمّد عليه السلام، قال: فدخلتُ عليه...، وجلستُ إلى باب عليه ستر مرخى، فجاءت الريح فكشفت طرفه، فإذا أنا بفتى كأنَّه فلقة قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها، يعني به محمّد بن الحسن(١٠٤).
وروى الحافظ القندوزي الحنفي: أنَّ الإمام العسكري (أرى ولده القائم المهدي لخواصّ مواليه)، وأنَّه (عرضه على أصحابه) في اليوم الثالث من ولادته، وعلى (من كان في منزله وكانوا أربعين رجلاً)، منهم معاوية بن حكيم ومحمّد بن أيّوب بن نوح ومحمّد بن عثمان العمري(١٠٥)، وكان هؤلاء الأصحاب قد دخلوا عليه للتهنئة بولده بعد ولادته(١٠٦).
وجاء في خبر أحمد بن الحسين بن أحمد القمّي، قال: لمَّا وُلد الخلف الصالح ورد من مولانا أبي محمّد الحسن بن علي عليه السلام على جدّي أحمد بن إسحاق كتابٌ (وإذا فيه مكتوب بخط يده عليه السلام الذي كان ترد به التوقيعات منه عليه: وُلد لنا مولود، فليكن عندك مستوراً وعن جميع الناس مكتوماً، فإنّا لم نظهر عليه إلاَّ الأقرب لقرابته، والوليّ لولايته، أحببنا إعلامك ليسرّك الله به مثل ما سرَّنا به. والسلام)(١٠٧).
وورد فيما حدَّث به أحمد بن إبراهيم، قال: دخلتُ على خديجة بنت محمّد بن علي الرضا عليه السلام أخت ابي الحسن صاحب العسكر عليه السلام في سنة اثنتين وستّين ومائتين بالمدينة، فكلَّمتها من وراء حجاب، وسألتُها عن دينها، فسمَّت لي من تأتمّ بهم، ثمّ قالت: والخلف الزكي ابن الحسن بن علي أخي. فقلتُ لها: جعلني الله فداكِ، معاينةً أو خبراً؟ فقالت: خبراً عن ابن أخي أبي محمّد عليه السلام كتب به إلى اُمّه)(١٠٨). إلى آخر ما حملته الروايات بهذا الشأن كما يأتي بيانه في الفصل الآتي.
ويضاف إلى ذلك كلّه ما تحدَّثت به عدَّة روايات عمَّن رآه من خواصّ أبيه وهو طفل صغير(١٠٩)، أو رآه على عاتق أبيه وهو في الثالثة من العمر(١١٠)، أو نصَّت على رؤية بعضهم له بعد وفاة أبيه(١١١)، وفي بعضها التصريح من الراوي بأنَّه رآه (وهو غلام أيفع)، وأنَّه قبَّل يديه ورأسه(١١٢).

* * *

أمَّا ما ذكرته هذه الفئة _ ومنهم (كاتبهم) المشار إليه _ من أنَّ الاختلاف في تحديد تاريخ ولادة محمّد بن الحسن المهدي في اليوم والشهر والسنة دليل على قيام روايات وجوده على التخرّص والتخمين، فهو برهان قاطع على جهلهم الفاضح وعدم اطّلاعهم على كتب الأخبار ومصادر التاريخ، لأنَّ اختلاف الروايات في تواريخ الولادات والوفيات بارز للعيان في كثير من سير الأشخاص وشؤون الأحداث.
وحسبنا من كلّ تلك الشواهد في مقام إثبات جهل هؤلاء اللابسين كذباً لبوس البحث والتحقيق ما نجده في كتب السيرة والحديث والتاريخ من الاختلاف في تعيين يوم ولادة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والشهر الذي وُلِدَ فيه(١١٣)، والاختلاف في تعيين يوم بعثته وشهرها أيضاً(١١٤)، ثمّ اختلافهم في تعيين يوم وفاته وشهرها(١١٥)، مع أنَّها من أهمّ حوادث التاريخ التي هزَّت المجتمع هزَّاً عنيفاً وإلى أبعد الحدود.
فهل يرى هؤلاء الكتّاب من باحثي آخر الزمان في هذا الخلاف في تحديد تلك التواريخ المتعلّقة بسيّد خلق الله وخاتم أنبيائه دليلاً على أنَّ الأمر كلّه كان قائماً على التخرّص والتخمين؟!

* * *

وأمَّا وصيّة الإمام العسكري عليه السلام إلى اُمّه فلم تكن لدى العارفين بملابسات الظروف المحيطة بذلك دليلاً على عدم وجود الولد كما تقوَّل المتقوّلون. ونكتفي في الجواب على هذا الوهم بما ذكره الشيخ الطوسي بياناً لحقيقة الأمر إذ قال:
(إن قيل: كيف يجوز أن يكون للحسن بن علي ولدٌ مع إسناده وصيَّته في مرضه الذي توفّي فيه إلى والدته المسمّاة بحديث والمكنّاة باُمّ الحسن، بوقوفه وصدقاته...، ولو كان له ولد ذكرٌ لذكره في وصيَّته؟
قيل: إنَّما فعل ذلك قصداً إلى تمام ما كان غرضه في إخفاء ولادته وستر حاله عن سلطان الوقت...، وهو احتاج إلى الإشهاد عليها وجوه الدولة وأسباب السلطان وشهود القضاة، ليتحرَّس بذلك وقوفه ويتحفظ صدقاته، ويتمُّ به الستر على ولده بإهمال ذكره.
وقد فعل نظير ذلك الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام حين أسند وصيَّته إلى خمسة نفر أوّلهم المنصور إذ كان سلطان الوقت، ولم يفرد ابنه موسى عليه السلام بها إبقاءً عليه، وأشرك معه الربيع (الوزير) وقاضي الوقت وجاريته اُمّ ولده حميدة، وختمهم بذكر ابنه موسى بن جعفر عليه السلام لستر أمره وحراسة نفسه...، ولو لم يكن موسى ظاهراً مشهوراً في أولاده لما ذكره في وصيَّته...، كما فعل الحسن بن علي والد صاحب الزمان)(١١٦).

* * *

وأمَّا اختلاف المؤرّخين في اسم اُمّه فيرجع السبب فيه إلى الحرص على كتمان اسمها من بين جواري الإمام _ كما سلفت الإشارة إليه في صدر هذا الفصل _، لئلاَّ تقع تحت طائلة المطاردة أو الاعتقال إن عُرف شخصها بالذات، أو تُوَجَّه نحوها الضغوط المرعبة للتعرّف منها على أخبار ابنها وأخذ المعلومات عن مكان اختفائه، وليس في ذلك الاختلاف بعد وضوح سببه أيّ دليل على نفي وجودها أو وجود ولدٍ لها كما يشيع المغرضون.
وروى بعض المؤرّخين أنَّ هذا الاختلاف في اسم الاُمّ كان مدعاة لأن يوكّل (السلطان في الوقت الذي توفّي فيه الحسن بن علي العسكري عليه السلام بداره وجواريه من يتفقَّد حملهنَّ لكي يظفر بولده وبقيَّته)(١١٧)، وذلك بعد يأس السلطة من العثور على ولد موجود للإمام بعد كبس الدار والبحث عنه فيها(١١٨).
وجاء في رواية الكليني: أنَّ السلطان بعث إلى داره (من فتَّشها وفتَّش حجرها...، وجاؤوا بنساء يعرفن الحمل فدخلن إلى جواريه ينظرن إليهنَّ، فذكر بعضهنَّ أنَّ هناك جارية بها حمل، فجُعلت في حجرة ووُكّل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم)، (ولم يزل الذين وُكّلوا بحفظ الجارية التي تُوُهّم عليها الحمل لازمين حتَّى تبيَّن بطلان الحمل)(١١٩).
وحدَّث الراوندي: أنَّ المعتمد العبّاسي وجَّه بخدمه فقبضوا على الجارية التي كانوا يظنّون أنَّها اُمّ محمّد، (فطالبوها بالصبي فأنكرته، وادَّعت حبلاً بها لتغطّي حال الصبي، فسُلّمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي)، ثمّ سرعان ما مات الوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان فجأة، ووردت الأنباء بخروج صاحب الزنج بالبصرة، (فشُغلوا بذلك عن الجارية فخرجت من أيديهم)(١٢٠).

* * *

وأمَّا حضور حكيمة ابنة الإمام الجواد عليه السلام(١٢١) الولادة يومها وقيامها مقام القابلة _ كما تقدَّم بيانه في صدر هذا الفصل، وكما نصَّ عليه ابن حزم راوياً له عن جماعة من معاصري ولادة الإمام المهدي عليه السلام(١٢٢) _ فليس فيه ما يبعث على الغرابة أو يثير التساؤل، بعد معرفة التزام الإمام العسكري وجميع أهل داره بكتمان خبر هذه الولادة وعدم إعلانها على رؤوس الأشهاد.
ولعلَّ من أوضح الشواهد على جهل هذا الكاتب وأفراد فريقه بأحكام الفقه ومسائل الشريعة عدّهم خبر الولادة من أخبار الآحاد التي لا يمكن الاحتجاج بها لانفراد حكيمة بحضور تلك الولادة، ولو رجعوا إلى ما ذكره الفقهاء المسلمون في أحكام الشهادات لرأوا النصّ على الاكتفاء بشهادة النساء وحدهنَّ فيما لا يصحُّ أن يطَّلع عليه غيرهنَّ من عورات النساء وحملهنَّ وحيضهنَّ وشؤون الولادة والرضاع، بل النصّ على الاكتفاء بشهادة المرأة الواحدة في مثل ذلك(١٢٣)، وهو أمر لا يحتاج لدى جمهور العارفين إلى مزيد شرح وتطويل، ولوضوح ذلك قال الشيخ الطوسي معلّقاً عليه: (على أنَّ الولادة في الشرع قد استقرَّ بقول القابلة ويحكم بقولها في كونه حيّاً أو ميّتاً)(١٢٤).

* * *

وأمَّا ما طبَّل به المطبّلون من دلالة ما روي من إقبال عامّة الشيعة على تعزية جعفر بن علي بوفاة أخيه(١٢٥) على عدم وجود ولدٍ للإمام العسكري فهو من أتفه وجوه الاستدلال، بل من أوهى ما يمكن أن يقال، إذا ما وقفنا على تفصيل أفاعيل جعفر هذا في ذلك اليوم.
ويقول الشيخ المفيد متحدّثاً عمَّا وقع أيّام وفاة الإمام العسكري عليه السلام: إنَّ جعفر بن علي أخا الإمام أبي محمّد عليه السلام تولّى أخذ تركة أخيه، (وسعى في حبس جواري أبي محمّد واعتقال حلائله، وشنَّع على أصحابه بانتظارهم ولده وقطعهم بوجوده والقول بإمامته، وأغرى بالقوم حتَّى أخافهم وشرَّدهم...، واجتهد في القيام عند الشيعة مقام أخيه، ولم يقبل أحد منهم ذلك ولا اعتقده فيه)(١٢٦).
وقال الفضل الطبرسي: (إنَّ جعفراً تولّى أخذ تركة أخيه بعد وفاته، وسعى إلى السلطان في حبس جواري أبي محمّد عليه السلام...، واجتهد في القيام مقامه فلم يقبله أحد من الطائفة، بل تبرَّأوا منه ولقَّبوه الكذّاب)(١٢٧).
وقال ابن الصبّاغ المالكي: إنَّ جعفراً استولى على تركة أخيه، (وسعى في حبس مواليه، وشنَّع على أصحابه عند السلطان، وذلك لكونه أراد القيام عليهم مقام أخيه فلم يقبلوه لعدم أهليته لذلك ولا ارتضوه)(١٢٨).
واشتهرت الرواية في المصادر عن أحمد بن الوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان أنَّه قال: لمَّا دُفن الإمام العسكري (جاء جعفر أخوه إلى أبي فقال: اجعل لي مرتبة أخي وأنا اُوصل إليك في كلّ سنة عشرين ألف دينار. فزبره أبي وأسمعه ما كره وقال له: يا أحمق، السلطان _ أطال الله بقاءه _ جرَّد سيفه في الذين زعموا أنَّ أباك وأخاك أئمّة ليردّهم عن ذلك فلم يتهيَّأ له ذلك، فإن كنت عند شيعة أبيك وأخيك إماماً فلا حاجة بك إلى سلطان يرتّبك مراتبهم ولا غير سلطان، وإن لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بنا. فاستقلَّه أبي عند ذلك واستضعفه وأمر أن يُحجب عنه)(١٢٩).
وقال الطوسي والمجلسي معلّقين على موضوع جعفر وأفعاله وادّعاءاته:
(أمَّا إنكار جعفر بن علي صاحب الزمان أن يكون ولداً لأخيه الحسن بن علي وُلد في حياته...، فليس يعتمد على مثله أحدٌ من المحصّلين، لاتّفاق الكلّ على أنَّ جعفراً لم تكن له عصمة كعصمة الأنبياء...، بل الخطأ جائز عليه والغلط غير ممتنع منه، وقد نطق القرآن بما كان من ولد يعقوب مع أخيهم يوسف وطرحهم إيّاه في الجُبّ...، وهم أولاد الأنبياء...، فإذا جاز منهم مثل ذلك مع عظم الخطأ فيه فلِمَ لا يجوز مثله من جعفر بن علي مع ابن أخيه)(١٣٠).
واُضيف إلى التعليق المتقدّم، مشيراً إلى ما حدَّثنا به القرآن الكريم من قتل أحد ابني آدم لأخيه، وإلى ما رواه المؤرّخون مجمعين من أفاعيل بعض الأعمام بأبناء إخوتهم كفعل أبي لهب _ تبَّت يداه _ بابن أخيه النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وكفعل العبّاس بن عبد المطَّلب في خروجه مع جيش المشركين في بدر لحرب ابن أخيه، وإلى آخر ما ورد في مصادر التاريخ من الأشباه والنظائر لهذه المواقف السيّئة التي وقفها بعض الإخوة والأعمام، ممَّا لم يجد فيها أيّ عاقل حصيف دليلاً على نفي النسب أو إنكار القربى والحسب أو الشكّ في الولادة والوجود، بل لم يفهم الناس منها _ على فظاعتها _ سوى هيمنة غرائز الشرّ والسوء على سلوك أولئك القائمين بتلك الأعمال المنكرة والتصرّفات الذميمة المرفوضة.

* * *

وخلاصة القول الذي نختم به هذا الفصل المعني بولادة الإمام محمّد بن الحسن المهدي عليه السلام: إنَّ الشيء الثابت القطعي الذي ترشدنا إليه هذه الإلمامة السريعة بشبهات الجاهلين والمغرضين ووضوح ما أسلفنا ذكره في إثبات زيفها وبطلانها، أنَّه لم يبقَ في قوس هؤلاء المشكّكين منزع لسهامهم، ولم يُوفَّقوا في جميع ما دوَّنوا وجعجعوا به من ظنون وأوهام إلى طرح ما يقنع ويصمد أمام ما سبق شرحه وبيانه.
وما أدري هل كان هؤلاء (القوم) المدَّعون للبحث العلمي جادّين حقّاً ومدركين بوعي لمعنى قولهم: بأنَّ الكتب (المعتبرة!) قد نصَّت على أنَّ الحسن العسكري توفّي ولم يكن له ولد، أم أنَّهم عنوا بها أوراقاً _ بالخصوص _ من مدوّنات (سلفهم) المعاند المتعصّب أو (خلفهم) اليهودي المتستّر، وإن خالفت صراحةً وعلناً جميع ما أورده المحدّثون والمؤرّخون المسلمون، على اختلاف المذاهب والآراء والعصور والقرون؟!
وهل يرى القارئ الخبير البصير بعد كلّ ما تقدَّم أنَّ بإمكان تلك المغالطات والمزاعم المتَّخذة من اختلاف تاريخ الولادة أو اسم الاُمّ أو مسألة الوصية منطلقاً للتردّد والتشكيك، أن تمسخ الأحداث وتطمس الحقائق وتقلّب وقائع التاريخ رأساً على عقب؟
ونكتفي هنا في ختام هذا الحديث لزيادة الإيضاح أن ننقل ما علَّق به الشيخ الطوسي محمّد بن الحسن على ذلك فقال في جملة كلامه:
(إنَّ ستر ولادة صاحب الزمان عليه السلام ليس بخارق للعادات، إذ جرى أمثال ذلك فيما تقدَّم من أخبار الملوك، وقد ذكره العلماء...، ومن ذلك ما هو مشهور كقصَّة كيخسرو وما كان من ستر اُمّه حملها وإخفاء ولادتها...، وكان جدّه كيقاوس أراد قتل ولده فسترته اُمّه إلى أن ولدته، وكان من قصَّته ما هو مشهور في كتب التاريخ)، ومنها تاريخ الطبري(١٣١).
(وقد نطق القرآن بقصَّة إبراهيم عليه السلام وأنَّ اُمّه ولدته خفيّاً وغيبته في المغارة حتَّى بلغ وكان من أمره ما كان، وما كان من قصَّة موسى عليه السلام فإنَّ اُمّه ألقته في البحر خوفاً عليه وإشفاقاً من فرعون عليه، وذلك مشهور نطق به القرآن).
(ومثل ذلك قصَّة صاحب الزمان عليه السلام سواء، فكيف يقال: إنَّ هذا خارج عن العادات)(١٣٢).

* * *

والحمد لله الذي هدانا لمعرفة الحقّ ونهج الرشاد بلطفه ومنّه، ووفَّقنا لتجنُّب مسالك التضليل والتهريج بتسديده وفضله، وما كنّا لنهتدي إلى ذلك لولا أن هدانا الله تعالى بكرمه ورحمته.

* * *
الفصل الثاني: محمّد بن الحسن المهدي بين إمامته وغيبته

في سنة (٢٦٠هـ) كما أجمعت روايات المؤرّخين، توفّي الإمام الحسن العسكري عليه السلام، فخلت الساحة الإسلاميّة من إمامها الشرعي المفترض الطاعة والجامع لشرائط الإمامة وصفاتها المقرَّرة في الفقه الإسلامي، وأصبح ابنه محمّد بن الحسن منذ هذا اليوم هو الإمام من بعده بالنصّ والتعيين.
وكان الدليل على إمامته _ كما يقول الباحث الطبرسي _ ذا ثلاثة أوجه:
الوجه الأوّل: النصُّ عليه من جهة أبيه خاصّة.
الوجه الثاني: النصُّ على عدد الأئمّة الاثني عشر.
الوجه الثالث: النصُّ عليه بذكر غيبته وصفتها ووقوعها على الحدّ المذكور(١٣٣).
ونورد فيما يأتي بعض التفاصيل في بيان ما يتعلَّق بكلّ وجه من هذه الوجوه الثلاثة، فنقول وبالله الاستعانة:
الوجه الأوّل من أدلَّة الإمامة: نصُّ أبيه عليه
وكانت نصوص الإمام العسكري على كون ابنه محمّد هو الإمام من بعده كثيرة جدّاً على الرغم من التزام التكتّم وقسوة الظروف وخشية السلطان، وكانت إحدى تلك الروايات ما حدَّث به أبو الأديان خادم الإمام الحسن عليه السلام وحامل كتبه إلى وكلائه في الأمصار، قال:
كنتُ أخدم الحسن بن علي العسكري عليه السلام وأحمل كتبه إلى الأمصار، فدخلتُ عليه في علَّته التي توفّي فيها وكتب معي كتباً فقال: امض بها إلى المدائن، فإنَّك ستغيب...، وتدخل إلى سُرَّ من رأى...، وتسمع الواعية في داري...، قال أبو الأديان: فقلت: يا سيّدي فإذا كان ذلك فمَنْ؟ قال: (مَنْ طالبك بجوابات كتبي).
قال أبو الأديان: وخرجتُ بالكتب إلى المدائن وأخذتُ جواباتها، ودخلتُ سُرَّ من رأى يوم الخامس عشر...، فإذا أنا بالواعية في داره...، وإذا أنا بجعفر الكذّاب أخيه بباب الدار والشيعة من حوله يعزّونه ويهنّونه، فقلت في نفسي: إن يكن هذا الإمام فقد بطلت الإمامة، لأنّي كنتُ أعرفه يشرب النبيذ ويقامر في الجوسق ويلعب بالطنبور، فتقدَّمتُ...، فلم يسألني عن شيء...، فلمَّا صرنا في الدار إذا نحن بالحسن بن علي عليه السلام على نعشه مكفّناً...، ثمّ خرج صبي بوجهه سمرة وبشعره قطط وبأسنانه تفلُّج...، فتقدَّم الصبي وصلّى عليه...، ثمّ قال لي: (يا بصري، هات جوابات الكتب التي معك)، فدفعتها إليه _ إلى آخر الرواية _(١٣٤).
وجاء في الخبر عن علي بن محمّد المعروف بابن بندار، عن محمّد بن علي بن بلال، قال:
خرج إليّ من أبي محمّد قبل مضيّه بسنتين يخبرني بالخلف من بعده، ثمّ خرج إليَّ من قبل مضيّه بثلاثة أيّام يخبرني بالخلف من بعده(١٣٥).
وحدَّث الصدوق بسنده عن أحمد بن إسحاق بن سعيد، قال:
سمعتُ أبا محمّد الحسن بن علي العسكري عليه السلام يقول: (الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتَّى أراني الخلف من بعدي، أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خَلْقاً وخُلُقاً، يحفظه الله تعالى في غيبته، ثمّ يظهره فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً)(١٣٦).
وروى أيضاً بسنده عن محمّد بن عثمان العمري، قال: سمعتُ أبي يقول:
سُئل أبو محمّد الحسن بن علي عليه السلام وأنا عنده عن الخبر الذي رواه عن آبائه عليهم السلام أنَّ الأرض لا تخلو من حجّةٍ لله على خلقه إلى يوم القيامة، وأنَّ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، فقال: (إنَّ هذا حقّ كما أنَّ النهار حقّ)، فقيل له: يا ابن رسول الله، فمن الحجّة والإمام بعدك؟ فقال: (ابني محمّد هو الإمام والحجّة بعدي، من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية، أمَا إنَّ له غيبة يحار فيها الجاهلون ويهلك فيها المبطلون ويكذب فيها الوقّاتون)(١٣٧).
وروى أيضاً بسنده عن أبي الفضل الحسين بن الحسن العلوي، قال:
دخلتُ على أبي محمّد الحسن بن علي عليه السلام بسُرَّ من رأى فهنَّأته بولادة ابنه القائم(١٣٨).
إلى غير ذلك من الروايات عن الإمام العسكري _ وقد تقدَّم ذكر بعضها في الفصل الأوّل عند الحديث عن ولادة الإمام المهدي _، وهي من الكثرة والوفرة بمكان، بل تكاد على اختلاف ألفاظها ومناسباتها معدودة في المتواتر معنىً ومضموناً، ويستطيع الراغب بالوقوف عليها مراجعتها في مظانّها المعلومة(١٣٩).
وهكذا يتَّضح أنَّ ادّعاء عدم إعلام الإمام العسكري أصحابه بأمر هذا الولد مرفوض جملةً وتفصيلاً، لكثرة الروايات المبيّنة لذلك والصريحة فيه كما مرَّ، وقد تحدَّث بعضها عن إخبار أبيه بمولده، وبعضها عن التهنئة له بذلك، وبعضها عن رؤية قوم لهذا الولد وهو طفل صغير في حياة أبيه، وقد شاهدوا وجوده في حياته كما نصَّ على ذلك الشيخ الطوسي، وذكر أنَّ هؤلاء المشاهدين له كانوا أصحاب الإمام العسكري وخاصَّته والوسائط بينه وبين شيعته ينقلون إليه عنه معالم الدين ويخرجون إليهم أجوبته في مسائلهم، (وهم جماعة كان الحسن بن علي عليه السلام عدَّلهم في حياته، واختصَّهم أمناء له في وقته...، وكانوا أهل عقل وأمانة وثقة ظاهرة، ودراية وفهم وتحصيل ونباهة، وكانوا معظَّمين عند سلطان الوقت لعظم أقدارهم وجلالة محلّهم)(١٤٠).
أمَّا ما أورده المشكّكون _ ومنهم الدكتور عداب _ من أنَّ فرضية وجود محمّد بن الحسن العسكري وولادته (لم يقل بها أهل البيت ولم يعرفوها في حياتهم)، فهو كلام لا يليق بأيّ متعلّم قوله والإقرار به، لأنَّ الروايات المتعدّدة المأثورة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام جميعاً تبعاً للمأثور عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم صريحة في النصّ على هذا الحفيد والتبشير به قبل تولّده بعشرات السنين، وقد حدَّث بذلك الثقات من أصحابهم، بل يصحُّ أن يعدَّ هذا النصّ والتبشير _ بالإضافة إلى كونه دليلاً نقلياً صحيح الإسناد _ بمثابة ملحمة تاريخية إعجازية ناطقة بوجوده وولادته قبل وقوعها بزمن غير قليل.
ولوضوح ذلك كلّه وقبح محاولات إنكاره وتكذيبه حاول (كاتبهم) ذو الاسم المستعار أن يخفّف من ذلك القبح فلم ينكر أخبار المهدي ولكنَّه قال: إنَّ تاريخ أهل البيت ورواياتهم تقول (بغموض شخصية المهدي ورفض تحديده)، و(أنَّ الأحاديث الصادرة عن أهل البيت أو الرائجة في أيّامهم كانت تتحدَّث بشكل مجهول وغامض عن القائم المهدي، ولا تحدّده بالذات من هو، ولا تشخّصه بالضبط، وإنَّما تتحدَّث عن صفاته وعلامات خروجه وشروط قيامه)(١٤١).
وجليٌّ لكلّ ذي عينين أنَّ روايات أهل البيت _ وقد تقدَّم إيراد بعضها ويأتي بعض آخر منها _ صريحة كلّ الصراحة في تحديد (شخصية المهدي) بل لا (غموض) ولا خفاء، وليس فيها ما يصحُّ أن يقال عنه بأنَّه (مجهول وغامض).
وخلاصة القول _ كما نصَّ عدد الباحثين القدامى _ أنَّ (أخبار الغيبة قد سبقت زمان الحجّة عليه السلام بل زمان أبيه وجدّه...، وخلَّدها المحدّثون من الشيعة في أصولهم المؤلَّفة في أيّام السيّدين الباقر والصادق عليهما السلام، وأثروها عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة واحداً بعد واحد...، ومن جملة ثقات المحدّثين والمصنّفين من الشيعة: الحسن بن محبوب الزرّاد، وقد صنَّف كتاب المشيخة الذي هو في أصول الشيعة...، قبل زمان الغيبة بأكثر من مائة سنة، فذكر فيه بعض ما أوردناه من أخبار الغيبة، فوافق الخَبَرُ الخُبْرَ، وحصل كلّ ما تضمَّنه الخبر بلا اختلاف)(١٤٢).
وكان المتقدّمون من المحدّثين والمؤرّخين _ ومن أوائلهم الشيخ الصدوق محمّد بن علي بن الحسين المتوفّى سنة (٣٨١هـ) _ قد أولوا هذا الموضوع اهتمامهم الخاصّ في مؤلّفاتهم وكتبهم، وأورد الصدوق المذكور في كتابه كمال الدين وتمام النعمة أبواباً تضمَّنت النصوص النبوية على المهدي وكونه الثاني عشر من الأئمّة عليهم السلام، ثمّ نصوص الزهراء وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام على ذلك، وكذلك نصوص الأئمّة التالين لعلي ابتداءً من الحسن بن علي فالحسين بن علي فأولاده واحداً بعد آخر عليهم السلام(١٤٣).
ونورد من جملة تلك النصوص على سبيل المثال ما رواه الصدوق بسنده عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال:
سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول: لمَّا أنشدتُ مولاي الرضا عليه السلام قصيدتي التي أوّلها:

مدارس آيات خلت من تلاوةٍ * * * ومنزل وحي مقفر العرصاتِ

فلمَّا انتهيت إلى قولي:

خروج إمام لا محالة خارج * * * يقوم على اسم الله والبركاتِ
يميّز فينا كلّ حقّ وباطل * * * ويجزي على النعماء والنقماتِ

بكى الرضا عليه السلام بكاءً شديداً، ثمّ رفع رأسه إليَّ فقال لي: (يا خزاعي، نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام ومتى يقوم؟)، قلت: لا يا سيّدي، إلاَّ أنّي سمعتُ بخروج إمام منكم يطهّر الأرض من الفساد ويملأها عدلاً. فقال: (يا دعبل، الإمام بعدي محمّد ابني، وبعد محمّد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجّة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، لو لم يبقَ من الدنيا إلاَّ يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يخرج فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، وأمَّا متى فإخبار عن الوقت، ولقد حدَّثني أبي عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قيل له: يا رسول الله، متى يخرج القائم من ذرّيتك؟ فقال: مثله كمثل الساعة لا يجليها لوقتها إلاَّ هو)(١٤٤).
ويعدُّ هذا النصّ الرضوي الصحيح السند وأمثاله من النصوص المأثورة عن النبيّ والأئمّة في المهدي المنتظر وكونه ابن الحسن بن علي العسكري نصوصاً إعجازية لافتة للنظر، لصدورها قبل تاريخ ولادة الإمام المهدي بعشرات السنين.
ويقول الشيخ الطوسي وهو يستعرض الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام في هذا الموضوع:
(موضع الاستدلال من هذه الأخبار ما تضمَّن الخبر بالشيء قبل كونه فكان كما تضمَّنه، فكان ذلك دلالة على صحَّة ما ذهبنا إليه من إمامة ابن الحسن، لأنَّ العلم بما يكون لا يحصل إلاَّ من جهة علاَّم الغيوب، فلو لم يُرْوَ إلاَّ خبر واحد ووافق مخبره ما تضمَّنه الخبر لكان ذلك كافياً، ولذلك كان ما تضمَّنه القرآن من الخبر بالشيء قبل كونه دليلاً على صدق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأنَّ القرآن من قِبَل الله تعالى، وإن كانت المواضع التي تضمَّنت ذلك محصورة، ومع ذلك مسموعة من مخبر واحد، لكن دلَّ على صدقه من الجهة التي قلناها. على أنَّ هذه الأخبار متواتر بها لفظاً ومعنىً: فأمَّا اللفظ فإنَّ الشيعة تواترت بكلّ خبر منه، وأمَّا المعنى فإنَّ كثرة الأخبار واختلاف جهاتها وتباين طرقها وتباعد رواتها يدلُّ على صحَّتها، لأنَّه لا يجوز أن يكون كلّها باطلة، وبذلك يستدلُّ في مواضع كثيرة على معجزات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم التي هي سوى القرآن وأمور كثيرة في الشرع تتواتر معنىً، وإن كان كلّ لفظ منها منقولاً من جهة الآحاد...، ولذلك استدلَّ على سخاء حاتم وشجاعة عمرو وغير ذلك بمثل ذلك، وإن كان كلّ واحدٍ ممَّا يروى من عطاء حاتم ووقوف عمرو في موقف من المواقف من جهة الآحاد)(١٤٥).
وهكذا يتجلّى بوضوح من مجموع ما تقدَّم أنَّ النصّ على إمامة محمّد بن الحسن العسكري _ من أبيه ومن سائر الأئمّة السابقين عليه _ ثابت ومسلَّم لا يرقى إليه شكّ أو ترديد، إلاَّ ما يمكن أن يدور في أذهان بعض الناس ممَّن لا يستحضرون النصوص القرآنية والأدلَّة الدينية المتلقّاة بالقبول عند جميع المسلمين، فيقفون حائرين أمام صغر عمر هذا الفتى يوم صيرورته إماماً إثر وفاة أبيه، وربَّما دفعتهم هذه الحيرة إلى التوقّف في الاعتقاد بإمامته أو رفضها بتوهّم مانعية صغر السنّ من ذلك.
ولا بدَّ لنا هنا من إعادة الإشارة والتأكيد على لباب المطلب في هذه المسألة وما كان على شاكلتها من المسائل الدينية، في كونها مستندة أوّلاً وأخيراً إلى إرادة الله تعالى، بعيداً عن الأعراف الدنيوية المتداولة بين الناس، لأنَّ قضيّة النبوّة _ وامتدادها الشرعي المتمثّل بالإمامة _ جزء لا يتجزَّأ من الشؤون الإلهية التي يعجز البشر عن إخضاعها لمقاييسهم المتعارفة وتقرير الأحكام بشأنها كما تملي أفكارهم وآراؤهم المستمدّة من مشاهداتهم ونواميس عاداتهم، وقد أشار إلى ذلك الشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان وهو يتحدَّث عن صغر سنّ الإمام المهدي حين إمامته فقال:
إنَّ سنَّه كانت (عند وفاة أبيه خمس سنين، آتاه الله فيها الحكمة وفصل الخطاب، وجعله آية للعالمين، وآتاه الحكمة كما آتاها يحيى صبياً، وجعله إماماً في حال الطفولية الظاهرة كما جعل عيسى بن مريم في المهد نبيّاً)(١٤٦).
أمَّا من كان في شكّ من ذلك فلا مناص لإزالة شكّه من العودة به إلى صلب المسألة ومنطلق البحث الأساس، فيُسئل عن مدى عمق إيمانه بالقرآن الكريم وما جاء فيه من ضروب المعجزات وخوارق العادات، وبالحديث الصحيح وما ورد فيه من ذلك، إذ لا يمكن الوصول إلى النتائج والاتّفاق عليها في شؤون الدين إلاَّ في ضوء الإقرار بهذين الأصلين الرئيسين اللذين يشكّلان المصدر الثابت للاعتقاد السليم والإيمان الخالص.
وكان الشيخ الصدوق محمّد بن علي بن الحسين قد أفاض في شرح هذا الموضوع فأحسن وأجاد، وجاء في جملة ما قال:
إنَّ (كلّ من سألنا من المخالفين عن القائم عليه السلام لم يخل من أن يكون قائلاً بإمامة الأئمّة الأحد عشر من آبائه عليهم السلام أو غير قائل بإمامتهم، فإن كان قائلاً بإمامتهم لزمه القول بإمامة الإمام الثاني عشر، لنصوص آبائه الأئمّة عليه باسمه ونسبه، وإجماع شيعتهم على القول بإمامته وأنَّه القائم الذي يظهر بعد غيبة طويلة فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً. وإن لم يكن السائل من القائلين بالأئمّة الأحد عشر لم يكن له علينا جواب في القائم الثاني عشر من الأئمّة، وكان الكلام بيننا وبينه في إثبات إمامة آبائه الأئمّة الأحد عشر عليهم السلام، وهكذا لو سألنا يهودي فقال لنا: لِمَ صارت الظهر أربعاً والعصر أربعاً والعتمة أربعاً والغداة ركعتين والمغرب ثلاثاً؟ لم يكن له علينا في ذلك جواب، بل لنا أن نقول له: إنَّك منكر لنبوّة النبيّ الذي أتى بهذه الصلوات وعدد ركعاتها، فكلّمنا في نبوَّته وإثباتها، فإن بطلت بطلت هذه الصلوات وسقط السؤال عنها، وإن ثبتت نبوَّته لزمك الإقرار بفرض هذه الصلوات على عدد ركعاتها لصحَّة مجيئها عنه واجتماع أمّته عليها، عرفتَ علَّتها أم لم تعرفها، وهكذا الجواب لمن سأل عن القائم عليه السلام)(١٤٧).
وهذا هو فصل الخطاب ولُب اللباب.
الوجه الثاني من أدلَّة الإمامة: النصّ النبوي على عدد الأئمّة
وكونهم اثني عشر لا يزيدون ولا ينقصون، وهو نصّ صريح على تعيين العدد وثبوته، ودالٌّ على المطلوب إذا ما اُضيف إلى ما تقدَّم من نصوص إمامة محمّد بن الحسن العسكري عليه السلام، وقد أورده ابن حزم جازماً قاطعاً وقال بعد إيراده: (هذه رواية جاءت مجيء التواتر)(١٤٨)، وقال الحافظ ابن حجر الهيتمي بعد الاستشهاد به: (حديث صحيح ورد من طرق عن نحو أربعين صحابياً)(١٤٩).
وكيف لا يكون صحيحاً ومتواتراً وقد أخرجه المحدّثون المسلمون جميعاً بأسانيدهم وطرقهم المعتمدة عندهم، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: البخاري ومسلم في صحيحيهما، وأبو داود والترمذي في سننهما، والإمام أحمد بن حنبل في مسنده، والحافظ الطبراني في معجمه(١٥٠) وكثير غيرهم.
ورواه ابن حنبل في بعض أسانيده بلفظ: (الأئمّة من قريش)(١٥١)، وجاء في بعض ألفاظ الطبراني في رواياته: (يكون لهذه الأمّة اثنا عشر قيّماً لا يضرّهم من خذلهم)(١٥٢)، وفي بعض آخر: (اثنا عشر قيّماً من قريش لا يضرّهم عداوة من عاداهم)(١٥٣).
وواضح لكلّ قارئ لهذه الروايات أنَّ الحصر العددي فيها غير قابل للتفسير والتأويل، لعدم إمكان انطباقه بأيّ نحو من الأنحاء على من تولّى شؤون السلطان في التاريخ الإسلامي ممَّن يطلق عليهم اسم (الخلفاء) و(أمراء المؤمنين)، إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث _ كما قال الحافظ القندوزي الحنفي _ (على الخلفاء بعده من أصحابه لقلَّتهم عن اثني عشر، ولا يمكن أن يحمل على الملوك الأموية لزيادتهم على اثني عشر...، ولا يمكن أن يحمل على الملوك العبّاسية لزيادتهم على العدد المذكور)(١٥٤).
وعلى الرغم من تواتر هذا الحديث _ معنىً وحصر عدد _ وصحَّته المسلَّمة عند جميع المعنيين، فقد حكم (كاتب) فئة التشكيك بضعفه وأبى الإقرار به، وقال في ضمن تعليقاته العجيبة على ما سمّاه (نظرية الاثني عشر) عند الشيعة:
(قام أصحاب النظرية باستيراد أحاديث من أهل السُنّة مروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تشير إلى عدد الخلفاء أو الأمراء من بعده وتذكر رقم اثني عشر، وأضافوا إليها أحاديث اختلقوها بعد ذلك! تشير إلى حصر الإمامة في اثني عشر إماماً)، ثمّ طعن في جميع هذه الأحاديث قائلاً: إنَّها (ضعيفة عند السُنّة ولا يلتزم أحد بمضمونها)(١٥٥).
وأضاف هذا (الكاتب) إلى ذلك في موضع آخر من كتابه وهو يكرّر رفضه لهذه الأحاديث، فقال:
(الدليل النقلي الذي يعتمد على الروايات حول المهدي والأئمّة الاثني عشر...، انطلق في البداية من رواية سُنّية ضعيفة تحتوي على ذكر اثني عشر أميراً أو خليفةً...، وهي ليست واضحة في مضمونها ولا مبيّنة لأسماء الخلفاء ولا مقتصرة على اثني عشر خليفة)(١٥٦).
وغير خفي على كلّ واقف على هذه الأقوال أنَّها مجرَّد ادّعاءات عريَّة عن الدليل والبرهان، لأنَّ ما زعمه من ضعف هذه الأحاديث مردود بورودها في الصحيحين المعروفين وفي غيرهما من مصادر الحديث الشهيرة بين المسلمين، وأمَّا القول بأنَّها غير واضحة المضمون ولا مقتصرة على اثني عشر خليفة فيكفينا في ردّه حثُّه على مراجعة كتب اللغة العربية ومعجماتها ليفهم منها معاني ألفاظ الحديث، إذ ربَّما أنساه السكن الطويل في لندن معاني تلك الألفاظ فلم يعد يعرف المراد منها في هذا المقام.
وحسبنا في كشف جهل هذا الرجل بحقائق الدين ومفاهيم الحديث أن نذكر له ما أعلنه الدكتور عداب محمود المؤهَّل لأن يكون شيخ هذه المجموعة وقطب رحاها، من أنَّ إسناد حديث (الأئمّة من قريش) صحيح لا شائبة فيه(١٥٧)، وحديث (الاثنى عشر) صحيح مشهور(١٥٨)، وبذلك ألقم هؤلاء الأتباع المشكّكين جواباً مسكتاً لا يقوون معه على الاستمرار في ترداد هذه الأقاويل.
الوجه الثالث من أدلَّة الإمامة: النصّ على اسم المهدي وغيبته
وقد علم جميع الواقفين على مصادر الحديث الشريف أنَّ هذا النصّ لم يكن خبراً واحداً أو اثنين، وإنَّما هي مجموعة أخبار نبوية متواترة المعنى والمدلول ومتوحّدة الهدف والسياق والاتّجاه، وإن لم تكن متطابقة تماماً في اللفظ لتعد من المتواتر اللفظي، وقد تجاوزت العشرات عدا إلى المئات، ورواها جمع غفير من الصحابة، وأخرجها عدد غفير أيضاً من الحفّاظ ونقلة الحديث. وبهذه الاستفاضة والتواتر لم يعد يصحُّ علمياً النقاش أو التردّد في صحَّة هذه الأحاديث وفي القطع بما جاء فيها وبما دلَّت عليه.
وإذا كان في بعض تلك الأحاديث ما لم يكن قطعي السند وإن كان ظاهر المعنى والدلالة، فإنَّ قواعد علم الحديث المتَّفق عليها عند المعنيين توجب الأخذ بها والعمل بموجبها، لاعتضادها وانجبارها بالطائفة الأخرى الصحيحة السند والمسلَّمة الثبوت، ولذلك تداول الجمهور رواية الجميع لإجماعهم على مضمونها بالقطع واليقين.
ويمكننا إيجاز مدلول تلك الأحاديث وتصنيفها على النحو الآتي:
١ _ الروايات المصرّحة بكون المهدي من قريش:
كقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (اُبشّركم بالمهدي، رجل من قريش من عترتي، يبعث في أمّتي على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطاً كما ملئت جوراً وظلماً)(١٥٩).
٢ _ المهدي من أولاد عبد المطَّلب:
كقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (نحن سبعة من ولد عبد المطَّلب سادة أهل الجنّة: أنا وحمزة وعلي وجعفر والحسن والحسين والمهدي)(١٦٠).
٣ _ المهدي من العترة، من أهل البيت، من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم:
كقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي من عترتي)(١٦١)، أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي منّا أهل البيت)(١٦٢)، أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو لم يبقَ من الدهر إلاَّ يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً)(١٦٣)، أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تذهب الدنيا _ أو لا تنقضي الدنيا _ حتَّى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي)(١٦٤)، أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تقوم الساعة حتَّى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً ثمّ يخرج من عترتي _ أو من أهل بيتي _ من يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً)(١٦٥).
وقال الشيخ الشبلنجي: (تواترت الأخبار عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ المهدي من أهل بيته وأنَّه يملأ الأرض عدلاً)(١٦٦).
٤ _ المهدي من أولاد علي عليه السلام:
كقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَّ علياً وصيّي، ومن ولده القائم المنتظر المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)(١٦٧)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد أخذ بيد علي عليه السلام: (سيخرج من صلب هذا فتىً يملأ الأرض قسطاً وعدلاً)(١٦٨).
٥ _ المهدي من أولاد فاطمة عليها السلام:
كقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة)(١٦٩)، وقال السهيلي في شرح السيرة وهو يتحدَّث عن فضائل فاطمة الزهراء عليها السلام: (ومن سؤددها أيضاً أنَّ المهدي المبشَّر به آخر الزمان من ذرّيتها)(١٧٠).
٦ _ المهدي من أولاد الحسين عليه السلام:
كقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من جملة حديث طويل: ثمّ ضرب على منكب الحسين فقال: (من هذا مهدي الأمّة)(١٧١)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: (لا تذهب الدنيا حتَّى يقوم بأمّتي رجل من ولد الحسين يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً)(١٧٢).
أمَّا ما روى أبو داود في سننه من حديث أبي إسحاق السبيعي من قول علي عليه السلام وقد نظر إلى ابنه الحسن فقال: (إنَّ ابني هذا سيّد كما سمّاه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وسيخرج من صلبه رجل يسمّى باسم نبيّكم) _ إلى آخر الحديث _(١٧٣)، فلا يمكن تصحيحه وقبوله، لأنَّ أبا داود رواه عن مجهول لم يُسمّه بل اكتفى بالقول: (حُدّثت عن هارون)، ولأنَّ الحديث منقطع لعدم سماع أبي إسحاق من علي عليه السلام وهو المولود لسنتين بقيتا من خلافة عثمان كما نصَّ ابن حجر، ولاحتمال طروء التصحيف بين الحسن والحسين عليهما السلام، مضافاً إلى أنَّ هذا الحديث ممَّا تفرَّد به أبو داود ولم يخرجه غيره.
٧ _ المهدي التاسع من ذرّية الحسين عليه السلام:
كما في رواية سلمان الفارسي قال: دخلت على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فإذا الحسين على فخذيه، وهو يقبّل خدّيه ويلثم فاه ويقول: (أنت سيّد ابن سيّد أخو سيّد، وأنت إمام ابن إمام أخو إمام، وأنت حجّة ابن حجّة أخو حجّة أبو حجج تسعة تاسعهم قائمهم المهدي)(١٧٤).
٨ _ المهدي ثاني عشر الأوصياء وثاني عشر الأئمّة:
كقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في حديث طويل: (... إنَّ وصيّي علي بن أبي طالب، وبعده سبطاي الحسن والحسين، تتلوه تسعة أئمّة من صلب الحسين...، إذا مضى الحسين فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمّد، فإذا مضى محمّد فابنه جعفر، فإذا مضى جعفر فابنه موسى، فإذا مضى موسى فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمّد، فإذا مضى محمّد فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه الحسن، فإذا مضى الحسن فابنه الحجّة محمّد المهدي، فهؤلاء اثنا عشر)(١٧٥).
٩ _ المهدي ابن الحسن العسكري:
كقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو يحدّث جابر بن عبد الله الأنصاري عن الأئمّة من بعده ذاكراً أسماؤهم واحداً بعد واحد، إلى أن قال: (فبعده ابنه الحسن يدعى بالعسكري، فبعده ابنه محمّد يدعى بالمهدي والقائم والحجّة، فيغيب ثمّ يخرج، فإذا خرج يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)(١٧٦).

* * *

أمَّا ما ورد في بعض المصادر في خلال حديث اُسند إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه ذكر المهدي وقال: (من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي)(١٧٧)، فالظاهر أنَّ جملة (واسم أبيه اسم أبي) من الزيادات التي لم تكن في الأصل من جملة الحديث.
وقد روي هذا النصّ المشتمل على الزيادة عن عاصم بن أبي النجود بسنده عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن أغلب الحفّاظ وأكثر المحدّثين قد رووه بلا زيادة (واسم أبيه اسم أبي) ومنهم الترمذي في سننه وقال: (وفي الباب عن علي وأبي سعيد واُمّ سَلَمة وأبي هريرة، وهذا حديث حسن صحيح)(١٧٨).
وكذلك رواه الإمام أحمد في مسنده في عدَّة مواضع والطبراني بطرق متعدّدة من غير هذه الزيادة.
وجمع الحافظ الكنجي الشافعي طرق هذا الحديث وأوصلها إلى أكثر من ثلاثين راوياً عن عاصم، ونقل ما جمعه الحافظ أبو نعيم من تلك الطرق المنتهية إلى عاصم(١٧٩)، ولم يرد في طريق منها لفظ (اسم أبيه أسم أبي)، ممَّا يستفاد منه أنَّها زيادة من أحد الرواة عن عاصم، ولذلك قال الحافظ الكنجي: (ولا يرتاب اللبيب أنَّ هذه الزيادة لا اعتبار بها مع اجتماع هؤلاء الأئمّة على خلافها)(١٨٠).
وأمَّا ما ورد في بعض الكتب من حديث (المهدي من ولد العبّاس) أو (يخرج من ولد العبّاس)، فهو مردود فاقد الحجّية، لأنَّ سنده المتَّصل بكعب الأحبار منقطع بما جاء فيه (عن شيخ) ولم يسمّه، وكذلك السند الذي فيه محمّد بن الوليد، ونقل السيوطي عن الدارقطني قوله فيه: (هذ حديث غريب تفرَّد به محمّد بن الوليد)(١٨١)، وقال الشيخ محمّد الصبّان: (وخبر ابن عدي: المهدي من ولد العبّاس عمّي، في إسناده وضّاع)(١٨٢).
وكذلك القول في الحديث الذي أخرجه ابن ماجة في سننه، قال: حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى، حدَّثنا محمّد بن إدريس الشافعي، حدَّثني محمّد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس بن مالك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يزداد الأمر إلاَّ شدَّةً، ولا الدنيا إلاَّ إدباراً، ولا الناس إلى شحّاً، ولا تقوم الساعة إلاَّ على شرار الناس، ولا مهدي إلاَّ عيسى بن مريم)(١٨٣)، فقد ورد هذا الحديث من غير طريق محمّد بن خالد الجندي مجرَّداً من زيادة (ولا مهدي إلاَّ عيسى بن مريم)، وأورده ابن حجر الهيتمي متردّداً فيه وقال: (على تقدير ثبوته)، وروى عن الحاكم قوله فيه: (أوردته تعجّباً لا محتجّاً به)، ثمّ روى عن البيهقي قوله فيه: (تفرَّد به محمّد بن خالد، وقد قال الحاكم: إنَّه مجهول، واختلف عنه في إسناده، وصرَّح النسائي بأنَّه منكر)(١٨٤)، وقال ابن تيمية: (هذا الحديث ضعيف وليس ممَّا يعتمد عليه)(١٨٥)، وروى الحافظ الكنجي عن الشافعي المطلبي قوله في محمّد بن خالد الجندي: (كان فيه تساهل في الحديث)، ثمّ قال الكنجي: (اتَّفقوا على أنَّ الحديث لا يُقبل إذا كان الراوي معروفاً بالتساهل في روايته)(١٨٦)، وقال السيوطي معلّقاً على هذا الحديث بعد إيراده: (قال القرطبي في التذكرة: إسناده ضعيف، والأحاديث عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة أصحُّ من هذا الحديث، فالحكم بها دونه)(١٨٧).

* * *

وهكذا نجد في استعراض هذه الأحاديث _ بعد الجمع بين متفرّقها والملاءمة في مضامينها _ أنَّها تحصر مهدي هذه الأمّة حصراً بابن الحسن العسكري دون غيره من مدَّعي المهديَّة، وهذه هي النتيجة القطعية الثابتة التي لا يرقى إليها شكّ ولا يصحُّ فيها تردّد، وكما قال الحافظ الكنجي الشافعي: فإنَّ (انضمام هذه الأسانيد بعضها إلى بعض وإيداع الحفّاظ ذلك في كتبهم يوجب القطع بصحَّته)(١٨٨).
ولم يبقَ ما يمكن أن يقال _ تشكيكاً أو تعقيباً على مدلول هذه الأحاديث الصريحة الثابتة _ إلاَّ ما طرح عدد من الباحثين القدامى من تساؤلات قد تدور في ذهن بعض المعترضين، وما أجاب به أولئك الباحثون على هذه الاعتراضات بالتفصيل، وكان أوسعها شرحاً وبياناً ما أورده محمّد بن طلحة الشافعي المتوفّى سنة (٦٥٢هـ)، فقال فيما نقتطف من مجموع كلامه:
(فإن قال معترض: هذه الأحاديث النبوية الكثيرة بتعدادها، المصرّحة بجملتها وأفرادها، متَّفق على صحَّة إسنادها، ومجمع على نقلها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإيرادها، وهي صحيحة صريحة في إثبات كون المهدي من ولد فاطمة عليها السلام، وأنَّه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنَّه من عترته، وأنَّه من أهل بيته، وأنَّ اسمه يواطئ اسمي، وأنَّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وأنَّه من ولد عبد المطَّلب، وأنَّه من سادات الجنّة، وذلك ممَّا لا نزاع فيه، غير أنَّ ذلك لا يدلُّ على أنَّ المهدي الموصوف بما ذكره صلى الله عليه وآله وسلم من الصفات والعلامات هو هذا أبو القاسم محمّد بن الحسن الحجّة الخلف الصالح، فإنَّ ولد فاطمة كثيرون، وكلّ من يولد من ذرّيتها إلى يوم القيامة يصدق عليه أنَّه من ولد فاطمة، وأنَّه من العترة الطاهرة، وأنَّه من أهل البيت، فيحتاجون مع هذه الأحاديث المذكورة إلى زيادة دليل على أنَّ المهدي المراد هو الحجّة المذكور ليتم مرامكم.
فجوابه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمَّا وصف المهدي عليه السلام بصفات متعدّدة من ذكر اسمه ونسبه ومرجعه إلى فاطمة عليها السلام وإلى عبد المطَّلب، وأنَّه أجلى الجبهة أقنى الأنف، وعدَّد الأوصاف الكثيرة التي جمعتها الأحاديث الصحيحة المذكورة آنفاً، وجعلها علامة ودلالة على أنَّ الشخص الذي يُسمّى بالمهدي وثبت له الأحكام المذكورة وهو الشخص الذي اجتمعت تلك الصفات فيه، ثمّ وجدنا تلك الصفات المجعولة علامةً ودلالةً مجتمعة في أبي القاسم محمّد الخلف الصالح دون غيره، فيلزم القول بثبوت تلك الأحكام له وأنَّه صاحبها، وإلاَّ فلو جاز وجود ما هو علامة ودليل ولا يثبت ما هو مدلوله قدح ذلك في نصبها علامة ودلالة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك.
فإن قال المعترض: لا يتمُّ العمل به بالعلامة والدلالة إلاَّ بعد العلم باختصاص من وجدت فيه بها دون غيره وتعيُّنه لها، فأمَّا إذا لم يعلم تخصيصه وانفراده بها فلا يُحكم له بالدلالة، ونحن نسلّم أنَّه من زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ولادة الخلف الصالح الحجّة محمّد عليه السلام ما وجد من ولد فاطمة عليها السلام شخص جمع تلك الصفات التي هي العلامة والدلالة غيره، لكن وقت بعثة المهدي وظهوره وولايته هو في آخر أوقات الدنيا عند ظهور الدجّال ونزول عيسى بن مريم عليه السلام، وذلك سيأتي بعد مدَّة مديدة، ومن الآن إلى ذلك الوقت المتراخي الممتدّ أزمان متجدّدة وفي العترة الطاهرة من سلالة فاطمة عليها السلام كثرة يتعاقبون ويتوالدون إلى تلك الأيّام، فيجوز أن يولد من السلالة الطاهرة والعترة النبوية من يجمع تلك الصفات فيكون هو المهدي المشار إليه في الأحاديث المذكورة، ومع هذا الاحتمال والإمكان كيف يبقى دليلكم مختصّاً بالحجّة محمّد المذكور.
فالجواب: أنَّكم إذا عرفتم أنَّه إلى وقت ولادة الخلف الصالح وإلى زماننا هذا لم يوجد من جمع تلك الصفات والعلامات بأسرها سواه، فيكفي ذلك في ثبوت تلك الأحكام له، عملاً بالدلالة الموجودة في حقّه، وما ذكرتموه من احتمال أن يتجدَّد مستقبلاً في العترة الطاهرة من يكون بتلك الصفات، لا يكون قادحاً في إعمال الدلالة، ولا مانعاً من ترتيب حكمها عليها، فإنَّ دلالة الدليل راجحة لظهورها، واحتمال تجدّد ما يعارضها مرجوح، ولا يجوز ترك الراجح بالمرجوح، فإنَّه لو جوَّزنا ذلك لامتنع العمل بأكثر الأدلَّة المثبتة للأحكام الشرعية، إذ ما من دليل إلاَّ واحتمال تجدّد ما يعارضه متطرّق إليه، ولم يمنع ذلك من العمل به وفاقاً. والذي يوضّح ذلك ويؤكّده، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم _ فيما أورده الإمام مسلم بن الحجّاج في صحيحه [٧: ١٨٩] يرفعه بسنده _ قال لعمر بن الخطّاب: (يأتي عليك مع أمداد أهل اليمن اُوَيْس بن عامر _ من مراد ثمّ من قَرَن _، كان به برص فبرأ منه إلاَّ موضع درهم، له والدة هو بها بَرٌّ، لو أقسم على الله لأبرَّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل). فالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذكر اسمه ونسبه وصفته، وجعل ذلك علامة ودلالة على أنَّ المسمّى بذلك الاسم المتَّصف بتلك الصفات لو أقسم على الله لأبرَّه، وأنَّه أهل لطلب الاستغفار منه، وهذه منزلة عالية ومقام عند الله عظيم. فلم يزل عمر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعد وفاة أبي بكر يسأل أمداد اليمن مَنْ الموصوف بذلك، حتَّى قدم وفد من اليمن فسألهم، فاُخبر بشخص متَّصف بذلك، فلم يتوقَّف عمر في العمل بتلك العلامة والدلالة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل بادر إلى العمل بها، واجتمع به وسأله الاستغفار، وجزم أنَّه المشار إليه في الحديث النبوي، لما علم تلك الصفات فيه، مع وجود احتمال أن يتجدّد في وفود اليمن مستقبلاً من يكون بتلك الصفات، فإنَّ قبيلة مراد كبيرة، والتوالد فيها كثير، وعين ما ذكرتموه من الاحتمال موجود. وكذلك قضيّة الخوارج لمَّا وصفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصفات ورتَّب عليها حكمهم، ثمّ بعد ذلك لمَّا وجدها علي عليه السلام موجودة في أولئك في واقعة حروراء والنهروان، جزم بأنَّهم هم المرادون بالحديث النبوي، وقاتلهم وقتلهم، فعمل بالدلالة عند وجود الصفة مع احتمال أن يكون المرادون غيرهم، وأمثال هذه الدلالة والعمل بها مع قيام الاحتمال كثيرة، فعلم أنَّ الدلالة الراجحة لا تُترك لاحتمال المرجوح.
ونزيده بياناً وتقريراً فنقول: لزوم ثبوت الحكم عند وجود العلامة والدلالة لمن وجدت فيه أمرٌ يتعيَّن العمل فيه والمصير إليه، فمن تركه وقال بأنَّ صاحب الصفات المراد بإثبات الحكم له ليس هو هذا، بل شخص غيره سيأتي، فقد عدل عن النهج القويم ووقف نفسه موقف المليم.
ويدلُّ على ذلك أنَّ الله عز وجل لمَّا أنزل في التوراة على موسى أنَّه يبعث النبيّ العربي في آخر الزمان خاتم الأنبياء، ونعته بأوصافه، وجعلها علامة ودلالة على إثبات حكم النبوّة له، وصار قوم موسى عليه السلام يذكرونه بصفاته ويعلمون أنه يُبعث، فلمَّا قرب زمان ظهوره وبعثه صاروا يهدّدون المشركين به ويقولون: سيظهر نبيّ نعته كذا وصفته كذا ونستعين به على قتالكم. فلمَّا بُعث صلى الله عليه وآله وسلم ووجدوا العلامات والصفات بأسرها التي جُعلت دلالة على نبوَّته أنكروه وقالوا: ليس هذا هو، بل هو غيره وسيأتي. فلمَّا جنحوا إلى الاحتمال، وأعرضوا عن العمل بالدلالة الموجودة في الحال، أنكر الله تعالى عليهم كونهم تركوا العمل بالدلالة التي ذكرها لهم في التوراة وجنحوا إلى الاحتمال.
وهذه القصَّة من أكبر الأدلَّة، وأقوى الحجج على أنَّه يتعيَّن العمل بالدلالة عند وجودها، وإثبات الحكم لمن وجدت تلك الأدلَّة فيه. فإذا كانت الصفات التي هي علامة ودلالة لثبوت تلك الأحكام المذكورة موجودة في الحجّة الخلف الصالح محمّد عليه السلام تعيَّن إثبات كون المهدي المشار إليه، من غير جنوح إلى الاحتمال بتجدّد غيره في الاستقبال)(١٨٩).

* * *

ونورد فيما يأتي في ختام الكلام عن الأحاديث النبوية المبشّرة بمحمّد بن الحسن المهدي عليه السلام، هاتين الجريدتين الدالَّتين أوضح الدلالة _ على صحَّة أسانيد تلك الأحاديث وكثرة رواتها وتواتر معناها وجلاء المراد منها لمن طلب لباب الحقيقة وألقى السمع وهو شهيد.
الجريدة الأولى: في ذكر بعض الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي عليه السلام
وهم فيما وقفتُ عليه من رواياتهم:
١ _ معاذ بن جبل (ت ١٨هـ).
٢ _ قتادة بن النعمان (ت ٢٣هـ).
٣ _ عمر بن الخطّاب (ت ٢٣هـ).
٤ _ أبو ذر الغفاري (ت ٣٢هـ).
٥ _ عبد الرحمن بن عوف (ت ٣٢هـ).
٦ _ عبد الله بن مسعود (ت ٣٢هـ).
٧ _ العبّاس بن عبد المطَّلب (ت ٣٢هـ).
٨ _ كعب الأحبار (ت ٣٢هـ).
٩ _ عثمان بن عفّان (ت ٣٥هـ).
١٠ _ سلمان الفارسي (ت ٣٦هـ).
١١ _ طلحة بن عبيد الله (ت ٣٦هـ).
١٢ _ عمّار بن ياسر (ت ٣٧هـ).
١٣ _ علي بن أبي طالب [عليه السلام] (ت ٤٠هـ).
١٤ _ تميم الداري (ت ٤٠هـ).
١٥ _ زيد بن ثابت (ت ٤٥هـ).
١٦ _ حفصة بنت عمر بن الخطّاب (ت ٤٥هـ).
١٧ _ الحسن بن علي بن أبي طالب [عليه السلام] (ت ٥٠هـ).
١٨ _ عبد الرحمن بن سمرة (ت ٥٠هـ).
١٩ _ مجمع بن جارية (ت نحو ٥٠هـ).
٢٠ _ عمران بن حصين (ت ٥٢هـ).
٢١ _ أبو أيّوب الأنصاري (ت ٥٢هـ).
٢٢ _ عائشة بنت أبي بكر (ت ٥٨هـ).
٢٣ _ أبو هريرة (ت ٥٩هـ).
٢٤ _ الحسين بن علي بن أبي طالب [عليه السلام] (ت ٦١هـ).
٢٥ _ اُمّ سَلَمة (ت ٦٢هـ).
٢٦ _ عبد الله بن عمر بن الخطّاب (ت ٦٥هـ).
٢٧ _ عبد الله بن عمرو بن العاص (ت ٦٥هـ).
٢٨ _ عبد الله بن عبّاس (ت ٦٨هـ).
٢٩ _ زيد بن أرقم (ت ٦٨هـ).
٣٠ _ عوف بن مالك (ت ٧٣هـ).
٣١ _ أبو سعيد الخدري (ت ٧٤هـ).
٣٢ _ جابر بن سمرة (ت ٧٤هـ).
٣٣ _ جابر بن عبد الله الأنصاري (ت ٧٨هـ).
٣٤ _ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (ت ٨٠هـ).
٣٥ _ أبو أمامة الباهلي (ت ٨١هـ).
٣٦ _ بشر بن المنذر بن الجارود (ت ٨٣هـ).
٣٧ _ عبد الله بن الحارث بن حمزة الزبيدي (ت ٨٦هـ).
٣٨ _ سهل بن سعد الساعدي (ت ٩١هـ).
٣٩ _ أنس بن مالك (ت ٩٣هـ).
٤٠ _ أبو الطفيل (ت ١٠٠هـ).
٤١ _ شهر بن حوشب (ت ١٠٠هـ).
الجريدة الثانية: في ذكر المحدّثين الذين نصّوا على تواتر أحاديث المهدي أو صرَّحوا بصحَّتها من غير الشيعة الإمامية
١ _ الترمذي (ت ٢٩٧هـ).
٢ _ العقيلي (ت ٣٢٢هـ).
٣ _ البربهاري (ت ٣٢٩هـ).
٤ _ محمّد بن الحسين الآبري (ت ٣٦٣هـ).
٥ _ الحاكم (ت ٤٠٥هـ).
٦ _ البيهقي (ت ٤٥٨هـ).
٧ _ البغوي (ت ٥١٠هـ أو ٥١٦).
٨ _ ابن الأثير (ت ٦٠٦هـ).
٩ _ القرطبي المالكي (ت ٦٧١هـ).
١٠ _ ابن منظور (ت ٧١١هـ).
١١ _ ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
١٢ _ المزي (ت ٧٤٢هـ).
١٣ _ الذهبي (ت ٧٤٨هـ).
١٤ _ ابن القيّم (ت ٧٥١هـ).
١٥ _ ابن كثير (ت ٧٧٤هـ).
١٦ _ التفتازاني (ت ٧٩٣هـ).
١٧ _ نور الدين الهيثمي (ت ٨٠٧هـ).
١٨ _ الجزري الشافعي (ت ٨٣٣هـ).
١٩ _ أحمد بن أبي بكر البوصيري (ت ٨٤٠هـ).
٢٠ _ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ).
٢١ _ شمس الدين السخاوي (ت ٩٠٢هـ).
٢٢ _ السيوطي (ت ٩١١هـ).
٢٣ _ الشعراني (ت ٩٧٣هـ).
٢٤ _ ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤هـ).
٢٥ _ المتَّقي الهندي (ت ٩٧٥هـ).
٢٦ _ الشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي (ت ١٠٣٣هـ).
٢٧ _ البرزنجي (ت ١١٠٣هـ).
٢٨ _ الزرقاني المالكي (ت ١١٢٢هـ).
٢٩ _ الشيخ محمّد بن قاسم بن محمّد جسوس المالكي (ت ١١٨٢هـ).
٣٠ _ أبو العلاء العراقي (ت ١١٨٣هـ).
٣١ _ السفاريني الحنبلي (ت ١١٨٨هـ).
٣٢ _ الزبيدي الحنفي (ت ١٢٠٥هـ).
٣٣ _ الشيخ الصبّان (ت ١٢٠٦هـ).
٣٤ _ السويدي (ت ١٢٤٦هـ).
٣٥ _ الشوكاني الزيدي (ت ١٢٥٠هـ).
٣٦ _ الشبلنجي (ت ١٢٩١هـ).
٣٧ _ أحمد زيني دحلان مفتي الشافعية (ت ١٣٠٤هـ).
وعدد غير قليل من أعلام القرن الرابع عشر الهجري(١٩٠).

* * *

وممَّا ينبغي أن يضاف إلى هذه الجريدة المعنيّة بسرد أسماء المحدّثين الرواة لأحاديث المهدي عليه السلام ذكر أولئك الباحثين الذين ألَّفوا الكتب والرسائل في هذا الموضوع من غير الشيعة الإمامية، ويحضرني منهم على سبيل المثال لا الحصر:
عباد بن يعقوب الرواجني المتوفّى سنة (٢٥٠هـ)، له كتاب (أخبار المهدي).
أبو نعيم الأصبهاني المتوفّى سنة (٤٣٠هـ)، له كتاب (أربعين حديثاً في أمر المهدي)، وكتاب (مناقب المهدي)، وكتاب (نعت المهدي).
محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي المتوفّى سنة (٦٥٨هـ)، له كتاب (البيان في أخبار صاحب الزمان)، وهو مطبوع.
يوسف بن يحيى السلمي الشافعي المتوفّى سنة (٦٨٥هـ)، له كتاب (عقد الدرر في أخبار المهدي المنتظر)، وهو مطبوع.
ابن قيّم الجوزية المتوفّى سنة (٧٥١هـ)، له كتاب (المهدي).
ابن حجر الهيتمي الشافعي المتوفّى سنة (٨٥٢هـ)، له كتاب (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر).
جلال الدين السيوطي المتوفّى سنة (٩١١هـ)، له كتاب (العرف الوردي في أخبار المهدي)، وهو مطبوع، وكتاب (علامات المهدي).
ابن كمال باشا الحنفي المتوفّى سنة (٩٤٠هـ)، له كتاب (تلخيص البيان في علامات مهدي آخر الزمان).
محمّد بن طولون الدمشقي المتوفّى سنة (٩٥٣هـ)، له كتاب (المُهدي إلى ما ورد في المَهدي).
علي بن حسام الدين المتَّقي الهندي المتوفّى سنة (٩٧٥هـ)، له كتاب (البرهان في علامات مهدي آخر الزمان)، وكتاب (تلخيص البيان في أخبار مهدي آخر الزمان).
علي القاري الحنفي المتوفّى سنة (١٠١٤هـ)، له كتاب (الردُّ على من حكم وقضى أنَّ المهدي جاء ومضى)، وكتاب (المشرب الوردي في أخبار المهدي).
مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي المتوفّى سنة (١٠٣١هـ)، له كتاب (فرائد فوائد الفكر في الإمام المهدي المنتظر).
القاضي محمّد بن علي الشوكاني المتوفّى سنة (١٢٥٠هـ)، له كتاب (التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجّال والمسيح).
رشيد الراشد التاذفي الحلبي المعاصر، له كتاب (تنوير الرجال في ظهور المهدي والدجّال)، وهو مطبوع.

* * *

كذلك ينبغي أن يضاف إلى جميع ما تقدَّم أسماء أولئك الشعراء الذي تضمَّنت قصائدهم ذكر انتظار المهدي عليه السلام والتطلّع إليه والترقّب ليومه والإقرار بحتمية ذلك وثبوته، ومنهم على سبيل الاستشهاد لا الاستيعاب:
الكميت بن زيد الأسدي المتوفّى سنة (١٢٦هـ)، وفي ذلك يقول:

متى يقوم الحقّ فيكم متى * * * يقوم مهديُّكم الثاني(١٩١)

إسماعيل بن محمّد الحميري المتوفّى سنة (١٧٣هـ)، وفي ذلك يقول:

بأنَّ ولي الأمر والقائم الذي * * * تطلَّع نفسي نحوه بتطرُّبِ
له غيبة لا بدَّ من أن يغيبها * * * فصلّى عليه الله من متغيّبِ
فيمكث حيناً ثمّ يظهر حينه * * * فيملأ عدلاً كلّ شرق ومغربِ(١٩٢)

دعبل الخزاعي المتوفّى سنة (٢٤٦هـ)، في ذلك يقول:

خروج إمام لا محالة خارج * * * يقوم على اسم الله والبركاتِ
يميّز فينا كلّ حقّ وباطل * * * ويجزي على النعماء والنقماتِ(١٩٣)

مهيار الديلمي المتوفّى سنة (٤٢٨هـ)، وفي ذلك يقول:

عسى الدهر يشفي غداً من عداك * * * قلبَ مغيظٍ بهم مكمدِ
عسى سطوة الحقّ تعلو المحال * * * عسى يغلب النقص بالسؤددِ
بسمعي لقائمكم دعوةٌ * * * يلبّي لها كلُّ مستنجدِ(١٩٤)

ابن منير الطرابلسي المتوفّى سنة (٥٤٨هـ)، وفي ذلك يقول في مداعبةٍ له على سبيل الإنكار:

واليتُ آلَ أمية الْـ * * * ـطُهْرَ الميامين الغُرَرْ
واُكذّب الراوي وأطْـ * * * ـعَنُ في ظهور المنتظر(١٩٥)

محمّد بن طلحة الشافعي المتوفّى سنة (٦٥٢هـ)، وفي ذلك يقول:

وقد قال رسولُ اللـ * * * ـهِ قولاً قد رويناهُ

إلى أن قال:

وقد أبداه بالنسبـ * * * ـةِ والوصفِ وسمّاهُ
ويكفي قوله: (منّي) * * * لإشراقِ محيّاهُ
ومن بضعته الزهرا * * * ءِ مرساهُ ومسراهُ
فمن قالوا هو المهد * * * يُ ما مانوا بما فاهوا(١٩٦)

ابن أبي الحديد المعتزلي المتوفّى سنة (٦٥٦هـ)، وفي ذلك يقول:

ولقد علمتُ بأنَّه لا بدَّ من * * * مهديّكم وليومه أتوقَّعُ
يحميه من جند الإله كتائب * * * كاليم أقبل زاخراً يتدفَّعُ
فيها لآل أبي الحديد صوارمٌ * * * مشهورة ورماح خطّ شُرَّعُ(١٩٧)

شمس الدين محمّد بن طولون الحنفي الدمشقي المتوفّى سنة (٩٥٣هـ)، وفي ذلك يقول في أرجوزته التي يعدّد فيها أسماء الأئمّة الاثني عشر:

والعسكريُّ الحسن المطهَّرُ * * * محمّدُ المهديُّ سوف يظهرُ(١٩٨)

عبد الله بن علوي الحدّاد التريمي الشافعي المتوفّى سنة (١١٣٢هـ)، وفي ذلك يقول:

محمّدٌ المهدي خليفة ربّنا * * * إمام الهدى بالقسط قامت ممالكهْ
كأنّي به بين المقام وركنها * * * يبايعه من كلّ حزبٍ مباركهْ

ويقول في أخرى:

ومنّا إمام حان حينُ خروجه * * * يقوم بأمر الله خير قيام
فيملأها بالحقّ والعدل والهدى * * * كما مُلئت جوراً بظلم طغام(١٩٩)

* * *
الفصل الثالث: غيبة الإمام المهدي عليه السلام بين المثبتين والمنكرين

كانت خلاصة الفصلين المتقدّمين _ كما قضت النصوص المتواترة ودلَّت الروايات المتضافرة _ أنَّ مسألة (المهديّة) في جذر فكرتها وأساس منطلقها عقيدة نابعة من صميم التشريع الإسلامي، وقد بشَّر بها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم فيما اُثر عنه منقولاً على لسان رجال الحديث طبقة بعد طبقة على مرّ الأجيال. كما ثبت أيضاً بما يأبى الشكّ والترديد أنَّ المهدي الذي وردت فيه تلك الأحاديث هو محمّد بن الحسن العسكري بالذات والتعيين، وأنَّه وُلد بسُرَّ من رأى، وتداول خبر ولادته يومها جميع الخاصّة من أصحاب أبيه ثمّ اشتهر بعد ذلك في مصادر التاريخ.
ولا بدَّ لنا هنا _ وبعد الإقرار بمجموع ما سلف بيانه _ أن نتوقَّف قليلاً مدقّقين وممعنين فيما يترتَّب على اليقين بولادة محمّد بن الحسن وثبوت كونه المهدي المنتظر، وأن نتدرَّج في البحث في ضوء التساؤلات المتسلسلة الآتية:
١ _ هل غاب المهدي؟
٢ _ وما هو المراد بهذه الغيبة؟
٣ _ وعلى فرض صحَّة هذه الغيبة هل يمكن أن يبقى الإنسان حيّاً طيلة هذه القرون؟
ويجدر بنا _ وقد بلغنا هذه المرحلة الرئيسة والحسّاسة من البحث _ أن نطرح التمهيد الآتي قبل الدخول في صلب الموضوع، ليكون عوناً لنا على استخلاص النتائج السليمة المقنعة ودحض الشبهات السطحية الطارئة:
من المعلوم المسلَّم لدى الجميع أنَّ الإسلام قد جعل العقل أساس العقيدة ومرتكز الإيمان، ونهى عن التقليد الأعمى والتبعية العشواء، وفرض ضرورة استناد أصول الاعتقاد في مجملها إلى العقل معتمدة عليه ومستمدَّة قوَّتها وصلابتها منه وحده، دونما مشاركة شيء آخر من هوى النفس واندفاع العاطفة واتّباع الآخرين بلا حجّة.
وهكذا كان العقل هو القائد إلى الإيمان بالله تعالى وهو المرشد نحو الاعتقاد الثابت بوجوده ووحدانيته، ثمّ كان العقل _ أيضاً _ هو الدليل على ضرورة النبوّة والإمامة والمعاد تفريعاً على الإيمان بالله عز وجل. أمَّا المفردات الأخرى من أحكام الشرع ومسائل الدين فليست بحاجة إلى دليل عقلي خاصّ بكلّ مفردة منها على حدة، وليس لزاماً أن يقام عليها مثل هذا الدليل بعد أن كان الأساس قائماً عليه، بل يكفي في وجوب الإقرار بها مجرَّد ورود النصّ عليها بالطرق الشرعية المقرَّرة للتعبّد بالنصوص. ومن هنا آمن المسلمون _ بصدق ويقين _ بمسألة وجود الملائكة مثلاً أو تكلُّم عيسى عليه السلام في المهد أو تسبيح الحصى بيد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لورود النص على ذلك إمَّا في القرآن الكريم أو السُنّة الصحيحة المتواترة.
وإنَّنا عندما نبحث موضوع المهدي وغيبته إنَّما نبحثه مع المسلمين المعترفين بأصول الإسلام وأسس التشريع، دون غيرهم من منكري وجود الله تعالى أو غير المقرّين بالإسلام، وذلك لأنَّ المسألة معتمدة في جوهرها على الاستدلال بالقرآن المجيد والسُنّة الشريفة، فلا يصحُّ الكلام فيها مع من لا يؤمن بالكتاب والسُنّة.
وبتعبير آخر: إنَّنا نبحث هذا الموضوع على أساس الاعتقاد الديني المستند إلى الأدلَّة الشرعية التي أجمع المسلمون على وجوب العمل بها، ولا ندَّعي أنَّه من قبيل العملية الرياضية البديهية كحاصل ضرب (٢×٢)، أو من قبيل القواعد الفلسفية التي لا مجال فيها للأخذ والردّ كبطلان الدور والتسلسل.
وإذن ينبغي أن يكون القارئ الكريم على علم بأنَّنا سنبحث هذه المسألة بكلّ جوانبها في ضوء الكتاب والسُنّة، لأنَّهما مصدر التشريع وباب المعرفة عند المسلمين، وأنَّ إنكارهما والخروج عليهما إنكار للإسلام وخروج على أحكامه وتكاليفه(٢٠٠).
وإذا اتَّضح هذا التمهيد _ وهو واضح جدّاً _ صحَّ منّا تفريعاً عليه أن نقول:
إنَّ النصوص النبوية التي رواها حفّاظ الحديث _ ومنهم من اتَّفق المسلمون على صحَّة ما حدَّثوا به في ذلك _ تُكرّر ذكر كلمة (الغيبة) كثيراً(٢٠١)، وفي بعضها: (تكون له غيبة وحيرة تضلُّ فيها الأمم)(٢٠٢)، وفي أخرى: (يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت على القول بإمامته إلاَّ من امتحن الله قلبه للإيمان)(٢٠٣)، وفي حديث ابن عبّاس: (يبعث المهدي بعد إياس وحتَّى يقول الناس: لا مهدي)(٢٠٤)، وفي حديثه الآخر _ وهو طويل جاء فيه _ نقلاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (والذي بعثني بالحقّ بشيراً ونذيراً إنَّ الثابتين على القول بإمامه في زمان غيبته لأعزُّ من الكبريت الأحمر)، فقام إليه جابر بن عبد الله فقال: يا رسول الله، وللقائم من ولدك غيبة؟ قال: إي وربّي، ليمحّص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين)، ثمّ قال: (يا جابر، إنَّ هذا أمر من أمر الله وسرٌّ من سرّ الله، فإيّاك والشكّ فإنَّ الشكَّ في أمر الله عز وجل كفر)(٢٠٥).
إنَّ كلمة (الغيبة) كما وردت في الأحاديث المارّة الذكر وكما يقتضيها سياق الكلام لا تعني إحياء المهدي بعد موته وإعادته إلى الدنيا بعد وفاته، وإنَّما هي ناظرة إلى اختفائه واحتجابه عن الناس وعدم رؤيتهم إيّاه ومشاهدتهم له، وهذا هو المتبادر إلى الأذهان عند قراءة تلك الروايات والوقوف على كلمة (الغيبة) المتكرّرة فيها.
وممَّا يزيد هذا المعنى تأكيداً ما ورد في الحديث النبوي الذي اتَّفق المسلمون على روايته عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)، أو (من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية)(٢٠٦)، إذ هو صريح في ضرورة وجود إمام حيّ في كلّ عصر وحين بما يشمل حالتي الغيبة والحضور.
وعندما تثبت ولادة محمّد بن الحسن ثبوتاً قطعياً لا ريب فيه تكون كلمة (غيبته) الواردة في النصوص النبوية وضرورة وجود الإمام في كلّ زمان دليلين جليين على استمرار حياة هذا الرجل طيلة تلك القرون، وعلى رفض جميع ما يقال في هذا الصدد من تردّد واستبعاد.
والقول بوفاة المهدي بعد ثبوت ولادته _ مع كونه مخالفاً لأحاديث الغيبة وحديث استمرار الإمامة _ لم يشتهر في مصادر التاريخ ولم يعرف خبره على ألسن المؤلّفين. متى مات؟ وفي أيّ يوم وشهر وسنة؟ ومتى شُيّع ومن حضر تشييعه؟ وأين دفن وفي أيّ بلد؟ ولماذا لم تعلن الجهات الحاكمة تلك الوفاة لتتخلَّص من تمسّك شيعته بالإيمان بوجوده؟
إنَّ هذا كلّه يؤكّد أن َّ المهدي حيّ لم يمت، وأنَّه اختفى عن أعين أعدائه حفاظاً على حياته ونجاةً بنفسه.
وكان اختفاؤه هذا على مرحلتين:
الأولى: اختفاؤه عن أعين عامّة الناس حينما هجم جيش الخليفة على دار الإمام العسكري عليه السلام إثر وفاته، وكان يتَّصل خلال هذا الاختفاء المسمّى في المصادر بـ (الغيبة الصغرى) أو (القصرى) بالثقات المخصوصين من وكلائه وسفرائه وأصحابه، ويتسلَّم منهم رسائل شيعته وأسئلتهم، ويمدّهم بالأجوبة والردود عليها لإيصالها للسائلين والمستفهمين(٢٠٧).
ونورد فيما يأتي من أمثلة تلك الأجوبة والردود ما أجاب به عليه السلام محمّد بن علي بن هلال الكرخي على كتابه الذي ذكر فيه الغلاة وأقاويلهم الشاذّة في اعتقادهم بالأئمّة، وجاء في بعض ذلك الجواب ما لفظه:
(يا محمّد بن علي، تعالى الله عز وجل عمَّا يصفون، سبحانه وبحمده، ليس نحن شركاؤه في علمه ولا في قدرته، بل لا يعلم الغيب غيره، كما قال في محكم كتابه تباركت أسماؤه: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ) [النمل: ٦٥]، وأنا وجميع آبائي من الأوّلين: آدم ونوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من النبيّين، ومن الآخرين محمّد رسول الله، وعلي بن أبي طالب، وغيرهما ممَّن مضى من الأئمّة إلى مبلغ أيّامي ومنتهى عصري، عبيد الله عز وجل ...
يا محمّد بن علي، قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم...، فاُشهد الله الذي لا إله إلاَّ هو _ وكفى به شهيداً _، ورسوله محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم، وملائكته وأنبياءه وأولياءه، واُشهدك واُشهد كلّ من سمع كتابي هذا أنّي بريء إلى الله وإلى رسوله ممَّن يقول: إنّا نعلم الغيب أو نشارك الله في ملكه أو يحلّنا محلاً سوى المحلّ الذي رضيه الله لنا وخلقنا له، أو يتعدّى بنا عمَّا قد فسَّرتُه لك وبيَّنتُه في صدر كتابي...
وجعلت هذا التوقيع الذي في هذا الكتاب أمانة في عنقك وعنق من سمعه أن لا يكتمه من أحدٍ من مواليَّ وشيعتي، حتَّى يظهر على هذا التوقيع الكلّ من الموالي لعلَّ الله عز وجل يتلافاهم فيرجعون إلى دين الله الحقّ، وينتهون عمَّا لا يعلمون منتهى أمره)(٢٠٨).
ومن أمثلة ذلك أيضاً جوابه عليه السلام على رسالة إسحاق بن يعقوب على يد الوكيل الثاني محمّد بن عثمان العمري، وقد سأل فيها عدَّة مسائل ومنها ما يتعلَّق بجعفر بن الإمام الهادي عليه السلام في ادّعائه الإمامة وإنكاره وجود ابن أخيه، وكان ممَّا جاء في هذا الجواب:
(أمَّا ما سألت عنه _ أرشدك الله وثبَّتك _ من أمر المنكرين من أهل بيتنا وبني عمّنا، فاعلم أنَّه ليس بين الله عز وجل وبين أحدٍ قرابة، ومن أنكرني فليس منّي وسبيله سبيل ابن نوح، وأمَّا سبيل عمّي جعفر وولده فسبيل إخوة يوسف عليه السلام)(٢٠٩).
الثانية: اختفاؤه الكامل عن كلّ الناس بحيث لا يتَّصل به أحدٌ مطلقاً(٢١٠)، وهو الاختفاء المسمّى بـ (الغيبة الكبرى) أو (الطولى) في المصادر القديمة، ويقوم في آخرها بالسيف ليطهّر الأرض من الجور والظلم، ويتحقَّق وعد الله تعالى بقوله في كتابه المجيد: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ) (القصص: ٥)، وقوله عز وجل: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ)(٢١١).

* * *

وكان الشيخ الطوسي قد توقَّف لأكثر من مرَّة في بحثه المعنيّ بالغيبة وشؤونها عند سبب الغيبة والاستتار وعلَّة ذلك فقال في بعض ما أفاد به:
(ممَّا يقطع على أنَّه سبب لغيبة الإمام هو خوفه على نفسه من القتل بإخافة الظالمين إيّاه، ومنعهم إيّاه من التصرّف فيما جُعل إليه التدبير والتصرّف فيه...، وإذا خاف على نفسه وجبت غيبته ولزم استتاره، كما استتر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تارةً في الشعب وأخرى في الغار، ولا وجه لذلك إلاَّ الخوف من المضارّ الواصلة إليه...
فأمَّا التفرقة بطول الغيبة وقصرها فغير صحيحة، لأنَّه لا فرق في ذلك بين القصير المنقطع والطويل الممتدّ، لأنَّه إذا لم يكن في الاستتار لائمة على المستتر إذا اُحوج إليه...، جاز أن يتطاول سبب الاستتار كما جاز أن تقصر أيّامه.
فإن قيل: إذا كان الخوف أحوجه إلى الاستتار فقد كان آباؤه عليهم السلام عندكم على تقيَّة وخوف من أعدائهم، فكيف لم يستتروا؟
قلنا: ما كان على آبائه عليهم السلام خوف من أعدائهم، مع لزوم التقية والعدول عن التظاهر بالإمامة...، وإمام الزمان عليه السلام كلُّ الخوف عليه، لأنَّه يظهر بالسيف، ويدعو إلى نفسه، ويجاهد من خالفه عليه...، على أنَّ آباءه عليهم السلام متى قُتلوا أو ماتوا كان هناك من يقوم مقامهم ويسدُّ مسدَّهم...، وصاحب الأمر عليه السلام بالعكس من ذلك، لأنَّ من المعلوم أنَّه لا يقوم أحد مقامه، ولا يسدُّ مسدَّه، فبان الفرق بين الأمرين)(٢١٢).
ثمّ كرَّر الطوسي بيان سبب الغيبة والامتناع من الظهور فقال شارحاً وموضّحاً:
(لا علَّة تمنع من ظهوره إلاَّ خوفه على نفسه من القتل، لأنَّه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار...
إن قيل: أليس آباؤه عليهم السلام كانوا ظاهرين ولم يخافوا ولا صاروا بحيث لا يصل إليهم أحد؟ قلنا: آباؤه عليهم السلام حالهم بخلاف حاله، لأنَّه كان المعلوم من حال آبائه لسلاطين الوقت وغيرهم أنَّهم لا يرون الخروج عليهم، ولا يعتقدون أنَّهم يقومون بالسيف ويزيلون الدول...، وليس يضرُّ السلطان اعتقادُ من يعتقد إمامتهم إذا أمنوهم على مملكتهم...، وليس كذلك صاحب الزمان عليه السلام، لأنَّ المعلوم منه أنَّه يقوم بالسيف ويزيل الممالك ويقهر كلّ سلطان، ويبسط العدل ويميت الجور، فمن هذه صفته يخاف جانبه وتُتَّقى فورته، فيُتَتَبَّع ويُرصَد وتوضع العيون عليه...، فيخاف حينئذٍ ويُحْوَج إلى التحرّز والاستظهار بأن يخفي شخصه عن كلّ من لا يأمنه من وليّ وعدوّ...
وأيضاً فآباؤه عليهم السلام إنَّما ظهروا لأنَّه كان المعلوم أنَّه لو حدث بهم حادث لكان هناك من يقوم مقامه ويسدُّ مسدَّه من أولادهم، وليس كذلك صاحب الزمان عليه السلام، لأنَّ المعلوم أنَّه ليس بعده من يقوم مقامه قبل حضور وقت قيامه بالسيف، فلذلك وجب استتاره وغيبته، وفارق حاله حال آبائه عليهم السلام)(٢١٣).

* * *

وعندما نصل إلى هذه المرحلة من البحث _ بعد ثبوت ما تقدَّم بيانه من وجود المهدي واختفائه واستمرار حياته إلى اليوم _ يقفز إلى الذهن سؤال رئيس وملحّ يدور حول إمكان بقاء الإنسان على قيد الحياة طوال هذه السنين وهل يقرُّ العقل البشري بذلك؟
وقبل الإجابة على هذا السؤال نودُّ أن نذكّر القارئ بما سلف منّا ذكره من أنَّ حقائق الشرع إذا ثبتت بالنقل الصحيح فإنَّنا _ بحكم كوننا مسلمين _ ملزمين بالتعبّد بذلك وقبول ما ورد النصّ عليه ولو لم تهتد عقولنا لفهم فلسفته وإدراك سرّه، وليس يسوغ لنا إنكار شيء من تكاليف الدين الأساسية بدعوى الجهل بوجه الحكمة والعلَّة فيه، وبحجّة عدم فهم السرّ أو عدم الاقتناع بالأمر.
أمَّا طول العمر وامتداد الحياة مئات من السنين فليس مستحيلاً كما يتصوَّر بعض المتصوّرين، بل روى المؤرّخون وقوع ذلك كثيراً في تاريخ البشرية الطويل.
فآدم عليه السلام مثلاً عمَّر ألف سنة.
ولقمان صاحب النسور عمَّر ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة.
وسلمان الفارسي عمَّر طويلاً في الأرض، وادَّعى بعض المؤرّخين أنَّه عاصر المسيح عليه السلام وأدرك الإسلام وتوفّي في أيّام الخليفة عمر بن الخطّاب.
إلى كثير وكثير ممَّن عمَّر مئات السنين وروى خبرهم المؤرّخون وبخاصّة السجستاني الذي جمع أخبارهم في كتاب سمّاه (المعمّرون)، وهو مطبوع معروف.
هذا من ناحية الإثبات التاريخي.
وأمَّا القرآن الكريم _ وهو أصدق الكلام وأقوى الحجج _ فقد قال الله تعالى فيه وقوله الحقّ:
إنَّ نوحاً النبيّ عليه السلام لبث في قومه يدعوهم إلى الله (٩٥٠) عاماً، والله أعلم بما عاش قبل البعثة والدعوة، وبعد الطوفان.
وإنَّ يونس النبيّ عليه السلام بقي حيّاً في بطن الحوت مدَّة من الزمن، ولولا فضل الله عليه لبقي في بطنه إلى يوم القيامة، (فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (الصافّات: ١٤٣ و١٤٤)، ومعنى هذا اللبث بقاؤه حيّاً إلى يوم القيامة وبقاء الحوت حيّاً معه خلال هذه الآماد المتمادية.
وإنَّ أهل الكهف (لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) (الكهف: ٢٥)، ولا نعلم كم عاشوا قبل دخولهم في الكهف وبعد خروجهم منه.
وإنَّ (الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ) (البقرة: ٢٥٩)، ولعلَّ بقاء الطعام والشراب مائة عام من دون أن يفسد أو يأسن أعجب من طول عمر الإنسان وأغرب(٢١٤).
هذا كلّه بالإضافة إلى ما تناقله مؤلّفو السير ورواه رجال الحديث وتلقّوه بالإقرار والقبول من حياة العبد الصالح الخضر من قبل زمان النبيّ موسى عليه السلام وإلى آخر الزمان.
فهل نصدّق بكلّ ذلك الذي نطق به القرآن واستفاضت به السُنّة أم نكفر به؟ وهل يصحُّ منّا إنكاره ورفضه بمجرَّد ادّعاء أنَّ العقل البشري بمستواه الحاضر لم يدرك بعدُ أسرار هذه الأمور ولم يكشف خباياها المجهولة؟
إنَّ موضوع غيبة المهدي قائم على هذا الأساس بالضبط، ولا بدَّ لنا من القول باستمرار حياته جرياً مع تلك النصوص وتصديقاً للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الذي (ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) (النجم: ٣ و٤)، وتنفيذاً لأمر الله تعالى في قوله: (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ)، إذ يكن الإيمان بذلك مساوقاً للإيمان بعمر نوح ولبث يونس في بطن الحوت وولادة عيسى من غير أبٍ وبقاء الطعام والشراب مائة عام دون أن يصيبه التلف.
وإلى هذا المعنى يشير الحافظ الكنجي وهو يتحدَّث عن المهدي:
(ولا امتناع في بقائه، بدليل بقاء عيسى وإلياس والخضر من أولياء الله تعالى، وبقاء الدجّال وإبليس الملعونين من أعداء الله تعالى، وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسُنّة وقد اتَّفقوا عليه، ثمّ أنكروا جواز بقاء المهدي)(٢١٥).
ويزيد الشيخ الطوسي الموضوع بياناً فيقول:
(فأمَّا ما يعرض من الهرم بامتداد الزمان وعلوّ السنّ وتناقص بنية الإنسان فليس ممَّا لا بدَّ منه...، وهو تعالى قادر أن لا يفعل ما أجرى العادة بفعله...، وإذا ثبتت هذه الجملة ثبت أن تطاول العمر ممكن غير مستحيل)(٢١٦).
ويقول الوزير الإربلي في ذلك:
(إذا ثبت أنَّ الله سبحانه قد عمَّر خلقاً من البشر ما ذكرناه من الأعمار _ وبعضهم حجج الله تعالى وهم الأنبياء، وبعضهم غير حجّة _ ولم يكن ذلك محالاً في قدرته، ولا منكراً في حكمته، ولا خارقاً للعادة، بل مألوفاً على الأعصار، معروفاً عند جميع أهل الأديان، فما الذي ينكر من عمر صاحب الزمان أن يتطاول إلى غاية عمر بعض من سمَّيناه)(٢١٧).
ويقول محمّد بن طلحة الشافعي:
(من غاب وإن انقطع خبره لا توجب غيبته وانقطاع خبره الحكمَ بمقدار عمره ولا بانقضاء حياته، وقدرة الله واسعة وألطافه بعباده عظيمة...، وليس ببدع ولا مستغربٍ تعميرُ بعض عباد الله المخلصين، ولا امتداد عمره إلى حين، فقد مدَّ الله تعالى أعمار جمع كثير من خلقه، من أصفيائه وأوليائه ومن مطروديه وأعدائه: فمن الأصفياء عيسى عليه السلام، ومنهم الخضر، وخلق آخرون من الأنبياء طالبت أعمارهم...، ومن الأعداء المطرودين إبليس والدجّال ومن غيرهم كعاد الأولى...، وكلّ هذه لبيان اتّساع القدرة الربّانية في تعمير بعض خلقه، فأيّ مانع يمنع من امتداد عمر الصالح الخلف الناصح إلى أن يظهر فيعمل ما حكم الله له به)(٢١٨).

* * *

وإذا كان النصّ القرآني والحديث الشريف قد دلاَّ على إمكان بقاء الإنسان حيّاً أكثر من ألف عام وعلى وقوع ذلك في الأمم السابقة، فلا يصحُّ عدُّه شيئاً فوق العلم وفوق العقل، بل إنَّ العلم الحديث يصرّح بأن بإمكان الإنسان البقاء آلاف السنين لو تهيَّأ له من وسائل المحافظة على القوى البدنية ما يساعده على البقاء.
و(إنَّ العلماء الموثوق بعلمهم يقولون: إنَّ كلّ الأنسجة الرئيسية من جسم الحيوان تقبل البقاء إلى ما لا نهاية له، وأنَّه في الإمكان أن يبقى الإنسان حيّاً ألوفاً من السنين إذا لم تعرض عليه عوارض تصرم حبل حياته، وقولهم هذا ليس مجرَّد ظنّ بل هو نتيجة عملية مؤيّدة بالامتحان. إنَّ الإنسان لا يموت لأنَّه عمَّر كذا من السنين سبعين أو ثمانين أو مائة أو أكثر، بل لأنَّ العوارض تنتاب بعض أعضائه فتتلفها، ولارتباط أعضائه بعضها ببعض تموت كلّها، فإذا استطاع العلم أن يزيل هذه العوارض أو يمنع فعلها لم يبقَ مانع يمنع استمرار الحياة مئات من السنين)(٢١٩).
وإنَّ (جان روستان يعتقد بضوء الاكتشافات والتجارب العلمية أنَّ اتّباع طريقة حفظ الإنسان لم يعد يبدو مستحيلاً، فإنَّ الاكتشافات التي سجَّلها عدد من مشاهير العلماء منذ حوالي قرن تترك بعض الأمل في إمكانية التوصّل إلى مركَّب متناسق يساعد في تحقيق المزيد من التقدّم، اعتماداً على تجارب علمية سجَّلها براون سيكوارد، وألكسي كاريل، وفورنوف، وميتشبنكوف، وبوغو مولتيز، وفيلاتوف، وغيرهم. أمَّا روبرت ايتنجر الذي وضع أخيراً كتاباً قيّماً بعنوان (الإنسان هل يمكن أن يخلد حيّاً)، فقد خلق آمالاً جديدة إذ قال: إنَّ الإنسان الذي يعيش ويتنفَّس الآن يملك حظّ البقاء من الناحية الفيزيائية)(٢٢٠).
هذا كلّه مضافاً إلى التصريحات الكثيرة بشأن إمكان المحافظة على حياة الإنسان ألوف السنين لو جُمّد خلال هذه المدَّة، وذلك بسبب أنَّ التجميد يحافظ على كلّ الخلايا الحيّة، ومتى ما اُريدت إعادة الحركة إلى الإنسان المجمَّد اُعطي من الحرارة ما يستلزمه الجسم منها فيعود كما كان نابضاً بالحركة والحيوية.
ومهما يكن من أمر، فإنَّ تصريحات العلماء المعاصرين تؤكّد إمكان طول عمر الإنسان، وأنَّ هذا الإمكان هو الدافع الأكبر لهم على المثابرة في السعي لمعرفة الوسائل التي تحقّق ذلك.
وإذا صحَّ إمكان عمر الإنسان بحسب الاستعداد والطبيعة، كان ممكناً بل صحيحاً بالقطع واليقين طول عمر المهدي عليه السلام طيلة هذه القرون بحسب الطبيعة أوّلاً وبحسب ما يضاف إليها ثانياً من الإرادة الإلهية القائلة للشيء: كن، فيكون.

* * *

وبعد:
فإنَّ البشرية التي تعيش أعقد ظروفها الفكرية والاجتماعية، وأخطر مراحلها الحضارية المجهولة العواقب، في أمسّ الحاجة إلى هذا المصلح المنتظر الذي لا شكَّ أنَّه سيطلع عليها قطعاً في يوم نرجو أن يكون قريباً، ليقود ركب الإنسانية إلى غايته المثلى ويحمله على انتهاج الصراط المستقيم.
وإنَّ العقل البشري _ المسلم منه وغير المسلم _ ليتطلَّع إلى مثل هذا المنقذ المنتظر بمنتهى الشوق واللهفة، ويقرُّ بحتميته وضرورته حتَّى لو لم يكن هناك نصٌّ عليه أو إشارة إليه. ولذلك بشَّر الفيلسوف البرطاني المشهور برنارد شو بظهور هذا المنقذ بإيحاء من فكره الذاتي، وكتب في ذلك كتاباً سمّاه (الإنسان والسوبرمان)، ذهب فيه إلى بيان حاجة البشرية لهذا الإنسان المنتظر، ووصفه في تخيّله الفلسفي بأنَّه (إنسان حيّ ذو بنية جسدية صحيحة وطاقة عقلية خارقة، إنسان أعلى يترقّى إليه هذا الإنسان الأدنى بعد جهد طويل)، وأنَّه (يطول عمره حتَّى ينيف على ثلاثمائة سنة، ويستطيع أن ينتفع بما استجمعه من أطوار العصور وما استجمعه من أطوار حياته الطويلة).
ويقول عبّاس محمود العقّاد معقّباً على ذلك: (يلوح لنا أنَّ سوبرمان (شو) ليس بالمستحيل، وأنَّ دعوته إليه لا تخلو من حقيقة ثابتة)(٢٢١).

* * *

ولن نجد في نهاية هذا الحديث مسكاً لختامه خيراً من أن نردّد مخلصين، ونبتهل إلى الله تعالى صادقين، فنكرّر ما جاء في الدعاء المأثور قائلين:
(اللّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ فَقْدَ نَبيَّنا، وَغَيْبَةَ وَلِيَّنا، وَكَثْرَةَ عَدُوَّنا، وَقِلَّةَ عَدَدِنا، وَشِدَّةَ الفِتَن بنا وَتَظاهُرَ الزَّمانِ عَلَيْنا، فَصَلّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأعِنّا عَلى ذلِكَ بفَتْح مِنْكَ تُعَجَّلُهُ، وَبضُرٍ تَكْشِفُهُ، وَنَصْرٍ تُعِزُّهُ، وَسُلْطانِ حَقًّ تُظْهِرُهُ).
اللّهمّ انصره نصراً عزيزاً، وافتح له فتحاً يسيراً، واجعلنا من أنصاره وأعوانه، إنَّك سميع مجيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

* * *
مُلْحَقا الكتاب

الملحق الأوّل: سرداب الغيبة.
الملحق الثاني: وكلاء الإمام المهدي في غيبته الصغرى.
الملحق الأوّل: سرداب الغيبة
سرداب الغيبة مكان معروف ومعلم بارز في العتبة المقدَّسة في سُرَّ من رأى، ويقع في الجهة الغربية من قبري الإمامين العسكريين عليهما السلام، وقد استمدَّ قدسيته وأهمّيته من علم الناس بكونه جزءاً من بيت الأئمّة عليهم السلام الذي عاشوا فيه أيّام إقامتهم في سامراء وكان موضعاً لمبيتهم وعبادتهم في بعض الأحيان، ثمّ دفن الإمامان الهادي والعسكري في طرف من ذلك البيت، فكان هذا الجزء من الأماكن المباركة التي يذكر فيها اسم الله تعالى آناء الليل وأطراف النهار.
وقد حاول بعض المؤلّفين أن يخلق من هذا السرداب قصَّة أو أسطورة تقول: إنَّ جيش الخليفة العبّاسي هجم على دار الإمام الحسن العسكري بعد وفاته لإلقاء القبض على ولده المهدي، فرَّ هذا الولد من أيديهم وغاب عن الأعين بدخوله السرداب المشار إليه ولم يخرج منه إلى الآن. وكلّ ذلك من الملفَّق الموضوع الذي لا أصل له في المصادر الموثَّقة ولا يمتُّ إلى واقع الحال بصلة.
وزعم ابن تيمية _ وربَّما أشاع الأعداء ذلك قبل عصر ابن تيمية _ أنَّ المهدي (قد دخل السرداب سنة ستّين ومائتين وله خمس سنين عن بعضهم وأقلّ من ذلك عند آخرين، ولم يظهر عنه شيء)(٢٢٢).
وكان الوزير الإربلي _ وهو أسبق تاريخاً من ابن تيمية _ قد ذكر هذا الزعم وقال: إنَّ ادّعاء كون المهدي في سرداب (قول عجيب وتصوّر غريب، فإنَّ الذين أنكروا وجوده عليه السلام لا يوردون هذا، والذين يقولون بوجوده لا يقولون إنَّه في سرداب، بل يقولون: إنَّه حيّ موجود يحل ويرتحل ويطوف في الأرض)(٢٢٣).
ثمّ استمرَّ القائلون بذلك ممَّن انطلت عليهم تلك الأكاذيب في تكرار هذه المقولة حتَّى اليوم، وكان آخر من أوردها في أيّامنا الحاضرة كاتب اسمه عبد المجيد الشاوي في مقاله المنشور في جريدة الزمان اللندنية تحت عنوان (على مائدة الزمان) تحدَّث فيه عن استعمالات كلمة (الزمان) في التراث العربي، وجاء فيه قوله:
(ومن أجل أنَّ الزمان أشمل من الزمن وأغلب قالوا: المهدي المنتظر صاحب الزمان، وعلى جهة الاستطراد المفيد أقول لك: إنَّ المهدي المنتظر صاحب الزمان هو من الحقائق المجمع عليها في ملَّة الإسلام، سوى أنَّ الشيعة تقول: إنَّه محمّد بن الحسن العسكري دخل سرداب الدار في سامراء سنة ٢٦٥هـ وهو ابن تسع سنوات ولم يخرج منه، وهو حيّ إلى اليوم)(٢٢٤).
وما أدري كيف سوَّغ هذا الكاتب لنفسه أن ينسب إلى الشيعة هذا القول من دون إشارة إلى من قال ذلك من علمائهم ومؤلّفيهم ومؤرّخيهم، ومن دون ذكر لمصدر هذا القول في الكتب والمؤلّفات الشيعية، ممَّا يدلُّ على أنَّه اعتمد على الإشاعات التاريخية المغرضة بلا سندٍ أو تحقيق.
وقد استوفى أحد الباحثين المعاصرين _ وهو المرحوم الشيخ المحلاتي _ الكلام في هذا الموضوع استيفاءً تامّاً شاملاً في كتابه تاريخ سامراء، وبيَّن الحقيقة على نحو صحيح وسليم من الشوائب والأباطيل، وأنا أروي فيما يأتي معظم كلامه بالنصّ لأنَّه عين الصواب وفصل الخطاب.
قال الشيخ رحمه الله متحدّثاً عن الإمام المهدي عليه السلام:
(لمَّا توفّي أبوه غاب عن الأنظار، لا أنَّه دخل في السرداب واُمّه تنظر إليه كما توجد هذه العبارة في بعض كتب العامّة، وإنَّ الشيعة الإمامية تبرأ من هذه المعتقدات التي يلصقها بهم من أراد الحطّ من كرامة مذهبهم بما لم تجوّز له الشريعة الإسلاميّة)(٢٢٥).
وقال وهو يتحدَّث عن السرداب:
(ليس اشتهار هذا السرداب بسرداب الغيبة لأنَّ الحجّة عليه السلام غاب فيه كما زعمه من يجهل التاريخ، بل لأنَّ بعض الأولياء تشرَّف بخدمته فيه، وأنَّه مبيت الثلاثة من الأئمّة عليهم السلام وموضع تعبّدهم...، ولذلك صار من البقاع المتبرّكة.
وكان هذا السرداب داخل البيت، وله طريق في البناء القديم من وراء مرقد العسكريين عليهما السلام عند قبر اُمّ القائم...، وكان الزائر ينزل في الدرج ويمشي في أزج حتَّى يدخل السرداب من جهة قبلته، وكان الأمر كذلك إلى حدود عام اثنين ومائتين بعد الألف، فلمَّا تصدّى لعمارة هذه البقعة المباركة الملك أحمد خان الدنبلي (من حكّام أذربيجان) جعل للسرداب باباً من جهة الشمال وسدَّ باب القبلة...، وهو اليوم (أي يوم كتابة هذا الشرح) له عشر درجات مفروشة بالرخام، ينزل الزائر منها إلى رحبةٍ لا يقلُّ طولها عن ثلاثة عشر ذراعاً.
والباب المشبَّك الخشبي المنصوب على الصفّة في السرداب المقدَّس في يومنا هذا من الآثار الباقية للإمام المستنصر العبّاسي، وقد عمله في سنة ست وستمائة _ وكان العلاَّمة النوري قد ذكر في كشف الأستار...، أنَّ الناصر لدين الله أحمد بن المستضيء بنور الله من خلفاء العبّاسية هو الذي أمر بعمارة السرداب _، وهذا الخشب من التحف والآثار الثمينة، ولقد مضى عليه إحدى وخمسون وسبعمائة سنة وهو بعدُ جديدٌ كأنَّه من صنع اليوم)(٢٢٦).
(ولمَّا رأت سدنة المكان رغبة المؤمنين في زيارة تلك البقعة جعلوا يأخذون تراب ذلك المكان ويعطونه الزائرين بإزاء دراهم معدودة، فأدّى ذلك إلى أن حُفرت تلك البقعة مقدار درجتين. ثمّ تصدّى إلى طمّها العلاّمة الكبير الشيخ عبد الحسين الطهراني رحمه الله. ثمّ حفرها بعض السدنة لمقاصدهم الخاصّة وسمّوها بئر صاحب الزمان، فكثرت شكوى الزائرين في عصر آية الله المجدّد الميرزا محمّد حسن الشيرازي طاب رمسه، فعمل بعض العوام باباً فضّياً على حدّ فم البئر ونصبه عليها، فلم تمرّ الأيّام والليالي حتَّى سُرق الباب وعاد الأمر كما كان، وأنَّ آية الله المجدّد رحمه الله لم يتمكَّن من تغيير ذلك إلى أن زالت الدولة العثمانية من العراق. فسعى في طمّ البئر المولى الحجّة الميرزا محمّد الطهراني فطمَّها بمعونة الحكومة وفرشها بالرخام الصقيل، ومع ذلك فقد فعل بعضهم ثقباً تحت الرخام ووسطه بمقدار أن تدخل الكفّ فيه لأخذ التراب، وربَّما وضعوا التراب فيه من الخارج لإعطائه الزائرين الذين لا يعلمون حقيقة التراب. ونظير هذه المشكلة البئر التي عند الباب الذي يفتح إلى صحن الحجّة عليه السلام غرباً، حيث يزعم عوام الناس أن قطرة من حليب ثدي حكيمة بنت الإمام الجواد عليه السلام وقعت فيها...، ويزدحم العوام على البئر ويأخذون من مائها ويتبرَّكون به، وكان على رأس البئر بعض السدنة يأخذ منهم بعض الدراهم ويعطيهم شربة منه، ولعمري إنَّ هذا من حيل بعض السدنة، وهو جهل مفرط سيطر على بعض الجهّال من الزائرين. وقد أشار إلى بعض ما ذكرناه العلاَّمة المحدّث الميرزا حسين النوري قدس سره في مزاره المسمّى (تحيّة الزائر) الفارسي المطبوع)(٢٢٧).

* * *

الملحق الثاني: وكلاء الإمام المهدي في غيبته الصغرى
كان للإمام المنتظر عليه السلام في أثناء الغيبة الصغرى أربعة وكلاء، هم: أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري، الذي نصبه أوّلاً الإمام أبو الحسن علي بن محمّد الهادي وكيلاً عنه، ثمّ ابنه أبو محمّد الحسن العسكري عليهما السلام، فتولّى القيام بأمورهما حال حياتهما، ثمّ قام بعد ذلك بأمر الوكالة عن صاحب الزمان عليه السلام، فكانت توقيعاته في جواب المسائل تخرج على يديه. والثاني: أبو جعفر محمّد بن عثمان. والثالث: أبو القاسم الحسين بن روح. والرابع: أبو الحسن علي بن محمّد السمري، ولمَّا حضرت السمري الوفاة سُئل أن يوصي فقال: (لله أمر هو بالغه)، وذلك لوقوع الغيبة التامّة الكبرى التي لا يلتقي فيها أحد مع الإمام حتَّى يأذن الله تعالى له بالظهور.
وأجمع المؤرّخون على أنَّ أحداً من هؤلاء الأربعة لم يقم بواجب الوكالة والسفارة (إلاَّ بنصّ عليه من قبل صاحب الأمر عليه السلام ونصّ صاحبه الذي تقدَّم عليه)، كما أجمعوا على أنَّهم (كانوا أهل عقل وأمانة وثقة ظاهرة ودراية وفهم وتحصيل ونباهة، وكانوا معظَّمين عند سلطان الوقت لعظم أقدارهم وجلالة محلّهم، مكرَّمين لظاهر أمانتهم واشتهار عدالتهم)(٢٢٨).
ونورد فيما يأتي لإتمام الفائدة واستكمال البحث موجزاً من تاريخ حياتهم وسيرهم، ليكون القارئ على علم بهم وبما عرفهم الناس به من الثقة والأمانة وصدق الحديث.
الوكيل الأوّل: عثمان بن سعيد:
أبو عمرو الأسدي، المعروف بـ (العَمْري) نسبةً إلى جدّه، و(العسكري) نسبة إلى عسكر سُرَّ من رأى، و(السمّان) و(الزيّات) لأنَّه كان يتَّجر في السمن (تغطية على الأمر)، (وكان الشيعة إذا حملوا إلى أبي محمّد عليه السلام ما يجب عليهم حمله من الأموال أنفذوا إلى أبي عمرو ذلك فيجعله في جُرُب السمن وزقاقه ويحمله إلى أبي محمّد عليه السلام تقيَّةً وخوفاً).
وكان أبو عمرو هذا من أصحاب الإمام علي بن محمّد الهادي عليه السلام ووكلائه، وتولّى خدمته وصحبته إحدى عشرة سنة، و(له إليه عهد معروف). ثمّ كان وكيل الإمام الحسن العسكري عليه السلام من بعد أبيه. ثمّ أصبح أوّل سفراء المهدي الثقات الممدوحين في زمن الغيبة الصغرى.
وحدَّث أبو علي أحمد بن إسحاق بن سعد القمّي قال: (دخلتُ على أبي الحسن علي بن محمّد عليه السلام في يوم من الأيّام فقلت: يا سيّدي أنا أغيب وأشهد، ولا يتهيَّأ لي الوصول إليك إذا شهدتُ في كلّ وقت، فقول من نقبل وأمر من نمتثل؟ فقال عليه السلام لي: (هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ما قاله لكم فعنّي يقوله، وما أدّاه إليكم فعنّي يؤدّيه...)، فلمَّا مضى أبو الحسن عليه السلام وصلتُ إلى أبي محمّد ابنه الحسن العسكري ذات يوم فقلت له مثل قولي لأبيه، فقال لي: (هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ثقة الماضي وثقتي في المحيا والممات، فما قاله لكم فعنّي يقوله، وما أدّى إليكم فعنّي يؤدّيه).
وفي لفظ الشيخ الكليني في روايته هذه عن أحمد بن إسحاق: سألت ابا الحسن الهادي عليه السلام وقلت: من اُعامل وعمَّن آخذ وقول من أقبل؟ فقال: (العمري ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، وما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له وأطع فإنَّه الثقة المأمون)، ثمّ روى عن أحمد أيضاً عن الإمام العسكري عليه السلام أنَّه قال له: (العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك فعنّي يؤدّيان، وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطع فإنَّهما الثقتان المأمونان). وروى الطوسي عن أبي العبّاس الحميري تفريعاً على هذه الرواية قوله: (فكنّا كثيراً ما نتذاكر هذا القول ونتواصف جلالة محلّ أبي عمرو).
وحدَّث محمّد بن إسماعيل وعلي بن عبد الله الحسنيان، قالا: دخلنا على أبي محمّد الحسن عليه السلام بسُرَّ من رأى وبين يديه جماعة من أوليائه وشيعته، حتَّى دخل عليه بدرٌ خادمه، فقال: يا مولاي، بالباب قوم شعث غبر...، قال الحسن عليه السلام لبدر: (فامض فأتنا بعثمان بن سعيد العمري)، فما لبثنا إلاَّ يسيراً حتَّى دخل عثمان، فقال له سيّدنا أبو محمّد عليه السلام: (امض يا عثمان فإنَّك الوكيل والثقة المأمون على مال الله واقبض من هؤلاء النفر اليمنيين ما حملوه من المال)، ثمّ ساقا الحديث إلى أن قالا: ثمّ قلنا بأجمعنا: يا سيّدنا، والله إنَّ عثمان لمن خيار شيعتك، ولقد زدتنا علماً بموضعه من خدمتك وأنَّه وكيلك وثقتك على مال الله تعالى. قال: (نعم، واشهدوا على أنَّ عثمان بن سعيد العمري وكيلي وأنَّ ابنه محمّداً وكيل ابني مهديّكم).
وروى الطوسي بسنده حديثاً طويلاً عن الإمام العسكري عليه السلام جاء في ختامه: (فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره، فهو خليفة إمامكم والأمر إليه).
وتوفّي عثمان بن سعيد _ كما يبدو من سياق الروايات المعنية بهذا الرجل وابنه محمّد _ بعد وفاة الإمام العسكري عليه السلام بقليل، ولم تطل مدَّة وكالته عن الإمام المنتظر عليه السلام، ودفن ببغداد حيث يحل قبره القائم المعروف حتَّى اليوم(٢٢٩).
الوكيل الثاني: محمّد بن عثمان، أبو جعفر:
قال الشيخ الطوسي: (فلمَّا مضى أبو عمرو عثمان بن سعيد قام ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان مقامه، بنصّ أبي محمّد عليه السلام عليه ونصّ أبيه عثمان عليه بأمر القائم عليه السلام)، (والشيعة مجتمعة على عدالته وثقته وأمانته، لما تقدَّم له من النصّ عليه بالأمانة والعدالة والأمر بالرجوع إليه في حياة الحسن عليه السلام)، و(كانت توقيعات صاحب الأمر تخرج على يدي عثمان بن سعيد وابنه أبي جعفر محمّد بن عثمان إلى شيعته...، بالأمر والنهي والأجوبة عمَّا يسأل الشيعة عنه إذا احتاجت إلى السؤال فيه...، فلم تزل الشيعة مقيمة على عدالتهما إلى أن توفّي عثمان بن سعيد رحمه الله ورضي عنه وغسَّله ابنه أبو جعفر وتولّى القيام به، وحصل الأمر كلّه مردوداً إليه).
ولمَّا توفّي عثمان بن سعيد ورد إلى ابنه محمّد توقيع من الإمام الثاني عشر عليه السلام في التعزية بأبيه، جاء فيه:
(إنّا لله وإنّا إليه راجعون، تسليماً لأمره ورضىً بقضائه، عاش أبوك سعيداً ومات حميداً، فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه، فلم يزل مجتهداً في أمرهم، ساعياً فيما يقرّبه إلى الله عز وجل، نضَّر الله وجهه، وأقاله عثرته).
وفي فصل آخر: (أجزل الله لك الثواب، وأحسن لك العزاء، رُزئتَ ورُزئنا، وأوحشك فراقه وأوحشنا، فسرَّه الله في منقلبه، وكان من كمال سعادته أن رزقه الله عز وجل ولداً مثلك يخلفه من بعده، ويقوم مقامه بأمره، ويترحَّم عليه. وأقول: الحمد لله، فإنَّ الأنفس طيّبة بمكانك وما جعله الله عز وجل فيك وعندك. أعانك الله وقوّاك، وعضدك ووفَّقك، وكان لك وليّاً وحافظاً (أو: راعياً)، وكافياً ومعيناً).
وجاء في توقيع آخر من الإمام المهدي عليه السلام إلى محمّد بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي بعد وفاة عثمان بن سعيد: (والابن _ وقاه الله _ لم يزل ثقتنا في حياة الأب _ رضي الله عنه وأرضاه ونضَّر وجهه _ يجري عندنا مجراه ويسدّ مسدَّه، وعن أمرنا يأمر الابن، وبه يعمل، تولاَّه الله، فانتهِ إلى قوله).
وفي توقيع آخر منه عليه السلام بخطّه، جاء فيه: (وأمَّا محمّد بن عثمان العمري _ رضي الله عنه وعن أبيه من قبل _ فإنَّه ثقتي، وكتابه كتابي).
وقال الشيخ الطوسي: (كان لأبي جعفر محمّد بن عثمان العمري كتب مصنَّفة في الفقه ممَّا سمعها من أبي محمّد الحسن عليه السلام ومن الصاحب عليه السلام ومن أبيه عثمان بن سعيد عن أبي محمّد وعن أبيه علي بن محمّد عليه السلام، فيها كتب ترجمتها: كتب الأشربة. وقد وصلت هذه الكتب إلى أبي القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه عند الوصيّة إليه، وكانت في يده).
وتوفّي محمّد بن عثمان في آخر شهر جمادى الأولى أو آخر جمادى الآخرة، سنة أربع أو خمس وثلاثمائة، بعد أن تولّى الوكالة عن الأئمّة عليهم السلام نحواً من خمسين سنة. وقبره ببغداد معروف ماثل يزوره الناس حتَّى اليوم(٢٣٠).
الوكيل الثالث: أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي:
 روى الصدوق بسنده عن جعفر بن أحمد بن متيل، قال: (لمَّا حضرت أبا جعفر محمّد بن عثمان العمري الوفاة كنتُ جالساً عند رأسه اُسائله واُحدّثه، وأبو القاسم الحسين بن روح عند رجليه، فالتفت إليَّ ثمّ قال: قد اُمرتُ أن اُوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح)، قال: (فقمتُ من عند رأسه وأخذت بيد أبي القاسم وأجلسته في مكاني وتحوَّلتُ عند رجليه).
وروى الطوسي بسنده عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد المدائني، قال: (كان من رسمي إذا حملتُ المال الذي في يدي إلى الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري أن أقول له: هذا المال ومبلغه كذا وكذا للإمام عليه السلام...، فيقول: نعم للإمام، فيقبضه. فصرتُ إليه آخر عهدي به ومعي أربعمائة دينار، فقلت له على رسمي، فقال لي: امض بها إلى الحسين بن روح، فتوقَّفت فقلت: تقبضها أنت منّي على الرسم، فردَّ عليَّ كالمنكر لقولي وقال: قم عافاك الله فادفعها إلى الحسين بن روح. فلمَّا رأيت في وجهه غضباً خرجت وركبت دابتي، فلمَّا بلغت بعض الطريق رجعتُ كالشاكّ فدققت الباب، فخرج إليَّ الخادم فقال: من هذا؟ فقلت: أنا فلان...، اُدخل فاستأذن لي فإنَّه لا بدَّ من لقائه، فدخل فعرَّفه خبر رجوعي...، فخرج...، فقال لي: ما الذي جرَّأك على الرجوع؟ ولِمَ لم تمتثل ما قلته لك؟ فقلت: لم أجسر على ما رسمته لي، فقال لي وهو مغضب: قم عافاك الله فقد أقمتُ أبا القاسم حسين بن روح مقامي ونصبته منصبي، فقلت: بأمر الإمام؟ فقال: قم عافاك الله كما أقول لك. فلم يكن عندي غير المبادرة، فصرتُ إلى أبي القاسم ابن روح _ وهو في دار ضيّقة _ فعرَّفته ما جرى، فسُرَّ به وشكر الله عز وجل، ودفعتُ إليه الدنانير، وما زلت أحمل إليه ما يحصل في يدي بعد ذلك).
وروى الطوسي أيضاً بسنده عن جعفر بن أحمد بن متيل القمّي، قال: (كان محمّد بن عثمان أبو جعفر العمري رضي الله عنه له من يتصرَّف له ببغداد نحو من عشرة أنفس، وأبو القاسم ابن روح فيهم، وكلّهم كانوا أخصَّ به من أبي القاسم...، فلمَّا كان وقت مضيّ أبي جعفر رضي الله عنه وقع الاختيار عليه، وكانت الوصيّة إليه).
وروى أيضاً بسنده عن أبي علي محمّد بن همام، قال: (إنَّ أبا جعفر محمّد بن عثمان العمري جمعنا قبل موته _ وكنّا وجوه الشيعة وشيوخها _ فقال لنا: إن حدث عليَّ حدثُ الموت فالأمر إلى أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي، فقد اُمرتُ أن أجعله في موضعي بعدي، فارجعوا إليه، وعوّلوا في أموركم عليه).
وروى أيضاً بسنده عن أحمد بن إبراهيم وأبي جعفر عبد الله بن إبراهيم وجماعة من أهلهما من بني نوبخت: (أنَّ أبا جعفر العمري لمَّا اشتدَّت حاله اجتمع جماعة من وجوه الشيعة منهم أبو علي ابن همام وأبو عبد الله ابن محمّد الكاتب وأبو عبد الله الباقطاني وأبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي وأبو عبد الله ابن الوجناء وغيرهم من الوجوه والأكابر، فدخلوا على أبي جعفر رضي الله عنه فقالوا له: إن حدث أمرٌ فمن يكون مكانك؟ فقال لهم: هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي والسفير بينكم وبين صاحب الأمر عليه السلام والوكيل له والثقة الأمين، فارجعوا إليه في أموركم، وعوّلوا عليه في مهمّاتكم، فبذلك اُمرتُ وقد بلَّغتُ).
وروى الطوسي أيضاً بسنده عن اُمّ كلثوم بنت أبي جعفر العمري، قالت: (كان أبو القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه وكيلاً لأبي سنين كثيرة، ينظر في أملاكه، ويلقى بأسراره الرؤساء من الشيعة، وكان خصّيصاً به...، فحصل في أنفس الشيعة محصَّلاً جليلاً لمعرفتهم باختصاص أبي إيّاه وتوثيقه عندهم ونشر فضله ودينه وما كان يحتمله من هذا الأمر...، إلى أن انتهت الوصية إليه بالنصّ عليه، فلم يختلف في أمره ولم يشكّ فيه أحد).
وكان أبو عبد الله ابن غالب _ وهو حمو أبي الحسن ابن أبي الطيب يقول: (ما رأيتُ من هو أعقل من الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح...، وكانت العامّة أيضاً تعظّمه).
وحدَّث الطوسي بسنده عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه القمّي، قال: (قال مشايخنا: كنّا لا نشكّ أنَّه إن كانت كائنة من أمر أبي جعفر لا يقوم مقامه إلاَّ جعفر بن أحمد بن متيل أو أبوه، لما رأينا من الخصوصية به وكثرة كينونته في منزله، حتَّى بلغ أنَّه كان في آخر عمره لا يأكل طعاماً إلاَّ ما اُصلح في منزل جعفر بن أحمد بن متيل وأبيه بسببٍ وقع له...، وكان أصحابنا لا يشكّون إن كانت حادثة لم تكن الوصية إلاَّ إليه من الخصوصية به، فلمَّا كان عند ذلك ووقع الاختيار على أبي القاسم سلَّموا ولم ينكروا، وكانوا معه وبين يديه كما كانوا مع أبي جعفر رضي الله عنه، ولم يزل جعفر بن أحمد بن متيل في جملة أبي القاسم وبين يديه كتصرّفه بين يدي أبي جعفر العمري إلى أن مات. فكلّ من طعن على أبي القاسم فقد طعن على أبي جعفر وطعن على الحجّة عليه السلام).
ويستفاد من خلاصة جملةٍ من الروايات أنَّ أبا القاسم الحسين بن روح كان قد خاف من السلطة خلال أيّام وكالته فاستتر عن الناس، ونصب أبا جعفر محمّد بن علي المعروف بالشلمغاني وكان مستقيماً يومذاك (لم يظهر منه الكفر والإلحاد وكان الناس يقصدونه ويلقونه، لأنَّه كان صاحب الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح سفيراً بينهم وبينه في حوائجهم ومهمّاتهم).
وجاء في بعض تلك النصوص: أنَّ الشلمغاني المذكور (كان وجيهاً عند بني بسطام...، فكان عند ارتداده يحكي كلّ كذب وبلاء وكفر لبني بسطام ويسنده إلى الشيخ أبي القاسم فيقبلونه منه ويأخذونه عنه، حتَّى انكشف ذلك لأبي القاسم فأنكره وأعظمه ونهى بني بسطام عن كلامه، وأمرهم بلعنه والبراءة منه).
و(لم يقبل أحد إلاَّ وتقدَّم إليه الشيخ أبو القاسم وكاتبه بلعن أبي جعفر الشلمغاني والبراءة منه وممَّن تولاَّه ورضي بقوله)، (ثمّ ظهر التوقيع من صاحب الزمان عليه السلام بلعن أبي جعفر محمّد بن علي والبراءة منه وممَّن تابعه وشايعه ورضي بقوله)، (وكان تاريخ هذا التوقيع في ذي الحجّة سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة...، ثمّ أمر الخليفة العبّاسي الراضي بالله بالقبض عليه وقتله، فقُتل في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة).
ويقول الحافظ الذهبي: إنَّ الشلمغاني أبا جعفر لمَّا ادَّعى أنَّه الباب إلى الإمام المنتظر وزعم مزاعمه المفسدة للعقيدة والإيمان (أظهر أمره وفضحه أبو القاسم الحسين بن روح رأس الشيعة الملقَّب بالباب إلى صاحب الزمان).
وكان الشيخ الطوسي قد روى عن أبي محمّد الحسن بن جعفر بن إسماعيل بن صالح الصيمري، قال: (لمَّا أنفذ الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه التوقيع في لعن ابن أبي العزاقر (الشلمغاني) أنفذه من محبسه في دار المقتدر إلى شيخنا أبي علي ابن همام رحمه الله في ذي الحجّة سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة، وأملاه أبو علي عليَّ، وعرَّفني أنَّ أبا القاسم رضي الله عنه راجع في ترك إظهاره فإنَّه في يد القوم وفي حبسهم، فأمر بإظهاره وأن لا يخشى ويأمن، فتخلَّص فخرج من الحبس بعد ذلك بمدَّة يسيرة).
وروى الذهبي: إنَّ ابن أبي طيّ قال في تاريخه متحدّثاً عن الحسين بن روح: إنَّ أبا جعفر محمّد بن عثمان العمري (نصَّ عليه بالنيابة وجعله من أوّل من يدخل...، قال: وقد خرج على يديه تواقيع كثيرة، فلمَّا مات أبو جعفر صارت النيابة إلى حسين هذا، فجلس في الدار وحفَّ به الشيعة، فخرج ذكاء الخادم ومعه عكازة ومدرَّج وحُقَّة وقال له: إنَّ مولانا قال: إذا دفنني أبو القاسم حسين وجلس فسلّم إليه هذا. وإذا في الحُقّ خواتيم الأئمّة...، وكثرت غاشيته حتَّى كان الأمراء والوزراء يركبون إليه والأعيان، وتواصف الناس عقله وفهمه. ولم يزل أبو القاسم وافر الحرمة إلى أن وزر حامد بن العبّاس، فجرت له معه خطوب يطول شرحها).
وأضاف الذهبي إلى ما تقدَّم قائلاً: (ثمّ سرد ابنُ أبي طيّ ترجمته في أوراق، وكيف اُخذ وسُجن خمسة أعوام، وكيف اُطلق وقت خلع المقتدر، فلمَّا أعادوه إلى الخلافة شاوروه فيه فقال: دعوه فبخطيَّته اُوذينا).
(وبقيت حرمته على ما كانت إلى أن مات...، وكانت الإمامية تبذل له الأموال، وله تلطّف في الذبّ عنهم، وعبارات بليغة تدلُّ على فصاحته وكمال عقله. وكان مفتي الرافضة وقدوتهم، وله جلالة عجيبة).
وتوفّي الحسين بن روح رحمه الله في شعبان سنة ست وعشرين وثلاثمائة، وقبره معلوم بارز في سوق الشورجة ببغداد(٢٣١).
الوكيل الرابع: علي بن محمّد السمري:
روى الصدوق بسنده عن أبي محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب، قال: كنتُ بمدينة السلام في السنة التي توفّي فيها الشيخ علي بن محمّد السمري، فحضرته قبل وفاته بأيّام، فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته:
(بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمّد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك فإنَّك ميّت ما بينك وبين ستّة أيّام، فاجمع أمرك، ولا توص إلى أحدٍ يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة، فلا ظهور إلاَّ بعد إذن الله عز وجل، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً. وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر. ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العلي العظيم).
قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلمَّا كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيّك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه، ومضى رضي الله عنه.
وروى الطوسي بسنده عن أبي عبد الله محمّد بن أحمد الصفواني، قال: (أوصى الشيخ أبو القاسم رضي الله عنه إلى أبي الحسن علي بن محمّد السمري رضي الله عنه، فقام بما كان إلى أبي القاسم. فلمَّا حضرته الوفاة حضرت الشيعة عنده وسألته عن الموكَّل بعده ومن يقوم مقامه، فلم يُظهر شيئاً من ذلك، وذكر أنَّه لم يُؤمر بأن يوصي إلى أحدٍ بعده في هذا الشأن.
وكانت وفاة السمري رحمه الله في النصف من شعبان سنة ثمان وعشرين أو تسع وعشرين وثلاثمائة. وقبره ببغداد في سوق السراي معروف قائم حتَّى اليوم(٢٣٢).

* * *

تنبيه:
قد يرى المراجع لبعض المصادر في تحديد مواضع قبور الوكلاء الأربعة المتقدّمي الذكر ما يستشف منه الخلاف والتضارب فيما بينها، ومنشأ ذلك _ كما يعلم المعنيون بالخطط _ إطلاق أسماء بعض المواضع البغدادية على أماكن في الجانب الشرقي منها وفي الجانب الغربي أيضاً، ممَّا يوقع الالتباس بسبب تشابه تلك الأسماء في تعيين مكان كلّ قبر منها بدقَّة ووضوح.
فشارع الميدان الذي ذكرت المصادر وجود قبر عثمان بن سعيد فيه ونصَّ بعضهم على كونه بالجانب الغربي من بغداد، هو أحد موارد ذلك اللبس والاشتباه، لأنَّ الميدان كما ذكر الخططيون (اسم لعدَّة ميادين في الجانبين الشرقي والغربي)، ولذلك نظائر كثيرة في أسماء خطط بغداد كلفظ (القُرَيَّة) الذي كان اسماً لمحلَّتين فيها، إحداهما بالجانب الشرقي والثانية في الجانب الغربي، وكذلك (درب السلسلة) الذي نزله أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني رحمه الله وكان اسماً لدربين إحداهما بالجانب الغربي والآخر بالجانب الشرقي بجوار النظامية، وكذلك أيضاً (درب الآجُر) الذي كان محلَّة ببغداد من محال نهر طابق بالجانب الغربي، وهو غير (درب الآجر) الذي كان بالمحلَّة الجعفرية بالجانب الشرقي منها(٢٣٣). وإلى آخر الأسماء التي جاءت متشابهة في جانبي بغداد فكانت مدعاة لمثل ذلك الخلط والالتباس.
ولمَّا كانت قبور هؤلاء الوكلاء الأربعة موضوع البحث قد توارث معالمها الخلف عن السلف جيلاً بعد جيل وعصراً بعد عصر، فهي من المسلَّمات المتلقّاة يداً عن يد بالقبول فلا يصحُّ التردّد فيها أبداً، ولن يصلح تشابه التسميات دليلاً على نفي موضع منها لأنَّه تشابه ناشئ كما أسلفنا من إطلاق هذه الأسماء على أماكن ومحلاَّت في جانبي بغداد، وبهذا فقدت تلك النصوص دلالتها الصريحة على نفي صحَّة ما هو قائم تسالم عليه الناس منذ قرون خلت وحتَّى اليوم.

* * *
مصادر الكتابين

القرآن الكريم.
إثبات الوصيّة: المسعودي/ المطبعة الحيدرية/ النجف/ بلا تاريخ.
الاحتجاج: أحمد بن علي الطبرسي/ ١٤١٦هـ/ طهران.
أدب الشيعة: عبد الحسيب طه حميدة/ ١٣٦٢هـ/ القاهرة.
الإرشاد: الشيخ المفيد/ ١٣٠٨هـ/ طهران.
الاستيعاب: ابن عبد البرّ القرطبي/ هامش الإصابة/ ١٣٥٨هـ/ القاهرة.
إسعاف الراغبين: الصبّان/ هامش نور الأبصار/ ١٣٥٦هـ/ القاهرة.
إعلام الورى: الفضل بن الحسن الطبرسي/ ١٤١٧هـ/ قم.
الإمامة: محمّد حسن آل ياسين/ ١٣٩٢هـ/ بيروت.
أنساب الأشراف: البلاذري/ ١٩٥٩م/ القاهرة.
الأئمّة الاثنا عشر: ابن طولون الدمشقي/ ١٣٧٧هـ/ بيروت.
بحار الأنوار: المجلسي/ ١٣٩٠هـ/ طهران.
البداية والنهاية: ابن كثير الدمشقي/ ١٣٥١هـ/ القاهرة.
برنارد شو: عبّاس محمود العقّاد/ ١٩٥٠م/ القاهرة.
بغداد قديماً وحديثاً: مصطفى جواد وأحمد سوسة/ ١٣٧٨هـ/ بغداد.
البيان: الحافظ الكنجي/ ١٣٨٢هـ/ النجف.
تاريخ الإسلام: الذهبي/ ١٤٢٢هـ/ بيروت.
تاريخ الطبري: الطبري/ ١٩٦٣م/ القاهرة.
تاريخ اليعقوبي: اليعقوبي/ ١٣٥٨هـ/ النجف.
تاريخ سامراء: ذبيح الله المحلاَّتي/ المطبعة الحيدرية/ النجف/ بلا تاريخ.
تحفة الطالب: الحسين السمرقندي/ مخطوط بمكتبة الحرم المكّي.
تحفة العالم: السيّد جعفر بحر العلوم/ ١٣٥٤هـ/ النجف.
تذكرة الحفّاظ: الذهبي/ طبعة مصوَّرة/ بيروت؛ و١٣٧٥هـ/ الهند.
تذكرة الخواص: سبط ابن الجوزي/ ١٣٦٩هـ/ النجف.
تهذيب الأحكام: الشيخ الطوسي/ ١٣٩٠هـ/ طهران.
جريدة الأنباء الجديدة/ السنة الأولى/ ١٩٦٥م/ بغداد.
جريدة الزمان/ ٢٠٠٣م/ لندن.
جريدة الملتقى الدولي/ ٢٠٠٢م/ القاهرة.
جمهرة أنساب العرب: ابن حزم/ ١٣٨٢هـ/ القاهرة.
جواهر الكلام: الشيخ محمّد حسن النجفي/ ١٣٨٩هـ/ النجف.
الحاوي للفتاوي: السيوطي/ ١٣٧٨هـ/ القاهرة.
الخرائج والجرائح: قطب الدين الراوندي/ ١٤١١هـ/ بيروت.
خلاصة الأقوال: العلاَّمة الحلّي/ ١٣١٠هـ/ طهران.
الدرّ المنظوم: ديوان عبد الله بن علوي/ ١٣٧٧هـ/ القاهرة.
الدرّ المنظوم: عبد الله بن علوي/ ١٣٧٧هـ/ القاهرة.
دلائل النبوّة: البيهقي/ ١٤٠٥هـ/ بيروت.
ديوان دعبل الخزاعي: دعبل الخزاعي/ ١٩٦٢م/ بيروت.
ديوان مهيار الديلمي: مهيار الديلمي/ ١٣٤٩هـ/ القاهرة.
الذريعة: آقا بزرك الطهراني/ دار الأضواء/ بيروت/ بلا تاريخ.
الروض الاُنف: السهيلي/ دار الفكر/ بيروت/ بلا تاريخ.
سبائك الذهب: محمّد أمين السويدي/ ١٣٥٤هـ/ النجف.
سنن ابن ماجة: ابن ماجة القزويني/ ١٣٧٢هـ/ القاهرة.
سنن أبي داود: ابن الأشعث السجستاني/ ١٣٧١هـ/ القاهرة.
سنن الترمذي: الترمذي/ ١٣٥٦ و١٣٨٢هـ/ القاهرة.
سير أعلام النبلاء: الذهبي/ ١٤٠٦هـ/ بيروت.
السيرة النبوية: ابن هشام/ ١٤٠٦هـ/ بيروت.
شرح القصائد السبع العلويات: ابن أبي الحديد المعتزلي/ النجف (د. ت).
شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد المعتزلي/ ١٣٧٨هـ/ القاهرة.
صحيح البخاري: البخاري/ طبعة محمّد علي صبيح/ القاهرة/ بلا تاريخ.
صحيح مسلم: مسلم النيسابوري/ طبعة محمّد بن علي صبيح/ القاهرة/ بلا تاريخ.
الصواعق المحرقة: ابن حجر الهيتمي/ ١٣١٢هـ/ القاهرة.
الطبقات الكبرى: ابن سعد/ ١٣٢٢هـ/ ليدن.
عقيدة الشيعة: دونالدسن/ الترجمة العربية/ ١٣٦٥هـ/ القاهرة.
عمدة الزائر: السيّد حيدر الحسني/ ١٣٩٩هـ/ بيروت.
عمدة الطالب: الداودي النسّابة/ ١٣٥٨هـ/ النجف.
عيون أخبار الرضا: الشيخ الصدوق/ ١٣١٨هـ/ إيران.
الغدير: الشيخ عبد الحسين الأميني/ ١٣٦٥هـ/ النجف.
الغيبة: الشيخ الطوسي/ ١٤١٧هـ/ قم.
الفصل: ابن حزم/ ١٣٩٥هـ/ بيروت.
الفصول العشرة: الشيخ المفيد/ ١٣٧٠هـ/ النجف.
الفصول المهمّة: ابن الصبّاغ المالكي/ ١٣٧٠هـ و١٩٥٠م/ النجف.
الكافي: الشيخ الكليني/ ١٣٧٥هـ/ طهران.
كشف الغمّة: علي بن عيسى الإربلي/ ١٣٨٥هـ/ النجف.
كمال الدين وتمام النعمة: الشيخ الصدوق/ ١٣٠١هـ/ إيران.
لسان الميزان: ابن حجر/ ١٣٢٩هـ/ الهند.
متاهات في مدينة الضباب: جمع وإعداد لجنة هجر الثقافية/ ١٤٢١هـ/ بيروت.
مجلَّة التربية الإسلاميّة/ ١٣٩٢هـ/ بغداد.
مجلَّة الجامعة الإسلاميّة/ السنة الأولى/ ١٣٨٩هـ/ المدينة.
مجلَّة المقتطف/ السنة التاسعة والخمسون/ القاهرة.
مجلَّة تراثنا/ ١٤١٦هـ/ بيروت.
مجمع الرجال: عناية الله القهبائي/ ١٣٨٤هـ/ طهران.
مجمع الزوائد: ابن حجر/ ١٣٦٧هـ/ بيروت.
المحلّى: ابن حزم/ ١٣٦٧هـ/ بيروت.
المستدرك على الصحيحين: الحاكم النيسابوري/ ١٤٢٢هـ/ بيروت.
مسند أحمد: أحمد بن حنبل/ ١٣١٣هـ/ القاهرة؛ و١٣٨٩هـ/ بيروت.
مطالب السؤول: ابن طلحة الشافعي/ ١٣٧١هـ/ النجف.
المعجم الكبير: الطبراني/ ١٣٩٨هـ/ بغداد.
معجم رجال الحديث: السيّد الخوئي/ ١٣٩٣هـ و١٩٧٥م/ النجف.
مناقب آل أبي طالب: ابن شهر آشوب السروي/ ١٣١٧هـ/ طهران.
منهاج السُنّة النبوية: ابن تيمية/ ١٣٢١هـ/ القاهرة.
المهدوية في الإسلام: سعد محمّد حسن/ ١٣٧٣هـ/ القاهرة.
المهدي المنتظر: الدكتور عداب محمود الحمش/ ١٤٢٢هـ/ عمّان.
المهدي والمهدوية: الدكتور أحمد أمين/ ١٩٥١م/ القاهرة.
المهدي: السيّد صدر الدين الصدر/ ١٣٥٨هـ/ طهران.
نهاية الأرب: النويري/ القاهرة/ طبعة مصوَّرة.
نور الأبصار: الشبلنجي/ ١٣٥٦هـ/ القاهرة.
الوافي بالوفيات: الصفدي/ طهران/ طبعة مصوَّرة.
وعّاظ السلاطين: الدكتور علي الوردي/ ١٩٥٤م/ بغداد.
وفيات الأعيان: ابن خلّكان/ ١٣٦٧هـ و١٩٤٨م/ القاهرة.
ينابيع المودَّة: القندوزي الحنفي/ ١٣٠٢هـ/ استانبول.

* * *


 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) يراجع كتابنا (الإمامة)/ بيروت/ ١٣٩٢هـ - ١٩٧٢م.
(٢) يراجع كتابنا في (الإمامة).
(٣) هذا نصّ حديث نبوي شريف أخرجه ابن حجر الهيتمي في صواعقه المحرقة: ٩٩.
(٤) المهدي والمهدوية للدكتور أحمد أمين: ١١٠.
(٥) مجلَّة الجامعة الإسلاميّة/ العدد ٣/ ص ١٦١ و١٦٢.
(٦) أدب الشيعة: ١٠١؛ ويؤكّد الدكتور عبد الحليم النجّار في مقدّمته لكتاب المهديّة في الإسلام: أنَّ علماء الحديث يرون أنَّ فكرة المهدي بلغت مبلغ التواتر المعنوي.
(٧) أدب الشيعة: ١٦.
(٨) وعّاظ السلاطين للدكتور علي الوردي.
(٩) مجلَّة التربية الإسلاميّة/ السنة ١٤/ العدد ٧/ ص ٣٠ و٣١.
(١٠) روى عنه ابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة: ٢٧٥.
(١١) روى عنه الحافظ الكنجي الشافعي كثيراً في كتابه (البيان).
(١٢) توجد منه نسخة مصوَّرة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة.
(١٣) وردت نصوص منه في إسعاف الراغبين: ١٣٩. وتوجد نسخ مخطوطة منه في حلب واستانبول. ولديَّ نسخة مصوَّرة عن الأصل المقروء على المؤلّف والمحفوظ في حلب.
(١٤) توجد منه نسخة خطّية في استانبول.
(١٥) ذكره مؤلّفه في كتاب (الأئمّة الاثنى عشر): ١١٨.
(١٦) من الكتابين نسخ مخطوطة في استانبول، ولديَّ نسخة مصوَّرة من (البرهان) عن الأصل المحفوظ بمكتبة الحرم المكّي.
(١٧) من الأوّل نسخة مخطوطة في الهند، ومن الثاني باستانبول.
(١٨) توجد منه نسخة خطّية باستانبول.
(١٩) مجلَّة الجامعة الإسلاميّة/ العدد ٣/ ص ١٣١.
(٢٠) الغدير ٢: ١٨٤/ ط النجف (١٣٦٥هـ).
(٢١) الغدير ٢: ٢٢٣.
(٢٢) ديوان دعبل: ٤٢.
(٢٣) ديوان مهيار ١: ٣٠٠.
(٢٤) الغدير ٤: ٢٧٩.
(٢٥) مطالب السؤول ٢: ٧٩.
(٢٦) شرح القصائد السبع العلويات: ٧٠.
(٢٧) الأئمّة الاثنى عشر: ١١٨.
(٢٨) ديوان عبد الله بن علوي المسمّى (الدرّ المنظوم): ١٨ و١٤٦.
(٢٩) الصواعق المحرقة: ٩٩؛ ويراجع المهدي والمهدوية: ١١٠.
(٣٠) يراجع: كتاب المهدي: ٩.
(٣١) الصواعق المحرقة: ٩٩؛ وإسعاف الراغبين: ٢٤٣؛ والحاوي ٢: ١٢٤.
(٣٢) سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٨؛ ويراجع: الفصول المهمّة: ٢٧٦؛ وينابيع المودَّة: ٤٣٥؛ والحاوي ٢: ١٢٤.
(٣٣) تذكرة الخواص: ٣٧٧؛ ويراجع: سنن أبي داود ٢: ٤٢٢؛ والصواعق المحرقة: ٩٨؛ ونور الأبصار: ١٥٦ و١٥٧؛ والحاوي ٢: ١٢٩ و١٣٧.
(٣٤) سنن أبي داود ٢: ٤٢٢؛ والصواعق المحرقة: ٩٧؛ وإسعاف الراغبين: ١٣١؛ والحاوي ٢: ١٢٤.
(٣٥) سنن أبي داود ٢: ٤٢٢؛ والصواعق المحرقة: ٩٧؛ ونور الأبصار: ١٥٧؛ والحاوي ٢: ١٢٤ - ١٢٦؛ وفي مسند أحمد بن حنبل ١: ٣٧٦ و٣٧٧ و٤٣٠ و٤٤٨: (لا تذهب الدنيا أو لا تنقضي الدنيا حتَّى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي)، ومثله في سنن الترمذي ٤: ٥٠٥؛ وتذكرة الحفّاظ ٢: ٤٨٨؛ ويراجع: سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٦.
(٣٦) ينابيع المودَّة: ٤٤٨؛ والحاوي ٢: ١٣٠.
(٣٧) سنن أبي داود ٢: ٤٢٢؛ والبيان: ٦٤؛ والصواعق المحرقة: ٩٧؛ وإسعاف الراغبين: ١٣١؛ وسنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٨؛ والحاوي ٢: ١٢٤ و١٣٧.
(٣٨) ينابيع المودَّة: ٤٤٥؛ وفي البيان: ٨٢ من جملة حديث نبوي طويل: ثمّ ضرب على منكب الحسين فقال: (من هذا مهدي الأمّة).
(٣٩) ينابيع المودَّة: ٤٤٥.
(٤٠) ينابيع المودَّة: ٤٤١.
(٤١) ينابيع المودَّة: ٤٤١ - ٤٤٥.
(٤٢) ينابيع المودَّة: ٤٤٣؛ وإسعاف الراغبين: ١٣٩ و١٤٠.
(٤٣) يراجع في هذه القائمة - بالإضافة إلى المصادر المذكورة في الهوامش السابقة - بحث الشيخ عبد المحسن العباد في مجلَّة الجامعة الإسلاميّة/ العدد ٣/ ص ١٢٨، وهو بعنوان (عقيدة أهل السُنّة والأثر في المهدي المنتظر).
(٤٤) مجلَّة الجامعة الإسلاميّة/ العدد ٣/ ص ١٢٩.
(٤٥) الإرشاد: ٣٧٢؛ وينابيع المودَّة: ٤٥١ و٤٥٢.
(٤٦) صحيح الترمذي ٢: ٢٧٠؛ والصواعق المحرقة: ٩٧.
(٤٧) تذكرة الخواص: ٣٧٧؛ ومطالب السؤول ٢: ٧٩؛ والصواعق المحرقة: ١٢٤؛ ونور الأبصار: ١٥٤.
(٤٨) الفصول العشرة للشيخ المفيد: ١٣ و١٤.
(٤٩) الفصول العشر للشيخ المفيد: ١٤.
(٥٠) الإرشاد: ٣٧٢.
(٥١) المصدر السابق.
(٥٢) مطالب السؤول ٢: ٧٩.
(٥٣) تذكرة الخواصّ: ٣٧٧.
(٥٤) البيان: ١٠٢ - ١١٢.
(٥٥) وفيات الأعيان ٣: ٣١٦.
(٥٦) الوافي بالوفيات ٢: ٣٣٦.
(٥٧) الصواعق المحرقة: ١٢٤.
(٥٨) الفصول المهمّة: ٢٧٤.
(٥٩) الأئمّة الاثنى عشر: ١١٧.
(٦٠) تحفة الطالب: ١٧/أ (مخطوط بمكتبة الحرم المكّي تحت رقم ٣٣/ تاريخ/ دهلوي).
(٦١) إسعاف الراغبين: ١٤٠.
(٦٢) ينابيع المودَّة: ٤٥٠ و٤٥١.
(٦٣) سبائك الذهب: ٧٨.
(٦٤) نور الأبصار: ١٥٤.
(٦٥) من الغريب جدّاً في هذا المقام ما يرويه الدكتور أحمد أمين في كتابه (المهدي والمهدوية: ١٠٨) من: (أنَّ مذهب ابن خلدون قبول الخبر الواحد إذا أيَّده حكم العقل، ورفض الأحاديث الكثيرة إذا لم يؤيّدها العقل)، وأنَّه إنَّما أنكر المهدي والمهدوية لأنَّ ذلك مخالف لحكم عقله!
(٦٦) يراجع: كتاب البيان للحافظ الكنجي الشافعي: ١٠٢ - ١١٣؛ وأخرج الشيخ القندوزي الحنفي في ينابيع المودَّة: ٤٤٨ عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَّ علياً وصيّي، ومن ولده القائم المنتظر المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، والذي بعثني بالحقّ بشيراً ونذيراً إنَّ الثابتين على القول بإمامته في زمان غيبته لأعزّ من الكبريت الأحمر). فقام إليه جابر بن عبد الله فقال: يا رسول الله، وللقائم من ولدك غيبة؟ قال: (إي وربّي، ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين)، ثمّ قال: (يا جابر إنَّ هذا أمر من أمر الله وسرّ من سرّ الله، فإيّاك والشكّ فإنَّ الشكّ في أمر الله عز وجل كفر).
(٦٧) ينابيع المودَّة: ٤٨٨.
(٦٨) ينابيع المودَّة: ٤٩٥.
(٦٩) الحاوي ٢: ١٥٢.
(٧٠) ينسب الدكتور أحمد أمين إلى الشيعة أنَّهم يعتقدون في المهدي (أنَّه وهو في استتاره يحرّك أتباعه ليزيلوا المظالم)، وأنَّه (يعيش في الخفاء ويوحي من وراء ستار بالأوامر والنواهي). (المهدي والمهدوية: ١٠٩ و١١٩). وكلّ كتب الشيعة تصرّح بأنَّ المهدي غائب لا يتَّصل به أحد، فأين الصدق في القول؟ وأين الأمانة في النقل؟
(٧١) ومع كلّ هذه النصوص القرآنية الصريحة فإنَّ الدكتور أحمد أمين يرى أنَّه لا يمكن للإنسان أن (يختفي ويبقى مختفياً مئات السنين من غير أن يجري الله عليه حكم الموت)، واعتبر أنَّ ذلك لا يجوز (إلاَّ على السُذَّج الذين فقدوا عقولهم). (المهدي والمهدوية: ٩٦). فهل يرى الدكتور في التصديق بعدم إجراء حكم الموت على نوح ويونس والحوت وأهل الكهف دليلاً على فقدان العقل؟
(٧٢) مجلَّة المقتطف/ السنة التاسعة والخمسون/ الجزء ٣.
(٧٣) التعبير بالاستحالة غير صحيح، والصواب أنَّه لم يعد يبدو بعيداً.
(٧٤) جريدة الأنباء الجديدة البغدادية/ العدد ٤٠/ السنة الأولى/ (٢٧/ آذار/ ١٩٦٥م).
(٧٥) برنارد شو لعبّاس محمود العقّاد/ سلسلة اقرأ/ العدد ٨٩/ ص ١٢٤ و١٢٥.
(٧٦) المصدر السابق.
(٧٧) مجلَّة الجامعة الإسلاميّة/ المدينة المنوَّرة/ العدد الثالثة/ السنة الأولى/ ١٣٨٩هـ/ الصفحات: ١٢٦ - ١٦٤.
(٧٨) ورد النصّ على ولادته عند الفجر في: إعلام الورى ٢: ٢١٥؛ وعلى الولادة ليلاً في: الإرشاد: ٣٧٢؛ وكشف الغمّة ٣: ٢٤٣؛ وبحار الأنوار ٥١: ٢٨؛ وينابيع المودَّة: ٣٨٦.
(٧٩) ورد النصّ على الخامس عشر من شعبان في: الكافي ١: ٥١٤؛ وكمال الدين: ٢٤٠؛ والإرشاد: ٣٧٢؛ وإعلام الورى ٢: ٢١٤؛ ووفيات الأعيان ٣: ٣١٦؛ وكشف الغمّة ٣: ٢٤٣؛ والوافي بالوفيات ٢: ٣٣٦؛ والأئمّة الاثنا عشر: ١١٧؛ وبحار الأنوار ٥١: ٢ و٤ و٢٨؛ ومجمع الرجال ٧: ١٨٩؛ وإسعاف الراغبين: ١٣٩؛ وجواهر الكلام ٢٠: ١٠٠؛ وينابيع المودَّة: ٣٨٦.
وقيل: ثامن شعبان كما في: وفيات الأعيان ٣: ٣١٦؛ والوافي بالوفيات ٢: ٣٣٦؛ والأئمّة الاثنا عشر: ١١٧؛ وبحار الأنوار ٥١: ١٥ و٣٦٠؛ ومجمع الرجال ٧: ١٨٩؛ وعمدة الزائر: ٣٣٤.
وقيل: في شهر رمضان، بحار الأنوار ٥١: ١٦؛ أو في غرَّته بالتحديد، عمدة الزائر: ٣٣٤؛ أو في الثالث والعشرين منه، كشف الغمّة ٣: ٢٣٤.
وقيل: تاسع ربيع الآخر كما هو مروي في وفيات الأعيان أيضاً، والوافي بالوفيات، والأئمّة الاثنا عشر.
(٨٠) ورد النصّ على يوم الجمعة في: كمال الدين: ٢٤١، ووفيات الأعيان، والأئمّة الاثنا عشر، وبحار الأنوار، ومجمع الرجال، وجواهر الكلام، وعمدة الزائر.
(٨١) الكافي ١: ٥١٤؛ وإثبات الوصية: ٢١٩؛ وكمال الدين: ٢٤٠؛ والإرشاد: ٣٧٢؛ وإعلام الورى ٢: ٢١٤؛ ووفيات الأعيان ٣: ٣١٦؛ وكشف الغمّة ٣: ٣٤٣؛ والوافي بالوفيات ٢: ٣٣٦؛ والفصول المهمّة: ٢٧٤؛ والأئمّة الاثنا عشر: ١١٧؛ والصواعق المحرقة: ١٠٠؛ وبحار الأنوار ٥١: ٢ و٤ و٢٨؛ ومجمع الرجال ٧: ١٨٩؛ وإسعاف الراغبين: ١٣٩؛ وجواهر الكلام ٢: ١٠٠؛ وينابيع المودَّة: ٣٨٦؛ وعمدة الزائر: ٣٣٤.
وقيل: سنة (٢٥٤هـ)، بحار الأنوار ٥١: ١٦.
وقيل: سنة (٢٥٦هـ)، الكافي ١: ٥١٤؛ وكمال الدين: ٢٤١؛ والغيبة للطوسي: ٤١٩؛ ووفيات الأعيان ٣: ٣١٦؛ وتاريخ الإسلام: ١١٣؛ والوافي بالوفيات ٢: ٣٣٦؛ والأئمّة الاثنا عشر: ١١٧؛ وبحار الأنوار ٥١: ١٥ و٢٢ و٣٦٠، و٥٢: ١٦؛ ومجمع الرجال ٧: ١٨٩؛ وعمدة الزائر: ٣٣٤.
وقيل: سنة (٢٥٨هـ)، وفيات الأعيان ٣: ٣١٦؛ ومطالب السؤول ٢: ٧٩؛ وكشف الغمّة ٣: ٢٣٤؛ وتاريخ الإسلام: ١١٣؛ والوافي بالوفيات ٢: ٣٣٦؛ والأئمّة الاثنا عشر: ١١٧.
(٨٢) ورد النصّ على الاسم والكنية في جميع المصادر المعنيّة بسير الأئمّة وتواريخهم، ومنها: الإرشاد: ٣٧٢؛ والخرائج والجرائح ٢: ٩٠٣؛ ووفيات الأعيان ٣: ٣١٦؛ ومطالب السؤول ٢: ٨٠؛ وتذكرة الخواصّ: ٣٧٧؛ والفصول المهمّة: ٢٧٤؛ والأئمّة الاثنا عشر: ١١٧؛ والصواعق المحرقة: ١٢٤؛ ونور الأبصار: ١٥٤؛ وينابيع المودَّة: ٣٦٦.
(٨٣) إثبات الوصية: ٢١٦.
(٨٤) الكافي ١: ٣٣١؛ وإثبات الوصية: ٢١٦ و٢١٧؛ وكمال الدين: ٢٣٦ و٢٣٧؛ والغيبة للطوسي: ٢٣٤ - ٢٣٦؛ والإرشاد: ٣٧٦؛ وإعلام الورى ٢: ٢١٤ و٢١٥؛ والخرائج والجرائح ١: ٤٥٥؛ وكشف الغمّة ٣: ٢٤٧ و٣٠١؛ وبحار الأنوار ٥١: ٢ و١٢ - ١٤، و١٦ - ١٩، و٢٥ و٢٦؛ وينابيع المودَّة: ٣٨٧.
(٨٥) إثبات الوصية: ٢١٨.
(٨٦) إعلام الورى ٢: ٢١٦؛ وبحار الأنوار ٥١: ١٨.
(٨٧) ينابيع المودَّة: ٣٨٧.
(٨٨) إثبات الوصية: ٢١٩.
(٨٩) كمال الدين: ٢٤٠؛ وبحار الأنوار ٥١: ٥ و٢٢ و٢٨.
(٩٠) الإرشاد: ٣٧١؛ وإعلام الورى ٢: ١٥١؛ والمناقب ٢: ٤٥٧؛ وكشف الغمّة ٣: ٢١١؛ والفصول المهمّة: ٢٧٢.
(٩١) يراجع في الأخبار المأثورة في ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام وخصوصاً ما ورد فيها من كونه الذي (يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً): سنن أبي داود ٢: ٤٢٢؛ وتذكرة الخواصّ: ٣٧٧؛ والبيان: ٥٦ و٦٩؛ والصواعق المحرقة: ٩٧ - ٩٩؛ والحاوي ٢: ١٢٤ - ١٢٦ و١٣٠؛ ومصادر أخرى سوف يرد ذكرها في خلال البحث.
(٩٢) يراجع في إخبار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بما هو كائن من الأمور إلى قيام الساعة: صحيح البخاري ٤: ١٢٩؛ وسنن أبي داود ٢: ٤١٠؛ وسنن الترمذي ٤: ٤٨٣ و٤٨٤؛ ومسند أحمد ٤: ٢٥٤، و٥: ٣٨٥ و٣٨٩ و٤٠١؛ والمستدرك على الصحيحين: ١٦١٧ و١٦٢٨.
(٩٣) المشهور في اسمها أنَّها نرجس، وقيل: صقيل، وقيل: حكيمة، وقيل: سوسن، وقيل: خمط، وقيل: ريحانة، وقيل: مريم بنت زيد. يراجع في ذلك كلّه: الإرشاد: ٣٧٢؛ وجمهرة أنساب العرب: ٦١؛ والفصل ٤: ١٨١؛ ومطالب السؤول ٢: ٨٠؛ وتذكرة الخواصّ: ٣٧٧؛ ووفيات الأعيان ٣: ٣١٦؛ وكشف الغمّة ٣: ٢٣٤ و٢٤٣ و٢٧٥؛ والفصول المهمّة: ٢٧٤؛ وعمدة الطالب: ١٨٨؛ والأئمّة الاثنا عشر: ١١٧؛ وبحار الأنوار ٥١: ١٢ و١٥ و١٦ و١٧ و٢٢ و٢٤ و٢٨ و٣٦٠، و٥٢: ١٦؛ ومجمع الرجال ٧: ١٨٩؛ ونور الأبصار: ١٥٤؛ وجواهر الكلام ٢٠: ١٠٠؛ وعمدة الزائر: ٣٣٤؛ وينابيع المودَّة: ٣٨٦؛ وتحفة العالم ٢: ٧٤؛ وعقيدة الشيعة: ٢٢٧ و٢٢٨.
(٩٤) إعلام الورى ٢: ١٥١؛ والمناقب: ٤٥٧.
(٩٥) جريدة الملتقى الدولي/ العدد ذو الرقم (٤٨٠)/ السنة التاسعة/ الصادر في يوم الخميس (٢١/ نوفمبر/ ٢٠٠٢م).
(٩٦) متاهات في مدينة الضباب ١: ٧٣.
(٩٧) متاهات في مدينة الضباب ٢: ٧٥ و٨٢ .
(٩٨) المهدي المنتظر: ١٤٩.
(٩٩) المهدي المنتظر: ١٩٦.
(١٠٠) المهدي المنتظر: ٤١٣.
(١٠١) المهدي المنتظر: ٤٢٣.
(١٠٢) مجلَّة تراثنا الصادرة في بيروت/ العدد: ٤٣ و٤٤/ السنة ١١/ ص ٧٤.
(١٠٣) كمال الدين: ٢١٦؛ وكشف الغمّة ٣: ٣٣٣.
(١٠٤) الغيبة للطوسي: ٢٤٦ و٢٤٧؛ والخرائج والجرائح ١: ٤٥٨ و٤٥٩.
(١٠٥) كمال الدين: ٢٤١ و٢٤٢؛ وبحار الأنوار ٥٢: ٢٦؛ وينابيع المودَّة: ٤٦٠.
(١٠٦) الغيبة للطوسي: ٢٣٠؛ وبحار الأنوار ٥١: ١٦ و١٧.
(١٠٧) كمال الدين: ٢٤٢؛ وبحار الأنوار ٥١: ١٦.
(١٠٨) إثبات الوصية: ٢٢٨ و٢٢٩.
(١٠٩) الكافي ١: ٣٣٠-٣٣٢، و٥١٤ و٥١٥؛ وإثبات الوصية:٢٢٠؛ والغيبة للطوسي:٢٦٩؛ وإعلام الورى٢: ٢٤٨ و٢٥٢؛ والخرائج والجرائح٢: ٩٥٧ و٩٥٨، و٣: ١١١١ و١١١٢؛ وكشف الغمّة ٣: ٣٠٢ و٣٠٣.
(١١٠) بحار الأنوار ٥٢: ٢٤.
(١١١) كشف الغمّة ٣: ٣٤١؛ وبحار الأنوار ٥٢: ١٤ و٢٥ و٢٦.
(١١٢) الغيبة للطوسي: ٢٦٨؛ وينابيع المودَّة: ٤٦١.
(١١٣) ولد في الثاني من ربيع الأوّل أو الثامن أو العاشر أو الثاني عشر أو السابع عشر أو لثمان بقين منه، أو في شهر رمضان.
يراجع: سيرة ابن هشام ١: ١٦٧؛ وتاريخ اليعقوبي ٢: ٤؛ وطبقات ابن سعد ١: ق ١/ ٦٢؛ وأنساب الأشراف ١: ٩٢؛ وتاريخ الطبري ٢: ١٥٦؛ والكافي ١: ٤٣٩؛ والاستيعاب ١: ١٣؛ والتهذيب للطوسي ٦: ٢؛ والمناقب ١: ١١٨؛ والبداية والنهاية ٢: ٢٦٠.
(١١٤) بُعَث لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، أو لسبع وعشرين من رجب، أو لثمان من ربيع الأوّل، أو غير ذلك.
يراجع في هذه الأقوال: سيرة ابن هشام ١: ٢٤٩؛ وتاريخ اليعقوبي ٢: ١٥؛ وتاريخ الطبري ٢: ٢٩٤؛ والاستيعاب ١: ١٣؛ والتهذيب للطوسي ٦: ٢؛ والمناقب ١: ١١٩؛ ونهاية الأرب ١٦: ١٦٩.
(١١٥) توفّي لليلتين بقيتا من صفر، أو في أوّل يوم من شهر ربيع الأوّل، أو لليلتين خلتا منه، أو لعشر خلون منه، أو لاثنتي عشرة ليلة خلت منه.
يراجع في ذلك: تاريخ اليعقوبي ٢: ٩٣؛ وطبقات ابن سعد ٢: ق ٢/ ٥٧ و٥٨؛ وتاريخ الطبري ٣: ٢٠٠؛ ودلائل النبوة ٧: ٢٠١ و٢٣٤ و٢٣٥؛ والاستيعاب ١: ١٣ و٢٠؛ والتهذيب للطوسي ٦: ٢؛ والمناقب ١: ١٢٢؛ وشرح نهج البلاغة ١٣: ٣٥؛ والبداية والنهاية ٥: ٢٥٥ و٢٥٦.
(١١٦) الغيبة للطوسي: ١٠٧ و١٠٨؛ ويراجع في ذلك أيضاً كتاب الفصول العشرة للشيخ المفيد: ١٣ و١٤.
(١١٧) كشف الغمّة ٣: ٣٤٥.
(١١٨) الخرائج والجرائح ١: ٤٦٠.
(١١٩) الكافي ١: ٥٠٥.
(١٢٠) الخرائج والجرائح ٣: ١١٠٣ و١١٠٤.
(١٢١) توفّيت حكيمة ابنة محمّد بن علي الرضا عليه السلام في سنة (٢٧٤هـ)، ودفنت ممَّا يلي رجلي الإمامين العسكريين، وقبرها في الروضة العسكرية معروف يزوره الزائرون.
(١٢٢) الفصل ٤: ١٨١.
(١٢٣) يراجع في التفاصيل على سبيل المثال: كتاب المحلّى ١٠: ٢٦٧ - ٢٧٠.
(١٢٤) الغيبة للطوسي: ٨١ .
(١٢٥) توفّي جعفر هذا في سنة (٢٧١هـ) وهو ابن خمس وأربعين سنة، ودفن في دار أبيه.
(١٢٦) الإرشاد: ٣٧١ و٣٧٢.
(١٢٧) إعلام الورى ٢: ١٥١ و١٥٢.
(١٢٨) الفصول المهمّة: ٢٧٢.
(١٢٩) الكافي١: ٥٠٦؛ والإرشاد: ٣٦٦؛ وإعلام الورى٢: ١٥٠؛ والمناقب ٢: ٤٥٧؛ وكشف الغمّة ٣: ٢٠٥.
(١٣٠) بحار الأنوار ٥١: ٢٠٢ و٢٠٢؛ والغيبة للطوسي: ١٠٦ و١٠٧.
(١٣١) تاريخ الطبري ١: ٥٠٦.
(١٣٢) الغيبة للطوسي: ١٠٥ و١٠٦.
(١٣٣) إعلام الورى ٢: ٢٥٧.
(١٣٤) كمال الدين: ٢٦٢؛ والخرائج والجرائح ٣: ١١٠١ - ١١٠٣.
(١٣٥) أصول الكافي ١: ٣٢٨.
(١٣٦) كمال الدين: ٢٢٨.
(١٣٧) المصدر السابق.
(١٣٨) كمال الدين: ٢٤٢؛ والغيبة للطوسي: ٢٣٠ و٢٥١.
(١٣٩) يراجع في مصادر ذلك: الكافي ١: ٣٢٨ و٣٢٩؛ وإثبات الوصية: ٢٠٥ و٢١٥ و٢١٦؛ وكمال الدين وتمام النعمة في كثير من صفحات الكتاب؛ والإرشاد: ٣٧٥ و٣٧٦؛ والغيبة للطوسي في كثير من فصول الكتاب وأبوابه؛ وإعلام الورى ٢: ٢٨ - ٢٥٣؛ وكشف الغمّة ٣: ٢٤٣ و٢٤٦ و٣٣٤ - ٣٣٦؛ والفصول المهمّة: ٢٧٤؛ وبحار الأنوار ٥١: ١٦٠ و١٦١؛ وينابيع المودَّة: ٤٦٠ - ٤٦٢.
(١٤٠) الغيبة للطوسي: ١٠٨ و١٠٩.
(١٤١) كتابه: ٧١ و٧٦.
(١٤٢) إعلام الورى ٢: ٢٥٧ و٢٥٨؛ وكشف الغمّة ٣: ٣٣٦ و٣٣٧.
(١٤٣) يراجع في هذه النصوص: كمال الدين: ١٤٩ - ٢١٧.
(١٤٤) عيون أخبار الرضا: ٣٧٠؛ وكمال الدين: ٢١٠ و٢١١.
(١٤٥) الغيبة للطوسي: ١٧٣ و١٧٤.
(١٤٦) الإرشاد: ٣٧٢.
(١٤٧) كمال الدين: ٢٧.
(١٤٨) الفصل ٤: ٨٩ .
(١٤٩) الصواعق المحرقة: ٦.
(١٥٠) راجع: صحيح البخاري ٩: ١٠١؛ وصحيح مسلم ٦: ٣ و٤؛ وسنن أبي داود ٢: ٤٢١؛ وسنن الترمذي ٤: ٥٠١؛ ومسند أحمد بن حنبل ٣: ١٢٩ و١٨٣، و٤: ٤٢١، و٥: ٨٦ - ٩٠ و٩٢ و١٠٦؛ والمعجم الكبير للطبراني ٢: ٢١٤ - ٢١٦ و٢١٨ و٢٤٨ و٢٥١ و٢٧٧ و٢٨٣ و٢٨٥.
(١٥١) مسند أحمد بن حنبل ٣: ١٢٩ و١٨٣.
(١٥٢) المعجم الكبير للطبراني ٢: ٢١٤.
(١٥٣) المعجم الكبير للطبراني ٢: ٢٨٦.
(١٥٤) ينابيع المودَّة: ٤٤٦.
(١٥٥) كتاب الكاتب المذكور: ١١٠ و١١١.
(١٥٦) كتاب الكاتب المذكور: ١٨٧.
(١٥٧) المهدي المنتظر: ٢٨٠.
(١٥٨) المهدي المنتظر: ٢٨٣.
(١٥٩) الصواعق المحرقة: ٩٩؛ والحاوي ٢: ١٢٤؛ وإسعاف الراغبين: ٢٤٣.
(١٦٠) سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٨؛ والفصول المهمّة: ٢٧٦؛ والحاوي ٢: ١٢٤؛ وينابيع المودَّة: ٤٣٥.
(١٦١) سنن أبي داود ٢: ٤٢٢؛ والصواعق المحرقة: ٩٧؛ والحاوي ٢: ١٢٤؛ وإسعاف الراغبين: ١٣١.
(١٦٢) سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٧.
(١٦٣) سنن أبي داود ٢: ٤٢٢؛ والصواعق المحرقة: ٩٧؛ والفصول المهمّة: ٢٧٣؛ والحاوي ٢: ١٢٥؛ ونور الأبصار: ١٥٧.
(١٦٤) سنن الترمذي ٤: ٥٠٥؛ ومسند أحمد بن حنبل ١: ٣٧٦ و٣٧٧ و٤٣٠ و٤٤٨؛ وتذكرة الحفّاظ ٢: ٤٨٨؛ والحاوي ٢: ١٢٥.
(١٦٥) مسند أحمد بن حنبل ٣: ٣٦.
(١٦٦) نور الأبصار: ١٥٧.
(١٦٧) ينابيع المودَّة: ٤٤٨.
(١٦٨) الحاوي ٢: ١٣٠.
(١٦٩) سنن أبي داود ٢: ٤٢٢؛ وسنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٨؛ والمستدرك على الصحيحين: ١٦٦١؛ والبيان: ٦٤؛ وسير أعلام النبلاء ١١: ٤١٧؛ والفصول المهمّة: ٢٧١؛ والصواعق المحرقة: ٩٧؛ والحاوي ٢: ١٢٤ و١٣٧.
وممَّا ينبغي ذكره تعقيباً على هذا الحديث أنَّ الحافظ الهيتمي في صواعقه والشيخ الصبّان في الإسعاف قد نصّا على وروده في صحيح مسلم ولكنّي لم أجده في طبعة محمّد علي صبيح القاهرية.
(١٧٠) الروض الأنف ١: ٢٨٠.
(١٧١) البيان: ٨٢ .
(١٧٢) ينابيع المودَّة: ٤٤٥.
(١٧٣) سنن أبي داود.
(١٧٤) ينابيع المودَّة: ٤٤٥.
(١٧٥) ينابيع المودَّة: ٤٤١.
(١٧٦) إسعاف الراغبين: ١٣٩ و١٤٠؛ وينابيع المودَّة: ٤٤٣.
(١٧٧) الحاوي ٢: ١٢٥.
(١٧٨) سنن الترمذي ٤: ٥٠٥.
(١٧٩) البيان: ٦٠ - ٦٢.
(١٨٠) البيان: ٦٢.
(١٨١) الحاوي ٢: ١٦٥.
(١٨٢) إسعاف الراغبين: ١٣٧.
(١٨٣) سنن ابن ماجة.
(١٨٤) الصواعق المحرقة: ٩٨.
(١٨٥) منهاج السُنّة ٤: ٢١١.
(١٨٦) البيان: ٨٧ .
(١٨٧) الحاوي ٢: ١٦٥.
(١٨٨) البيان: ٦٥.
(١٨٩) مطالب السؤول ٢: ٨١ - ٨٥ .
(١٩٠) يراجع في تفاصيل نصوص هؤلاء المحدّثين وأسماء من لم نذكر منهم - وهم غير قليل -، بحث السيّد ثامر العميدي المنشور في مجلَّة (تراثنا) البيروتية/ العدد ٤٣ و٤٤/ السنة ١١/ ص ١٧ - ٢٦/ ١٤١٦هـ؛ ومجلَّة الجامعة الإسلاميّة الصادرة في المدينة المنوَّرة/ العدد الثالث/ السنة الأولى.
(١٩١) الغدير ٢: ١٨٤/ ط النجف/ ١٣٦٥هـ .
(١٩٢) الغدير ٢: ٢٢٣.
(١٩٣) ديوان دعبل: ٤٢.
(١٩٤) ديوان مهيار ١: ٣٠٠.
(١٩٥) الغدير ٤: ٢٧٩.
(١٩٦) مطالب السؤول ٢: ٧٩.
(١٩٧) شرح القصائد السبع العلويات: ٧٠.
(١٩٨) الأئمّة الاثنا عشر: ١١٨.
(١٩٩) ديوان عبد الله بن علوي المسمّى (الدرّ المنظوم): ١٨ و١٤٦.
(٢٠٠) من الغريب جدّاً في هذا المقام ما يرويه الدكتور أحمد أمين في كتابه المهدي والمهدوية: ١٠٨ من (أنَّ مذهب ابن خلدون قبول الخبر الواحد إذا أيَّده حكم العقل ورفض الأحاديث الكثيرة إذا لم يؤيّدها العقل)، وأنَّه إنَّما أنكر المهدي والمهدوية لأنَّ الأحاديث المعنيّة بذلك مخالفة لحكم عقله!
(٢٠١) يراجع في هذه النصوص كتاب البيان للحافظ الكنجي الشافعي: ١٠٢ - ١١٣.
(٢٠٢) ينابيع المودَّة: ٤٨٨.
(٢٠٣) ينابيع المودَّة: ٤٩٥.
(٢٠٤) الحاوي ٢: ١٥٢.
(٢٠٥) ينابيع المودَّة: ٤٤٨.
(٢٠٦) يراجع في هذا الحديث: صحيح مسلم ٦: ٢٢؛ ومسند أحمد ٣: ٤٤٦، و٤: ٩٦؛ والكافي ١: ٣٧٦؛ والمعجم الكبير للطبراني ١٩: ٣٨٨؛ ومجمع الزوائد ٥: ٢١٨ و٢٢٤ و٢٢٥.
(٢٠٧) يراجع في مكاتبات الإمام المهدي عليه السلام وتوقيعاته وأجوبته على ما يرده من أسئلة شيعته في الفقه خاصّة: كتب الحديث الأربعة المعروفة عند الشيعة الإمامية، وفي مكاتباته وتوقيعاته الأخرى غير الفقهية الكتب الآتية: الكافي ١: ٥١٩ و٥٢٠ و٥٢٢ و٥٢٤؛ الإرشاد: ٣٧٨ و٣٨٣؛ إعلام الورى ٢: ٢٦٢ و٢٧٥؛ الاحتجاج ٢: ٥٣٦ و٥٤٦ و٥٤٩ و٥٥٠ و٥٥٨ - ٥٦٠ و٥٦٣ و٥٩٠ و٥٩٧ - ٦٠٣؛ الخرائج والجرائح ٣: ١١١٣ - ١١١٥؛ كشف الغمّة ٣: ٢٤٩ - ٢٥١ و٢٥٣ و٢٥٤ و٣٣٩؛ بحار الأنوار ٥١: ٣٠٣ و٣٠٦ و٣٠٨، و٥٣: ١٥٠ - ١٩٧.
(٢٠٨) الاحتجاج ٢: ٥٥٠ و٥٥١.
(٢٠٩) الاحتجاج ٢: ٥٥٣ و٥٥٤؛ وبحار الأنوار ٥٠: ٢٢٧، و٥٣: ١٨٠.
(٢١٠) ينسب الدكتور أحمد أمين إلى الشيعة اعتقادهم في المهدي (أنَّه وهو في استتاره يحرّك أتباعه ليزيلوا المظالم)، وأنَّه (يعيش في الخفاء ويوحي من وراء ستار بالأوامر والنواهي)، المهدي والمهدوية: ١٠٩ و١١٩.
(٢١١) البيان: ١٠٩؛ والفصول المهمّة: ٢٧٣.
(٢١٢) الغيبة للطوسي: ٩٠ - ٩٣.
(٢١٣) الغيبة للطوسي: ٣٢٩ - ٣٣١.
(٢١٤) ومع كلّ هذه النصوص القرآنية الصريحة فإنَّ الدكتور أحمد أمين يرى أنَّه لا يمكن للإنسان أن (يختفي ويبقى مختفياً مئات السنين من غير أن يجري الله عليه حكم الموت)، بل إنَّ ذلك في رأيه (لا يجوز إلاَّ على السذَّج الذين فقدوا عقولهم) المهدي والمهدوية: ٩٦.
فهل يرى الدكتور في التصديق بعدم إجراء الموت على نوح ويونس والحوت وأهل الكهف مئات من السنين دليلاً على السذاجة وفقدان العقل؟
(٢١٥) البيان: ١٠٢.
(٢١٦) الغيبة للطوسي: ١٢٦.
(٢١٧) كشف الغمّة ٣: ٣٥٥.
(٢١٨) مطالب السؤول ٢: ٨٦ و٨٧ .
(٢١٩) مجلَّة المقتطف المصرية/ الجزء الثالث/ السنة التاسعة والخمسون.
(٢٢٠) جريدة الأنباء الجديدة البغدادية/ العدد ٤٠/ السنة الأولى/ ٢٧ آذار ١٩٦٥م.
(٢٢١) برنارد شو لعبّاس محمود العقّاد/ سلسلة اقرأ المصرية/ العدد ٨٩/ ص ١٢٤ و١٢٥.
(٢٢٢) منهاج السُنّة ٢: ١٣١، و٤: ٢١٢.
(٢٢٣) كشف الغمّة ٣: ٢٩٦.
(٢٢٤) جريدة الزمان/ السنة السادسة/ العدد (١٥٢٥/٨)/ حزيران ٢٠٠٣م/ ص ٩.
(٢٢٥) تاريخ سامراء ١: ٢٩٢ و٢٩٣.
(٢٢٦) تاريخ سامراء ١: ٢٨٨.
(٢٢٧) تاريخ سامراء ١: ٢٨٨ - ٢٩٢.
(٢٢٨) كمال الدين: ٢٤١؛ والغيبة للطوسي: ٣٩٣ و٣٩٤؛ والاحتجاج ٢: ٥٥٤ و٥٥٥؛ وإعلام الورى ٢: ٢٥٩ و٢٦٠؛ والخرائج والجرائح ٣: ١١٠٨؛ وكشف الغمّة ٣: ٣٣٧ و٣٣٨؛ وخلاصة العلاَّمة: ١٣٤؛ وبحار الأنوار ٥١: ١٥ و١٠٧ و١٠٨ و٢٠٣ و٣٤٧ و٣٤٨ و٣٦٠.
(٢٢٩) يراجع فيما أوردنا في ترجمة عثمان بن سعيد: الكافي ١: ٣٣٠؛ والغيبة للطوسي: ٢٤٣ و٣٥٤ - ٣٥٧ و٣٦٠؛ وخلاصة الأقوال: ٦٢؛ وبحار الأنوار ٥١: ٣٤٤ - ٣٤٦؛ ومجمع الرجال ٤: ١٣١؛ ومعجم رجال الحديث ١١: ١٢٠ - ١٢٢.
(٢٣٠) اقتبسنا ما أوردنا في ترجمة محمّد بن عثمان متن: كمال الدين: ٢٦٧ و٢٨٠ و٢٨١؛ والغيبة للطوسي: ٢٩١ و٣٥٧ و٣٥٩ و٣٦١-٣٦٣ و٣٦٦؛ والخرائج والجرائح٣: ١١١٢؛ والاحتجاج٢: ٥٦٢؛ وإعلام الورى ٢: ٢٥٩؛ وكشف الغمّة ٣: ٣٣٨؛ وخلاصة العلاَّمة: ٧٣؛ وبحار الأنوار ٥١: ٣٤٩ و٣٥٠ و٣٥٢؛ ومجمع الرجال ٧: ١٩٠؛ ومعجم رجال الحديث ١٦: ٣٠٩ و٣١٢؛ والذريعة ٢: ١٠٦.
(٢٣١) رجعنا فيما تقدَّم من ترجمة الحسين بن روح إلى المصادر الآتية: كمال الدين: ٢٧٦ و٢٧٧؛ والغيبة للطوسي: ٣٠٣ و٣٠٧ و٣٠٨ و٣٦٧ و٣٦٩ - ٣٧٢ و٣٨٤ و٣٨٦ و٣٨٧؛ والخرائج والجرائح ٣: ١١٢٠ و١١٢١؛ وإعلام الورى ٢: ٢٥٩؛ وكشف الغمّة ٣: ٣٣٨؛ وسير أعلام النبلاء ١٤: ٥٦٧، و١٥: ٢٢٢ - ٢٢٤؛ ولسان الميزان ٢: ٢٨٣ و٢٨٤؛ والوافي بالوفيات ١٢: ٢٢٦ و٢٢٧؛ وخلاصة العلاَّمة الحلّي: ١٣٤؛ وبحار الأنوار ٥١: ٣٢٠ و٣٢١ و٣٥٣ و٣٥٥ و٣٥٧ و٣٥٨ و٣٧١ و٣٧٣ و٣٧٦ و٣٧٧؛ ومجمع الرجال ٧: ١٩٠؛ ومعجم رجال الحديث ٥: ٢٤٠.
(٢٣٢) اقتبسنا هذه الترجمة من المصادر الآتية: كمال الدين: ٢٨٤؛ والغيبة للطوسي: ٣٩٤ - ٣٩٦؛ والاحتجاج ٢: ٥٥٦؛ وإعلام الورى ٢: ٢٥٩ و٢٦٠؛ والخرائج والجرائح ٣: ١١٢٨ و١١٢٩؛ وكشف الغمّة ٣: ٣٣٨؛ وخلاصة العلاَّمة: ١٣٤؛ وبحار الأنوار ٥١: ٣٦٠ و٣٦٢؛ ومجمع الرجال ٧: ١٩٠؛ ومعجم رجال الحديث ١٢: ١٨٦ و١٨٧.
(٢٣٣) بغداد قديماً وحديثاً: ٣٠٠ و٣١٨ و٣١٩ و٣٢٤.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٢ / ٤.٥
 التعليقات
الإسم: علي سعد
الدولة: العراق
النص: شكر انعم الله علينا ان سددنا بمركز فكري علمي يحاور العقول النيرة ومن ابداعات مرجعنا المعظم اية الله العظمى السيد علي الحسيني العلوي الهاشمي الحجازي ولعن الله مبغضية واهل بيته الاطهار
تاريخ الإضافة: ٢٠١٥/٠١/١٢ ٠٦:٠٣ ص
إجابة التعليق

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016