فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » الإمام المهدي المنتظر (عجَّل الله فرجه) وأدعياء البابية والمهدوية بين النظرية والواقع
 كتب المركز

الكتب الإمام المهدي المنتظر (عجَّل الله فرجه) وأدعياء البابية والمهدوية بين النظرية والواقع

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: السيد عدنان البكاء الشخص المحقق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٩ المشاهدات المشاهدات: ١٨٢١٩ التعليقات التعليقات: ٠

الإمام المهدي المنتظر (عجَّل الله فرجه) وأدعياء البابية والمهدوية بين النظرية والواقع

الدكتور السيد عدنان البكاء (رحمه الله)
تقديم وتحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
الطبعة الأولى ١٤٤٤هـ

رقم الإصدار: ٢٧٤

الفهرس

مقدَّمة المركز..................٣
الإهداء..................٩
مقدَّمة..................١١
الكلمة التي أصبحت كتاباً..................٣٠
منهج البحث..................٣٢
الفصل الأوَّل: الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عقيدة إسلاميَّة..................٥١
تمهيد..................٥٣
وقفة مع المشكِّكين..................٥٤
البحث الأوَّل: المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) من عقائد أهل السُّنَّة..................٦١
من هو المهدي؟ ومتى وُلِدَ؟..................٦٧
أدلَّة الطائفة الأُولى ومناقشتها..................٧١
الإمام المهدي من ولد الحسين (عليهما السلام)..................٧٩
البحث الثاني: موقع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من الرسالة وفي أحاديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام)..................٩٣
بين يديّ البحث: في نظريَّة الإمامة..................٩٣
الأحاديث المتَّصلة بشخص الإمام (عجَّل الله فرجه) وإخفاء ولادته وغيبته..................١٠٣
(١) بعض ما روي عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)..................١٠٤
(٢) بعض ما روي عن الإمام عليٍّ (عليه السلام)..................١٠٥
(٣) بعض ما روي عن الصدِّيقة فاطمة الزهراء (عليها السلام)..................١٠٦
(٤) بعض ما روي عن الإمام الحسن (عليه السلام)..................١٠٧
(٥) بعض ما روي عن الإمام الحسين (عليه السلام)..................١٠٧
(٦) بعض ما روي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام)..................١٠٨
(٧) بعض ما روي عن الإمام محمّد الباقر (عليه السلام)..................١١٠
(٨) بعض ما روي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)..................١١١
(٩) بعض ما روي عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)..................١١٦
(١٠) بعض ما روي عن الإمام عليِّ بن موسى الرضا (عليه السلام)..................١١٨
(١١) بعض ما روي عن الإمام محمّد الجواد (عليه السلام)..................١٢٠
(١٢) بعض ما روي عن الإمام عليٍّ الهادي (عليه السلام)..................١٢١
(١٣) بعض ما روي عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)..................١٢٣
الخلاصة..................١٢٧
البحث الثالث: أهل الكشف من الصوفيَّة يوافقون الإماميَّة في شأن المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)..................١٣٠
الفصل الثاني: ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وغيبته الصغرى..................١٤١
البحث الأوَّل: إخفاء ولادته (عجَّل الله فرجه) وغيبته الصغرى..................١٤٣
١ - إخفاء ولادته (عجَّل الله فرجه)..................١٤٣
٢- الغيبة الصغرى..................١٥٠
البحث الثاني: اضطلاعه (عجَّل الله فرجه) بالإمامة طفلاً..................١٦١
البحث الثالث: نوَّابه (عجَّل الله فرجه)، وبعض توقيعاته..................١٧٢
النائب الأوَّل: أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري الأسدي (رضي الله عنه)..................١٧٤
من توقيعات الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بوساطته..................١٨٠
النائب الثاني: أبو جعفر محمّد بن عثمان بن سعيد العمري (رضي الله عنه)..................١٨٧
من توقيعات الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بوساطته..................١٩٠
وفاة الشيخ أبي جعفر العمري (رضي الله عنه)..................١٩٣
النائب الثالث: أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي (رضي الله عنه)..................١٩٤
كرامات الشيخ ابن روح (رحمه الله)..................١٩٨
من توقيعات الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بوساطته..................٢٠٢
وفاة الشيخ ابن روح (رضي الله عنه)..................٢٠٤
النائب الرابع: أبو الحسن عليُّ بن محمّد السمري (رضي الله عنه)..................٢٠٤
بعض كراماته..................٢٠٥
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يُخبِر نائبه السمري بوفاته ويأمره بعدم الوصيَّة لأحد..................٢٠٦
مدَّعو الرؤية في الغيبة الكبرى..................٢٠٧
الفصل الثالث: الغيبة الكبرى.. كيف؟ ولماذا؟ وإلى متى؟..................٢٠٩
تمهيد..................٢١١
البحث الأوَّل: لماذا لا يكون الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) رجلاً آخر؟..................٢١٣
الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة (عليهم السلام) يُنذرون بالغيبة الكبرى..................٢١٦
طول العمر بصورة غير مألوفة..................٢١٨
البحث الثاني: ما الحكمة من ذلك؟..................٢٢٩
انقطاع صلتنا به - بحكم الغيبة - لا يعني انقطاع صلته بنا..................٢٣٧
البحث الثالث: هل يعني ذلك إمكان المشاهدة؟..................٢٤٠
الفصل الرابع: ولكن متى؟ لا توقيت ولكن ثَمَّة علامات..................٢٦٥
تمهيد: حول عوامل التقدير التي تحيل التوقيت..................٢٦٧
علامات عصر الظهور..................٢٧٠
البحث الأوَّل: العلامات العامَّة..................٢٧٢
البحث الثاني: العلامات الخاصَّة..................٢٧٨
١ - تطاول رعاة الإبل بالبنيان..................٢٧٨
٢ - اتِّصال الكوفة بالنجف والحيرة ثمّ بكربلاء..................٢٧٩
٣ - يرى مَنْ في المشرق مَنْ في المغرب وبالعكس..................٢٨١
٤ - أنصاره يركبون السحاب، ويصلون إليه في ساعة..................٢٨٢
٥ - الحرب التي يذهب فيها ثلثا الناس أو تسعة أعشارهم..................٢٨٣
٦ - طلوع الشمس من مغربها..................٢٨٥
٧ - ستُّون كذَّاباً يدَّعون النبوَّة..................٢٨٨
٨ - تفرُّق الأمَّة وتقسيمها من الدول المستعمرة..................٢٨٩
٩ - السفور والألبسة القصيرة..................٢٨٩
١٠ - حصار العراق..................٢٨٩
شدَّة محنة الناس بين ظروف العلامات العامَّة والخاصَّة..................٢٩٢
البحث الثالث: انتظار الفرج، والدعاء بتعجيله..................٢٩٦
[انتظار الفرجٍ]..................٢٩٦
الدعاء بتعجيل الفرج..................٢٩٧
الانتظار لا يعني ترك العمل..................٢٩٩
الفصل الخامس: ما بعد الظهور..................٣٠٣
البحث الأوَّل: كيف سينتصر (عجَّل الله فرجه)؟..................٣٠٥
البحث الثاني: ماذا سيفعل (عجَّل الله فرجه)؟ يأتي بأمر جديد ولكنَّه الإسلام..................٣٢٧
عمله بعلمه من دون بيِّنة..................٣٣٦
العدل، والغنى، والأمان بصورة شاملة..................٣٤٠
ليس بين الناس وبينه بريد..................٣٤٢
تُؤتى الناس الحكمة في زمنه..................٣٤٢
الإسلام كما هو في النظريَّة والتطبيق..................٣٤٤
خطبة المهدي (عجَّل الله فرجه) عند أوَّل ظهوره..................٣٤٥
يأمر بالمعروف ويزيل البِدَع..................٣٤٦
يدعو إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله..................٣٤٧
يقيم الحدود المعطَّلة..................٣٤٩
أصحابه يُعلِّمون القرآن..................٣٤٩
الإمام (عجَّل الله فرجه) يبني المساجد..................٣٥٢
الزاهد المجاهد..................٣٥٣
المهدي وأصحابه وأثر السجود في جباههم..................٣٥٣
يُقبِل الناس في زمنه على العبادة..................٣٥٣
البحث الثالث: الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) وعقيدة الرجعة..................٣٥٥
قد يكون موتهم إراديًّا..................٣٦٢
أدلَّة الرجعة لدى الإماميَّة..................٣٦٩
القسم الأوَّل..................٣٧٠
القسم الثاني..................٣٧٢
الأدلَّة من السُّنَّة الشريفة..................٣٧٤
الاستدلال بإجماع الشيعة الإماميَّة..................٣٧٥
الخاتمة..................٣٧٧
المصادر والمراجع..................٣٨٣

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدَّمة المركز:
(للخلق غايات هم سائرون إليها)، كلمة على وجازتها يُشكِّل الإقرار بها أو عدم الإقرار المفترق بين الإيمان وعدم الإيمان، وبين الهدى والضلال، فليس الاختلاف والصراع بين المتألِّهين وخصومهم واقع في مسألة وجود علَّة لهذا الكون أو عدم وجود هذه العلَّة، فحتَّى عتاة الإلحاد يؤمنون أيضاً بوجود سبب أوَّل نشأ عنه هذا الكون وحقيقة انبثق عنها العالم، وإنَّما النزاع والاختلاف واقع في طبيعة ذلك السبب وتلك الحقيقة، وهل لها غاية أو هدف أو ليس الأمر كذلك؟
ومن هنا آمن المؤمنون بالله - بخلاف غيرهم - بأنَّ تلك الغايات والمحطَّات التي تجذب مسار الإنسانيَّة إليها تُمثِّل ركناً عقائديًّا ومقوِّماً دينيًّا بدونه يعود الدِّين بلا معنى أو أثر، وبطبيعة الحال لم يأتِ ذلك من فراغ، بل هو إرث الديانات ورسالات السماء، وهي على كلِّ حالٍ تعاليم الأنبياء وبيانات الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام).
وهذا هو معنى كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في سياق حديثه عن آخر الزمان بأنَّ لله تعالى «بَدَاءَاتٍ وَإِرَادَاتٍ وَغَايَاتٍ وَنِهَايَاتٍ»(١) لا يمكن بحال التخلُّف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٨/ باب في الغيبة/ ح ٧)، الإمامة والتبصرة (ص ١٢٠ و١٢١/ ح ١١٥)، الغيبة للنعماني (ص ٦٨ و٦٩/ باب ٤/ ح ٤)، كمال الدِّين (ص ٢٨٨ و٢٨٩/ باب ٢٦/ ح ١)، الاختصاص (ص ٢٠٩)، الغيبة للطوسي (ص ١٦٤ - ١٦٦/ ح ١٢٧).

↑صفحة ٣↑

عنها أو مغادرتها، لوضوح أنَّ الخلق لم يُفوِّض إليهم رسم معالم هذا الوجود أو الأقدار التي تُسيِّره، فالموت غاية، والقيامة غاية، والبعث والحشر والحساب، وهكذا الثواب والعقاب كلُّها معاني تحكي عن هذه الحقيقة الثابتة.
ومن جملة تلك الغايات والثوابت التي نصَّت عليها الشرائع والكُتُب السماويَّة هي عقيدة المنقذ والمصلح العالمي الذي يأتي بمشروع الحقِّ والعدل، وينهي كلَّ مظاهر الظلم والجور، ومن هنا شكَّلت العقيدة المهدويَّة مسألة محوريَّة ومركزيَّة في المنظومة الدِّينيَّة في صعيدها العقائدي أو السياسي، لتصيغ بعد ذلك الوعي الإسلامي نحو التاريخ القادم.
فالاعتراف بالمهدي (عجَّل الله فرجه) كإمام مفترض الطاعة وقائد فعلي للأُمَّة من أركان الإيمان ومكوِّناته الأساسيَّة التي تُؤلِّف المحتوى العقائدي للإنسان، والتي تندرج تحت مصطلح (أُصول الدِّين)، حتَّى بلغ من شأن هذه العقيدة وقيمتها في الرؤية الكونيَّة للإسلام أنَّ الرسول محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جعل الإيمان بها شرطاً لصحَّة الإيمان به، كما في الحديث القائل: «مَنْ أَنْكَرَ القَائِمَ مِنْ وُلْدِي فَقَدْ أَنْكَرَنِي»(٢)، ويقول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديث آخر: «مَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ عَصَانِي، وَمَنْ أَنْكَرَهُ فِي غَيْبَتِهِ فَقَدْ أَنْكَرَنِي، وَمَنْ كَذَّبَهُ فَقَدْ كَذَّبَنِي، وَمَنْ صَدَّقَهُ فَقَدْ صَدَّقَنِي»(٣).
فإنَّ الإيمان بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تعبير عن الإيمان بغائيَّة خلق البشريَّة، تلك الفكرة الأساسيَّة التي يشير إليها القرآن الكريم بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، حيث تدلُّ هذه الآية الكريمة على أنَّ الهدف الأساسي من خلق البشريَّة هو عبادتهم لله الخالق القدير، مع ملاحظة أنَّ المفهوم الصحيح لعبادة الله يعني إيجاد المجتمع الصالح والسوي الذي يرتقي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) كمال الدِّين (ص ٤١٢/ باب ٣٩/ ح ٨).
(٣) كمال الدِّين (ص ٤١١/ باب ٣٩/ ح ٦).

↑صفحة ٤↑

في عمومه وظاهرته الاجتماعيَّة إلى الهدف والمقصد من بعثة الأنبياء والرُّسُل (عليهم السلام)، وهو الأمر الذي سجَّله لنا القرآن الكريم في محكم آياته من غير لبس ولا إيهام، يقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ﴾ (الحديد: ٢٥).
وبخلاف ذلك تفتقد الحكمة معناها وقيمتها في تلك البعثات، وتعود تلك التضحيات الجسيمة التي سجَّلها الصراع الطويل بين معسكرَيْ الحقِّ والباطل هدراً وعبثاً تترفَّع السماء عن القبول أو الرضا به، ضرورة أنَّ الانتصار المهدوي في أهمّ معانيه هو تعبير عن صوابيَّة القرار الإلهي وسداد حكمته في جعل الخلافة في النوع الإنساني لا في غيره من المخلوقات.
وهذا هو الذي يُفسِّر لنا الإصرار الكبير وحزم المشيئة الإلهيَّة في عدم تخلِّيها عن قيام هذه الدولة العادلة، حتَّى ولو بقي من الدنيا يوم واحد أو ساعة واحدة.
ومن هنا ينطلق الشيعة الإماميَّة في إيمانهم بالعقيدة المهدويَّة من جهات عدَّة وأسباب كثيرة لا يمكن اختزالها في منقول تاريخي أو تبرير كلامي، بل كلُّ ما في الإسلام من معاني ودلالات لا يمكن إلَّا أنْ تُؤدِّي إلى هذا المضمون وذلك المعتقد، وهذا هو أهمّ ما يُميِّز الفهم الشيعي الإمامي لفكرة المهدويَّة، مبتعدين بذلك عن النظرة الساذجة والسطحيَّة التي قد يذهب إليها البعض في تفسيرها كـ(تعويض مُلك ضائع) أو (رفاهيَّة معجَّلة) للمستضعفين في الأرض.
ولأجل ذلك اهتمَّ علماء الشيعة اهتماماً كبيراً بالعقيدة المهدويَّة، وكتبوا الكثير من المؤلَّفات والمصنَّفات، وتناولوها من جميع جوانبها، وعلى جميع مراحل وأطوار تاريخهم الناصع، ابتداءً بالزمن الذي يسبق ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ومروراً بزمن الغيبة الصغرى، ثمّ وصولاً إلى وقتنا الحاضر. وبذلوا الجهود الكبيرة والحثيثة في سبيل ربط الأُمَّة فكريًّا وعاطفيًّا بهذه الدولة وصاحبها (عجَّل الله فرجه)،

↑صفحة ٥↑

وبالمستوى الذي يحاول أنْ يرتقي مع عظمة الدور الذي أُنيط به وأُسند إليه من قِبَل لوح الغيب.
ومن الإنصاف والعدل أنْ يُشاد بتلك الجهود وتلك المساعي التي بُذِلَت وتركت أثراً واضحاً للحضور الدائم للعقيدة المهدويَّة في الوجدان والوعي الشيعي، فكانوا بحقٍّ مصداقاً للعلماء العاملين والمبلِّغين، سواء في جانب البيان والتوضيح أو في جانب الصيانة والدفاع عمَّا يلحق بهذه العقيدة من أباطيل وأوهام يُراد لها التوهين أو الطعن بها بغية إسقاطها من خلال خلط أوراقها والتسبيب بفوضى تقوم على خلق ادِّعاءات مزيَّفة ومحرَّفة تُؤدِّي في نهاية المطاف إلى إصابة المؤمنين بالحيرة والتيه في معرفة ما هو حقٌّ ممَّا هو باطل، حتَّى ينتهي البعض بسبب ذلك إلى وضع عنوان (الخرافة) و(الوهم) على مجمل الفكرة المهدويَّة.
وقد مثَّل هذا الكتاب عزيزي القارئ (الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) وأدعياء البابيَّة والمهدويَّة بين النظريَّة والواقع) خطوة في هذا الطريق سعى مؤلِّفه العلَّامة المرحوم السيِّد عدنان البكَّاء بجدٍّ واجتهاد إلى معالجة الكثير من المسائل المهمَّة المرتبطة بالعقيدة المهدويَّة، وتمييز فصولها الحقَّة عمَّا أُلصق بها أو يُراد أنْ يُلصَق بها، لاسيّما من اتِّجاهات قد تنطلي حيلها وخدعها على الكثير من البسطاء بعد أنْ ظهرت لهم بلبوس يتقمَّص التصوُّرات الكلّيَّة التي وردت في التراث المهدوي، لتبتعد عن مناوئة أصل تلك الفكرة أو معارضتها، ليسهل لها اختراقها من جانبها العاطفي والانفعالي للمؤمنين بها، والذي يكون في كثير من الأحيان سبباً للسقوط المرِّ في شراك التدجيل والتزييف فيما لو افتقد الوعي والبصيرة التي ترتكز على حجّيَّة العقل وثوابت النقل.
ولأهمّيَّة هذا الموضوع وخطورته رأى السيِّد البكَّاء (رحمه الله) ضرورة التصدِّي ومواجهة هذه التيَّارات وكشف الأستار التي تتخفَّى وراءها، وهو ما أشار إليه

↑صفحة ٦↑

في مقدَّمته القيِّمة، والتي أفاض فيها حول فكرة الكتاب وكيف بدأت، والأسباب التي دعته لذلك.
ومن الواضح عند مطالعة هذه المقدَّمة ملاحظة البداء البشري الذي كان حاضراً بقوَّة في تأليف هذا الكتاب القيِّم، فبعد أنْ كان القرار الأوَّلي أنْ يكون كُتيِّباً من فصلين اثنين، وإذا به يمتدُّ إلى جزأين كبيرين تتجاوز أبحاثه الفصول العشرة، وإذا بالكتاب يرسم خطَّته بنفسه دون الخطَّة الأُولى، فجاء الجزء الأوَّل منه خاصًّا بموضوعات العقيدة المهدويَّة وما يرتبط بشخص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وليكون الجزء الثاني مختصًّا بالردِّ على (أدعياء البابيَّة والمهدويَّة).
والذي بين يديك عزيزي القارئ هو ما كتبه السيِّد (رحمه الله) في جزئه الأوَّل دون الجزء الآخر الذي لم يرَ النور بعد أنْ عاجلته المنيَّة وأجاب داعي الحقِّ الذي لبَّى نداءه في سنة (١٤٤٢هـ/٢٠٢١م).
وختاماً نتقدَّم بالشكر الجزيل للسادة الأجلَّة أولاد سماحة السيِّد المؤلِّف (رحمه الله) لإجازتهم وإذنهم لمركزنا بتجديد طباعة هذا السِّفر القيِّم، بعد أنْ قام مركز الغدير للدراسات والنشر بطباعته عام (١٩٩٩م).
راجين من المولى تعالى أنْ يقع عنده موقع القبول والتسديد، وعند صاحب العصر والزمان (عجَّل الله فرجه) موقع السرور والرضا، إنَّه وليُّ التوفيق.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يُعجِّل في فرج سيِّدنا ومولانا صاحب العصر والزمان (عجَّل الله فرجه)، ويجعلنا من أنصاره وأعوانه، وأنْ يتقبَّله منَّا بقبولٍ حسنٍ.

مركز الدراسات التخصُّصيَّة
في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)

↑صفحة ٧↑

الإهداء

مِن أساتذتي الكرام مَن لا أزال حتَّى الآن أتحسَّس بصماته قلباً وعقلاً، وأنحو منحاه منهجاً ومساراً.
وفي المقدَّمة من هؤلاء بعد والدي العلَّامة السيِّد عليٍّ البكَّاء (رحمه الله)، أُستاذاي العلَّامتان الحجَّتان:
الشيخ محمّد رضا المظفَّر (قدَّس الله نفسه الطاهرة).
والسيِّد محمّد تقي الحكيم (مدَّ الله في عمره المعطاء).
فإليهما: حبًّا، ووفاءً، وتقديراً..
ومن خلالهما إلى جميع العلماء العاملين بصمت واستقامة، من الذين أعطوا ولم يأخذوا، لوجهه سبحانه، أُهدي هذا الكتاب، تواصلاً مع الرسالة، سائلاً الله أنْ يتقبَّل نيَّتي وجهدي، إنَّه سميع مجيب.

عدنان عليّ البكَّاء الموسوي
(١٤١٨هـ / ١٩٩٧م)

↑صفحة ٩↑

مقدَّمة

↑صفحة ١١↑

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين لا شريك له، والصلاة والسلام على خاتم رُسُله، وسيِّد أنبيائه محمّد، وأهل بيته الطاهرين، وعلى أصحابه المخلصين.
لم تكن فكرة الكتابة في موضوع الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) - على ما له من أهمّيَّة بالغة علميًّا ودينيًّا - واردة لديَّ حتَّى بوصفها مشروعاً للمستقبل، فأنا أعلم مدى ما لابس هذا الموضوع من تصوُّرات بسبب الخلاف السياسي والمذهبي بين الفِرَق الإسلاميَّة من جهة، وبسبب التنظيرات الغنوصيَّة(٤) الباطنيَّة من جهة أُخرى. وأعلم أيضاً ما دخل الأحاديث المتَّصلة به - نتيجةً لذلك - من وضع وتحريف، وما شاب التصوُّرات حوله من غموض وخلط وتشويش.
هذا يضاف إلى ما في مفردات تاريخه (عجَّل الله فرجه) أصلاً - بحكم كونه آخر أوصياء الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - من أُمور غامضة لابدَّ منها لاتِّصالها بالظروف الموضوعيَّة وما تُحتِّمه كيفيَّة التعامل معها في طرف، وبالإرادة والخطَّة الإلهيَّة الخاصَّة بمستقبل الرسالة والأُمَّة، بل البشريَّة بعامَّة في طرف آخر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) الغنوصيَّة: نسبة إلى غنوصيص في اليونانيَّة، وتعني في العربيَّة: المعرفة، وفضَّلنا استعمالها دون الكلمة العربيَّة لما أخذته من دلالة تأريخيَّة بوصفها خطًّا مقابلاً للأديان السماويَّة المنزلة. جاء في الموسوعة العربيَّة الميسَّرة (ص ٢٣٣٦/ مادَّة غنم): (وهي حركة فلسفيَّة ودينيَّة نشأت في العصر الهلينستي، وأساسها أنَّ الخلاص يتمُّ بالمعرفة أكثر ممَّا يتمُّ بالإيمان والأعمال الخيِّرة...، وأدمجت في تعاليمها شيئاً من السحر والشعوذة، وتأثَّرت بها بعض الفِرَق...) إلخ.

↑صفحة ١٣↑

كلُّ ذلك وغيره يحتاج - في البحث والفرز والمعالجة والتفسير - إلى وقت وجهد لا أملكهما.
ثمّ إنَّ بين يديَّ بحوثاً وأطاريح حالت ظروف شخصيَّة - ذاتيَّة وموضوعيَّة - دون إتمامها حتَّى الآن. وكان من دعائي أنْ يفسح الله سبحانه لي مدى أستطيع به إنجازها بالكيفيَّة التي أطمح إليها في المادَّة والمنهج والأُسلوب.
وأفرزت الظروف - في السنوات الأخيرة - مناخاً كوَّن أحوالاً نفسيَّة وفكريَّة ساعدت على أنْ ينجم مرَّةً أُخرى في العراق وخارجه في أوساط العامَّة من الشيعة - على ما تناقله الناس واشتهر بينهم - أفراد يدَّعون الصلة بالإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، ويتجاوزون ذلك إلى التبليغ عنه - بما يناقض بعضه ثوابت الدِّين وضروريَّاته -، بل وإلى ادِّعاء بعض منهم أنَّه الإمام (عجَّل الله فرجه) عينه.
وتلك هي دعوى البابيَّة والمهدويَّة نفسها - كما عرفنا - على امتداد التاريخ الإسلامي.
إنَّها تبدأ بدعوى البابيَّة للإمام (عجَّل الله فرجه)، فالمهدويَّة، ثمّ تنتهي بعدئذٍ إلى دعوى النبوَّة بمعناها الاصطلاحي المستقلِّ الذي ينسخ ويُؤسِّس، بل إلى دعوى الربوبيَّة بناءً على نظريَّة الوحدة المطلقة(٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) نعني بـ(الوحدة المطلقة): (وحدة الوجود والموجود) أو (وحدة الواجب والممكن) التي يُسمِّيها أساتذة الفلسفة المعاصرون (وحدة الوجود) قاصدين هذا المعنى، لكن الفلسفة الإسلاميَّة ترى أنَّ الوجود الصرف واحد قطعاً، لأنَّه يعني واجب الوجود سبحانه الذي لا حدَّ ولا ماهيَّة له، أمَّا ما سواه فماهيَّات ممكنة عرضيَّة الوجود، لذلك فهي مركَّبة ومحدودة وفقيرة بما هي بالذات. وسيأتي في الجزء الثاني بيان الفرق النظري والتطبيقي بين النظريَّتين، وإبطال نظريَّة الوحدة المطلقة وجداناً، وفلسفيًّا، ودينيًّا، وبيان ما تُؤدِّي إليه من تناقضات نظريَّة وواقعيَّة.

↑صفحة ١٤↑

وسنتحدَّث عنهم بربط ما اشتهر عن الجُدُد بالمعروف عن القدماء، وتأسيساً على ما هو الثابت من القواعد والتنظيرات المشتركة لمثل هذه الدعاوى.
إنَّ مقام المهديَّة، بل النبوَّة في السلوك العرفاني الصوفي المغالي، حقٌّ لمن بلغ مرحلة الفناء، أو درجة الولاية الكبرى كما يُسَمُّونها طبقاً لتحديداتهم في الأسفار الأربعة.
وقد ظهر - في تاريخهم - عدد غير قليل ادَّعى ذلك على القاعدة والنهج اللذين أشرنا إليهما.
ولا يختلف الغلاة من الشيعة - كما يثبت تاريخهم - بدءاً من أبي الخطَّاب، والمغيرة بن سعيد، ومحمّد بن فرات، ومحمّد بن بشير، وأبي منصور العجلي ونظائرهم في السابق، وانتهاءً بآخر بابي ومغالٍ في اللَّاحق، عن غلاة الصوفيَّة من حيث القاعدة والمنطلق الأساس، وما يقوم عليهما من تنظيرات وممارسات، إلَّا في الأُسلوب الذي يمليه عليهم التلاؤم مع مفاهيم الأوساط الشيعيَّة في حركتهم داخلها ابتداءً، وفي المراحل الأُولى.
إنَّهم يتحدَّثون للناس في البداية عمَّا للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة من أهل بيته (عليهم السلام) من رتبة روحيَّة سماويَّة متقدِّمة مبدأً ومعاداً، ثمّ يبنون على ذلك القول بالإمام الكوني(٦) الذي يعني الاسم الظاهر، أو العالم ككلٍّ، ومع أنَّ من يقول بذلك غيرهم يرى أنَّ الاسم غير المسمَّى، وأنَّه لا يخرج بما هو في ذاته عن كونه ممكناً مركَّباً ذا وجود عرضي، فهو فقير بالذات لا استقلال له عن واجب الوجود سبحانه(٧). فإنَّ هؤلاء يرون أنَّه عينه تعالى، وهو ما تبرَّأ منه الأئمَّة (عليهم السلام)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦) هذا التصوُّر للإمام يماثل تصوُّر الصوفيَّة للقطب. اقرأ: منزل القطب لابن عربي المطبوع ضمن رسائله (ص ٤٣٧).
(٧) اقرأ الهامش في البحث الثاني من الفصل الثاني.

↑صفحة ١٥↑

أنفسهم من دون استثناء، ولعنوا القائلين به، بل والمتوقِّفين عن لعنهم، ودعوا عليهم بأذى وإلحاح.
وامتدَّ الغلاة - وهذا هو المهمُّ - من القول بالإمام الكوني المطلق إلى القول بتشخُّصه في المقيَّد، فهو يتمثَّل - عبر التاريخ - بهذا الفرد أو ذاك، فيكون هذا التشخُّص عين الإمام الذي هو عين الله.
وهو قريب - في الصورة - من نظريَّة المُثُل والممثول في الفكر الإمامي الإسماعيلي، مع فارق اقتصار هؤلاء على السلالة الإسماعيليَّة. وإنْ ذكر بعضهم إيمانهم بالولادة الروحانيَّة التي أضافوا بها من ليس من السلالة أصلاً إليها، علاوةً على فارق آخر هو أنَّ من له مُثُلاً من الممثولات إنَّما يبدأ من العقل الأوَّل لا من الذات الإلهيَّة المتعالية عن الصفة، فهم بهذا أقلّ غلوًّا. وبذلك جعل هؤلاء مقام النبيِّ والإمام نوعيًّا لا شخصيًّا.
فليس الإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه) عندهم إذن شخصاً محدَّداً كإنسان ذاتاً، ونسباً، وموقعاً، وتاريخاً، وغيبةً، وظهوراً... كما وردت به الأحاديث المتواترة عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة الاثني عشر من أهل بيته (عليهم السلام) وعن الصحابة والتابعين، بل هو أيُّ شخص من أهل السلوك أو العارفين بلغ بزعمهم درجة الولاية الكبرى.
ولذلك يجب التنبيه إلى أنَّه لا يجوز أنْ تُؤخَذ دعوى الصلة بالإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) لدى هؤلاء على مفهومها الظاهر وإنْ ادَّعوه خداعاً للعوامِّ، بل في الإطار الذي ذكرناه. على أنَّهم - طبقاً لنظريَّة الوحدة المطلقة - لا يرون كلَّ ما ذُكِرَ من الأشخاص المعيَّنين من الرُّسُل والأئمَّة (عليهم السلام) إلَّا أسماء لا تحمل معنى، إنَّها وهم، وباللغة الهندوسيَّة صاحبة هذه النظريَّة أصلاً: (مايا). وإنَّما قصدوا باستعمالها ما أشرنا إليه من الانسجام مع المفاهيم الموروثة والمقدَّسة والمفهومة

↑صفحة ١٦↑

عند الناس ابتداءً، وافتضاض قلوب المتديِّنين الملتزمين منهم وعقولهم ريثما يمكن تلقيحها بآرائهم وتفسيراتهم الباطنيَّة. وإلَّا فإنَّ دعوى البابيَّة للإمام (عجَّل الله فرجه)، بل دعوى المهدويَّة حتَّى لو صحَّتا لا تسمحان لهم - كما هو واضح بحكم كون الإمام (عجَّل الله فرجه) وصيًّا للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وامتداداً له في الدِّين والدعوة - أنْ يأتوا بما هو على مستوى المناقضة مع موقع الإمام (عجَّل الله فرجه) نفسه، ومع ثوابت الرسالة وضروريَّاتها، بل مع البديهيَّات والضروريَّات العقليَّة أحياناً. وهؤلاء - كما هو ثابت بالتواتر كما ستقرأه في الجزء الثاني من هذا الكتاب إنْ شاء الله - قد جاءوا بذلك، وفي جانبي الأُصول والفروع معاً، وبما لا يقبل بعضه الاعتذار والتأويل.
كان أوَّل مدَّعٍ لذلك في عصر الغيبة الصغرى بين سنتي (٢٦٠ و٣٢٨هـ) وبهذا المسلك والأُسلوب، الحسين بن منصور الحلَّاج الذي قُتِلَ سنة (٣٠٩هـ)، والذي ادَّعى البابيَّة ثمّ المهديَّة والنبوَّة ثمّ انتهى إلى دعوى الربوبيَّة، ويبدو لنا أنَّ من تقدَّمه ومن تأخَّر عنه في الجرأة على دعوى البابيَّة كان على مثل رأيه أصلاً، كالشريعي، والهلالي، والبلالي، والنميري، والشلمغاني الذين صدر التوقيع من الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بلعنهم ودمغهم بالكفر والإلحاد.
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله) المتوفَّى سنة (٤٦٠هـ)، وهو يُنبِّه إلى قواعد هؤلاء وأساليبهم وما ينتهون إليه في ما نقله لنا عَنْ هَارُونَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: (وَكُلُّ هَؤُلَاءِ اَلمُدَّعِينَ (يعني: مدَّعي البابيَّة) إِنَّمَا يَكُونُ كَذِبُهُمْ أَوَّلاً عَلَى الإِمَامِ [(عليه السلام)]، وَأَنَّهُمْ وُكَلَاؤُهُ، فَيَدْعُونَ اَلضَّعَفَةَ بِهَذَا القَوْلِ إِلَى مُوَالَاتِهِمْ، ثُمَّ يَتَرَقَّى الأَمْرُ بِهِمْ إِلَى قَوْلِ الحَلَّاجِيَّةِ)(٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) الغيبة للطوسي (ص ٣٩٧ و٣٩٨/ ح ٣٦٨).

↑صفحة ١٧↑

وحين نقلت أُمُّ كلثوم ابنة الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري (رحمه الله) (النائب الثاني للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في الغيبة الصغرى)، إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (رحمه الله) (النائب الثالث)، ما عرفته على إثر زيارة أُمِّ أبي جعفر بن بسطام لها من أنَّ ابن أبي العزاقر الشلمغاني (الذي ادَّعى البابيَّة آنذاك فصدر التوقيع بلعنه) قال لآل بسطام وقد استكتمهم إيَّاه على أنَّه من الأسرار بأنَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد حلَّ(٩) في أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري، وأنَّ عليًّا (عليه السلام) حلَّ في الحسين بن روح، وأنَّ الزهراء قد حلَّت في أُمِّ كلثوم. قال لها الشيخ ابن روح (رضوان الله عليه): (يَا بُنَيَّةُ، إِيَّاكِ أَنْ تَمْضِي إِلَى هَذِهِ اَلمَرْأَةِ بَعْدَ مَا جَرَى مِنْهَا، وَلَا تَقْبَلِي لَهَا رُقْعَةً إِنْ كَاتَبَتْكِ، وَلَا رَسُولاً إِنْ أَنْفَذَتْهُ إِلَيْكِ، وَلَا تَلْقَيْهَا بَعْدَ قَوْلِهَا، فَهَذَا كُفْرٌ بِالله تَعَالَى وَالحَادٌ قَدْ أَحْكَمَهُ هَذَا اَلرَّجُلُ اَلمَلْعُونُ فِي قُلُوبِ هَؤُلَاءِ القَوْمِ، لِيَجْعَلَهُ طَرِيقاً إِلَى أَنْ يَقُولَ لَهُمْ بِأَنَّ اَللهَ تَعَالَى اِتَّحَدَ بِهِ وَحَلَّ فِيهِ، كَمَا يَقُولُ اَلنَّصَارَى فِي اَلمَسِيحِ (عليه السلام)، وَيَعْدُو إِلَى قَوْلِ الحَلَّاجِ لَعَنَهُ اَللهُ)(١٠).
ويُؤكِّد تاريخ أصحاب هذه الدعاوى - بعدئذٍ - أنَّها لم تصدر إلَّا من هذه الأوساط، وعلى أساس القاعدة نفسها، والمسار والأُسلوب نفسيهما.
كتب الشيخ المحدِّث عليُّ بن حسام الحنفي المعروف بالمتَّقي الهندي صاحب كتاب (كنز العُمَّال) المتوفَّى قبل (٩٦٠هـ) في كتابه (البرهان في علامات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩) الحلول: يعني ظهور المطلق في المقيَّد، كجبرئيل عندما تمثَّل لمريم بشراً سويًّا، هذا معناه لدى المسيحيِّين، وهو معناه لدى أهل (الوحدة المطلقة)، والحلَّاج من أشهر القائلين بها، ولا تعني بمفهوم هؤلاء ولا الصوفيَّة المغالين اثنينيَّة مطلقاً؛ ولذلك كان صدر الدِّين الشيرازي بارعاً عندما شتم الصوفيَّة القائلين بالحلول والاثنينيَّة، في الوقت الذي يرى الحلَّاج مثلاً أعلى، وفي مقام لا أنا إلَّا أنا، كما جاء في تفسير الرازي (ص ٢٤٣).
(١٠) الغيبة للطوسي (ص ٤٠٣ - ٤٠٥/ ح ٣٧٨).

↑صفحة ١٨↑

مهدي آخر الزمان) ردًّا على محمّد بن يوسف الجونبوري المتوفَّى سنة (٩١٠هـ) الذي ادَّعى المهدويَّة في الهند، فأغوى وضلَّل خلقاً كثيراً، فقال في مقدَّمته: (ومعلوم عند أهل الحقِّ أنَّ كثيرا من المشايخ - يعني مشايخ غلاة الصوفيَّة - صدرت عنهم دعوى المهدويَّة)، واعتذر عنهم بإشارة بليغة مؤدَّبة بأنَّها من لوازم أحوالهم.
ولكن الحال - وهذا المهمُّ - لا يُعبِّر عن الحقيقة والواقع، لذلك قال: (وصفتهم كانت مخالفة لما ورد في شأن المهدي من الأحاديث النبويَّة، وآثار الصحابة والتابعين)(١١).
والحقُّ أنَّ الأمر كما يقول بشهادة الواقع التاريخي، فإنَّ قائمة من ادَّعى ذلك منهم طويلة في القديم والحديث، وقد ذكرنا عدداً كبيراً ممَّن أنشأ منهم - على أساس هذه الدعوى - طوائف في الجزء الثاني من هذا الكتاب. ويكفينا أنْ نشير هنا إلى أمثلة قريبة كمدَّعي البابيَّة أوَّلاً، ثمّ المهديَّة والنبوَّة ثانياً وثالثاً: عليّ بن محمّد رضا الشيرازي المعروف بـ(الباب)، والذي أُعدم بفتاوى الفقهاء بعد محاكمته في سنة (١٢٦٣هـ)، وعنه امتدَّت بعدئذٍ طائفة البهائيَّة التي استقلَّت في تعاليمها عن الإسلام جملةً.
فقد أجاب هذا الباب حين سُئِلَ - لدى محاكمته - عمَّا شاع من دعواه المهدويَّة، وما إذا كان يقصد المهدي النوعي أم الشخصي، قائلاً: (بل أنا عين ذلك المهدي الشخصي! أنا الرجل الذي تنتظرونه منذ ألف عام).
ولم يبالِ بأنْ يجرؤ فيدَّعي - رغم ما كشفه منطقه وكتاباته من جهل فاضح - أنَّ مقامه يتقدَّم مقام النبيِّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فمقامه النقطة ومقام محمّد الألف!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١) البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ص ٦٦).

↑صفحة ١٩↑

وزعم أنَّ هذيانه الهزيل - أُسلوباً ولغةً ومضموناً - في كتابه (البيان) يفوق القرآن، وأنَّ كلَّ كلمة منه - كما خُيِّل له - معجزة...، وأشباه ذلك.
وألغى أتباعه - في مؤتمر بيداء بديشت - الشريعة الإسلاميَّة، وخطبت قرَّة العين (زارين تاج) التي يُسَمُّونها الطاهرة مطالبة بالإباحة.
أمَّا مدَّعي المهدويَّة في الهند الميرزا غلام أحمد بن مرتضى القادياني المتوفَّى سنة (١٩٠٨م) الذي أنشأ طائفة لا تزال قائمة حتَّى الآن، فقد ادَّعى أنَّه عين المسيح الموعود، وأنَّه كلُّ الأنبياء، وأنَّه رأى نفسه ذات مرَّة الخالق نفسه سبحانه وقام بعمليَّة الخلق كاملة!
ولا تعليل لذلك وأمثاله - من جرأة وتقحُّم في القول والفعل - بغير ما أشرنا إليه من مسالكهم، وما تُؤدِّي إليه بطبيعتها من هلوسات، طبقاً للمتوقَّع من رؤى الواصلين لها منهم ومقاماتهم، أو الخلق بالخيال لما تصوَّروه طبقاً لما تحدَّث عنه ابن عربي، وإلَّا على اساس القول بالوحدة المطلقة، لا كحالة شهود آنيَّة ضمن حالة استغراق في النظر إلى الله تعالى ليُعتذَر عنها بالحال، والمحو، والسكر، والغياب، والشطح، والنظر بالعين اليمنى، وما أشبه ممَّا ذكروه في الاعتذار عن بعض أهل السلوك(١٢)، بل بوصفه قاعدة ثابتة تُمثِّل في نظرهم الحقيقة المطلقة، ولذلك أسقطوا على أساسها التكليف بنفي المكلَّف موضوعاً، وقالوا ما شاءوا، وأسَّسوا طوائف استقلَّت عن الإسلام جملةً. لكن القول بنظريَّة الوحدة لا يُعلِّل إلَّا الجرأة واللَّاأُباليَّة. أمَّا ما يرون ويسمعون ويأتون به فله أسباب أُخرى سنتحدَّث عنها في فصول الجزء الثاني من هذا الكتاب بالتفصيل ابتداءً من الأُسُس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) لم ترد هذه المصطلحات وما تدلُّ عليه عن المعصومين (عليهم السلام) بوصفها عذراً لما يصدر عن أصحابها إلَّا أنْ تكون مصداقاً لفاقد العقل.

↑صفحة ٢٠↑

ولا يكتفي الغنوصيُّون والباطنيُّون من أصحاب الطُّرُق الضالَّة جميعها، وفي جميع الأُمَم كالبراهمة، والبوذيِّين، واليهود، والنصارى، والمسلمين، ومنهم مدَّعو البابيَّة والمهدويَّة، على ما عُرِفَ من تاريخهم، بالدعوة النظريَّة المجردَّة، أو برسم مناهج سلوكيَّة خاصَّة من شأنها أنْ تُهيِّئ النفوس والأذهان لقبول آرائهم والإيمان بمقاماتهم، بل يتوسَّلون لإثبات خصوصيَّتهم بالإمكانات والقوى الروحيَّة التي هي إمكانات ذاتيَّة لدى كلِّ إنسان تتجلَّى وتقوى حتَّى تبرز بالفعل - بما يتوسَّلون به - إلى صقل أنفسهم وتقوية إراداتهم من الرياضات الخاصَّة المعروفة لديهم جميعهم كالعزلة، والصمت، والصوم المتواصل - بصورها اللَّامشروعة -، وترك اللحوم، والسهر، وإيثار الجلوس في الظلمة أو قلَّة الضوء، وأشباه ذلك. وقد تحصل أيضاً بتلبُّس كائن روحي من عالم آخر بالأسباب السابقة نفسها، وبفتح ذواتهم المطلسمة أصلاً عناية من الله تعالى للصلة بها من قِبَل هذه الكائنات اختياراً، واستدعائها تلباثيًّا كما هو المعروف في تحضير الأرواح، وعند حصولها - بهذه الصورة أو تلك - يكون ما هو شائع في أوساطهم وفي غيرها من الكشف النسبي، والرؤية عن بُعد، وقراءة الأفكار، وخلع البدن إراديًّا، وغير ذلك ممَّا أثبتت الدراسات التاريخيَّة

↑صفحة ٢١↑

والباراسايكولوجيَّة المعاصرة انتشارها لدى كلِّ الأُمَم دونما فرق بين ملتزم ومتحلِّل، ومؤمن وكافر(١٣).
بل يتوسَّل أصحاب هذه المسالك - كما أشرنا في الهامش الأوَّل من هذه المقدَّمة - بالسحر والشعوذة والاستحضار والاستخدام والتسخير لإحداث ما يُسمَّى بالظواهر الخارقة، وهي أيضاً ممَّا أثبتت الدراسات التاريخيَّة والبارسايكولوجيَّة الحديثة شيوعها عند جميع الأُمَم كذلك، من دون فرق بين الملتزم والمتحلِّل من أفرادها، بما أنَّها آثار وضعيَّة لأعمال معيَّنة، وبذلك نفت خصوصيَّتها ودلالتها على سموِّ الذات أو الطاعة لله والقرب منه، وهو ما يحاول هؤلاء الأدعياء الإيهام به، بل هي على العكس تماماً - لحرمتها شرعاً - وسيلة وغاية. ومن أخطر ما عُرِفَ من وسائل هؤلاء أنْ يوجِّهوا الأرواح السفليَّة المسخَّرة لهم - بما توسَّلوا به - من الخلوة والأوراد المعروفة - كأمثال ما يذكره البوني في منبع أُصول الحكمة - إلى أنْ تتلبَّس الموصولين بهم وتناجيهم ليوهموهم أنَّهم أصبحوا بذلك على صلة بالإمام الكوني أو بالله أو بالملائكة لا فرق.
وحين يرى هؤلاء البؤساء - وأغلبهم ساذجون أو جهلة على الأقلّ بهذه العوالم - أنَّهم أصبحوا يسمعون ما لا يسمعه غيرهم، ويرون ما لا يراه سواهم، وحين يُخبَرون بنبأ فيتحقَّق، أو يرون حدثاً بعيداً مكانيًّا فيتأكَّد، أو يُقرَأ لهم طويَّة إنسان فتبرز بعدئذٍ، أو يستحوذ عليهم وينطق بألسنتهم أو يتصرَّف بهم ويُوجِّههم، وأمثال هذه الظواهر المعروفة لدى المروِّجين - قدماء ومحدَثين من دون خصوصيَّة دين أو التزام -، يزدادون اعتقاداً بأنَّهم أصبحوا مقرَّبين، وموصولين بالفعل. وعندها تتأكَّد تنظيرات مدَّعي البابيَّة والمهدويَّة وتوجيهاته وبشاراته عندهم، ويصبحون - بالإيحاء الدائم والمناجاة المستمرَّة - رهن إشارته وقيد أمره ونهيه حتَّى في ما جاوز حدود الله، وخالف سبيله، وخرج على منطق العقل، وميزان الأخلاق العامَّة.
وقد يشتدُّ هذا التلبُّس الشيطاني على بعضهم أحياناً فتربد وجوههم، وتتغيَّر سحناتهم، ويصابون بالكآبة ويلزمون البيوت ويتركون الطعام أيّاماً أو أسابيع، وقد تختلج بعض جوارحهم أو يثغون كالشاة أو يرغون كالبقرة(١٤)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣) ستقرأ ذلك مؤشِّراً إلى عشرات المصادر قديمة وحديثة في الجزء الثاني إنْ شاء الله، ومثل ذلك ما يليها من وسائلهم.
(١٤) اقرأ في ذلك ما كتبه الحكيم المحدِّث الفيض الكاشاني (رحمه الله) في كتابه الحقائق (ص ٢٤٣).

↑صفحة ٢٢↑

ولكنَّهم - وهذا موضع العجب - لا يرون في ذلك بأساً، فهم - كما يعتقدون - على صلة بالإمام، بل هم يرون أنفسهم في نعمة رغم ما أنزله بهم من أذى، وأصارهم إليه من منكر.
إذ لا ينبغي - في نظرهم - لأحدٍ أنْ يحدَّ الإمام أو يضع تصرُّفاته في نطاق المعقول واللَّامعقول، والجائز واللَّاجائز، وما ذلك إلَّا لجهلهم بالله وصفاته أوَّلاً، وبالإمام (عليه السلام) بوصفه حجَّة لله ثانياً، وبمعنى الحدِّ واللَّاحد ثالثاً. ولعدم معرفتهم أيضاً الفرق بين إلمامة المَلَك، وإلمامة الشيطان.
إنَّ ما أشرت إليه واقع قائم لدى أصحاب هذه الدعاوى بشواهده، وليس خيالاً.
إنَّ الأرواح أو الموجودات اللَّامادّيَّة لا يمكن التحقُّق من هويَّتها ومعرفة انتمائها لنثق بها أو نحذر منها، وإنَّ طبيعة ما أعطى الله من الاختيار في عالم الجنِّ والإنس يسمح لها بالادِّعاء والإغواء، ولم يضمن الله لنا العصمة منها ابتلاءً إلَّا بالعقل بوصفه حجَّة ذاتيَّة باطنة، وبالدين بوصفه حجَّة موضوعيَّة ظاهرة، ولذلك فإنَّ المعيار الذي يجب أنْ يظلَّ ماثلاً دائماً أمام من يُبتلى بالصلة بها - إذا لم يمكنه طردها - هو تطابق مفاهيمها وصورة تعاملها وما تعطيه من تعاليم ومعلومات، مع منطق العقل والدِّين، وما يعطيانه من قِيَم وموازين، بمعنى أنْ لا يُعطي - لما استقلَّت به - قيمة، وأنْ لا يعير لادِّعاءاتها بالاً. لقد ذكر القرآن الكريم في عدد من آياته - التي يمكن الرجوع إليها في مادَّة جنٍّ وشيطان وقرين من المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم - ما يوجب الاحتياط والحذر من الانسياق وراء ما توحيه كائنات هذا العالم الخفيِّ من الجنِّ والشياطين خوفاً من السقوط في الهاوية التي يتردَّى بها أمثال هؤلاء.
فقال تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى

↑صفحة ٢٣↑

أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرضِ حَيْرَانَ﴾ (الأنعام: ٧١).
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ (الأنعام: ١١٢ و١١٣).
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ (الأنعام: ١٢١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ٣٠).
وقال سبحانه ردًّا على من يزعم من هؤلاء أنَّه إنَّما كان يطيع الملائكة: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ (سبأ: ٤٠ و٤١).
وردَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام) على من زعم من الغلاة أنَّه رأى وسمع وتجلَّى له، كما ستقرأ ذلك في ما ادَّعاه بعض الغلاة في الفصل الخاصِّ بهم من الجزء الثاني، قائلين: (إنَّه شيطانك، إنَّه المذهب، أو المتكوِّن...).
وجاءت أحاديث كثيرة تقول: إنَّ على يمين كلِّ إنسان مَلَك يُوحي له بالطاعة، وعلى يساره شيطان يأمره بالمعصية(١٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ٢/ ص ٢٦٦ و٢٦٧/ باب بدون العنوان/ ح ١) بسنده عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)، قَالَ: «مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَلَه أُذُنَانِ عَلَى إِحْدَاهُمَا مَلَكٌ مُرْشِدٌ وَعَلَى الأُخْرَى شَيْطَانٌ مُفْتِنٌ، هَذَا يَأْمُرُه وَهَذَا يَزْجُرُه، الشَّيْطَانُ يَأْمُرُه بِالمَعَاصِي، وَالمَلَكُ يَزْجُرُه عَنْهَا، وهُوَ قَوْلُ الله (عزَّ وجلَّ): ﴿عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ و١٨]».

↑صفحة ٢٤↑

وفي ذلك، وفي التجارب التي يُقدِّمها التاريخ ما فيه من بلاغ وحجَّة، وقد كتب الباراسايكولوجيُّون والروحيُّون المعاصرون تحت عنوان: مسّ أو استحواذ أو تلبس أو ضربة الشيطان، حوادث مأساويَّة كثيرة جدًّا تتَّصل بذلك، سنتحدَّث عن بعضها في الجزء الثاني أيضاً من هذا الكتاب.
على أنَّه من الممكن، بل من الواقع قطعاً أنْ يكون بعض هؤلاء الأدعياء وبعض أتباعهم مريضاً مصاباً بالبرانويا أو الذهان والهلوسة (بصريَّة أو سمعيَّة أو شمّيَّة أو ذوقيَّة)، فإنَّ بين هؤلاء المرضى - كما يقول أطبَّاء الأمراض النفسيَّة والعقليَّة - مَنْ لا يشعر بأنَّه مريض، بل يتخيَّل نفسه قدِّيساً ووليًّا موصولاً ونبيًّا وما أشبه، ويمشي بوقار، ويجلس بصمت وإطراق، وبشيء من الغياب. وقد يرى أنَّ الناس حمقى ومجانين، وأنَّهم لجهلهم لا يعرفون قدره ولا قيمة أفكاره، بل إنَّ بعض هؤلاء - كما يقول الأطبَّاء - مَنْ يتمتَّع بهيمنة ومنطق وقدرة على الإقناع في جوانب معيَّنة، وقد يملك قابليَّة على الاستبصار، إلَّا أنَّه يبدو خارج الموازين العقليَّة والشرعيَّة، ويبدو مخلطاً بصورة بائسة في جوانب أُخرى. وهناك شواهد كثيرة على أنَّ بعض هؤلاء الأدعياء وبعض أتباعهم من هذا الصنف قطعاً، وأنَّهم لذلك - رغم أذاهم - يستحقُّون العطف بحكم حالهم المرضيَّة، وأنَّهم - إذا لم يعوا ما يقولون أو يفعلون - غير مسؤولين.
وذلك أحد الأسباب التي جعلت بعض المؤمنين يرفض الانسياق مع حملة التشهير ببعضهم، لأنَّها تخلط الحقَّ بالباطل، وتجمع البريء والمذنب، رغم ما ناله من ذلك - لدى الناس - من أذى.

↑صفحة ٢٥↑

لكنَّه يرى - مع ذلك - أنَّ مكان المرضى - إذا كانت أمراضهم سارية كهؤلاء - الإبعاد والعزل كالمصاب بالإيدز والجذام والكوليرا، حمايةً لعباد الله والضعفاء من خلقه. على أنَّ البعض الآخر من هؤلاء المدَّعين ليس كذلك قطعاً، والأدعياء الجُدُد - بناءً على ما اشتهر عنهم من قواعد وأقوال وممارسات وأساليب ووسائل - لا يختلفون عن أسلافهم الماضين الذين حدَّثنا التاريخ عنهم بشيء، وهو ما نرجو - مخلصين - أنْ يتنبَّه إليه - بالمقارنة مع ما قدَّمناه - بعض من يحسن الظنَّ بهم، فنحن نؤمن بأنَّ في المتَّصلين بهؤلاء من لا يطلب إلَّا الله، ولا يريد إلَّا القرب منه ومرضاته أصلاً، إلَّا أنَّه صار دون أنْ يريد - بما أشرنا إليه من وسائلهم هذه وغيرها - في حال هو أشبه بحال الإمبراطور الذي أوهمه النسَّاجان الماكران بأنَّه يرتدي الثياب التي نسجاها له رغم أنَّه يرى نفسه ويراه الناس عارياً.
فهم لا يُعَدُّون أنْ يكونوا مخدوعين - وباستهواء -، وهو ما يجعلني أرى أنَّ ما سأُورده في هذا الكتاب - من هذه الجهة - لهم لا عليهم.
وبوصول النُّزُر - ممَّا ذكرناه - عمَّا اشتهر عن هؤلاء، من خلال أسئلة المؤمنين، صدرت عن بعض كبار المراجع فتاوى منشورة وأُخرى شفويَّة بتكذيب هؤلاء الأدعياء جملةً وتضليلهم، وإسقاط عدالة المنضوين إليهم والمؤمنين بهم إذا كانوا يعلمون بما صدر عنهم من مخالفات وعلى غير شبهة(١٦).
ولا شكَّ في أنَّ لهذه الفتاوى أثرها في تحذير المؤمنين الملتزمين بالشرع الواثقين بمراجعه الأعلام (حفظهم الله) وإبعادهم بذلك عنهم، وتضييق دائرة حركتهم في أوساطهم، لكنَّها قليلة الأثر لدى آخرين من المؤمنين ممَّن لا يقنع إلَّا بالتعرُّف المباشر، وتكوين الرأي في مسائل كهذه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦) سننشر ذلك في الجزء الثاني، في بحث (البدعة والردَّة في التشريع الإسلامي).

↑صفحة ٢٦↑

أمَّا بالنسبة للموصولين بهؤلاء، فمن الصعب أنْ يصغي إليها أحد منهم، فضلاً عن التأثُّر بها.
فمن يأخذ بتصوُّره عن الإمام مباشرةً، أو بوساطة هؤلاء الأدعياء، أو بوساطة ما أصحبوهم إيَّاها من الشياطين، لا يرجع إلى الفقهاء بشيء أصلاً. ومن المعروف - في تاريخ أدعياء البابيَّة والمهدويَّة ومن يمتُّون إليهم في المسلك أصلاً - أنَّهم يُصَوِّرون الفقهاء لأتباعهم على أنَّهم أصحاب نفوس وعناوين وكبر، وأنَّهم أهل رسوم وفكر لا يُدركون الحقائق ولا يأنسون بالصلة، وأنَّهم أعداء الإمام (عجَّل الله فرجه)، وهذا هو موقفهم مع كلِّ مَنْ يأبى أنْ يصغي إليهم وإلى شياطينهم أو يقيم لها ولهم وزناً. ثمّ إنَّ مَنْ لا يبالي بأنْ يكون على مستوى المناقضة مع نصوص القرآن الكريم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (فُصِّلت: ٤٢)، ومع ثوابت سُنَّة المعصومين (عليهم السلام)، كيف يمكن أنْ يتأثَّر بفتوى؟
لذلك كان من رأيي أنْ يكون التصدِّي لهؤلاء على الصعيد الفكري والفلسفي، بدراسة مفصَّلة لتاريخ هؤلاء الأدعياء، بدءاً من أوَّل ناجم منهم في التاريخ الإسلامي، وبيان أُسُسهم الفلسفيَّة ومنطلقاتهم وأساليبهم ووسائلهم، والشواهد عليها من أقوالهم وأفعالهم، وما قاله كبار العلماء والعارفون فيهم، رجاء أنْ ينتبه بعض مَنْ غرَّر بهم هؤلاء، أو مَنْ يمكن أنْ يُغرِّروا بهم في المستقبل، وهي مهمَّة صعبة نسبيًّا.
وجاءت ذكرى مولد الإمام المهدي المنتظَر ثاني عشر أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، في شهر شعبان من سنة (١٤١٧هـ/١٩٩٧م)، فألقيت في حفل أُقيم بالمناسبة كلمة تحدَّثت فيها بإيجاز عن الإمام (عجَّل الله فرجه). وكان ممَّا ذكرته بعد تواتر الأحاديث فيه - لدى المسلمين من أهل السُّنَّة والشيعة - من دلائل الإثبات،

↑صفحة ٢٧↑

ظهور دعوات البابيَّة والمهدويَّة - على امتداد التاريخ الإسلامي - في الوسط السياسي والصوفي المغالي، وأنَّ ذلك ما كان ليكون لو لم يوجد للمهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) أساس ثابت ومتواتر لدى الأُمَّة تتوارثه جيلاً بعد آخر حتَّى ينتهي إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة الطاهرين من أهل بيته (عليهم السلام). وانطلقت من ذلك لأُبيِّن ما تصدَّى به العلماء لهؤلاء الأدعياء بدءاً من الأوَّل منهم.
وكان ممَّا ذكرته عدا ما مرَّ مضمونه:
أوَّلاً: عدم تطابق تاريخ هؤلاء الأدعياء مع ما أخبر به الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة من أهل بيته (عليهم السلام)، وما جاء عن بعض الصحابة والتابعين (رضي الله عنهم) من تحديد لهويَّة الإمام (عجَّل الله فرجه) اسماً ونسباً، وصفات وموقعاً، وزماناً، وخفاء ولادة وغيبة، وظهوراً.
ثانياً: لم تسبق أيُّ واحدٍ منهم أو ترافقه أو تتأخَّر عنه العلامات والآيات التي تتَّصل بالإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه) في هذه الأزمنة الثلاثة المتَّصلة به، كما جاء في هذه الأحاديث.
ثالثاً: عدم تطابق علم أيِّ واحدٍ منهم وخُلُقه وسلوكه على المستوى العامِّ والخاصِّ مع ما هو معروف عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، وبروز نزعة الادِّعاء والتآمر عليهم، وكثرة الشطط والتناقض عندهم.
رابعاً: لم يتحقَّق على يد أيِّ واحدٍ منهم ما يفترض تحقيقه لدى ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) على مستوى العالم فضلاً عن الأُمَّة، ومنها أنْ يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وأنْ يُوحِّد العالم ويجعل الإسلام - كما أُنزل - محوره وميزانه، بل على العكس فإنَّ كلَّ واحدٍ من هؤلاء ترك جرحاً جديداً، وسبيل فرقة مضافاً، بل إنَّ بعضهم ارتكب من المظالم ما استغاثت الأُمَّة منه بالله، واستشفعت إليه بالإمام وآبائه (عليهم السلام) ليُخلِّصهم من شروره.

↑صفحة ٢٨↑

خامساً: أنَّ الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) ثاني عشر الأئمَّة من أوصياء النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال في التوقيع الصادر لنائبه الرابع عليِّ بن محمّد السمري المتوفَّى سنة (٣٢٩هـ) بعد أنْ أخبره بالغيبة الكبرى: «وَسَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي اَلمُشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَنِ اِدَّعَى اَلمُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ اَلسُّفْيَانِيِّ وَاَلصَّيْحَةِ فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ»(١٧).
ولا شكَّ في أنَّ الدافع لمثل هذا التحذير ما أعلمه الله به من ظهور هؤلاء الأدعياء وخداعهم للمؤمنين باسمه (عجَّل الله فرجه)، فأراد أنْ يُنبِّههم إلى عدم قبول ذلك منهم، وإلَّا فإنَّ أهل العلم والإيمان أجلّ وأخشى لله من أنْ يفعلوا شيئاً من ذلك.
سادساً: أنَّ الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) أَمَرَ في التوقيع الذي رواه محمّد بن يعقوب الكليني (رحمه الله) عن إسحاق بن يعقوب، عن محمّد بن عثمان العمري، أنْ يُرجَع في معرفة الأحكام الشرعيَّة إلى رواة حديثهم (عليهم السلام)، ولو كان هناك طريق آخر للصلة المباشرة في الغيبة لنبَّه إليه، فقال (عجَّل الله فرجه): «وَأَمَّا الحَوَادِثُ الوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا، فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ، وَأَنَا حُجَّةُ اَلله عَلَيْهِمْ»(١٨).
سابعاً: أنَّ خروج هؤلاء الأدعياء المدَّعين للمهديَّة والنبوَّة نفسه هو إحدى العلامات التي تسبق ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه)، فقد ورد في حديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رواه الشيخ المفيد (رحمه الله) في (الإرشاد)، قال فيه: «لَا تَقُومُ اَلسَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ اَلمَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِي، وَلَا يَخْرُجُ اَلمَهْدِيُّ حَتَّى يَخْرُجَ سِتُّونَ كَذَّاباً كُلُّهُمْ يَقُولُ: أَنَا نَبِيٌّ»(١٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧) كمال الدِّين (ص ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤)، الغيبة للطوسي (ص ٢٩٥/ ح ٣٦٥).
(١٨) كمال الدِّين (ص ٤٨٤/ باب ٤٥/ ح ٤)، الغيبة للطوسي (ص ٢٩١/ ح ٢٤٧).
(١٩) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٧١)؛ ورواه الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٧٩)، والمقدسي الشافعي في عقد الدُّرَر (ص ١٨ و٦٤)، ومرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي في فرائد فوائد الفكر (ص ٢٦٥).

↑صفحة ٢٩↑

ثامناً: يكفي في تكذيبهم القاطع - مع غضِّ النظر عن كلِّ ما قدَّمناه - مناقضة ما صدر عنهم لكتاب الله الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (فُصِّلت: ٤٢)، ولثوابت السُّنَّة الشريفة، فهما لا يفترقان حتَّى القيامة كما جاء في حديث الثقلين.
الكلمة التي أصبحت كتاباً:
وطلب إليَّ مَنْ أُحِبُّ وأُقدِّر من أهل العلم والفضل، وبعض الأساتذة من المؤمنين، استنساخ الكلمة للإفادة منها ضمن الظرف، فطلبت إمهالي إلى ما بعد رمضان لأُفيد من لياليه في تلافي جوانب النقص فيها، فما يُكتَب للإلقاء غير ما يُكتَب للقراءة، فسأذكر في هذه بعض ما لم يتيسَّر لي ذكره من جوانب ذات أهمّيَّة، وأتوسَّع في ما أوجزت فيه ممَّا يستحقُّ ذلك، وأُشير إلى المصادر والمراجع للإفادة منها لتكون الكلمة أكثر نفعاً.
ورغم شواغل علميَّة طارئة(٢٠) أخذت منِّي جهداً ووقتاً، فقد أصبحت الكلمة عند نهاية شهر رمضان كُتيِّباً أسميته (الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) وأدعياء البابيَّة والمهدويَّة بين النظريَّة والواقع)، وقسَّمته - كما ينبغي في مثله - إلى فصلين: الأوَّل في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، والثاني في أدعياء البابيَّة والمهدويَّة. وقدَّرت وأنا أُسلِّم الفصل الأوَّل منه ريثما أُتِمُّ وأستنسخ الفصل الثاني استعجالاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) منها المشاركة في الندوة العلميَّة التي أقامتها نقابة الأطبَّاء في النجف الأشرف في يوم (١٨) رمضان من سنة (١٤١٧هـ)، المصادف (٢٧/١/١٩٩٧م) بعنوان: بعض الجوانب الطبّيَّة والدِّينيَّة في الموت، وقد ألقيت فيها بحثاً بعنوان (الروح بين الفلسفة والعلم والقرآن)، وقد اشترك معي في الندوة د. مازن إسماعيل رئيس قسم الباثولوجي في كلّيَّة طبِّ الكوفة، ود. عليّ الشالجي جرَّاح الجملة العصبيَّة في مستشفى صدَّام، وقد قدَّم للندوة وأدارها د. محمّد محيي التلال نقيب الأطبَّاء، وتلتها ندوات أُخرى مماثلة.

↑صفحة ٣٠↑

للتنضيد في العشرة الأُولى من شوَّال سنة (١٤١٧هـ)، أنَّه سيكون بحدود (١٥٠) صفحة، لكنَّ الله سبحانه شاء أنْ يكون الأمر غير ذلك، فلدى قراءتي المصادر والمراجع في الموضوع رأيت أنَّ هناك جوانب هامَّة بحاجة لوقفة أطول ممَّا فعلت، وذلك ليُؤدِّي الكتاب شيئاً من الرسالة في موضوعه، ورأيت أنَّ أمرين هامَّين جدًّا لديَّ، هما:
الأوَّل: أنَّ كتابتي عن المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) يجب أنْ لا تكون مدخلاً وتمهيداً للحديث عن أدعياء البابيَّة والمهدويَّة كما هو المقرَّر في البداية، بل أساساً هامًّا تعتمد عليه المناقشة والردُّ عليهم ضمن النقاط من أوَّلاً إلى خامساً في الكلمة بحكم اتِّصالها بتحديد هويَّة الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) التي نستطيع بها نفي سواه.
الثاني: أنَّ هناك بعض المفردات التاريخيَّة والغيبيَّة تثير الشكوك والتساؤل لدى بعض الباحثين، كخفاء ولادته، وغيبتيه الصغرى والكبرى، وامتداد بقائه، وإمكان مشاهدته، وكيفيَّة انتصاره في مثل عصرنا، مع ما نعلم من تقنيَّات السلاح لدى الدول الكبرى غير الإسلاميَّة.
ثمّ لابدَّ بعد ذلك وفي موضوع أدعياء المهدويَّة والبابيَّة من تناول تاريخها، وما اعتمدته من أُسُس فلسفيَّة ودينيَّة، والوقوف عند الفِرَق التي نجمت منها. وما هي مبادئها ووسائلها؟ وما الذي قالته وفعلته؟ وما هو أثرها التاريخي؟
وهكذا امتدَّ الكتاب من فصلين إلى عشرة فصول وقد يكون أكثر، ومن (١٥٠) صفحة إلى ما يُقدَّر بـ(٨٠٠) صفحة وقد يكون أكثر، فبعض فصول الجزء الثاني لم تُكتَب بعد. ذكرت ذلك لأُبيِّن أنِّي لم أرسم لهذا الكتاب خطَّة سابقة بحكم ما أشرت إليه، وإنَّما هو الذي رسم خطَّة نفسه أثناء كتابتي له.
وكنت أُعطي المكتب الذي احتملني صاحبه بإخاء وصبر - جزاه الله

↑صفحة ٣١↑

خيراً - ما ينجز لديَّ من صفحات استعجالاً، فالكتاب قد قصدت به بدءاً هدفاً رساليًّا لا عملا علميًّا، وذلك ما أرجو أنْ يكون عذري عمَّا قد يكون أدَّى إليه فقدان الخطَّة العلميَّة ابتداءً من عدم توازن الفصول وبحوثها كمّيًّا وربَّما كيفيًّا، وما أدَّى إليه الاستعجال وتنضيده بالصورة التي ذكرتها من تكرار بعض الأفكار أو الهوامش وأمثال ذلك، ثمّ ما أحدثته تجزئته إلى جزئين في مرحلة متأخِّرة من ملاحظات مضافة.
وقد جعلت الجزء الأوَّل خاصًّا بموضوع الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، بينما يتناول الجزء الثاني أدعياء البابيَّة والمهدويَّة.
منهج البحث:
وقد كان منهج هذا الجزء - كما أملتها الظروف التي ذكرتها - في خمسة فصول يضمُّ كلُّ فصل منها ثلاثة بحوث، بالصورة التالية:
الفصل الأوَّل، ويتضمَّن ثلاثة بحوث:
البحث الأوَّل، وقد عرضنا فيه أوَّلاً: بيان أنَّ الاعتقاد بظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عقيدة إسلاميَّة لا شيعيَّة فقط، ووقفنا عند المشكِّكين به ورأسهم ابن خلدون، وذكرنا ما أورده من حيثيَّات هذا التشكيك، ثمّ ما تصدَّى له به كبار العلماء من أهل السُّنَّة من مناقشات تُبطِل كلَّ ما استند إليه من هذه الحيثيَّات بصورة مفصَّلة، وتُقدِّم الأدلَّة على صحَّة الاعتقاد بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وظهوره، وأوردنا عدداً كبيراً من الكُتُب الحديثيَّة التي خرَّجت الأحاديث فيه عن (٢٥) صحابيًّا، وما نصُّوا عليه من صحَّة الكثير منها.
وعدت تحت عنوان (الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من عقائد أهل السُّنَّة)، لأُقدِّم عدداً من كبار العلماء نصُّوا على كون الإيمان به من عقائد أهل السُّنَّة، أو نصُّوا على تواتر الأحاديث فيه ممَّا ينتهي حتماً إلى ذلك.

↑صفحة ٣٢↑

وتحت عنوان (من هو المهدي؟ ومتى وُلِدَ؟) بيَّنت اختلاف المسلمين وراء القدر المشترك بينهم فيه، فذكرت اختلافهم في جدِّه الأعلى، وما إذا كان الحسن السبط أو الحسين (عليهما السلام). وذكرت أدلَّة الطائفة الأُولى التي رأت أنَّه من ذرّيَّة الحسن (عليه السلام)، وقد اعتمدت على ثلاث روايات نوقشت أوَّلاً بأنَّها ضعيفة سنداً، وبأنَّ إحداها مقطوعة، وثانياً بأنَّها معارضة بروايات أُخرى أكثر وأصحّ، بعضها عن راوي إحدى الروايات السابقة نفسه، ولأنَّهم نصُّوا على ما أُصيب به هذا الراوي من نسيان وخلط، فقد احتملنا أنَّ الأمر في روايته الأُولى كان نتيجةً لذلك، واتَّهمنا دعاة محمّد بن عبد الله الحسني المعروف بالنفس الزكيَّة بهذا التحريف، كالذي حصل من دعاة المهدي العبَّاسي الذين وضعوا ما يجعله من نسل العبَّاس، فأسقطها المحدِّثون ونصُّوا على وضعها من قِبَلهم.
أمَّا الاختلاف في اسم أبيه، وما إذا كان اسمه عبد الله أو غيره، فقد ذكرنا أنَّ أساس القول في أنَّ أباه عبد الله ما جاء في الحديث الوارد عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من قوله: «اِسْمُهُ اِسْمِي، وَاِسْمُ أَبِيهِ اِسْمُ أَبِي»، والفقرة الأخيرة مضافة للحديث كما يُثبِت البحث.
فقد أخرج المحدِّثون كأحمد بن حنبل في (المسند)، والترمذي، وأبو داود، والطبراني، والبيهقي أحاديث نصَّ المحدِّثون على صحَّتها، خالية من هذه الفقرة.
وقد احصى الحافظ أبو نعيم الأصفهاني طُرُق الحديث عن الجمِّ الغفير كلّها عن عاصم بن أبي النجود، عن عبد الله بن مسعود، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فوجد أنَّ (٢٣) طريقاً منها الأكثر الغالب يُروى عن طُرُق شتَّى.
ثمّ بعد ذلك طريق آخر رواه غير عاصم، عن زرِّ بن حبيش، وهو عمر بن مرَّة. كلُّ هذه الطُّرُق روت الحديث خالياً من هذه الزيادة إلَّا ما كان من عبد الله

↑صفحة ٣٣↑

ابن موسى، عن زائدة، عن عاصم، ولذلك فإنَّ المقارنة بين (٣٤) طريقاً خالية من هذه الزيادة بطريق واحد - مضافاً إلى معارضته بأحاديث أُخرى متواترة تُثبِت بالنصِّ أو الاستنباط بأنَّ أباه الحسن (عليه السلام) - تجعلنا نقطع بسقوطه عن الاعتبار، واتِّهام دعاة محمّد ذي النفس الزكيَّة، أو دعاة محمّد بن عبد الله المهدي العبَّاسي بوضعه.
ثمّ أوردنا ثلاث طوائف من الأحاديث التي رواها حُفَّاظ أهل السُّنَّة ومحدِّثوهم، تنصُّ الأُولى منها على أنَّ الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) من ذرّيَّة الحسين (عليه السلام)، وتنصُّ الطائفة الثانية بأنَّه التاسع من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، والطائفة الثالثة هو بأنَّه الثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، وبذلك تثبت أنَّ أباه بحكم الواقع التاريخي الإمام الحسن (عليه السلام) لا عبد الله.
في البحث الثاني من الفصل الأوَّل وتحت عنوان (موقع الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) من الرسالة، ومن أحاديث الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام)) الذي أردنا أنْ نُبيِّن فيه اتِّساق ما ورد عنهم (عليهم السلام) في كُتُب الشيعة مع ما انتهى إليه البحث الأوَّل، مع إضافة تتَّصل بموقع المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) وببعض مفردات تاريخه، التي تبدو لبعض الباحثين على شيء من الغموض. رأينا أنَّه لابدَّ لكي تأخذ الأحاديث المرويَّة عن الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام) موقعها في الاستدلال من حديث موجز عن نظريَّة الإمامة وأدلَّتها، فبذلك تأخذ الأحاديث الواردة عنهم (عليهم السلام) القيمة نفسها المعطاة لأحاديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بصفتهم أوصياءه وامتداده في العصمة العلميَّة والعمليَّة. وخلصنا بالربط بين الحديث الصحيح الذي ينصُّ على أنَّ الأئمَّة من بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اثنا عشر، وبين أدلَّة الإمامة الأُخرى إلى أنَّ أهمّيَّة الإيمان بالإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) لا تأتي من كونه موضوعاً ثابتاً بالتواتر عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقط، بل لأنَّه - وهذا هو الأهمّ - يتَّصل بأصل

↑صفحة ٣٤↑

من أُصول العقيدة، وهو الإمامة التي تقتضي أدلَّتها الإيمان بالأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) على نحو العموم المجموعي.
وبذلك فسَّرنا الاهتمام الخاصَّ والاستثنائي الذي أعطاه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأوصياؤه (عليهم السلام) للحديث عن موضوعه (عجَّل الله فرجه)، بحيث لم يغفل أحد منهم (عليهم السلام) التبشير به والحديث عن كلِّ مفردة من تاريخه، ولولا ذلك لكان من الصعب أنْ يستوعب المؤمنون ما يحيط بتاريخه من ملابسات وغموض. وقد أشرنا إلى أنَّ في الأحاديث الواردة عن كلِّ واحدٍ منهم (عليهم السلام) - عدا تواترها واتِّساقها في الدلالة في ما تحدَّثت عنه من شأنه - وجه دلالة أُخرى مضاف، وهو أنَّها أو بعض كثير منها - كما يقول الشيخ الصدوق (رحمه الله) - رُويت وحُفِظَت في الصُّحُف ودُوِّنت في الكُتُب قبل أنْ تقع الغيبة بمائتي سنة أو أكثر. وقد قدَّمنا عدداً من الكُتُب المؤلَّفة لإيراد الأحاديث الواردة في موضوعه (عجَّل الله فرجه) ابتداءً من عصر الغيبة الصغرى.
ثمّ اخترنا أمثلة ممَّا روي عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكلِّ واحدٍ من أوصيائه (عليهم السلام) بإضافة الزهراء فاطمة (عليها السلام) تتناول ما أشرنا إليه من موضوعه وكلِّ مفردات تاريخه، وذكرت في ما أوردته عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ما نصَّ به (عليه السلام) على إمامته وغيبته بعد أنْ أراه لعدد كبير من أصحابه ضمَّ مجلس واحد من أعيانهم أكثر من أربعة وأربعين شخصاً، عدا مناسبات فرديَّة أُخرى كالذي كان من ذلك مع أحمد بن إسحاق الأشعري، وعمرو الأهوازي، وحكيمة بنت الإمام الجواد، وعثمان بن سعيد، وإسماعيل بن عليٍّ النوبختي، وكامل بن إبراهيم المدني، وأبي الأديان(٢١). أمَّا ما ورد عن الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) نفسه من إشارته إلى نفسه وتاريخه بالصورة التي تحدَّث عنها آباؤه (عليهم السلام)، فقد ذكرته في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١) راجع البحث الأوَّل من الفصل الثاني: (ولادته (عجَّل الله فرجه) وغيبته الصغرى).

↑صفحة ٣٥↑

البحث الأوَّل من الفصل الثاني الذي تناول إخفاء ولادته، واضطلاعه بالإمامة طفلاً، وغيبته الصغرى، لنُدلِّل على أنَّ الخفاء والغيبة كانا نسبيَّين.
وخلصنا - في ضوء هذا البحث - متَّسقاً مع البحث الأوَّل إلى الخلاصة التالية:
١ - أنَّ المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) هو الإمام محمّد بن الحسن العسكري (عليه السلام)، الثاني عشر من أهل البيت (عليهم السلام)، أوصياء الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، المولود في النصف من شعبان سنة (٢٥٥هـ).
٢ - أنَّه لا يوجد فصل نَسَبي ولا زماني بين الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) وبين أوصياء الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وشهود رسالته من آبائه (عليهم السلام)، وأنَّه (عجَّل الله فرجه) داخل - دون انقطاع - في الأئمَّة الاثني عشر الذين نصَّ عليهم الحديث المتَّفق على صحَّته، وما تُعطيه أدلَّة الإمامة الأُخرى من خصوصيَّة العصمة العلميَّة والعمليَّة، والتأييد بالملائكة، والمرتبة التي تجعل المسيح (عليه السلام) يُصلِّي خلفه، ومن الصعب إثبات هذه الخصوصيَّات الثابتة له مع الانقطاع الزمني والنَّسَبي الذي تفترضه النظريَّة الأُخرى.
٣ - أنَّ الأحاديث المرويَّة بصورة متواترة فيه تُشخِّصه بكلِّ مفردات تاريخه، وتُفسِّر الجوانب الغامضة منها، وتنظر لها بما يوجد في تاريخ الرُّسُل والأنبياء (عليهم السلام). فهو معروف بها اسماً ونسباً وموقعاً عدديًّا من سلسلة الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام)، ووالداً ووالدةً، وخفاء ولادة، وصفة، وغيبة صغرى وكبرى، وظهوراً، وما يسبق ذلك من علامات عامَّة وخاصَّة، وما يرافقه ويتأخَّر عنه من آيات وخصوصيَّات زمنه وعالمه، وغير ذلك ممَّا لا يترك مجالاً لادِّعاء موقعه من غيره مطلقاً.
وهي نتائج حاسمة وهامَّة من دون شكٍّ.

↑صفحة ٣٦↑

في البحث الثالث من الفصل الأوَّل تحدَّثت عن رأي أهل الكشف ممَّن هم من أهل السُّنَّة أصلاً، وموافقتهم لما يراه الإماميَّة من كون الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) هو الإمام الثاني عشر محمّد بن الحسن العسكري. ولم أجعله دعامة أساسيَّة ودليلاً بل مؤيِّداً، لذلك قدَّمت خلاصة البحث قبله، وذكرت في بداية ذلك الإشكال على استدلالي بالكشف مع عدم إيماني بحجّيَّته إذا استقلَّ، وأجبت عنه. ثمّ ذكرت ما وقع به ابن خلدون من خطأ في نسبة هذا الرأي للمتأخِّرين من الصوفيَّة وإشارته إليه مجملاً، واستشهدت على سبيل الإجمال بما أورده أبو بكر البيهقي المتوفَّى سنة (٤٥٨هـ) والذي سبق ابن خلدون بـ(٣٤٠) عاماً من نصِّه على موافقة أهل الكشف الإماميَّة في تحديدهم لشخص الإمام ونَسَبه وولادته وغيبته وظهوره، ثمّ استشهدت مفصَّلاً بإيراد ما قاله سبعة من أعلامهم في ذلك.
في البحث الأوَّل من الفصل الثاني تحدَّثنا عن خفاء ولادته، وغيبته الصغرى، وما أثاره ذلك من شكوك.
وقد ناقشنا ما يتَّصل بأمر خفاء ولادته:
أوَّلاً: بما أنذر بها مقدَّماً من الروايات المتواترة عن المعصومين (عليهم السلام)، وبيان أنَّها ممَّا تفرضه الظروف الموضوعيَّة المتَّصلة بالسلطة الحاكمة من جهة، وبعمِّه جعفر الكذَّاب من جهة أُخرى، وقد أشرنا هنا إلى بعض ما قدَّمناه منها.
ثانياً: أنَّ خفاء ولادته كان نسبيًّا، وأشرنا إلى ما مرَّ من أنَّ أباه الحسن (عليه السلام) أراه كما قدَّمنا في الروايات الواردة عنه من الثالثة حتَّى الثامنة إلى عدد كبير من شيعته، ونصَّ (عليه السلام) أمامهم على إمامته، وأوردنا أيضاً من ذلك منها ما لم نورده هناك، وذكرنا عدداً آخر ممَّن شهد بولادته، ورؤيته، ورأى دلائل الإمامة منه.
تحدَّثنا عن غيبته (عجَّل الله فرجه)، وانقطاعه عن الصلة بالناس في الغيبة الصغرى،

↑صفحة ٣٧↑

فقد ربطناها - كما هو الواقع - بنفس الظروف الموضوعيَّة التي أوجبت إخفاء ولادته (عجَّل الله فرجه)، وذكرنا في الإجابة على التساؤلات:
أوَّلاً: إنذار المعصومين (عليهم السلام) بها، والتنظير لها بما ورد في تاريخ الأنبياء (عليهم السلام).
وأشرنا إلى بعض ما أوردناه من ذلك في البحث الثاني من الفصل الأوَّل.
ثانياً: أنَّها كانت نسبيَّة، وقد أشرنا إلى أهمّ مظاهر حضوره وهم النوَّاب الأربعة، ثمّ ذكرنا عدداً آخر ممَّن شهده ورأى البرهان على إمامته فيها، وقد ذكرنا أنَّهم أحصوا ممَّن رآه ثلاثمائة وأربعة أشخاص.
في البحث الثاني من الفصل الثاني تحدَّثنا عن اضطلاعه بالإمامة طفلاً، وما يثيره من إشكال، وتشكيك بعض الباحثين. وقد سقت من الإجابة أوَّلاً لذوي العقليَّات العلميَّة التي تطلب حتَّى في المسائل التي تتَّصل بالمشيئة الإلهيَّة كالنبوَّة والإمامة شواهد من الواقع عدداً من الأمثلة التي سجَّلها العلماء لأطفال جاوزوا المستويات المعروفة في الذكاء والمواهب الروحيَّة والعقليَّة والقدرة على الاستيعاب بالصورة التي تصبح فيها إشارة للمواهب الإعجازيَّة الأسمى في الرُّسُل وأوصيائهم (عليهم السلام).
ثمّ ذكرت ثانياً ما تحدَّث به القرآن في شأن عيسى ويحيى (عليهما السلام).
ثالثاً: بأنَّ عمره (عجَّل الله فرجه) قريب من عمر اثنين من آبائه، هما: الإمام محمّد الجواد والإمام عليٌّ الهادي (عليهما السلام)، وقد اضطلعا بالإمامة واقعيًّا وبأعلى اشتراطاتها، وتعرَّضا لمحاولة السلطة في اختبارهما، فكانا آية مدهشة.
رابعاً: عدم منطقيَّة الإشكال حول كيفيَّة إمامته مع قيامها واقعاً، وخضوع كبار العلماء والمتكلِّمين لها.
في البحث الثالث من الفصل الثاني تحدَّثنا عن نوَّابه وبعض توقيعاته

↑صفحة ٣٨↑

بوصفها دليلاً هامًّا يُضاف إلى ما قدَّمناه على كون غيبته (عجَّل الله فرجه) نسبيَّة، وأنَّه (عجَّل الله فرجه) حاضر مع الأُمَّة في كلِّ شأنٍ يتَّصل بها وإنْ لم تتح رؤيته - بصورة مفتوحة - للجميع. وقد وقفنا عند هذا الموضوع خاصَّة لبيان دلالته بحكم الفترة الطويلة التي تمتدُّ إلى ما يجاوز (٦٨) عاماً كان فيها النوَّاب القناة الرئيسيَّة العامَّة من الأُمَّة إليه (عجَّل الله فرجه) ومنه إليها، وأشرنا إلى أنَّ هؤلاء النوَّاب ممَّن لا يدور حولهم شكٌّ لدى الأُمَّة من أيَّة جهة، لأُمور منها:
١ - أنَّهم معروفون لدى الأُمَّة تقًى، وورعاً، وأمانةً، وعلماً، وقرباً من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، وكان العلماء من الأُمَّة يُدركون تميُّزهم بخصال أوجبت اختيارهم من دون سواهم.
٢ - كانوا موثَّقين من الأئمَّة (عليهم السلام)، ومنصوص عليهم مباشرةً أو بالوساطة، وبصورة تجعلهم بمنزلة اللسان واليد أو ممثِّلين خاصِّين مطلقين، كما جاء في النصوص التي ذكرناها عن النائب الأوَّل عثمان بن سعيد العمري، ثمّ ابنه محمّد بن عثمان (رضوان الله عليهما)، ثمّ الثالث بوساطة الثاني، والرابع بوساطة الثالث.
٣ - كانت أجوبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تصدر على يد كلِّ واحدٍ من هؤلاء النوَّاب الأربعة بالخطِّ نفسه المعروف للإمام (عجَّل الله فرجه) لدى بعض ثقات الأُمَّة من دون تغيير، وبالدرجة نفسها من حيث الأُسلوب والمضمون، ممَّا يشير إلى وحدة الجهة التي يصدر عنها النوَّاب.
٤ - أظهر الله بوساطة الإمام (عجَّل الله فرجه) على يد كلِّ واحدٍ منهم من الكرامات المعجزة ما أعطى دليلاً قائماً مضافاً على حقيقة صلتهم به. وذكرنا نصًّا للشيخ النعماني (رحمه الله) الذي كان معاصراً لهم يشير إلى ذلك. ثمّ تحدَّثنا عن كلِّ واحدٍ منهم وأشرنا إلى مكانته، وما صدر عنه من كرامات وعلم بما نراه كافياً لتجلية الدلالة

↑صفحة ٣٩↑

من هذه النواحي الأربع على كلِّ واحدٍ منهم (رضوان الله عليهم). ثمّ ذكرنا ما صدر على يد كلِّ واحدٍ منهم من توقيعات بخاصَّة تلك التي تتَّصل بموضوع كتابنا من جهة أُخرى، أي ما يصلح أنْ تكون أساساً لنفي أو إثبات في موضوعه الخاصِّ بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من جهة، وبقواعد الغلاة، وأدعياء البابيَّة، ومفاهيمهم من جهة أُخرى، وختمناها بتوقيعه (عجَّل الله فرجه) الصادر إلى نائبه الرابع بوقوع الغيبة الكبرى، وتكذيب مدَّعي المشاهدة قبل الصيحة والسفياني.
في الفصل الثالث وعنوانه (الغيبة الكبرى كيف؟ ولماذا؟) تناولنا في البحث الأوَّل الذي يُجيب على السؤال: (لماذا لا يكون المهدي (عجَّل الله فرجه) رجلاً آخر؟)، وهو سؤال تثيره بعض الإشكالات التي أشرنا إليها، وأجبنا بأنَّ ذلك يفرضه ما ثبت من كونه الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) بوصفه آخر الأوصياء (عليهم السلام)، وإذا كان العقل والنقل يقضيان بعدم خلوِّ الأرض من حجَّة، وكان الله قد ختم النبوَّة بمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - وهو المفروض بحكم رتبته -، فإنَّ المتعيَّن - ورسالته خاتمة الرسالات وأوصياؤه لا أكثر من هؤلاء الاثني عشر (عليهم السلام) - أنْ يكون وصيُّه وامتداده الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) هو صاحب الزمان من عهده الأوَّل حتَّى قيام الساعة.
على أنَّ صفات المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) وموقعه والآيات التي تحفُّه كما هو ثابت في الأحاديث المتواترة، لا يمكن تصوُّرها لمن هو دون مستوى الخلافة للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالمستوى الأخصّ، وليس هناك سوى الإمام الثاني عشر محمّد بن الحسن (عجَّل الله فرجه)، وهو ما أثبتته الروايات المتواترة.
والغيبة الكبرى لا تعني إلَّا غلق الصلة به من جهة الناس لا من جهته لو أراد القيام بالتسديد وإزالة الشُّبُهات تحقيقاً لدوره حجَّةً باقيةً لله، وبما أعطاه الله من وسائل لا تتحدَّد بالصورة المباشرة والمادّيَّة.
ثمّ ذكرنا أنَّ هذه الغيبة - بما ينشأ عنها من حيرة وإشكالات - كالأُولى

↑صفحة ٤٠↑

أنذر بها الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة (عليهم السلام) قبل أنْ يُولَد المهدي (عجَّل الله فرجه) بأكثر من قرنين، واستمرَّ الإنذار بها حتَّى آخر إمام سبقه، ثمّ منه (عجَّل الله فرجه)، وأشرنا إلى بعض ما قدَّمناه منها في البحث الثاني من الفصل الأوَّل.
وذكرنا تحت عنوان (طول العمر بصورة غير معروفة) أنَّ طول العمر لا يثير إشكالاً إلَّا إذا نُظِرَ إليه ضمن القياسات العاديَّة لا في إطار المشيئة الإلهيَّة التي لا تحكمها القوانين التي تقوم بها أصلاً.
وبقاء الإمام (عجَّل الله فرجه) - بما ذكرناه من الأدلَّة ونظَّرنا لها بمعجزات الأنبياء (عليهم السلام) الخارقة لهذه القوانين - قبلناه على هذا الأساس لا على أساس منطق العلم والتجربة. وأشرنا إلى أنَّ هذا هو السرُّ في اختيار الأئمَّة (عليهم السلام) في التنظير أمثلة من تاريخ الأنبياء (عليهم السلام)، إدراكاً منهم لعدم وجود ما يمكن القياس عليه في المجرى العادي والطبيعي في الحياة، ولنوضع في الإطار نفسه. وذكرنا أنَّ بعض العلماء ساق ليُثبت إمكان طول العمر ووقوعه أمثلة ممَّا ذكر من المعمَّرين، وهو كما قال الشيخ المجلسي (رحمه الله) غير مجدٍ بعد ما ذكرناه، ولعدم إمكان التحقُّق من صحَّة غير ما ذكره القرآن من أخبار الآحاد، ويكفي التنظير بالمسيح (عليه السلام) ونزوله، للإجماع عليه، ولوجود ما يدلُّ عليه في القرآن الكريم كما أشار إليه الكنجي.
وسقنا بالمناسبة ما أثاره بعض الباحثين - وفيهم أعلام - من غيبته وبقائه في السرداب، وبيَّنَّا أنَّه لا أساس له، وأنَّه خلط بما هو جارٍ من زيارة المؤمنين للسرداب والدعاء بتعجيل الفرج له وللمؤمنين.
وفي البحث الثاني تحدَّثنا تحت عنوان (ما الحكمة؟) بافتراض أنَّ السؤال - هنا - يُقصَد به الحكمة من وجود مهدي منتظَر أصلاً بوجهين ينطقان بحاجة البشريَّة لذلك:

↑صفحة ٤١↑

الأوَّل: عدم تجاوز البشريَّة لمشاكلها الحادَّة رغم تقدُّمها العلمي، وعدم وجود ما يشير لذلك مستقبلاً.
الثاني: قلَّة ونسبيَّة ما تستطيع أنْ تعرفه من أسرار الكون الهائل السعة والعمق حتَّى في المستقبل، وهو ما يفرض المعلِّم الإلهي دائماً.
وأشرنا - بافتراض أنَّ السؤال قُصِدَ به الحكمة من أنْ يكون هذا المهدي الإمام الثاني عشر - إلى ما أجبنا به في السؤال الأوَّل: لماذا لا يكون المهدي شخصاً آخر؟
أمَّا إذا قُصِدَ به الحكمة من الغيبة الطويلة، فأجبنا بأنَّها انتظار الظرف المهيِّأ لقبول الرسالة الإلهيَّة، وأنَّ ذلك لا يكون إلَّا في آخر ما تبلغه البشريَّة من شوط في النضج والمعرفة.
ودلَّلنا على ذلك بعدم استيعاب الناس ما طرحه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأوصياء من بعده (عليهم السلام) في عصر تأسيس قواعد الرسالة وأُطُرها كما ينبغي، وعدم تجاوبهم معهم نظريًّا وعمليًّا، ممَّا يُحتِّم الغيبة، بانتظار أنْ ينتج من تفاعلهم - مع الواقع التاريخي من جهة، ومع مفاهيم الرسالة من جهة أُخرى - الظرف الملائم لاستيعابها بصورة أفضل، وبالتالي التهيُّؤ لاستقبال الإمام (عجَّل الله فرجه) امتداد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخليفته بالمعنى الأخصّ. وبذلك نفينا أنْ تكون التقيَّة هي السبب للغيبة الكبرى، ورأينا أنَّ طرح بعضهم لها تسامح يقصد به التقيَّة على الرسالة في ظرف لا يقبلها لا التقيَّة الشخصيَّة من قِبَل الإمام (عجَّل الله فرجه)، وقد يكون بعضهم قد نقل ما طرحه الأئمَّة (عليهم السلام) لتفسير الغيبة الصغرى اشتباهاً وخلطاً. وذكرنا أنَّ الغيبة لا تنافي بقاءه حجَّة لله على أهل الأرض، بما أنَّ الغياب لا يمنعه من قيامه بوظيفته في التسديد، والتعليم، والإعانة بما أعطاه الله من وسائل لأداء وظيفته. ولذلك ورد أنَّه (عجَّل الله فرجه) كالشمس من وراء السحاب.

↑صفحة ٤٢↑

وفي البحث الثالث تحت عنوان (هل يعني ذلك إمكان المشاهدة؟) أجبنا بعدم وجود إشكال في الإمكان عقليًّا وكونيًّا إلَّا من جهة ما ورد عنه (عجَّل الله فرجه) من تكذيب مدَّعي المشاهدة في الغيبة الكبرى، وذكرنا محاولة بعض العلماء تضعيف هذا التوقيع، مع كونه خبراً واحداً، وبذلك لا يصلح - كما رأى - لمقابلة القَصص المتواترة برؤية الإمام (عجَّل الله فرجه)، وإيراد العلماء لهذه القَصص - كما قال - يعني عدم اعتبارهم لهذا التوقيع.
وناقشنا ذلك بنفي ادِّعاء كون الحديث ضعيفاً، وأنَّه من الصحيح وفي أعلى درجات الصحَّة، بل ذهب بعض العلماء إلى القطع بصدوره، لقيام القرينة على ذلك. ونفينا أيضاً أنْ يكون مؤدَّاه - في ما عدا إطلاقه - واحداً بالمعنى اللغوي والعددي الذي قصده لا الأُصولي، لورود أحاديث أُخرى بالمضمون نفسه لكنَّها تستثني مولاه الذي يلي خدمته، أو خاصَّة مواليه الذين هم أخصّ من خاصَّة شيعته، فيكونون خارجين تخصُّصاً كما رأى بعضهم، لأنَّ حجب مَنْ هو خاصَّة غير وارد، وتخصيصاً بحكم هذه النصوص وبها يُقيَّد إطلاق التوقيع السابق.
ثمّ ناقشنا دعوى تواتر مشاهدته بأنَّا قرأنا أكثر من أربعين قصَّة منها، فلم نجد فيها ما يدلُّ على المشاهدة المباشرة للإمام (عجَّل الله فرجه) إلَّا تصوُّر أهلها استناداً لظهور شخص، وصدور كرامة أو معجزة، ومع عدم تشخيص أيٍّ منهم للإمام (عجَّل الله فرجه) من حيث الصورة، فإنَّ من الممكن أنْ يكون ذلك عنه ولأمره لا هو (عجَّل الله فرجه)، فلا تكون دليلاً. بخاصَّة وأنَّ أكثر هذه القَصص تدلُّ على تمثُّل جسم غير مادِّي أصلاً فجأةً، وغيابه فجأةً، وتحوُّله نوراً أحياناً، والاستجابة في كلِّ الأمكنة، وتحت كلِّ ظرف، ممَّا ينفي كونه جسماً بشريًّا مادّيًّا، وتلك هي المشاهدة المنفيَّة، ولذلك فمن المحتمل أنْ تكون الرؤية كشفاً وبالجسم المثالي البرزخي،

↑صفحة ٤٣↑

فتكون غير داخلة في النفي، إلَّا أنَّ التحقُّق من صحَّتها مع احتمالات الخلط والهلوسة لا يجعلها تُقبَل إلَّا ممَّن لا يدور حولهم الشكُّ عقلاً وعلماً وتقًى.
وذكرنا عمل العلماء بالتوقيع، وما طرحوه من الجمع بينه وبين ما لا مجال لنفيه من القَصص.
وخلصنا إلى أنَّ مدَّعي المشاهدة يُكذَّب في الحالات التالية:
١ - إذا ادَّعى السفارة والتبليغ.
٢ - إذا ادَّعى معرفة الإمام حال لقائه به.
٣ - إذا كانت دعوى رؤياه بالصورة البشريَّة المادّيَّة.
٤ - إذا لم يكن المدَّعي من خاصَّة الموالي.
وفي الفصل الرابع تناولنا تحت عنوان (ولكن متى؟ لا توقيت ولكن ثَمَّة علامات) ما ورد عن الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام) من النهي عن التوقيت، وربطنا ذلك بما ذكرناه من أنَّ ظهوره (عجَّل الله فرجه) منوط بحصول الظرف الذي يتأهَّل فيه العالم لقبول الرسالة الإسلاميَّة بكلِّ أبعادها، والتسليم بمعرفة وقناعة للهدى الإلهي بقيادة آخر الأوصياء (عليهم السلام).
وتقدير الظرف ليس جبريًّا بحكم (اللَّاجبر واللَّاتفويض)، وإنَّما بالأسباب والقوانين المتَّصلة بها في هذا العالم - كما شاء الله لدى خلقه العالم ابتداءً - ليصحَّ التكليف والمسؤوليَّة. وإذا كان في الأسباب ما هو ثابت فإنَّ فيها ما هو متغيِّر، والخيار الإنساني داخل ضمنها من دون شكٍّ. ولذلك فإذا كان بعض هذه الأسباب في موقع المقتضى والشرط فإنَّ بعضها قد يكون بالنسبة إليه في منزلة المانع. وطبقاً لهذه العلاقة بين المقتضيات والشروط والموانع، بما فيها الخيار الإنساني والفاعليَّة الإنسانيَّة، قد يتقدَّم هذا الظرف وقد يتأخَّر، وهو معنى (البداء) كما فسَّره أهل البيت (عليهم السلام).

↑صفحة ٤٤↑

لذلك لا مجال للإخبارات القاطعة في غير ما هو محتوم، ولهذا السبب نهى الأئمَّة (عليهم السلام) عن التوقيت، أو لأنَّ ظهور الإمام بين يدي الساعة كنذير بعد ختم النبوَّة - كما هو واضح - من الآيات التي تظهر في زمنه، والساعة ترتبط بتقدير كونها تشمل المجموعة الشمسيَّة أو الحجرة، لذلك لا مجال للإخبار بها، وذكروا للظهور وعصره علامات عامَّة وخاصَّة.
ذكرنا بعد أنْ بيَّنا الفرق بينهما في البحث الأوَّل العلامات العامَّة، وفي البحث الثاني العلامات الخاصَّة. ويمكن معرفة ما سقناه في كلٍّ منهما في فهرست الموضوعات.
وفي البحث الثالث تحت عنوان (انتظار الفرج والدعاء بتعجيله) ذكرنا ما وجَّه به الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام) شيعتهم من المسلمين لدى اشتداد المحن وتتابع الفتن في ظروف العلامات العامَّة والخاصَّة قبل ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) من انتظار الفرج والدعاء بتعجيله. وقلنا: إنَّ الانتظار تمليه العقيدة لدى المؤمن ببقاء الإمام (عجَّل الله فرجه) وغيبته وظهوره بطبيعتها، وهو بهذا اللحاظ وما يصحبه من مصابرة وتحمُّل للظروف الموضوعيَّة القاسية وانعكاساتها النفسيَّة والمادّيَّة عبادة وجهاد. وهو ما أراد الأئمَّة (عليهم السلام) تأكيده، وبيان قيمته عند الله حين قالوا عن المنتظِر لأمرهم: إنَّه كالمتشحِّط بدمه في سبيل الله، أو كالميِّت في فسطاط المهدي (عجَّل الله فرجه) وعسكره، وهو أيضاً كما أرادوا أنْ يكون حين وجَّهوا إليه نفي للقنوط واليأس، اطمئناناً بوعد الله سبحانه.
أمَّا الدعاء بتعجيل الفرج الذي هو كما قالوا: فرجنا، فلأنَّه من الأسباب الكونيَّة المؤثِّرة في تقدير الظرف المؤهَّل لظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) كأيِّ سببٍ كونيٍّ آخر بنصِّ القرآن، (وقد شرحنا معنى السببيَّة لإيضاح دخول الدعاء فيها في الهامش). وناقشنا تحت عنوان (الانتظار لا يعني ترك العمل) ما يتصوَّره

↑صفحة ٤٥↑

بعضهم من أنَّ الدعوة للانتظار دعوة سلبيَّة وتخديريَّة، بأنَّ الانتظار حالة نفسيَّة طبيعيَّة من الترقُّب لدى المؤمن بمجيء موعود، يلزمها تلقائيًّا الاستعداد - بما هو المفروض المناسب - لاستقباله، ولذلك فهو حافز العمل لا مخدِّر.
الفصل الخامس في البحث الأوَّل أجبنا على سؤال بعضهم: كيف يمكن أنْ ينتصر الإمام (عجَّل الله فرجه) مع تقنيَّات الأسلحة المتطوِّرة لدى الدول الكبرى، وهو مَنْ غاب تقيَّةً في عصر العبَّاسيِّين؟ وناقشنا هذا السؤال ببيان خطأ النظر إلى الإمام (عجَّل الله فرجه) وحركته وإمكانيَّاته بالحسابات التي ينظر فيها للناس الآخرين، وقياس وظيفته وتعامله في الظهور على ما كان في مرحلة إمامته (عجَّل الله فرجه) في عهد التأسيس، وقلنا: إنَّ الإجابة تقتضي أنْ نعود لنتذكَّر ما قلناه في بيان الحكمة من هذه الغيبة، فقد قلنا هناك: إنَّه انتظار للظرف الملائم. ونعني به أوَّلاً أنْ يتهيَّأ العالم بصورة عامَّة في غاية مساره العلمي والعقلي لتقبل الرسالة الإسلاميَّة حين تُطرَح بأبعادها كما أنزلها الله على رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خالية ممَّا ألحقته بها الاجتهادات المختلفة والتطبيقات التاريخيَّة البعيدة، وهناك أكثر من إشارة واقعيَّة للقاء حقيقي بين ما انتهى إليه العلم والفكر وبين أهمّ الركائز التي يقوم عليها الدِّين والدِّين الإسلامي خاصَّة، (أشرنا في الهامش إلى شيء من ذلك).
وذكرنا أنَّ تقدُّم العلم تصحبه موضوعيَّة وسعة أُفُق من شأنهما إيثار الحقِّ والاستجابة له، وسقنا سبعة عوامل تتَّصل بإمكانيَّات الرسالة نفسها من جهة، وما يُعطيه الله للإمام (عجَّل الله فرجه) في عصر الظهور من مدى وقدرات لا يبلغها التصوُّر من جهة ثانية، (وذكرنا ما أشارت إليه الروايات منها)، ثمّ ما لعصر الظهور من خصوصيَّات إيجابيَّة وسلبيَّة (تحدَّثنا عنها) من شأنها أنْ تساعد على هذا النصر من جهة ثالثة. وقلنا: إنَّ هذه العوامل التي تحدَّثنا عنها بتفصيل، بل بعضها كافية للإجابة عن هذا السؤال.

↑صفحة ٤٦↑

في البحث الثاني تحدَّثنا تحت عنوان (ماذا سيفعل (عجَّل الله فرجه)؟) عمَّا أعطاه أدعياء المهدويَّة لحديث «يَأْتِي بِأَمْرٍ جَدِيدٍ» من معنى محرَّف ينسجم مع ما يحاولونه من هدم الإسلام ونشر البِدَع. وقد ناقشنا ذلك بتفصيل، مبيِّنين مناقضته للثابت من خلود الرسالة، وموقع الإمام (عجَّل الله فرجه) بوصفه وصيًّا للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخليفة له، وأشرنا إلى توقُّف العلماء في ما ظاهره النسخ وتفسيرهم له. وأعطينا المعنى الصحيح للحديث في ضوء الواقع من جهة، وما جاءت به الأحاديث عمَّا يفعله الإمام (عجَّل الله فرجه) من جهة ثانية، وخلصنا إلى أنَّ رسالة الإمام (عجَّل الله فرجه) هي رسالة الإسلام نفسها كما أُنزلت على الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، عارية عن الاجتهادات النظريَّة المختلفة، والتطبيقات التاريخيَّة البعيدة، متَّصلة بما أعطى اللهُ الإمامَ (عجَّل الله فرجه) من إمكانات استثنائيَّة خاصَّة في صورة التطبيق ومداه.
وفي البحث الثالث تحت عنوان (الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) وعقيدة الرجعة) ذكرنا ارتباط هذه العقيدة بالإمام (عجَّل الله فرجه) أمراً وشخصاً وزماناً، وذكرنا الآراء الثلاثة المطروحة فيها.
والأوَّل يرى أنَّها تعني رجوع أمر أهل البيت (عليهم السلام) لا رجوع بعض الأموات، وذكرنا ما حملهم على هذا الرأي، وأبطلناه. وأوردنا ما قاله العلماء من أنَّ ما ورد في الرجعة نصوص لا تقبل التأويل.
والرأي الثاني يرى أنَّها تعني رجوع الإمام (عليه السلام) نفسه كعيسى (عليه السلام) الذي لا خلاف بين المسلمين في رجوعه مع أنَّه قد توفَّاه الله، وسقنا ما ذُكِرَ من عدم منافاة هذا الرأي لحياة الإمام (عليه السلام) طبقاً للمفهوم الحقيقي للحياة الذي لا ينافيه الموت بمعناه الذي يعني الانتقال لا بالمعنى العامِّي الشائع من الانقطاع، وأنَّ ذلك لا ينافي أيضاً استمرار مهمَّته في الإمامة التي تعني التوجيه والتسديد والتعليم، للصلة المفتوحة بين أهل السماء والأرض، وكما

↑صفحة ٤٧↑

هو جبرئيل بالنسبة للرُّسُل (عليهم السلام). وناقشنا ذلك بمنافاته لبقاء التكليف، ولصريح بعض الروايات.
وذكرنا رأياً آخر فحواه أنَّ هذا الموت ليس طبيعيًّا وإنَّما هو إرادي، وهو معروف في تاريخ الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام) باسم العروج، ومعروف لدى الحكماء أيضاً وفي الدراسات البارسايكوجيَّة الحديثة باسم الخروج الواعي أو الإرادي من الجسد. ونزع البدن إراديًّا والعودة إليه لا ينافي بقاء الإمام (عليه السلام) في الأرض، وحياته بالصورة المادّيَّة فيها. وهو ما يُفسِّر لنا استجابته لمن شاء الله في أيِّ ظرف وأيِّ مكان، وتمثُّله فجأةً وغيابه فجأةً، ولكن ذلك لا يجعل للرجعة معنًى يتَّصل بشخصه، لأنه لا يختلف عن الرأي المشهور.
أمَّا الرأي الثالث، وهو الذي يدخل ضمن: (ما الذي سيفعل (عجَّل الله فرجه)؟)، ويعني رجوع بعض المؤمنين وبعض الكافرين في زمنه (عجَّل الله فرجه) كآية عظيمة بين يدي الساعة، ومصداق لمعنى كونه النُّذُر الأكبر، وقد ذكرنا أنَّ إنكارها والتشنيع على من يعتقد بها لا يقوم على اعتقاد عدم وقوعها تحت القدرة وإلَّا كان كفراً بالله وبالمعاد الذي هو أصل أساس لدى كلِّ المسلمين، ولا على عدم وقوع الرجعة في التاريخ السابق، لورود آيات عديدة تنصُّ على هذا الوقوع سقنا عدداً منها، وإنَّما على عدم الانتباه إلى أدلَّة وقوعها في المستقبل وفي زمن الإمام (عجَّل الله فرجه). ثمّ ذكرنا عدداً من الآيات التي لا مجال لفهمها بغير الرجعة بصورتها الجزئيَّة مستقبلاً، ثم ما ورد متواتراً عن أهل البيت (عليهم السلام) في ذلك.
ومع مثل هذه الأدلَّة التي يكفي بعضها لجعل مسألة الرجعة قائمة بوصفها مسألة من ضمن ما جاء به الدِّين شأن كثير من المسائل الأُخرى التي يدين بها المسلمون ممَّا لا تملك أحياناً جزءاً ممَّا تملكه الرجعة من أدلَّة الإثبات، يكون التشهير بها وإسقاط عدالة معتقدها - كما فعل بعضهم - موقف تعصُّب

↑صفحة ٤٨↑

وانسياق تقليدي مع أقوال قديمة أفرزها الصراع المذهبي لا يرجعان إلى أساس من دين وموضوعيَّة وعدل.

النجف الأشرف
عدنان عليّ البكَّاء الموسوي

↑صفحة ٤٩↑

الفصل الأوَّل: الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عقيدة إسلاميَّة

تمهيد:
البحث الأوَّل:
المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) من عقائد أهل السُّنَّة.
البحث الثاني:
موقع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من الرسالة وفي أحاديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام).
البحث الثالث:
أهل الكشف من الصوفيَّة يوافقون الإماميَّة في شأن المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه).

↑صفحة ٥١↑

تمهيد:
الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) وبأنَّه من أهل البيت (عليهم السلام)، من ذرّيَّة عليٍّ وفاطمة (عليهما السلام)، وسيخرج في آخر الزمان، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلِئَت ظلماً وجوراً، عقيدة إسلاميَّة لا شيعيَّة فقط كما قد يتصوَّر بعضهم، وقد نصَّ عدد كبير من علماء السُّنَّة على أنَّ ذلك من عقائد أهل السُّنَّة، أو نصُّوا على تواتر الأحاديث الواردة فيه، وذلك يعني أيضاً حتميَّة الاعتقاد به، لأنَّ التواتر يوجب العلم. بل لم يخالف في ذلك منهم إلَّا من لا عبرة برأيه في علم الحديث عندهم كابن خلدون المتوفَّى (٨٠٨هـ)، ومع ذلك فقد اعتبرها من المشهور بين الكافَّة من أهل الإسلام على ممرِّ الأعصار، واعترف بصحَّة بعض ما ورد من الأحاديث فيه.
فقال في مقدَّمة تاريخه: (اعلم أنَّ في المشهور بين الكافَّة من أهل الإسلام على ممرِّ الأعصار أنَّه لابدَّ في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يُؤيِّد الدِّين، ويُظهِر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلاميَّة، ويُسمَّى بالمهدي، ويكون خروج الدجَّال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأنَّ عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجَّال، أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتمُّ بالمهدي في صلاته، ويحتجُّون في الشأن بأحاديث خرَّجها الأئمَّة، وتكلَّم فيها المنكرون لذلك، وربَّما عارضوها ببعض الأخبار، وللمتصوِّفة المتأخِّرين في أمر هذا الفاطمي طريقة أُخرى، ونوع من الاستدلال،

↑صفحة ٥٣↑

 وربَّما يعتمدون في ذلك على الكشف الذي هو أصل طرائقهم)(٢٢)، وحاول ابن خلدون مناقشة سند بعض ما ورد من تلك الأحاديث، واحتجَّ بعدم رواية البخاري ومسلم لها.
ولم يُقدِّم مَنْ قلَّد ابن خلدون في ذلك أدلَّة مضافة، لذلك ستكون مناقشة ما استند إليه ابن خلدون في التشكيك مناقشة لهم كذلك.
وقفة مع المشكِّكين:
قالوا: (ابن خلدون قفا ما ليس له به علم)، وقد تعرَّض ابن خلدون بسبب ذلك إلى هجوم ماحق من قِبَل علماء السُّنَّة قبل الشيعة، وردُّوا على ما أثاره من وجوه التشكيك، فقال الشيخ عبد المحسن العبَّاد في الردِّ على مَنْ كذَّب بالأحاديث الصحيحة في المهدي (عليه السلام) (ص ٢٨)، وهو يردُّ على الشبهة التي أثارها ابن خلدون:
والجواب:
أوَّلاً: أنَّ ابن خلدون اعترف بسلامة بعضها من النقد، إذ قال بعد إيراد الأحاديث في المهدي (عليه السلام): (فهذه جملة الأحاديث التي خرَّجها الأئمَّة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان، وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلَّا القليل والأقلّ منه)(٢٣).
على أنَّ ابن خلدون فاته الشيء الكثير من الأحاديث، يعني أنَّه أورد بعض ما ورد في المهدي من الأحاديث، وأوهم قارئه في عبارته السابقة أنَّه أورد جملتها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢) تاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٣١١).
(٢٣) تاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٣٢٢).

↑صفحة ٥٤↑

ثانياً: أنَّ ابن خلدون مؤرِّخ وليس من رجال الأحاديث، فلا يُعتَدُّ به في التصحيح والتضعيف(٢٤).
ووافقه في ذلك الشيخ محمّد جعفر الكتَّاني في نظم المتناثر (ص ١٤٦)، والشيخ جسوس في (شرح الرسالة)، فأكَّدا عدم الاعتداد بابن خلدون في علم الحديث، وعدم الاعتناء بتصحيحه وتضعيفه(٢٥).
ومثلهم في ذلك الشيخ أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث مسند أحمد بن حنبل، فقال: (أمَّا ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم، واقتحم قحماً لم يكن من رجالها)، وقال: (إنَّ ابن خلدون لم يُحسِن [فهم] قول المحدِّثين: الجرح مقدَّم على التعديل، ولو اطَّلع على أقوالهم وفقهها ما قال شيئا ممَّا قال)(٢٦).
وذكروا أنَّ مَنْ يعتدَّ بهم في الرواية والدراية قد رووا هذه الأحاديث وقالوا بصحَّة الكثير منها، وذكروا منهم أصحاب السُّنَن الأربعة (الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وأبي داود)، وأحمد بن حنبل في (المسند)، والطبراني في (المعجم)، وابن حبَّان، والبيهقي في (السُّنَن)، والحاكم في (المستدرك).
وذكر الشيخ مهيب البوريني في مقدَّمته(٢٧) لكتاب (عقد الدُّرَر في أخبار المهدي المنتظَر) للسلمي، المتوفَّى سنة (٦٨٥هـ)، ممَّن خرج هذه الأحاديث من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) مقدَّمة عقد الدُّرَر (ص ١٧).
(٢٥) راجع: نظم المتناثر من الحديث المتواتر (ص ٢٢٨).
(٢٦) مسند أحمد (ج ٥/ شرح ص ١٩٧).
(٢٧) مقدَّمة الشيخ مهيب بن صالح البوريني لكتاب عقد الدُّرَر في أخبار المهدي المنتظَر للعلَّامة يوسف بن يحيى المقدسي السلمي الشافعي، المتوفَّى سنة (٦٨٥هـ)، وهو ما تقدَّم به في (٢٠/٥/١٣٩٨هـ) إلى قسم الدراسات العليا في جامعة الإمام محمّد بن سعود في الرياض تحقيقاً وتخريجاً رسالةً للماجستير.

↑صفحة ٥٥↑

الأعلام بدءاً من أوائل القرن الثالث حتَّى منتصف القرن الرابع عشر (٥٢) محدِّثاً، مشيراً إلى كُتُبهم التي خرَّجوها فيها، ومنهم عدا مَنْ ذكرناهم آنفاً:
١ - أبو عبد الله نعيم بن حمَّاد، المتوفَّى سنة (٢٢٨هـ)، في (الفتن).
٢ - يحيى بن عبد الحميد الحمَّاني، المتوفَّى سنة (٢٢٨هـ)، في (مسنده).
٣ - ابن سعد، المتوفَّى سنة (٢٣٠هـ)، في (الطبقات).
٤ - ابن أبي شيبة، المتوفَّى سنة (٢٣٥هـ)، في (مصنَّفه).
٥ - الحارث بن أبي أُسامة، المتوفَّى سنة (٢٨٢هـ)، في (مسنده).
٦ - البزَّار، المتوفَّى سنة (٢٩٢هـ)، في (مسنده).
٧ - أبو يعلى، المتوفَّى سنة (٣٠٧هـ)، في (مسنده).
٨ - الروياني المتوفَّى سنة (٣٠٧هـ)، في (مسنده).
٩ - ابن جرير الطبري، المتوفَّى سنة (٣١٠هـ) في (تهذيب الآثار).
١٠ - ابن المنادي، المتوفَّى سنة (٣٣٦هـ)، في (الملاحم).
١١ - ابن حبَّان، المتوفَّى سنة (٣٥٤هـ)، في (صحيحه).
١٢ - الدارقطني، المتوفَّى سنة (٣٨٥هـ)، في (الإفراد).
١٣ - الخطَّابي، المتوفَّى سنة (٣٨٨هـ)، في (معالم السُّنَن).
١٤ - الرازي، المتوفَّى سنة (٤١٤هـ)، في (الفوائد).
١٥ - أبو نعيم الأصفهاني، المتوفَّى سنة (٤٣٠هـ)، في (حلية الأولياء) وكتاب (المهدي).
١٦ - أبو عمر الداني المقرئ، المتوفَّى سنة (٤٥٨هـ)، في (سُنَنه).
١٧ - القاضي عياض، المتوفَّى سنة (٥٤٤هـ)، في كتاب (الشفاء).
١٨ - ابن عساكر، المتوفَّى سنة (٥٧١هـ)، في (تاريخه).
١٩ - ابن الجوزي، المتوفَّى سنة (٥٩٧هـ)، في (تاريخه).

↑صفحة ٥٦↑

٢٠ - القرطبي، المتوفَّى سنة (٦٧١هـ)، في (التذكرة).
٢١ - ابن تيميَّة، المتوفَّى سنة (٧٢٨هـ)، في (منهاج السُّنَّة).
٢٢ - أبو الحجَّاج المزِّي، المتوفَّى سنة (٧٤٢هـ)، في (تهذيب الكمال).
٢٣ - الذهبي، المتوفَّى سنة (٧٤٢هـ)، في (المستدرك).
٢٤ - ابن قيِّم، المتوفَّى سنة (٧٥١هـ)، في (المنار المنيف).
٢٥ - ابن كثير، المتوفَّى سنة (٧٧٤هـ)، في (تفسيره) وفي (الفتن والملاحم).
٢٦ - ابن حجر العسقلاني، المتوفَّى سنة (٨٥٢هـ)، في (فتح الباري) و(تهذيب التهذيب).
٢٧ - السخاوي، المتوفَّى سنة (٩٠٢هـ)، في (فتح المغيث).
٢٨ - والسيوطي، المتوفَّى سنة (٩١١هـ)، في (العرف الوردي).
٢٩ - والسمهودي، المتوفَّى سنة (٩١١هـ)، في (جواهر العقدين).
٣٠ - المناوي، المتوفَّى سنة (١٠٣٢هـ) في (فيض القدير).
وآخرون كثيرون غيرهم(٢٨).
ثالثاً: ردُّوا محاولته الاستدلال بعدم تخريج الشيخين البخاري ومسلم لأحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه)، وأنَّها لو كانت صحيحة عندهما لخرَّجاها بأمرين:
الأوَّل: أنَّ الشيخين (البخاري ومسلم) - كما قال النووي في مقدَّمة شرحه لصحيح مسلم - (لم يلتزما باستيعاب الصحيح، بل صحَّ عنهما تصريحهما بأنَّهما لم يستوعباه، وإنَّما قصدا جمع جُمَل من الصحيح، كما يقصد المصنِّف في الفقه جمع جملة من مسائله لا أنَّه يحصر جميع مسائله)(٢٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨) مقدَّمة عقد الدُّرَر (ص ٢٠ - ٢٢).
(٢٩) شرح صحيح مسلم للنووي (ج ١/ ص ٢٤).

↑صفحة ٥٧↑

وقد روى الحافظ ابن حجر في مقدَّمة (فتح الباري) عن الإسماعيلي، عن البخاري أنَّه قال: (لم أُخرِّج في هذا الكتاب إلَّا صحيحاً، وما تركت من الصحيح أكثر)(٣٠).
وأكَّد أبو عمر بن الصلاح أنَّ البخاري ومسلم لم يستوعبا الصحيح في صحيحيهما ولا التزما ذلك، وذكر مضمون الكلمة التي نقلها ابن حجر عنه وقال: (وروينا عن مسلم أنَّه قال: ليس كلُّ شيء عندي صحيح وضعته هاهنا - يعني في كتابه الصحيح - إنَّما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه)(٣١).
ويكفي شاهداً على ذلك ما استدركه الحاكم النيسابوري عليهما في كتابه (المستدرك) من الأحاديث التي تتوفَّر في أسانيدها شروطهما ولم يُخرِّجاها، وأحاديث المهدي منها.
وما ذكرناه من العلماء الذين خرَّجوها وصحَّحوا الكثير منها ما يكفي في ردِّ هذا الاستدلال.
الثاني: أنَّ بعض الأحاديث الواردة في المهدي أو المتَّصلة به اتِّصالاً لا يمكن فصمه موجودة في الصحيحين، كالحديث الذي رواه البخاري في كتاب بدء الخلق عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟»(٣٢).
وكالحديث الذي أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب نزول عيسى، عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠) مقدَّمة فتح الباري (ص ٥).
(٣١) علوم الحديث (ص ٢٠).
(٣٢) صحيح البخاري (ج ٥/ ص ٤٠١/ باب نزول عيسى بن مريم (عليهما السلام)/ ح ٣٠٨٧)؛ ورواه مسلم في صحيحه (ج ١/ ص ٩٤/ باب بيان نزول عيسى بن مريم (عليه السلام))، وقد وردت أحاديث أُخرى بهذا المعنى في كلٍّ من البابين المذكورين.

↑صفحة ٥٨↑

جابر بن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنه)، قال: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ»، قَالَ: «فَيَنْزِلُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام)، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ بِنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاء، تَكْرِمَةً لِهَذِهِ الأُمَّةَ»(٣٣).
وقد سُمِّي هذا الأمير في أحاديث أُخرى، والأحاديث يُفسِّر بعضها بعضاً، ومن عسى يمكن أنْ يكون هذا الإمام إلَّا المهدي (عجَّل الله فرجه) كما شخَّصته الروايات المتواترة عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته وأصحابه؟
وقد ساق من يُعتَدُّ بهم في رواية الحديث أسماء خمسة وعشرين صحابيًّا أُخرجت عنهم أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه).
وقد ألَّف العلَّامة المحدِّث أحمد بن محمّد بن الصدِّيق الغماري المغربي المتوفَّى سنة (١٩٦٠م) كتاباً بعنوان (إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون)، المسمَّى (المرشد المبدي في فساد طعن ابن خلدون في أحاديث المهدي (عليه السلام))، وقد طُبِعَ هذا الكتاب بمطبعة الترقِّي بدمشق سنة (١٣٤٧هـ).
وفي كتابه (عليُّ بن أبي طالب إمام العارفين) اتَّهم ابن خلدون بأنَّ تشكيكه لم يكن إلَّا تعصُّباً على أهل البيت (عليهم السلام)، فقال - وقد تحدَّث قبل ذلك عن أحد العلماء وموقفه المتعصِّب على آل البيت (عليهم السلام) وهو ابن تيميَّة -: (ومثله في الخبث والنفاق ابن خلدون وإنْ لم يكن عنده من الجرأة ما يساعده على نفث ما في صدره، والتصريح بكلِّ ما يحمله من طيَّات جنبه...)، إلى أنْ يقول: (ثمّ هو مع ذلك لا يجد سبيلاً إلى نفي فضيلة عن عليٍّ وآل بيته الأطهار، أو إلصاق عيب وخطأ بهم إلَّا بادر إلى ذلك، كما صنع هنا، وكما صنع في أحاديث المهدي المنتظَر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣) صحيح مسلم (ج ١/ ص ٩٥/ باب بيان نزول عيسى بن مريم (عليه السلام)).

↑صفحة ٥٩↑

فراراً من إثبات كون المجدِّد الذي يُحيي الله به الدِّين آخر الزمان من آل عليٍّ (عليه السلام)، وعلَّل ذلك - يعني ابن خلدون - بأنَّ آل البيت لم تبقَ لهم عصبيَّة، والملك لا يقوم إلَّا بها)، وردَّ عليه هذا الرأي ردًّا مفحماً(٣٤).

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤) عليُّ بن أبي طالب إمام العارفين (ص ٥٧ - ٥٩).

↑صفحة ٦٠↑

البحث الأوَّل: المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) من عقائد أهل السُّنَّة

نصَّ على أنَّ الإيمان بخروج الإمام المهدي المنتظَر من آل البيت (عليهم السلام) من عقائد أهل السُّنَّة، أو ممَّا تواترت به الأخبار، أو نصَّ على صحَّتها عدد كبير من علماء أهل السُّنَّة، ولم يناقش في ذلك إلَّا من لا شأن له عندهم في علم الحديث كما تقدَّم.
ومن هؤلاء: الحسن بن عليٍّ البربهاري الحنبلي، المتوفَّى سنة (٣٣٩هـ)، في عقيدته المثبتة ضمن ترجمته من كتاب (طبقات الحنابلة) لابن أبي يعلى الحنبلي(٣٥).
ومنهم: أبو الحسين الآبري السجستاني محمّد بن الحسين، المتوفَّى سنة (٣٦٣هـ)، قال في كتابه (مناقب الإمام الشافعي): (قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمجيء المهدي، وأنَّه من أهل بيته).
قال الشيخ مهيب البوريني في مقدَّمته: (نقل هذا عنه الإمام ابن القيِّم في كتابه (المنار المنيف)(٣٦) وسكت عنه - يعني أنَّه لم يجد اعتراضاً -، وكذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري (ج ٦/ ص ٤٩٣)(٣٧)، وفي (تهذيب التهذيب) في ترجمة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥) طبقات الحنابلة (ج ٢/ ص ٢٠).
(٣٦) المنار المنيف (ص ١٤٠).
(٣٧) فتح الباري (ج ٦/ ص ٣٥٨).

↑صفحة ٦١↑

محمّد بن خالد الجندي، نقله وسكت عليه(٣٨)، ومثلهما القرطبي في (التذكرة في أحوال الموتى وأُمور الآخرة)(٣٩)، وأبو الحجَّاج المزِّي في كتابه (تهذيب الكمال)(٤٠)، والسيوطي في (العرف الوردي في أخبار المهدي)(٤١)، ومرعي بن يوسف الكرمي في (فوائد الفكر)(٤٢) كما نقل عنه صدِّيق حسن في (الإذاعة)(٤٣))(٤٤).
ومن هؤلاء: ابن تيميَّة، توفَّى سنة (٧٢٨هـ)، فقد قال: (إنَّ الأحاديث التي يُحتَجُّ بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة، رواها أبو داود، والترمذي، وأحمد، وغيرهم)، ثمّ قال: (وهذه الأحاديث غَلِطَ فيها طوائف)، وذكر منهم من احتجَّ بحديث أورده ابن ماجة عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «لَا مَهْدِيَّ إِلَّا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ»، قال: (وهذا الحديث ضعيف، وقد اعتمد أبو محمّد بن الوليد البغدادي وغيره عليه، وليس ممَّا يُعتمَدُ عليه)(٤٥).
ومن هؤلاء: أحمد بن السرور بن الضياء الحنفي مفتي الأحناف في مكَّة في إجابته على سؤال وُجِّه إليه سنة (٩٥٢هـ) وإلى المفتين الآخرين لبقيَّة المذاهب السُّنّيَّة الأربعة: (المالكي، والشافعي، والحنبلي) لدى خروج متمهدي في الهند اسمه محمّد بن يوسف الحسيني الجونيوري، وادَّعى أنَّه المهدي، وأنَّ من أنكره فقد كفر، فاتَّبعه كثير من الناس فُتِنُوا به حتَّى توفَّى سنة (٩١٠هـ)، فأفتى في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨) تهذيب التهذيب (ج ٩/ ص ١٢٦/ الرقم ٢٠٢).
(٣٩) التذكرة في أحوال الموتى وأُمور الآخرة (ج ٢/ ص ٣٣١).
(٤٠) تهذيب الكمال (ج ٢٥/ ص ١٤٩/ الرقم ٥١٨١).
(٤١) العرف الوردي (ص ١٧٦).
(٤٢) فرائد فوائد الفكر (ص ٣٣٩).
(٤٣) الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة (ص ١٨٣).
(٤٤) مقدَّمة عقد الدُّرَر (ص ١٣).
(٤٥) منهاج السُّنَّة (ج ٨/ ص ٢٥٤ - ٢٥٦).

↑صفحة ٦٢↑

الإجابة بوجوب قمع هذه الطائفة أشدّ القمع، لبطلان عقيدتهم بمخالفتها (ما وردت به النصوص الصحيحة والسُّنَن الصريحة التي تواترت الأخبار بها واستفاضت بكثرة رواتها من أنَّ المهدي الموعود بظهوره في آخر الزمان يخرج مع سيِّدنا عيسى (على نبيِّنا وعليه السلام)، ويساعد سيِّدنا عيسى على قتل الدجَّال، وأنَّه تكون له علامات قبل ظهوره، منها: السفياني، وخسوف القمر في شهر رمضان، وورد أنَّه يُخسَف في شهر رمضان مرَّتين، وكسوف الشمس في نصف رمضان على خلاف ما جرت به العادة عند حساب النجوم...) إلخ.
وأفتى فقيه المالكيَّة محمّد بن الحطَّاب المالكي، المتوفَّى سنة (٩٥٤هـ)، فقال: (اعتقاد هؤلاء الطائفة في الرجل الميِّت (كان قد تُوفّي منذ ٤٢ عاماً) أنَّه المهدي الموعود بظهوره في آخر الزمان باطل، للأحاديث الصحيحة الدالَّة على صفة المهدي وصفة خروجه وما يتقدَّم بين يدي ذلك من الفتن)، وذكر شيئاً منها، ثمّ قال: (والأحاديث الدالَّة على كون المهدي يملك الأرض...) إلخ.
وأفتى فقيه الشافعيَّة الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي الشافعي، المتوفَّى سنة (٩٧٣هـ)، فقال: (اعتقاد هؤلاء الطائفة باطل قبيح، وجهل صريح، وبدعة شنيعة، وضلالة قطعيَّة)، ثمّ ذكر مستنده في ذلك، والأوَّل منه: (مخالفته لصرايح الأحاديث المستفيضة المتواترة بأنَّه من أهل بيت النبيِّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، وأنَّه يملك الأرض شرقها وغربها، ويملأها عدلاً لم يُسمَع بمثله، وأنَّه يخرج مع عيسى (عليه السلام) فيساعده على قتل الدجَّال...) إلخ.
وأفتى فقيه الحنابلة يحيى بن محمّد الحنبلي، المتوفَّى سنة (٩٦٣هـ)، فقال: (لا ريبة في فساد هذا الاعتقاد، لما اشتمل عليه من مخالفة الأحاديث الصحيحة بالعناد، فقد صحَّ عنه (عليه الصلاة والسلام) كما رواه الثقات عن الرواة الأثبات أنَّه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، وذكر مقدَّمات لظهوره، وصفات في

↑صفحة ٦٣↑

ذاته، وأُمور تقع في زمانه، من أعظمها ما لا يمكن لأحد دعوى أنَّه وقع، وهو نزول عيسى (صلوات الله على نبيِّنا وعليه) في زمانه واجتماعه به وصلاته خلفه، وخروج الدجَّال وقتله...) إلخ(٤٦).
ومن هؤلاء: محمّد السفاريني الحنبلي، المتوفَّى سنة (١١٨٨هـ)، قال في كتابه لوامع الأنوار البهيَّة (ج ٢/ ص ٨٤): (وقد كثرت بخروجه الروايات حتَّى بلغت حدَّ التواتر المعنوي...، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرَّر عند أهل العلم، ومدوَّن في عقائد أهل السُّنَّة والجماعة)(٤٧).
ومن هؤلاء: محمّد البرزنجي، المتوفَّى سنة (١١٠٣هـ)، قال في كتابه الإشاعة لأشراط الساعة (ص ١١٢): (قد علمت أنَّ أحاديث [وجود] المهدي وخروجه آخر الزمان، وأنَّه من عترة رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) من ولد فاطمة (عليها السلام) بلغت حدَّ التواتر المعنوي، فلا معنى لإنكارها)(٤٨).
ومنهم: العلَّامة القاضي الشوكاني، المتوفَّى سنة (١٢٥٠هـ)، في كتابه (التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظَر والدجَّال والمسيح) قال بعد أنْ ساق الأحاديث الواردة في ذلك: (فتقرَّر أنَّ الأحاديث الواردة في المهدي المنتظَر متواترة)، وقال: (إنَّ ما أمكن الوقوف عليه من الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خمسون حديثاً، وأمَّا الآثار عن الصحابة المصرِّحة بالمهدي فهي كثيرة جدًّا)، وقال: (إنَّ لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك).
ومنهم: الشيخ صدِّيق حسن القنَّوجي، المتوفَّى سنة (١٣٠٧هـ)، في كتابه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦) البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ص ١٧٧ - ١٨٣/ الباب ١٣).
(٤٧) لوامع الأنوار البهيَّة (ج ٢/ ص ١١٢).
(٤٨) الإشاعة لأشراط الساعة (ص ٢١٥ و٢١٦).

↑صفحة ٦٤↑

الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة (ص ١١٢)، قال: (والأحاديث الواردة في المهدي على اختلاف رواياتها كثيرة جدًّا تبلغ حدَّ التواتر)(٤٩).
وقال في (ص ١٤٥): (لا شكَّ في أنَّ المهدي يخرج في آخر الزمان من غير تعيين لشهر وعام، لما تواتر من الأخبار في الباب، واتَّفق عليه جمهور الأُمَّة خلفاً عن سلف إلَّا من لا يُعتَدُّ بخلافه...، فلا معنى للريب في ذلك الفاطمي الموعود المنتظَر المدلول عليه بالأدلَّة، بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة إلى حدِّ التواتر)(٥٠).
ومنهم: الشيخ محمّد بن جعفر الكتَّاني، المتوفَّى سنة (١٣٤٥هـ)، قال: (إنَّ الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها كثيرة جدًّا تبلغ حدَّ التواتر)(٥١)، وقد ذكرنا ذلك في مناقشته لابن خلدون(٥٢).
وقال الباحث السعودي الشيخ جاسم بن محمّد الياسمين في تعريفه لكتاب (البرهان في علامات مهدي آخر الزمان) الذي قام بدراسته وتحقيقه: (تتأكَّد قضيَّة المهدي باعتبارها قضيَّة عقيديَّة من عقائد أهل السُّنَّة والجماعة، كما أشار إلى ذلك السفاريني في (لوامع الأنوار)، ولثبوت الأحاديث واستفاضتها حتَّى بلغت حدَّ التواتر المعنوي المفيد للقطع واليقين بمجيء الموعود).
وذكر الباحث المذكور في مقدَّمته (أنَّ الشيخ عليَّ بن حسام المشهور بالمتَّقي الهندي الحنفي صاحب (كنز العُمَّال) قد أورد في كتابه (البرهان) حشداً عظيماً من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩) الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة (ص ١٤٩).
(٥٠) الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة (ص ١٨٢ و١٨٣).
(٥١) نقلاً عن مقدَّمة عقد الدُّرَر (ص ٥٣ و٥٤).
(٥٢) قد تقدَّم في (ص ٥٥)، فراجع.

↑صفحة ٦٥↑

الأحاديث والآثار في موضوع المهدي حتَّى بلغت (٢٧٤ مائتين وأربعة وسبعين) حديثاً وأثراً)(٥٣).
هذا ما يتَّصل بقضيَّة المهدي (عجَّل الله فرجه) بوصفها عقائديَّة لدى المسلمين من أهل السُّنَّة.
أمَّا الشيعة الإماميَّة الاثنا عشرية فإنَّ القضيَّة لديهم، من حيث الموقع العقائدي، ومن حيث الأحاديث الواردة فيها، تتجاوز ذلك. فهي من حيث الموقع تتَّصل بأصل من أُصول الإيمان لديهم وهو (الإمامة). أمَّا الأحاديث الواردة فيه فتتواصل رواياتها عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام)، عدا ما ورد عن الصحابة (رضوان الله عليهم) في ما يتَّصل به اسماً وصفةً ودوراً وآباءً وأُمًّا وعلامات ودلائل إمامة حتَّى تصل إلى الآلاف.
وقد أحصى العلَّامة الباحث المحقِّق الشيخ لطف الله الصافي في كلِّ باب ورد في الفصول الأوَّل والثاني والثالث والرابع من كتابه (منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر) عدد ما أورده فيه من الأحاديث، وقد جمعت ما أشار إليه في هذه الأبواب في الفصلين الأوَّل والثاني والأبواب الثلاثة من الفصل الثالث، فكان مجموع الأحاديث المنتخبة ممَّا رواه السُّنَّة والشيعة في ذلك (٥٣٠٣ خمسة آلاف وثلاثمائة وثلاثة أحاديث)(٥٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٣) البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ج ٢/ ص ٤٧٣).
(٥٤) قد يقال: إنَّ هذا العدد مبالغ فيه إذا قيس إلى أعداد الأحاديث المهدويَّة.
وهو صحيح نسبيًّا إذا تمَّ ملاحظة الأحاديث المرويَّة في أُمَّهات الكُتُب، فإنِّها لا تصل إلى هذا العدد. إلَّا أنَّه يمكن أنْ يقال: إنَّ الرقم المذكور لوحظ فيه معلومات الروايات، وكلُّ رواية تحوي العشرات من المعلومات المهدويَّة، وبلحاظ هذه المعلومة تكون رواية، وبلحاظ تلك المعلومة هي رواية أُخرى، وهكذا. وهذا لا مانع منه على جواز تقطيع الروايات، لأجله اقتضى التنبيه.

↑صفحة ٦٦↑

ولكن القضيَّة الهامَّة التي هي موضع الخلاف في ذلك بين المسلمين تتلخَّص في الإجابة عن السؤال التالي:
من هو المهدي؟ ومتى وُلِدَ؟
القدر الذي يشترك في الإيمان به أغلب المسلمين - سُنَّةً وشيعةً -، ويشتركون في تخريج الروايات به في شأن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، هو أنَّه رجل من أهل بيت النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٥٥).
وأنَّه من ذرّيَّة عليٍّ وفاطمة (عليهما السلام)(٥٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥) الفتن لنعيم بن حمَّاد (ص ٢٣٢)، المصنَّف لابن أبي شيبة (ج ٨/ ص ٦٧٨/ ح ١٩٠)، مسند أحمد (ج ٢/ ص ٧٤/ ح ٦٤٥)، التاريخ الكبير للبخاري (ج ١/ ص ٣١٧/ ح ٩٩٤)، سُنَن ابن ماجة (ج ٢/ ص ١٣٦٧/ ح ٤٠٨٥)، ضعفاء العقيلي (ج ٤/ ص ٤٦٦)، الكامل لابن عدي (ج ٧/ ص ١٨٥)، طبقات المحدِّثين بأصبهان (ج ١/ ص ٣٨٠)، العسل المصفَّى (ج ١/ ص ٣٩٣/ ح ٢٥٨)، مستدرك الحاكم (ج ٤/ ص ٥٥٧)، تاريخ أصبهان (ج ١/ ص ٢٠٩)، حلية الأولياء (ج ٣/ ص ١٧٧)، البيان في أخبار صاحب الزمان (ص ٤٨٧)، التذكرة في أحوال الموتى وأُمور الآخرة (ج ٢/ ص ٣٣٠)، عقد الدُّرَر (ص ٢١ و٣٣ و٤٦ و١٣٥ و١٥٨)، فرائد السمطين (ج ٢/ ص ٣٣٠ و٣٣١/ ح ٥٨٠ و٥٨٣)، تهذيب الكمال (ج ٣١/ ص ١٨١)، ميزان الاعتدال (ج ٤/ ص ٣٥٩)، تاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٣١٥ و٣١٨)، أسنى المطالب (ص ١٢٩)، تهذيب التهذيب (ج ١١/ ص ١٥٢)، العرف الوردي (ص ٧٩ و٨٠ و٨١/ ح ٢ و٥)، الجامع الصغير (ج ٢/ ص ٦٧٢/ ح ٩٢٤٣)، الدُّرُّ المنثور (ج ٦/ ص ٥٨)، جواهر العقدين (ج ٢/ ص ١٩٠)، الصواعق المحرقة (ص ١٦٣ و٢٣٧)، القول المختصر (ص ١١٥ و١١٦).
(٥٦) الفتن لنعيم بن حمَّاد (ص ٢٣١)، التاريخ الكبير للبخاري (ج ٣/ ص ٣٤٦، وج ٨/ ص ٤٠٦)، سُنَن ابن ماجة (ج ٢/ ص ١٣٦٨/ ح ٤٠٨٦)، سُنَن أبي داود (ج ٢/ ص ٣١٠/ ح ٤٢٨٤)، الملاحم لابن المنادي (ص ١٧٩/ ح ١٢٠/٧)، مقاتل الطالبيِّين (ص ٩٨)، المعجم الكبير للطبراني (ج ٢٣/ ص ٢٦٧)، العسل المصفَّى (ج ١/ ص ٣٧١/ ح ٢٥١)، مستدرك الحاكم (ج ٤/ ص ٥٥٧)، تاريخ مدينة دمشق (ج ١٩/ ص ٤٧٥)، مناقب آل محمّد (ص ٧١)، البيان في أخبار صاحب الزمان (ص ٤٨٦)، ذخائر العقبى (ص ١٣٦)، عقد الدُّرَر (ص ١٥ و٢١)، تاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٣١٤)، العرف الوردي (ص ٨١/ ح ٦، وص ١١٨/ ح ٨٤ و٨٥)، الدُّرُّ المنثور (ج ٦/ ص ٥٨)، الجامع الصغير (ج ٢/ ص ٦٧٢/ ح ٩٢٤١)، سُبُل الهدى والرشاد (ج ١٠/ ص ١٧٣)، الصواعق المحرقة (ص ١٦٣ و٢٣٧)، القول المختصر (ص ١١٦ و١٣١ و١٤٩ و١٥٠)، كنز العُمَّال (ج ١٢/ ص ١٠٥/ ح ٣٤٢٠٨، وج ١٤/ ص ٢٦٤ و٥٩١/ ح ٣٨٦٦٢ و٣٩٦٧٥)، البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ص ٨٩ و٩٤ و٩٥/ باب ٢/ ح ٢ و١٧ و٢٠ و٢٢ و٢٣).

↑صفحة ٦٧↑

يخرج في آخر الزمان وقد مُلِئَت الأرض ظلماً وجوراً، فيملأها قسطاً وعدلاً(٥٧).
وأنَّ المسيح ينزل فيُصلِّي خلفه في بيت المقدس، ويجاهد معه(٥٨).
وأنَّ اسمه اسم النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (محمّد)(٥٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٧) تذكرة الخواصِّ (ص ٣٢٥)، عقد الدُّرَر (ص ٣٢)، فرائد فوائد الفكر (ص ١٧١).
(٥٨) الفتن لنعيم بن حمَّاد في الفتن (ص ٢٣٠)، المصنَّف لابن أبي شيبة (ج ٨/ ص ٦٧٩/ ح ١٩٥)، صحيح البخاري (ج ٥/ ص ٤٠٠ و٤٠١/ باب نزول عيسى بن مريم (عليهما السلام))، صحيح مسلم (ج ١/ ص ٩٤ و٩٥/ باب بيان نزول عيسى بن مريم (عليه السلام))، عقد الدُّرَر (ص ١٧ و١٨ و٢٣١)، البيان في أخبار صاحب الزمان (ص ٤٩٧)، العرف الوردي (ص ١١٣ و١٦٠/ح ٧١ و٢١٨)، جواهر العقدين (ج ٢/ ص ١٩٤)، القول المختصر (ص ١٥٣).
وقد مرَّ في (ص ٥٣) ما نقله ابن خلدون عن المشهور بين الكافَّة من أهل الإسلام في مختلف الأعصار، فراجع.
(٥٩) الفتن لنعيم بن حمَّاد (ص ٢٣١ و٢٤٣ و٢٩٢ و٤٢٥)، الملاحم لابن المنادي (ص ٢٥٦/ ح ٢٠٦/١١).

↑صفحة ٦٨↑

وأنَّه يشبهه خَلقاً(٦٠).
وأنَّه - لدى خروجه - يكون جبرئيل (عليه السلام) على مقدَّمته أو عن يمينه، وميكائيل (عليه السلام) على ساقته أو عن يساره(٦١).
وأنَّ غمامة على رأسه تُظَلِّله، ومَلَك ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتَّبعوه(٦٢).
وتطلع قبله مع الشمس آية(٦٣).
ثمّ اختلفوا - بعد ذلك - في أنَّه من ذرّيَّة الحسن أو من ذرّيَّة الحسين(٦٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٠) سُنَن أبي داود (ج ٢/ ص ٣١١/ ح ٤٢٩٠)، عقد الدُّرَر (ص ٢٤ و٣١)، تاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٣١٣)، العرف الوردي (ص ٨٨/ ح ١٤)، الدُّرُّ المنثور (ج ٦/ ص ٥٨)، جواهر العقدين (ج ٢/ ص ١٩٠)، سُبُل الهدى والرشاد (ج ٢/ ص ١١٧)، الصواعق المحرقة (ص ٢٣٧)، القول المختصر (ص ١١٨)، كنز العُمَّال (ج ١٣/ ص ٦٤٧/ ح ٣٧٦٣٦)، فرائد فوائد الفكر (ص ٢٢٥).
(٦١) عقد الدُّرَر (ص ٦٥ و٨٤ و١١٧ و١٣٦)، العرف الوردي (ص ١٦٣/ ح ٢٢٤)، القول المختصر (ص ١٥٥)، البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ص ٧٧/ باب ١/ ح ١٦).
(٦٢) البيان في أخبار صاحب الزمان (ص ٥١١)، عقد الدُّرَر (ص ١٣٥)، ميزان الاعتدال (ج ٢/ ص ٦٧٩)، العرف الوردي (ص ٩٧/ ح ٣٠)، تاريخ الخميس (ج ٢/ ص ٢٨٨)، القول المختصر (ص ١٢١ و١٢٢)، البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ص ٧٢/ باب ١/ ح ٢)، فرائد فوائد الفكر (ص ٢٧١).
(٦٣) المصنَّف للصنعاني (ج ١١/ ص ٣٧٣/ ح ٢٠٧٧٥)، الفتن لنعيم بن حمَّاد (ص ٢٠٥)، عقد الدُّرَر (ص ١٠٦)، قال: (أخرجه الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، والحافظ أبو عبد الله نعيم بن حمَّاد)، القول المختصر (ص ١٣٠)، البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ج ٢/ ص ٦٢٧)، قال المحقِّق جاسم بن محمّد الياسمين: (إسناده صحيح، أخرجه عبد الرزَّاق).
(٦٤) مقدَّمة عقد الدُّرَر (ص ٢٤).

↑صفحة ٦٩↑

واختلفوا في اسم أبيه أيضاً، هل هو عبد الله أو الحسن؟ وهل أنَّ كنيته أبو عبد الله أو أبو القاسم؟
أمَّا غير الشيعة الإماميَّة من المسلمين فقد اختلفوا على ثلاثة أقوال، فذهب بعض منهم إلى القول بأنَّه من ذرّيَّة الإمام الحسن بن عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وأنَّ اسم أبيه عبد الله، وأنَّه لم يُولَد بعد. وذهب بعض آخر إلى التوقُّف، وبعض ثالث وافق الشيعة، وهم أهل الكشف ممَّن هم من أهل السُّنَّة أصلاً.
وقد أشار إلى هذين القسمين الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي صاحب (السُّنَن) المتوفَّى سنة (٤٨٠هـ)، فقال: (اختلف الناس في أمر المهدي، فتوقَّف جماعة وأحالوا العلم إلى عالمه، واعتقدوا أنَّه واحد من أولاد فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يخلقه الله متى شاء يبعثه نصرةً لدينه. وطائفة يقولون: إنَّ المهدي الموعود وُلِدَ يوم الجمعة منتصف شعبان سنة (٢٥٥هـ)، وهو الإمام الملقَّب بالحجَّة القائم المنتظَر محمّد بن الحسن العسكري (عليهما السلام)...، وهو مختفٍ عن أعين الناس، منتظِر خروجه، وسيظهر فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً، ولا امتناع في طول عمره وامتداد أيَّامه كعيسى بن مريم والخضر (عليهما السلام))(٦٥).
قال: (ووافقهم عليه جماعة من أهل الكشف)(٦٦)، ونقل ذلك إلى رأي أهل الكشف ابن خلدون في النصِّ الذي ذكرناه في صدر هذا البحث، وسنذكر جماعة من هؤلاء في ما سيأتي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٥) البرهان على وجود صاحب الزمان (ص ١٣٧)، عن شُعَب الإيمان.
(٦٦) أبهى المداد (ج ٢/ ص ٥٦٧)، عن شُعَب الإيمان.

↑صفحة ٧٠↑

أدلَّة الطائفة الأُولى ومناقشتها:
استدلَّت الطائفة الأُولى على قولها بأنَّه من ذرّيَّة الحسن بن عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) بثلاث روايات:
الأُولى: أخرجها نعيم بن حمَّاد عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: نَظَرَ عَلِيٌّ إِلَى الحَسَنِ (عليهما السلام)، فَقَالَ: «إِنَّ اِبْنِي هَذَا سَيِّدٌ كَمَا سَمَّاهُ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، سَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ رَجُلٌ بِاسْمِ نَبِيِّكُمْ، يَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً»(٦٧).
والثانية: رواها تمَّام في (فوائده) وابن عساكر عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: (يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ حَسَن مِنْ قِبَلِ اَلمَشْرِقِ لَوْ اِسْتَقْبَلَ بِهِ الجِبَالَ لَهَدَّهَا هَدًّا وَاتَّخَذَ فِيهَا طُرُقاً)(٦٨).
والثالثة: أخرجها الترمذي في (جامعه)، وأبو داود في (سُنَنه)، عن أبي إسحاق السبيعي، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ (رضي الله عنه) وَنَظَرَ إِلَى ابْنِهِ الحَسَنِ، فَقَالَ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ كَمَا سَمَّاهُ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَسَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ رَجُلٌ يُسَمَّى بِاسْمِ نَبِيِّكُمْ، يُشْبِهُهُ فِي الخُلُقِ، وَلَا يُشْبِهُهُ فِي الخَلْقِ...، يَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلاً»(٦٩).
والروايات مناقشة سنداً ومعارضة مضموناً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٧) عقد الدُّرَر (ص ٢٣ و٢٤).
(٦٨) البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (٩٣/ باب ٢/ ح ١٤).
(٦٩) سُنَن أبي داود (ج ٢/ص ٣١١/ح ٤٢٩٠)؛ ورواه ابن الأثير في جامع الأُصول (ج ١٠/ ص ٣٣٢/ ح ٧٨٣٧)، والمقدسي الشافعي في عقد الدُّرَر (ص ٢٤)، وقال: (أخرجه الإمام أبو داود في سُنَنه، والإمام أبو عيسى الترمذي في سُنَنه، والإمام أبو عبد الرحمن النسائي في سُنَنه)، وابن خلدون في تاريخه (ج ١/ ص ٣١٣)، والسيوطي في الدُّرُّ المنثور (ج ٦/ ص ٥٨)، والسمهودي في جواهر العقدين (ج ٢/ ص ١٩٠)، وابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة (ص ٢٣٧)، والمتَّقي الهندي في كنز العُمَّال (ج ١٣/ص ٦٤٧/ح ٣٧٦٣٦).

↑صفحة ٧١↑

أمَّا الأُولى، فهي أوَّلاً مرويَّة عن عبد الله بن بحير الصنعاني المكنَّى بأبي وائل، وحسبنا في إسقاطها ما نصُّوا عليه من كونه قاصًّا(٧٠)، من جند معاوية، والقاصُّون بصورة عامَّة متَّهمون بعدم الدقَّة والتزيُّد بخاصَّة مَنْ كان منهم في عهد معاوية بالذات، فقد كانوا من جملة من اعتمدهم في تحريف الأحاديث بما يوافق أغراضه. قال ابن حبَّان عن أبي وائل: (يروي العجائب التي كأنَّها معمولة، لا يجوز الاحتجاج به)(٧١).
وثانياً: أنَّها معارضة بروايات صحيحة كما ستراها في الآتي.
وأمَّا الثانية، فهي غير مرفوعة(٧٢) أوَّلاً، ومع غضِّ النظر عن الكلام في عبد الله بن عمرو بن العاص المناصر لمعاوية في صفِّين، فإنَّ راويها ابن لهيعة عبد الله ابن عقبة الحضرمي ضعيف كما ذكر الذهبي(٧٣).
وهو رواها عن أبي قبيل حيِّ بن هاني المعافري، قال البخاري: (فيه نظر)، وقال أحمد: (أحاديثه مناكير)(٧٤).
وراويها عن ابن لهيعة رشدين بن سعدين مفلح المهري، ضعَّفه أبو زرعة وغيره، قال حرب: (سألت أحمد فضعَّفه)، وقال ابن معين: (لا يُكتَب حديثه)(٧٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٠) ميزان الاعتدال (ج ٢/ ص ٣٩٥/ الرقم ٤٢٢٢).
(٧١) المجروحين لابن حبَّان (ج ٢/ ص ٢٥).
(٧٢) ويقصد المؤلِّف (رحمه الله) من أنَّها (غير مرفوعة) أي إنَّها لم تُرفَع إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهي إذن قول لعبد الله وليست رواية عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
(٧٣) ميزان الاعتدال (ج ٢/ ص ٤٧٥/ الرقم ٤٥٣٠).
(٧٤) المغني في الضعفاء (ج ١/ ص ٢٩٩/ الرقم ١٨١٩)، وفيه: (حيُّ بن عبد الله)، تهذيب التهذيب (ج ٣/ص ٦٤/ذيل الرقم ١٤٠)، تقريب التهذيب (ج ١/ص ٢٥٣/الرقم ١٦١١).
(٧٥) المغني في الضعفاء (ج ١/ ص ٣٥٣/ الرقم ٢١٢٣)، تهذيب التهذيب (ج ٣/ ص ٢٤٠/ الرقم ٥٢٦).

↑صفحة ٧٢↑

وهي ثانياً معارضة برواية عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو، قال: (يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ مِنْ قِبَلِ اَلمَشْرِقِ لَوْ اِسْتَقْبَلَتْهُ الجِبَالَ لَهَدَمَهَا وَاتَّخَذَ فِيهَا طُرُقاً)، قال الكنجي الشافعي في (البيان): (رواه الطبراني وأبو نعيم)(٧٦).
وأمَّا الرواية الثالثة، فتُناقَش أوَّلاً بأنَّ السبيعي توفَّى سنة (١٢٩هـ)، والإمام عليٌّ (عليه السلام) استُشهِدَ سنة (٤٠هـ)، فلو حسبنا عمره من سنة مقتل الإمام (عليه السلام) لكان (٨٩) عاماً، فكم يكون قد عاش إذاً ليمكن له أنْ يرى الإمام (عليه السلام) ويسمع منه ويحفظ عنه؟ ولو أخذنا بقول من روى أنَّ ولادته كانت في عهد عثمان، ولابدَّ من أنْ يكون في آخرها إنْ صحَّت هذه الرواية، فإنَّ عمره عند عهد الإمام (عليه السلام) حتَّى في آخره ممَّا لا يقبل معه أنْ ينقل عنه شيئاً، لذلك نصَّ المنذري على أنَّه حديث منقطع(٧٧).
ثانياً: أنَّ السبيعي اختلط في آخر عمره، ومن حاول نفي الاختلاط عنه نصَّ على أنَّه شاخ ونسي(٧٨)، وقد يكون وضع اسم الحسن (عليه السلام) مكان اسم الحسين (عليه السلام) بسبب ذلك.
ثالثاً: أنَّ هذا الحديث عن السبيعي معارض بنقل آخر عن السبيعي يذكر فيه اسم الحسين (عليه السلام) مكان اسم الحسن (عليه السلام)، ففي (الجمع بين الصحاح الستَّة) عن أبي إسحاق السبيعي، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) وَنَظَرَ إِلَى اِبْنِهِ الحُسَيْنِ، وَقَالَ: «إِنَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٦) البيان في أخبار صاحب الزمان (ص ٥١٣)، عن الفتن لنعيم بن حمَّاد (ص ٢٢٩ و٢٣٠)؛ ورواه المقدسي الشافعي في عقد الدُّرَر (ص ٢٢٣)، وقال: (أخرجه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في صفة المهدي).
(٧٧) مختصر سُنَن أبي داود (ج ٣/ ص ١١٨/ ذيل الحديث ٤٢٩٠).
(٧٨) ميزان الاعتدال (ج ٣/ ص ٢٧٠/ الرقم ٦٣٩٣)، تقريب التهذيب (ج ١/ ص ٧٣٩/ الرقم ٥٠٨١).

↑صفحة ٧٣↑

اِبْنِي هَذَا سَيِّدٌ كَمَا سَمَّاهُ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَسَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ رَجُلٌ بِاسْمِ نَبِيِّكُمْ، يُشْبِهُهُ فِي الخَلْقِ وَلَا يُشْبِهُهُ فِي الخُلُقِ، يَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلاً»(٧٩).
روى ذلك عن أبي إسحاق صاحب (مشكاة المصابيح)(٨٠).
رابعاً: من الممكن أنْ تكون هذه الروايات من وضع دعاة محمّد بن عبد الله بن الحسن المثنَّى المكنَّى بأبي عبد الله، والذي لقَّب نفسه أو لقَّبوه بذي النفس الزكيَّة(٨١)، فقد كان يتغيَّب ويستخفي، ويدَّعي المهدويَّة، وقد أعلن شاعر من أتباعه ذلك، فقال:

إنَّ الذي يروي الرواة لبيِّنٌ * * * إذا ما ابن عبد الله فيهم تجرَّدا(٨٢)

وتدلُّ أقواله ومواقفه مع الإمام الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام) وقتله لإسماعيل بن عبد الله بن جعفر، وكان شيخاً في التسعين حين أبيا مبايعته(٨٣) على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٩) عنه الطرائف (ص ١٧٧/ ح ٢٧٩).
(٨٠) عنه ينابيع المودَّة (ج ٣/ ص ٢٥٩/ باب ٧٢/ ح ١٦).
(٨١) تدلُّ الأخبار أنَّ ذا النفس الزكيَّة فتًى علوي يُقتَل جوار الكعبة قبل خروج المهدي (عجَّل الله فرجه) بـ(١٥) يوماً. منها ما رواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٣٠ و٣٣١/ باب ٣٢/ ح ١٦) بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ اَلثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ البَاقِرَ (عليه السلام)، قَالَ: ... قُلْتُ: يا بن رَسُولِ اَلله، مَتَى يَخْرُجُ قَائِمُكُمْ؟ قَالَ: «إِذَا تَشَبَّهَ اَلرِّجَالُ بِالنِّسَاءِ، وَاَلنِّسَاءُ بِالرِّجَالِ...» إلى أنْ قال: «وَقَتْلُ غُلَامٍ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بَيْنَ اَلرُّكْنِ وَاَلمَقَامِ، اِسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ اَلنَّفْسُ اَلزَّكِيَّةُ...» الحديث.
ومنها ما رواه الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٤٤٥/ ح ٤٤٠) بسنده عَنْ صَالِحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «لَيْسَ بَيْنَ قِيَامِ القَائِمِ وَبَيْنَ قَتْلِ اَلنَّفْسِ اَلزَّكِيَّةِ إِلَّا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً»؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٦٤٩/ باب ٥٧/ ح ٢) بتفاوت يسير.
(٨٢) مقاتل الطالبيِّين (ص ١٦٤).
(٨٣) راجع: الكافي (ج ١/ ص ٣٥٨ - ٣٦٦/ باب ما يفصل بين دعوى المحقِّ والمبطل في أمر الإمامة/ ح ١٧).

↑صفحة ٧٤↑

أنَّه قليل الورع لا يُستبعَد عليه الادِّعاء والوضع.
وقد ثار محمّد هذا في المدينة المنوَّرة ولم يجاوزها حتَّى قُتِلَ في عهد أبي جعفر المنصور سنة (١٤٥هـ)(٨٤).
وربَّما كان دعاته أيضاً وراء إضافة: (اسم أبيه اسم أبي) أو (كنيته أبو عبد الله).
وربَّما شاركهم في هذه خاصَّة دعاة أبي عبد الله محمّد بن عبد الله المنصور الملقَّب بالمهدي، وهو ثالث الخلفاء العبَّاسيِّين، فقد ادُّعيت له المهدويَّة أيضاً، ووُضِعَت لصالح دعواه كما هو في الحسني أحاديث تجعل المهدي من ذرّيَّة العبَّاس، كالذي أخرجه نعيم بن حمَّاد عن كعب، قال: (اَلمَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِ العَبَّاسِ)(٨٥).
وكالذي رواه الدارقطني في (الأفراد)، وابن عساكر في (تاريخه) عن عثمان بن عفَّان، قال: سمعت النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «اَلمَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِ العَبَّاسِ عَمِّي»(٨٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٤) راجع: مروج الذهب (ج ٣/ ص ٢٩٤)، ومقاتل الطالبيِّين (ص ١٧٦).
(٨٥) الفتن لنعيم بن حمَّاد (ص ٢٣٠)؛ ورواه السيوطي في العرف الوردي (ص ١٥١ و١٥٢/ ح ١٨٧)، وابن حجر الهيتمي في القول المختصر (ص ١٤٩)، والمتَّقي الهندي في البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (٩٥/ باب ٢/ ح ٢٤).
(٨٦) تاريخ مدينة دمشق (ج ٥٣/ ص ٤١٤)؛ ورواه المحبُّ الطبري في ذخائر العقبى (ص ٢٠٦)، والذهبي في تاريخ الإسلام (ج ١٠/ ص ٤٣٦)، والسمهودي في جواهر العقدين (ج ٢/ ص ١٩٨)، والسيوطي في العرف الوردي (ص ١٧٤/ ح ٢٥٣)، وفي تاريخ الخلفاء (ص ٢٩٦)، وفي الجامع الصغير (ج ٢/ ص ٦٧٢/ ح ٩٢٤٢)، والرياربكري في تاريخ الخميس (ج ٢/ ص ٢٨٨)، وابن حجر الهيتمي في القول المختصر (ص ١٦٠)، وفي الصواعق المحرقة (ص ١٦٦)، والمتَّقي الهندي في البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ص ٩٥/ باب ٢/ ح ٢٥).

↑صفحة ٧٥↑

وقد نصُّوا على ضعفهما وسقوط قيمتهما(٨٧)، وأعرضوا عمليًّا عن اعتبارهما.
إنَّ وضع هذه الأحاديث التي تنسب المهدي (عجَّل الله فرجه) إلى الحسن السبط (عليه السلام) أو إلى العبَّاس (رضي الله عنه)، ثمّ تحريف الحديث النبوي الآخر بعد قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «وَاِسْمُهُ اِسْمِي» بإضافة (واسم أبيه اسم أبي) أو (وكنيته أبو عبد الله)، لا يُستبعَد على مَنْ يجرؤ على ادِّعاء المهدويَّة، فهذا الوضع وهذا التحريف من شأنيهما أنْ يُقرِّبا تطبيق الرواية على كلٍّ منهما لدى العامَّة من الناس من جهات:
١ - من خلال الجدِّ البعيد.
٢ - من خلال الأب.
٣ - من خلال الكنية.
والدليل على ذلك ما ذكرناه من ضعف أسانيد نسبته للحسن (عليه السلام)، ونسبته للعبَّاس، ومعارضتهما بأحاديث صحيحة متواترة عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام) كما سيأتي.
أمَّا تحريف الحديث الآخر بإدخال الزيادة التي أشرنا إليها فيه، فيدلُّ عليه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٧) نصُّوا على أنَّ الرواية الأُولى المرويَّة عن الوليد، عن الشيخ يزيد بن الوليد، عن كعب، ضعيفة الإسناد، فالوليد بن مسلم مدلِّس، وشيخه لم يُسَمَّ.
أمَّا الرواية الثانية فقد قال الدارقطني: (هذا حديث غريب تفرَّد به محمّد بن الوليد) راجع: العرف الوردي (ص ١٧٤)، والقول المختصر (ص ١٦٠)، والبرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ص ٩٦). وقال ابن الجوزي: فيه محمّد بن الوليد المقرئ، قال ابن عدي: يضع الحديث ويصله ويسرق ويقلب الأسانيد والمتون، وقال ابن أبي معشر: هو كذَّاب. راجع: فيض القدير (ج ٦/ ص ٣٦١).
هذا يُضاف إلى معارضة ما ورد في هذين الحديثين من نسبته للعبَّاس بما لا يُحصى من الأحاديث التي تنسبه لعليِّ وفاطمة والحسين (عليهم السلام).

↑صفحة ٧٦↑

أنَّ الأحاديث التي رواها الترمذي في (جامعه)، وأبو داود في (سُنَنه)، والنسائي في (سُنَنه)، وأحمد في (مسنده)، والبيهقي في (سُنَنه)، والطبراني في (معجمه)، وأبو عمرو المقرئ في (سُنَنه)، والحافظ أبو نعيم، خالية من هذه الزيادة.
وقد رويت عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة بطُرُق كثيرة، كالذي روي عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لَا تَنْقَضِي الأَيَّامُ، وَلَا يَذْهَبُ الدَّهْرُ حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، اسْمُهُ يُوَاطِئُ اسْمِي».
وفي صيغة أُخرى عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لَا تَقُومُ اَلسَّاعَةُ حَتَّى يَلِي الأَرْضَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي اِسْمُهُ اِسْمِي».
وقد أورد الحديث الأوَّل الإمام أحمد بن حنبل في (مسنده) في عدَّة مواضع: (ج ٥/ ص ١٩٩/ ح ٣٥٧٢ و٣٥٧٣)، وفي (ج ٦/ ص ٧٤/ ح ٤٠٩٨، وج ٦/ ص ١٣٩/ ح ٤٢٧٩).
وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على (المسند) عقب كلِّ رواية: (إسناده صحيح).
وأخرج الحديث الثاني الحافظ أبو بكر البيهقي، وأخرجه الترمذي في (سُنَنه) بطريقين، أحدهما عن أبي هريرة بلفظ: «يَلِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي»، وقال: حسن صحيح(٨٨).
وكالذي روي عن عبد الله بن مسعود أيضاً، قال: قال رسول الله: «لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمْلِكَ العَرَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي - وفي الترمذي: حَتَّى يَمْلِكَ العَرَبَ رَجُلٌ - يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي يَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٨) سُنَن الترمذي (ج ٣/ ص ٣٤٣/ ح ٢٣٣٢).

↑صفحة ٧٧↑

وقد أخرجه الطبراني في (معجمه الصغير)، وأبو داود في (سُنَنه)، والترمذي في (جامعه)، وقال: حديث حسن صحيح(٨٩).
ويُؤيِّد ذلك أنَّ الحافظ أبا نعيم الأصفهاني قد أحصى - كما نقل ذلك الحافظ محمّد بن يوسف بن محمّد القرشي الكنجي الشافعي - طُرُق الحديث عن الجمِّ الغفير في (مناقب المهدي (عليه السلام)) كلُّها عن عاصم بن أبي النجود، عن عبد الله، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ذكر منها الكنجي (٣٣) طريقاً، الأكثر الغالب منها له طُرُق شتَّى.
ورواه غير عاصم عن زرٍّ أيضاً، وهو عمر بن مرَّة.
وكلُّ هذه الطُّرُق روت أنَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال في الحديث: «اِسْمُهُ اِسْمِي» من دون زيادة إلَّا ما كان من عبيد الله بن موسى، عن زائدة، عن عاصم، فإنَّه أُضيف فيه: (واسم أبيه اسم أبي).
وبمقارنة (٣٤) طريقاً خالية من هذه الزيادة إلى طريق واحد يُثبِتها يتَّضح لنا سقوط هذا الطريق من الاعتبار مقابلها من دون شكٍّ(٩٠)، مع ما قدَّمناه من دواعٍ منطقيَّة للاتِّهام في وضع هذه الزيادة ووضع (وكنيته أبو عبد الله) كذلك بالدليل نفسه، وإنْ وردت منفردة عن تلك في بعض الأخبار.
قالوا: وربَّما كانت له كنية أُخرى عدا الكنية التي عُرِفَ بها، وهي (أبو القاسم)، والتي وردت في الحديث عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يَخْرُجُ فِي آخِرِ اَلزَّمَانِ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِي اِسْمُهُ كِاِسْمِي وَكُنْيَتُهُ كَكُنْيَتِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٩) المعجم الصغير (ج ٢/ ص ١٤٨)، سُنَن أبي داود (ج ٢/ ص ٣٠٩ و٣١٠/ ح ٤٢٨٢)، سُنَن الترمذي (ج ٣/ ص ٣٤٣/ ح ٢٣٣١).
(٩٠) البيان في أخبار صاحب الزمان (ص ٤٨٣ - ٤٨٥).

↑صفحة ٧٨↑

يَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً»، أخرجه سبط ابن الجوزي عن عبد العزيز ابن محمود بن البزَّاز(٩١).
وفي (الشفاء) للقاضي عياض أنَّ كنيته أبو القاسم، وأنَّه جُمِعَ له بين كنية النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واسمه(٩٢).
وجمع بعضهم له بين الكنيتين، قال سبط ابن الجوزي: (وكنيته أبو عبد الله وأبو القاسم)(٩٣)، وبذلك نُغنى عن التوجيه المتكلَّف الذي حاوله بعضهم في توجيه (واسم أبيه اسم أبي)، كمحمّد بن طلحة الشافعي في (مطالب السؤول)، والكنجي في (البيان)، ونقله الشيخ المجلسي (رحمه الله) في (البحار)(٩٤).
الإمام المهدي من ولد الحسين (عليهما السلام):
بعد مناقشة الأحاديث الواردة في أنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) من ذرّيَّة الإمام الحسن ابن عليِّ بن أبي طالب (عليهما السلام)، وأنَّ أباه هو عبد الله، وبيان ضعفها إسناداً، وما يحتمل أنْ يكون من أسباب لوضعها، وبيان معارضتها بأحاديث أُخرى عن الرواة أنفسهم، نعود مرَّةً أُخرى لنُؤكِّد أنَّ عدداً من حُفَّاظ السُّنَّة ومحدِّثيها رووا عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أحاديث أُخرى تُصرِّح أنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) من ذرّيَّة الحسين (عليه السلام)، أو أنَّه التاسع من ولد الحسين، أو أنَّه الثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، فيكون من ولد الحسين أيضاً، لأنَّ تسعة منهم من ولده.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩١) تذكرة الخواصِّ (ص ٣٢٥)؛ ورواه المقدسي الشافعي في عقد الدُّرَر (ص ٣٢).
(٩٢) عنه شرح إحقاق الحقِّ (ج ٢٩/ ص ١١٩).
(٩٣) تذكرة الخواصِّ (ص ٣٢٥).
(٩٤) مطالب السؤول (ص ٤٨٧ و٤٨٨)، البيان في أخبار صاحب الزمان (ص ٤٨٣)، بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٨٦).

↑صفحة ٧٩↑

فمن أحاديث الطائفة الأُولى ما رواه المقدسي السلمي الشافعي، وقال: (أخرجه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في صفة المهدي (عليه السلام))، ونقل الشيخ مهيب البوريني محقِّق الكتاب أنَّ السيوطي ذكره في الحاوي (ج ٢/ ص ٦٣)، وابن القيِّم في المنار المنيف (ص ١٤٨) عَنْ حُذَيْفَةَ (رضي الله عنه)، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَذَكَّرَنَا بِمَا هُوَ كَائِنٌ، ثُمَّ قَالَ: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ اَلدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ، لَطَوَّلَ اَللهُ ذَلِكَ اليَوْمَ حَتَّى يَبْعَثَ فِيهِ رَجُلاً مِنْ وُلْدِي اِسْمُهُ اِسْمِي»، فَقَامَ سَلْمَانُ الفَارسيُّ (رضي الله عنه)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَلله، مِنْ أَيِّ وُلْدِكَ هُوَ؟ قَالَ: «هُوَ مِنْ وَلَدِي هَذَا» وَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الحُسَيْنِ (عليه السلام)(٩٥).
ومنها: ما روي عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري (رحمه الله)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: هَلْ شَهِدْتَ بَدْراً؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثُنِي بِشَيْءٍ مِمَّا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي عَلِيٍّ (عليه السلام) وَفَضْلِهِ؟ فَقَالَ: بَلَى، أُخْبِرُكَ أَنَّ رَسُولَ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مَرِضَ مَرْضَةً نَقِهَ مِنْهَا، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ فَاطِمَةُ (عليها السلام) تَعُودُهُ، وَأَنَا جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَلَمَّا رَأَتْ مَا بِرَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مِنَ اَلضَّعْفِ خَنَقَتْهَا العَبْرَةُ حَتَّى بَدَتْ دُمُوعُهَا عَلَى خَدِّهَا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «مَا يُبْكِيكِ، يَا فَاطِمَةُ؟ أَمَا عَلِمْتِ أَنَّ اَللهَ اِطَّلَعَ إِلَى الأَرْضِ اِطِّلَاعَةً فَاخْتَارَ مِنْهَا أَبَاكِ فَبَعَثَهُ نَبِيًّا، ثُمَّ اِطَّلَعَ ثَانِيَةً فَاخْتَارَ بَعْلَكِ، فَأَوْحَى إِلَيَّ فَأَنْكَحْتُهُ وَاِتَّخَذْتُهُ وَصِيًّا»، ثمّ عدَّد لها الرسول ما أنعم الله به على أهل البيت من الفضل (ذكر ذلك أبو سعيد)، قال: ثمّ قال: «وَمِنَّا مَهْدِيُّ الأُمَّةِ اَلَّذِي يُصَلِّي عِيسَى خَلْفَهُ»، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى مَنْكِبِ الحُسَيْنِ (عليه السلام)، فَقَالَ: «مِنْ هَذَا مَهْدِيُّ الأُمَّةِ».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٥) عقد الدُّرَر (٨٢ و٨٣/ ح ٣٢)؛ ورواه الجويني في فرائد السمطين (ج ٢/ ص ٣٢٥ و٣٢٦/ ح ٥٧٥)، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودَّة (ج ٣/ ص ٣٨٥ و٣٨٦ و٣٩٠/ باب ٩٤/ ح ١١ و٢٨).

↑صفحة ٨٠↑

قال: هكذا أخرجه الدارقطني صاحب (الجرح والتعديل)(٩٦).
وروى الكنجي المتوفَّى سنة (٦٥٨هـ) بإسناده عن الأعمش، عن زرِّ بن حبيش، عن حذيفة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ اَلدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَبَعَثَ اَللهُ فِيهِ رَجُلاً اِسْمُهُ اِسْمِي وَخَلْقُهُ خَلْقِي، يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اَلله، يُبَايَعُ بَيْنَ اَلرُّكْنِ وَاَلمَقَامِ، يَرُدُّ اَللهُ بِهِ اَلدِّينَ، وَيَفْتَحُ لَهُ فُتُوحاً، فَلَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ إِلَّا مَنْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللهُ»، فَقَامَ سَلْمَانُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَلله، مِنْ أَيِّ وُلْدِكَ هُوَ؟ قَالَ: «مِنْ وُلْدِ اِبْنِي هَذَا»، وَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الحُسَيْنِ (عليه السلام)(٩٧).
وروى السلمي عن عليٍّ (عليه السلام) حديثاً طويلاً عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وما بين يديه من علامات، وعن خروجه وصفاته، وممَّا قال فيه: إنَّه من ولد فاطمة (عليها السلام) من ولد الحسين (عليه السلام)(٩٨).
ومن أحاديث الطائفة الثانية ما رواه العلَّامة الحلِّي (رحمه الله) في (كشف اليقين) نقلاً عن (مسند أحمد بن حنبل) أنَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال للحسين (عليه السلام): «هَذَا اِبْنِي إِمَامٌ أَخُو إِمَامٍ اِبْنُ إِمَامٍ، أَبُو أَئِمَّة تِسْعَة، تَاسِعُهُمْ قَائِمُهُمْ»(٩٩).
وما نقله صدر الأئمَّة أبو المؤيّد الموفَّق بن أحمد المكّي الحنفي المتوفَّى سنة (٥٦٨هـ) بسنده عن سُلَيم بن قيس الهلالي، عن سلمان (رضي الله عنه)، قال: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَإِذَا الحُسَيْنُ عَلَى فَخِذِهِ وَهُوَ يُقَبِّلُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَيَلْثِمُ فَاهُ، وَيَقُولُ: «إِنَّكَ سَيِّدُ اِبْنُ سَيِّدٍ أَبُو سَادَةٍ، إِنَّكَ إِمَامُ ابْنُ إِمَامٍ أَبُو أَئِمَّةٍ، إِنَّكَ حُجَّةُ ابْنُ حُجَّةٍ أَبُو حُجَجٍ تِسْعَةٍ مِنْ صُلْبِكَ تَاسِعُهُمْ قَائِمُهُمْ(١٠٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٦) البيان في أخبار صاحب الزمان (ص ٥٠٢ و٥٠٣).
(٩٧) البيان في أخبار صاحب الزمان (ص ٥١٠).
(٩٨) عقد الدُّرَر (ص ٩٠ - ٩٩).
(٩٩) كشف اليقين (ص ٣٣١).
(١٠٠) مقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي (ج ١/ ص ٢١٢ و٢١٣/ ح ٧).

↑صفحة ٨١↑

وروى أيضاً في مناقب عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) عن الحسين (عليه السلام)، قال: «دَخَلْتُ عَلَى جَدِّي رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَأَجْلَسَنِي عَلَى فَخِذِهِ وَقَالَ لِي: إِنَّ اَللهَ اِخْتَارَ مِنْ صُلْبِكَ يَا حُسَيْنُ تِسْعَة أَئِمَّة تَاسِعُهُمْ قَائِمُهُمْ، وَكُلُّهُمْ فِي الفَضْلِ وَاَلمَنْزِلَةِ عِنْدَ اَلله سَوَاءٌ»(١٠١).
ونقل صاحب (الينابيع) عن الموفَّق بن أحمد أيضاً بسنده عن واثلة بن الأسقع، عن جابر بن عبد الله الأنصاري رواية أُخرى مماثلة(١٠٢).
وروى شيخ الإسلام إبراهيم بن محمّد الجويني الشافعي المتوفَّى سنة (٧٢٠هـ) بسنده عن الإمام عليِّ بن موسى الرضا (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال في حديث طويل منه: «وَالحَسَنُ وَالحُسَيْنُ إِمَامَا أُمَّتِي بَعْدَ أَبِيهِمَا، وَسَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَأُمُّهُمَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ العَالَمِينَ، وَأَبُوهُمَا سَيِّدُ الوَصِيِّينَ، وَمِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ تِسْعَةُ أَئِمَّةٍ تَاسِعُهُمُ القَائِمُ مِنْ وُلْدِي، طَاعَتُهُمْ»(١٠٣).
وبسنده عن سُلَيم بن قيس، عن عليٍّ (عليه السلام)، قال: إنَّ عليًّا (عليه السلام) قام في أحد المواقف في المهاجرين والأنصار، فقال: «أَنْشُدُكُمُ اَللهَ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَامَ خَطِيباً لَمْ يَخْطُبْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اَلله وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، فَتَمَسَّكُوا بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا، فَإِنَّ اَللَّطِيفَ الخَبِيرَ أَخْبَرَنِي وَعَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ شِبْهُ اَلمُغْضَبِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَلله، أَكُلُّ أَهْلِ بَيْتِكَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَوْصِيَائِي مِنْهُمْ، أَوَّلُهُمْ أَخِي وَوَزِيرِي وَوَارِثِي وَخَلِيفَتِي فِي أُمَّتِي وَوَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ بَعْدِي هُوَ أَوَّلُهُمْ، ثُمَّ اِبْنِيَ الحَسَنُ، ثُمَّ اِبْنِيَ الحُسَيْنُ، ثُمَّ تِسْعَةٌ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ حَتَّى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠١) عنه ينابيع المودَّة (ج ٣/ ص ٣٩٥/ باب ٩٤/ ح ٤٥).
(١٠٢) ينابيع المودَّة (ج ٣/ ص ٢٨٣ - ٢٨٥/ باب ٧٦/ ح ٢).
(١٠٣) فرائد السمطين (ج ١/ ص ٥٤ و٥٥/ ح ١٩).

↑صفحة ٨٢↑

يَرِدُوا عَلَيَّ الحَوْضَ، هُمْ شُهَدَاءَ اَلله فِي أَرْضِهِ، وَحُجَّتَهُ عَلَى خَلْقِهِ، وَخُزَّانُ عِلْمِهِ، وَمَعَادِنُ حِكْمَتِهِ، مَنْ أَطَاعَهُمْ أَطَاعَ اَلله، وَمَنْ عَصَاهُمْ عَصَى اَلله»(١٠٤).
وروى القندوزي الحنفي عن مجاهد، عن ابن عبَّاس حديثاً مماثلاً(١٠٥).
الطائفة الثالثة: روى الإمام مسلم في صحيحه في (كتاب الإمارة) بسندين عن عامر بن سعد، عن جابر بن سمرة، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يَوْمَ الجُمُعَةِ عَشِيَّةَ رَجْمِ الأَسْلَمِيِّ يَقُولُ: «لَا يَزَالُ الدِّينُ قَائِماً حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أَوْ يَكُونَ عَلَيْكُمْ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»(١٠٦).
وروى الإمام البخاري في صحيحه في (كتاب الأحكام) بسنده عن جابر بن سمرة: «يَكُونُ اِثْنَا عَشَرَ أَمِيراً»، فَقَالَ كَلِمَةً لَمْ أَسْمَعْهَا، فَقَالَ أَبِي: إِنَّهُ قَالَ: «كُلُهُمْ مِنْ قُرِيْشٍ»(١٠٧).
ورواه الترمذي بسندين مع إضافة «مِنْ بَعْدِي» بعد كلمة (يكون)(١٠٨).
وروى الحاكم في (المستدرك) بسنده عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوساً لَيْلَةً عِنْدَ عَبْدِ الله يُقْرِئُنَا القُرْآنَ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هَلْ سَألتُمْ رَسُولَ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كَمْ يَمْلِكُ هَذِهِ الأُمَّةُ مِنْ خَلِيفَةٍ؟ فَقَالَ عَبْدُ الله: مَا سَأَلَنِي عَنْ هَذَا أَحَدٌ مُنْذُ قَدِمْتُ العِرَاقَ قَبْلَكَ، قَالَ: سَألنَاهُ، فَقَالَ: «اثْنَا عَشَرَ، عِدَّةِ نُقَبَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٤) فرائد السمطين (ج ١/ ص ٣١٢ - ٣١٨/ ح ٢٥٠).
(١٠٥) ينابيع المودَّة (ج ١/ ص ٣٤١ - ٣٤٩/ باب ٣٨/ ح ٣).
(١٠٦) صحيح مسلم (ج ٦/ ص ٣ و٤)؛ وقد أورد بهذا المضمون سبعة أحاديث أُخرى تأتي قريباً، فانتظر.
(١٠٧) صحيح البخاري (ج ١١/ ص ٧٠/ ح ٦٤٥٧).
(١٠٨) سُنَن الترمذي (ج ٣/ ص ٣٤٠/ ح ٢٣٢٣ و٢٣٢٤).

↑صفحة ٨٣↑

والحديث رواه كلُّ أصحاب الصحاح والسُّنَن والمسانيد والمعاجم الحديثيَّة، ولم يختلفوا في صحَّته(١٠٩).
وقد أظهرت محاولات تطبيقه على الخلفاء الذين حكموا الأُمَّة وقادوها سياسيًّا، كالخلفاء الأربعة، ثمّ الحسن، ثمّ خلفاء بني أُميَّة وبني العبَّاس، عجزاً واضحاً من حيث العدد، ومن حيث الصفة، ومن حيث الأثر بالنسبة للدِّين والأُمَّة.
وإذا أمكن لدى أصحاب هذه المحاولات إدخال الخلفاء الأربعة ثمّ الحسن، فمن هم الآخرون؟
إنَّ السير حسب التسلسل التاريخي لا يأتي الإشكال فيه من انتهاء هذا العدد قبل انتهاء الخلفاء الأُمويِّين فقط، بل سيدخل مَنْ لا يمكن أنْ يكون من حيث الصفة والأثر بالنسبة للدِّين والأُمَّة مقصوداً إجماعاً، فإنَّ تشبيههم بنقباء بني إسرائيل ليس لبيان العدد وإنَّما هو إشارة إلى جنبة علم وهدى سماوي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٩) مستدرك الحاكم (ج ٤/ ص ٥٠١)؛ ورواه أحمد بن حنبل في مسنده (ج ٦/ ص ٣٢١ و٤٠٦/ ح ٣٧٨١ و٣٨٥٩) بطريقين، وأبو يعلى في مسنده (ج ٨/ ص ٤٤٤/ ح ٥٠٣١، وج ٩/ ص ٢٢٢/ ح ٥٣٢٢)، والطبراني في المعجم الكبير (ج ١٠/ ص ١٥٧ و١٥٨/ ح ١٠٣١٠)، والهيثمي في مجمع الزوائد (ج ٥/ ص ١٩٠)، وقال: (رواه أحمد وأبو يعلى والبزَّار)، والسيوطي في تاريخ الخلفاء (ص ١٣)، وابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة (ص ٢٠)، والمتَّقي الهندي في كنز العُمَّال (٩٧٥) (ج ١٢/ ص ٣٣/ ح ٣٣٨٥٧).
ورواه بصيغة أنَّ عدد الخلفاء بعدي عدَّة نقباء موسى: نعيم بن حمَّاد في الفتن (ص ٥٢)، وابن عدي في الكامل (ج ٣/ ص ١٥)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (ج ١٦/ ص ٢٨٦)، والسيوطي في الجامع الصغير (ج ١/ ص ٣٥٠/ ح ٢٢٩٧)، والمتَّقي الهندي في كنز العُمَّال (ج ٦/ ص ٨٩/ ح ١٤٩٧١، وج ١٢/ ص ٣٣/ ح ٣٣٨٥٩).

↑صفحة ٨٤↑

يكونون فيه امتداداً للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فإنَّ نقباء بني إسرائيل لهم مثل هذه الصفة كما يُفهَم من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ (المائدة: ١٢).
وممَّا يُؤكِّد أنَّ هذه الإشارة هي المقصودة من قِبَل النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما بيَّنه في الروايات الأُخرى من الأثر الواقعي لوجود هؤلاء الخلفاء في حياة الدِّين والأُمَّة، ففي رواية أوردها مسلم في صحيحه، قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لَا يَزَالُ هَذَا اَلدِّيْنُ عَزِيزاً»، وفي أُخرى: «لَا يَزَالُ الإِسْلَامُ عَزِيزاً»، وفي رواية ثالثة: «لَا يَزَالُ اَلدِّيِنُ قَائِماً» وفي خامسة وسادسة: «لَا يَزَالُ أَمْرُ اَلنَّاسِ مَاضِياً»(١١٠).
وبالربط بين ما تشير إليه هذه الروايات وبين واقع الخلفاء السياسيِّين - أُمويِّين وعبَّاسيِّين على المستوى الشخصي أو الأمر المتَّصل بالسياسة العامَّة للدولة من حيث علاقتها بالقِيَم والأحكام الإسلاميَّة - يبدو لنا بوضوح أنْ لا مجال لانطباق هذه الأوصاف عليهم.
ومن البيِّن أنَّ هذه الأوصاف تُثبِت أنَّ خلافة هؤلاء الخلفاء الاثني عشر خلافة هدى وعلم قبل كلِّ شيء، وإنْ كان لا ينافيها أنْ تُجمَع إليها الخلافة السياسيَّة، بل ذلك هو المفروض استحقاقاً، لكن إمامتهم لا تتوقَّف عليها إلَّا بمقدار فقدانهم فيها وسيلة في التنفيذ والإيصال، بدليل رجوع الأُمَّة إلى هؤلاء الأئمَّة وإفادتها منهم بما جعل الدِّين قائماً كما مرَّ في الروايات.
إنَّ عزَّة الدِّين ومضيَّ أمر الأُمَّة بهؤلاء الأئمَّة يتَّصل من دون شكٍّ بجانب الهدى والعلم والقدوة الممثِّلة لهما نظريًّا وعمليًّا بوصفهم امتداداً للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كامتداد النقباء الاثني عشر عن موسى (عليه السلام)، وأين خلفاء بني أُميَّة وبني العبَّاس من ذلك؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٠) صحيح مسلم (ج ٦/ ص ٣ و٤).

↑صفحة ٨٥↑

ثمّ إنَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حدَّد هؤلاء بهذا العدد (اثني عشر) لما بينه وبين الساعة كما هو مفاد رواية صحيح مسلم: «إِنَّ هَذَا الأَمْرَ لَا يَنْقَضِي»، وهو يعني بقاء إمامتهم كلَّ هذه المدَّة مهما طالت، لأنَّه بقاء الرسالة من خلال شاهدها التالي. وذلك ما لا يتطابق مع واقع الخلفاء السياسيِّين الذين جاءوا بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من أُمويِّين وعبَّاسيِّين نظريًّا وواقعيًّا، فهم لا أكثر من حُكَّام زمنيِّين تتحدَّد إمامتهم الواقعيَّة بمدَّة حكمهم، فضلاً عن عدم تطابق العدد والصفة.
ولا شكَّ في أنَّ الانتقاء بالصورة التي قام بها بعض الأعلام ليُقدِّم بها مصداقاً واقعيًّا للحديث محاولة بائسة تكشف عن عجز، وأنَّ التحكُّم فيها واضح لدرجة يعجب المرء كيف يمكن أنْ تُطرَح من قِبَل أُولئك العلماء(١١١).
ولعلَّ خير تفسير لها ما رآه أُستاذنا الحكيم في قوله: (ولعلَّ حيرة كثير من العلماء في توجيه هذه الأحاديث وملاءمتها للواقع التاريخي، كان منشؤها عدم تمكُّنهم من تكذيبها، ومن هنا تضاربت الأقوال في توجيهها، وبيان المراد منها)(١١٢).
لقد أدخل بعض العلماء الذين حاولوا تطبيق الحديث بالصورة التي ذكرناها سابقاً الإمام عليًّا والحسن والمهدي (عليهم السلام)، ولكن مَنْ هم الآخرون؟
إنَّ الدليل النظري الذي تتَّسق شواهده ويتطابق مع الواقع التاريخي قائم بوضوح، ويتمثَّل في خطٍّ يتبنَّاه بعض الأُمَّة، فإذا ما التفتنا إلى ما أشرنا إليه من التشبيه بنقباء بني إسرائيل من جهة، وإلى ما ذُكِرَ من آثار واقعيَّة لإمامتهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١١) الأُصول العامَّة للفقه المقارن (ص ١٧٨ - ١٨٠)؛ واقرأ هذه المحاولات في: دليل المتحيِّرين في بيان الناجين (ص ٢٢٧ - ٢٣٣).
(١١٢) الأُصول العامَّة للفقه المقارن (ص ١٧٩).

↑صفحة ٨٦↑

بالنسبة للدِّين والأُمَّة، وإلى امتداد هذه الإمامة إلى قيام الساعة، وربطنا ذلك بحديث الثقلين(١١٣) الذي يقول فيه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ: كَتَابَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٣) مسند ابن الجعد (ص ٣٩٧)، طبقات ابن سعد (ج ٢/ ص ١٩٤)، المصنَّف لابن أبي شيبة (ج ٧/ ص ١٧٥ و١٧٦/ كتاب الدعاء/ باب ٢٧/ ح ١ و٢ و٥، وص ٤١٨/ كتاب الفضائل/ باب ١/ ح ٤١)، مسند أحمد بن حنبل (ج ١٧/ ص ١٦٩ و١٧٠/ ح ١١١٠٤، وص ٣٠٨ و٣٠٩/ ح ١١٢١١، وج ١٨/ ص ١١٤/ ح ١١٥٦١، وج ٣٢/ ص ٦٤/ ح ١٩٣١٣، وج ٣٥/ ص ٤٥٦/ ح ٢١٥٧٨، وص ٥١٢/ ح ٢١٦٥٤)، فضائل الصحابة له أيضاً (ج ١/ ص ١٧١/ ح ١٧٠، وج ٢/ ص ٥٧٢ و٥٨٥/ ح ٩٦٨ و٩٩٠، وص ٦٠٣/ ح ١٠٣٢، وص ٧٧٩ و٧٨٦/ ح ١٣٨٢ و١٣٨٣ و١٤٠٣)، سُنَن الدارمي (ج ٢/ ص٤٣١ و٤٣٢)، صحيح مسلم (ج ٧/ ص ١٢٢ و١٢٣)، سُنَن الترمذي (ج ٥/ ص ٣٢٨ و٣٢٩/ ح ٣٨٧٦)، السُّنَّة لابن أبي عاصم (ص ٣٣٦ و٣٣٧/ ح ٧٥٤، وص ٦٢٨ - ٦٣١/ ح ١٥٤٨ و١٥٤٩ و١٥٥٢ - ١٥٥٥ و١٥٥٨)، مسند البزَّار (ج ٣/ ص ٨٩/ ح ٨٦٤)، مسند أبي يعلى (ج ٢/ ص ٢٩٧ و٢٩٨/ ح ٤٨/١٠٢١، وص ٣٠٣/ ح ٥٤/١٠٢٧، وص ٣٧٦/ ح ١٦٦/١١٤٠)، صحيح ابن خزيمة (ج ٤/ ص ٦٢ و٦٣)، خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) للنسائي (ص ٩٣)، شرح مشكل الآثار للطحاوي (ج ٥/ ص ١٨/ ح ١٧٦٥، ج ٩/ ص ٨٨ و٨٩/ ح ٣٤٦٣ و٣٤٦٤)، معاجم الطبراني الثلاثة: الكبير (ج ٣/ ص ٦٥ و٦٦/ ح ٢٦٧٨ - ٢٦٨١، وص ١٨٠ و١٨١/ ح ٣٠٥٢، وج ٥/ ١٥٣ و١٥٤ و١٦٥ - ١٦٧/ ح ٤٩٢١ - ٤٩٢٣ و٤٩٦٩ و٤٩٧١، وص ١٦٩ و١٧٠/ ح ٤٩٨٠ و٤٩٨١، وص ١٨٢ - ١٨٤/ ٥٠٢٥ و٥٠٢٧ و٥٠٢٨، وص ١٨٦/ ح ٥٠٤٠)، والأوسط (ج ٣/ ص ٣٧٤ ، وج ٤/ ص ٣٣)، والصغير (ج ١/ ص ١٣١ و١٣٥)، مستدرك الحاكم (ج ٣/ ص ١٠٩ و١٤٨)، شرح أُصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة (ج ١/ ص ٩٠/ ح ٩٥)، الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد (ص ٤٥١ و٤٥٢)، سُنَن البيهقي (ج ٧/ ص ٣٠ و٣١، وج ١٠/ ص ١١٣ و١١٤)، تاريخ بغداد (ج ٨/ ص ٤٤٣)، حلية الأولياء (ج ١/ ص ٣٥٥)، المناقب للخوارزمي (ص ١٥٤ و١٥٥ و٣٢٠ و٣٣٠/ ح ١٨٢ و٣٤٩)، التدوين في أخبار قزوين (ج ٣/ ←

↑صفحة ٨٧↑

اَلله وَأَهْلَ بَيْتِي(١١٤)، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ»(١١٥).
وبحديث سفينة نوح الذي يقول فيه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ»(١١٦)، و«إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 → ص ٤٦٥)، فرائد السمطين (ج ٢/ ص ١٤٤ - ١٤٧/ ح ٤٣٧ - ٤٣٩ و٤٤١)، مجمع الزوائد (ج ٩/ ص ١٦٣)، جواهر العقدين (ج ٢/ ص ٨٦)، الصواعق المحرقة (ص ٢٢٨)، وقال: (ولهذا الحديث طُرُق كثيرة عن بضع وعشرين صحابيًّا).
أمَّا طُرُقه لدى الشيعة الإماميَّة فقد بلغت أكثر من (٨٠) طريقاً، فهو صحيح ومتواتر معاً، ولابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة (ص ١٥١) لفتة ممتازة قال: (وفي أحاديث الحثِّ على التمسُّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهِّل منهم للتمسُّك به إلى يوم القيامة، كما أنَّ الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض، ويشهد لذلك الخبر: «فِي كُلِّ خَلَفٍ مِنْ أُمَّتِي عُدُولٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي»).

(١١٤) يُعمِّم بعضهم - بقصد وبغير قصد - مفهوم أهل البيت (عليهم السلام) على كلِّ أقرباء الرسول نسبيًّا وسببيًّا، وهذا صحيح بالمعنى الأعمّ، ولكنَّه ليس صحيحاً بالمعنى الأخصّ كما حدَّده الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لدى وضعه الكساء على الخمسة لدى نزول آية التطهير، وقوله: «اَللَّهُمَّ هَؤلَاءِ أَهْلُ بَيتِي وَخَاصَّتِي»، حتَّى إنَّه لم يسمح لأُمِّ سَلَمة بالدخول معهم. ثمّ لدى خروجه بهؤلاء الخمسة فقط من بين كلِّ ذوي قرباه في المباهلة، وأنزل عليًّا (عليه السلام) منزلة نفسه، وجعل الزهراء (عليها السلام) كلَّ النساء، وجعل الحسنين (عليهما السلام) كلَّ الأبناء. وبعدم السماح لجُنُب أنْ يمكث في المسجد سواهم.
(١١٥) مستدرك الحاكم (ج ٣/ ص ١٤٨)، بسنده عن زيد بن أرقم، وصحَّحه على شرط البخاري ومسلم.
(١١٦) مستدرك الحاكم (ج ٢/ ص ٣٤٣، وج ٣/ ص ١٥٠ و١٥١) بسنده عن أبي ذرٍّ، وصحَّحه على شرط مسلم؛ ورواه الطبراني في معاجمه الثلاثة: الكبير (ج ٣/ ص ٤٥ و٤٦/ ح ٢٦٣٦ - ٢٦٣٨، وج ١٢/ ص ٢٧)، والأوسط (ج ٥/ ص ٣٥٥، وج ٦/ ص ٨٥)، والصغير (ج ٢/ ص ٢٢)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (ج ٤/ ص ٣٠٦) عن ابن عبَّاس، والخطيب في تاريخ بغداد (ج ١٢/ ص ٩٠) عن أنس.

↑صفحة ٨٨↑

فِيكُمْ مَثَلُ بَابِ حِطَّةِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ دَخَلَهُ غُفِرَ لَهُ»(١١٧).
وحديث «أَهْل بَيتِي أَمَانٌ لِأُمَّتِي مِنَ الاِخْتِلَافِ»(١١٨).
وإذا عرفنا أنَّه لا يوجد في التاريخ الإسلامي لدى أيِّ فئة من الأُمَّة واقعيًّا خلفاء وأئمَّة في الهدى والعلم تنطبق عليهم هذه الصفات وبهذا العدد إلَّا الأئمَّة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) من الإمام عليٍّ (عليه السلام) إلى الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فإنَّه لا يبقى أمامنا مجال لرؤية أيِّ مصداقٍ آخر سواهم للأئمَّة في هذا الحديث، أو يبقى الحديث من دون مصداق، وذلك ما لا يمكن أنْ يكون.
إنَّ الحديث يحمل بنفسه شاهداً مضافاً على صدقه وصحَّة صدوره عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٧) المعجم الصغير للطبراني (ج ٢/ ص ٢٢)، مناحل الشفا (ج ٥/ ص ٢٢١/ ح ٢١٦٧)، الأمالي الخميسيَّة (ج ١/ ص ١٩٩/ ح ٧٣٧)، فرائد السمطين (ج ٢/ ص ٢٤٢/ ح ٥١٦)، مجمع الزوائد (ج ٩/ ص ١٦٨)، جواهر العقدين (ج ٢/ ص ١٢١ و١٢٢)، الصواعق المحرقة (ص ١٥٢ و٢٣٦)، السيرة الحلبيَّة (ج ٢/ ص ٦٩٣)، ينابيع المودَّة (ج ١/ ص ٩٣/ باب ٤/ ح ٢ - ٥، وج ٢/ ص ٥٦/ ح ٧٠٩، وص ٤٤٣/ باب ٥٩/ ح ٢٢١).
(١١٨) مستدرك الحاكم (ج ٣/ ص ١٤٩) بسندين؛ ورواه بألفاظ متقاربة يسير: ابن حبَّان في المجروحين (ج ٢/ ص ٢٣٦)، والجرجاني في الأمالي الخميسيَّة (ج ١/ ص ٢٠٣/ ح ٧٥٦)، والخوارزمي في مقتل الحسين (عليه السلام) (ج ١/ ص ١٦٢/ ح ٦٥)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (ج ٤٠/ ص ٢٠)، وابن الجوزي في تذكرة الخواصِّ (ص ٢٩١)، والموصلي في مناقب آل محمّد (ص ٢٣٠/ ح ١٤٨)، والمحبُّ الطبري في ذخائر العقبى (ص ١٧)، والجويني في فرائد السمطين (ج ٢/ ص ٢٤١ و٢٥٢ و٢٥٣/ ح ٥١٥ و٥٢١ و٥٢٢)، والسيوطي في الجامع الصغير (ص ٥٥٧/ ح ٩٣١٣)، والصالحي الشامي في سُبُل الهدى والرشاد (ج ١١/ ص ٦ و٧)، وابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة (ص ١٨٧ و٢٣٥ و٢٣٦)، والمتَّقي الهندي في كنز العُمَّال (ج ١٢/ ص ٩٦/ ح ٣٤١٥٥).

↑صفحة ٨٩↑

الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، عدا الحكم بصحَّة إسناده من قِبَل جميع علماء الحديث، وأنَّه من شواهد النبوَّة، لأنَّه كان مأثوراً في بعض الصحاح والمسانيد(١١٩) قبل أنْ يكتمل عدد الأئمَّة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام)، فلا يحتمل أنْ يكون من الموضوعات كما يتصوَّر بعضهم مخطئاً بعد اكتمال العدد المذكور(١٢٠).
إنَّ بعض المحدِّثين والحُفَّاظ من أهل السُّنَّة ذكروا روايات تتَّسق في دلالتها مع ما ذكرناه من كون هؤلاء الخلفاء هم الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام)، قدَّمنا منها بعضاً ونُقدِّم هنا بعضاً آخر.
ومن هؤلاء الحافظ أبو نعيم المتوفَّى سنة (٤٣٠هـ)، فقد روى بسنده عن ابن عبَّاس، قال: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَحْيَا حَيَاتِي، وَيَمُوتَ مَمَاتِي، وَيَدْخُلَ جَنَّةَ جَنَّةَ عَدْنٍ غَرَسَهَا رَبِّي، فَليُوَالِ عَلِيًّا مِنْ بَعْدِي وَليُوَالِ وَلِيَّهُ، وَلِيَقْتَدِ بِالأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِي، فَإِنَّهُمْ عِتْرَتِي، خُلِقُوا مِنْ طِينَتِي، رُزِقُوا فَهْماً وَعِلْماً، وَوَيْلٌ لَلْمُكَذِّبِينَ بِفَضْلِهِمْ مِنْ أُمَّتِي، لِلْقَاطِعِينَ فِيهِمْ صِلَتِي، لَا أَنَالَهُمُ اَللهُ شَفَاعَتِي»(١٢١).
وروى أبو المؤيّد الموفَّق بن أحمد الخوارزمي الحنفي المتوفَّى سنة (٥٦٨هـ) بسنده عن عليٍّ (عليه السلام)، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: «الأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِي اِثْنَا عَشَرَ، أَوَّلُهُمْ أَنْتَ يَا عَلِيُّ، وَآخِرُهُمُ القَائِمُ اَلَّذِي يَفْتَحُ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) عَلَى يَدَيْهِ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا»(١٢٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٩) كأحمد بن حنبل صاحب (المسند) الذي وُلِدَ سنة (١٦٤هـ) وتُوفّي سنة (٢٤١هـ)، وكالبخاري الذي وُلِدَ سنة (١٩٤هـ) وتُوفّي سنة (٢٥٦هـ).
(١٢٠) الأُصول العامَّة للفقه المقارن (ص ١٧٩).
(١٢١) حلية الأولياء (ج ١/ ص ٨٦).
(١٢٢) عنه ينابيع المودَّة (ج ٣/ ص ٣٩٥/ باب ٩٤/ ح ٤٦).

↑صفحة ٩٠↑

وروى شيخ الإسلام المحدِّث إبراهيم بن محمّد الجويني الشافعي المتوفَّى سنة (٧٢٠هـ) عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «إِنَّ خُلَفَائِي وَأَوْصِيَائِي وَحُجَجَ اَلله عَلَى الخَلْقِ بَعْدِي اِثْنَا عَشَرَ، أَوَّلُهُمْ عَلِيٌّ وَآخِرُهُمْ اَلمَهْدِيُّ»(١٢٣).
وروى أيضاً عن عباية بن ربعي، عن ابن عبَّاس أنَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «أَنَا سِيِّدُ اَلمُرْسَلِينَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ سِيِّدُ الوَصِيِّينَ، وَإِنَّ أَوْصِيَائِي بَعْدِي اِثْنَا عَشَرَ، أَوَّلُهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَآخِرُهُمْ القَائِمُ»(١٢٤).
وبذلك يكون المهدي ليس فقط من ذرّيَّة الحسين (عليه السلام) لا من ذرّيَّة الحسن (عليه السلام)، بل يتشخَّص بالإمام محمّد بن الحسن العسكري (عليه السلام) الثاني عشر بين أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، وذلك لا ينفي الروايات التي جعلت أباه عبد الله فقط، بل ينفي ما أُثير من شكوك حول ولادته، ثمّ ينفي اقتطاعه عن سلسلة الأوصياء من آبائه، فالمهدي الذي أثبتت روايات المسلمين له من المكانة ما يجعل المسيح يأتمُّ به ويُصلِّي خلفه، وما يكون بها جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله، هو ابن الأوصياء الأحد عشر الذين هم امتداد لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في العصمة العلميَّة والعمليَّة، التالين له في المكانة، وبذلك فإنَّ منزلته وصفاته وخصائصه ليست مفصولة عن خصائص آبائه وصفاتهم.
إنَّ كثيراً من الأُمَّة إنَّما ترفض إمامة الأئمَّة (عليهم السلام) بالصورة التي يُثبِتها لهم الإماميَّة - بحكم الأدلَّة - بدعوى أنَّ ما يُعطى لهم من خصائص وصفات تكاد تكون نبوَّة جديدة، ولكن هذا يُبطِله أنَّهم في طول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبعده امتداد له

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٣) عنه ينابيع المودَّة (ج ٣/ ص ٢٩٥/ باب ٧٨/ ح ٢).
(١٢٤) فرائد السمطين (ج ٢/ ص ٣١٣/ ح ٥٦٤).

↑صفحة ٩١↑

وهداة وشهود لرسالته، وأنَّ النبوَّة التي ختمها الله بمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنَّما هي النبوَّة بالمعنى الاصطلاحي تلك التي تُؤسِّس ديناً وتنسخ، بدليل إثبات هذه الخصائص للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) إجماعاً دون إشكال.

* * *

↑صفحة ٩٢↑

البحث الثاني: موقع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من الرسالة وفي أحاديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام)

بين يديّ البحث: في نظريَّة الإمامة:
لكي تأخذ الأحاديث الواردة عن الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام) في المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) موقعها في الاستدلال، لابدَّ من الحديث بإيجاز عن نظريَّة الإمامة لدى الإماميَّة الاثني عشريَّة، فنقول:
إنَّ الثابت لديهم - بصورة قاطعة - بأدلَّتهم المفصَّلة في علم الكلام أنَّ الأئمَّة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) المعروفين تاريخيًّا، من عليٍّ (عليه السلام) حتَّى المهدي (عجَّل الله فرجه)، هم خلفاء الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالمعنى الكامل لهذه الخلافة، لا يكادون يختلفون عنه إلَّا بما استُثنِيَ من النبوَّة بمفهومها الذي يعني تأسيساً لرسالة أُخرى تنسخ الرسالة السابقة، فتُبقي منها وتُضيف إليها ما شاء الله لهذا النبيِّ ضمن مرحلته التاريخيَّة، فإنَّ ذلك ممَّا لا مجال لأحد أنْ يدَّعيه بعد رسول الله محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتَّى القيامة، بحكم قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: ٤٠)، وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لَا نَبِيَّ بَعْدِي»(١٢٥)، وبإجماع المسلمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٥) ورد ذلك في قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليٍّ (عليه السلام): «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»؛ رواه مسلم في صحيحه (ج ٧/ ص ١٢٠/ كتاب فضائل الصحابة) عن عامر بن سعد، والبخاري في صحيحه (ج ٥/ ص ١٢٩/ كتاب بدء الخلق/ باب غزوة تبوك) بلفظ: «لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي»، وروته جميع كُتُب السُّنَن والمسانيد والمعاجم وصحَّحته، راجع. فضائل الخمسة من الصحاح الستَّة (ج ١/ ص ٣٤٧ فصاعداً).

↑صفحة ٩٣↑

لقد ختم الله النبوَّة بمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأكمل الدِّين الذي ارتضاه لخلقه برسالته، وذلك هو ما يقتضيه مقامه، بوصفه سيِّداً لخلق الله مبدأً ومعاداً، فلا ينبغي أنْ يسبقه سابق، أو يلحقه لاحق، ولهذا كان من سبقه من الأنبياء تقدمة بين يديه يُمهِّدون له، ويُبشِّرون به، وبرسالته. وإذا كانت النسبة بينهم تسمح بأنْ يكون بعضهم مستقلًّا عن بعض، بحيث ينسخ اللَّاحق بعض أحكام شريعة السابق بحكم تدرُّج تلك الرسالات كمالاً تبعاً للمرحلة، فإنَّ مَنْ يأتون بعد الرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا يمكن أنْ يكونوا كذلك بحكم مكانته وكمال رسالته، لذلك كانوا - رغم مكانتهم التي تساوي إنْ لم تفضل مكانة أُولئك الأنبياء - خلفاء لا أنبياء. إنَّهم أوصياء له، يمتدُّون عنه، علماً، وهدًى، ودعوةً. لذلك كانوا بعض قواعد الرسالة، ودعائمها الأساس. ورغم أنَّ التأكيد على ذلك رافق الرسالة منذ مولدها قولاً وعملاً، فإنَّ الإعلان العامَّ النهائي تمَّ من قِبَل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حجَّة الوداع في غدير خمٍّ، وفي تلك المناسبة نزل قوله تعالى: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً﴾ (المائدة: ٣).
وقد نستطيع أنْ نُدرك معنى ذلك حين نلتفت إلى أنَّ حاجة الناس الماسَّة للحجَّة، أو الإمام المعصوم، لا تنقطع؛ وذلك ما يُؤكِّده العقل والنقل(١٢٦)، وملاحظة الواقع، وأنَّ كون القرآن تبياناً لكلِّ شيء إنَّما صحَّ بتأصيله لسُّنَّة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في قوله تعالى: ﴿مَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣ و٤)، وقوله تعالى: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٦) راجع: الكافي (ج ١/ ص ١٧٨/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة)، وكمال الدِّين (ص ٢٠١/ باب ٢١ العلَّة التي من أجلها يُحتاج إلى الإمام (عليه السلام)).

↑صفحة ٩٤↑

ثمّ بتأصيله لسُنَّة (أُولي الأمر) بعده بأدلَّتها التالية، فأدخلهما بذلك ضمن تبيانه، وإلَّا فمن الثابت أنَّه من دونهما ليس كذلك.
ومع واقع ختم النبوَّة بمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والتحاقه كما شاء الله بالرفيق الأعلى، فإنَّ ما يبقى هو امتداده، وخلفاؤه(١٢٧)؛ لذلك كان التعريف العامُّ النهائي بها والذي تأخَّر بحكم تأخُّر مرحلته، هو ما أكمل الله به الدِّين وأتمَّ النعمة كما جاء في الآية المنزلة بعد واقعة غدير خمٍّ(١٢٨).
إنَّ الأوصياء من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) حملة الرسالة وشهودها مع الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبعده على الحدِّ الذي أشار إليه قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ (هود: ١٧)(١٢٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٧) ذكر الرازي في تفسيره (ج ١١/ ص ١٣٧) في الحديث حول الآية الإشكال بأنَّ (إكمال الدِّين) عند نزولها، وهي من آخر ما نزل، يعني أنَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يعبد الله في دين ناقص، وبما ذكرناه هنا يرتفع الإشكال؛ لأنَّ تأصيل سُنَّة (أُولي الأمر) التي كمل بها الدِّين حاجة للأُمَّة لا للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما هو واضح، ولذلك فالرسول في عين الكمال الذي يمكن أنْ يبلغه إنسان شخصاً وديناً.
(١٢٨) روى نزولها بعد غدير خُمٍّ الطبري في كتاب الولاية (ص ٩٢/ ح ١٤٤)، وابن كثير في تفسيره (ج ٢/ ص ١٥)، والسيوطي في الدُّرِّ المنثور (ج ٢/ ص ٢٥٩)؛ ورواه عدد من الحُفَّاظ كالخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (ج ٨/ ص ٢٨٤)، وأبو نعيم في النور المشتعل (ص ٥٦ - ٦٠/ ح ٤)، والحسكاني في شواهد التنزيل (ج ١/ ص ٢٠٠/ باب ٣٢)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (ج ٤٢/ ص ٢٣٣)، وغيرهم. راجع: الغدير (ج ١/ ص ٢٣٠ - ٢٣٦).
(١٢٩) ذكر ابن جرير الطبري في تفسيره (ج ١٢/ ص ٢٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (ج ٦/ ص ٢٠١٤ و٢٠١٥)، والثعلبي في تفسيره (ج ٥/ ص ١٦٢)، وابن عطيَّة الأندلسي في المحرَّر الوجيز (ج ٣/ ص ١٥٧)، والفخر الرازي في تفسيره (ج ١٧/ ص ٢٠١)، والقرطبي في تفسيره (ج ٩/ ص ١٦)، والسيوطي في الدُّرِّ المنثور (ج ٣/ ص ٣٢٤)؛ وذكر الحافظ ابن مردويه في مناقب عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) (ص ٢٦١ - ٢٦٣/ باب ٣٧)، وأبو نعيم الأصبهاني في النور المشتعل (ص ١١١/ ح ٢٦ - ٢٨)، وفي معرفة الصحابة (ج ١/ ص ١٠٥/ ح ٣٤٦)، والحافظ ابن المغازلي في مناقب عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) (ص ٢٤٨/ ح ٣١٢)، والحسكاني في شواهد التنزيل (ج ١/ ص ٣٥٩/ باب ٦٣)، وغيرهم، أنَّ المقصود بالشاهد الذي يتلوه منه هو عليٌّ (عليه السلام).

↑صفحة ٩٥↑

إنَّ كونهم في طوله، ويتلونه مقاماً بحكم انتسابهم إليه هدًى وعلماً لا ينفي أنْ تكون سُنَّتهم في عرض سُنَّته، لأنَّهم منه.
فإنَّه لابدَّ لهذا الشاهد الذي يتلوه منه لكي يكون حجَّة وتكون شهادته شاملة - بعد خاتم الأنبياء - تتناول أبعاد الرسالة، وعمقها، وليواجه فيها كلَّ المجتمعات، وكلَّ الحوادث في جميع الأزمنة والظروف، من أنْ يكون محيطاً بالرسالة، موصولاً بالعلم اللدنِّي مضافاً للعلم الموروث؛ لأنَّ ذلك هو معنى الخلافة الكاملة كما تُثبِته جميع أدلَّتها النظريَّة، بل هو ما صرَّح به الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام)، فقد شبَّهوا أنفسهم بالخضر وذي القرنين(١٣٠)، وهما ليسا نبيَّين لكنَّهما يتلقَّيان علماً سماويًّا عن الله بنصِّ القرآن الكريم.
ولابد لهذا الشاهد التالي أيضاً من أنْ يكون معصوماً؛ لأنَّ التمثيل الكامل لا يتمُّ من دون ذلك عمليًّا، ولأنَّ العصمة من آثار المعرفة الشاملة الموصولة وآثار الحضور الذي يلازمها، وهو يعني الشعور العميق الدائم بمعنى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد: ٤)، وهما لا ينفصلان عن سموِّ الذات من حيث مقامها مبدأً ومعاداً، واختيار العالم لما علمه يقيناً، وانصراف هواه إليه ليس جبراً كما هو واضح.
وهو إشكال يُثار كثيراً عند الحديث عن العصمة لدى الأنبياء والأوصياء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٠) راجع: الكافي (ج ١/ ص ٢٦٨/ باب في أنَّ الأئمَّة بمن يشبهون ممَّن مضى...).

↑صفحة ٩٦↑

وفي الآيات الكريمة التي تشير إلى اصطفاء البيوت النبويَّة نسبيًّا، ثمّ اصطفاء من يضطلع بالرسالة والإمامة من داخل هذه البيوت(١٣١)، وفي ما يدلُّ عليه حديث الكساء ونزول آية التطهير(١٣٢)، وآية المباهلة، وغير ذلك ممَّا يتَّصل بأهل بيت النبيِّ (عليهم السلام) بالمعنى الأخصّ، ما هو كافٍ في البرهنة على ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣١) يشير قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ (آل عمران: ٣٤ و٣٥)، وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (العنكبوت: ٢٧) إلى اصطفاء البيوت النبويَّة. ويشير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: ٢٦)، وقوله تعالى: ﴿وَبارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ (الصافَّات: ١١٣) إلى اصطفاء نسبي وقياساً للبيوت الأُخرى بدلالة قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ (يوسف ٧)، وقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ﴾ (يوسف: ٩)، ومثلهما الآيات التي تشير إلى حالة ابن نوح وأب إبراهيم وزوجتي نوح ولوط. ولذلك فهنالك اصطفاء داخل البيوت النبويَّة كذلك، وكلُّ ما ورد عن الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام) دليل على هذا الاصطفاء الأخصّ داخل البيت النبوي.
(١٣٢) روى نزول آية التطهير وإدخال الرسول عليًّا وفاطمة والحسنين تحت المرط: ابن أبي شيبة في مصنَّفه (ج ٧/ ص ٥٠١/ ح ٣٩ و٤٠)، وابن راهويه في مسنده (ج ٣/ ص ٦٧٨/ ح ٧٢٨/١٢٧١)، وأحمد بن حنبل في مسنده (ج ٥/ ص ١٧٨ - ١٨١/ ح ٣٠٦١، وج ٢٨/ ص ١٩٥/ ح ١٦٩٨٨، وج ٤٤/ ص ١١٨ و١١٩/ ح ٢٦٥٠٨)، ومسلم في صحيحه (ج ٧/ ص ١٣٠)، والترمذي في سُنَنه (ج ٥/ ص ٣٠ و٣١ و٣٢٨/ ح ٣٢٥٨ و٣٨٧٥)، وابن حبَّان في صحيحه (ج ١٥/ ص ٤٣٢ و٤٣٣)، وابن جرير الطبري في تفسيره (ج ٢٢/ ص ٩ - ١٣/ ح ٢١٧٢٧ - ٢١٧٣٩) بخمسة عشر إسناداً، والطبراني في المعجم الكبير (ج ٣/ ص ٥٢ - / ح ٢٦٦٢ - ٢٦٦٩) بثمانية أسانيد، وغيرهم.

↑صفحة ٩٧↑

وبذلك نستطيع أنْ نُدرك معنى أنْ تُحصَر الولاية بالله ورسوله وبشخص عُطِفَ عليهما وعُيِّن بالفعل والحالة والنصِّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة: ٥٥)(١٣٣).
ونُدرك أيضاً معنى أنْ يأمر الله تعالى بطاعة (أُولي الأمر) بصورة مطلقة معطوفين على الله ورسوله في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩). وما كان ذلك ليكون لولا العصمة؛ لأنَّ فيه مناقضة واضحة للعقيدة والتشريع، إنَّ الأمر بإطاعة (أُولي الأمر) مطلقاً إذا لم يكونوا معصومين يعني حمل الإسلام لنقيضه على عمد.
وتبدو محاولة بعض المفسِّرين لتصحيح ذلك بالقول: إنَّ إطلاق الأمر في الآية مقيَّد بما هو المعلوم من خارجها من أنَّه (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) اتِّهام لبلاغة القرآن وإحكام آياته، وممَّن رأى عدم إمكان الأخذ بإطلاق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٣) روى نزولها في عليٍّ (عليه السلام): ابن جرير الطبري في تفسيره (ج ٦/ ص ٣٨٩) بإسنادين، وابن أبي حاتم في تفسيره (ج ٤/ ص ١١٦٢)، والماتريدي في تفسيره (ج ٣/ ص ٥٤٤)، والطبراني في تفسيره (ج ٢/ ص ٤١٤)، والسمرقندي في تفسيره (ج ١/ ص ٤٢٤)، وابن زمنين في تفسيره (ج ٢/ ص ٣٣ و٣٤)، والثعلبي في تفسيره (ج ٤/ ص ٨٠)، والواحدي في أسباب النزول (ص ١٣٣)، والسمعاني في تفسيره (ج ٢/ ص ٤٧ و٤٨)، والحسكاني في شواهد التنزيل (ج ١/ ص ٢٠٩/باب ٣٣)، والزمخشري في كشَّافه (ج ١/ص ٦٢٤)، والفخر الرازي في تفسيره (ج ١٢/ ص ٢٦)، وابن عربي في تفسيره (ج ١/ ص ٢٠٤)، والعزُّ بن عبد السلام في تفسيره (ج ١/ ص ٣٩٣ و٣٩٤)، والقرطبي في تفسيره (ج ٦/ ص ٢٢١)، والبيضاوي في تفسيره (ج ٢/ ص ٣٣٩)، والخازن في تفسيره (ج ٢/ ص ٥٦)، وأبو حيَّان الأندلسي في تفسيره (ج ٣/ ص ٥٢٥)، وابن كثير في تفسيره (ج ٢/ ص ٧٣ و٧٤)، والسيوطي في الدُّرِّ المنثور (ج ٢/ ص ٢٩٣)، وغيرهم.

↑صفحة ٩٨↑

الأمر بالطاعة في الآية ورأى أنَّ المقصود أُمراء الحقِّ الزمخشري(١٣٤)، وممَّن رأى دلالتها على عصمة (أُولي الأمر)، وحاول إبعادها عن الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام) وتطبيقها على أهل الإجماع الفخر الرازي(١٣٥).
وقد ناقشه بقوَّة وأصالة، وبيَّن وجوه الخطأ والمغالطة في كلامه أُستاذنا الحجَّة السيِّد محمّد تقي الحكيم (رحمه الله) بما لم يبقَ معه مجال للنظر إلى ما أثاره من إشكال، ورآه من تطبيق آخر للآية(١٣٦).
وممَّا يُؤيِّد القول بأنَّ المقصود بها الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام) دون غيرهم قول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المتواتر: «مَنْ كُنْتُ مَولَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ»(١٣٧).
وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المتَّفق على صحَّته: «عَلِيٌّ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى»(١٣٨).
وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أَنَا مَدِيِنَةُ العِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا»(١٣٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٤) الكشَّاف (ج ١/ ص ٥٣٥).
(١٣٥) تفسير الرازي (ج ١٠/ ص ١٤٤ - ١٤٦).
(١٣٦) الأُصول العامَّة للفقه المقارن (ص ١٥٩ - ١٦٤).
(١٣٧) ذكر العلَّامة الأميني (رحمه الله) في الغدير (ج ١/ ص ١٤ - ٦١) (١١٠) من الصحابة رووا الحديث عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وذكر في (ص ٦٢ - ٧٢) (٨٤) تابعيًّا ممَّن رووه، ثمّ ذكر طبقات رواته من العلماء ومصادره، فراجع.
(١٣٨) قد تقدَّم في هامش (ص ٩٣) أنَّه رواه البخاري ومسلم وأصحاب كُتُب السُّنَن والمسانيد والمعاجم، وصحَّحته دون خلاف، فراجع.
(١٣٩) الغدير (ج ٦/ ص ٦١ - ٧٩)، وقد نقل الحديث عن (١٤٣) مصدر سُنِّي، وأوصل عدد من صحَّحه من أهل السُّنَّة إلى (٢١) عالم. وأصدر العلَّامة الغماري المغربي أحمد بن محمّد بن الصدِّيق كتاباً بعنوان: فتح الملك العليِّ بصحَّة حديث باب مدينة العلم عليٍّ (ط ٢/ ١٩٦٩هـ/ مصر).

↑صفحة ٩٩↑

وقوله الذي قدَّمنا الحديث عنه، وهو متَّفق على صحَّته في أنَّ الأئمَّة من بعده اثنا عشر(١٤٠).
وحديث الثقلين الصحيح والمتواتر معاً، وقد أشرنا إلى ذلك في البحث الأوَّل، ففيه جعل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) التمسُّك بالقرآن وأهل البيت (عليهم السلام) عاصماً من الضلالة، وهو ما لا يُتصوَّر بحالٍ من دون أنْ يكونوا معصومين.
وفي قوله في الحديث نفسه: «فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا - يعني الكتاب وأهل البيت - حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ» إشارة واضحة لهذه العصمة علميًّا.
وتُؤكِّد أحاديث أُخرى كثيرة هذا المعنى نفسه.
ويتطابق الدليل النظري الذي أشرنا إليه، وهو متَّسق دلالةً في الآيات والروايات مع الواقع التاريخي لهؤلاء الأئمَّة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) دعوًى، وخلقاً، وعلماً، وعملاً، وآثاراً، ويتطابق عدداً كذلك(١٤١) بحيث لا مجال للمقارنة لأنْ ترى في هذه النصوص عدا نظريَّة الإمامة بالمعنى الذي ذكرناه، ولا مجال لأنْ ترى لها مصداقاً غيرهم.
وفي ضوء ذلك - وهو ما أردناه من الحديث الموجز عن نظريَّة الإمامة لدى الإمامية الاثني عشريَّة - نخلص إلى أمرين هامَّين جدًّا بالنسبة إلى هذا البحث:
أوَّلهما: أنَّ قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) - بحكم كونه أحد الأئمَّة الاثني عشر -

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٠) راجع ما تقدَّم في البحث الأوَّل من الفصل الأوَّل؛ ورواه العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٣٦/ ص ١٩٢ - ٣٧٣) مجملاً ومفصَّلاً (أي مع التسمية) بـ(٢٣٤) إسناداً، لتنبيه من تصوَّر أنَّ الاثني عشر في الإمامة مختلقة.
(١٤١) راجع: الشاهد الثاني للرسالة (بحث في نظريَّة الإمامة طبقاً لمنهجي الاتِّساق النظري والتطابق الموضوعي) للمؤلِّف.

↑صفحة ١٠٠↑

تتَّصل بالإيمان بالرسالة بوصفها جزءاً أصيلاً منها، وليس فقط من جهة صحَّة الأخبار وتواترها عنه؛ ولذلك فالحديث عنه وبلورة ما يساعد على فهم ما يتَّصل به تاريخيًّا من بعض الجهات الغامضة - كإخفاء ولادته إلَّا عن الخاصَّة، وغيبته الصغرى والكبرى، وسرِّهما من الأهمّيَّة بحيث يساوي أيَّة مسالة عقائديَّة - أساس.
ثانيهما: أنَّ أحاديث الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام) - طبقاً لنظريَّة الإمامة - لها نفس القيمة التي تُعطى للأحاديث النبويَّة، بحكم كونهم امتداداً له في العصمة العلميَّة والعمليَّة.
وبهذه الأحاديث سيجد المسلم مدى أوسع من قواعد الرؤية للرسالة أُصولاً وفروعاً بصورة لا محلَّ فيها للتناقض، ولا للاجتهادات المتعارضة.
إنَّ كلَّ المسائل الواقعة والمفترضة لا تُعدَم الإجابة بصورة مباشرة أو غير مباشرة ضمن هذا التراث الواسع للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولأوصيائه الاثني عشر (عليهم السلام)، وبما يُحقِّق الانسجام الفعلي والكامل بين قواعد العقيدة وما يتَّصل بها من مفاهيم مختلفة، وبين بُناها التشريعيَّة وأحكامها.
ومن بين المسائل التي سنفيد كثيراً من هذه الأحاديث فيها قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فقد كانت من دون شكٍّ بحاجة لجلاء بعض الجوانب الغامضة فيها قليلاً أو كثيراً في تراث غيرهم.
أمَّا في التراث الوارد عنهم (عليهم السلام) سواء ما رووه عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو ما تحدَّثوا به - وإنْ كان هذا من ذاك -، فقد وضحت تلك المسائل جميعاً.
إنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في هذه الأحاديث المرويَّة عن أحد عشر إماماً مضافاً إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن طريقهم، وإلى الزهراء (عليها السلام)، معروف تماماً اسماً، وشخصاً، ووالداً، ووالدةً، وتاريخاً، وظروف ولادة، وقد حتَّمت التقيَّة إخفاءها إلَّا عن الخاصَّة، ومعروف أيضاً صفةً وغيبةً ونُوَّاباً ودوراً وآثاراً.

↑صفحة ١٠١↑

وهي من الكثرة بحيث لا يمكن استيعابها في هذا الكتاب، ولا يمكن إيراد حتَّى ما يكفي منها في كلِّ موضوع إلَّا على سبيل الإشارة فقط، فقد أعطى الأئمَّة (عليهم السلام) من عليٍّ (عليه السلام) إلى الحسن العسكري (عليه السلام) لقضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) - كما ينبغي - موقعاً مركزيًّا في أحاديثهم بحكم ما يحيطها من ملابسات وشُبَه وشؤون غيبيَّة ليس سهلاً أنْ تستوعب حتَّى من قِبَل المؤمنين لولاهم (عليهم السلام).
ويكفي أنْ تطَّلع على ما كتبه الشيخ الصدوق (رحمه الله) المتوفَّى (٣٨١هـ) في (كمال الدِّين وتمام النعمة)، والشيخ الطوسي (رحمه الله) المتوفَّى (٤٦٠هـ) في (الغيبة)، وكتاب (الغيبة) للشيخ النعماني المعروف بابن أبي زينب تلميذ الكليني وكاتبه (رحمهما الله)، وقد ألَّفه قبل سنة (٣٣٦هـ)، و(الفصول العشرة) للشيخ المفيد (رحمه الله) المتوفَّى (٤١٣هـ)، وكتاب البرهان لأبي الفتح الكراجكي (رحمه الله) المتوفَّى سنة (٤٤١هـ)، وكتاب (الحجَّة) للسيِّد هاشم البحراني (رحمه الله) المتوفَّى (١١٠٧هـ)، و(كشف الأستار) للشيخ الميرزا حسين النوري (رحمه الله)، وكتاب (البرهان) للسيِّد محسن الأمين (رحمه الله)، ومن الكتب الحديثة التي عنيت بجمع الأحاديث الواردة فيه (عجَّل الله فرجه) (منتخب الأثر) للشيخ لطف الله الصافي (رحمه الله).
قلت: يكفي أنْ تطَّلع على هذه الكُتُب أو بعضها أو على هذا المرجع الأخير فقط، لترى أنَّ ما أشرت إليه ليس من المبالغة في شيء.
لقد ذكرت أنِّي قمت بعمليَّة جمع ما أشار إليه الشيخ الصافي (رحمه الله) في كتابه من أعداد للأحاديث التي أوردها أو أشار إليها في أبواب الفصل الأوَّل والفصل الثاني وأربعة أبواب من الفصل الثالث، فكانت (٥٣٠٣) أحاديث(١٤٢)، وهو رقم كبير مهما أسقطنا منه أخذاً للتداخل في الأبواب التي ذكرها، وللتكرار في الحساب. ولذلك فليس أمامي إلَّا أنْ أختار ممَّا ورد عن كلِّ إمام من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٢) راجع ما مرَّ في هامش (ص ٦٦).

↑صفحة ١٠٢↑

الأئمَّة (عليهم السلام) في ما يتَّصل بالمسائل التي أشرت إليها أمثلة من هذه الأحاديث في كلِّ موضوع من الموضوعات السابقة، وحسب أهمّيَّتها في الاستشهاد على القضيَّة.
الأحاديث المتَّصلة بشخص الإمام (عجَّل الله فرجه) وإخفاء ولادته وغيبته:
رغم أنَّا أوردنا في الفصل الأوَّل عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - ممَّا نُقِلَ في مصادر غير الإماميَّة - ما يدلُّ على تشخيص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وأنَّه التاسع من ولد الحسين، والثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، فإنَّ أهمّيَّة هذه المسألة - بحكم الخلاف القائم فيها بين المسلمين - تدعونا للتأكيد عليها بإيراد المزيد من الأحاديث المنقولة في مصادر الإماميَّة وبطُرُقهم. وإنَّا لنجد مثل هذا الاهتمام في الحديث عنها - ولابدَّ من أنْ يكون للسبب نفسه - لدى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام) إلى الحدِّ الذي لم يغفل الحديث عنها مكرِّراً أحد منهم، ولم يقتصروا (عليهم السلام) في حديثهم على تشخيص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، بل تحدَّثوا مسبقاً عن كلِّ ما يتَّصل به ممَّا هو مثار تساؤل وتشكيك - كإخفاء ولادته إلَّا عن الخاصَّة، وغيبته الصغرى والكبرى -، وحاولوا التنظير بما حدث في تاريخ بعض الأنبياء (عليهم السلام)، وقد كان لأحاديثهم في ذلك أبلغ الأثر في تثبيت المؤمنين أمس واليوم، بخاصَّة وأنَّ الأكثر منها تسبق تاريخ ولادة المهدي (عجَّل الله فرجه) بعشرات السنين.
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله) المتوفَّى (٣٨١هـ) - وهو يُبيِّن وجه الدلالة في هذه الأحاديث -: (إنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) قد أخبروا بغيبته (عليه السلام)، ووصفوا كونها لشيعتهم فيما نقل عنهم واستُحفِظَ في الصُّحُف ودُوِّن في الكُتُب المؤلَّفة من قبل أنْ تقع الغيبة بمائتي سنة أو أقلّ أو أكثر، فليس أحد من أتباع الأئمَّة (عليهم السلام) إلَّا وقد ذكر ذلك في كثير من كُتُبه ورواياته، ودوَّنه في مصنَّفاته، وهي الكُتُب التي

↑صفحة ١٠٣↑

تُعرَف بالأُصول مدوَّنة مستحفظة عند شيعة آل محمّد (عليهم السلام) من قبل الغيبة بما ذكرنا من السنين، وقد أخرجت ما حضرني من الأخبار المسندة في الغيبة في هذا الكتاب - يعني مصادرنا المشار إليه في الهامش - في مواضعها. فلا يخلو حال هؤلاء الأتباع المؤلِّفين للكُتُب أنْ يكونوا علموا الغيب بما وقع الآن من الغيبة، فألَّفوا ذلك في كُتُبهم ودوَّنوه في مصنَّفاتهم من قبل كونها، وهذا محال عند أهل اللبِّ والتحصيل، أو أنْ يكونوا قد أسَّسوا في كُتُبهم الكذب فاتَّفق الأمر لهم كما ذكروا، وتحقَّق كما وضعوا من كذبهم على بعد ديارهم واختلاف آرائهم وتباين أقطارهم ومحالِّهم، وهذا أيضاً محال كسبيل الوجه الأوَّل، فلم يبقَ في ذلك إلَّا أنَّهم حفظوا عن أئمَّتهم المستحفظين للوصيَّة (عليهم السلام))(١٤٣).
وسننقل - في ما يأتي - بعض ما ورد في ذلك عن كلِّ واحدٍ من المعصومين (عليهم السلام) بدءاً من الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
(١) بعض ما روي عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (١٤٤):
١ - روى مسنداً عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «المَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِي، اسْمُهُ اسْمِي، وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتِي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِي خَلْقاً وَخُلْقاً، تَكُونُ بِهِ غَيْبَةٌ وَحَيْرَةٌ تَضِلُّ فِيهَا الأُمَمُ، ثُمَّ يُقْبِلُ كَالشِّهَابِ الثَّاقِبِ يَمْلَؤُهَا عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»(١٤٥).
ورواه بسند آخر عن أبي بصير، عن الصادق (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(١٤٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٣) كمال الدِّين (ص ١٩).
(١٤٤) أورد الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين من (ص ٢٨٦ - ٢٨٨/ باب ٢٥) عشرات من الأحاديث الواردة عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المضمون الذي نذكره عنه هنا.
(١٤٥) كمال الدِّين (ص ٢٨٦/ باب ٢٥/ ح ١).
(١٤٦) كمال الدِّين (ص ٢٨٧/ باب ٢٥/ ح ٤).

↑صفحة ١٠٤↑

٢ - وروي مسنداً عن عمَّار، قال: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ، وَقَتَلَ عَلِيٌّ (عليه السلام) أَصْحَابَ الألوِيَةِ، وَفَرَّقَ جَمْعَهُمْ، وَقَتَلَ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اَلله الجُمَحِيَّ، وَقَتَلَ شَيْبَةَ بْنَ نَافِعٍ، أَتَيْتُ رَسُولَ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اَلله، صَلَّى اَللهُ عَلَيْكَ، إِنَّ عَلِيّاً قَدْ جَاهَدَ فِي اَلله حَقَّ جِهَادِهِ، فَقَالَ: «لِأَنَّهُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَارِثُ عِلْمِي، وَقَاضِي دَيْنِي، وَمُنْجِزُ وَعْدِي، وَالخَلِيفَةُ بَعْدِي، وَلَوْلَاهُ لَمْ يُعْرَفِ اَلمُؤْمِنُ اَلمَحْضُ، حَرْبُهُ حَرْبِي وَحَرْبِي حَرْبُ اَلله، وَسِلْمُهُ سِلْمِي وَسِلْمِي سِلْمُ اَلله، أَلاَ إِنَّهُ أَبُو سِبْطَيَّ وَالأَئِمَّةِ، مِنْ صُلْبِهِ يُخْرِجُ اَللهُ تَعَالَى الأَئِمَّةَ اَلرَّاشِدِينَ، وَمِنْهُمْ مَهْدِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ»، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اَلله، مَا هَذَا اَلمَهْدِيُّ؟ قَالَ: «يَا عَمَّارُ، إِنَّ اَللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ يُخْرِجُ مِنْ صُلْبِ الحُسَيْنِ تِسْعَةً، وَاَلتَّاسِعُ مِنْ وُلْدِهِ يَغِيبُ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]، يَكُونُ لَهُ غَيْبَةٌ طَوِيلَةٌ يَرْجِعُ عَنْهَا قَوْمٌ وَيَثْبُتُ عَلَيْهَا آخَرُونَ، فَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ اَلزَّمَانِ يَخْرُجُ فَيَمْلَأُ اَلدُّنْيَا قِسْطاً وَعَدْلاً، وَيُقَاتِلُ عَلَى اَلتَّأْوِيلِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى اَلتَّنْزِيلِ، وَهُوَ سَمِيِّي، وَأَشْبَهُ اَلنَّاسِ بِي...»(١٤٧).
(٢) بعض ما روي عن الإمام عليٍّ (عليه السلام):
١ - روى الصدوق (رحمه الله) في حديث مسند عن الحسين بن عليٍّ (عليه السلام)، قال: إنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «التَّاسِعُ مِنْ وُلْدِكَ يَا حُسَيْنُ هُوَ القَائِمُ بِالحَقِّ، المُظْهِرُ لِلدِّينِ، وَالبَاسِطُ لِلْعَدْلِ، قَالَ الحُسَيْنُ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ ذَلِكَ لَكَائِنٌ؟ فَقَالَ (عليه السلام): إِي وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بِالنُّبُوَّةِ وَاصْطَفَاهُ عَلَى جَمِيعِ البَرِيَّةِ، وَلَكِنْ بَعْدَ غَيْبَةٍ وَحَيْرَةٍ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا عَلَى دِينِهِ إِلَّا المُخْلِصُونَ المُبَاشِرُونَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٧) كفاية الأثر (ص ١٢٠ و١٢١).

↑صفحة ١٠٥↑

لِرَوْحِ اليَقِينِ، الَّذِينَ أَخَذَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) مِيثَاقَهُمْ بِوَلَايَتِنَا، وَكَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ»(١٤٨).
٢ - وروى الصدوق (رحمه الله) بسنده عَنِ الأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فَوَجَدْتُهُ مُتَفَكِّراً يَنْكُتُ فِي الأَرْضِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَا لِي أَرَاكَ مُتَفَكِّراً تَنْكُتُ فِي الأَرْضِ أَرَغِبْتَ فِيهَا؟ (يعني الخلافة)، فَقَالَ: «لَا وَاللهِ مَا رَغِبْتُ فِيهَا وَلَا فِي الدُّنْيَا يَوْماً قَطُّ، وَلَكِنْ فَكَّرْتُ فِي مَوْلُودٍ يَكُونُ مِنْ ظَهْرِي الحَادِيَ عَشَرَ مِنْ وُلْدِي، هُوَ المَهْدِيُّ يَمْلَؤُهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً، تَكُونُ لَهُ حَيْرَةٌ وَغَيْبَةٌ يَضِلُّ فِيهَا أَقْوَامٌ وَيَهْتَدِي فِيهَا آخَرُونَ...»(١٤٩).
(٣) بعض ما روي عن الصدِّيقة فاطمة الزهراء (عليها السلام):
١ - وروى الصدوق (رحمه الله) بسنده عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ البَاقِرِ (عليهما السلام)، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مَوْلَاتِي فَاطِمَةَ (عليها السلام) وَقُدَّامَهَا لَوْحٌ يَكَادُ ضَوْؤُهُ يَغْشَى الأَبْصَارَ، فِيهِ اثْنَا عَشَرَ اسْماً، ثَلَاثَةٌ فِي ظَاهِرِهِ وَثَلَاثَةٌ فِي بَاطِنِهِ وَثَلَاثَةُ أَسْمَاءَ فِي آخِرِهِ وَثَلَاثَةُ أَسْمَاءَ فِي طَرَفِهِ، فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ اثْنَا عَشَرَ اسْماً، فَقُلْتُ: أَسْمَاءُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَتْ: «هَذِهِ أَسْمَاءُ الأَوْصِيَاءِ، أَوَّلُهُمْ ابْنُ عَمِّي وَأَحَدَ عَشَرَ مِنْ وُلْدِي، آخِرُهُمُ القَائِمُ [صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ]»، قَالَ جَابِرٌ: فَرَأَيْتُ فِيهَا مُحَمَّداً مُحَمَّداً مُحَمَّداً فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، وَعَلِيًّا وَعَلِيًّا وَعَلِيًّا وَعَلِيًّا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ(١٥٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٨) كمال الدِّين (ص ٣٠٤/ باب ٢٦/ ح ١٦).
(١٤٩) كمال الدِّين (ص ٢٨٨ و٢٨٩/ باب ٢٦/ ح ١)؛ ورواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٢٠ و١٢١/ ح ١١٥)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٣٨/ باب في الغيبة/ح ٧)، والمفيد (رحمه الله) في الاختصاص (ص ٢٠٩)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٣٦/ ح ٢٨٢).
(١٥٠) رواها بعدَّة صيغ مطوَّلة ومختصرة وبأسانيد متعدِّدة عن جابر في (ص ٣٠٨ - ٣١٣/ باب ٢٨).

↑صفحة ١٠٦↑

(٤) بعض ما روي عن الإمام الحسن (عليه السلام):
١ - وروى الصدوق (رحمه الله) بسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَقِيصَا، قَالَ: لَـمَّا صَالَحَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام) مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّاسُ، فَلَامَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَيْعَتِهِ، فَقَالَ (عليه السلام): «وَيْحَكُمْ مَا تَدْرُونَ مَا عَمِلْتُ، وَاللهِ الَّذِي عَمِلْتُ خَيْرٌ لِشِيعَتِي مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ غَرَبَتْ، أَلَا تَعْلَمُونَ أَنَّنِي إِمَامُكُمْ مُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ عَلَيْكُمْ وَأَحَدُ سَيِّدَيْ شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ بِنَصٍّ مِنْ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَلَيَّ؟»، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ الخَضِرَ (عليه السلام) لَـمَّا خَرَقَ السَّفِينَةَ وَأَقَامَ الجِدَارَ وَقَتَلَ الغُلَامَ كَانَ ذَلِكَ سَخَطاً لِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، إِذْ خَفِيَ عَلَيْهِ وَجْهُ الحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ حِكْمَةً وَصَوَاباً، أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَيَقَعُ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ لِطَاغِيَةِ زَمَانِهِ إِلَّا القَائِمُ الَّذِي يُصَلِّي رُوحُ اللهِ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام) خَلْفَهُ، فَإِنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) يُخْفِي وِلَادَتَهُ، وَيُغَيِّبُ شَخْصَهُ، لِئَلَّا يَكُونَ لِأَحَدٍ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ إِذَا خَرَجَ، ذَلِكَ التَّاسِعُ مِنْ وُلْدِ أَخِي الحُسَيْنِ ابْنِ سَيِّدَةِ الإِمَاءِ، يُطِيلُ اللهُ عُمُرَهُ فِي غَيْبَتِهِ، ثُمَّ يُظْهِرُهُ بِقُدْرَتِهِ فِي صُورَةِ شَابٍّ دُونَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ذَلِكَ لِيُعْلَمَ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(١٥١).
(٥) بعض ما روي عن الإمام الحسين (عليه السلام):
١ - وروى الصدوق (رحمه الله) بسنده عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَرِيكٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ هَمْدَانَ (سمَّاه بعضهم)، قَالَ: سَمِعْتُ الحُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهما السلام) يَقُولُ: «قَائِمُ هَذِهِ الأُمَّةِ هُوَ التَّاسِعُ مِنْ وُلْدِي، وَهُوَ صَاحِبُ الغَيْبَةِ، وَهُوَ الَّذِي يُقْسَمُ مِيرَاثُهُ وَهُوَ حَيٌّ»(١٥٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥١) كمال الدِّين (ص ٣١٥ و٣١٦/ باب ٢٩/ ح ٢)؛ ورواه الخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٢٤ - ٢٢٦)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٢٩ و٢٣٠)، وأحمد ابن عليٍّ الطبرسي (رحمه الله) في الاحتجاج (ج ٢/ ص ٩ و١٠).
(١٥٢) كمال الدِّين (ص ٣١٧/ باب ٣٠/ ح ٢).

↑صفحة ١٠٧↑

٢ - وروى أيضاً عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلِيطٍ، قَالَ: قَالَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهما السلام): «مِنَّا اثْنَا عَشَرَ مَهْدِيًّا أَوَّلُهُمْ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَآخِرُهُمُ التَّاسِعُ مِنْ وُلْدِي، وَهُوَ الإِمَامُ القَائِمُ بِالحَقِّ، يُحْيِي اللهُ بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، وَيُظْهِرُ بِهِ دِيْنَ الحَقِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ، لَهُ غَيْبَةٌ يَرْتَدُّ فِيهَا أَقْوَامٌ وَيَثْبُتُ فِيهَا عَلَى الدِّينِ آخَرُونَ، فَيُؤْذَوْنَ، وَيُقَالُ لَهُمْ: ﴿مَتَى هَذَا الوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨]، أَمَا إِنَّ الصَّابِرَ فِي غَيْبَتِهِ عَلَى الأَذَى وَالتَّكْذِيبِ بِمَنْزِلَةِ المُجَاهِدِ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(١٥٣).
(٦) بعض ما روي عن الإمام عليِّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام):
١ - وروى الصدوق (رحمه الله) أيضاً بسنده عن أبي خالد الكابلي أنَّه حين سأل الإمام عليَّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) عن الأئمَّة الذين افترض الله طاعتهم وأوجب الاقتداء بهم بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذكر له عليًّا، والحسن، والحسين، وذكر أنَّ الأمر انتهى إليه، وأنَّه سيكون من بعده لابنه محمّد الباقر (عليه السلام)، ثمّ ابنه جعفر الصادق (عليه السلام).
وحين سأله أبو خالد عن سرِّ تسميته بالصادق وكلُّهم صادقون بيَّن له (عليه السلام) أنَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «إِذَا وُلِدَ ابْنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام) فَسَمُّوهُ الصَّادِقَ، فَإِنَّ لِلْخَامِسِ مِنْ وُلْدِهِ وَلَداً اسْمُهُ جَعْفَرٌ يَدَّعِي الإِمَامَةَ اجْتِرَاءً عَلَى اللهِ وَكَذِباً عَلَيْهِ».
ثمّ تحدَّث الإمام زين العابدين (عليه السلام)، فقال: «كَأَنِّي بِجَعْفَرٍ الكَذَّابِ وَقَدْ حَمَلَ طَاغِيَةَ زَمَانِهِ عَلَى تَفْتِيشِ أَمْرِ وَلِيِّ اللهِ وَالمُغَيَّبِ فِي حِفْظِ اللهِ وَالتَّوْكِيلِ بِحَرَمِ أَبِيهِ جَهْلاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٣) كمال الدِّين (ص ٣١٧/ باب ٣٠/ ح ٣)؛ ورواه (رحمه الله) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٦٩/ ح ٣٦)، وابن عيَّاش (رحمه الله) في مقتضب الأثر (ص ٢٣).

↑صفحة ١٠٨↑

مِنْهُ بِوِلَادَتِهِ، وَحِرْصاً مِنْهُ عَلَى قَتْلِهِ إِنْ ظَفِرَ بِهِ، وَطَمَعاً فِي مِيرَاثِهِ حَتَّى يَأْخُذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ».
وأجاب الإمام (عليه السلام) حين قال له أبو خالد: يا بن رَسُولِ اللهِ، وَإِنَّ ذَلِكَ لَكَائِنٌ؟ قائلاً: «إِي وَرَبِّي إِنَّ ذَلِكَ لَمَكْتُوبٌ عِنْدَنَا فِي الصَّحِيفَةِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ المِحَنِ الَّتِي تَجْرِي عَلَيْنَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)».
قَالَ أَبُو خَالِدٍ: فَقُلْتُ: يا بن رَسُولِ اللهِ، ثُمَّ يَكُونُ مَا ذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ تَمْتَدُّ الغَيْبَةُ بِوَلِيِّ اللهِ (عزَّ وجلَّ) الثَّانِي عَشَرَ مِنْ أَوْصِيَاءِ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَالأَئِمَّةِ بَعْدَهُ. يَا أَبَا خَالِدٍ، إِنَّ أَهْلَ زَمَانِ غَيْبَتِهِ القَائِلِينَ بِإِمَامَتِهِ وَالمُنْتَظِرِينَ لِظُهُورِهِ أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ...»(١٥٤).
٢ - وروى الصدوق (رحمه الله) بسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَيِّدَ العَابِدِينَ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ (عليهما السلام) يَقُولُ: «فِي القَائِمِ مِنَّا سُنَنٌ مِنَ سَبْعَةِ أَنْبِيَاءٍ، سُنَّةٌ مِنْ أَبِينَا آدَمَ (عليه السلام)، وَسُنَّةٌ مِنْ نُوحٍ، وَسُنَّةٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَسُنَّةٌ مِنْ مُوسَى، وَسُنَّةٌ مِنْ عِيسَى، وَسُنَّةٌ مِنْ أَيُّوبَ، وَسُنَّةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِمْ)، فَأَمَّا مِنْ آدَمَ وَنُوحٍ فَطُولُ العُمُرِ، وَأَمَّا مِنْ إِبْرَاهِيمَ فَخَفَاءُ الوِلَادَةِ(١٥٥) وَاعْتِزَالُ النَّاسِ، وَأَمَّا مِنْ مُوسَى فَالخَوْفُ وَالغَيْبَةُ، وَأَمَّا مِنْ عِيسَى فَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِيهِ، وَأَمَّا مِنْ أَيُّوبَ فَالفَرَجُ بَعْدَ البَلْوَى، وَأَمَّا مِنْ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَالخُرُوجُ بِالسَّيْفِ»(١٥٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٤) كمال الدِّين (ص ٣١٩ و٣٢٠/ باب ٣١/ ح ٢).
(١٥٥) ورد في روايات أُخرى تنظير بخفاء الولادة بموسى (عليه السلام)، منها ما رواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ١٥٢/ باب ٦/ ح ١٤) بسنده عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «فِي القَائِمِ (عليه السلام) سُنَّةٌ مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (عليه السلام)»، فَقُلْتُ: وَمَا سُنَّتُهُ مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ؟ قَالَ: «خَفَاءُ مَوْلِدِهِ، وَغَيْبَتُهُ عَنْ قَوْمِهِ»، فَقُلْتُ: وَكَمْ غَابَ مُوسَى عَنْ أَهْلِهِ وَقَوْمِهِ؟ فَقَالَ: «ثَمَانِي وَعِشْرِينَ سَنَةً»؛ ورواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٠٩/ ح ٩٥).

(١٥٦) كمال الدِّين (ص ٣٢١ و٣٢٢/ باب ٣١/ ح ٣).

↑صفحة ١٠٩↑

(٧) بعض ما روي عن الإمام محمّد الباقر (عليه السلام):
١ - وروى الصدوق (رحمه الله) بسنده عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَرْسَلَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إِلَى الجِنِّ وَالإِنْسِ، وَجَعَلَ مِنْ بَعْدِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَصِيًّا، مِنْهُمْ مَنْ مَضَى وَمِنْهُمْ مَنْ بَقِيَ، وَكُلُّ وَصِيٍّ جَرَتْ فِيهِ سُنَّةٌ مِنَ الأَوْصِيَاءِ الَّذِينَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَلَى سُنَّةِ أَوْصِيَاءِ عِيسَى (عليه السلام)، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وَكَانَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عَلَى سُنَّةِ المَسِيحِ»(١٥٧).
٢ - وروى عَنْ أَبِي أَيُّوبَ المَخْزُومِيِّ، قَالَ: ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ البَاقِرُ (عليهما السلام) سَيْرَ الخُلَفَاءِ الاِثْنَيْ عَشَرَ الرَّاشِدِينَ (صَلَوَاتُ اَللهِ عَلَيْهِم)، فَلَمَّا بَلَغَ آخِرَهُمْ قَالَ: «الثَّانِي عَشَرَ الَّذِي يُصَلِّي عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام) خَلْفَهُ، عَلَيْكَ بِسُنَّتِهِ وَالقُرْآنِ الكَرِيمِ»(١٥٨).
٣- وروى بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الثَّقَفِيِّ الطَّحَّانِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ البَاقِرِ (عليهما السلام) وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنِ القَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ)، فَقَالَ لِي مُبْتَدِئاً: «يَا مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ، إِنَّ فِي القَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) شَبَهاً مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ الرُّسُلِ: يُونُسَ بْنِ مَتَّى، وَيُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَمُحَمَّدٍ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٧) كمال الدِّين (ص ٣٢٦/ باب ٣٢/ ح ٤)؛ ورواه (رحمه الله) في الخصال (ص ٤٧٨/ ح ٤٣)، وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٥٩/ ح ٢١)، وابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٣٤/ ح ١٤٦)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥٣٢/ باب فيما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ١٠)، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٥)، والكراجكي (رحمه الله) في الاستنصار (ص ١٧)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٤١/ ح ١٠٥).
(١٥٨) كمال الدِّين (ص ٣٣١ و٣٣٢/ باب ٣٢/ ح ١٧).

↑صفحة ١١٠↑

فَأَمَّا شَبَهُهُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَرُجُوعُهُ مِنْ غَيْبَتِهِ وَهُوَ شَابٌّ بَعْدَ كِبَرِ السِّنِّ. وَأَمَّا شَبَهُهُ مِنْ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ (عليهما السلام) فَالغَيْبَةُ مِنْ خَاصَّتِهِ وَعَامَّتِهِ، وَاخْتِفَاؤُهُ مِنْ إِخْوَتِهِ، وَإِشْكَالُ أَمْرِهِ عَلَى أَبِيهِ يَعْقُوبَ (عليه السلام) مَعَ قُرْبِ المَسَافَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ وَأَهْلِهِ وَشِيعَتِهِ. وَأَمَّا شَبَهُهُ مِنْ مُوسَى (عليه السلام) فَدَوَامُ خَوْفِهِ، وَطُولُ غَيْبَتِهِ، وَخَفَاءُ وِلَادَتِهِ، وَتَعَبُ شِيعَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِمَّا لَقُوا مِنَ الأَذَى وَالهَوَانِ إِلَى أَنْ أَذِنَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) فِي ظُهُورِهِ وَنَصْرِهِ وَأَيَّدَهُ عَلَى عَدُوِّهِ. وَأَمَّا شَبَهُهُ مِنْ عِيسَى (عليه السلام) فَاخْتِلَافُ مَنِ اخْتَلَفَ فِيهِ حَتَّى قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: مَا وُلِدَ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَاتَ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: قُتِلَ وَصُلِبَ. وَأَمَّا شَبَهُهُ مِنْ جَدِّهِ المُصْطَفَى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَخُرُوجُهُ بِالسَّيْفِ، وَقَتْلُهُ أَعْدَاءَ اللهِ وَأَعْدَاءَ رَسُولِهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَالجَبَّارِينَ وَالطَّوَاغِيتَ، وَأَنَّهُ يُنْصَرُ بِالسَّيْفِ وَالرُّعْبِ، وَأَنَّهُ لَا تُرَدُّ لَهُ رَايَةٌ. وَإِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ خُرُوجِهِ: خُرُوجَ السُّفْيَانِيِّ مِنَ الشَّامِ، وَخُرُوجَ اليَمَانِيِّ [مِنَ اليَمَنِ]، وَصَيْحَةً مِنَ السَّمَاءِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَمُنَادٍ يُنَادِي مِنَ السَّمَاءِ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ»(١٥٩).
٤ - وبسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ أيضاً، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ البَاقِرَ (عليهما السلام) يَقُولُ: «القَائِمُ مِنَّا مَنْصُورٌ بِالرُّعْبِ، مُؤَيَّدٌ بِالنَّصْرِ، تُطْوَى لَهُ الأَرْضُ، وَتَظْهَرُ لَهُ الكُنُوزُ، يَبْلُغُ سُلْطَانُهُ المَشْرِقَ وَالمَغْرِبَ، وَيُظْهِرُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) بِهِ دَيْنَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ، فَلَا يَبْقَى فِي الأَرْضِ خَرَابٌ إِلَّا قَدْ عُمِرَ، وَيَنْزِلُ رُوحُ اللهِ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام) فَيُصَلِّي خَلْفَهُ...» والرواية طويلة(١٦٠).
(٨) بعض ما روي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام):
١ - روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) بسنده عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَقَرَّ بِجَمِيعِ الأَئِمَّةِ وَجَحَدَ المَهْدِيَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٩) كمال الدِّين (ص ٣٢٧ و٣٢٨/ باب ٣٢/ ح ٧).
(١٦٠) كمال الدِّين (ص ٣٣٠ و٣٣١/ باب ٣٢/ ح ١٦).

↑صفحة ١١١↑

كَانَ كَمَنْ أَقَرَّ بِجَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَجَحَدَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نُبُوَّتَهُ»، فَقِيلَ لَهُ: يا بن رَسُولِ اللهِ، فَمَنِ المَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِكَ؟ قَالَ: «الخَامِسُ مِنْ وُلْدِ السَّابِعِ، يَغِيبُ عَنْكُمْ شَخْصُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ تَسْمِيَتُهُ»(١٦١).
ورواه بسند آخر عن عبد الله بن أبي يعفور(١٦٢).
٢- وروى بسنده عن السيِّد بن محمّد الحميري - في حديث طويل - يقول فيه للصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام): يا بن رَسُولِ اللهِ، قَدْ رُوِيَ لَنَا أَخْبَارٌ عَنْ آبَائِكَ (عليهم السلام) فِي الغَيْبَةِ وَصِحَّةِ كَوْنِهَا، فَأَخْبِرْنِي بِمَنْ تَقَعُ؟ فَقَالَ (عليه السلام): «إِنَّ الغَيْبَةَ سَتَقَعُ بِالسَّادِسِ مِنْ وُلْدِي، وَهُوَ الثَّانِي عَشَرَ مِنَ الأَئِمَّةِ الهُدَاةِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أَوَّلُهُمْ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَآخِرُهُمُ القَائِمُ بِالحَقِّ، بَقِيَّةُ اللهِ فِي الأَرْضِ، وَصَاحِبُ الزَّمَانِ، وَاللهِ لَوْ بَقِيَ فِي غَيْبَتِهِ مَا بَقِيَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَظْهَرَ فَيَمْلَأَ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»(١٦٣).
٣ - وروى بسنده عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِلْقَائِمِ غَيْبَةً قَبْلَ أَنْ يَقُومَ»، قُلْتُ لَهُ: وَلِـمَ؟ قَالَ: «يَخَافُ - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى بَطْنِهِ -» (لعلَّه يعني أنَّها تُبقَر اغتيالاً). ثُمَّ قَالَ: «يَا زُرَارَةُ، وَهُوَ المُنْتَظَرُ، وَهُوَ الَّذِي يَشُكُّ النَّاسُ فِي وِلَادَتِهِ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ حَمْلٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ غَائِبٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَا وُلِدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: وُلِدَ قَبْلَ وَفَاةِ أَبِيهِ بِسَنَتَيْنِ، غَيْرَ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يَمْتَحِنَ الشِّيعَةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَابُ المُبْطِلُونَ»(١٦٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦١) كمال الدِّين (ص ٣٣٣/ باب ٣٣/ ح ١).
(١٦٢) كمال الدِّين (ص ٣٣٨/ باب ٣٣/ ح ١٢).
(١٦٣) كمال الدِّين (ص ٣٤٢/ باب ٣٣/ ح ٢٣).
(١٦٤) كمال الدِّين (ص ٣٤٢ و٣٤٣/ باب ٣٣/ ح ٢٤)؛ وروى قريباً منه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٣٧/ باب في الغيبة/ ح ٥)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٧٠ و١٧١/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ٦)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٣٣ و٣٣٤/ ح ٢٧٩).

↑صفحة ١١٢↑

٤ - وروى الكليني والصدوق (رحمهما الله) بسندهما عَنْ سَدِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ فِي القَائِمِ شَبَهٌ مِنْ يُوسُفَ (عليه السلام)»، قُلْتُ: كَأَنَّكَ تَذْكُرُ خَبَرَهُ أَوْ غَيْبَتَهُ؟ فَقَالَ لِي: «مَا تُنْكِرُ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةُ أَشْبَاهُ...، إِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ كَانُوا أَسْبَاطاً أَوْلَادَ أَنْبِيَاءَ، تَاجَرُوا يُوسُفَ وَبَايَعُوهُ وَهُمْ إِخْوَتُهُ وَهُوَ أَخُوهُمْ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ حَتَّى قَالَ لَهُمْ: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾، فَمَا تُنْكِرُ هَذِهِ الأُمَّةُ أَنْ يَكُونَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) فِي وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ حُجَّتَهُ، لَقَدْ كَانَ يُوسُفُ (عليه السلام) إِلَيْهِ مُلْكُ مِصْرَ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَالِدِهِ مَسِيرَةُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْماً، فَلَوْ أَرَادَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) أَنْ يُعَرِّفَهُ مَكَانَهُ لَقَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَاللهِ لَقَدْ سَارَ يَعْقُوبُ وَوُلْدُهُ عِنْدَ البِشَارَةِ مَسِيرَةَ تِسْعَةِ أَيَّامٍ مِنْ بَدْوِهِمْ إِلَى مِصْرَ، فَمَا تُنْكِرُ هَذِهِ الأُمَّةُ أَنْ يَكُونَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) يَفْعَلُ بِحُجَّتِهِ مَا فَعَلَ بِيُوسُفَ أَنْ يَكُونَ يَسِيرُ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَيَطَأُ بُسُطَهُمْ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ، حَتَّى يَأْذَنَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) أَنْ يُعَرِّفَهُمْ بِنَفْسِهِ كَمَا أَذِنَ لِيُوسُفَ حَتَّى قَالَ لَهُمْ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ [يوسف: ٨٩ و٩٠]»(١٦٥).
٥ - وروى بسنده عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ سُنَنَ الأَنْبِيَاءِ (عليهم السلام) بِمَا وَقَعَ بِهِمْ مِنَ الغَيْبَاتِ حَادِثَةٌ فِي القَائِمِ مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَالقُذَّةِ بِالقُذَّةِ»، قَالَ أَبُو بَصِيرٍ: فَقُلْتُ: يا بن رَسُولِ اللهِ، وَمَنِ القَائِمُ مِنْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ؟ فَقَالَ: «يَا أَبَا بَصِيرٍ، هُوَ الخَامِسُ مِنْ وُلْدِ ابْنِي مُوسَى، ذَلِكَ ابْنُ سَيِّدَةِ الإِمَاءِ، يَغِيبُ غَيْبَةً يَرْتَابُ فِيهَا المُبْطِلُونَ، ثُمَّ يُظْهِرُهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ)، فَيَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدِهِ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَيَنْزِلُ رُوحُ اللهِ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٥) كمال الدِّين (ص ٣٤١/ باب ٣٣/ ح ٢١)، الكافي (ج ١/ ص ٣٣٦ و٣٣٧/ باب في الغيبة/ ح ٤)؛ ورواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٢١ و١٢٢/ ح ١١٧)، والصدوق (رحمه الله) في علل الشرائع (ج ١/ ص ٢٤٤/ باب ١٧٩/ ح ٣).

↑صفحة ١١٣↑

فَيُصَلِّي خَلْفَهُ، وَتُشْرِقُ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا، وَلَا تَبْقَى فِي الأَرْضِ بُقْعَةٌ عُبِدَ فِيهَا غَيْرُ اللهِ (عزَّ وجلَّ) إِلَّا عُبِدَ اللهُ فِيهَا، وَيَكُونُ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ»(١٦٦).
٦ - وروى بسنده عن سدير الصيرفي، قال: إنَّه دخل هو والمفضَّل بن عمر وأبو بصير وأبان بن تغلب على الإمام الصادق (عليه السلام)، وذكر حديثاً طويلاً منه أنَّه قال (عليه السلام): «إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَدَارَ لِلْقَائِمِ مِنَّا ثَلَاثَةً أَدَارَهَا فِي ثَلَاثَةٍ مِنَ الرُّسُلِ (عليهم السلام)، قَدَّرَ مَوْلِدَهُ تَقْدِيرَ مَوْلِدِ مُوسَى (عليه السلام)، وَقَدَّرَ غَيْبَتَهُ تَقْدِيرَ غَيْبَةِ عِيسَى (عليه السلام)، وَقَدَّرَ إِبْطَاءَهُ تَقْدِيرَ إِبْطَاءِ نُوحٍ (عليه السلام)، وَجَعَلَ لَهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عُمُرَ العَبْدِ الصَّالِحِ - أَعْنِي الخَضِرَ (عليه السلام) - دَلِيلاً عَلَى عُمُرِهِ»، فَقُلْنَا لَهُ: اكْشِفْ لَنَا يا بن رَسُولِ اللهِ عَنْ وُجُوهِ هَذِهِ المَعَانِي.
قَالَ (عليه السلام): «أَمَّا مَوْلِدُ مُوسَى (عليه السلام) فَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَـمَّا وَقَفَ عَلَى أَنَّ زَوَالَ مُلْكِهِ عَلَى يَدِهِ أَمَرَ بِإِحْضَارِ الكَهَنَةِ، فَدَلُّوهُ عَلَى نَسَبِهِ، وَأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَزَلْ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِشَقِّ بُطُونِ الحَوَامِلِ مِنْ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى قَتَلَ فِي طَلَبِهِ نَيِّفاً وَعِشْرِينَ ألفَ مَوْلُودٍ، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الوُصُولُ إِلَى قَتْلِ مُوسَى (عليه السلام) بِحِفْظِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِيَّاهُ، وَكَذَلِكَ بَنُو أُمَيَّةَ وَبَنُو العَبَّاسِ لَـمَّا وَقَفُوا عَلَى أَنَّ زَوَالَ مُلْكِهِمْ وَمُلْكِ الأُمَرَاءِ وَالجَبَابِرَةِ مِنْهُمْ عَلَى يَدِ القَائِمِ مِنَّا نَاصَبُونَا العَدَاوَةَ، وَوَضَعُوا سُيُوفَهُمْ فِي قَتْلِ آلِ الرَّسُولِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَإِبَادَةِ نَسْلِهِ طَمَعاً مِنْهُمْ فِي الوُصُولِ إِلَى قَتْلِ القَائِمِ، وَيَأْبَى اللهُ (عزَّ وجلَّ) أَنْ يَكْشِفَ أَمْرَهُ لِوَاحِدٍ مِنَ الظَّلَمَةِ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ.
وَأَمَّا غَيْبَةُ عِيسَى (عليه السلام) فَإِنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّفَقَتْ عَلَى أَنَّهُ قُتِلَ، فَكَذَّبَهُمُ اللهُ (جَلَّ ذِكْرُهُ) بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]، كَذَلِكَ غَيْبَةُ القَائِمِ فَإِنَّ الأُمَّةَ سَتُنْكِرُهَا لِطُولِهَا، فَمِنْ قَائِلٍ يَهْذِي بِأَنَّهُ لَمْ يَلِدْ، وَقَائِلٍ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٦) كمال الدِّين (ص ٣٤٥ و٣٤٦/ باب ٣٣/ ح ٣١).

↑صفحة ١١٤↑

يَقُولُ: إِنَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَصَاعِداً، وَقَائِلٍ يَعْصِي اللهَ (عزَّ وجلَّ) بِقَوْلِهِ: إِنَّ رُوحَ القَائِمِ يَنْطِقُ فِي هَيْكَلِ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا إِبْطَاءُ نُوحٍ (عليه السلام) فَإِنَّهُ لَـمَّا اسْتُنْزِلَتِ العُقُوبَةُ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ السَّمَاءِ بَعَثَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) الرُّوحَ الأَمِينَ (عليه السلام) بِسَبْعِ نَوَيَاتٍ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ لَكَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ خَلَائِقِي وَعِبَادِي وَلَسْتُ أُبِيدُهُمْ بِصَاعِقَةٍ مِنْ صَوَاعِقِي إِلَّا بَعْدَ تَأْكِيدِ الدَّعْوَةِ وَالزَامِ الحُجَّةِ، فَعَاوِدِ اجْتِهَادَكَ فِي الدَّعْوَةِ لِقَوْمِكَ فَإِنِّي مُثِيبُكَ عَلَيْهِ، وَاغْرِسْ هَذِهِ النَّوَى فَإِنَّ لَكَ فِي نَبَاتِهَا وَبُلُوغِهَا وَإِدْرَاكِهَا إِذَا أَثْمَرَتِ الفَرَجَ وَالخَلَاصَ».
وذكر الإمام (عليه السلام) أنَّه أثمرت الأشجار التي جاءت من ذلك النوى، فأُمِرَ بأنْ يغرس نواها، ويعاود الصبر والاجتهاد، ويُؤكِّد الحجَّة على قومه.
قال الإمام (عليه السلام): «ثُمَّ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَزَلْ يَأْمُرُهُ عِنْدَ كُلِّ مَرَّةٍ بِأَنْ يَغْرِسَهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى إِلَى أَنْ غَرَسَهَا سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ الطَّوَائِفُ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَرْتَدُّ مِنْهُ طَائِفَةٌ بَعْدَ طَائِفَةٍ إِلَى أَنْ عَادَ إِلَى نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ رَجُلاً، فَأَوْحَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِنْدَ ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَقَالَ: يَا نُوحُ الآنَ أَسْفَرَ الصُّبْحُ عَنِ اللَّيْلِ لِعَيْنِكَ حِينَ صَرَّحَ الحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ وَصَفَا [الأَمْرُ وَالإِيمَانُ] مِنَ الكَدَرِ بِارْتِدَادِ كُلِّ مَنْ كَانَتْ طِينَتُهُ خَبِيثَةً، فَلَوْ أَنِّي أَهْلَكْتُ الكُفَّارَ وَأَبْقَيْتُ مَنْ قَدِ ارْتَدَّ مِنَ الطَّوَائِفِ الَّتِي كَانَتْ آمَنَتْ بِكَ لَمَا كُنْتُ صَدَّقْتُ وَعْدِيَ السَّابِقَ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَخْلَصُوا التَّوْحِيدَ مِنْ قَوْمِكَ، وَاعْتَصَمُوا بِحَبْلِ نُبُوَّتِكَ بِأَنْ أَسْتَخْلِفَهُمْ فِي الأَرْضِ وَأُمَكِّنَ لَهُمْ دِينَهُمْ وَأُبَدِّلَ خَوْفَهُمْ بِالأَمْنِ لِكَيْ تَخْلُصَ العِبَادَةُ لِي بِذَهَابِ الشِّرْكِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَكَيْفَ يَكُونُ الاِسْتِخْلَافُ وَالتَّمْكِينُ وَبَدَلُ الخَوْفِ بِالأَمْنِ مِنِّي لَهُمْ مَعَ مَا كُنْتُ أَعْلَمُ مِنْ ضَعْفِ يَقِينِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا وَخُبْثِ طِينِهِمْ وَسُوءِ سَرَائِرِهِمُ».

↑صفحة ١١٥↑

ويذكر الحديث ما معناه أنَّ حال هؤلاء ستحملهم على إثارة الفتن، وطلب الإمرة، ونشر الكفر من جديد.
إلى أنْ يقول (عليه السلام): «وَكَذَلِكَ القَائِمُ فَإِنَّهُ تَمْتَدُّ أَيَّامُ غَيْبَتِهِ لِيُصَرِّحَ الحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ وَيَصْفُوَ الإِيمَانُ مِنَ الكَدَرِ بِارْتِدَادِ كُلِّ مَنْ كَانَتْ طِينَتُهُ خَبِيثَةً...».
ثمّ قال (عليه السلام): «وَأَمَّا العَبْدُ الصَّالِحُ - أَعْنِي الخَضِرَ (عليه السلام) - فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا طَوَّلَ عُمُرَهُ لِنُبُوَّةٍ قَدَّرَهَا لَهُ، وَلَا لِكِتَابٍ يُنَزِّلُهُ عَلَيْهِ، وَلَا لِشَرِيعَةٍ يَنْسَخُ بِهَا شَرِيعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، وَلَا لِإِمَامَةٍ يُلْزِمُ عِبَادَهُ الِاقْتِدَاءَ بِهَا، وَلَا لِطَاعَةٍ يَفْرِضُهَا لَهُ، بَلَى إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَـمَّا كَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنْ يُقَدِّرَ مِنْ عُمُرِ القَائِمِ (عليه السلام) فِي أَيَّامِ غَيْبَتِهِ مَا يُقَدِّرُ، وَعَلِمَ مَا يَكُونُ مِنْ إِنْكَارِ عِبَادِهِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ العُمُرِ فِي الطُّولِ، طَوَّلَ عُمُرَ العَبْدِ الصَّالِحِ فِي غَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُ ذَلِكَ إِلَّا لِعِلَّةِ الاِسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى عُمُرِ القَائِمِ (عليه السلام)، وَلِيَقْطَعَ بِذَلِكَ حُجَّةَ المُعَانِدِينَ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ»(١٦٧).
وقد أورد الصدوق (رحمه الله) في هذا الباب (الثالث والثلاثين) فقط ممَّا ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) (٥٩) حديثاً مسنداً.
(٩) بعض ما روي عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام):
١ - روى الصدوق (رحمه الله) بسنده عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليهما السلام)، قَالَ: «إِذَا فُقِدَ الخَامِسُ مِنْ وُلْدِ السَّابِعِ فَاللهَ اللهَ فِي أَدْيَانِكُمْ لَا يُزِيلَنَّكُمْ أَحَدٌ عَنْهَا. يَا بُنَيَّ، إِنَّهُ لَابُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ مِنْ غَيْبَةٍ حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ هَذَا الأَمْرِ مَنْ كَانَ يَقُولُ بِهِ، إِنَّمَا هِيَ مِحْنَةٌ مِنَ اللهِ (عزَّ وجلَّ) امْتَحَنَ بِهَا خَلْقَهُ، وَلَوْ عَلِمَ آبَاؤُكُمْ وَأَجْدَادُكُمْ دِيناً أَصَحَّ مِنْ هَذَا لَاتَّبَعُوهُ»، فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، وَمَا الخَامِسُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٧) كمال الدِّين (ص ٣٥٢ - ٣٥٧/ باب ٣٣/ ح ٥٠)؛ ورواه الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٦٧ - ١٧٤/ ح ١٢٩) بسند آخر.

↑صفحة ١١٦↑

مِنْ وُلْدِ السَّابِعِ؟ فَقَالَ: «يَا بُنَيَّ، عُقُولُكُمْ تَضْعُفُ عَنْ ذَلِكَ، وَأَحْلَامُكُمْ تَضِيقُ عَنْ حَمْلِهِ، وَلَكِنْ إِنْ تَعِيشُوا فَسَوْفَ تُدْرِكُونَهُ»(١٦٨).
٢ - وروى بسنده عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليهما السلام) فَقُلْتُ لَهُ: يا بن رَسُولِ اللهِ، أَنْتَ القَائِمُ بِالحَقِّ؟ فَقَالَ: «أَنَا القَائِمُ بِالحَقِّ، وَلَكِنَّ القَائِمَ الَّذِي يُطَهِّرُ الأَرْضَ مِنْ أَعْدَاءِ اللهِ (عزَّ وجلَّ) وَيَمْلَؤُهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً هُوَ الخَامِسُ مِنْ وُلْدِي، لَهُ غَيْبَةٌ يَطُولُ أَمَدُهَا خَوْفاً عَلَى نَفْسِهِ، يَرْتَدُّ فِيهَا أَقْوَامٌ وَيَثْبُتُ فِيهَا آخَرُونَ»(١٦٩).
٣ - وروى بسنده عَنْ أَبِي أَحْمَدَ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الأَزْدِيِّ، قَالَ: سَألتُ سَيِّدِي مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ (عليهما السلام) عَنْ قَوْلِ اللهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠](١٧٠)، فَقَالَ (عليه السلام): «النِّعْمَةُ الظَّاهِرَةُ الإِمَامُ الظَّاهِرُ، وَالبَاطِنَةُ الإِمَامُ الغَائِبُ»، فَقُلْتُ لَهُ: وَيَكُونُ فِي الأَئِمَّةِ مَنْ يَغِيبُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَغِيبُ عَنْ أَبْصَارِ النَّاسِ شَخْصُهُ، وَلَا يَغِيبُ عَنْ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ ذِكْرُهُ، وَهُوَ الثَّانِي عَشَرَ مِنَّا، يُسَهِّلُ اللهُ لَهُ كُلَّ عَسِيرٍ، وَيُذَلِّلُ لَهُ كُلَّ صَعْبٍ، وَيُظْهِرُ لَهُ كُنُوزَ الأَرْضِ، وَيُقَرِّبُ لَهُ كُلَّ بَعِيدٍ، وَيُبِيرُ بِهِ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَيُهْلِكُ عَلَى يَدِهِ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ، ذَلِكَ ابْنُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٨) كمال الدِّين (ص ٣٥٩ و٣٦٠/ باب ٣٤/ ح ١)؛ ورواه (رحمه الله) في علل الشرائع (ج ١/ ص ٢٤٤ و٢٤٥/ باب ١٧٨/ ح ٤)، وابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١١٣/ ح ١٠٠)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ٢)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٥٥ و١٥٦/ باب ١٠/ فصل ١/ ح ١١)، والخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٦٨ و٢٦٩)، والطبري الشيعي (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٥٣٤/ ح ٥١٦/١٢٠)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٦٦ و١٦٧/ ح ١٢٨).
(١٦٩) كمال الدِّين (ص ٣٦١/ باب ٣٤/ ح ٥)؛ ورواه الخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٦٩ و٢٧٠).
(١٧٠) يُجاب مَنْ يشكل بأنَّ النِّعَم الباطنة والظاهر أعمّ بأنَّ هنا تطبيق لا نصٌّ.

↑صفحة ١١٧↑

سَيِّدَةِ الإِمَاءِ الَّذِي تَخْفَى عَلَى النَّاسِ وِلَادَتُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ تَسْمِيَتُهُ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) فَيَمْلَأَ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»(١٧١).
(١٠) بعض ما روي عن الإمام عليِّ بن موسى الرضا (عليه السلام):
١ - روى الصدوق (رحمه الله) بسنده عَنِ الحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا (عليهما السلام)، قَالَ: قَالَ لِي: «لَابُدَّ مِنْ فِتْنَةٍ صَمَّاءَ صَيْلَمٍ يَسْقُطُ فِيهَا كُلُّ بِطَانَةٍ وَوَلِيجَةٍ، وَذَلِكَ عِنْدَ فِقْدَانِ الشِّيعَةِ الثَّالِثَ مِنْ وُلْدِي، يَبْكِي عَلَيْهِ أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الأَرْضِ وَكُلُّ حَرَّى وَحَرَّانَ وَكُلُّ حَزِينٍ وَلَهْفَانَ»، ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): «بِأَبِي وأُمِّي سَمِيُّ جَدِّي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَشَبِيهِي وَشَبِيهُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (عليه السلام)، عَلَيْهِ جُيُوبُ النُّورِ، يَتَوَقَّدُ مِنْ شُعَاعِ ضِيَاءِ القُدْسِ، يَحْزَنُ لِمَوْتِهِ أَهْلُ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، كَمْ مِنْ حَرَّى مُؤْمِنَةٍ، وَكَمْ مِنْ مُؤْمِنٍ مُتَأَسِّفٍ حَرَّانَ حَزِينٍ عِنْدَ فِقْدَانِ المَاءِ المَعِينِ(١٧٢)، كَأَنِّي بِهِمْ آيِسٌ مَا كَانُوا قَدْ نُودُوا نِدَاءً يَسْمَعُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُ مَنْ قَرُبَ، يَكُونُ رَحْمَةً عَلَى المُؤْمِنِينَ وَعَذَاباً عَلَى الكَافِرِينَ»(١٧٣).
٢ - وروى بسنده عَنْ الهَرَوِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ دِعْبِلَ بْنَ عَلِيٍّ الخُزَاعِيَّ يَقُولُ: أَنْشَدْتُ مَوْلَايَ الرِّضَا عَلِيَّ بْنَ مُوسَى (عليهما السلام) قَصِيدَتِيَ الَّتِي أَوَّلُهَا:

مَدَارِسُ آيَاتٍ خَلَتْ مِنْ تِلَاوَةٍ * * * وَمَنْزِلُ وَحْيٍ مُقْفِرُ العَرَصَاتِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧١) كمال الدِّين (ص ٣٦٨ و٣٦٩/ باب ٣٤/ ح ٦)؛ ورواه الخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٧٠ و٢٧١).
(١٧٢) يقصد به العلم الحقِّ والهدى الخالص الموجود بوجود الإمام (عليه السلام).
(١٧٣) كمال الدِّين (ص ٣٧٠ و٣٧١/ باب ٣٥/ ح ٣)؛ ورواه (رحمه الله) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ٢/ ص ٩ و١٠/ ح ١٤)، وابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١١٤/ ح ١٠٢)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٨٦/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٢٨)، والطبري الشيعي (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٤٦٠ و٤٦١/ ح ٤٤١/٤٥)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٤٣٩ و٤٤٠/ ح ٤٣١).

↑صفحة ١١٨↑

فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِي:

خُرُوجُ إِمَامٍ لَا مَحَالَةَ خَارِجٌ * * * يَقُومُ عَلَى اسْمِ اللهِ وَالبَرَكَاتِ
يُمَيِّزُ فِينَا كُلَّ حَقٍّ وَبَاطِلٍ * * * وَيُجْزِي عَلَى النَّعْمَاءِ وَالنَّقِمَاتِ

بَكَى الرِّضَا (عليه السلام) بُكَاءً شَدِيداً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ فَقَالَ لِي: «يَا خُزَاعِيُّ، نَطَقَ رُوحُ القُدُسِ عَلَى لِسَانِكَ بِهَذَيْنِ البَيْتَيْنِ، فَهَلْ تَدْرِي مَنْ هَذَا الإِمَامُ وَمَتَى يَقُومُ؟»، فَقُلْتُ: لَا يَا مَوْلَايَ إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ بِخُرُوجِ إِمَامٍ مِنْكُمْ يُطَهِّرُ الأَرْضَ مِنَ الفَسَادِ وَيَمْلَؤُهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً، فَقَالَ: «يَا دِعْبِلُ، الإِمَامُ بَعْدِي مُحَمَّدٌ ابْنِي، وَبَعْدَ مُحَمَّدٍ ابْنُهُ عَلِيٌّ، وَبَعْدَ عَلِيٍّ ابْنُهُ الحَسَنُ، وَبَعْدَ الحَسَنِ ابْنُهُ الحُجَّةُ القَائِمُ المُنْتَظَرُ فِي غَيْبَتِهِ، المُطَاعُ فِي ظُهُورِهِ، لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) ذَلِكَ اليَوْمَ حَتَّى يَخْرُجَ فَيَمْلَأَ الأَرْضَ عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً. وَأَمَّا مَتَى فَإِخْبَارٌ عَنِ الوَقْتِ، فَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام) أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى يَخْرُجُ القَائِمُ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ؟ فَقَالَ (عليه السلام): مَثَلُهُ مَثَلُ السَّاعَةِ الَّتِي ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]»(١٧٤).
٣ - وروى بسنده عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ، قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا (عليه السلام): إِنَّا لَنَرْجُو أَنْ تَكُونَ صَاحِبَ هَذَا الأَمْرِ، وَأَنْ يَرُدَّهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) إِلَيْكَ مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ، فَقَدْ بُويِعَ لَكَ وَضُرِبَتِ الدَّرَاهِمُ بِاسْمِكَ، فَقَالَ: «مَا مِنَّا أَحَدٌ اخْتَلَفَتْ إِلَيْهِ الكُتُبُ، وَسُئِلَ عَنِ المَسَائِلِ، وَأَشَارَتْ إِلَيْهِ الأَصَابِعُ، وَحُمِلَتْ إِلَيْهِ الأَمْوَالُ إِلَّا اغْتِيلَ أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ حَتَّى يَبْعَثَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) لِهَذَا الأَمْرِ رَجُلاً خَفِيَّ المَوْلِدِ وَالمَنْشَإِ غَيْرَ خَفِيٍّ فِي نَسَبِهِ»(١٧٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٤) كمال الدِّين (ص ٣٧٢ و٣٧٣/ باب ٣٥/ ح ٦)؛ ورواه (رحمه الله) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ٢/ ص ٢٩٦ و٢٩٧/ ح ٣٥)، والخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٧٦ و٢٧٧).
(١٧٥) كمال الدِّين (ص ٣٧٠/ باب ٣٥/ ح ١)؛ ورواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٤١ و٣٤٢/ باب في الغيبة/ ح ٢٥) بسند آخر، وأبو الصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٣١ و٤٣٢).

↑صفحة ١١٩↑

(١١) بعض ما روي عن الإمام محمّد الجواد (عليه السلام):
١ - روى الصدوق (رحمه الله) بسنده عَنِ الصَّقْرِ بْنِ أَبِي دُلَف، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الرِّضَا (عليهما السلام) يَقُولُ: «إِنَّ الإِمَامَ بَعْدِي ابْنِي عَلِيٌّ، أَمْرُهُ أَمْرِي، وَقَوْلُهُ قَوْلِي، وَطَاعَتُهُ طَاعَتِي، وَالإِمَامُ بَعْدَهُ ابْنُهُ الحَسَنُ، أَمْرُهُ أَمْرُ أَبِيهِ، وَقَوْلُهُ قَوْلُ أَبِيهِ، وَطَاعَتُهُ طَاعَةُ أَبِيهِ»، ثُمَّ سَكَتَ، فَقُلْتُ: يا بن رَسُولِ اللهِ، فَمَنِ الإِمَامُ بَعْدَ الحَسَنِ؟ فَبَكَى (عليه السلام) بُكَاءً شَدِيداً، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مِنْ بَعْدِ الحَسَنِ ابْنَهُ القَائِمَ بِالحَقِّ المُنْتَظَرَ»، فَقُلْتُ لَهُ: يا بن رَسُولِ اللهِ، لِـمَ سُمِّيَ القَائِمَ؟ قَالَ: «لِأَنَّهُ يَقُومُ بَعْدَ مَوْتِ ذِكْرِهِ وَارْتِدَادِ أَكْثَرِ القَائِلِينَ بِإِمَامَتِهِ»، فَقُلْتُ لَهُ: وَلِـمَ سُمِّيَ المُنْتَظَرَ؟ قَالَ: «لِأَنَّ لَهُ غَيْبَةً يَكْثُرُ أَيَّامُهَا وَيَطُولُ أَمَدُهَا، فَيَنْتَظِرُ خُرُوجَهُ المُخْلِصُونَ، وَيُنْكِرُهُ المُرْتَابُونَ، وَيَسْتَهْزِئُ بِذِكْرِهِ الجَاحِدُونَ، ويَكْذِبُ فِيهَا الوَقَّاتُونَ، وَيَهْلِكُ فِيهَا المُسْتَعْجِلُونَ، وَيَنْجُو فِيهَا المُسَلِّمُونَ»(١٧٦).
٢ - وروى بسنده عَنْ عَبْدِ العَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحَسَنِ بْنِ زَيْدِ ابْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام) الحَسَنِيُّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِي مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام) وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنِ القَائِمِ أَهُوَ المَهْدِيُّ أَوْ غَيْرُهُ، فَابْتَدَأَنِي فَقَالَ لِي: «يَا أَبَا القَاسِمِ، إِنَّ القَائِمَ مِنَّا هُوَ المَهْدِيُّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُنْتَظَرَ فِي غَيْبَتِهِ، وَيُطَاعَ فِي ظُهُورِهِ، وَهُوَ الثَّالِثُ مِنْ وُلْدِي، وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بِالنُّبُوَّةِ وَخَصَّنَا بِالإِمَامَةِ إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ اللهُ ذَلِكَ اليَوْمَ حَتَّى يَخْرُجَ فِيهِ فَيَمْلَأَ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً، وَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيُصْلِحُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٦) كمال الدِّين (ص ٣٧٨/ باب ٣٦/ ح ٣)؛ ورواه الخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٨٣ و٢٨٤).

↑صفحة ١٢٠↑

لَهُ أَمْرَهُ فِي لَيْلَةٍ، كَمَا أَصْلَحَ أَمْرَ كَلِيمِهِ مُوسَى (عليه السلام) إِذْ ذَهَبَ لِيَقْتَبِسَ لِأَهْلِهِ نَاراً فَرَجَعَ وَهُوَ رَسُولٌ نَبِيٌّ»، ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): «أَفْضَلُ أَعْمَالِ شِيعَتِنَا انْتِظَارُ الفَرَجِ»(١٧٧).
٣ - وروى بسنده عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني السابق، قال: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى (عليهم السلام): إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ القَائِمَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ الَّذِي يَمْلَأُ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً، فَقَالَ (عليه السلام): «يَا أَبَا القَاسِمِ، مَا مِنَّا إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ بِأَمْرِ اللهِ (عزَّ وجلَّ)، وَهَادٍ إِلَى دِينِ اللهِ، وَلَكِنَّ القَائِمَ الَّذِي يُطَهِّرُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) بِهِ الأَرْضَ مِنْ أَهْلِ الكُفْرِ وَالجُحُودِ، وَيَمْلَؤُهَا عَدْلاً وَقِسْطاً هُوَ الَّذِي تَخْفَى عَلَى النَّاسِ وِلَادَتُهُ، وَيَغِيبُ عَنْهُمْ شَخْصُهُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ تَسْمِيَتُهُ، وَهُوَ سَمِيُّ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَكَنِيُّهُ، وَهُوَ الَّذِي تُطْوَى لَهُ الأَرْضُ، وَيَذِلُّ لَهُ كُلُّ صَعْبٍ، وَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ عِدَّةُ أَهْلِ بَدْرٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً مِنْ أَقَاصِي الأَرْضِ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ لَهُ هَذِهِ العِدَّةُ مِنْ أَهْلِ الإِخْلَاصِ أَظْهَرَ اللهُ أَمْرَهُ، فَإِذَا كَمَلَ لَهُ العَقْدُ وَهُوَ عَشَرَةُ آلَافِ رَجُلٍ خَرَجَ بِإِذْنِ اللهِ (عزَّ وجلَّ)، فَلَا يَزَالُ يَقْتُلُ أَعْدَاءَ اللهِ حَتَّى يَرْضَى اللهُ (عزَّ وجلَّ)»، قَالَ عَبْدُ العَظِيمِ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي، وَكَيْفَ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) قَدْ رَضِيَ؟ قَالَ: «يُلْقِي فِي قَلْبِهِ الرَّحْمَةَ»(١٧٨).
(١٢) بعض ما روي عن الإمام عليٍّ الهادي (عليه السلام):
١ - روى الصدوق (رحمه الله) بسنده عَنْ الصَّقْرِ بْنِ أَبِي دُلَف، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٧) كمال الدِّين (ص ٣٧٧/ باب ٣٦/ ح ١)؛ ورواه الخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٨٠ و٢٨١).
(١٧٨) كمال الدِّين (ص ٣٧٧ و٣٧٨/ باب ٣٦/ ح ٢).

↑صفحة ١٢١↑

ابْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرِّضَا (عليهم السلام) يَقُولُ: «إِنَّ الإِمَامَ بَعْدِي الحَسَنُ ابْنِي، وَبَعْدَ الحَسَنِ ابْنُهُ القَائِمُ الَّذِي يَمْلَأُ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»(١٧٩).
٢ - وروى بسنده عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الجَعْفَرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ العَسْكَرِيَّ (يعني الإمام عليٌّ الهادي) (عليه السلام) يَقُولُ: «الخَلَفُ مِنْ بَعْدِي الحَسَنُ ابْنِي، فَكَيْفَ لَكُمْ بِالخَلَفِ مِنْ بَعْدِ الخَلَفِ؟»، قُلْتُ: وَلِـمَ جَعَلَنِيَ اللهُ فِدَاكَ؟ قَالَ: «لِأَنَّكُمْ لَا تَرَوْنَ شَخْصَهُ، وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ»، قُلْتُ: فَكَيْفَ نَذْكُرُهُ؟ فَقَالَ: «قُولُوا: الحُجَّةُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ»(١٨٠).
٣ - وبسنده عَنْ عَبْدِ العَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الحَسَنِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِي عَلِيِّ بْنَ مُحَمَّدٍ (الهادي) (عليهما السلام)، فَلَمَّا بَصُرَ بِي قَالَ لِي: «مَرْحَباً بِكَ يَا أَبَا القَاسِمِ، أَنْتَ وَلِيُّنَا حَقًّا»، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يا بن رَسُولِ اللهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ دِينِي فَإِنْ كَانَ مَرْضِيًّا ثَبَتُّ عَلَيْهِ حَتَّى ألقَى اللهَ (عزَّ وجلَّ)، فَقَالَ: «هَاتِ يَا أَبَا القَاسِمِ»، فَقُلْتُ: إِنِّي أَقُولُ: إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَاحِدٌ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، خَارِجٌ عَنِ الحَدَّيْنِ حَدِّ الإِبْطَالِ وَحَدِّ التَّشْبِيهِ، وَإِنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا صُورَةٍ، وَلَا عَرَضٍ وَلَا جَوْهَرٍ، بَلْ هُوَ مُجَسِّمُ الأَجْسَامِ، وَمُصَوِّرُ الصُّوَرِ، وَخَالِقُ الأَعْرَاضِ وَالجَوَاهِرِ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٩) كمال الدِّين (ص ٣٨٣/ باب ٣٧/ ح ١٠)؛ ورواه الخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٩٢).
(١٨٠) كمال الدِّين (ص ٣٨١/ باب ٣٧/ ح ٥)؛ ورواه (رحمه الله) في علل الشرائع (ج ١/ ص ٢٤٥/ باب ١٧٨/ ح ٥)، وابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١١٨/ ح ١١٢)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٢٨/ باب الإشارة والنصِّ على أبي محمّد (عليه السلام)/ ح ١٣) بسند آخر، والخصيبي (رحمه الله) في الهداية الكبرى (ص ٣٦٠)، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٤٥ و٢٦٤)، والخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٨٨ و٢٨٩)، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٢٠ و٣٤٩)، والحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٢٦ و٤٢٧)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٠٢/ ح ١٦٩).

↑صفحة ١٢٢↑

وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَالِكُهُ وَجَاعِلُهُ وَمُحْدِثُهُ، وَإِنَّ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّ شَرِيعَتَهُ خَاتِمَةُ الشَّرَائِعِ، فَلَا شَرِيعَةَ بَعْدَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. وَأَقُولُ: إِنَّ الإِمَامَ وَالخَلِيفَةَ وَوَلِيَّ الأَمْرِ بَعْدَهُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ الحَسَنُ، ثُمَّ الحُسَيْنُ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، ثُمَّ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّد، ثُمَّ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى، ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، ثُمَّ أَنْتَ يَا مَوْلَايَ، فَقَالَ (عليه السلام): «وَمِنْ بَعْدِي الحَسَنُ ابْنِي، فَكَيْفَ لِلنَّاسِ بِالخَلَفِ مِنْ بَعْدِهِ؟»، قَالَ: فَقُلْتُ: وَكَيْفَ ذَاكَ يَا مَوْلَايَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يُرَى شَخْصُهُ وَلَا يَحِلُّ ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ حَتَّى يَخْرُجَ فَيَمْلَأَ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»، قَالَ: فَقُلْتُ: أَقْرَرْتُ، وَأَقُولُ: إِنَّ وَلِيَّهُمْ وَلِيُّ اللهِ، وَعَدُوَّهُمْ عَدُوُّ اللهِ، وَطَاعَتَهُمْ طَاعَةُ اللهِ، وَمَعْصِيَتَهُمْ مَعْصِيَةُ اللهِ، وَأَقُولُ: إِنَّ المِعْرَاجَ حَقٌّ، وَالمُسَاءَلَةَ فِي القَبْرِ حَقٌّ، وَإِنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، وَالصِّرَاطَ حَقٌّ، وَالمِيزَانَ حَقٌّ، ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ [الحجّ: ٧]، وَأَقُولُ: إِنَّ الفَرَائِضَ الوَاجِبَةَ بَعْدَ الوَلَايَةِ: الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ وَالحَجُّ وَالجِهَادُ وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ. فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ (الهادي) (عليهما السلام): «يَا أَبَا القَاسِمِ، هَذَا وَاللهِ دِينُ اللهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ، فَاثْبُتْ عَلَيْهِ، ثَبَّتَكَ اللهُ بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الآخِرَةِ»(١٨١).
(١٣) بعض ما روي عن الإمام الحسن بن عليٍّ العسكري (عليه السلام):
١ - روى الصدوق (رحمه الله) بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَان العَمْرِيِّ (قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ)، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سُئِلَ أَبُو مُحَمَّدٍ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام) وَأَنَا عِنْدَهُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨١) كمال الدِّين (ص ٣٧٩ و٣٨٠/ باب ٣٧/ ح ١)؛ ورواه (رحمه الله) في أماليه (ص ٤١٩ و٤٢٠/ ح ٥٥٧/٢٤)، وفي التوحيد (ص ٨١ و٨٢/ ح ٣٧)، وفي صفات الشيعة (ص ٤٨ - ٥٠)، والخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٨٦ - ٢٨٨).

↑صفحة ١٢٣↑

عَنِ الخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام) «أَنَّ الأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ لِلهِ عَلَى خَلْقِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»، فَقَالَ (عليه السلام): «إِنَّ هَذَا حَقٌّ كَمَا أَنَّ النَّهَارَ حَقٌّ»، فَقِيلَ لَهُ: يا بن رَسُولِ اللهِ، فَمَنِ الحُجَّةُ وَالإِمَامُ بَعْدَكَ؟ فَقَالَ: «ابْنِي مُحَمَّدٌ، هُوَ الإِمَامُ وَالحُجَّةُ بَعْدِي، مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْهُ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً. أَمَا إِنَّ لَهُ غَيْبَةً يَحَارُ فِيهَا الجَاهِلُونَ، وَيَهْلِكُ فِيهَا المُبْطِلُونَ، وَيَكْذِبُ فِيهَا الوَقَّاتُونَ، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الأَعْلَامِ البِيضِ تَخْفِقُ فَوْقَ رَأْسِهِ بِنَجَفِ الكُوفَةِ»(١٨٢).
٢ - وروى بسنده عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ وَهْبٍ البَغْدَادِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (عليهما السلام) يَقُولُ: «كَأَنِّي بِكُمْ وَقَدِ اخْتَلَفْتُمْ بَعْدِي فِي الخَلَفِ مِنِّي، أَمَا إِنَّ المُقِرَّ بِالأَئِمَّةِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المُنْكِرَ لِوَلَدِي كَمَنْ أَقَرَّ بِجَمِيعِ أَنْبِيَاءِ اللهِ وَرُسُلِهِ ثُمَّ أَنْكَرَ نُبُوَّةَ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَالمُنْكِرُ لِرَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كَمَنْ أَنْكَرَ جَمِيعَ أَنْبِيَاءِ اللهِ، لِأَنَّ طَاعَةَ آخِرِنَا كَطَاعَةِ أَوَّلِنَا، وَالمُنْكِرَ لِآخِرِنَا كَالمُنْكِرِ لِأَوَّلِنَا، أَمَا إِنَّ لِوَلَدِي غَيْبَةً يَرْتَابُ فِيهَا النَّاسُ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ)»(١٨٣).
٣ - وروى بسنده عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ سَعْدٍ الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنِ الخَلَفِ مِنْ بَعْدِهِ، فَقَالَ لِي مُبْتَدِئاً: «يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ، إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُخْلِ الأَرْضَ مُنْذُ خَلَقَ آدَمَ (عليه السلام) وَلَا يُخْلِيهَا إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ مِنْ حُجَّةٍ لِلهِ عَلَى خَلْقِهِ، بِهِ يَدْفَعُ البَلَاءَ عَنْ أَهْلِ الأَرْضِ، وَبِهِ يُنَزِّلُ الغَيْثَ، وَبِهِ يُخْرِجُ بَرَكَاتِ الأَرْضِ»، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يا بن رَسُولِ اللهِ، فَمَنِ الإِمَامُ وَالخَلِيفَةُ بَعْدَكَ؟ فَنَهَضَ (عليه السلام) مُسْرِعاً فَدَخَلَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٢) كمال الدِّين (ص ٤٠٩/باب ٣٨/ح ٩)؛ ورواه الخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٩٦).
(١٨٣) كمال الدِّين (ص ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٨)؛ ورواه الخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٩٥ و٢٩٦).

↑صفحة ١٢٤↑

البَيْتَ، ثُمَّ خَرَجَ وَعَلَى عَاتِقِهِ غُلَامٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ القَمَرُ لَيْلَةَ البَدْرِ مِنْ أَبْنَاءِ الثَّلَاثِ سِنِينَ، فَقَالَ: «يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ، لَوْ لَا كَرَامَتُكَ عَلَى اللهِ (عزَّ وجلَّ) وَعَلَى حُجَجِهِ مَا عَرَضْتُ عَلَيْكَ ابْنِي هَذَا، إِنَّهُ سَمِيُّ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَكَنِيُّهُ، الَّذِي يَمْلَأُ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً. يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ، مَثَلُهُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ مَثَلُ الخَضِرِ (عليه السلام)، وَمَثَلُهُ مَثَلُ ذِي القَرْنَيْنِ، وَاللهِ لَيَغِيبَنَّ غَيْبَةً لَا يَنْجُو فِيهَا مِنَ الهَلَكَةِ إِلَّا مَنْ ثَبَّتَهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) عَلَى القَوْلِ بِإِمَامَتِهِ وَوَفَّقَهُ فِيهَا لِلدُّعَاءِ بِتَعْجِيلِ فَرَجِهِ»(١٨٤).
٤ - وروى محمّد بن يعقوب الكليني (رحمه الله) أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) قال حين وُلِدَ الحجَّة (عجَّل الله فرجه): «زَعَمَ اَلظَّلَمَةُ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَنِي لِيَقْطَعُوا هَذَا اَلنَّسْلَ، فَكَيْفَ رَأَوْا قُدْرَةَ اَلله؟»، وَسَمَّاهُ اَلمُؤَمَّلَ(١٨٥).
٥ - وروى بسنده عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: خَرَجَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ (الإمام الحسن) (عليه السلام) حِينَ قُتِلَ الزُّبَيْرِيُّ: «هَذَا جَزَاءُ مَنِ اجْتَرَأَ عَلَى الله فِي أَوْلِيَائِه، يَزْعُمُ أَنَّه يَقْتُلُنِي وَلَيْسَ لِي عَقِبٌ، فَكَيْفَ رَأَى قُدْرَةَ الله فِيه؟»، وَوُلِدَ لَه وَلَدٌ سَمَّاه (محمّد) فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ(١٨٦).
٦ - وروى الطوسي (رحمه الله) عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الفَزَارِيِّ البَزَّازِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ اَلشِّيعَةِ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ بِلَالٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ هِلَالٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَكِيمٍ، وَالحَسَنُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ، قَالُوا جَمِيعاً: اِجْتَمَعْنَا إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) نَسْأَلُهُ عَنِ الحُجَّةِ مِنْ بَعْدِهِ، وَفِي مَجْلِسِهِ (عليه السلام) أَرْبَعُونَ رَجُلاً، فَقَامَ إِلَيْهِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٤) كمال الدِّين (ص ٣٨٤ و٣٨٥/ باب ٣٨/ ح ١).
(١٨٥) الغيبة للطوسي (ص ٢٢٣/ ح ١٨٦)
(١٨٦) الكافي (ج ١/ ص ٣٢٩/ باب الإشارة والنصِّ إلى صاحب الدار/ ح ٥)؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٤٣٠/ باب ٤٢/ ح ٣)، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٩)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٣١/ ح ١٩٨).

↑صفحة ١٢٥↑

عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو العَمْرِيُّ، فَقَالَ لَهُ: يا بن رَسُولِ اَلله، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ أَمْرٍ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، فَقَالَ لَهُ: «اِجْلِسْ يَا عُثْمَانُ»، فَقَامَ مُغْضَباً لِيَخْرُجَ، فَقَالَ: «لَا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ»، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنَّا أَحَدٌ إِلَى أَنْ كَانَ بَعْدَ سَاعَةٍ، فَصَاحَ (عليه السلام) بِعُثْمَانَ، فَقَامَ عَلَى قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: «أُخْبِرُكُمْ بِمَا جِئْتُمْ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، يا بن رَسُولِ اَلله، قَالَ: «جِئْتُمْ تَسْأَلُونِّي عَنِ الحُجَّةِ مِنْ بَعْدِي»، قَالُوا: نَعَمْ، فَإِذَا غُلَامٌ كَأَنَّهُ قِطَعُ قَمَرٍ، أَشْبَهُ اَلنَّاسِ بِأَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: «هَذَا إِمَامُكُمْ مِنْ بَعْدِي، وَخَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ، أَطِيعُوهُ وَلَا تَتَفَرَّقُوا مِنْ بَعْدِي فَتَهْلِكُوا فِي أَدْيَانِكُمْ، أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَرَوْنَهُ مِنْ بَعْدِ يَوْمِكُمْ هَذَا...» الرواية(١٨٧).
٧ - وروى الكليني (رحمه الله) بسنده الكافي عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ المَكْفُوفِ، عَنْ عَمْرٍو الأَهْوَازِيِّ، قَالَ: أَرَانِي أَبُو مُحَمَّدٍ ابْنَه، وَقَالَ: «هَذَا صَاحِبُكُمْ مِنْ بَعْدِي»(١٨٨).
٨ - وروى الطوسي (رحمه الله) عدَّة روايات بسنده عن أبي عبد الله المطهَّري، وعن موسى بن محمّد بن جعفر، وعن محمّد بن إبراهيم، وعن محمّد بن عليِّ بن بلال، وعن أحمد بن عليٍّ الرازي، عن جماعة من الشيوخ، عن حكيمة بنت الإمام محمّد الجواد (عليه السلام) أنَّه لدى ولادة الإمام (عليه السلام) ليلة النصف من شعبان سنة (٢٥٥هـ)، قبيل الفجر، حملته إليه بطلب منه، وذكرت حديثاً سنعود إليه لاحقاً، ولدى إعادته إليها لتحمله إلى أُمِّه قال الإمام الحسن (عليه السلام): «يَا بُنَيَّ، أَسْتَوْدِعُكَ اَلَّذِي اِسْتَوْدَعَتْهُ أُمُّ مُوسَى، كُنْ فِي دَعَةِ اَلله وَسِتْرِهِ وَكَنَفِهِ وَجِوَارِهِ»، وَقَالَ (عليه السلام):

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٧) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٧/ ح ٣١٩).
(١٨٨) الكافي (ج ١/ ص ٣٢٨/ باب الإشارة والنصِّ إلى صاحب الدار (عليه السلام)/ ح ٣)؛ ورواه المفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٨)، وأبو الصلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٢٧)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٣٤/ ح ٢٠٣).

↑صفحة ١٢٦↑

«رُدِّيهِ إِلَى أُمِّهِ، يَا عَمَّةِ، وَاُكْتُمِي خَبَرَ هَذَا اَلمَوْلُودِ عَلَيْنَا، وَلَا تُخْبِرِي بِهِ أَحَداً حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ»، قَالَتْ: فَأَتَيْتُ أُمَّهُ، وَوَدَّعْتُهُمْ(١٨٩).
وذكرت (رضي الله عنها) أنَّها انصرفت إلى منزلها، ثمّ عادت بعد ثلاثة أيَّام اشتياقاً لوليِّ الله (عجَّل الله فرجه)، فلم ترَ أثراً، ولا سمعت ذكراً، وكرهت أنْ تسأل. ولـمَّا دخلت على الإمام الحسن (عليه السلام) كرهت أنْ تبدأه بالسؤال أدباً وحياءً، فبدأها قائلاً: «هُوَ يَا عَمَّةِ فِي كَنَفِ اَلله وَحِرْزِهِ وَسِتْرِهِ وَغَيْبِهِ حَتَّى يَأْذَنَ اَللهُ لَهُ، فَإِذَا غَيَّبَ اَللهُ شَخْصِي وَتَوَفَّانِي وَرَأَيْتِ شِيعَتِي قَدِ اِخْتَلَفُوا فَأَخْبِرِي اَلثقات مِنْهُمْ، وَلْيَكُنْ عِنْدَكِ وَعِنْدَهُمْ مَكْتُوماً، فَإِنَّ وَلِيَّ اَلله يُغَيِّبُهُ اَللهُ عَنْ خَلْقِهِ وَيَحْجُبُهُ عَنْ عِبَادِهِ، فَلَا يَرَاهُ أَحَدٌ»(١٩٠).
الخلاصة:
والخلاصة التي أفدناها في هذا البحث من أحاديث المعصومين الثلاثة عشر بدءاً من الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وانتهاءً إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) بإضافة فاطمة الزهراء (عليها السلام) خامسة المطهَّرين من أهل الكساء، تتمثَّل بإيجاز بما يلي:
أوَّلاً: أنَّ المهدي المنتظَر هو الإمام محمّد بن الحسن العسكري (عجَّل الله فرجه)، الثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، وهو ما قدَّمنا الدليل عليه أيضاً في البحث الأوَّل من خلال حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المتَّفق على صحَّته الذي ينصُّ على أنَّ الأئمَّة من بعده اثنا عشر، بتحليله نظريًّا، واتِّساقه مع أحاديث أُخرى، وبتطابقه مع الواقع.
وبذلك يتَّضح لنا أنَّه لا يوجد بين الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وبين آبائه الأحد عشر من أوصياء الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وشهود رسالته انقطاع كما تفترضه النظريَّة الأُخرى؛ لأنَّ ذلك يعني أنْ يوجد بعدئذٍ مَنْ له خصائص الإمامة من العصمة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٩) الغيبة للطوسي (ص ٢٣٨/ ح ٢٠٦).
(١٩٠) الغيبة للطوسي (ص ٢٣٦ و٢٣٧/ ح ٢٠٤).

↑صفحة ١٢٧↑

العلميَّة والعمليَّة، والتأييد بالملائكة، والرتبة التي تجعل المسيح (عليه السلام) يُصلِّي خلفه كما ورد في روايات البحث الأوَّل والثاني، وذلك ما هو غير معقول بحكم تحديد الأئمَّة باثني عشر إماماً كما مرَّ، وبحكم أنَّ الثقلين لن يفترقا حتَّى يردا عليه الحوض، ولا شكَّ أنَّ الانقطاع افتراق واقعي وخلوّ من الإمام المعصوم الممثِّل لثاني الثقلين.
ثانياً: تحدَّث المعصومون الثلاثة عشر (عليهم السلام) في الأحاديث المتواترة عنهم والتي أوردنا أمثلة منها في هذا البحث عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، اسماً وأباً وأُمًّا وصفةً، ونبَّهوا إلى ما ستفرضه ظروف التقيَّة بالنسبة للإمامين الحسن وابنه المهدي (عليهما السلام) من السلطة العبَّاسيَّة ومن جعفر الكذَّاب من إخفاء ولادة الإمام وغيبته إلَّا عن الخاصَّة. وأشاروا إلى أنَّ ذلك إنَّما هو خشيةً من اغتياله، ولذلك حرَّموا ذكر اسمه، وأنَّهم إذا ما أرادوا أنْ يذكروه فعليهم أنْ يقولوا: (الحجَّة من آل محمّد)، ولذلك - يبدو لي - أنَّ هذا التحريم لا يتناول ما وراء الغيبة الصغرى.
وأشاروا إلى بعض نُوَّابه ووثَّقوهم كما بالنسبة لعثمان بن سعيد وولده أبي جعفر محمّد كما سيأتي.
ثالثاً: نبَّهوا إلى أنَّ له غيبة طويلة كبرى يُمتحَن فيها المؤمنون، ويُزلزَلوا زلزالاً حتَّى يرتدَّ عن الاعتقاد به بعض منهم، وذلك بسبب خروج هذه الغيبة عن المعتاد طبيعيًّا في العمر الإنساني، ولعدم ربطها بالمشيئة الإلهيَّة التي لا تخضع لقانون هو مَنْ وضعها أصلاً، وعدم استيعاب الحكمة منها.
وحاولوا التنظير في الأُمور الثلاثة، أعني إخفاء ولادته وغيبته الصغرى والكبرى، بما حدث في تاريخ الأنبياء (عليهم السلام) كموسى وإبراهيم ويوسف ونوح وبالخضر (عليهم السلام)، وتحدَّثوا عن زمن الإمام لدى قرب الظهور، وعلاماته العامَّة والخاصَّة، ومكان ظهوره وعاصمته وسياسته، كما سيأتي.

↑صفحة ١٢٨↑

رابعاً: أنَّ في هذه الأحاديث شاهداً مضافاً على صحَّة صدورها، هو أنَّها قد رُويت في كُتُب أصحاب الأئمَّة قبل ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بأكثر من مائتي سنة، وقد قرَّب الشيخ الصدوق (رحمه الله) دلالتها من هذه الناحية(١٩١).
وقد سبقه في ذلك الشيخ النعماني (رحمه الله) الذي أدرك عهد النُّوَّاب، فقال: (وإذا جاءت الروايات متَّصلة متواترة بمثل هذه الأشياء قبل كونها، وبحدوث هذه الحوادث قبل حدوثها، ثمّ حقَّقها العيان والوجود، فوجب أنْ تزول الشكوك عمَّن فتح الله قلبه ونوَّره وهداه وأضاء له بصره)(١٩٢).
وبذلك لا يكون خلافنا مع بعض إخواننا المسلمين من أهل السُّنَّة في تشخيص الإمام المهدي بالإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) عن هوى وتعصُّب لا يقوم على دليل - كما يرى بعضهم -، بل هو مفروض بالأدلَّة الثابتة لدينا ولديهم، كما مرَّ في البحث.

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩١) قد تقدَّم في (ص ١٠٣)، فراجع.
(١٩٢) الغيبة للنعماني (ص ٣٤٠ و٣٤١).

↑صفحة ١٢٩↑

البحث الثالث: أهل الكشف من الصوفيَّة يوافقون الإماميَّة في شأن المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)

مرَّ بك ما نقلناه في صدر البحث الأوَّل من قول ابن خلدون المتوفَّى (٨٠٨هـ/١٤٠٦م)، في مقدَّمة تاريخه: (وللمتصوِّفة المتأخِّرين في أمر هذا الفاطمي طريقة أُخرى، ونوع من الاستدلال، وربَّما يعتمدون في ذلك على الكشف الذي هو أصل طرائقهم)(١٩٣).
وأشرنا - في الهامش هناك - إلى أنَّ ابن خلدون لم يكن دقيقاً في نسبة ما للصوفيَّة من رأي واستدلال إلى المتأخِّرين منهم، وأجمل ذكر رأيهم ولم يُبيِّن لنا موضوعه في قضيَّة فيها أكثر من جهة.
والحقيقة أنَّ المتأخِّرين كالمتقدِّمين منهم تحقَّقوا قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لا من حيث أصل موضوعه العامِّ كإمام منتظَر، بل من حيث شخصه وولادته وغيبته وحياته المستمرَّة، وكما هو رأي الإماميَّة، والدليل على ذلك:
أوَّلاً: أنَّ الحافظ الفقيه المحدِّث أبا بكر محمّد بن الحسين البيهقي الشافعي المتوفَّى سنة (٤٥٨هـ/ ١٠٦٦م) صاحب (السُّنَن)، والذي سبق ابن خلدون بثلاثة قرون وأربعين عاماً ذكر رأي الإماميَّة في أنَّ المهدي الموعود وُلِدَ يوم الجمعة منتصف شعبان سنة (٢٥٥هـ)، وأنَّه الملقَّب بالحجَّة القائم المنتظَر، وأنَّه محمّد بن الحسن العسكري (عليه السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٣) تاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٣١١).

↑صفحة ١٣٠↑

قال: (ووافقهم عليه جماعة من أهل الكشف)(١٩٤).
ومن الواضح أنَّ البيهقي إنَّما ينقل عمَّن تقدَّمه أو عاصره، ولا يُدخِل أُولئك هؤلاء في التاريخ المتأخِّر لهم.
ثانياً: ذكر بعض المعروفين في تاريخ التصوُّف ممَّن هم من أهل السُّنَّة من المسلمين أصلاً - من حيث مذاهبهم الفقهيَّة ونشأتهم - في مؤلَّفاتهم المنشورة المتداولة، آراءهم وآراء بعض المشايخ المعروفين في تاريخ التصوُّف بالصورة التي تُؤكِّد ما ذكرناه.
وسنذكر - في ما سيأتي - آراء بعض منهم للمثل، ونشير إلى آراء بعضهم الآخر.
وربَّما أشكل بعضهم عليَّ بأنَّ استشهادي بأهل الكشف يناقض ما أراه وما أُدلِّل عليه في فصل قادم من أنَّ الكشف اسم خادع مضلِّل ليس فقط، لأنَّه ادِّعاء إلَّا بالنسبة لصاحبه، وأنَّه ليس خاصًّا بالأولياء بصورته العامَّة ليكون دليلاً على القرب من الله، بل يحدث لدى الملحد والبرهمي واليهودي والمسيحي والملتزم والمتحلِّل، كما تثبت ذلك دراسات الباراسايكولوجيا وكُتُب العارفين من الصوفيَّة(١٩٥)، وأنَّه كثيراً ما يختلط لدى بعضهم مع حالات الهذيان والهلوسة(١٩٦)، أو بما يُعرَف بظواهر المسِّ والاستحواذ من قِبَل كائنات شيطانيَّة أو منحطَّة من الجنِّ أو الموتى من الإنس(١٩٧) التي تُوحي وتُصوِّر لمن ابتلى بها ما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٤) أبهى المداد (ج ٢/ ص ٥٦٧)، عن شُعَب الإيمان.
(١٩٥) غيث المواهب العليَّة في شرح الحِكَم العطائيَّة (ص ١٧١ - ١٧٤)، الباراسايكولوجيا سرٌّ من أسرار الدولة (ص ٧ - ١٥)، ما بعد الحياة (ص ٩٣ - ٩٥).
(١٩٦) ميادين علم النفس (الاضطرابات الكبرى) (ص ٤٠٥ و٤٠٦).
(١٩٧) على أطلال العالم المادِّي (ج ٢/ ص ١٠٦ و١٠٧)، الروحيَّة عند ابن عربي (ص ٥٠٠ وما بعدها).

↑صفحة ١٣١↑

شاءت، وقد سجَّل علماء الروحيَّة الحديثة وعلماء الأمراض العقليَّة كثيراً من شواهدها المؤسفة.
وقد يكون الكشف أحياناً ليس إلَّا خلقاً للصورة في الخارج بواسطة الهمَّة أو الخيال لدى أقوياء الإرادة والتركيز من أصحاب الخلوات واليوغيِّين والسحرة(١٩٨)، أو ممَّا يحصل بالاستحضار والاستخدام وما يشبه(١٩٩)؛ ولذلك فالمكشوف بما يُسمَّى الكشف ليس الحقيقة دائماً، بل قد يكون ما هو خلافها، ولذلك فلا تقوم به حجَّة. وهو ما أيَّدته النصوص عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام) كما سيأتي.
والجواب: أنَّ ذلك كلَّه صحيح، وهو ما سأذكر بعضاً من شواهده في الجزء الثاني الخاصِّ بأدعياء المهدويَّة والبابيَّة.
ولكن الصحيح أيضاً أنَّ ذلك لا يعني نفي الكشف، ونفي وجود الصحيح فيه، وإنَّما يعني عدم عصمته، ولذلك ينبغي أنْ نتحرز في ما لا نجد له شاهداً يُثبِته من العقل والنقل الثابت ومن الواقع، فنرفض ما خالفها بخاصَّة إذا كان ممَّا يتَّصل بجوانب من العقيدة أو التشريع. أمَّا حين يكون مطابقاً لأحد رأيين في الإسلام، فيأتي مضافاً لقوَّة دليل أحدها كشف يُؤيِّد هذا الرأي من شخص ليس هذا الرأي من مذهبه أصلاً، بل هو ممَّا يخالفه، وأنَّ هذا الشخص لم يترك هذا المذهب أيضاً جملةً، بل في مسألة أو أُخرى لها دليلها وراء كشفه كما في مسألتنا، فإنَّه خليق بالإصغاء إليه، بخاصَّة إذا كان معروفاً بمكانته في هذا العالم ومتَّبعاً فيه، فإنَّه يكون حجَّة عليه وعلى من اتَّبعه ووثَّقه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٨) نصوص الحِكَم (ص ١٥٧) التعليقات.
(١٩٩) السرُّ المكتوم (ص ١٩ و٢٠).

↑صفحة ١٣٢↑

أمَّا نحن فإنَّ اعتمادنا في الأساس ليس عليه في هذه المسألة، وإنَّما نسوقه لما ذكرنا، وتأكيداً، فلا إشكال.
فمن هؤلاء:
١ - الشيخ محيي الدِّين أبو عبد الله محمّد بن عليِّ بن عربي الطائي الأندلسي المتوفَّى سنة (٦٣٨هـ) في ما نقله الشيخ عبد الوهَّاب الشعراني المتوفَّى سنة (٩٧٣هـ) والشيخ محمّد الصبَّان المتوفَّى سنة (١٢٠٦هـ) عن (الفتوحات المكّيَّة/ الباب ٣٦٦)، ولا يوجد بعض ما نقلاه - كنسب الإمام إلى الحسين (عليه السلام) - في الطبعات المتداولة كطبعة دار الكُتُب العربيَّة بمصر، وطبعة دار صادر في بيروت، فإذا صحَّ ما نقلاه فلابدَّ من أنْ تكون هاتان الطبعتان محرَّفتين في تاريخ متأخِّر.
قال الشيخ ابن عربي: (واعلموا أنَّه لابدَّ من خروج المهدي (عليه السلام)، لكن لا يخرج حتَّى تمتلئ الأرض جوراً وظلماً فيملؤها قسطاً وعدلاً، ولو لم يكن من الدنيا إلَّا يوم واحد طوَّل الله تعالى ذلك اليوم حتَّى يلي ذلك الخليفة، وهو من عترة رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) من ولد فاطمة (رضي الله عنها)، جدُّه الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، والده حسن العسكري بن الإمام عليٍّ النقي بن محمّد التقي بن الإمام عليٍّ الرضا بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمّد الباقر بن الإمام زين العابدين عليِّ بن الإمام الحسين بن الإمام عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، يواطئ اسمه اسم رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)).
إلى أنْ يقول: (أسعد الناس به أهل الكوفة...، يبيد الظلم وأهله، ويقيم الدِّين، وينفخ الروح في الإسلام، يعزُّ الله به الإسلام بعد ذلِّه، ويُحييه بعد موته، يضع الجزية، ويدعو إلى الله بالسيف، فمن أبى قُتِلَ، ومن نازعه خُذِلَ، يُظهِر من

↑صفحة ١٣٣↑

الدِّين ما هو عليه في نفسه حتَّى لو كان رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) حيًّا لحكم به، فلا يبقى في زمانه إلَّا الدِّين الخالص عن الرأي)(٢٠٠).
٢ - الشيخ سعد الدِّين محمّد بن المؤيّد أبو الحسين بن محمّد بن حمويه المعروف بالشيخ سعد الدِّين الحموي، من أكابر سادة علماء الصوفيَّة، كان معاصراً لابن عربي، وابن الفارض، أسلم السلطان غازان محمود خان على يد ولده صدر الدِّين إبراهيم سنة (٦٥٤هـ).
قال المولى عزيز الدِّين عمر بن محمّد بن أحمد النسفي المعروف بصاحب (العقائد النسفيَّة) المشهورة في رسالته في تحقيق (النبوَّة والولاية) أنَّه حُكي عن الشيخ سعد الدِّين الحموي ما حاصله: أنَّ الوليَّ لم يكن قبل الإسلام، وإنْ كان في كلِّ دين صاحب شريعة ودعاة إلى دينه، لكن الدعاة يُسَمُّون أنبياء لا أولياء، فلمَّا بلغت النبوَّة إلى نبيِّنا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «لَا نَبِيَّ بَعْدِي» يدعو إلى ديني، والذين يأتون بعدي يُسَمُّون بالأولياء، والله تعالى جعل اثني عشر نفساً في دين محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نُوَّابه، و«العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ»، قاله (عليه السلام) في حقِّهم، وكذا قوله: «عُلَمَاءُ أُمَّتِي كِأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ»، قاله في حقِّهم. وعند الشيخ (يعني الشيخ سعد الدِّين) الوليُّ في أُمَّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليس أزيد من هؤلاء الاثني عشر، وآخر الأولياء - وهو الثاني عشر - هو المهدي صاحب الزمان (عليه السلام)(٢٠١).
٣ - أبو المواهب الشيخ عبد الوهَّاب بن أحمد بن عليٍّ الشعراني المتوفَّى سنة (٩٦٠هـ)، وهو من الشهرة والمكانة في تاريخ التصوُّف حالاً وتأليفاً بحيث لا يحتاج إلى تعريف.
قال في بيان أنَّ جميع أشراط الساعة التي أخبرنا بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حقٌّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٠) اليواقيت والجواهر (ج ٢/ص ٥٦٢ و٥٦٣/المبحث ٦٥)، إسعاف الراغبين (ص ٥٥).
(٢٠١) عنه كشف الأستار (ص ٨٦).

↑صفحة ١٣٤↑

لابدَّ أنْ تقع كلُّها قبل قيام الساعة، وضرب مثلاً بخروج الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، إلى أنْ قال: (وهو من أولاد الإمام حسن العسكري، ومولده (عليه السلام) ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين. وهو باقٍ إلى أنْ يجتمع بعيسى بن مريم (عليه السلام)، فيكون عمره إلى وقتنا هذا وهو سنة ثمان وخمسين وتسعمائة، سبعمائة سنة وستّ سنين. هكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي المدفون فوق كوم الريش المطلّ على بركة الرطل بمصر المحروسة عن الإمام المهدي (عليه السلام) حين اجتمع به، ووافقه على ذلك شيخنا سيِّدي عليٌّ الخوَّاص)(٢٠٢).
٤ - الحافظ محمّد بن محمّد بن محمود البخاري، المعروف بخواجه بارسا من أعيان علماء الحنفيَّة، وأكابر مشايخ النقشبنديَّة (ت ٨٢٢هـ)، قال في (فصل الخطاب): (وأبو محمّد الحسن العسكري ولده محمّد (رضي الله عنهما)، معلوم عند خاصَّة خواصِّ أصحابه وثقات أهله)، ثمّ ذكر حديث حكيمة وحكاية المعتضد وبعض علائم ظهوره، إلى أنْ قال: (والأخبار في ذلك أكثر من أنْ تُحصى، ومناقب المهدي (رضي الله عنه) صاحب الزمان الغائب عن الأعيان الموجود في كلِّ زمان كثيرة، وتظاهرت الأخبار عن ظهوره، وإشراق نوره، يُجدِّد الشريعة المحمّديَّة، ويجاهد في الله حقَّ جهاده، ويُطهِّر من الأدناس أقطار البلاد، زمانه زمان المتَّقين، وأصحابه خلصوا من الريب وسلموا من العيب وأخذوا بهديه وطريقه واهتدوا من الحقِّ إلى تحقيقه، به خُتِمَت الخلافة والإمامة، وهو الإمام من لدن مات أبوه إلى يوم القيامة، وعيسى (عليه السلام) يُصلِّي خلفه، ويُصدِّقه على دعواه)(٢٠٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٢) اليواقيت والجواهر (ج ٢/ ص ٥٦١ و٥٦٢)، عنه إسعاف الراغبين (ص ٥٥)، والبرهان على وجود صاحب الزمان (ص ١٣٥ و١٣٦)، ومنتخب الأثر (ج ٢/ هامش ص ٣٨١ و٣٨٢).
(٢٠٣) عنه كشف الأستار (ص ٥٧ - ٥٩).

↑صفحة ١٣٥↑

٥ - نور الدِّين عبد الرحمن بن أحمد بن قوام الدِّين الجامي الحنفي الشاعر الصوفي المعروف وصاحب (شرح الكفاية)، فقد ذكر في كتابه (شواهد النبوَّة) أنَّ الحجَّة محمّد بن الحسن الإمام الثاني عشر هو المهدي المنتظَر الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، وتحدَّث عن غرائب حالة ولادته، وبعض معاجزه، وروى خبر حكيمة بنت الإمام الجواد (عليه السلام)، وفيه أنَّه حين وُلِدَ (عجَّل الله فرجه) جثا على ركبتيه ورفع سبَّابته إلى السماء، وعطس فقال: «الحَمْدُ لِله رَبِّ العَالَمِينَ».
وذكر خبر من دخل على أبيه الإمام الحسن (عليه السلام) وسأله عن الخلف بعده، فدخل الدار ثمّ خرج وقد حمل طفلاً كأنَّه البدر في ليلة تمامه ابن ثلاث سنين فقال: «يا فلان لولا كرامتك على الله لما أريتك هذا الولد، اسمه اسم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكنيته كنيته، هو الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»، وخبر من دخل وفي البيت ستر مسدل، وحين سأل عن الخلف أُمِرَ برفع الستر، فرأى الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)... إلخ(٢٠٤).
٦ - القاضي شهاب الدِّين بن شمس الدِّين الدولة آبادي، الملقَّب بمَلِك العلماء، ومؤلِّف تفسير (البحر الموَّاج) و(مناقب السادات) بالفارسيَّة، والمتوفَّى سنة (٨٤٦هـ)، ذكر في كتابه (هداية السعداء) أسماء الأئمَّة الاثني عشر، ونقل حديث اللوح عن جابر عن فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وهو يتضمَّن النصَّ على إمامتهم، وقال - وهو يذكر الإمام الثاني عشر محمّد بن الحسن (عجَّل الله فرجه) -: (هو غائب، وله عمر طويل كما عمَّر بين المؤمنين عيسى وإلياس والخضر، وفي الكافرين الدجَّال والسامري)(٢٠٥).
٧ - الشيخ العارف عبد الرحمن من مشايخ الصوفيَّة، صاحب كتاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٤) عنه كشف الأستار (ص ٥٣ - ٥٧).
(٢٠٥) عنه كشف الأستار (ص ٧٠ و٧١).

↑صفحة ١٣٦↑

(مرآة الأسرار)، وهو الذي ينقل عنه الشاه وليُّ الله الدهلوي والد الشاه عبد العزيز مؤلِّف (التحفة الاثني عشريَّة)، وكتاب (الانتباه في سلاسل أولياء الله).
قال في كتاب (مرآة الأسرار) لدى الحديث عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ما ترجمته: (ذكر من هو شمس الدِّين والدولة، من هو هادي جميع الملَّة والدولة، من هو قائم في المقام المطهَّر الأحمدي، الإمام بالحقِّ أبو القاسم محمّد بن الحسن المهدي (رضي الله عنه)، وهو الإمام الثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، أُمُّه كانت أُمُّ ولد اسمها نرجس، ولادته ليلة الخامس عشر من شهر شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين(٢٠٦) في سُرَّ من رأى المعروفة بسامرَّة، وهذا الإمام الثاني عشر موافق في الكنية والاسم لحضرة ملجأ الرسالة (عليه السلام)، ألقابه الشريفة: المهدي، والحجَّة، والقائم، والمنتظَر، وصاحب الزمان، وخاتم الاثني عشر. وصاحب الزمان في وقت وفاة والده الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) كان عمره خمس سنين، وجلس على مسند الإمامة، وكما أعطى الحقُّ تعالى حضرة يحيى بن زكريَّا (عليهما السلام) في حال الطفوليَّة الحكمة والكرامة وأوصل عيسى بن مريم (عليهما السلام) في زمن الصبا إلى المرتبة العالية، كذلك هو في صغر السِّنِّ جعله الله إماماً، وخوارق العادات الظاهرة له ليست قليلة بحيث يسعها هذا المختصر)، وأشار إلى ما ذكره الشيخ محيي الدِّين بن عربي في (الفتوحات)، وملَّا عبد الرحمن الجامي في (شواهد النبوَّة).
وقال: (وحيث يظهر المهدي يجعل الولاية المطلقة ظاهرة بلا خفاء، ويرفع اختلاف المذاهب والظلم وسوء الأخلاق، حيث إنَّ أوصافه الحميدة في الأحاديث النبويَّة وردت بأنَّ المهدي في آخر الزمان يظهر ظهوراً تامًّا، ويُطهِّر تمام الربع المسكون من الجور والظلم).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٦) وذكر رواية أُخرى أنَّها في (٢٣) رمضان.

↑صفحة ١٣٧↑

قال: (إذا كان الدجَّال القبيح الأفعال قد وُجِدَ وظهر وبقى حيًّا مخفيا، وكذلك حضرة عيسى (عليه السلام) وُجِدَ واختفى عن الخلق، فإذا كان ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الإمام محمّد المهدي بن الحسن العسكري (عليهما السلام) اختفى عن نظر العوامِّ ويظهر جهارا في وقته المعيَّن له الموافق للتقدير الإلهي مثل عيسى (عليه السلام) والدجَّال، فليس ذلك بعجب من أقوال جماعة من الأكابر ومن أقوال وأوامر أئمَّة أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم))(٢٠٧).
٨ - الشيخ تقي الدِّين ابن أبي منصور، قال في عقيدته على ما نقله الشعراني عند الحديث عن علامات القيام: (فهناك يُترقَّب خروج المهدي (عليه السلام)، وهو من أولاد الإمام الحسن العسكري)(٢٠٨).
٩ - المولوي عليّ أكبر بن أسد الله المؤودي من علماء الصوفيَّة المعروفين في الهند، له كتاب (المكاشفات) الذي جعله كالحاشية على كتاب (نفحات الأُنس) للجامي.
وفي حاشيته المتضمِّنة ترجمة عليِّ بن سهل بن الأزهر، ناقش قول من رأى أنَّ العصمة خاصَّة بالأنبياء، مستشهداً بالحديث الذي نقله ابن عربي عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّ المهدي يقفو أثري لا يُخطئ.
ثمّ ذكر أنَّ الشعراني نقل في (اليواقيت/ المبحث ٤٥)، عن أبي الحسن الشاذلي أنَّ للقطب خمس عشرة علامة، منها أنْ يُمَدَّ بمدد العصمة والرحمة والخلافة والنيابة ومدد حملة العرش، ويُكشَف له عن حقيقة الذات وإحاطة الصفات.
قال: (فبهذا صحَّ مذهب من ذهب إلى كون غير النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معصوماً،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٧) عنه البرهان على وجود صاحب الزمان (عليه السلام) (ص ١٢٥ و١٢٦).
(٢٠٨) اليواقيت والجواهر (ج ٢/ ص ٥٦٢/ المبحث ٦٥).

↑صفحة ١٣٨↑

ومن قيَّد العصمة في زمرة معدودة ونفاها عن غير تلك الزمرة فقد سلك مسلكاً آخر، وله أيضاً وجه يعلمه من علمه).
وأضاف: (فإنَّ الحكم بكون المهدي الموعود (رضي الله عنه) موجوداً، وهو كان قطباً بعد أبيه الحسن العسكري (عليهما السلام)، كما كان هو قطباً بعد أبيه إلى الإمام عليِّ بن أبي طالب (كرَّمنا الله بوجودهم)، يشير إلى صحَّة تلك الرتبة في وجوداتهم من حين كان القطبيَّة في وجود جدِّه عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) إلى أنْ تتمَّ فيه).
قال: (وقد ذكر ذلك عن الشيخ صاحب اليواقيت وعن غيره أيضاً (رضي الله عنه وعنهم)، فلابدَّ أنْ يكون لكلِّ إمام من الأئمَّة الاثني عشر عصمة).
وعقَّب بقوله: (خذ هذه الفائدة)(٢٠٩).
وذكر ابن خلدون: ابن قسي، وعبد الحقِّ بن سبعين، وابن أبي واصل، وأنَّهم يرونه خاتم الأولياء(٢١٠).
ونقل الحافظ الشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي النقشبندي المتوفَّى سنة (١٢٩٤هـ) في الأبواب (٨٤) و(٨٥) و(٨٦) من كتابه (ينابيع المودَّة، عدداً من أسماء بعض المحدِّثين وبعض مشايخ الصوفيَّة وعلماء أسرار الحروف الذين يؤمنون بأنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هو الثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، ومن هؤلاء عدا من ذكرناهم: الشيخ العطَّار النيسابوري، وشمس الدِّين التبريزي، وجلال الدِّين الرومي، والسيِّد نعمة الله الوليّ، والسيِّد النسيمي، والشيخ كمال الدِّين محمّد بن طلحة الحلبي الشافعي، والشيخ صلاح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٩) عنه كشف الأستار (ص ٧٩ - ٨١).
(٢١٠) تاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٣٢٣ و٣٢٤).

↑صفحة ١٣٩↑

الدِّين الصفدي، والمحدِّث الفقيه محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي، والشيخ المحدِّث الفقيه محمّد بن إبراهيم الجويني الشافعي(٢١١).
وذكر غيره عدداً آخر، منهم: ابن الصبَّاغ المالكي في (الفصول المهمَّة)، وسبط ابن الجوزي في (تذكرة الخواصِّ)، والفضل بن روزبهان، وابن الخشَّاب عبد الله بن أحمد، وصدر الدِّين القونوي، وآخرون يمكن التعرُّف عليهم في المراجع أدناه(٢١٢).

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١١) ينابيع المودَّة (ج ٣/ ص ٣٤ و٣٤٨/ باب ٨٦).
(٢١٢) البرهان على وجود صاحب الزمان (ص ٩٥ - ١٣٨)، منتخب الأثر (ج ٢/ هامش ص ٣٧١ - ٣٩٣).

↑صفحة ١٤٠↑

الفصل الثاني: ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وغيبته الصغرى

البحث الأوَّل: إخفاء ولادته (عجَّل الله فرجه) وغيبته الصغرى.
البحث الثاني: اضطلاعه (عجَّل الله فرجه) بالإمامة طفلاً.
البحث الثالث: نوَّابه (عجَّل الله فرجه)، وبعض توقيعاته.

↑صفحة ١٤١↑

البحث الأوَّل: إخفاء ولادته (عجَّل الله فرجه) وغيبته الصغرى

١ - إخفاء ولادته (عجَّل الله فرجه):
فسح إخفاء أمر ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) إلَّا عن الخاصَّة المجال ليثير بعضهم التشكيك بولادته أصلاً، ومن هؤلاء عمُّه جعفر الكذَّاب.
ويكفي لدحض هذه الشبهة:
أوَّلاً: ما ورد من الروايات المتواترة المبشِّرة به، والتي أثبتنا في البحث الثاني من الفصل الأوَّل أمثلة منها.
ثانياً: التنبيه المتقدِّم من المعصومين (عليهم السلام) على أنَّ ولادته ستخفى تقيَّةً، خشيةً عليه من عمِّه جعفر الكذَّاب من جهة، ومن السلطة الحاكمة من جهة أُخرى.
ومنها ما ذكرناه في البحث الثاني من الفصل السابق من رواية عن الإمام الحسن السبط (عليه السلام)، قال فيها: «فَإِنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) يُخْفِي وِلَادَتَهُ، وَيُغَيِّبُ شَخْصَهُ»(٢١٣).
وما ورد عن الإمام الحسين (عليه السلام) في الحديث عن المهدي (عجَّل الله فرجه)، فقد قال: «هُوَ صَاحِبُ الغَيْبَةِ، وَهُوَ الَّذِي يُقْسَمُ مِيرَاثُهُ وَهُوَ حَيٌّ»(٢١٤).
وما ورد عن الإمام عليِّ بن الحسين (عليه السلام)، فقد قال (عليه السلام): «كَأَنِّي بِجَعْفَرٍ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٣) قد تقدَّم في (ص ١٠٧)، فراجع.
(٢١٤) قد تقدَّم في (ص ١٠٧)، فراجع.

↑صفحة ١٤٣↑

الكَذَّابِ وَقَدْ حَمَلَ طَاغِيَةَ زَمَانِهِ عَلَى تَفْتِيشِ أَمْرِ وَلِيِّ اللهِ وَالمُغَيَّبِ فِي حِفْظِ اللهِ وَالتَّوْكِيلِ بِحَرَمِ أَبِيهِ جَهْلاً مِنْهُ بِوِلَادَتِهِ»(٢١٥).
وكالرواية الثالثة عن الإمام محمّد الباقر (عليه السلام)، وقد ذكر أنَّ في المهدي (عجَّل الله فرجه) بعضاً من سُنَن الأنبياء السابقين، إلى أنْ قال: «وَأَمَّا شَبَهُهُ مِنْ مُوسَى (عليه السلام) فَدَوَامُ خَوْفِهِ، وَطُولُ غَيْبَتِهِ، وَخَفَاءُ وِلَادَتِهِ»(٢١٦).
والرواية الثالثة عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، قال: «وَهُوَ الَّذِي يَشُكُّ النَّاسُ فِي وِلَادَتِهِ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ حَمْلٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ غَائِبٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَا وُلِدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: وُلِدَ قَبْلَ وَفَاةِ أَبِيهِ بِسَنَتَيْنِ»(٢١٧).
وقال (عليه السلام) في الرواية السادسة: «إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَدَارَ لِلْقَائِمِ مِنَّا ثَلَاثَةً أَدَارَهَا فِي ثَلَاثَةٍ مِنَ الرُّسُلِ (عليهم السلام)، قَدَّرَ مَوْلِدَهُ تَقْدِيرَ مَوْلِدِ مُوسَى (عليه السلام)، وَقَدَّرَ غَيْبَتَهُ تَقْدِيرَ غَيْبَةِ عِيسَى (عليه السلام)، وَقَدَّرَ إِبْطَاءَهُ تَقْدِيرَ إِبْطَاءِ نُوحٍ (عليه السلام)، وَجَعَلَ لَهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عُمُرَ العَبْدِ الصَّالِحِ - أَعْنِي الخَضِرَ (عليه السلام) - دَلِيلاً عَلَى عُمُرِهِ»، فَقُلْنَا لَهُ: اكْشِفْ لَنَا يا بن رَسُولِ اللهِ عَنْ وُجُوهِ هَذِهِ المَعَانِي.
قَالَ (عليه السلام): «أَمَّا مَوْلِدُ مُوسَى (عليه السلام) فَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَـمَّا وَقَفَ عَلَى أَنَّ زَوَالَ مُلْكِهِ عَلَى يَدِهِ أَمَرَ بِإِحْضَارِ الكَهَنَةِ، فَدَلُّوهُ عَلَى نَسَبِهِ، وَأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَزَلْ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِشَقِّ بُطُونِ الحَوَامِلِ مِنْ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى قَتَلَ فِي طَلَبِهِ نَيِّفاً وَعِشْرِينَ ألفَ مَوْلُودٍ، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الوُصُولُ إِلَى قَتْلِ مُوسَى (عليه السلام) بِحِفْظِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِيَّاهُ، وَكَذَلِكَ بَنُو أُمَيَّةَ وَبَنُو العَبَّاسِ لَـمَّا وَقَفُوا عَلَى أَنَّ زَوَالَ مُلْكِهِمْ وَمُلْكِ الأُمَرَاءِ وَالجَبَابِرَةِ مِنْهُمْ عَلَى يَدِ القَائِمِ مِنَّا نَاصَبُونَا العَدَاوَةَ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٥) قد تقدَّم في (ص ١٠٨ و١٠٩)، فراجع.
(٢١٦) قد تقدَّم في (ص ١١١)، فراجع.
(٢١٧) قد تقدَّم في (ص ١١٢)، فراجع.

↑صفحة ١٤٤↑

وَوَضَعُوا سُيُوفَهُمْ فِي قَتْلِ آلِ الرَّسُولِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَإِبَادَةِ نَسْلِهِ طَمَعاً مِنْهُمْ فِي الوُصُولِ إِلَى قَتْلِ القَائِمِ، وَيَأْبَى اللهُ (عزَّ وجلَّ) أَنْ يَكْشِفَ أَمْرَهُ لِوَاحِدٍ مِنَ الظَّلَمَةِ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ»(٢١٨).
وفي الرواية الثالثة عن الإمام الرضا (عليه السلام)، قال (عليه السلام) في إجابة لمن قال له: إِنَّا لَنَرْجُو أَنْ تَكُونَ صَاحِبَ هَذَا الأَمْرِ...: «مَا مِنَّا أَحَدٌ اخْتَلَفَتْ إِلَيْهِ الكُتُبُ، وَسُئِلَ عَنِ المَسَائِلِ، وَأَشَارَتْ إِلَيْهِ الأَصَابِعُ، وَحُمِلَتْ إِلَيْهِ الأَمْوَالُ إِلَّا اغْتِيلَ أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ حَتَّى يَبْعَثَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) لِهَذَا الأَمْرِ رَجُلاً خَفِيَّ المَوْلِدِ وَالمَنْشَإِ غَيْرَ خَفِيٍّ فِي نَسَبِهِ»(٢١٩).
وورد عن الإمام محمّد الجواد (عليه السلام) وهو يُجيب عن سؤال حول القائم (عجَّل الله فرجه)، قائلاً: «هُوَ الَّذِي تَخْفَى عَلَى النَّاسِ وِلَادَتُهُ، وَيَغِيبُ عَنْهُمْ شَخْصُهُ»(٢٢٠).
وهناك روايات أُخرى كثيرة بهذا المعنى.
ثالثاً: أنَّ إخفاء ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) كان نسبيًّا، فقد أراه أبوه الإمام الحسن (عليه السلام) لعدد كبير من شيعته، كما مرَّ في الروايات الواردة عنه من الثالثة حتَّى الثامنة، وكثير غيرها(٢٢١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٨) قد تقدَّم في (ص ١١٤)، فراجع.
(٢١٩) قد تقدَّم في (ص ١١٩)، فراجع.
(٢٢٠) قد تقدَّم في (ص ١٢١)، فراجع.
(٢٢١) راجع: الكافي (ج ١/ ص ٣٢٨ و٣٢٩/ باب الإشارة والنصِّ إلى صاحب الدار (عليه السلام)/ ح ٣ و٦، وص ٣٣٢/ باب في تسمية من رآه (عليه السلام)/ ح ١٢ و١٤)، وكمال الدِّين (ص ٣٨٤ و٣٨٥ و٣٨٤/ باب ٣٨/ ح ١ و٢، وص ٤٣٤ و٤٣٥ و٤٣٦ و٤٣٧/ باب ٤٣/ ح ١ و٢ و٤ و٥)، والغيبة للطوسي (ص ٢٣٣ - ٢٤٠/ ح ٢٠٢ - ٢٠٧، وص ٢٤٦ - ٢٤٨/ ح ٢١٦، وص ٢٥٠/ ح ٢١٩، وص ٢٧١ - ٢٧٣/ ح ٢٣٧، وص ٣٥٧/ ح ٣١٩).

↑صفحة ١٤٥↑

وعرَّفه ونصَّ على إمامته أمامهم، وأنَّه صاحب الزمان، كما في الرواية الثالثة عنه وروايات أُخرى، ومنها ما كان عند وفاته، كما عن إسماعيل بن عليٍّ النوبختي، وننقلها كما هي من دون تصرُّف، قال: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ ابْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) فِي اَلمَرْضَةِ اَلَّتِي مَاتَ فِيهَا وَأَنَا عِنْدَهُ، إِذْ قَالَ لِخَادِمِهِ عَقِيدٍ - وَكَانَ الخَادِمُ أَسْوَدَ نُوبِيًّا قَدْ خَدَمَ مِنْ قَبْلِهِ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ رَبَّى الحَسَنَ (عليه السلام) -، فَقَالَ لَهُ: «يَا عَقِيدُ، أَغْلِ لِي مَاءً بِمُصْطَكِي»، فَأَغْلَى لَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ بِهِ صَقِيلُ الجَارِيَةُ أُمُّ الخَلَفِ (عليه السلام)(٢٢٢)، فَلَمَّا صَارَ القَدَحُ فِي يَدَيْهِ وَهَمَّ بِشُرْبِهِ فَجَعَلَتْ يَدُهُ تَرْتَعِدُ حَتَّى ضَرَبَ القَدَحَ ثَنَايَا الحَسَنِ (عليه السلام)، فَتَرَكَهُ مِنْ يَدِهِ، وَقَالَ لِعَقِيدٍ: «اُدْخُلِ البَيْتَ فَإِنَّكَ تَرَى صَبِيًّا سَاجِداً فَأْتِنِي بِهِ».
قَالَ أَبُو سَهْلٍ: قَالَ عَقِيدٌ: فَدَخَلْتُ أَتَحَرَّى، فَإِذَا أَنَا بِصَبِيٍّ سَاجِدٍ رَافِعٍ سَبَّابَتَهُ نَحْوَ اَلسَّمَاءِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَأَوْجَزَ فِي صَلَاتِهِ، فَقُلْتُ: إِنَّ سَيِّدِي يَأْمُرُكَ بِالخُرُوجِ إِلَيْهِ، إِذَا جَاءَتْ أُمُّهُ صَقِيلُ فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ وَأَخْرَجَتْهُ إِلَى أَبِيهِ الحَسَنِ (عليه السلام)، قَالَ أَبُو سَهْلٍ: فَلَمَّا مَثُلَ اَلصَّبِيُّ بَيْنَ يَدَيْهِ سَلَّمَ، وَإِذَا هُوَ دُرِّيُّ اَللَّوْنِ، وَفِي شَعْرِ رَأْسِهِ قَطَطٌ، مُفَلَّجُ الأَسْنَانِ، فَلَمَّا رَآهُ الحَسَنُ (عليه السلام) بَكَى وَقَالَ: «يَا سَيِّدَ أَهْلِ بَيْتِهِ، اِسْقِنِي اَلمَاءَ فَإِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي»، وَأَخَذَ اَلصَّبِيُّ القَدَحَ اَلمَغْلِيَّ بِالمُصْطُكِيِّ بِيَدِهِ ثُمَّ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ ثُمَّ سَقَاهُ، فَلَمَّا شَرِبَهُ قَالَ: «هَيِّئُونِي لِلصَّلَاةِ»، فَطُرِحَ فِي حَجْرِهِ مِنْدِيلٌ، فَوَضَّأَهُ اَلصَّبِيُّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ وَقَدَمَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام): «أَبْشِرْ يَا بُنَيَّ، فَأَنْتَ صَاحِبُ اَلزَّمَانِ، وَأَنْتَ اَلمَهْدِيُّ، وَأَنْتَ حُجَّةُ اَللَّهِ عَلَى أَرْضِهِ، وَأَنْتَ وَلَدِي وَوَصِيِّي، وَأَنَا وَلَدْتُكَ، وَأَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام)، وَلَدَكَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَأَنْتَ خَاتَمُ الأَوْصِيَاءِ الأَئِمَّةِ اَلطَّاهِرِينَ، وَبَشَّرَ بِكَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٢) ذكروا لها اسمين آخرين: سوسن، ونرجس.

↑صفحة ١٤٦↑

رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَسَمَّاكَ وَكَنَّاكَ وَبِذَلِكَ عَهِدَ إِلَيَّ أَبِي عَنْ آبَائِكَ اَلطَّاهِرِينَ صَلَّى اَللهُ عَلَى أَهْلِ البَيْتِ رَبُّنَا، إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»، وَمَاتَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مِنْ وَقْتِهِ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ)(٢٢٣).
رابعاً: أرى الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) نفسه لعدد من شيعته في حياة أبيه، وأعلن لهم أنَّه حجَّة الله، وبقيَّته في أرضه.
ومن الروايات التي تفيد ذلك ما رواه الطوسي (رحمه الله) بسنده عن ظريف أبي نصر خادم الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، قال: دَخَلْتُ عَلَيْهِ - يَعْنِي صَاحِبَ اَلزَّمَانِ (عليه السلام) - فَقَالَ لِي: «عَلَيَّ بِالصَّنْدَلِ الأَحْمَرِ»، فَقَالَ: فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَقَالَ (عليه السلام): «أَتَعْرِفُنِي؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟»، فَقُلْتُ: أَنْتَ سَيِّدِي وَاِبْنُ سَيِّدِي، فَقَالَ: «لَيْسَ عَنْ هَذَا سَألتُكَ»، قَالَ ظَرِيفٌ: فَقُلْتُ: جَعَلَنِيَ اَللهُ فِدَاكَ، فَسِّرْ لِي، فَقَالَ: «أَنَا خَاتَمُ الأَوْصِيَاءِ، وَبِي يَدْفَعُ اَللهُ البَلَاءَ عَنْ أَهْلِي وَشِيعَتِي»(٢٢٤).
وفي بقيَّة الرواية الثالثة ممَّا أوردناه عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ذكر أحمد بن إسحاق الأشعري أنَّه حين جاء الإمام الحسن (عليه السلام) وعلى عاتقه ابنه، وهو ابن ثلاث سنين، فقال: «يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ، لَوْ لَا كَرَامَتُكَ عَلَى اللهِ (عزَّ وجلَّ) وَعَلَى حُجَجِهِ مَا عَرَضْتُ عَلَيْكَ ابْنِي هَذَا، إِنَّهُ سَمِيُّ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَكَنِيُّهُ...»، ثمّ حدَّثه عن غيبته.
قال أحمد: فَقُلْتُ لَهُ: يَا مَوْلَايَ، فَهَلْ مِنْ عَلَامَةٍ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا قَلْبِي؟ فَنَطَقَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٣) الغيبة للطوسي (ص ٢٧١ - ٢٧٣/ ح ٢٣٧).
(٢٢٤) الغيبة للطوسي (ص ٢٤٦/ ح ٢١٥)؛ ورواه الخصيبي (رحمه الله) في الهداية الكبرى (ص ٣٥٨)، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٦١)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٤٤١/ باب ٤٣/ ح ١٢)، والراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ١/ ص ٤٥٨/ ح ٣).

↑صفحة ١٤٧↑

الغُلَامُ (عليه السلام) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ فَصِيحٍ، فَقَالَ: «أَنَا بَقِيَّةُ اللهِ فِي أَرْضِهِ، وَالمُنْتَقِمُ مِنْ أَعْدَائِهِ، فَلَا تَطْلُبْ أَثَراً بَعْدَ عَيْنٍ يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ»(٢٢٥).
وعن نسيم خادم أبي محمّد (الحسن) (عليه السلام)، قالت: دَخَلْتُ عَلَى صَاحِبِ اَلزَّمَانِ (عليه السلام) بَعْدَ مَوْلِدِهِ بِعَشْرِ لَيَالٍ، فَعَطَسْتُ عِنْدَهُ، فَقَالَ: «يَرْحَمُكِ اَللهُ»، فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ... الرواية(٢٢٦).
وروى الطوسي (رحمه الله) عَنِ اَلسَّيَّارِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَسِيمٌ وَمَارِيَةُ، قَالَتَا: لَـمَّا خَرَجَ صَاحِبُ اَلزَّمَانِ (عليه السلام) مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ سَقَطَ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيْهِ، رَافِعاً سَبَّابَتَهُ نَحْوَ اَلسَّمَاءِ، ثُمَّ عَطَسَ فَقَالَ: «الحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اَللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ عَبْداً دَاخِراً لله غَيْرُ مُسْتَنْكِفٍ وَلَا مُسْتَكْبِرٍ»، ثُمَّ قَالَ: «زَعَمَتِ اَلظَّلَمَةُ أَنَّ حُجَّةَ اَلله دَاحِضَةٌ، وَلَوْ أَذِنَ لَنَا فِي الكَلَامِ لَزَالَ اَلشَّكُّ»(٢٢٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٥) كمال الدِّين (ص ٣٨٤ و٣٨٥/ باب ٣٨/ ح ١).
(٢٢٦) الغيبة للطوسي (ص ٢٣٢/ ح ٢٠٠)؛ وروى قريباً منه الخصيبي (رحمه الله) في الهداية الكبرى (ص ٣٥٨)، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٦١)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٤٣٠/ باب ٤٢/ ح ٥، وص ٤٤١/ باب ٤٣/ ح ١١)، والراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ١/ص ٤٦٥ و٤٦٦/ح ١١، وج ٢/ص ٦٩٣ و٦٩٤/ح ٧).
(٢٢٧) الغيبة للطوسي (ص ٢٤٤ و٢٤٥/ ح ٢١١)؛ ورواه الخصيبي (رحمه الله) في الهداية الكبرى (ص ٣٥٧ و٣٥٨)، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٦٠)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٤٣٠/ باب ٤٢/ ح ٥).
وروت نطقه بعد ولادته (عجَّل الله فرجه) العلويَّة الوليَّة الجليلة حكيمة بنت الإمام الجواد (عليه السلام)، قالت: قال له أبوه (عليه السلام) حين أخذته إليه: «يَا بُنَيَّ، اِنْطِقْ بِقُدْرَةِ اَلله»، فَاسْتَعَاذَ وَلِيُّ اَلله(عليه السلام) مِنَ اَلشَّيْطَانِ اَلرَّجِيمِ، وَاِسْتَفْتَحَ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القَصص: ٥ و٦]، وَصَلَّى عَلَى رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَعَلَى أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ وَالأَئِمَّةِ (عليهم السلام) وَاحِداً وَاحِداً حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى أَبِيهِ». (الغيبة للطوسي: ص ٢٣٤ - ٢٣٧/ ح ٢٠٤).

↑صفحة ١٤٨↑

وروى بسنده عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: وَجَّهَ قَوْمٌ مِنَ اَلمُفَوِّضَةِ وَاَلمُقَصِّرَةِ كَامِلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ اَلمَدَنِيَّ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، قَالَ كَامِلٌ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: أَسْأَلُهُ: لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ عَرَفَ مَعْرِفَتِي وَقَالَ بِمَقَالَتِي، قَالَ: فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)...، فذكر حديثاً إلى أنْ قال: فَسَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ إِلَى بَابٍ عَلَيْهِ سِتْرٌ مُرْخًى، فَجَاءَتِ اَلرِّيحُ، فَكَشَفَتْ طَرَفَهُ، فَإِذَا أَنَا بِفَتًى كَأَنَّهُ فِلْقَةُ قَمَرٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَرْبَعِ سِنِينَ أَوْ مِثْلِهَا، فَقَالَ لِي: «يَا كَامِلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ»، فَاقْشَعْرَرْتُ مِنْ ذَلِكَ وَالهِمْتُ أَنْ قُلْتُ: لَبَّيْكَ، يَا سَيِّدِي، فَقَالَ: «جِئْتَ إِلَى وَلِيِّ اَلله وَحُجَّتِهِ وَبَابِهِ تَسْأَلُهُ: هَلْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ عَرَفَ مَعْرِفَتَكَ وَقَالَ بِمَقَالَتِكَ؟»، فَقُلْتُ: إِي وَاَلله، قَالَ: «إِذَنْ وَاَلله يَقِلُّ دَاخِلُهَا، وَاَلله إِنَّهُ لَيَدْخُلُهَا قَوْمٌ يُقَالُ لَهُمُ: الحَقِّيَّةُ»، قُلْتُ: يَا سَيِّدِي، وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: «قَوْمٌ مِنْ حُبِّهِمْ لِعَلِيٍّ يَحْلِفُونَ بِحَقِّهِ وَلَا يَدْرُونَ مَا حَقُّهُ وَفَضْلُهُ»، ثُمَّ سَكَتَ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِ) عَنِّي سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «وَجِئْتَ تَسْأَلُهُ عَنْ مَقَالَةِ اَلمُفَوِّضَةِ، كَذَبُوا، بَلْ قُلُوبُنَا أَوْعِيَةٌ لِمَشِيَّةِ اَلله، فَإِذَا شَاءَ شِئْنَا، وَاَللهُ يَقُولُ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]»، ثُمَّ رَجَعَ اَلسِّتْرُ إِلَى حَالَتِهِ، فَلَمْ أَسْتَطِعْ كَشْفَهُ، فَنَظَرَ إِلَيَّ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام) مُتَبَسِّماً، فَقَالَ: «يَا كَامِلُ، مَا جُلُوسُكَ وَقَدْ أَنْبَأَكَ بِحَاجَتِكَ الحُجَّةُ مِنْ بَعْدِي؟»، فَقُمْتُ وَخَرَجْتُ، وَلَمْ أُعَايِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ(٢٢٨).
وأظهر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) البرهان على إمامته بين يدي أبيه وبأمره بحضور سعد بن عبد الله القمِّي وأحمد بن إسحاق، من خلال الإخبارات الغيبيَّة المفصَّلة والإجابات العلميَّة المحكمة(٢٢٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٨) الغيبة للطوسي (ص ٢٤٦ - ٢٤٨/ ح ٢١٦)؛ ورواه الخصيبي (رحمه الله) في الهداية الكبرى (ص ٣٥٩)، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٦١ و٢٦٢)، والطبري الشيعي (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٥٠٥ و٥٠٦/ ح ٤٩١/٩٥).
(٢٢٩) راجع: كمال الدِّين (ص ٤٥٤ - ٤٦٥/ باب ٤٣/ ح ٢١)، ودلائل الإمامة (ص ٥٠٦ - ٥١٧/ ح ٤٩٢/٩٦).

↑صفحة ١٤٩↑

وإذا كان في ما ذكرناه من الأدلَّة وما سيأتي مضافاً إليها ما يكفي لدحض ما أُثير من تشكيك بعضهم بولادته ووجوده، فإنَّ أمراً آخر يبقى مثاراً للتشكيك لدى الكثيرين، وهو أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) استمرَّ طوال مدَّة إمامته غائباً بصورة عامَّة عن شيعته إلَّا عن الخاصَّة منهم، وهو ما سنتحدَّث عنه وعن أسبابه في هذه الفقرة.
٢- الغيبة الصغرى:
والغيبة الصغرى تتَّصل بإخفاء ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) من حيث أسبابها المرتبطة بظروف التقيَّة، فهي امتداد لا أكثر، والفصل بينهما في العنوان ليس إلَّا لمناقشة التشكيك بولادته، ولأنَّها مرحلة ما قبل إمامته الفعليَّة زمنيًّا، أي في حياة أبيه (عليه السلام)، فالحديث له بعض الخصوصيَّة من حيث صلته بهما معاً.
ولذلك فقراءة ما ذُكِرَ من أسباب إخفاء ولادته هو نفسه التفسير لأسباب غيبته الصغرى، وورد في البحث الثاني من الفصل الأوَّل ما يشير إليها، وبخاصَّة في الروايات الواردة عن آبائه (عليهم السلام)، وقد نظَّروا لها (عليهم السلام) بما حدث لبعض الأنبياء (عليهم السلام).
جاء في الحديث الثالث عن الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) المرويِّ عن محمّد بن مسلم: «إِنَّ فِي القَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) شَبَهاً مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ الرُّسُلِ»، وذكر منهم يوسف بن يعقوب، فقال (عليه السلام): «وَأَمَّا شَبَهُهُ مِنْ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ (عليهما السلام) فَالغَيْبَةُ مِنْ خَاصَّتِهِ وَعَامَّتِهِ، وَاخْتِفَاؤُهُ مِنْ إِخْوَتِهِ، وَإِشْكَالُ أَمْرِهِ عَلَى أَبِيهِ يَعْقُوبَ (عليه السلام) مَعَ قُرْبِ المَسَافَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ وَأَهْلِهِ وَشِيعَتِهِ»(٢٣٠).
وجاء في الحديث الرابع عن سدير، عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، قال: «إِنَّ فِي القَائِمِ شَبَهٌ مِنْ يُوسُفَ (عليه السلام)»، قُلْتُ: كَأَنَّكَ تَذْكُرُ خَبَرَهُ أَوْ غَيْبَتَهُ؟ فَقَالَ لِي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٠) قد تقدَّم في (ص ١١١)، فراجع.

↑صفحة ١٥٠↑

«مَا تُنْكِرُ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةُ أَشْبَاهُ...، إِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ كَانُوا أَسْبَاطاً أَوْلَادَ أَنْبِيَاءَ، تَاجَرُوا يُوسُفَ وَبَايَعُوهُ وَهُمْ إِخْوَتُهُ وَهُوَ أَخُوهُمْ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ حَتَّى قَالَ لَهُمْ: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾، فَمَا تُنْكِرُ هَذِهِ الأُمَّةُ أَنْ يَكُونَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) فِي وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ يُرِيدُ أَنْ يَسْتُرَ حُجَّتَهُ...» الحديث(٢٣١).
وهناك روايات أُخرى كثيرة في هذا الموضوع نذكر منها بعض ما نُصَّ فيها على أنَّ له غيبتين: قصيرة، وطويلة.
روى النعماني (رحمه الله) بسنده عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (الصادق) (عليه السلام): «لِلْقَائِمِ غَيْبَتَانِ، إِحْدَاهُمَا قَصِيرَةٌ، وَالأُخْرَى طَوِيلَةٌ، الغَيْبَةُ الأُولَى لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِهِ فِيهَا إِلَّا خَاصَّةُ شِيعَتِهِ، وَالأُخْرَى لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِهِ فِيهَا إِلَّا خَاصَّةُ مَوَالِيهِ فِي دِينِهِ»(٢٣٢).
وبسنده عَنِ المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ غَيْبَتَيْنِ، يَرْجِعُ فِي إِحْدَاهُمَا إِلَى أَهْلِهِ، وَالأُخْرَى يُقَالُ: هَلَكَ، فِي أَيِّ وَادٍ سَلَكَ؟»، قُلْتُ: كَيْفَ نَصْنَعُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ؟ قَالَ: «إِنِ ادَّعَى مُدَّعٍ فَاسْأَلُوهُ عَنْ تِلْكَ العَظَائِمِ الَّتِي يُجِيبُ فِيهَا مِثْلُهُ»(٢٣٣).
وبسنده عَنِ المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ الجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله الصَّادِقِ (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ غَيْبَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا تَطُولُ حَتَّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ: مَاتَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: قُتِلَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: ذَهَبَ، فَلَا يَبْقَى عَلَى أَمْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَّا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣١) قد تقدَّم في (ص ١١٣)، فراجع.
(٢٣٢) الغيبة للنعماني (ص ١٧٥/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٢)؛ ورواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ص ٣٤٠/باب في الغيبة/ح ١٩).
(٢٣٣) الغيبة للنعماني (ص ١٧٨/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٩)؛ ورواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح ٢٠).

↑صفحة ١٥١↑

نَفَرٌ يَسِيرٌ، لَا يَطَّلِعُ عَلَى مَوْضِعِهِ أَحَدٌ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ إِلَّا المَوْلَى الَّذِي يَلِي أَمْرَهُ»(٢٣٤).
وروى بسنده عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «يَفْتَقِدُ النَّاسُ إِمَاماً، يَشْهَدُ المَوَاسِمَ، يَرَاهُمْ وَلَا يَرَوْنَهُ»(٢٣٥).
وبسنده عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِلْقَائِمِ غَيْبَتَيْنِ، يَرْجِعُ فِي إِحْدَاهُمَا، وَفِي الأُخْرَى لَا يُدْرَى أَيْنَ هُوَ، يَشْهَدُ المَوَاسِمَ، يَرَى النَّاسَ وَلَا يَرَوْنَهُ»(٢٣٦).
وبسنده عَنِ المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ - يَعْنِي أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) -: «قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ البَاقِرُ (عليهما السلام): إِذَا قَامَ القَائِمُ (عليه السلام) قَالَ: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾»(٢٣٧).
وبهذه الروايات نرى أنَّ السرَّ وراء هذه الغيبة هو التقيَّة، وأنَّها غيبة نسبيَّة لا مطلقة، وقد أحصوا ممَّن رآه في هذه الغيبة (٣٠٤ ثلاثمائة وأربعة) أشخاص من شيعته(٢٣٨).
وسنُقدِّم في ما يأتي بعض الأمثلة ممَّن رآه ورأى دلائل إمامته في الغيبة الصغرى، وسنذكر هذه الأمثلة ممَّن رآه من غير النُّوَّاب الأربعة الذين سنتحدَّث عنهم في البحث التالي، وسنسوق ممَّا أوردوه هنا أربع روايات بأُسلوب أصحابها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٤) الغيبة للنعماني (ص ١٧٦/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٥)؛ ورواه الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٦١/ ح ٦٠، وص ١٦١ و١٦٢/ ح ١٢٠).
(٢٣٥) الغيبة للنعماني (ص ١٨٠/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ١٣).
(٢٣٦) الغيبة للنعماني (ص ١٨١/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ١٥).
(٢٣٧) الغيبة للنعماني (ص ١٨٠/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ١٢)؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٢٨ و٣٢٩/ باب ٣٢/ ح ١٠).
(٢٣٨) منتخب الأثر (ج ٢/ ص ٤٧٧ - ٤٨٣).

↑صفحة ١٥٢↑

من دون تصرُّف لبيان ما ذكرناه من كون هذه الغيبة نسبيَّة، وأنَّ الاتِّصال به لم يقتصر على النُّوَّاب الأربعة (رضوان الله عليهم)، وإنَّما حصل لعدد كبير أشرنا إليه آنفاً، وأنَّ من هؤلاء من شهد البرهان على إمامته.
١ - روى الصدوق (رحمه الله) بسنده عن أَبِي الأَدْيَانِ، قَالَ: كُنْتُ أَخْدُمُ الحَسَنَ ابْنَ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام)، وَأَحْمِلُ كُتُبَهُ إِلَى الأَمْصَارِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فِي عِلَّتِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ)، فَكَتَبَ مَعِي كُتُباً، وَقَالَ: «امْضِ بِهَا إِلَى المَدَائِنِ، فَإِنَّكَ سَتَغِيبُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً، وَتَدْخُلُ إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى يَوْمَ الخَامِسَ عَشَرَ، وَتَسْمَعُ الوَاعِيَةَ فِي دَارِي، وَتَجِدُنِي عَلَى المُغْتَسَلِ»، قَالَ أَبُو الأَدْيَانِ: فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَمَنْ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَبَكَ بِجَوَابَاتِ كُتُبِي فَهُوَ القَائِمُ مِنْ بَعْدِي»، فَقُلْتُ: زِدْنِي، فَقَالَ: «مَنْ يُصَلِّي عَلَيَّ فَهُوَ القَائِمُ بَعْدِي»، فَقُلْتُ: زِدْنِي، فَقَالَ: «مَنْ أَخْبَرَ بِمَا فِي الهِمْيَانِ فَهُوَ القَائِمُ بَعْدِي»، ثُمَّ مَنَعَتْنِي هَيْبَتُهُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَمَّا فِي الهِمْيَانِ.
وَخَرَجْتُ بِالكُتُبِ إِلَى المَدَائِنِ، وَأَخَذْتُ جَوَابَاتِهَا، وَدَخَلْتُ سُرَّ مَنْ رَأَى يَوْمَ الخَامِسَ عَشَرَ كَمَا ذَكَرَ لِي (عليه السلام)، فَإِذَا أَنَا بِالوَاعِيَةِ فِي دَارِهِ، وَإِذَا بِهِ عَلَى المُغْتَسَلِ، وَإِذَا أَنَا بِجَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ أَخِيهِ بِبَابِ الدَّارِ وَالشِّيعَةُ مِنْ حَوْلِهِ يُعَزُّونَهُ وَيُهَنُّونَهُ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنْ يَكُنْ هَذَا الإِمَامُ فَقَدْ بَطَلَتِ الإِمَامَةُ، لِأَنِّي كُنْتُ أَعْرِفُهُ يَشْرَبُ النَّبِيذَ، وَيُقَامِرُ فِي الجَوْسَقِ، وَيَلْعَبُ بِالطُّنْبُورِ(٢٣٩)، فَتَقَدَّمْتُ فَعَزَّيْتُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٩) يستغرب بعضهم أنْ يكون ابن إمام ثمّ يرتكب مثل هذه المعاصي، ولهؤلاء نذكر أنَّ العصمة خاصَّة بأهل العصمة من الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام)، وطبيعة الاختيار لدى الإنسان لا تستثني من إمكان الوقوع في المعصية سواهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: ٢٦)، ومثلها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (آل عمران: ٢١)، وقوله تعالى: ﴿وَبارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ (الصافَّات: ١١٣)، وسبق أنْ ذكرنا مثل ابن نوح وإخوة يوسف.

↑صفحة ١٥٣↑

وَهَنَّيْتُ، فَلَمْ يَسْألنِي عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ خَرَجَ عَقِيدٌ فَقَالَ: يَا سَيِّدِي، قَدْ كُفِّنَ أَخُوكَ، فَقُمْ وَصَلِّ عَلَيْهِ، فَدَخَلَ جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ وَالشِّيعَةُ مِنْ حَوْلِهِ يَقْدُمُهُمُ السَّمَّانُ وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَتِيلُ المُعْتَصِمِ المَعْرُوفُ بِسَلَمَةَ، فَلَمَّا صِرْنَا فِي الدَّارِ إِذَا نَحْنُ بِالحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) عَلَى نَعْشِهِ مُكَفَّناً، فَتَقَدَّمَ جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ لِيُصَلِّيَ عَلَى أَخِيهِ، فَلَمَّا هَمَّ بِالتَّكْبِيرِ خَرَجَ صَبِيٌّ بِوَجْهِهِ سُمْرَةٌ، بِشَعْرِهِ قَطَطٌ، بِأَسْنَانِهِ تَفْلِيجٌ، فَجَبَذَ بِرِدَاءِ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ وَقَالَ: «تَأَخَّرْ يَا عَمِّ فَأَنَا أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَى أَبِي»، فَتَأَخَّرَ جَعْفَرٌ، وَقَدِ ارْبَدَّ وَجْهُهُ وَاصْفَرَّ، فَتَقَدَّمَ الصَّبِيُّ وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ قَبْرِ أَبِيهِ (الهادي) (عليهما السلام)، ثُمَّ قَالَ (يعني الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)): «يَا بَصْرِيُّ، هَاتِ جَوَابَاتِ الكُتُبِ الَّتِي مَعَكَ»، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ بَيِّنَتَانِ، بَقِيَ الهِمْيَانُ (يعني العلامة الثالثة)، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ يَزْفِرُ، فَقَالَ لَهُ حَاجِزٌ الوَشَّاءُ: يَا سَيِّدِي، مَنِ الصَّبِيُّ؟ لِنُقِيمَ الحُجَّةَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ، وَلَا أَعْرِفُهُ.
فَنَحْنُ جُلُوسٌ إِذْ قَدِمَ نَفَرٌ مِنْ قُمَّ، فَسَأَلُوا عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، فَعَرَفُوا مَوْتَهُ، فَقَالُوا: فَمَنْ نُعَزِّي؟ فَأَشَارَ النَّاسُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَعَزَّوْهُ وَهَنَّوْهُ، وَقَالُوا: إِنَّ مَعَنَا كُتُباً وَمَالاً، فَتَقُولُ مِمَّنِ الكُتُبُ، وَكَمِ المَالُ (وذلك اختباراً لإمامته)، فَقَامَ يَنْفُضُ أَثْوَابَهُ وَيَقُولُ: تُرِيدُونَ مِنَّا أَنْ نَعْلَمَ الغَيْبَ.
قَالَ: فَخَرَجَ الخَادِمُ (يعني خادم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه))، فَقَالَ: مَعَكُمْ كُتُبُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَهِمْيَانٌ فِيهِ ألفُ دِينَارٍ وَعَشَرَةُ دَنَانِيرَ مِنْهَا مَطْلِيَّةٌ، فَدَفَعُوا إِلَيْهِ الكُتُبَ وَالمَالَ وَقَالُوا: الَّذِي وَجَّهَ بِكَ لِأَخْذِ ذَلِكَ هُوَ الإِمَامُ(٢٤٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٠) كمال الدِّين (ص ٤٧٥ و٤٧٦/ باب ٤٣/ ذيل الحديث ٢٥).

↑صفحة ١٥٤↑

٢ - وروى الصدوق (رحمه الله) بسنده عن أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ سِنَانٍ المَوْصِلِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: لَـمَّا قُبِضَ سَيِّدُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ العَسْكَرِيُّ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا) وَفَدَ مِنْ قُمَّ وَالجِبَالِ وُفُودٌ بِالأَمْوَالِ الَّتِي كَانَتْ تُحْمَلُ عَلَى الرَّسْمِ وَالعَادَةِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ خَبَرُ وَفَاةِ الحَسَنِ (عليه السلام)، فَلَمَّا أَنْ وَصَلُوا إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى سَأَلُوا عَنْ سَيِّدِنَا الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، فَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّهُ قَدْ فُقِدَ، فَقَالُوا: وَمَنْ وَارِثُهُ؟ قَالُوا: أَخُوهُ جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ، فَسَأَلُوا عَنْهُ، فَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّهُ قَدْ خَرَجَ مُتَنَزِّهاً، وَرَكِبَ زَوْرَقاً فِي دِجْلَةَ يَشْرَبُ وَمَعَهُ المُغَنُّونَ، قَالَ: فَتَشَاوَرَ القَوْمُ، فَقَالُوا: هَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ صِفَةِ الإِمَامِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: امْضُوا بِنَا حَتَّى نَرُدَّ هَذِهِ الأَمْوَالَ عَلَى أَصْحَابِهَا. فَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ القُمِّيُّ: قِفُوا بِنَا حَتَّى يَنْصَرِفَ هَذَا الرَّجُلُ وَنَخْتَبِرَ أَمْرَهُ بِالصِّحَّةِ.
قَالَ: فَلَمَّا انْصَرَفَ (يعني جعفر) دَخَلُوا عَلَيْهِ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: يَا سَيِّدَنَا، نَحْنُ مِنْ أَهْلِ قُمَّ، وَمَعَنَا جَمَاعَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ وَغَيْرِهَا، وَكُنَّا نَحْمِلُ إِلَى سَيِّدِنَا أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الأَمْوَالَ، فَقَالَ: وَأَيْنَ هِيَ؟ قَالُوا: مَعَنَا، قَالَ: احْمِلُوهَا إِلَيَّ، قَالُوا: لَا، إِنَّ لِهَذِهِ الأَمْوَالِ خَبَراً طَرِيفاً، فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالُوا: إِنَّ هَذِهِ الأَمْوَالَ تُجْمَعُ وَيَكُونُ فِيهَا مِنْ عَامَّةِ الشِّيعَةِ الدِّينَارُ وَالدِّينَارَانِ، ثُمَّ يَجْعَلُونَهَا فِي كِيسٍ وَيَخْتِمُونَ عَلَيْهِ، وَكُنَّا إِذَا وَرَدْنَا بِالمَالِ عَلَى سَيِّدِنَا أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «جُمْلَةُ المَالِ كَذَا وَكَذَا دِينَاراً، مِنْ عِنْدِ فُلَانٍ كَذَا، وَمِنْ عِنْدِ فُلَانٍ كَذَا» حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى أَسْمَاءِ النَّاسِ كُلِّهِمْ، وَيَقُولُ مَا عَلَى الخَوَاتِيمِ مِنْ نَقْشٍ، فَقَالَ جَعْفَرٌ: كَذَبْتُمْ، تَقُولُونَ عَلَى أَخِي مَا لَا يَفْعَلُهُ، هَذَا عِلْمُ الغَيْبِ وَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ.
قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ القَوْمُ كَلَامَ جَعْفَرٍ جَعَلَ بَعْضُهُمْ يَنْظُرُ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ لَهُمْ: احْمِلُوا هَذَا المَالَ إِلَيَّ، قَالُوا: إِنَّا قَوْمٌ مُسْتَأْجِرُونَ وُكَلَاءُ لِأَرْبَابِ المَالِ، وَلَا نُسَلِّمُ المَالَ إِلَّا بِالعَلَامَاتِ الَّتِي كُنَّا نَعْرِفُهَا مِنْ سَيِّدِنَا الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، فَإِنْ كُنْتَ الإِمَامَ فَبَرْهِنْ لَنَا وَإِلَّا رَدَدْنَاهَا إِلَى أَصْحَابِهَا، يَرَوْنَ فِيهَا رَأْيَهُمْ.

↑صفحة ١٥٥↑

وتذكر الرواية أنَّ جعفراً شكاهم إلى الخليفة، ولـمَّا أمرهم بتسليم المال إليه ذكروا له عذرهم السابق، فقبله منهم، وقال: القَوْمُ رُسُلٌ، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا البَلَاغُ المُبِينُ﴾ [النور: ٥٤].
وَلَـمَّا أَنْ خَرَجُوا مِنَ البَلَدِ خَرَجَ إِلَيْهِمْ غُلَامٌ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهاً، كَأَنَّهُ خَادِمٌ، فَنَادَى: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، وَيَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، أَجِيبُوا مَوْلَاكُمْ، قَالَ: فَقَالُوا: أَنْتَ مَوْلَانَا؟ قَالَ: مَعَاذَ اللهِ، أَنَا عَبْدُ مَوْلَاكُمْ، فَسِيرُوا إِلَيْهِ، قَالُوا: فَسِرْنَا إِلَيْهِ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا دَارَ مَوْلَانَا الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، فَإِذَا وَلَدُهُ القَائِمُ سَيِّدُنَا (عليه السلام) قَاعِدٌ عَلَى سَرِيرٍ كَأَنَّهُ فِلْقَةُ قَمَرٍ، عَلَيْهِ ثِيَابٌ خُضْرٌ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْنَا السَّلَامَ، ثُمَّ قَالَ: «جُمْلَةُ المَالِ كَذَا وَكَذَا دِينَاراً، حَمَلَ فُلَانٌ كَذَا، وَحَمَلَ فُلَانٌ كَذَا»، وَلَمْ يَزَلْ يَصِفُ حَتَّى وَصَفَ الجَمِيعَ. ثُمَّ وَصَفَ ثِيَابَنَا وَرِحَالَنَا وَمَا كَانَ مَعَنَا مِنَ الدَّوَابِّ، فَخَرَرْنَا سُجَّداً لِلهِ (عزَّ وجلَّ) شُكْراً لِمَا عَرَّفَنَا، وَقَبَّلْنَا الأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَسَألنَاهُ عَمَّا أَرَدْنَا فَأَجَابَ، فَحَمَلْنَا إِلَيْهِ الأَمْوَالَ، وَأَمَرَنَا القَائِمُ (عليه السلام) أَنْ لَا نَحْمِلُ إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى بَعْدَهَا شَيْئاً مِنَ المَالِ، فَإِنَّهُ يَنْصِبُ لَنَا بِبَغْدَادَ رَجُلاً يَحْمِلُ إِلَيْهِ الأَمْوَالَ وَيَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِ التَّوْقِيعَاتُ، قَالُوا: فَانْصَرَفْنَا مِنْ عِنْدِهِ، وَدَفَعَ إِلَى أَبِي العَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ القُمِّيِّ الحِمْيَرِيِّ شَيْئاً مِنَ الحَنُوطِ وَالكَفَنِ، فَقَالَ لَهُ: «أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ فِي نَفْسِكَ»، قَالَ: فَمَا بَلَغَ أَبُو العَبَّاسِ عَقَبَةَ هَمْدَانَ حَتَّى تُوُفِّيَ (رحمه الله).
وذكرت الرواية: أنَّ الأموال كانت تُحمَل بعد ذلك إلى النُّوَّاب المنصوبين من قِبَله (عجَّل الله فرجه)(٢٤١).
٣ - روى الصدوق (رحمه الله) بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قَنْبَرَ الكَبِيرِ مَوْلَى الرِّضَا (عليه السلام)، قَالَ: خَرَجَ صَاحِبُ الزَّمَانِ عَلَى جَعْفَرٍ الكَذَّابِ مِنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤١) كمال الدِّين (ص ٤٧٦ - ٤٧٩/ باب ٤٣/ ح ٢٦)؛ ورواه ابن حمزة (رحمه الله) في الثاقب في المناقب (ص ٦٠٨ - ٦١١/ ح ٥٥٥/٣).

↑صفحة ١٥٦↑

مَوْضِعٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ عِنْدَمَا نَازَعَ فِي المِيرَاثِ بَعْدَ مُضِيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَقَالَ لَهُ: «يَا جَعْفَرُ، مَا لَكَ تَعَرَّضُ فِي حُقُوقِي؟»، فَتَحَيَّرَ جَعْفَرٌ وَبُهِتَ، ثُمَّ غَابَ عَنْهُ، فَطَلَبَهُ جَعْفَرٌ بَعْدَ ذَلِكَ فِي النَّاسِ فَلَمْ يَرَهُ، فَلَمَّا مَاتَتِ الجَدَّةُ أُمُّ الحَسَنِ أَمَرَتْ أَنْ تُدْفَنَ فِي الدَّارِ، فَنَازَعَهُمْ وَقَالَ: هِيَ دَارِي لَا تُدْفَنُ فِيهَا، فَخَرَجَ (عليه السلام) فَقَالَ: «يَا جَعْفَرُ أَدَارُكَ هِيَ؟»، ثُمَّ غَابَ عَنْهُ فَلَمْ يَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ(٢٤٢).
٤ - روى الطوسي (رحمه الله) بسنده عَنْ حَبِيبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ بْنِ شَاذَانَ اَلصَّنْعَانِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ الأَهْوَازِيِّ، فَسَألتُهُ عَنْ آلِ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: يَا أَخِي، لَقَدْ سَألتَ عَنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ، حَجَجْتُ عِشْرِينَ حِجَّةً كُلًّا أَطْلُبُ بِهِ عِيَانَ الإِمَامِ فَلَمْ أَجِدْ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلاً، فَبَيْنَا أَنَا لَيْلَةً نَائِمٌ فِي مَرْقَدِي إِذْ رَأَيْتُ قَائِلاً يَقُولُ: يَا عَلِيَّ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، قَدْ أَذِنَ اَلله لَكَ فِي الحَجِّ، فَلَمْ أَعْقِلْ(٢٤٣) لَيْلَتِي حَتَّى أَصْبَحْتُ فَأَنَا مُفَكِّرٌ فِي أَمْرِي أَرْقُبُ اَلمَوْسِمَ لَيْلِي وَنَهَارِي.
فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ اَلمَوْسِمِ أَصْلَحْتُ أَمْرِي، وَخَرَجْتُ مُتَوَجِّهاً نَحْوَ اَلمَدِينَةِ، فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ حَتَّى دَخَلْتُ يَثْرِبَ، فَسَألتُ عَنْ آلِ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَلَمْ أَجِدْ لَهُ أَثَراً وَلَا سَمِعْتُ لَهُ خَبَراً، فَأَقَمْتُ مُفَكِّراً فِي أَمْرِي حَتَّى خَرَجْتُ مِنَ اَلمَدِينَةِ أُرِيدُ مَكَّةَ، فَدَخَلْتُ الجُحْفَةَ وَأَقَمْتُ بِهَا يَوْماً، وَخَرَجْتُ مِنْهَا مُتَوَجِّهاً نَحْوَ الغَدِيرِ، وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الجُحْفَةِ، فَلَمَّا أَنْ دَخَلْتُ اَلمَسْجِدَ صَلَّيْتُ وَعَفَّرْتُ وَاِجْتَهَدْتُ فِي اَلدُّعَاءِ وَاِبْتَهَلْتُ إِلَى اَلله لَهُمْ، وَخَرَجْتُ أُرِيدُ عُسْفَانَ، فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ حَتَّى دَخَلْتُ مَكَّةَ، فَأَقَمْتُ بِهَا أَيَّاماً أَطُوفُ البَيْتَ وَاِعْتَكَفْتُ.
فَبَيْنَا أَنَا لَيْلَةً فِي اَلطَّوَافِ إِذَا أَنَا بِفَتًى حَسَنِ الوَجْهِ، طَيِّبِ اَلرَّائِحَةِ، يَتَبَخْتَرُ فِي مِشْيَتِهِ، طَائِفٌ حَوْلَ البَيْتِ، فَحَسَّ قَلْبِي بِهِ، فَقُمْتُ نَحْوَهُ فَحَكَكْتُهُ، فَقَالَ لِي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٢) كمال الدِّين (ص ٤٤٢/ باب ٤٣/ ح ١٥).
(٢٤٣) تعبير عن شدَّة فرحه كأنَّه يقول: جُننت فرحاً.

↑صفحة ١٥٧↑

مِنْ أَيْنَ اَلرَّجُلُ؟ فَقُلْتُ: مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ، فَقَالَ: مِنْ أَيِّ العِرَاقِ؟ قُلْتُ: مِنَ الأَهْوَازِ، فَقَالَ لِي: تَعْرِفُ بِهَا الخَصِيبَ(٢٤٤)؟ فَقُلْتُ: رَحِمَهُ اَللهُ، دُعِيَ فَأَجَابَ، فَقَالَ: رَحِمَهُ اَللهُ، فَمَا كَانَ أَطْوَلَ لَيْلَتَهُ وَأَكْثَرَ تَبَتُّلَهُ وَأَغْزَرَ دَمْعَتَهُ، أَفَتَعْرِفُ عَلِيَّ بْنَ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ اَلمَازِيَارِ؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: حَيَّاكَ اَللهُ أَبَا الحَسَنِ، مَا فَعَلْتَ بِالعَلَامَةِ اَلَّتِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السلام)؟ فَقُلْتُ: مَعِي، قَالَ: أَخْرِجْهَا، فَأَدْخَلْتُ يَدِي فِي جَيْبِي فَاسْتَخْرَجْتُهَا، فَلَمَّا أَنْ رَآهَا لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ تَغَرْغَرَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ، وَبَكَى مُنْتَحِباً حَتَّى بَلَّ أَطْمَارَهُ، ثُمَّ قَالَ: أُذِنَ لَكَ الآنَ يا بن مَازِيَارَ، صِرْ إِلَى رَحْلِكَ وَكُنْ عَلَى أُهْبَةٍ مِنْ أَمْرِكَ حَتَّى إِذَا لَبِسَ اَللَّيْلُ جِلْبَابَهُ وَغَمَرَ اَلنَّاسَ ظَلَامُهُ سِرْ إِلَى شِعْبِ بَنِي عَامِرٍ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَانِي هُنَاكَ.
فَسِرْتُ إِلَى مَنْزِلِي، فَلَمَّا أَنْ أَحْسَسْتُ بِالوَقْتِ أَصْلَحْتُ رَحْلِي وَقَدَّمْتُ رَاحِلَتِي وَعَكَمْتُهُ شَدِيداً، وَحَمَلْتُ وَصِرْتُ فِي مَتْنِهِ، وَأَقْبَلْتُ مُجِدًّا فِي اَلسَّيْرِ حَتَّى وَرَدْتُ اَلشِّعْبَ، فَإِذَا أَنَا بِالفَتَى قَائِمٌ يُنَادِي: يَا أَبَا الحَسَنِ إِلَيَّ، فَمَا زِلْتُ نَحْوَهُ، فَلَمَّا قَرُبْتُ بَدَأَنِي بِالسَّلَامِ وَقَالَ لِي: سِرْ بِنَا يَا أَخِي، فَمَا زَالَ يُحَدِّثُنِي وَأُحَدِّثُهُ حَتَّى تَخَرَّقْنَا جِبَالَ عَرَفَاتٍ، وَسِرْنَا إِلَى جِبَالِ مِنًى، وَاِنْفَجَرَ الفَجْرُ الأَوَّلُ وَنَحْنُ قَدْ تَوَسَّطْنَا جِبَالَ اَلطَّائِفِ.
فَلَمَّا أَنْ كَانَ هُنَاكَ أَمَرَنِي بِالنُّزُولِ، وَقَالَ لِي: اِنْزِلْ فَصَلِّ صَلَاةَ اَللَّيْلِ، فَصَلَّيْتُ، وَأَمَرَنِي بِالوَتْرِ فَأَوْتَرْتُ، وَكَانَتْ فَائِدَةً مِنْهُ، ثُمَّ أَمَرَنِي بِالسُّجُودِ وَاَلتَّعْقِيبِ، ثُمَّ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَرَكِبَ وَأَمَرَنِي بِالرُّكُوبِ، وَسَارَ وَسِرْتُ مَعَهُ حَتَّى عَلَا ذِرْوَةَ اَلطَّائِفِ، فَقَالَ: هَلْ تَرَى شَيْئاً؟ قُلْتُ: نَعَمْ، أَرَى كَثِيبَ رَمْلٍ عَلَيْهِ بَيْتُ شَعْرٍ يَتَوَقَّدُ البَيْتُ نُوراً.
فَلَمَّا أَنْ رَأَيْتُهُ طَابَتْ نَفْسِي، فَقَالَ لِي: هُنَاكَ الأَمَلُ وَاَلرَّجَاءُ، ثُمَّ قَالَ: سِرْ بِنَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٤) في بعض المصادر: (الخطيب).

↑صفحة ١٥٨↑

يَا أَخِي، فَسَارَ وَسِرْتُ بِمَسِيرِهِ إِلَى أَنِ اِنْحَدَرَ مِنَ اَلذِّرْوَةِ وَسَارَ فِي أَسْفَلِهِ، فَقَالَ: اِنْزِلْ، فَهَاهُنَا يَذِلُّ كُلُّ صَعْبٍ، وَيَخْضَعُ كُلُّ جَبَّارٍ، ثُمَّ قَالَ: خَلِّ عَنْ زِمَامِ اَلنَّاقَةِ، قُلْتُ: فَعَلَى مَنْ أُخَلِّفُهَا؟ فَقَالَ: حَرَمُ القَائِمِ (عليه السلام) لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، فَخَلَّيْتُ مِنْ زِمَامِ رَاحِلَتِي، وَسَارَ وَسِرْتُ مَعَهُ إِلَى أَنْ دَنَا مِنْ بَابِ الخِبَاءِ، فَسَبَقَنِي بِالدُّخُولِ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقِفَ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَيَّ، ثُمَّ قَالَ لِي: اُدْخُلْ هَنَأَكَ اَلسَّلَامَةُ.
فَدَخَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِهِ جَالِسٌ، قَدِ اِتَّشَحَ بِبُرْدِهِ وَاِتَّزَرَ بِأُخْرَى، وَقَدْ كَسَرَ بُرْدَتَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَهُوَ كَأُقْحُوَانَةِ أُرْجُوَانٍ قَدْ تَكَاثَفَ عَلَيْهَا اَلنَّدَى وَأَصَابَهَا أَلَمُ الهَوَى، وَإِذَا هُوَ كَغُصْنِ بَانٍ أَوْ قَضِيبِ رَيْحَانٍ، سَمْحٌ سَخِيٌّ تَقِيٌّ نَقِيٌّ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ اَلشَّامِخِ، وَلَا بِالقَصِيرِ اَللَّازِقِ، بَلْ مَرْبُوعُ القَامَةِ، مُدَوَّرُ الهَامَةِ، صَلْتُ الجَبِينِ، أَزَجُّ الحَاجِبَيْنِ، أَقْنَى الأَنْفِ، سَهْلُ الخَدَّيْنِ، عَلَى خَدِّهِ الأَيْمَنِ خَالٌ كَأَنَّهُ فُتَاتُ مِسْكٍ عَلَى رَضْرَاضَةِ عَنْبَرٍ(٢٤٥).
فَلَمَّا أَنْ رَأَيْتُهُ بَدْأَتُهُ بِالسَّلَامِ، فَرَدَّ عَلَيَّ أَحْسَنَ مَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَشَافَهَنِي وَسَأَلَنِي عَنْ أَهْلِ العِرَاقِ، فَقُلْتُ: سَيِّدِي، قَدْ البِسُوا جِلْبَابَ اَلذِّلَّةِ، وَهُمْ بَيْنَ القَوْمِ أَذِلَّاءُ، فَقَالَ لِي: «يا بن اَلمَازِيَارِ، لَتَمْلِكُونَهُمْ كَمَا مَلَكُوكُمْ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ أَذِلَّاءُ»، فَقُلْتُ: سَيِّدِي، لَقَدْ بَعُدَ الوَطَنُ وَطَالَ اَلمَطْلَبُ، فَقَالَ: «يا بن اَلمَازِيَارِ، أَبِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَهِدَ إِلَيَّ أَنْ لَا أُجَاوِرَ قَوْماً غَضِبَ اَللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَلَهُمُ الخِزْيُ فِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٥) رواها الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٤٦٥ - ٤٧٠/ باب ٤٣/ ح ٢٣) بأطول ممَّا هي في رواية الطوسي (رحمه الله) هنا، وممَّا جاء في وصفه: «فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ مِثْلَ فِلْقَةِ قَمَرٍ، لَا بِالخَرِقِ وَلَا بِالبَزِقِ، وَلَا بِالطَّوِيلِ الشَّامِخِ وَلَا بِالقَصِيرِ اللَّاصِقِ، مَمْدُودَ القَامَةِ، صَلْتَ الجَبِينِ، أَزَجَّ الحَاجِبَيْنِ، أَدْعَجَ العَيْنَيْنِ، أَقْنَى الأَنْفِ، سَهْلَ الخَدَّيْنِ، عَلَى خَدِّهِ الأَيْمَنِ خَالٌ، فَلَمَّا أَنْ بَصُرْتُ بِهِ حَارَ عَقْلِي فِي نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ...» إلخ.

↑صفحة ١٥٩

اَلدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْكُنَ مِنَ الجِبَالِ إِلَّا وَعْرَهَا، وَمِنَ البِلَادِ إِلَّا عَفْرَهَا، وَاَللهُ مَوْلَاكُمْ أَظْهَرَ اَلتَّقِيَّةَ فَوَكَلَهَا بِي، فَأَنَا فِي اَلتَّقِيَّةِ إِلَى يَوْمٍ يُؤْذَنُ لِي فَأَخْرُجُ»، فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، مَتَى يَكُونُ هَذَا الأَمْرُ؟ فَقَالَ: «إِذَا حِيلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ سَبِيلِ الكَعْبَةِ، وَاِجْتَمَعَ اَلشَّمْسُ وَالقَمَرُ، وَاِسْتَدَارَ بِهِمَا الكَوَاكِبُ وَاَلنُّجُومُ»، فَقُلْتُ: مَتَى، يا بن رَسُولِ اَلله؟ فَقَالَ لِي: «فِي سَنَةِ كَذَا وَكَذَا تَخْرُجُ دَابَّةُ الأَرْضِ مِنْ بَيْنِ اَلصَّفَا وَاَلمَرْوَةِ، وَمَعَهُ عَصَا مُوسَى وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ، يَسُوقُ اَلنَّاسَ إِلَى اَلمَحْشَرِ».
قَالَ: فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ أَيَّاماً، وَأَذِنَ لِي بِالخُرُوجِ بَعْدَ أَنِ اِسْتَقْصَيْتُ لِنَفْسِي، وَخَرَجْتُ نَحْوَ مَنْزِلِي، وَاَلله لَقَدْ سِرْتُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الكُوفَةِ وَمَعِي غُلَامٌ يَخْدُمُنِي، فَلَمْ أَرَ إِلَّا خَيْراً، وَصَلَّى اَللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً(٢٤٦).

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٦) الغيبة للطوسي (ص ٢٦٣ - ٢٦٧/ ح ٢٢٨).

↑صفحة ١٦٠↑

البحث الثاني: اضطلاعه (عجَّل الله فرجه) بالإمامة طفلاً

والإجابة على ذلك:
أوَّلاً: أنَّ هذه المعلومات إنَّما نسوقها لذوي العقليَّة العلميَّة التي تطلب - حتَّى في مسألة تتَّصل بالمشيئة الإلهيَّة كالنبوَّة والإمامة - شواهد من الواقع على حصول ما يمكن أنْ يكون مثالاً يقاس عليه خارج تاريخ النبوَّة والإمامة، وإنْ لم يكن مطابقاً تماماً، فإنَّ وقوع ما يجاوز المستويات المعروفة في الذكاء والقدرة على الاستيعاب بالصورة التي يُرى الأمر فيها خارقاً بالمقاييس العلميَّة في عدد من الأطفال يصبح إشارة إلى تلك المواهب الإعجازيَّة الأسمى التي لا يشارك الرُّسُل والأئمَّة فيها أحد بحكم وظيفتهم كلسان معبِّر عن الله تعالى.
وقد ثبت بالفعل بالتسجيل والاختبار العلمي وجود أمثال هذه المواهب لدى بعض الأطفال في بلدان مختلفة من العالم بما فيها قطرنا العراقي في جوانب معيَّنة، وهو يعني إمكان وجودها بمستوى أشمل مع صلة بالله وتكليف منه سبحانه لدى الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام)، بل وقوعها بحكم الشواهد التاريخيَّة والآثار الفكريَّة والعلميَّة والتشريعيَّة المسجَّلة عنهم.
وقد ذكروا من تلك الأمثلة التي ساقوها للنبوغ المبكّر والخارق في الأطفال حالات، منها:
١ - كرستيان هينيكين:
من مدينة ليوبيك، ذكروا أنَّه وُلِدَ سنة (١٩٢١م)، وأنَّه تكلَّم بعد بضع

↑صفحة ١٦١↑

ساعات من ولادته، وأمكنه أنْ يُردِّد عبارات من الإنجيل بعد بلوغه اثني عشر شهراً، وحين بلغ الثانية من عمره كانت لديه معلومات عظيمة وبارعة في الجغرافيا، فتكلَّم اللَّاتينيَّة والفرنسيَّة في الثالثة من عمره، ودرس البحوث الفلسفيَّة العميقة في الرابعة.
٢ - انريكوس ايتيكيم:
الذي وُلِدَ في إحدى قرى ألمانيا، وبدأ يتكلَّم بكلِّ فصاحة في الشهر العاشر من عمره، وبعد شهرين تعلَّم أسفار موسى الخمسة، وفي الشهر الرابع تعلَّم العهدين القديم والحديث، وفي العام الثاني من عمره أتقن تاريخ الأقدمين، وقيل: إنَّه يعادل شيشرون في فصاحته باللَّاتينيَّة، وأظهر غلطاً في مؤلَّفات أكبر أُدباء فرنسا.
٣ - ابن الدكتور كلنش:
كان يُجيب - وعمره في الثانية عشرة - بدقة لا تخطئ على أسئلة متعمِّقة في القانون والتاريخ والجغرافيا والرياضيَّات وعلم الفلك. وعندما انتهى العلماء من اختباره كان التعب والإعياء قد أصابهم أكثر ممَّا أصاب الغلام الصغير.
٤ - وليم جيمس سبدبز:
من الولايات المتَّحدة، أمكنه أنْ يقرأ ويكتب وهو في الثانية من عمره، وحين بلغ الثامنة تكلَّم الفرنسية والروسيَّة والإنجليزيَّة والألمانيَّة وبعض اللَّاتينيَّة واليونانيَّة.
٥ - جون ستيوارت مل:
تعلَّم اليونانية وهو في الثالثة من عمره، وكتب موضوعاً في تاريخ روما وهو في السادسة والنصف، وقام بتدريس اللَّاتينيَّة وهو في الثامنة، ووضع مؤلَّفاً عن تاريخ الحكومة الرومانيَّة وهو في الحادية عشرة.

↑صفحة ١٦٢↑

٦ - جان فيليب باراتيير:
أتقن اليونانيَّة وهو في السادسة من عمره، فترجم التوراة الربَّانيَّة الكبيرة في أربعة مجلَّدات ضخمة، وأضاف إليها مجلَّداً آخر من الحواشي والمباحث، وعندما بلغ السابعة كان عضواً في سنودس أكليركي في برلين. وفي الرابعة عشرة من عمره حصل على الدكتوراه في الفلسفة. ولقد كان يجيد التحدُّث باللغات الألمانيَّة والفرنسيَّة واللَّاتينيَّة وهو في الرابعة من عمره.
٧ - توماس يونج:
تعلَّم القراءة وهو في الثانية من عمره، وكان يعرف وهو في الثامنة ستّ لغات.
٨ - الفتاة الهنديَّة شاكونتا لاديفي:
من بنجالور الهند التي لم تدخل المدرسة، ظهرت لديها موهبة في الرياضيَّات وهي في الخامسة من عمرها، ثمّ تطوَّرت في السابعة فأذهلت أساتذة الرياضيَّات في حلِّ المسائل الحسابيَّة المعقَّدة وبأسرع من الحاسوب، وقد زارت القاهرة سنة (١٩٦١م) في طريقها من دول أُوروبا وأمريكا، فأدهشت في كلّيَّة العلوم كلَّ أساتذة الرياضيَّات، وعُقِدَ لها في نادي التجارة مجلس اختبار اشترك فيه (١٠٠) محاسب وعشرات الآلات الحاسبة، فتغلَّبت عليهم جميعاً بحلِّ أعقد المسائل في ثوان(٢٤٧).
٩ - الدكتور جوزيف رودسن:
وذكرت الدكتورة شفيقة قرة كله، الاختصاصية في الأمراض العقليَّة، وقد أمضت ثماني سنوات في دراسة ظواهر الإدراك ما فوق الحسِّي في مستشفيات أمريكا وباختبارات علميَّة دقيقة: أنَّ الدكتور جوزيف رودس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٧) العودة إلى التجسُّد (ص ١٠٠ - ١٠٦).

↑صفحة ١٦٣↑

بوخانن وهو طبيب أمريكي ومؤلِّف سجَّل أنواعاً مهمَّة من الإدراك فوق الحسِّي...، قالت: وكان بوخانن طفلاً معجزة، ففي السادسة من عمره كان ضليعاً جدًّا في علم الهندسة وعلم الفلك، وفي سنِّ الثانية عشرة دخل مدرسة القانون، ثمّ مدرسة الطبِّ(٢٤٨).
١٠ - الفتاة فيكي من ولاية فرجينيا:
وذكرت أنَّ ممَّا سُجِّل في تاريخ فتاة اسمها: فيكي، من ولاية فرجينيا بأمريكا، وهي من أُصول إنكليزيَّة واسكتلنديَّة وفرنسيَّة، إنَّها أظهرت قابليَّة على الإدراك فوق الحسِّي منذ طفولتها...، فعندما كانت في السابعة من عمرها أسرعت إلى والدتها لتُخبرها أنَّ ولداً صغيراً صديقاً لها في اللعب قد دُهِسَ في القطار على بعد أكثر من مائة ميل، ووصفت الحادث...، ولـمَّا لم يكن ذلك معقولاً في نظر أهلها فقد عنَّفوها بشدَّة...، لكنَّهم تبيَّنوا بعد أيَّام أنَّ الولد وأهله كانوا في زيارة لمدينة على هذه المسافة بالفعل، وأنَّ الحادث قد وقع بصورة تتطابق وما ذكرته الطفلة تماماً.
وذات يوم - وكانت في السنة الحادية عشرة من عمرها - صحَّحت لأُستاذتها في التاريخ قضيَّة تاريخيَّة حول ماري الدمويَّة ملكة اسكتلندة، وانزعجت الأُستاذة، وأرادت أنْ تعرف مصدر معرفتها، فلم تستطع فيكي أنْ تشرح ذلك. لكن الأمر كان - كما تبيَّن بعد ذلك من خلال المصادر التاريخيَّة - صحيحاً وموافقاً للواقع، وأنَّ الأُستاذة كانت على خطأ. وصحَّحت تقريراً قدَّمه أحد زملائها في الثانوية عن البوذيَّة، وشرحت مبادئها الأساسيَّة، وعرَّفت النرفانا تعريفاً دقيقاً، وأشارت إلى أنَّ تعاليم البوذيَّة قد تغيَّرت باحتكاكها بالهندوسيَّة والمعتقدات الأُخرى...، والأمر الذي أدهش أُستاذ التاريخ أنَّه لا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٨) خوارق الإبداع (ص ١٦٧).

↑صفحة ١٦٤↑

أساس معروفاً لمصادر معرفتها التي أثبت البحث بعدئذٍ صحَّتها، وكانت تكتب دائماً في الثانوية والكلّيَّة بحوثاً في أيِّ موضوع بسهولة كبيرة لها ولزملائها، وكانت هذه البحوث تصل دائماً إلى درجة عالية من دون الاعتماد على مصدر معروف(٢٤٩).
وممَّا سجَّله الباحثون - في هذه الظواهر - أنَّ هذه المواهب الخارقة لدى هؤلاء الأشخاص بدءاً من الطفولة وما بعدها قد تكون في بعض الحالات كما لو كانت خصوصيَّات ذاتيَّة، بينما تكون في حالات أُخرى باستيلاء وإملاء ذات أو روح أُخرى.
١١ - الوسيطة التي تجيب الأرواح بوساطتها:
ومن الأمثلة للحالة الثانية ما نقله العلَّامة الفرنسي كاميل فلامريون في كتابه (الموت وغوامضه: ما قبل الموت) كما ترجمه العلَّامة محمّد فريد وجدي، قال: إنَّ المستر كابرون في كتابه المسمَّى: المذهب الروحي في العصر الحاضر في (ص ٢١٠) قال: إنَّ المستر لوروا سندرلاند ذكر أنَّ الوسيطة التي تجيب الأرواح بوساطتها على الأسئلة كانت ابنته مارجريت أو ابنتها الطفلة، وكانت لا تزيد سنُّها على سنتين.
وجاء فيه أيضاً: أنَّ البارون سيمون كركوب كتب إلى المستر جنكن مؤلِّف ذلك الكتاب، يقول: كانت ابنتي وسيطة ولم تتجاوز سنُّها سنتين وقد بلغت الآن إحدى وعشرين سنة، وقد كتبت طفلتها بيدها تحت تأثير الأرواح ولم تتجاوز سنُّها تسعة أيَّام (تاسوعاً)، وقد حافظت على الرسائل التي كتبتها، وها أنا أُرسل لكم بصورة فوتوغرافيَّة لتلك الكتابات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٩) خوارق الإبداع (ص ١٤٩ - ١٥١).

↑صفحة ١٦٥↑

وقال: كانت ابنتي ترفع هذه الطفلة على وسادة بإحدى يديها، وتمسك بيدها الأُخرى كتابا عليه ورقة بيضاء، وما كنَّا ندري بأيَّة كيفيَّة ينتقل القلم إلى الطفلة، فكانت تمسكه بيدها بقوَّة، فكتبت أوَّلاً الحروف الأربعة لأسماء الأرواح الأربعة التي تلازمها وهي (R.A.D.I)، ثمّ سقط القلم من يدها، فظنَّت أنَّ الأمر وقف عند هذا الحدِّ، ولكن ابنتي الأُخرى ايموجين صاحت قائلة: لقد عاودت القبض على القلم، فكتبت الطفلة الجملة الآتية: (لا نُغيِّر شيئاً، فهذا برهان جلي، وافعل ما أمرناك به، أستودعك الله).
وكتب المستر أدموندس الذي كان رئيساً لمجلس الشيوخ الأمريكي في كتابه (المذهب الروحي): ظهرت في ابنتي (لورا) خاصَّة الوساطة، ولكنَّها ما كانت تقع في إغماء أثناء حضور الأرواح، وكانت تلك الأرواح تستولي على لسانها فتتكلَّم بلغات مختلفة، ولم تكن تعرف في حالتها العاديَّة إلَّا لغتها الأصليَّة واللغة الفرنسيَّة، ولكنَّها متى استولت الأرواح على لسانها كانت تتكلَّم بتسع أو عشر لغات بسهولة تامَّة.
وعلَّق فلامريون بأنَّ مثل الرئيس أرموندس لا يصلح اتِّهامه بالبله والخبل، ولا اتِّهام ابنته بالتزوير والتدليس(٢٥٠).
وهناك أمثلة أُخرى كثيرة، ونشرت جريدة الثورة العراقيَّة على ما أتذكَّر في سنة (١٩٧٨م) خبراً عن طفل عمره سنتان من محلَّة الشيخ معروف، اختُبِرَ أيضاً في موهبته الرياضيَّة المتفوِّقة بما يشبه المستوى المشار إليه في الفتاة أعلاه، ولـمَّا سُئِلَ: كيف يتسنَّى له أنْ يُجيب قبل الحاسوب؟ أجاب: أنَّ هناك من يهمس بأُذُنه بالإجابة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٠) على أطلال المذهب المادِّي (ج ٢/ ص ١١٦ و١١٧).

↑صفحة ١٦٦↑

١٢ - الطفل حيدر عبد الحسين:
وعرض التلفزيون العراقي في هذا العام سنة (١٩٩٧م)(٢٥١) مقابلة مع طفل اسمه حيدر عبد الحسين في المرحلة الأُولى من المدرسة الابتدائيَّة، ونُقِلَ بقرار إلى المرحلة الرابعة لتفوُّقه في الرياضيَّات، وفي فهم واستظهار ما يقرأ في الموضوعات المختلفة بصورة مدهشة. ولقد سُئِلَ أسئلة كثيرة، وكان معه أُستاذان من مركز البحوث النفسيَّة، أسئلة من قبيل: اليوم (١٨) أو (٢٧) من شهر كذا من سنة كذا، فماذا يوافقه من أيَّام الأُسبوع؟ فأجاب من دون تردُّد. وسألوه عن رقم معيَّن، وطلبوا إليه إخراج جذره، أو نتيجة ضربه بعدد آخر، أو ما يشبه ذلك، فأجاب على الفور، وكان يستظهر بصورة غير عاديَّة. وممَّا سُئِلَ به لاختبار استظهاره أُمور تتَّصل بالنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومنها نسبه، فساقه إلى آدم ببساطة كأنَّه يقرأ في كتاب، وكان يتكلَّم بالفصحى، ومن دون اكتراث، ويجلس وقوراً هادئاً معتدًّا كما لو كان شيخاً من شيوخ العلم الكبار.
وإذا ثبت وجود مثل هذه الظواهر من الإدراك فوق الحسِّي وفوق المادِّي في الأطفال والكبار، وهو ثابت كخصائص تبدو كما لو كانت موهبة ذاتيَّة للذات أو بإسناد موضوعي خارجي بذات روحيَّة أُخرى(٢٥٢)، فأيَّة غرابة في أنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥١) لا أتذكَّر اليوم والشهر، ويمكن لمن أراد التوثيق أكثر أنْ يتَّصل بمركز البحوث النفسيَّة بجامعة بغداد لتُزوِّده بما لديها عنه وعن غيره من الحالات المماثلة.
(٢٥٢) نقل كولن ولسن في كتابه: ما بعد الحياة (ص ٨٢)، أنَّ شابًّا غير متعلِّم وضع وهو تحت تأثير التنويم كتاباً شاملاً سُمِّي (مبادئ الطبيعة)، وتحوَّل إلى رائعة أدبيَّة.
ونقل العلَّامة محمّد فريد وجدي في كتابه على أطلال المذهب المادِّي (ج ٢/ ص ٩٥ و٩٦) أنَّ شارل ديكنز أتمَّ الجزء الثاني من روايته بعد وفاته على يد وسيط عادي، وأنَّ النُّقَّاد حكموا بأنَّه لا يختلف عن الجزء الأوَّل أُسلوباً وفكراً.
وذكر أيضاً في (ج ٢/ ص ٣٣) من هذا الكتاب أنَّ طفلة كتبت بالكتابة التلقائيَّة كتاباً في مبادئ الطبيعة وأشياء أُخرى.

↑صفحة ١٦٧↑

يصطفي الله تعالى من خلقه لهدى الناس وإرشادهم أفراداً يُؤتيهم نظير هذه المواهب بصورة أسمى من كلِّ ناحية، مع خصوصيَّة في المكانة منه تعالى، والمعرفة به بحيث يكون نموذجاً عالياً في العلم والعمل؟!
وإذا كان من يتَّصل بأُولئك روح بشريَّة متوفَّاة أو روح سفلي فإنَّ من يتَّصل بهؤلاء من الرُّسُل وأوصيائهم (عليهم السلام) مَلَك قدسي يحمل معرفة حقَّة ويهدي إلى صراط مستقيم بإذن الله، ولسان يُعبِّر عنه سبحانه فيهم، وقد جاء عن الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام): أنَّ من علمهم ما هو نقر في الأسماع، ونكت في القلوب، وأنَّ الملائكة تُحدِّثهم من دون رؤية منهم إليهم مضافاً لعلمهم المزبور والغابر(٢٥٣). وبذلك يصبح صغر السنِّ بالنسبة لهم (عليهم السلام) ليس محلَّ إشكال، ومثل ذلك أمر تلقِّيهم العلم بالصورة العاديَّة المعروفة في دنيا الناس(٢٥٤).
ثانياً: أنَّ القرآن الكريم تحدَّث لنا في قصَّة مريم (عليها السلام)، وذكر أنَّ قومها حين اتَّهموها فقالوا: ﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا﴾ (مريم: ٢٧)، قال تعالى: ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا﴾، لكن عيسى (عليه السلام) نطق: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٣) روى الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ٣٣٨/ ج ٧/ باب ٤/ ح ٢) بسنده عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الفُضَيْلِ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي الحَسَنِ (عليه السلام): رَوَيْنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) أَنَّه قَالَ: «إِنَّ عِلْمَنَا غَابِرٌ، وَمَزْبُورٌ، وَنَكْتٌ فِي القُلُوبِ، وَنَقْرٌ فِي الأَسْمَاعِ»، قَالَ: «فَأَمَّا الغَابِرُ فَمَا تَقَدَّمَ مِنْ عِلْمِنَا، وَأَمَّا المَزْبُورُ فَمَا يَأْتِينَا، وَأَمَّا النَّكْتُ فِي القُلُوبِ فَالهَامٌ، وَأَمَّا النَّقْرُ فِي الأَسْمَاعِ فَإِنَّهُ مِنَ المَلَكِ»؛ ورواه الكيني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٢٦٤/ باب جهات علوم الأئمَّة (عليهم السلام)/ ح ٣).
(٢٥٤) لقد تحدَّثنا موجزاً عن اصطفاء بيوت وأُسَر أصحاب الرسالات نسبةً للبيوت الأُخرى، ثمّ اصطفاء أشخاصهم من هذه البيوت، وذكرنا الآيات الواردة في ذلك، راجع (ص ٩٧).
وتشير الأخبار إلى أنَّ هذا الاصطفاء ليس اعتباطاً، وإنَّما يتَّصل برتبة أرواحهم سماويًّا، فهم أرفع مبدأً ومعاداً من حيث الرتبة الروحيَّة.

↑صفحة ١٦٨↑

مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (مريم: ٢٩ - ٣٣). وقال تعالى وهو يذكر يحيى بن زكريَّا (عليه السلام): ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم: ١٢).
فأثبت النطق للطفل في المهد بما ذكرته الآيات الأُولى، وشهادة عيسى (عليه السلام) في المهد لنفسه بالنبوَّة، وأنَّه أُوتي الكتاب من عند الله، وذكر ما أوصاه الله به. وأثبت في الآية الأخيرة أنَّ أخذ الكتاب وإتيان الحكمة قد كان ليحيى (عليه السلام) وهو ما يزال صبيًّا.
وهذا يعني أنَّ الإشكال بصغر السنِّ - حين يشاء الله أنْ يجعل هذا الطفل حجَّة له - مبطل قرآنيًّا بحكم كونه وقع في المثلين اللذين ذكرناهما، وإذا جاز في هذين (عيسى ويحيى (عليهما السلام)) فإنَّه يجوز أنْ يكون في غيرهما حين يقوم الدليل على ذلك بالنصِّ والعلم وظهور المعجز، وقد ذكرنا بعض ما جاء عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من ذلك، وسنذكر بعضاً آخر لاحقاً.
ثالثاً: أنَّ هذه السنَّ ليست بعيدة عن السنِّ التي قام بالإمامة فيها جدُّه الأعلى محمّد الجواد (عليه السلام)، ثمّ جدُّه الأدنى عليٌّ الهادي (عليه السلام)، فإنَّ الأوَّل اضطلع بالإمامة وهو في الثامنة(٢٥٥)، ولم يغب عن المجتمع، ولا احتجب عن الناس. وحين أظهر المأمون - ندماً وتكفيراً أو ليردَّ إشارات الاتِّهام إليه بقتل الإمام الرضا (عليه السلام) - اهتماماً وتقديماً له بصورة غير عاديَّة، وزوَّجه ابنته أُمَّ الفضل، لامه أقرباؤه وخاصَّته على رفع مقامه عليهم مع صغر سنِّه.
فعرَّفهم أنَّه على ما يرون من صغر سنِّه حقيق بهذه المكانة علماً ومعرفةً وسموَّ ذات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٥) وُلِدَ الإمام الجواد (عليه السلام) في سنة (١٩٥هـ)، وتُوفِّي الرضا (عليه السلام) في سنة (٢٠٣هـ).

↑صفحة ١٦٩↑

ثمّ أعطاهم - ليتأكَّدوا - فرصة اختباره، وتهيَّأوا بما استطاعوا، وفي مجلس المأمون وبحضور الجميع، دلَّل الإمام الجواد (عليه السلام) بيسر - وهو في هذه السنِّ - على معنى الإمامة الإلهيَّة، والعلم اللدنِّي، ودمغ من تصدَّى لامتحانه قاضي القضاة يحيى بن أكثم ومن معه بما أذلَّهم وأخزاهم(٢٥٦).
ومثل ذلك كان أمر الإمام عليٌّ الهادي (عليه السلام) الذي وُلِدَ سنة (٢١٢هـ) أو سنة (٢١٤هـ)، واضطلع بالإمامة سنة (٢٢٠هـ) أو سنة (٢٢٥هـ)، فكان شأنه شأن أبيه علماً وعملاً، ورغم أنَّ من عاصره كان المتوكِّل العبَّاسي وهو من أشدّ الناس عداوةً لآل البيت (عليهم السلام) حتَّى كان لا يبالي في إظهار ذلك في مجلس، فكان يُعلِن السخرية بعليٍّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بصورة لم يصبر عليها حتَّى ولده، فقد استطاع الإمام (عليه السلام) في أكثر من موقف أنْ يذلَّ كبرياءه، ويقرع تجبُّره(٢٥٧).
ويكفي من يحاول التشكيك أنْ يرى أنَّ ادِّعاء الإمامة من قِبَلهما في هذه السنِّ لابدَّ أنْ يُثير الشكَّ بدءاً لدى أوليائهم، وفيهم أهل الفكر والعلماء، فلو لم يروا منهم من البرهان على إمامتهم ما يأخذ بالأعناق لما سلَّموا لهم.
ثمّ إنَّ ادِّعاء الإمامة في هذه السنِّ أيضاً يفسح المجال للخصوم - ومنهم رأس الدولة، فضلاً عن الفِرَق المخالفة - أنْ يعملوا على إحراج الإمام وشيعته من خلال أسئلة أو اختبارات يبرزون بها - لو استطاعوا - عجز الإمام علميًّا، ولكن ذلك ليس بمستطاع قطعاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٦) راجع: تفسير القمِّي (ج ١/ ص ١٨٢ - ١٨٥)، وإثبات الوصيَّة (ص ٢٢٣ - ٢٢٦)، ودلائل الإمامة (ص ٣٩١ - ٣٩٤/ ح ٣٤٥/٥)، وتُحَف العقول (ص ٤٥١ - ٤٥٣)، والإرشاد (ج ٢/ ص ٢٨١ - ٢٨٨)؛ ونقل طرفاً من ذلك ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة (ص ٢٠٦).
(٢٥٧) راجع: مروج الذهب (ج ٤/ ص ١٠).

↑صفحة ١٧٠↑

وإذا كانت المسألة بالنسبة لأبويه، وبالنسبة له كذلك، فإنَّها ينبغي أنْ تكون شاهداً وآيةً على إمامتهم، بدلاً من أنْ تكون محلًّا للإشكال.
رابعاً: ثمّ ما معنى الإشكال حول إمكان اضطلاعه بالإمامة طفلاً وقد اضطلع بها بالفعل؟ ولا أعظم شهادة لكون الشيء ممكناً من أنْ يقوم في عالم الواقع، وقد اضطلع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بالإمامة في هذه السنِّ، وتلقَّى عنه عدد من علماء الأُمَّة الذين لا يشكُّ أحد في جلالة قدرهم علماً وعملاً، وأظهر أمامهم من المعجزات ما يكفي للبرهنة على إمامته، تقدَّم بعض منها في حديثنا عن إخفاء ولادته، وسيأتي بعضها الآخر.

* * *

↑صفحة ١٧١↑

البحث الثالث: نوَّابه (عجَّل الله فرجه)، وبعض توقيعاته (٢٥٨)

ممَّا يتَّصل بالغيبة القصيرة أو الصغرى، وشواهد كونها نسبيَّة - عدا ما قدَّمناه - نُوَّابه الأربعة (رضوان الله عليهم)، فهم الواسطة العامَّة من الأُمَّة إليه ومنه إليها، وعن طريقهم كان يتلقَّى الرسائل والأسئلة، وما يُرسَل إليه من الأموال، وبوساطتهم كان يُرسِل إجاباته، وما يُوجِّه ويأمر به في شؤون المؤتمِّين به من المسلمين، وإنْ لم تتح رؤيته - بصورة مفتوحة - للجميع، لذلك كان حضوره مفروضاً فعليًّا في كلِّ شأن يطلب هذه الصلة.
ولا مجال للشكِّ - لدى الأُمَّة - في المكانة الرفيعة لهؤلاء النُّوَّاب:
أوَّلاً: لأنَّهم معروفون عندها علماً، وتقًى، وورعاً، وأمانةً، وقرب من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، والنيابة الخاصَّة - ولاسيّما عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) - إشارة واضحة إلى ذلك بحكم ما تقتضيه الظروف الخاصَّة التي حتَّمت غيبته من دقَّة في اختيار نائبه من كلِّ جهة بما فيها قدرته على حفظ سرِّ الإمام (عجَّل الله فرجه) في جميع الأحوال المفترضة، وإمكانيَّته على التعامل بالصورة التي يكون فيها - في هذا الغياب - وجهاً له.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٨) لعلَّ الشيخ جاسم محمّد الياسمين محقِّق كتاب (البرهان في علامات مهدي آخر الزمان) للمتَّقي الهندي يقرأ هذا البحث، ويرى أنَّ ما قاله في (ج ١/ ص ٢٤١) عن تأسيس عثمان بن سعيد لفكرة النيابة لا يرجع إلى أساس إلَّا سوء ظنِّه وتعصُّبه المذهبي، وأنَّه كلام غير مسؤول.

↑صفحة ١٧٢↑

وكان العلماء يُدركون تميُّزهم في هذه الصفة أو تلك دونهم، فحين سأل بعضهم الشيخ الجليل أبا سهل النوبختي (رحمه الله): كَيْفَ صَارَ هَذَا الأَمْرُ إِلَى اَلشَّيْخِ أَبِي القَاسِمِ الحُسَيْنِ بْنِ رَوْحٍ دُونَكَ؟ أجابه: هُمْ أَعْلَمُ وَمَا اِخْتَارُوهُ، وَلَكِنْ أَنَا رَجُلٌ ألقَى الخُصُومَ وَأُنَاظِرُهُمْ، وَلَوْ عَلِمْتُ بِمَكَانِهِ كَمَا عَلِمَ أَبُو القَاسِمِ وَضَغَطَتْنِي الحُجَّةُ عَلَى مَكَانِهِ لَعَلِّي كُنْتُ أَدُلُّ عَلَى مَكَانِهِ، وَأَبُو القَاسِمِ فَلَوْ كَانَتِ الحُجَّةُ تَحْتَ ذَيْلِهِ وَقُرِّضَ بِالمَقَارِيضِ مَا كَشَفَ اَلذَّيْلَ عَنْهُ(٢٥٩).
ثانياً: ولأنَّهم كانوا موثَّقين من الأئمَّة (عليهم السلام)، ومنصوص عليهم كوكلاء عنهم (عليهم السلام)، فالأوَّل من هؤلاء النُّوَّاب كان قبل أنْ يكون نائباً للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بابا للإمام الجواد (عليه السلام) - كما ذكر بعضهم -، ثمّ الإمام الهادي والإمام الحسن العسكري (عليهما السلام)، أمَّا الثاني وهو ابن الأوَّل ومشاركه في الوقت نفسه في هذه النيابة في حياة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، فقد كان مزكًّى من الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، ومشار إليه من قِبَله على أنَّه وكيل للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بعد ذلك، ثمّ نصبه الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عن طريق أبيه.
ووثَّق الثالث ونُصِبَ وكيلاً من قِبَل الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عن طريق الثاني.
والرابع كذلك من قِبَله (عجَّل الله فرجه) عن طريق الثالث.
ثالثاً: كانت أجوبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تصدر على يد كلِّ واحدٍ من هؤلاء النُّوَّاب من الأوَّل حتَّى الرابع بالخطِّ نفسه المعروف للإمام (عجَّل الله فرجه) - لدى بعض الأُمَّة - من دون تغيير، وبالدرجة نفسها من حيث الأُسلوب والمضمون، وهي الآية التي ذكرها بعضهم وهو يشير إلى وحدة الجهة التي يصدر عنها النُّوَّاب كما سيأتي.
رابعاً: أظهر الإمام (عجَّل الله فرجه) على يد كلِّ واحدٍ منهم من الكرامات المعجزة ما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٩) الغيبة للطوسي (ص ٣٩١/ ح ٣٥٨).

↑صفحة ١٧٣↑

أعطى دليلاً مضافاً على حقيقة صلتهم به، فهي لهم بهذه الصلة لا غيرها، لذلك كانت إشارة له لا لهم مع ما لهم من المحلِّ العظيم والمكانة المرموقة بهذه الكرامات وبغيرها.
وقد روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) عدداً منها(٢٦٠)، وروى شيئاً من ذلك الشيخ الطوسي (رحمه الله)(٢٦١).
قال الشيخ النعماني (رحمه الله) - تلميذ الشيخ الكليني وكاتبه - وهو يتحدَّث عن الغيبة القصيرة في كتابه (الغيبة) الذي ألَّفه قبل سنة (٣٣٦هـ) كما تشير إلى ذلك مقدَّمته: (كانت السفراء فيها بين الإمام (عليه السلام) وبين الخلق قياماً منصوبين ظاهرين موجودي الأشخاص والأعيان، يخرج على أيديهم غوامض العلم، وعويص الحكم، والأجوبة على كلِّ ما يُسئَل عنه من المعضلات والمشكلات)(٢٦٢).
ولذلك أرى أنْ نتحدَّث عن كلِّ واحدٍ من هؤلاء النُّوَّاب الأربعة، ثمّ عن بعض ما صدر على أيديهم بما يُوثِّق باختصار ما أشرنا إليه وبالصورة التي نراها كافية في إعطاء معنى كون الإمام (عجَّل الله فرجه) كان حاضراً في الأُمَّة بهم.
النائب الأوَّل: أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري الأسدي (رضي الله عنه):
يُكنَّى بأبي عمرو، ويُلقَّب بالسمَّان والزيَّات، لأنَّه كان يتَّجر بالسمن، وبالعسكري لأنَّه كان يسكن العسكر (سامرَّاء).
ويذكر ابن شهرآشوب (رحمه الله) المتوفَّى سنة (٥٨٨هـ) أنَّه كان باباً لأبي جعفر محمّد بن عليٍّ التقي (عليه السلام)(٢٦٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٠) كمال الدِّين (ص ٤٨٢ - ٥٢٢/ باب ٤٥).
(٢٦١) الغيبة للطوسي (ص ٣٠٤ - ٣١٧).
(٢٦٢) الغيبة للنعماني (ص ١٧٨ و١٧٩).
(٢٦٣) مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٤٨٧).

↑صفحة ١٧٤↑

ومثل ذلك العلَّامة الحلِّي (رحمه الله)، فقد عدَّه من أصحاب الإمام الجواد (عليه السلام)، قال: (خدمه وله إحدى عشرة سنة، وله إليه عهد معروف)(٢٦٤).
ولا يوجد في ما بين يديَّ من المصادر تاريخ معروف لولادة الشيخ العمري، فلو تصوَّرنا أنَّ ولادته كانت سنة (٢٠٠هـ) أو في ما قبلها أو ما بعدها بقليل، لأمكن تصوُّر التحاقه بخدمة الإمام الجواد (عليه السلام) الذي بدأت إمامته سنة (٢٠٣هـ) حتَّى توفَّى سنة (٢٢٠هـ) أو سنة (٢٢٥هـ) في رواية أُخرى للمفيد (رحمه الله) في بعض سنيِّ إمامته بالسنِّ التي ذكروها، فمن الثابت أنَّ عهد نيابة الشيخ السمَّان (رحمه الله) للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لم تمتدّ طويلاً(٢٦٥).
لكن الشيخ الطوسي (رحمه الله) في (رجاله) ذكر أنَّه كان من أصحاب الإمام الهادي (عليه السلام)، وأنَّ إلتحاقه بهذه السنِّ (إحدى عشرة سنة) كان به ولخدمته، وأنَّ العهد المعروف كان منه (عليه السلام) لا من الإمام الجواد (عليه السلام)(٢٦٦)، ثمّ ذكره في أصحاب ابنه العسكري (عليه السلام)(٢٦٧).
ولـمَّا كان تاريخ ولادة الشيخ غير معروف، وكانت نسخة العهد الذي أشار إليه ابن شهرآشوب والعلَّامة الحلِّي ثمّ الشيخ الطوسي (رحمهم الله) غير موجودة بصورة يمكن معها الرجوع إليها بوصفها وثيقة نعرف بها نسبة العهد، وما إذا كان قد صدر عن الإمام الجواد (عليه السلام) أو عن الإمام الهادي (عليه السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٤) خلاصة الأقوال (ص ٢٢٠/ الرقم ٢).
(٢٦٥) يُفهَم ذلك ممَّا رواه الشيخ الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٦٦/ ح ٣٣٤) عن أبي نصر هبة الله محمّد بن أحمد من أنَّا أبا جعفر محمّد بن عثمان العمري مات سنة (٣٠٤هـ)، وأنَّه كان يتولَّى هذا الأمر (يعني النيابة) نحواً من خمسين سنة.
(٢٦٦) رجال الطوسي (ص ٣٨٩/ الرقم ٥٧٤١/٣٦).
(٢٦٧) رجال الطوسي (ص ٤٠١/ الرقم ٥٨٧٧/٢٢).

↑صفحة ١٧٥↑

يُضاف إلى ذلك أنَّا لا نجد في تاريخ الإمام الجواد (عليه السلام) والروايات عنه والعلاقات المتَّصلة به شيئاً يتَّصل بالشيخ العمري السمَّان - عدا ما أشرنا إليه - خلافاً لما بعده فإنَّ ما ذكره الشيخ الطوسي (رحمه الله) - بحكم ذلك - يكون متعيَّناً.
وعلى كلِّ حالٍ، فإنَّ أمر وثاقته، ومكانته، وجلالة قدره لا يحتاج إلى تحقيق امتداد خدمته إلى الإمام الجواد (عليه السلام)، فبحسبنا في ذلك أنْ يكون قريباً، ومؤتمناً من أيِّ واحدٍ من الأئمَّة (عليهم السلام)، فكيف إذا كان كذلك - وهذا ما لا إشكال فيه - لدى ثلاثة منهم (عليهم السلام)؟
روى الشيخ الطوسي (رحمه الله) بسنده عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ سَعْدٍ القُمِّيُّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِ) فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، أَنَا أَغِيبُ وَأَشْهَدُ، وَلَا يَتَهَيَّأُ لِيَ الوُصُولُ إِلَيْكَ إِذَا شَهِدْتُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَقَوْلَ مَنْ نَقْبَلُ، وَأَمْرَ مَنْ نَمْتَثِلُ؟ فَقَالَ لِي (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِ): «هَذَا أَبُو عَمْرٍو اَلثِّقَةُ الأَمِينُ، مَا قَالَهُ لَكُمْ فَعَنِّي يَقُولُهُ، وَمَا أَدَّاهُ إِلَيْكُمْ فَعَنِّي يُؤَدِّيهِ»، فَلَمَّا مَضَى أَبُو الحَسَنِ (عليه السلام) وَصَلْتُ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ اِبْنِهِ الحَسَنِ العَسْكَرِيِّ (عليه السلام) ذَاتَ يَوْمٍ، فَقُلْتُ لَهُ (عليه السلام) مِثْلَ قَوْلِي لِأَبِيهِ، فَقَالَ لِي: «هَذَا أَبُو عَمْرٍو اَلثِّقَةُ الأَمِينُ، ثِقَةُ اَلمَاضِي وَثِقَتِي فِي اَلمَحْيَا وَاَلمَمَاتِ، فَمَا قَالَهُ لَكُمْ فَعَنِّي يَقُولُهُ، وَمَا أَدَّى إِلَيْكُمْ فَعَنِّي يُؤَدِّيهُ»(٢٦٨).
وروى أيضاً عن جعفر بن محمّد بن مالك الفزاري البزَّار عن جماعة من الشيعة (ذكرناهم في الرواية السادسة عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام))(٢٦٩) أنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) أنذرهم بعد أنْ أراهم ولده المهدي (عجَّل الله فرجه) بأنَّهم لا يرونه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٨) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٤ و٣٥٥/ ح ٣١٥).
(٢٦٩) قد تقدَّم في (ص ١٢٥ و١٢٦)، فراجع.

↑صفحة ١٧٦↑

بعد يومهم ذاك، وقال: «فَاقْبَلُوا مِنْ عُثْمَانَ مَا يَقُولُهُ، وَاِنْتَهُوا إِلَى أَمْرِهِ، وَاقْبَلُوا قَوْلَهُ، فَهُوَ خَلِيفَةُ إِمَامِكُمْ، وَالأَمْرُ إِلَيْهِ»(٢٧٠).
وفي كتاب الإمام أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السلام) إلى إسحاق بن إسماعيل النيسابوري، قال الإمام (عليه السلام) في آخر الكتاب: «فَلَا تَخْرُجَنَّ مِنَ البَلْدَةِ حَتَّى تَلْقَى العَمْرِيَّ رَضِيَ اَللهُ عَنْهُ بِرِضَايَ عَنْهُ، وَتُسَلِّمَ عَلَيْهِ وَتَعْرِفَهُ وَيَعْرِفَكَ، فَإِنَّهُ اَلطَّاهِرُ الأَمِينُ العَفِيفُ القَرِيبُ مِنَّا وَإِلَيْنَا، فَكُلُّ مَا يُحْمَلُ إِلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ مِنَ اَلنَّوَاحِي فَإِلَيْهِ يَصِيرُ آخِرَ أَمْرِهِ، لِيُوصِلَ ذَلِكَ إِلَيْنَا»(٢٧١).
وروى مسنداً عن محمّد بن إسماعيل وعليِّ بن عبد الله الحسنيَّين، قالا: إنَّهما دخلا على أبي محمّد الحسن (عليه السلام) بسُرَّ من رأى وبين يديه جماعة من أوليائه وشيعته، فدخل عليه بدر خادمه وأخبره أنَّ بالباب قوماً شعثاً غبراً، فقال الإمام (عليه السلام) لمن حضره: «هَؤُلَاءِ نَفَرٌ مِنْ شِيعَتِنَا بِاليَمَنِ»، ثمّ أمر الإمام (عليه السلام) بدراً أنْ يأتيه بعثمان بن سعيد العمري، وحين جاء قال له سيِّدنا أبو محمّد (عليه السلام): «اِمْضِ يَا عُثْمَانُ، فَإِنَّكَ الوَكِيلُ، وَاَلثِّقَةُ اَلمَأْمُونُ عَلَى مَالِ اَلله، وَاِقْبِضْ مِنْ هَؤُلَاءِ اَلنَّفَرِ اليَمَنِيِّينَ مَا حَمَلُوهُ مِنَ اَلمَالِ».
قال الحسنيَّان بعد أنْ ساقا الحديث: ثُمَّ قُلْنَا بِأَجْمَعِنَا: يَا سَيِّدَنَا، وَاَلله إِنَّ عُثْمَانَ لَمِنْ خِيَارِ شِيعَتِكَ، وَلَقَدْ زِدْتَنَا عِلْماً بِمَوْضِعِهِ مِنْ خِدْمَتِكَ، وَإِنَّهُ وَكِيلُكَ وَثِقَتُكَ عَلَى مَالِ اَلله تَعَالَى، قَالَ: «نَعَمْ، وَاِشْهَدُوا عَلَيَّ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ سَعِيدٍ العَمْرِيَّ وَكِيلِي، وَأَنَّ اِبْنَهُ مُحَمَّداً وَكِيلُ اِبْنِي مَهْدِيِّكُمْ»(٢٧٢).
وبالإسناد عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيِّ، قَالَ: اِجْتَمَعْتُ أَنَا وَاَلشَّيْخُ أَبُو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٠) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٧/ ح ٣١٩).
(٢٧١) اختيار معرفة الرجال (ج ٢/ ص ٨٤٤ - ٨٤٨/ ح ١٠٨٨).
(٢٧٢) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٥ و٣٥٦/ ح ٣١٧).

↑صفحة ١٧٧↑

عَمْرٍو عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ سَعْدٍ الأَشْعَرِيِّ القُمِّيِّ، فَغَمَزَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنِ الخَلَفِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أبَا عَمْرٍو، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ، وَمَا أَنَا بِشَاكٍّ فِيمَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْهُ، فَإِنَّ اِعْتِقَادِي وَدِينِي أَنَّ الأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ إِلَّا إِذَا كَانَ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ بِأَرْبَعِينَ يَوْماً، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ وَقَعَتِ الحُجَّةُ، وَغُلِّقَ بَابُ اَلتَّوْبَةِ، فَلَمْ يَكُنْ ﴿يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ [الأنعام: ١٥٨]...، إلى أنْ قال: وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَزْدَادَ يَقِيناً، فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي اَلمَوْتَى، فَقَالَ: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ (أَبُو عَلِيٍّ) عَنْ أَبِي الحَسَنِ (عليه السلام)، وذكر الرواية الأُولى التي أوردناها عنه (عليه السلام) فيه.
ثمّ قال الحميري وهو يُكلِّم أبا عمرو: وَأَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا مُحَمَّدٍ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: «العَمْرِيُّ وَاِبْنُهُ ثِقَتَانِ، فَمَا أَدَّيَا إِلَيْكَ فَعَنِّي يُؤَدِّيَانِ، وَمَا قَالَا لَكَ فَعَنِّي يَقُولَانِ، فَاسْمَعْ لَهُمَا وَأَطِعْهُمَا فَإِنَّهُمَا اَلثِّقَتَانِ اَلمَأْمُونَانِ»، فَهَذَا قَوْلُ إِمَامَيْنِ قَدْ مَضَيَا فِيكَ.
قَالَ: فَخَرَّ أَبُو عَمْرٍو سَاجِداً وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: سَلْ، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ رَأَيْتَ الخَلَفَ مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)؟ فَقَالَ: إِي وَاَلله، وَرَقَبَتُهُ مِثْلُ ذَا - وَأَوْمَأَ بِيَدَيْهِ(٢٧٣) -، فَقُلْتُ لَهُ: فَبَقِيَتْ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ لِي: هَاتِ، قُلْتُ: فَالاِسْمُ، قَالَ: مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تَسْأَلُوا عَنْ ذَلِكَ، وَلَا أَقُولُ هَذَا مِنْ عِنْدِي، وَلَيْسَ لِي أَنْ أُحَلِّلَ وَأُحَرِّمَ، وَلَكِنْ عَنْهُ (عليه السلام)، فَإِنَّ الأَمْرَ عِنْدَ اَلسُّلْطَانِ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ (عليه السلام) مَضَى وَلَمْ يُخَلِّفْ وَلَداً، وَقَسَّمَ مِيرَاثَهُ وَأَخَذَهُ مَنْ لَا حَقَّ لَهُ (يعني جعفراً الكذَّاب)، وَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ ذَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٣) قال الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٥٥/ ح ٣١٦): (يريد أنَّها أغلظ الرقاب حسناً وتماماً)، ويبدو لي أنَّه يريد نفي ما في أذهان الناس من عدم وجوده أو موته وأنَّه حيٌّ، وهو تعبير شعبي ما زال مستعملاً لتأكيد حياة من يُتوهَّم وته.

↑صفحة ١٧٨↑

عِيَالُهُ يَجُولُونَ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَجْسُرُ أَنْ يَتَعَرَّفَ إِلَيْهِمْ أَوْ يُنِيلَهُمْ شَيْئاً، وَإِذَا وَقَعَ اَلاِسْمُ وَقَعَ اَلطَّلَبُ، فَاتَّقُوا اَللهَ وَأَمْسِكُوا عَنْ ذَلِكَ(٢٧٤)،(٢٧٥).
ومن المؤشِّرات لمكانته الرفيعة وقربه من آل البيت (عليهم السلام) تولِّيه بأمر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تجهيز الإمام الحسن (عليه السلام) غسلاً وتحنيطاً وتكفيناً ودفناً للظاهر من الحال التي لا يمكن جحدها كما يقول الشيخ الطوسي (رحمه الله)(٢٧٦)، وذلك شأن لا يُولَّاه إلَّا اللُّصَّق بهم (عليهم السلام).
وتبدو هذه المنزلة السامية واضحة كذلك في التوقيع الذي تلقَّاه ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان (رضي الله عنه) من الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تعزيةً بأبيه، فقد جاء فيه: «إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، تَسْلِيماً لِأَمْرِهِ وَرِضَاءً بِقَضَائِهِ، عَاشَ أَبُوكَ سَعِيداً وَمَاتَ حَمِيداً، فَرَحِمَهُ اللهُ وَألحَقَهُ بِأَوْلِيَائِهِ وَمَوَالِيهِ (عليهم السلام)، فَلَمْ يَزَلْ مُجْتَهِداً فِي أَمْرِهِمْ، سَاعِياً فِيمَا يُقَرِّبُهُ إِلَى اللهِ (عزَّ وجلَّ) وَإِلَيْهِمْ، نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ وَأَقَالَهُ عَثْرَتَهُ».
وممَّا جاء فيه: «أَجْزَلَ اللهُ لَكَ الثَّوَابَ وَأَحْسَنَ لَكَ العَزَاءَ، رُزِئْتَ وَرُزِئْنَا وَأَوْحَشَكَ فِرَاقُهُ وَأَوْحَشَنَا، فَسَرَّهُ اللهُ فِي مُنْقَلَبِهِ، وَكَانَ مِنْ كَمَالِ سَعَادَتِهِ أَنْ رَزَقَهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) وَلَداً مِثْلَكَ يَخْلُفُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَيَقُومُ مَقَامَهُ بِأَمْرِهِ، وَيَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ، وَأَقُولُ:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٤) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٩ - ٣٦١/ ح ٣٢٢)؛ ورواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٢٩ و٣٣٠/ باب في تسمية من رآه (عليه السلام)/ ح ١).
(٢٧٥) هذه الرواية تؤكِّد ما أشرنا إليه من أنَّ هذا التحريم لا يتناول ما وراء الغيبة الصغرى. وفي المعنى نفسه ورد إلى محمّد بن عثمان العمري (رحمه الله) توقيع من الإمام (عجَّل الله فرجه) ابتداءً، وفيه يقول: «لِيُخْبِرَ اَلَّذِينَ يَسْأَلُونَ عَنِ الاِسْمِ إِمَّا اَلسُّكُوتَ وَالجَنَّةَ، وَإِمَّا الكَلَامَ وَاَلنَّارَ، فَإِنَّهُمْ إِنْ وَقَفُوا عَلَى الاِسْمِ أَذَاعُوهُ، وَإِنْ وَقَفُوا عَلَى اَلمَكَانِ دَلُّوا عَلَيْهِ» (الغيبة للطوسي: ص ٣٦٤/ ح ٣٣١).
وهناك روايات أُخرى يستفاد منها أنَّ التحريم يرتبط بظروف التقيَّة وجوداً وغايةً، منها ما رواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٤٨٢ و٤٨٣/ باب ٤٥/ ح ١ و٣).
(٢٧٦) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٦/ ح ٣١٨).

↑صفحة ١٧٩↑

الحَمْدُ لِلهِ، فَإِنَّ الأَنْفُسَ طَيِّبَةٌ بِمَكَانِكَ وَمَا جَعَلَهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) فِيكَ وَعِنْدَكَ، أَعَانَكَ اللهُ وَقَوَّاكَ وَعَضَدَكَ وَوَفَّقَكَ، وَكَانَ اللهُ لَكَ وَلِيًّا وَحَافِظاً وَرَاعِياً وَكَافِياً وَمُعِيناً»(٢٧٧).
من توقيعات الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بوساطته:
لم يُحصِ أحد ما صدر عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) على يد نُوَّابه الأربعة الخاصِّين من سنة (٢٦٠هـ) حتَّى سنة (٣٢٩هـ) لأسباب، منها:
أوَّلاً - وهو ما نراه الأهمّ -: نفس الظروف التي أوجبت الغيبة، وتحريم الدلالة على مكانه، وذكر اسمه (عجَّل الله فرجه) وبصورة مشدَّدة إلَّا على الخاصَّة كما قدَّمنا، ولذلك فلا مجال لرواية ذلك إلَّا في حدود ضيِّقة جدًّا. ومن الطبيعي بحكم ذلك أنْ يذهب أكثر ما صدر عنه (عجَّل الله فرجه)، بخاصَّة ما هو خاصٌّ من حيث الشخص أو الموضوع.
ثانياً: ربَّما اقتصروا في الرواية على بعض ما يتَّصل بالقضايا العامَّة في ذلك الظرف، أو في ما بعده، ممَّا جاء الأمر أو الإذن به من الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أو من النُّوَّاب (رضي الله عنهم) - وإنْ كانوا لا يصدرون إلَّا عنه - بحكم الحاجة إليه أو انتفاء ما يوجب التقيَّة فيه.
وقد أثبتوا - ممَّا ورد عن كلِّ واحد من النُّوَّاب - أمثلةً كافية، كالتي ذكرها الشيخ الصدوق (رحمه الله) المتوفَّى سنة (٣٨١هـ)(٢٧٨)، والشيخ الطوسي (رحمه الله) المتوفَّى سنة (٤٦٠هـ)(٢٧٩)، والشيخ الطبرسي (رحمه الله) المتوفَّى بداية القرن (٦هـ)(٢٨٠)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٧) كمال الدِّين (ص ٥١٠/ باب ٤٥/ ح ٤١)، الغيبة للطوسي (ص ٣٦١/ ح ٣٢٣).
(٢٧٨) كمال الدِّين (ص ٤٨٢ - ٥٢٢/ باب ٤٥).
(٢٧٩) الغيبة (ص ٢٨٥ - ٣٢٧)، ولدى حديثه عن النُّوَّاب المحمودين في (ص ٣٥٣ وما بعدها)، وذكر في (ص ٣٧٣ وما بعدها) صورة لبعض توقيعات الإمام (عجَّل الله فرجه).
(٢٨٠) الاحتجاج (ج ٢/ ص ٢٧٧ - ٣٢٥).

↑صفحة ١٨٠↑

والشيخ المجلسي المتوفَّى سنة (١١١١هـ) في كُتُبهم المشار إليها في الهامش(٢٨١).
وسنذكر - لدى الحديث عن كلِّ واحدٍ من النُّوَّاب الأربعة (رضوان الله عليهم) بدءاً من الشيخ العمري الكبير موضوع حديثنا - أمثلة ممَّا صدر عن الإمام (عجَّل الله فرجه) ممَّا نرى أنَّ لمضمونه مع غضِّ النظر عن مورده صلة بالموضوع العامِّ أو الخاصِّ لكتابنا من جهة أو أُخرى.
فمنها: ما رواه الشيخ العمري الكبير أبو عمرو عثمان بن سعيد (رضوان الله عليه)، قال: تَشَاجَرَ اِبْنُ أَبِي غَانِمٍ القَزْوِينِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ اَلشِّيعَةِ فِي الخَلَفِ، فَذَكَرَ اِبْنُ أَبِي غَانِمٍ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ (عليه السلام) مَضَى وَلَا خَلَفَ لَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ كَتَبُوا فِي ذَلِكَ كِتَاباً وَأَنْفَذُوهُ إِلَى اَلنَّاحِيَةِ، وَأَعْلَمُوهُ بِمَا تَشَاجَرُوا فِيهِ، فَوَرَدَ جَوَابُ كِتَابِهِمْ بِخَطِّهِ (عَلَيْهِ وَعَلَى آبَائِهِ اَلسَّلَامُ):
«بِسْمِ اَلله اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ، عَافَانَا اَللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ اَلضَّلَالَةِ وَالفِتَنِ، وَوَهَبَ لَنَا وَلَكُمْ رُوحَ اليَقِينِ، وَأَجَارَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنْ سُوءِ اَلمُنْقَلَبِ، إِنَّهُ أُنْهِيَ إِلَيَّ اِرْتِيَابُ جَمَاعَةٍ مِنْكُمْ فِي اَلدِّينِ، وَمَا دَخَلَهُمْ مِنَ اَلشَّكِّ وَالحَيْرَةِ فِي وُلَاةِ أُمُورِهِمْ، فَغَمَّنَا ذَلِكَ لَكُمْ لَا لَنَا، وَسَاءَنَا فِيكُمْ لَا فِينَا، لِأَنَّ اَللهَ مَعَنَا، وَلَا فَاقَةَ بِنَا إِلَى غَيْرِهِ، وَالحَقُّ مَعَنَا، فَلَنْ يُوحِشَنَا مَنْ قَعَدَ عَنَّا، (وَنَحْنُ صَنَائِعُ رَبِّنَا، وَالخَلْقُ بَعْدُ صَنَائِعُنَا)(٢٨٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨١) بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٣٤٣) لدى حديثه عن سفراء الإمام (عجَّل الله فرجه)، وفي (ج ٥٣/ ص ١٥٠ - ١٩٧/ باب ما خرج من توقيعاته (عليه السلام)).
(٢٨٢) وردت هذه الكلمة التي قوَّسناها عن الإمام عليٍّ (عليه السلام) أيضاً في كتاب له إلى معاوية، فراجع: نهج البلاغة (ص ٣٨٥ - ٣٨٩/ ح ٢٨).
قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (ج ١٥/ ص ١٩٤) في شرح العبارة المذكورة بعد قوله: (هذا كلام عظيم، عال على الكلام، ومعناه عال على المعاني): إنَّ (صنيعة المَلِك مَنْ يصطنعه المَلِك ويرفع قدره. يقول [(عليه السلام)]: ليس لأحدٍ من البشر علينا نعمة، بل الله ←

↑صفحة ١٨١↑

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

→ تعالى هو الذي أنعم علينا، فليس بيننا وبينه واسطة، والناس بأسرهم صنائعنا، فنحن الواسطة بينهم وبين الله تعالى، وهذا مقام جليل ظاهره ما سمعت، وباطنه أنَّهم عبيد الله، وأنَّ الناس عبيدهم).
وجاء في أخبار أهل البيت (عليهم السلام) أنَّهم إذا ما قالوا ذلك فإنَّهم يقصدون أنَّهم عبيد طاعة، لأنَّهم المبلِّغون عن الله ورسوله، لا عبيد ربوبيَّة، وبرأوا ممَّن يرى الربوبيَّة، أو الطاعة لهم استقلالاً، أو بما هم في أنفسهم لأنَّهم صنائع الله، ولذلك فكونهم الواسطة لا يقتصر - لدى أهل العرفان - على الهدى والتشريع، بل في التكوين أيضاً، فالرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته بالمعنى الأخصّ، أي أهل بيته المعنوي السماوي المطهَّر من الرجس لا بيته الأرضي أو الطيني، هم الخلق الأوَّل كأرواح، وهم متقدِّمون رتبةً على الخلق جميعاً مبدأً ومعاداً، ولذلك أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً، فهم معصومون تكويناً، لأنَّ الشيطان وأفكار الضلالة البشريَّة لا تصل أرواحهم بحكم رتبتها الأسمى وإنْ وصلت آذانهم وأدمغتهم، كالأشعَّة ما دون الحمراء بالنسبة لما فوق البنفسجيَّة مثلاً، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ﴾ (الحجّ: ٥٢).
قال أبو حامد الغزالي في معراج القدس (ص ١٨١): (فهؤلاء فطر مبدؤهم على طبيعة معادهم، فهم الملأ الأعلى، وهم المبادئ الأُولى، يحقُّ لهم أنْ يقولوا: كنَّا أظلَّة على يمين العرش، فسبَّحنا فسبَّحت الملائكة بتسبيحنا).
وقال ابن عربي في الفتوحات المكّيَّة (ج ١/ ص ١١٩/ باب ٦): (فلم يكن أقرب إليه (يعني الخالق سبحانه) قبولاً في ذلك الهباء إلَّا حقيقة محمّد (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) المسمَّاة بالعقل، فكان سيِّد العالم بأسره...)، إلى أنْ يقول: (وأقرب الناس إليه عليُّ بن أبي طالب [إمام العالم بأسره])، وراجع في ذلك عليُّ بن أبي طالب إمام العارفين (ص ٥٩). وفي ما رواه أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة (ج ٢/ ص ٦٦٢/ ح ١١٣٠) عن سلمان، وابن عساكر في ترجمة عليٍّ (عليه السلام) من تاريخ مدينة دمشق (ج ٤٢/ ص ٦٧)، وابن المغازلي في مناقب عليِّ ابن أبي طالب (عليه السلام) (ص ٩٣ - ٩٥/ ح ١١٤ - ١١٦) بثلاثة أسانيد، والجويني في فرائد السمطين (ج ١/ ص ٤١ - ٤٤/ ح ٥ - ٨)، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (ج ٩/ ص ١٧١)، ما يفيد هذا المعنى كالحديث الذي يقول فيه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «كُنْتُ أَنَا وَعَلِيٌّ نُوراً بَيْنَ يَدَيِّ الله (عزَّ وجلَّ) قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللهُ آدَمَ أَوْ الدُّنْيَا بَأَرْبَعَةَ عَشَرَ الف عَامٍ أَوْ أَرْبَعِينَ الف عَامٍ...» إلخ.
أمَّا الشيعة، فقد قال المحدِّث الكبير المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ١/ ص ١٠٣): (قد ثبت بالأخبار المستفيضة أنَّهم (عليهم السلام) الوسائل بين الخلق وبين الحقِّ في إفاضة جميع الرحمات والعلوم والكمالات).
ولا يرون في ذلك غلوًّا، فأعلى رتبة في الخلق كآخر رتبة قائمة بخالقها فقيرة إليه فهي بالنسبة إليه ليست إلَّا صفراً، وهي عدم إذا ما نظرت بما هي في نفسها، ولكنَّها موجودة به سبحانه. أمَّا بالنسبة إلى غيرها فهي سيِّدة المخلوقات، وهي الوسط والأسباب لكون ما لا يكون إلَّا بالأكوان من المخلوقات المركَّبة. إنَّ الخلق بطبيعته محتاج إلى هذه السلسلة الطوليَّة المتدرِّجة من الآثار كما هو ثابت في الفلسفة والعرفان بقول الإمام عليٍّ (عليه السلام): «وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْهَا بِشَيْءٍ مُحِيطٌ، وَالمُحِيطُ بِمَا أَحَاطَ مِنْهَا الوَاحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ»، راجع: الكافي (ج ١/ ص ١٣٥/ باب جوامع التوحيد/ ح ١).

↑صفحة ١٨٢↑

يَا هَؤُلَاءِ، مَا لَكُمْ فِي اَلرَّيْبِ تَتَرَدَّدُونَ، وَفِي الحَيْرَةِ تَنْعَكِسُونَ؟ أَوَمَا سَمِعْتُمُ اَللهَ (عزَّ وجلَّ) يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]؟ أَوَمَا عَلِمْتُمْ مَا جَاءَتْ بِهِ الآثَارُ مِمَّا يَكُونُ وَيُحْدَثُ فِي أَئِمَّتِكُمْ عَنِ اَلمَاضِينَ وَالبَاقِينَ مِنْهُمْ (عليهم السلام)؟ أَوَمَا رَأَيْتُمْ كَيْفَ جَعَلَ اَللهُ لَكُمْ مَعَاقِلَ تَأْوُونَ إِلَيْهَا، وَأَعْلَاماً تَهْتَدُونَ بِهَا مِنْ لَدُنْ آدَمَ (عليه السلام) إِلَى أَنْ ظَهَرَ اَلمَاضِي (عليه السلام)، كُلَّمَا غَابَ عَلَمٌ بَدَا عَلَمٌ، وَإِذَا أَفَلَ نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ؟ فَلَمَّا قَبَضَهُ اَللهُ إِلَيْهِ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اَللهَ تَعَالَى أَبْطَلَ دِينَهُ، وَقَطَعَ اَلسَّبَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، كَلَّا مَا كَانَ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ حَتَّى تَقُومَ اَلسَّاعَةُ، وَيَظْهَرَ أَمْرُ اَلله سُبْحَانَهُ وَهُمْ كَارِهُونَ.
وَإِنَّ اَلمَاضِيَ (عليه السلام) مَضَى سَعِيداً فَقِيداً عَلَى مِنْهَاجِ آبَائِهِ (عليهم السلام) حَذْوَ اَلنَّعْلِ بِالنَّعْلِ(٢٨٣)، وَفِينَا وَصِيَّتُهُ وَعِلْمُهُ، وَمَنْ هُوَ خَلَفُهُ، وَمَنْ هُوَ يَسُدُّ مَسَدَّهُ، لَا يُنَازِعُنَا مَوْضِعَهُ إِلَّا ظَالِمٌ آثِمٌ، وَلَا يَدَّعِيهِ دُونَنَا إِلَّا جَاحِدٌ كَافِرٌ، وَلَوْ لَا أَنَّ أَمْرَ اَلله تَعَالَى لَا يُغْلَبُ، وَسِرَّهُ لَا يُظْهَرُ وَلَا يُعْلَنُ لَظَهَرَ لَكُمْ مِنْ حَقِّنَا مَا تَبَيَّنَ مِنْهُ عُقُولُكُمْ، وَيُزِيلُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٣) مثل عربي مشهور يُقصَد به المشابهة والمتابعة التامَّة، والأمثلة - لدى العرب - تُضرَب ولا تُقاس، كما هو معروف.

↑صفحة ١٨٣↑

شُكُوكَكُمْ، لَكِنَّهُ مَا شَاءَ اَللهُ كَانَ، وَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ. فَاتَّقُوا اَللهَ وَسَلِّمُوا لَنَا، وَرُدُّوا الأَمْرَ إِلَيْنَا، فَعَلَيْنَا الإِصْدَارُ كَمَا كَانَ مِنَّا الإِيرَادُ، وَلَا تُحَاوِلُوا كَشْفَ مَا غُطِّيَ عَنْكُمْ، وَلَا تَمِيلُوا عَنِ اليَمِينِ وَتَعْدِلُوا إِلَى اَلشِّمَالِ، وَاِجْعَلُوا قَصْدَكُمْ إِلَيْنَا بِالمَوَدَّةِ عَلَى اَلسُّنَّةِ الوَاضِحَةِ، فَقَدْ نَصَحْتُ لَكُمْ، وَاَللهُ شَاهِدٌ عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ، وَلَوْ لاَ مَا عِنْدَنَا مِنْ مَحَبَّةِ صَلَاحِكُمْ وَرَحْمَتِكُمْ وَالإِشْفَاقِ عَلَيْكُمْ لَكُنَّا عَنْ مُخَاطَبَتِكُمْ فِي شُغُلٍ فِيمَا قَدِ اُمْتُحِنَّا بِهِ مِنْ مُنَازَعَةِ اَلظَّالِمِ العُتُلِّ(٢٨٤) اَلضَّالِّ اَلمُتَتَابِعِ فِي غَيِّهِ، اَلمُضَادِّ لِرَبِّهِ، اَلدَّاعِي مَا لَيْسَ لَهُ، الجَاحِدِ حَقَّ مَنِ اِفْتَرَضَ اَللهُ طَاعَتَهُ، اَلظَّالِمِ الغَاصِبِ.
وَفِي اِبْنَةِ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لِي أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، وَسَيُرْدِي الجَاهِلَ رَدَاءَةُ عَمَلِهِ، وَسَيَعْلَمُ الكَافِرُ لِمَنْ عُقْبَى اَلدَّارِ، عَصَمَنَا اَللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ اَلمَهَالِكِ وَالأَسْوَاءِ وَالآفَاتِ وَالعَاهَاتِ كُلِّهَا بِرَحْمَتِهِ، فَإِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقَادِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ، وَكَانَ لَنَا وَلَكُمْ وَلِيًّا وَحَافِظاً، وَاَلسَّلَامُ عَلَى جَمِيعِ الأَوْصِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ وَاَلمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ اَللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَصَلَّى اَللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً»(٢٨٥).
ومنها، وهو يتَّصل بموضوع الإمامة بصورة عامَّة - كما هو السابق -

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٤) يستغرب بعضهم ويستنكر أنْ يصدر عن نبيٍّ أو إمام سباب، وأنْ يُؤكِّد ذلك ويُكرِّره، ولقد أشار الصديق الدكتور إبراهيم السامرَّائي في كتابه مع نهج البلاغة دارسة ومعجم (هامش ص ٥٠) إلى أنَّ قول الإمام: «عجباً لابن النابغة» شتم قبيح فهو من بذي الكلام، وعلَّله بأنَّ هذه البذاءة لم تكن على هذا النحو من الاستقباح في تلك الحقبة مع إقرارهم بأنَّها بذاءة.
ووجه الخطأ لديه في ذلك أنَّ ما يُستقبَح في الحالة العاديَّة لا يكون كذلك في الحالات الخاصَّة كالشهادة مثلاً أو بيان الحقِّ كإسقاط قيمة خصم مدَّعٍ محارب للحقِّ، بل القبيح كتمان ذلك، وقد جاء في القرآن: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ (القلم: ١٣)، والإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هنا أيضاً بصدد إسقاط دعوى جعفر الكذَّاب وكشف القناع لمن خُدِعَ وفُتِنَ به بوصفه ابن إمام وأخا إمام.
(٢٨٥) الغيبة للطوسي (ص ٢٨٥ - ٢٨٧/ ح ٢٤٥).

↑صفحة ١٨٤↑

وموقعه (عجَّل الله فرجه) منها، وردِّ دعوى جعفر الكذَّاب الذي ضلَّل بعض الناس وألقح الفتنة في وقته وغذَّى الشكوك بولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) ووجوده.
وقد روى هذا الكتاب الشيخ أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري (رحمه الله)، قال: إنَّه جاء بعض الشيعة يُعلِمه أنَّ جعفر الكذَّاب ابن عليٍّ الهادي (عليه السلام) كتب إليه كتاباً يُعرِّفه فيه نفسه، ويُعلِمه أنَّه القيِّم بعد أخيه، وأنَّ عنده من علم الحلال والحرام ما يُحتاج إليه وغير ذلك من العلوم كلِّها، فلمَّا قرأته كتبت إلى صاحب الزمان (عليه السلام)، وصيَّرت كتاب جعفر في درجه، فخرج الجواب إليَّ في ذلك:
«بِسْمِ اَلله اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ، أَتَانِي كِتَابُكَ أَبْقَاكَ اَللهُ، وَالكِتَابُ اَلَّذِي أَنْفَذْتَهُ دَرْجَهُ، وَأَحَاطَتْ مَعْرِفَتِي بِجَمِيعِ مَا تَضَمَّنَهُ عَلَى اِخْتِلَافِ الفَاظِهِ وَتَكَرُّرِ الخَطَإِ فِيهِ (يعني كتاب جعفر)، وَلَوْ تَدَبَّرْتَهُ لَوَقَفْتَ عَلَى بَعْضِ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَالحَمْدُ لِله رَبِّ العَالَمِينَ حَمْداً لَا شَرِيكَ لَهُ عَلَى إِحْسَانِهِ إِلَيْنَا وَفَضْلِهِ عَلَيْنَا، أَبَى اَللهُ (عزَّ وجلَّ) لِلْحَقِّ إِلَّا إِتْمَاماً، وَلِلْبَاطِلِ إِلَّا زُهُوقاً، وَهُوَ شَاهِدٌ عَلَيَّ بِمَا أَذْكُرُهُ، وَلِيٌّ عَلَيْكُمْ بِمَا أَقُولُهُ إِذَا اِجْتَمَعْنَا لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَيَسْأَلُنَا عَمَّا نَحْنُ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ، إِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِصَاحِبِ الكِتَابِ عَلَى اَلمَكْتُوبِ إِلَيْهِ وَلَا عَلَيْكَ وَلَا عَلَى أَحَدٍ مِنَ الخَلْقِ جَمِيعاً إِمَامَةً مُفْتَرَضَةً، وَلَا طَاعَةً وَلَا ذِمَّةً، وَسَأُبَيِّنُ لَكُمْ جُمْلَةً تَكْتَفُونَ بِهَا إِنْ شَاءَ اَللهُ تَعَالَى.
يَا هَذَا، يَرْحَمُكَ اَللهُ إِنَّ اَللهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقِ الخَلْقَ عَبَثاً، وَلَا أَهْمَلَهُمْ سُدًى، بَلْ خَلَقَهُمْ بِقُدْرَتِهِ، وَجَعَلَ لَهُمْ أَسْمَاعاً وَأَبْصَاراً وَقُلُوباً وَالبَاباً، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمُ اَلنَّبِيِّينَ (عليهم السلام) مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، يَأْمُرُونَهُمْ بِطَاعَتِهِ وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَيُعَرِّفُونَهُمْ مَا جَهِلُوهُ مِنْ أَمْرِ خَالِقِهِمْ وَدِينِهِمْ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَائِكَةً يَأْتِينَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ بَعَثَهُمْ إِلَيْهِمْ بِالفَضْلِ اَلَّذِي جَعَلَهُ لَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَمَا آتَاهُمْ مِنَ اَلدَّلَائِلِ اَلظَّاهِرَةِ، وَالبَرَاهِينِ البَاهِرَةِ، وَالآيَاتِ الغَالِبَةِ.

↑صفحة ١٨٥↑

فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ اَلنَّارَ عَلَيْهِ بَرْداً وَسَلَاماً، وَاِتَّخَذَهُ خَلِيلاً، وَمِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَهُ تَكْلِيماً، وَجَعَلَ عَصَاهُ ثُعْبَاناً مُبِيناً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَحْيَا اَلمَوْتَى بِإِذْنِ اَلله، وَأَبْرَأَ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِ اَلله، وَمِنْهُمْ مَنْ عَلَّمَهُ مَنْطِقَ اَلطَّيْرِ، وَأُوتِيَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَتَمَّمَ بِهِ نِعْمَتَهُ، وَخَتَمَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى اَلنَّاسِ كَافَّةً، وَأَظْهَرَ مِنْ صِدْقِهِ مَا أَظْهَرَ، وَبَيَّنَ مِنْ آيَاتِهِ وَعَلَامَاتِهِ مَا بَيَّنَ، ثُمَّ قَبَضَهُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حَمِيداً فَقِيداً سَعِيداً، وَجَعَلَ الأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى أَخِيهِ وَاِبْنِ عَمِّهِ وَوَصِيِّهِ وَوَارِثِهِ عَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، ثُمَّ إِلَى الأَوْصِيَاءِ مِنْ وُلْدِهِ وَاحِداً وَاحِداً، أَحْيَا بِهِمْ دِينَهُ، وَأَتَمَّ بِهِمْ نُورَهُ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِهِمْ وَبَنِي عَمِّهِمْ وَالأَدْنَيْنِ فَالأَدْنَيْنِ مِنْ ذَوِي أَرْحَامِهِمْ فُرْقَاناً بَيِّناً(٢٨٦)، يُعْرَفُ بِهِ الحُجَّةُ مِنَ اَلمَحْجُوجِ، وَالإِمَامُ مِنَ اَلمَأْمُومِ، بِأَنْ عَصَمَهُمْ مِنَ اَلذُّنُوبِ، وَبَرَّأَهُمْ مِنَ العُيُوبِ، وَطَهَّرَهُمْ مِنَ اَلدَّنَسِ، وَنَزَّهَهُمْ مِنَ اَللَّبْسِ، وَجَعَلَهُمْ خُزَّانَ عِلْمِهِ، وَمُسْتَوْدَعَ حِكْمَتِهِ، وَمَوْضِعَ سِرِّهِ، وَأَيَّدَهُمْ بِالدَّلَائِلِ، وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَكَانَ اَلنَّاسُ عَلَى سَوَاءٍ، وَلَادَّعَى أَمْرَ اَلله (عزَّ وجلَّ) كُلُّ أَحَدٍ، وَلَمَا عُرِفَ الحَقُّ مِنَ البَاطِلِ، وَلَا العَالِمُ مِنَ الجَاهِلِ.
وَقَدِ اِدَّعَى هَذَا اَلمُبْطِلُ اَلمُفْتَرِي عَلَى اَلله الكَذِبَ بِمَا اِدَّعَاهُ، فَلَا أَدْرِي بِأَيَّةِ حَالَةٍ هِيَ لَهُ رَجَاءَ أَنْ يُتِمَّ دَعْوَاهُ، أَبِفِقْهٍ فِي دِينِ اَلله؟ فَوَاَلله مَا يَعْرِفُ حَلَالاً مِنْ حَرَامٍ، وَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ خَطَإٍ وَصَوَابٍ. أَمْ بِعِلْمٍ؟ فَمَا يَعْلَمُ حَقًّا مِنْ بَاطِلٍ، وَلَا مُحْكَماً مِنْ مُتَشَابِهٍ، وَلَا يَعْرِفُ حَدَّ اَلصَّلَاةِ وَوَقْتَهَا. أَمْ بِوَرَعٍ؟ فَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى تَرْكِهِ اَلصَّلَاةَ الفَرْضَ أَرْبَعِينَ يَوْماً(٢٨٧) يَزْعُمُ ذَلِكَ لِطَلَبِ اَلشَّعْوَذَةِ، وَلَعَلَّ خَبَرَهُ قَدْ تَأَدَّى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٦) راجع ما ذكرنا من هذا الفرقان في (ص ٩٧) الأصل والهامش.
(٢٨٧) صلَّى الله عليك وعلى آبائك، تُسقِط إمامته لتركه الصلاة (٤٠) يوماً، وقد تركها بعض أدعياء العرفان والإمامة وأسقطوها عمَّن اقتدى بهم، وفي الوقت الذي يقول فيه حديث آبائك: (إنَّها معراج المؤمن) رأوها - بزعمهم - حجاباً. راجع: رسالة القشيري (ص ١٦).

↑صفحة ١٨٦↑

إِلَيْكُمْ، وَهَاتِيكَ ظُرُوفُ مُسْكِرِهِ مَنْصُوبَةٌ، وَآثَارُ عِصْيَانِهِ لِله (عزَّ وجلَّ) مَشْهُورَةٌ قَائِمَةٌ. أَمْ بِآيَةٍ فَلْيَأْتِ بِهَا، أَمْ بِحُجَّةٍ فَلْيُقِمْهَا، أَمْ بِدَلاَلَةٍ فَلْيَذْكُرْهَا.
قَالَ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) فِي كِتَابِهِ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم * تَنْزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَا ذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ١ - ٦]، فَالتَمِسْ تَوَلَّى اَللهُ تَوْفِيقَكَ مِنْ هَذَا اَلظَّالِمِ مَا ذَكَرْتُ لَكَ، وَاِمْتَحِنْهُ وَسَلْهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اَلله يُفَسِّرْهَا، أَوْ صَلَاةِ فَرِيضَةٍ يُبَيِّنْ حُدُودَهَا وَمَا يَجِبُ فِيهَا، لِتَعْلَمَ حَالَهُ وَمِقْدَارَهُ، وَيَظْهَرَ لَكَ عُوَارُهُ وَنُقْصَانُهُ، وَاَللهُ حَسِيبُهُ.
حَفِظَ اَللهُ الحَقَّ عَلَى أَهْلِهِ، وَأَقَرَّهُ فِي مُسْتَقَرِّهِ، وَقَدْ أَبَى اَللهُ (عزَّ وجلَّ) أَنْ تَكُونَ الإِمَامَةُ فِي أَخَوَيْنِ بَعْدَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ (عليهما السلام)، وَإِذَا أَذِنَ اَللهُ لَنَا فِي القَوْلِ ظَهَرَ الحَقُّ، وَاِضْمَحَلَّ البَاطِلُ، وَاِنْحَسَرَ عَنْكُمْ، وَإِلَى اَلله أَرْغَبُ فِي الكِفَايَةِ، وَجَمِيلِ اَلصُّنْعِ وَالوَلَايَةِ، وَحَسْبُنَا اَللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، وَصَلَّى اَللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ»(٢٨٨).
النائب الثاني: أبو جعفر محمّد بن عثمان بن سعيد العمري (رضي الله عنه):
عَنْ أَبِي نَصْرٍ هِبَةِ اَلله بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الكَاتِبِ، قَالَ: (كَانَتْ تَوْقِيعَاتُ صَاحِبِ الأَمْرِ (عليه السلام) تَخْرُجُ عَلَى يَدَيْ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ وَاِبْنِهِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ إِلَى شِيعَتِهِ وَخَوَاصِّ أَبِيهِ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) بِالأَمْرِ وَاَلنَّهْيِ وَالأَجْوِبَةِ عَمَّا يَسْأَلُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٨) الغيبة للطوسي (ص ٢٨٧ - ٢٩٠/ ح ٢٤٦).

↑صفحة ١٨٧↑

اَلشِّيعَةُ عَنْهُ إِذَا اِحْتَاجَتْ إِلَى اَلسُّؤَالِ فِيهِ بِالخَطِّ اَلَّذِي كَانَ يَخْرُجُ فِي حَيَاةِ الحَسَنِ (عليه السلام)، فَلَمْ تَزَلِ اَلشِّيعَةُ مُقِيمَةً عَلَى عَدَالَتِهِمَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ (رَحِمَهُ اَللهُ وَرَضِيَ عَنْهُ)، وَغَسَلَهُ اِبْنُهُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَتَوَلَّى القِيَامَ بِهِ، وَحَصَلَ الأَمْرُ كُلُّهُ مَرْدُوداً إِلَيْهِ، وَاَلشِّيعَةُ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى عَدَالَتِهِ وَثِقَتِهِ وَأَمَانَتِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنَ اَلنَّصِّ عَلَيْهِ بِالأَمَانَةِ وَالعَدَالَةِ وَالأَمْرِ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ فِي حَيَاةِ الحَسَنِ (عليه السلام) وَبَعْدَ مَوْتِهِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ عُثْمَانَ (رَحْمَةُ اَلله عَلَيْهِ))(٢٨٩).
وقد سبق أنْ ذكرنا النصَّ الذي أشار إليه الكاتب (رحمه الله) على أبي جعفر محمّد ابن عثمان في عدَّة روايات، وفي أكثر من مرَّة، من قِبَل الإمام الحسن (عليه السلام) في حديثنا المتقدِّم عن أبيه (رضي الله عنه)، لأنَّ الإمام (عليه السلام) جمع بينهما فيه، وأفرد (عليه السلام) أبا جعفر في بعضها بالإشارة إلى أنَّه وكيل الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
أمَّا النصُّ عليه من الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فبالرغم من أنَّه لا حاجة إليه مجدَّداً - بحكم نيابته القائمة له زمن أبيه (رحمه الله) - فإنَّه مع ذلك أكَّد (عجَّل الله فرجه) استمرار هذه النيابة - كما هو واضح - في كتاب تعزيته له بأبيه (رضي الله عنه)، وكُتُب أُخرى تلقَّاها عدد من أعيان الشيعة آنذاك.
روي مسنداً عن محمّد بن إبراهيم بن مهزيار(٢٩٠) أنَّه خرج إليه بعد وفاة أبي عمرو (عثمان بن سعيد) (رحمه الله) من الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) توقيع جاء فيه: «وَاَلاِبْنُ وَقَاهُ اَللهُ لَمْ يَزَلْ ثِقَتَنَا فِي حَيَاةِ الأَبِ (رَضِيَ اَللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، وَنَضَّرَ وَجْهَهُ)، يَجْرِي عِنْدَنَا مَجْرَاهُ، وَيَسُدُّ مَسَدَّهُ، وَعَنْ أَمْرِنَا يَأْمُرُ اَلاِبْنُ وَبِهِ يَعْمَلُ، تَوَلَّاهُ اَللهُ، فَانْتَهِ إِلَى قَوْلِهِ، وَعَرِّفْ مُعَامِلَتَنَا ذَلِكَ»(٢٩١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٩) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٦ و٣٥٧/ ح ٣١٨).
(٢٩٠) ذكره الشيخ الطوسي (رحمه الله) في رجاله (ص ٤٠٢/ الرقم ٥٨٩٧/١٥) من أصحاب أبي محمّد الحسن بن عليٍّ العسكري (عليه السلام).
(٢٩١) الغيبة للطوسي (ص ٣٦٢/ ح ٣٢٥).

↑صفحة ١٨٨↑

وروي أيضاً مسنداً عن محمّد بن يعقوب، عن إسحاق بن يعقوب أنَّه تلقَّى التوقيع بخطِّ مولانا صاحب الدار (عجَّل الله فرجه)، وفيه: «وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ العَمْرِيُّ (رَضِيَ اَللهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ) فَإِنَّهُ ثِقَتِي، وَكِتَابُهُ كِتَابِي»(٢٩٢).
وبالإسناد إلى عبد الله بن جعفر الحميري، قال: (لَـمَّا مَضَى أَبُو عَمْرٍو (رَضِيَ اَللهُ تَعَالَى عَنْهُ) أَتَتْنَا الكُتُبُ بِالخَطِّ اَلَّذِي كُنَّا نُكَاتِبُ بِهِ (يعني من الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)) بِإِقَامَةِ أَبِي جَعْفَرٍ (رضي الله عنه) مَقَامَهُ)(٢٩٣).
وجاء في رواية هبة الله عن شيوخه وهم يتحدَّثون عن أبي جعفر العمري قولهم: (وقد نُقِلَت عنه دلائل كثيرة، ومعجزات الإمام ظهرت على يديه، وأُمور أخبرهم بها عنه(٢٩٤) زادتهم في هذا الأمر بصيرةً، وهي مشهورة عند الشيعة)(٢٩٥).
وروي مسنداً عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: سَألتُ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ العَمْرِيَّ (رضي الله عنه)، فَقُلْتُ لَهُ: أَرَأَيْتَ صَاحِبَ هَذَا الأَمْرِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَآخِرُ عَهْدِي بِهِ عِنْدَ بَيْتِ اَلله الحَرَامِ، وَهُوَ يَقُولُ: «اَللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي»(٢٩٦).
وقال (رضي الله عنه) في رواية أبي جعفر بن بابويه: (إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الأَمْرِ لَيَحْضُرُ اَلمَوْسِمَ كُلَّ سَنَةٍ، فَيَرَى اَلنَّاسَ وَيَعْرِفُهُمْ، وَيَرَوْنَهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ)(٢٩٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٢) كمال الدِّين (ص ٤٨٥/ باب ٤٥/ ح ٤)، الغيبة للطوسي (ص ٢٩١/ ح ٢٤٧).
(٢٩٣) الغيبة للطوسي (ص ٣٦٢/ ح ٣٢٤).
(٢٩٤) راجع: كمال الدِّين (ص ٥٠٤/ باب ٤٥/ ح ٣٥)، ودلائل الإمامة (ص ٥١٩ و٥٢٠/ ح ٤٩٣/٩٧)، والإرشاد (ج ٢/ ص ٣٦٥)، والغيبة للطوسي (ص ٢٩٤ - ٢٩٦/ ح ٢٤٩)، والخرائج والجرائح (ج ١/ ص ٤٧٢ - ٤٧٤/ ح ١٧).
(٢٩٥) الغيبة للطوسي (ص ٣٦٢ و٣٦٣/ ح ٣٢٧).
(٢٩٦) كمال الدِّين (ص ٤٤٠/ باب ٤٣/ ح ٩)، من لا يحضره الفقيه (ج ٢/ ص ٥٢٠/ ح ٣١١٥)، الغيبة للطوسي (ص ٢٥١ و٣٦٤/ ح ٢٢٢ و٣٣٠).
(٢٩٧) كمال الدِّين (ص ٤٤٠/ باب ٤٣/ ح ٨)، من لا يحضره الفقيه (ج ٢/ ص ٥٢٠/ ح ٣١١٥)، الغيبة للطوسي (ص ٣٦٣ و٣٦٤/ ح ٣٢٩).

↑صفحة ١٨٩↑

من توقيعات الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بوساطته:
امتدَّت نيابة أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) للإمام (عجَّل الله فرجه) زمناً طويلاً لم يحصل لأيِّ واحدٍ من النُّوَّاب الآخرين، فقد تولَّى ذلك في حياة الإمام الحسن (عليه السلام) مع أبيه (رحمه الله) للإمام الحسن ثمّ المهدي (عليهما السلام)، واستمرَّ مع أبيه حتَّى تُوفّي، ثم قام بذلك منفرداً حتَّى وفاته سنة (٣٠٤هـ) أو سنة (٣٠٥هـ)، وقد قدَّروا مدَّة تولِّيه للنيابة بنحو خمسين سنة(٢٩٨).
ولذلك فمن المتوقَّع أنْ يكون ما جاء بوساطته من آثار الإمام (عجَّل الله فرجه) وتوقيعاته كثيراً جدًّا، ولم يصلنا منه إلَّا القليل، لما بيَّنَّاه من الأسباب. ومع ذلك فما أُثِرَ عنه (رحمه الله) أكثر ممَّا هو عن غيره.
ومن الآثار المعروفة التي جاءت عن طريقه بعض الأدعية، كالدعاء الذي ورد في كُتُب الدعاء أنَّه يُقرَأ في كلِّ يوم من رجب(٢٩٩)، وهو - كما يرى العارفون - من أهمّ الأدعية في مضامينه المعرفيَّة المتَّصلة بولاية الخلق الأوَّل، أي المبادئ الأُولى القائمة بربِّها، والمقوِّمة لما بعدها بحكم ما يقتضيه الخلق من سلسلة طوليَّة وأكوان متعدِّدة تكون وسطاً وأسباباً لكون الكائن المركَّب(٣٠٠).
وكدعاء الافتتاح المشهور الذي يُقرَأ في ليالي رمضان(٣٠١)، ولا حاجة لبيان أنَّه من أهمّ الأدعية في لغته وأُسلوبه ومضامينه العقائديَّة، فهذا الجانب ملحوظ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٨) الغيبة للطوسي (ص ٣٦٦/ ح ٣٣٤).
(٢٩٩) المصباح للكفعمي (ص ٥٢٩).
(٣٠٠) راجع: بحار الأنوار (ج ١/ ص ١٠٣ و١٠٤)، والمضمون المعرفي والأخلاقي في أدعية أهل البيت (عليهم السلام) للمؤلِّف (مخطوط).
(٣٠١) إقبال الأعمال (ج ١/ ص ١٣٨)، مفاتيح الجنان (ص ٢٩٠ - ٢٩٥)، والأخير لم يذكر نسبته للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ولا دعاء أبي جعفر العمري به.

↑صفحة ١٩٠↑

لدى كلِّ من قرأه، ولقد رأيت شخصاً غمرته روعة أُسلوبه ومعانيه وهو يقرأه، فرفع رأسه قائلاً: كيف يقولون: إنَّه غائب وهذا نوره يضيء قلوبنا، وهذه أنفاسه تهزُّنا من العمق؟!
وذُكِرَت أدعية وزيارات أُخرى نُسِبَت إلى الإمام (عجَّل الله فرجه)، وأنَّها صدرت في زمن الشيخ (رحمه الله) يمكن من شاء مراجعتها والتأكُّد من نسبتها من مصادرها الخاصَّة، ككُتُب الأدعية والزيارات المعروفة، والكُتُب المؤلَّفة في الإمام (عجَّل الله فرجه) ونُوَّابه وما صدر عنهم.
ومن توقيعاته (عجَّل الله فرجه) بواسطته ما رواه محمّد بن يعقوب الكليني عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: سَألتُ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ العَمْرِيَّ (رضي الله عنه) أَنْ يُوصِلَ لِي كِتَاباً قَدْ سَألتُ فِيهِ عَنْ مَسَائِلَ أَشْكَلَتْ عَلَيَّ، فَوَرَدَتْ اَلتَّوْقِيعِ بِخَطِّ مَوْلَانَا صَاحِبِ اَلزَّمَانِ (عليه السلام): «أَمَّا مَا سَألتَ عَنْهُ أَرْشَدَكَ اَللهُ وَثَبَّتَكَ مِنْ أَمْرِ اَلمُنْكِرِينَ لِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِنَا وَبَنِي عَمِّنَا، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ اَللهِ (عزَّ وجلَّ) وَبَيْنَ أَحَدٍ قَرَابَةٌ، وَمَنْ أَنْكَرَنِي فَلَيْسَ مِنِّي، وَسَبِيلُهُ سَبِيلُ اِبْنِ نُوحٍ (عليه السلام).
وأَمَّا سَبِيلُ عَمِّي جَعْفَرٍ وَوُلْدِهِ فَسَبِيلُ إِخْوَةِ يُوسُفَ (عليه السلام).
وَأَمَّا الفُقَّاعُ فَشُرْبُهُ حَرَامٌ، وَلَا بَأْسَ بِالشَّلْمَابِ.
وَأَمَّا أَمْوَالُكُمْ فَلَا نَقْبَلُهَا إِلَّا لِتَطَهَّرُوا، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصِلْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ، فَمَا آتَانِي اَللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ.
وَأَمَّا ظُهُورُ الفَرَجِ فَإِنَّهُ إِلَى اَللهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَكَذَبَ الوَقَّاتُونَ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الحُسَيْنَ (عليه السلام) لَمْ يُقْتَلْ فَكُفْرٌ وَتَكْذِيبٌ وَضَلَالٌ(٣٠٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠٢) من مزاعم الغلاة (لعنهم الله) بالنسبة للأئمَّة (عليهم السلام)، ومنهم عليٌّ والحسين (عليهما السلام)، خلط بين ما أثبته الله وأثبتوه (عليهم السلام) تبعاً من الحياة الأُخرويَّة بالنسبة للشهداء والصدِّيقين وبين الحياة البدنيَّة، فإنَّ البدن لابدَّ من موته بالقتل، أو بالصورة الطبيعيَّة بحكم بنائه المادِّي، وذلك مشهود حسًّا.

↑صفحة ١٩١↑

وَأَمَّا الحَوَادِثُ الوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وَأَنَا حُجَّةُ اَللهِ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ العَمْرِيُّ رَضِيَ اَللهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ فَإِنَّهُ ثِقَتِي وَكِتَابُهُ كِتَابِي.
وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ الأَهْوَازِيُّ فَسَيُصْلِحُ اَللهُ لَهُ قَلْبَهُ وَيُزِيلُ عَنْهُ شَكَّهُ.
وَأَمَّا مَا وَصَلْتَنَا بِهِ فَلَا قَبُولَ عِنْدَنَا إِلَّا لِمَا طَابَ وَطَهُرَ(٣٠٣).
وَثَمَنُ اَلمُغَنِّيَةِ حَرَامٌ.
وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ بْنِ نُعَيْمٍ فَهُوَ رَجُلٌ مِنْ شِيعَتِنَا أَهْلَ البَيْتِ.
وَأَمَّا أَبُو الخَطَّابِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي زَيْنَبَ الأَجْدَعُ (من رؤوس الغلاة) فَمَلْعُونٌ، وَأَصْحَابُهُ مَلْعُونُونَ، فَلَا تُجَالِسْ أَهْلَ مَقَالَتِهِمْ، فَإِنِّي مِنْهُمْ بَرِيءٌ، وَآبَائِي (عليهم السلام) مِنْهُمْ بِرَاءٌ.
وَأَمَّا اَلمُتَلَبِّسُونَ بِأَمْوَالِنَا، فَمَنِ اِسْتَحَلَّ مِنْهَا شَيْئاً فَأَكَلَهُ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ اَلنِّيرَانَ.
وَأَمَّا الخُمُسُ فَقَدْ أُبِيحَ لِشِيعَتِنَا، وَجُعِلُوا مِنْهُ فِي حِلٍّ إِلَى وَقْتِ ظُهُورِ أَمْرِنَا، لِتَطِيبَ وِلاَدَتُهُمْ وَلَا تَخْبُثَ.
وَأَمَّا نَدَامَةُ قَوْمٍ قَدْ شَكُّوا فِي دِينِ اَللهِ (عزَّ وجلَّ) عَلَى مَا وَصَلُونَا بِهِ فَقَدْ أَقَلْنَا مَنِ اِسْتَقَالَ، وَلَا حَاجَةَ فِي صِلَةِ اَلشَّاكِّينَ.
وَأَمَّا عِلَّةُ مَا وَقَعَ مِنَ الغَيْبَةِ، فَإِنَّ اَللهَ (عزَّ وجلَّ) يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠٣) ما أكثر التوقيعات التي صدرت بإرجاع أموال إلى أصحابها وإخبارهم بما لم يعلموا هم أنفسهم بوجه الشُّبُهة فيها، راجع: كمال الدِّين (ص ٤٨٦/ باب ٤٥/ ح ٦).

↑صفحة ١٩٢↑

آبَائِي إِلَّا وَقَدْ وَقَعَتْ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ لِطَاغِيَةِ زَمَانِهِ، وَإِنِّي أَخْرُجُ حِينَ أَخْرُجُ وَلَا بَيْعَةَ لِأَحَدٍ مِنَ اَلطَّوَاغِيتِ فِي عُنُقِي.
وَأَمَّا وَجْهُ اَلاِنْتِفَاعِ بِي فِي غَيْبَتِي فَكَالاِنْتِفَاعِ بِالشَّمْسِ إِذَا غَيَّبَتْهَا عَنِ الأَبْصَارِ اَلسَّحَابُ(٣٠٤)، وَإِنِّي لَأَمَانُ أَهْلِ الأَرْضِ كَمَا أَنَّ اَلنُّجُومَ أَمَانٌ لِأَهْلِ اَلسَّمَاءِ(٣٠٥)، فَأَغْلِقُوا أَبْوَابَ اَلسُّؤَالِ عَمَّا لَا يَعْنِيكُمْ، وَلَا تَتَكَلَّفُوا عَلَى مَا قَدْ كُفِيتُمْ، وَأَكْثِرُوا اَلدُّعَاءَ بِتَعْجِيلِ الفَرَجِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ فَرَجكُمْ، وَاَلسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا إِسْحَاقَ ابْنَ يَعْقُوبَ وَعَلى مَنِ اِتَّبَعَ الهُدى»(٣٠٦).
وفاة الشيخ أبي جعفر العمري (رضي الله عنه):
روي عن أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ اَلدَّلَّالِ القُمِّيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ (رضي الله عنه) يَوْماً لِأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، فَوَجَدْتُهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ سَاجَةٌ وَنَقَّاشٌ يَنْقُشُ عَلَيْهَا وَيَكْتُبُ آياً مِنَ القُرْآنِ، وَأَسْمَاءَ الأَئِمَّةِ (عليهم السلام) عَلَى حَوَاشِيهَا، فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي، مَا هَذِهِ اَلسَّاجَةُ؟ فَقَالَ لِي: هَذِهِ لِقَبْرِي، تَكُونُ فِيهِ، أُوضَعُ عَلَيْهَا، أَوْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠٤) هذا مثال رائع ومطابق، فالشمس رغم ما يبدو من تغطية السحاب لها تظلُّ أشعَّتها نافذة تضيء الأرض، وغياب الإمام (عليه السلام) واقتصار الصلة به على الخاصَّة وبواسطة النُّوَّاب، وبالتسديد الخفيِّ في ما يُطلِعه الله عليه من شؤون المسلمين أشبه بذلك، أي إنَّ الإفادة من علمه وبركاته وشفاعته تظلُّ قائمة. وفي ما ذكرناه - من الشواهد - وأشرنا إليه ما يكفي لإثبات ذلك.
(٣٠٥) النجوم مراكز استقطاب للكواكب، كما هو بالنسبة إلى شمسنا بالنسبة إلى توابعها، وبانفجارها أو موتها ينفرط عقد الكواكب، وترتطم ببعضها وتفنى، وقد سجَّل العلم موت نجوم أصبحت ما يُسمَّى بالثقوب السوداء، فابتلعت ما حولها من كواكب بل مجرَّات. راجع: موجز تاريخ الزمن (ص ١٣٧ وما بعدها/ فصل ٦ الثقوب السوداء).
(٣٠٦) كمال الدِّين (ص ٤٨٣ - ٤٨٥/ باب ٤٥/ ح ٤)، الغيبة للطوسي (ص ٢٩٠ - ٢٩٢/ح ٢٤٧).

↑صفحة ١٩٣↑

قَالَ: أُسْنَدُ إِلَيْهَا، وَقَدْ عَرَفْتَ مِنْهُ، وَأَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ أَنْزِلُ فِيهِ فَأَقْرَأُ جُزْءاً مِنَ القُرْآنِ فِيهِ فَأَصْعَدُ، وَأَظُنُّهُ قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَرَانِيهِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا وَكَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا وَكَذَا صِرْتُ إِلَى اَلله (عزَّ وجلَّ) وَدُفِنْتُ فِيهِ وَهَذِهِ اَلسَّاجَةُ مَعِي.
فَلَمَّا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ أَثْبَتُّ مَا ذَكَرَهُ، وَلَمْ أَزَلْ مُتَرَقِّباً بِهِ ذَلِكَ، فَمَا تَأَخَّرَ الأَمْرُ حَتَّى اِعْتَلَّ أَبُو جَعْفَرٍ، فَمَاتَ فِي اليَوْمِ اَلَّذِي ذَكَرَهُ، مِنَ اَلشَّهْرِ اَلَّذِي قَالَهُ، مِنَ اَلسَّنَةِ اَلَّتِي ذَكَرَهَا، وَدُفِنَ فِيهِ(٣٠٧).
وكانت وفاته في آخر جمادى الأُولى سنة (٣٠٤هـ) أو سنة (٣٠٥هـ)(٣٠٨).
النائب الثالث: أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي (رضي الله عنه):
ذكر المؤرِّخون أنَّه كان لدى أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري (رحمه الله) أثناء حياته نحو عشرة رجال يعتمدهم في قضاء حاجاته، منهم أبو القاسم الحسين بن روح (رحمه الله)، وكلُّهم كانوا كما يبدو أخصّ منه لديه حتَّى إنَّه كان يُنجز حاجاته على الأغلب على يد غيره، وقد فسَّروا ذلك بأنَّه كان أقلّ خصوصيَّة لديه منهم، ولكن الاختيار وقع آخر الأمر عليه(٣٠٩).
وممَّا ذكروا أيضاً أنَّ مشائخ الشيعة كانوا يتوقَّعون - كما روى ابن قولويه - أنَّ الذي سيقوم مقام أبي جعفر (رحمه الله) إذا ما توفَّاه الله تعالى جعفر بن أحمد بن متيل، لما يرون من مكانته لديه، وما يبدو له من خصوصيَّة عنده، عدُّوا من شواهدها كثرة تواجده في منزله حتَّى بلغ أنَّه كان في آخر عمره لا يأكل طعاماً إلَّا ما أُصلح في منزل جعفر وأبيه، فلمَّا وقع الاختيار في الوصيَّة على أبي القاسم الحسين بن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠٧) الغيبة للطوسي (ص ٣٦٤ و٣٦٥/ ح ٣٣٢).
(٣٠٨) الغيبة للطوسي (ص ٣٦٦/ ح ٣٣٤).
(٣٠٩) الغيبة للطوسي (ص ٣٦٨ و٣٦٩/ ح ٣٣٦).

↑صفحة ١٩٤↑

روح سلَّم آل متيل، ولم يُنكِروا، وكانوا معه وبين يديه كما كانوا مع أبي جعفر (محمّد بن عثمان) حتَّى مات(٣١٠).
لكن هذا التصوُّر لمكانته وخصوصيَّته من أبي جعفر (رحمه الله) - كما يبدو لنا - رأي لبعضهم منتزع من العلاقات المنظورة العامَّة والشخصيَّة بين الشيخ العمري (رحمه الله) وبين المحيطين به من وكلائه وثقاته وإخوانه من المؤمنين، ولا يدلُّ شيء ممَّا ذكروه من شواهد على تقدُّم منزلتهم على الحسين، بل قد يُفهَم من ذلك العكس.
وهناك روايات أُخرى تشير إلى أنَّ لأبي القاسم الحسين بن روح (رحمه الله) مكانة متقدِّمة ابتداءً لدى الشيخ العمري، ففي رواية عن أُمِّ كلثوم بنت أبي جعفر العمري (رحمها الله) أنَّها قالت: كَانَ أَبُو القَاسِمِ الحُسَيْنُ بْنُ رَوْحٍ (رضي الله عنه) وَكِيلاً لِأَبِي جَعْفَرٍ (رضي الله عنه) سِنِينَ كَثِيرَةً يَنْظُرُ لَهُ فِي أَمْلَاكِهِ، وَيُلْقِي بِأَسْرَارِهِ اَلرُّؤَسَاءَ مِنَ اَلشِّيعَةِ، وَكَانَ خِصِّيصاً بِهِ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُهُ بِمَا يَجْرِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَوَارِيهِ لِقُرْبِهِ مِنْهُ وَأُنْسِهِ.
قَالَتْ: وَكَانَ يَدْفَعُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثِينَ دِينَاراً رِزْقاً لَهُ...، إلى أنْ قالت: فَحَصَّلَ فِي أَنْفُسِ اَلشِّيعَةِ مُحَصَّلاً جَلِيلاً لِمَعْرِفَتِهِمْ بِاخْتِصَاصِه بأَبِي جعفر العمري وَتَوْثِيقِهِ عِنْدَهُمْ، فَمَهَّدْتُ لَهُ الحَالَ فِي طُولِ حَيَاتِهِ إِلَى أَنِ اِنْتَهَتِ الوَصِيَّةُ إِلَيْهِ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي أَمْرِهِ وَلَمْ يَشُكَّ فِيهِ أَحَدٌ(٣١١).
وروى أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الأَسْوَدُ (رضي الله عنه)، قَالَ: كُنْتُ أَحْمِلُ الأَمْوَالَ اَلَّتِي تُجْعَلُ فِي بَابِ الوَقْفِ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ العَمْرِيِّ (رضي الله عنه)، فَيَقْبِضُهَا مِنِّي، فَحَمَلْتُ إِلَيْهِ يَوْماً شَيْئاً مِنَ الأَمْوَالِ فِي آخِرِ أَيَّامِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٠) الغيبة للطوسي (ص ٣٦٩ و٣٧٠/ ح ٣٣٧).
(٣١١) الغيبة للطوسي (ص ٣٧٢/ ح ٣٤٣).

↑صفحة ١٩٥↑

سِنِينَ، فَأَمَرَنِي بِتَسْلِيمِهِ إِلَى أَبِي القَاسِمِ اَلرَّوْحِيِّ (رضي الله عنه)، وَكُنْتُ أُطَالِبُهُ بِالقُبُوضِ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ العَمْرِيِّ (رضي الله عنه)، فَأَمَرَنِي أَنْ لَا أُطَالِبَهُ بِالقَبْضِ، وَقَالَ: كُلَّمَا وَصَلَ إِلَى أَبِي القَاسِمِ وَصَلَ إِلَيَّ، قَالَ: فَكُنْتُ أَحْمِلُ بَعْدَ ذَلِكَ الأَمْوَالَ إِلَيْهِ وَلَا أُطَالِبُهُ بِالقُبُوضِ(٣١٢).
وروي مثل ذلك عن أبي عبد الله جعفر بن عثمان المدائني المعروف بابن قزدا (رحمه الله)، فقد ذكر أنَّه كان يحمل المال للعمري (رحمه الله)، وأنَّه صار إليه آخر عهده به (قدّس سرّه)، فقال له: اِمْضِ بِهَا إِلَى الحُسَيْنِ بْنِ رَوْحٍ، فَتَوَقَّفَ فَقَالَ: تَقْبِضُهَا أَنْتَ مِنِّي عَلَى اَلرَّسْمِ، قَالَ: فَرَدَّ عَلَيَّ كَالمُنْكِرِ لِقَوْلِي، وَقَالَ: قُمْ عَافَاكَ اَللهُ فَادْفَعْهَا إِلَى الحُسَيْنِ ابْنِ رَوْحٍ.
وقال: إنَّه استجاب حين رأى الغضب في وجهه، ولكنَّه في بعض الطريق رجع كالشَّاكِّ وأصرَّ على مقابلته مرَّةً أُخرى، فقال له العمري (رحمه الله) حين خرج إليه: مَا اَلَّذِي جَرَّأَكَ عَلَى اَلرُّجُوعِ؟ وَلِمَ لَمْ تَمْتَثِلْ مَا قُلْتُهُ لَكَ؟
وحين ذكر له ما رآه عذراً من حالته وتردُّده قال له العمري (رحمه الله) وهو مغضب - في ما ذكر -: قُمْ عَافَاكَ اَللهُ، فَقَدْ أَقَمْتُ أَبَا القَاسِمِ حُسَيْنَ بْنَ رَوْحٍ مَقَامِي، وَنَصَبْتُهُ مَنْصَبِي، قَالَ: فَقُلْتُ: بِأَمْرِ الإِمَامِ؟ فَقَالَ (رحمه الله): قُمْ عَافَاكَ اَللهُ كَمَا أَقُولُ لَكَ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي غَيْرُ اَلمُبَادَرَةِ(٣١٣).
وعَنْ أَبِي عَلِيٍّ مُحَمَّدِ بْنِ هَمَّامٍ (رَضِيَ اَللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ) أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ العَمْرِيَّ (قَدَّسَ اَللهُ رُوحَهُ) جَمَعَنَا قَبْلَ مَوْتِهِ، وَكُنَّا وُجُوهَ اَلشِّيعَةِ وَشُيُوخَهَا، فَقَالَ لَنَا: إِنْ حَدَثَ عَلَيَّ حَدَثُ اَلمَوْتِ فَالأَمْرُ إِلَى أَبِي القَاسِمِ الحُسَيْنِ بْنِ رَوْحٍ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٢) كمال الدِّين (ص ٥٠١ و٥٠٢/ باب ٤٥/ ح ٢٨)، الغيبة للطوسي (ص ٣٧٠/ ح ٣٣٨).
(٣١٣) الغيبة للطوسي (ص ٣٦٧ و٣٦٨/ ح ٣٣٥).

↑صفحة ١٩٦↑

اَلنَّوْبَخْتِيِّ، فَقَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَجْعَلَهُ فِي مَوْضِعِي بَعْدِي، فَارْجِعُوا إِلَيْهِ، وَعَوِّلُوا فِي أُمُورِكُمْ عَلَيْهِ(٣١٤).
وروي عَنْ أَبِي نَصْرٍ هِبَةِ اَلله بْنِ مُحَمَّدٍ (ابن بنت أُمِّ كلثوم ابنة الشيخ العمري (رحمه الله))، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِي أَبُو إِبْرَاهِيمَ جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ اَلنَّوْبَخْتِيُّ، قَالَ: قَالَ لِي أَبِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَمِّي أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ اَلله بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِنَا - يَعْنِي بَنِي نَوْبَخْتَ -: إِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ العَمْرِيَّ لَـمَّا اِشْتَدَّتْ حَالُهُ اِجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ وُجُوهِ اَلشِّيعَةِ، مِنْهُمْ: أَبُو عَلِيِّ بْنُ هَمَّامٍ، وَأَبُو عَبْدِ اَلله بْنُ مُحَمَّدٍ الكَاتِبُ، وَأَبُو عَبْدِ اَلله البَاقَطَانِيُّ، وَأَبُو سَهْلٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ اَلنَّوْبَخْتِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اَلله بْنُ الوَجْنَاءُ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الوُجُوهِ وَالأَكَابِرِ، فَدَخَلُوا عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ (رضي الله عنه)، فَقَالُوا لَهُ: إِنْ حَدَثَ أَمْرٌ فَمَنْ يَكُونُ مَكَانَكَ؟ فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا أَبُو القَاسِمِ الحُسَيْنُ بْنُ رَوْحِ بْنِ أَبِي بَحْرٍ اَلنَّوْبَخْتِيُّ القَائِمُ مَقَامِي وَاَلسَّفِيرُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ صَاحِبِ الأَمْرِ (عليه السلام) وَالوَكِيلُ لَهُ وَاَلثِّقَةُ الأَمِينُ، فَارْجِعُوا إِلَيْهِ فِي أُمُورِكُمْ، وَعَوِّلُوا عَلَيْهِ فِي مُهِمَّاتِكُمْ، فَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَقَدْ بَلَّغْتُ(٣١٥).
وروى عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَتِّيلٍ، عَنْ عَمِّهِ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَتِّيلٍ، قَالَ: لَـمَّا حَضَرَتْ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ العَمْرِيَّ (رضي الله عنه) الوَفَاةُ كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ رَأْسِهِ أَسْأَلُهُ وَأُحَدِّثُهُ، وَأَبُو القَاسِمِ بْنُ رَوْحٍ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَالتَفَتَ إِلَيَّ ثُمَّ قَالَ: أُمِرْتُ أَنْ أُوصِيَ إِلَى أَبِي القَاسِمِ الحُسَيْنِ بْنِ رَوْحٍ، قَالَ: فَقُمْتُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ، وَأَخَذْتُ بِيَدِ أَبِي القَاسِمِ، وَأَجْلَسْتُهُ فِي مَكَانِي، وَتَحَوَّلْتُ إِلَى عِنْدِ رِجْلَيْهِ(٣١٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٤) الغيبة للطوسي (ص ٣٧١/ ح ٣٤١).
(٣١٥) الغيبة للطوسي (ص ٣٧١ و٣٧٢/ ح ٣٤٢).
(٣١٦) الغيبة للطوسي (ص ٣٧٠/ ح ٣٣٩).

↑صفحة ١٩٧↑

كرامات الشيخ ابن روح (رحمه الله):
للشيخ ابن روح مثل غيره ممَّن اختارهم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لنيابته زمن الغيبة الصغرى صفات مميَّزة قدَّمته على غيره من العلماء الذين عاصروه، وتصوَّر الكثيرون - ابتداءً - أنَّهم من سيتولَّى الأمر دونه.
منها: ما شهد له بها العالم المتكلِّم المعروف أبو سهل النوبختي، وذكرناها في صدر البحث حين سُئِلَ عن سرِّ اختيار الشيخ ابن روح دونه، فقد ذكر ما معناه أنَّه يتمتَّع بقدرة فدائيَّة لا نظير لها في كتمانه لسرِّ الإمام (عجَّل الله فرجه)، قال: (لَوْ كَانَتِ الحُجَّةُ تَحْتَ ذَيْلِهِ وَقُرِّضَ بِالمَقَارِيضِ مَا كَشَفَ اَلذَّيْلَ عَنْهُ)، واعترف أنَّه لا يحرز من نفسه مثل ذلك(٣١٧).
وبمثل ذلك شهدت له أُمُّ كلثوم ابنة الشيخ العمري (رحمه الله)، فقد ذكرت في جملة ما أثنت به عليه: (مَا كَانَ يَحْتَمِلُهُ مِنْ هَذَا الأَمْرِ)(٣١٨).
وقد ساقوا وقائع عديدة ممَّا أظهر الله على يديه من كرامات تشهد لصلته الحقَّة بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
منها - وننقلها بأُسلوب صاحبها من دون تصرُّف -: ما روي عن محمد بن الحسن الصيرفي المقيم ببلخ، قال: أَرَدْتُ الخُرُوجَ إِلَى الحَجِّ، وَكَانَ مَعِي مَالٌ بَعْضُهُ ذَهَبٌ وَبَعْضُهُ فِضَّةٌ، فَجَعَلْتُ مَا كَانَ مَعِي مِنَ الذَّهَبِ سَبَائِكَ، وَمَا كَانَ مَعِي مِنَ الفِضَّةِ نُقَراً، وَكَانَ قَدْ دُفِعَ ذَلِكَ المَالُ إِلَيَّ لِأُسَلِّمَهُ مِنَ الشَّيْخِ أَبِي القَاسِمِ الحُسَيْنِ بْنِ رَوْحٍ (قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ)، قَالَ: فَلَمَّا نَزَلْتُ سَرَخْسَ ضَرَبْتُ خَيْمَتِي عَلَى مَوْضِعٍ فِيهِ رَمْلٌ، فَجَعَلْتُ أُمَيِّزُ تِلْكَ السَّبَائِكَ وَالنُّقَرَ، فَسَقَطَتْ سَبِيكَةٌ مِنْ تِلْكَ السَّبَائِكِ مِنِّي وَغَاضَتْ فِي الرَّمْلِ وَأَنَا لَا أَعْلَمُ، قَالَ: فَلَمَّا دَخَلْتُ هَمَدَانَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٧) قد تقدَّم في (ص ١٧٣)، فراجع.
(٣١٨) الغيبة للطوسي (ص ٣٧٢/ ح ٣٤٣).

↑صفحة ١٩٨↑

مَيَّزْتُ تِلْكَ السَّبَائِكَ وَالنُّقَرَ مَرَّةً أُخْرَى اهْتِمَاماً مِنِّي بِحِفْظِهَا فَفَقَدْتُ مِنْهَا سَبِيكَةً وَزْنُهَا مِائَةُ مِثْقَالٍ وَثَلَاثَةُ مَثَاقِيلَ - أَوْ قَالَ: ثَلَاث وَتِسْعُونَ مِثْقَالاً -، قَالَ: فَسَبَكْتُ مَكَانَهَا مِنْ مَالِي بِوَزْنِهَا سَبِيكَةً وَجَعَلْتُهَا بَيْنَ السَّبَائِكِ، فَلَمَّا وَرَدْتُ مَدِينَةَ السَّلَامِ قَصَدْتُ الشَّيْخَ أَبَا القَاسِمِ الحُسَيْنَ بْنَ رَوْحٍ (قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ) وَسَلَّمْتُ إِلَيْهِ مَا كَانَ مَعِي مِنَ السَّبَائِكِ وَالنُّقَرِ، فَمَدَّ يَدَهُ مِنْ بَيْنِ تِلْكَ السَّبَائِكِ إِلَى السَّبِيكَةِ الَّتِي كُنْتُ سَبَكْتُهَا مِنْ مَالِي بَدَلاً مِمَّا ضَاعَ مِنِّي فَرَمَى بِهَا إِلَيَّ وَقَالَ لِي: لَيْسَتْ هَذِهِ السَّبِيكَةُ لَنَا، وَسَبِيكَتُنَا ضَيَّعْتَهَا بِسَرَخْسَ حَيْثُ ضَرَبْتَ خَيْمَتَكَ فِي الرَّمْلِ، فَارْجِعْ إِلَى مَكَانِكَ وَانْزِلْ حَيْثُ نَزَلْتَ وَاطْلُبِ السَّبِيكَةَ هُنَاكَ تَحْتَ الرَّمْلِ فَإِنَّكَ سَتَجِدُهَا، وَسَتَعُودُ إِلَى هَاهُنَا فَلَا تَرَانِي.
قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى سَرَخْسَ وَنَزَلْتُ حَيْثُ كُنْتُ نَزَلْتُ فَوَجَدْتُ السَّبِيكَةَ تَحْتَ الرَّمْلِ وَقَدْ نَبَتَ عَلَيْهَا الحَشِيشُ، فَأَخَذْتُ السَّبِيكَةَ وَانْصَرَفْتُ إِلَى بَلَدِي، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ حَجَجْتُ وَمَعِيَ السَّبِيكَةُ، فَدَخَلْتُ مَدِينَةَ السَّلَامِ وَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ أَبُو القَاسِمِ الحُسَيْنُ بْنُ رَوْحٍ (رضي الله عنه) مَضَى (تُوفّي)، وَلَقِيتُ أَبَا الحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيَّ (رضي الله عنه) فَسَلَّمْتُ السَّبِيكَةَ إِلَيْهِ(٣١٩).
ونقل الشيخ الصدوق(٣٢٠)، والشيخ الطوسي(٣٢١)، والشيخ المجلسي(٣٢٢)، وقائع أُخرى قد تفوق هذه غرابةً ودلالةً.
وسننقل واقعة أُخرى لا لما تتضمَّنه من دلالة في هذا الجانب فقط، لأنَّه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٩) كمال الدِّين (ص ٥١٦ و٥١٧/ باب ٤٥/ ح ٤٥)، الثاقب في المناقب (ص ٦٠٠ و٦٠١/ ح ٥٤٨/١٢).
(٣٢٠) كمال الدِّين (ص ٥٠٥ و٥٠٦/باب ٤٥/ ح ٣٦، وص ٥١٨ و٥١٩/باب ٤٥/ح ٤٧).
(٣٢١) الغيبة للطوسي (ص ٣١٥ - ٣١٩/ ح ٢٦٤ و٢٦٥، وص ٣٢٢/ ح ٢٧٠).
(٣٢٢) بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٣٤٣ وما بعدها/ باب أحوال السفراء).

↑صفحة ١٩٩↑

أجاب فيها على ما يدور من تساؤل في ذهن الرجل ابتداءً قبل أنْ يفضي به إليه، بل لجانبين آخرين:
أوَّلهما: دلالتها على مكانته العلميَّة وسعة معرفته في ما يتَّصل بشؤون العقيدة والشريعة بصورة عامَّة، وذلك ما يبدو لنا في منطقيَّة إجابته وإحكامها على الشُّبهة التي أثارها السائل.
ثانيهما: اتِّصال هذه المعرفة بالإمام (عجَّل الله فرجه)، وأنَّها ليست رأياً له، وتأكيده أنَّه لا يقول إذا ما قال شيئاً إلَّا عن الإمام (عجَّل الله فرجه) دائماً، وتلك صلة لا نكاد نستوعب صورتها عظمةً.
والواقعة نقلها لنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني (رضي الله عنه)، نذكرها بأُسلوبه، قال: كُنْتُ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي القَاسِمِ الحُسَيْنِ بْنِ رَوْحٍ (قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ) مَعَ جَمَاعَةٍ فِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى القَصْرِيُّ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ لَهُ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَخْبِرْنِي عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) أَهُوَ وَلِيُّ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَاتِلِهِ، أَهُوَ عَدُوُّ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ الرَّجُلُ: فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسَلِّطَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) عَدُوَّهُ عَلَى وَلِيِّهِ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو القَاسِمِ الحُسَيْنُ بْنُ رَوْحٍ (قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ): افْهَمْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ، اعْلَمْ أَنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) لَا يُخَاطِبُ النَّاسَ بِمُشَاهَدَةِ العِيَانِ وَلَا يُشَافِهُهُمْ بِالكَلَامِ، وَلَكِنَّهُ (جلَّ جلاله) يَبْعَثُ إِلَيْهِمْ رُسُلاً مِنْ أَجْنَاسِهِمْ وَأَصْنَافِهِمْ بَشَراً مِثْلَهُمْ، وَلَوْ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رُسُلاً مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِمْ وَصُوَرِهِمْ لَنَفَرُوا عَنْهُمْ وَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُمْ، فَلَمَّا جَاؤُوهُمْ وَكَانُوا مِنْ جِنْسِهِمْ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْواقِ قَالُوا لَهُمْ: أَنْتُمْ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَلَا نَقْبَلُ مِنْكُمْ حَتَّى تَأْتُونَّا بِشَيْءٍ نَعْجِزُ أَنْ نَأْتِيَ بِمِثْلِهِ فَنَعْلَمَ أَنَّكُمْ مَخْصُوصُونَ دُونَنَا بِمَا لَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) لَهُمُ المُعْجِزَاتِ الَّتِي يَعْجِزُ الخَلْقُ عَنْهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ جَاءَ بِالطُّوفَانِ بَعْدَ الإِنْذَارِ وَالإِعْذَارِ، فَغَرِقَ جَمِيعُ مَنْ طَغَى وَتَمَرَّدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ القِيَ فِي

↑صفحة ٢٠٠↑

النَّارِ فَكَانَتْ بَرْداً وَسَلَاماً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخْرَجَ مِنَ الحَجَرِ الصَّلْدِ نَاقَةً وَأَجْرَى مِنْ ضَرْعِهَا لَبَناً، وَمِنْهُمْ مَنْ فُلِقَ لَهُ البَحْرُ، وَفُجِّرَ لَهُ مِنَ الحَجَرِ العُيُونُ، وَجُعِلَ لَهُ العَصَا اليَابِسَةُ ثُعْبَاناً تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْرَأَ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ، وَأَحْيَا المَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ، وَأَنْبَأَهُمْ بِمَا يَأْكُلُونَ وَمَا يَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنِ انْشَقَّ لَهُ القَمَرُ، وَكَلَّمَتْهُ البَهَائِمُ مِثْلُ البَعِيرِ وَالذِّئْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَلَمَّا أَتَوْا بِمِثْلِ ذَلِكَ وَعَجَزَ الخَلْقُ عَنْ أَمْرِهِمْ وَعَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ كَانَ مِنْ تَقْدِيرِ اللهِ (عزَّ وجلَّ) وَلُطْفِهِ بِعِبَادِهِ وحِكْمَتِهِ أَنْ جَعَلَ أَنْبِيَاءَهُ (عليهم السلام) مَعَ هَذِهِ القُدْرَةِ وَالمُعْجِزَاتِ فِي حَالَةٍ غَالِبِينَ وَفِي أُخْرَى مَغْلُوبِينَ، وَفِي حَالٍ قَاهِرِينَ وَفِي أُخْرَى مَقْهُورِينَ وَلَوْ جَعَلَهُمُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ غَالِبِينَ وَقَاهِرِينَ وَلَمْ يَبْتَلِهِمْ وَلَمْ يَمْتَحِنْهُمْ لَاتَّخَذَهُمُ النَّاسُ آلِهَةً مِنْ دُونِ اللهِ (عزَّ وجلَّ)، وَلَمَا عُرِفَ فَضْلُ صَبْرِهِمْ عَلَى البَلَاءِ وَالمِحَنِ وَالاِخْتِبَارِ، وَلَكِنَّهُ (عزَّ وجلَّ) جَعَلَ أَحْوَالَهُمْ فِي ذَلِكَ كَأَحْوَالِ غَيْرِهِمْ لِيَكُونُوا فِي حَالِ المِحْنَةِ وَالبَلْوَى صَابِرِينَ، وَفِي حَالِ العَافِيَةِ وَالظُّهُورِ عَلَى الأَعْدَاءِ شَاكِرِينَ، وَيَكُونُوا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ مُتَوَاضِعِينَ غَيْرَ شَامِخِينَ وَلَا مُتَجَبِّرِينَ، وَلِيَعْلَمَ العِبَادُ أَنَّ لَهُمْ (عليهم السلام) إِلَهاً هُوَ خَالِقُهُمْ وَمُدَبِّرُهُمْ، فَيَعْبُدُوهُ وَيُطِيعُوا رُسُلَهُ، وَتَكُونُ حُجَّةُ اللهِ ثَابِتَةً عَلَى مَنْ تَجَاوَزَ الحَدَّ فِيهِمْ وَادَّعَى لَهُمُ الرُّبُوبِيَّةَ أَوْ عَانَدَ أَوْ خَالَفَ وَعَصَى وَجَحَدَ بِمَا أَتَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَالأَنْبِيَاءُ (عليهم السلام)(٣٢٣)، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢].
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ (رضي الله عنه): فَعُدْتُ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي القَاسِمِ بْنِ رَوْحٍ (قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ) مِنَ الغَدِ وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي: أَتَرَاهُ ذَكَرَ مَا ذَكَرَ لَنَا يَوْمَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٣) لاحظ ما ساقه من حجَّة على الغلاة من جهة، وعلى المستهينين بما جاء به الرُّسُل من جهة أُخرى، ولا تكاد الفِرَق الضالَّة داخل الديانات تجاوز هذين القسمين الرئيسين بصورة أو بأُخرى.

↑صفحة ٢٠١↑

أَمْسِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ؟ فَابْتَدَأَنِي، فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، لَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفَنِي الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِيَ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ فِي دِينِ اللهِ (عزَّ وجلَّ) بِرَأْيِي أَوْ مِنْ عِنْدِ نَفْسِي، بَلْ ذَلِكَ عَنِ الأَصْلِ وَمَسْمُوعٌ عَنِ الحُجَّةِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ)(٣٢٤).
من توقيعات الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بوساطته:
مِمَّا خَرَجَ عَنْ الإِمَامِ (عجَّل الله فرجه) رَدًّا عَلَى الغُلَاةِ جَوَاباً لِكِتَابٍ كُتِبَ إِلَيْهِ عَلَى يَدَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ هِلَالٍ الكَرْخِيِّ التوقيع التالي:
«يَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ تَعَالَى اَللهُ وَجَلَّ عَمَّا يَصِفُونَ، سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ، لَيْسَ نَحْنُ شُرَكَاؤُهُ فِي عِلْمِهِ، وَلَا فِي قُدْرَتِهِ، بَلْ لَا يَعْلَمُ الغَيْبَ غَيْرُهُ، كَمَا قَالَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ تَبَارَكَتْ أَسْمَاؤُهُ: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ الغَيْبَ إِلَّا اللهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وَأَنَا وَجَمِيعُ آبَائِي مِنَ الأَوَّلِينَ آدَمَ وَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَغَيْرِهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ، وَمِنَ الآخِرِينَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اَلله وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ مَضَى مِنَ الأَئِمَّةِ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ) إِلَى مَبْلَغِ أَيَّامِي وَمُنْتَهَى عَصْرِي عَبِيدُ اَلله (عزَّ وجلَّ)، يَقُولُ اَللهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦].
يَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، قَدْ آذَانَا جُهَلَاءُ اَلشِّيعَةِ وَحُمَقَاؤُهُمْ وَمَنْ دِينُهُ جَنَاحُ البَعُوضَةِ أَرْجَحُ مِنْهُ، فَأُشْهِدُ اَللهَ اَلَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَكَفى بِهِ شَهِيداً، وَرَسُولَهُ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَمَلَائِكَتَهُ وَأَنْبِيَاءَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ (عليهم السلام)، وَأُشْهِدُكَ، وَأُشْهِدُ كُلَّ مَنْ سَمِعَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٤) كمال الدِّين (ص ٥٠٧ - ٥٠٩/ باب ٤٥/ ح ٣٧)، علل الشرائع (ج ١/ ص ٢٤١ - ٢٤٣/ باب ١٧٧/ ح ١)، الغيبة للطوسي (ص ٣٢٤ - ٣٢٦/ ح ٢٧٣)، الدعوات للراوندي (ص ٦٦ - ٦٨/ ح ١٦٤)، الاحتجاج (ج ٢/ ص ٢٨٥ - ٢٨٨).

↑صفحة ٢٠٢↑

كِتَابِي هَذَا، أَنِّي بَرِيءٌ إِلَى اَلله وَإِلَى رَسُولِهِ مِمَّنْ يَقُولُ: إِنَّا نَعْلَمُ الغَيْبَ(٣٢٥)، وَنُشَارِكُهُ فِي مُلْكِهِ، أَوْ يُحِلُّنَا مَحَلًّا سِوَى اَلمَحَلِّ اَلَّذِي رَضِيَهُ اَللهُ لَنَا وَخَلَقَنَا لَهُ، أَوْ يَتَعَدَّى بِنَا عَمَّا قَدْ فَسَّرْتُهُ لَكَ، وَبَيَّنْتُهُ فِي صَدْرِ كِتَابِي. وَأُشْهِدُكُمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ نَبْرَأُ مِنْهُ فَإِنَّ اَللهَ يَبْرَأُ مِنْهُ وَمَلَائِكَتُهُ وَرُسُلُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ، وَجَعَلْتُ هَذَا اَلتَّوْقِيعَ اَلَّذِي فِي هَذَا الكِتَابِ أَمَانَةً فِي عُنُقِكَ وَعُنُقِ مَنْ سَمِعَهُ أَنْ لَا يَكْتُمَهُ لِأَحَدٍ مِنْ مَوَالِيَّ وَشِيعَتِي حَتَّى يَظْهَرَ عَلَى هَذَا اَلتَّوْقِيعِ الكُلُّ مِنَ اَلمَوَالِي لَعَلَّ اَللهَ (عزَّ وجلَّ) يَتَلَافَاهُمْ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ اَلله الحَقِّ، وَيَنْتَهُونَ عَمَّا لَا يَعْلَمُونَ مُنْتَهَى أَمْرِهِ، وَلَا يَبْلُغُ مُنْتَهَاهُ، فَكُلُّ مَنْ فَهِمَ كِتَابِي وَلاَ يَرْجِعُ إِلَى مَا قَدْ أَمَرْتُهُ وَنَهَيْتُهُ، فَقَدْ حَلَّتْ عَلَيْهِ اَللَّعْنَةُ مِنَ اَلله، وَمِمَّنْ ذَكَرْتُ مِنْ عِبَادِهِ اَلصَّالِحِينَ»(٣٢٦).
وهناك توقيعات أُخرى كثيرة، منها التوقيع الذي سنذكره في الجزء الثاني الخاصّ بأدعياء المهدويَّة والبابيَّة عن الشلمغاني وأشباهه، مضافاً لروايته عن الإمام أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السلام)(٣٢٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٥) رأي العلماء أنَّ المنفي من علم الغيب عن المخلوق هو علم الغيب الذاتي والمطلق، أمَّا ما كان بإقدار من الله أو بتعليم وما كان نسيبيًّا فهو ممَّا يكون للمخلوق، وذلك ثابت قرآناً بحكم قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجنّ: ٢٦ و٢٧)، وقوله تعالى بلسان المسيح: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ (آل عمران: ٤٩)، وكإنباءات الخضر لموسى، وغير ذلك، وكإخبارات الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن المهدي (عجَّل الله فرجه) وأشراط الساعة، ولذلك قال الإمام عليٌّ (عليه السلام) للذي قال له حين أخبر عن بعض الأحداث: لَقَدْ أُعْطِيتَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عِلْمَ الغَيْبِ: «لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ» (نهج البلاغة: ص ١٨٦/ ح ١٢٨). وقد أثبتت الدراسات الباراسايكولوجيَّة الموثَّقة - كما سيأتي - إخبارات غيبيَّة نسبيَّة صحيحة لذوي مواهب روحيَّة من عامَّة الناس. فيكون نفي الإمام (عجَّل الله فرجه) هنا ما أثبته الغلاة له من الاستقلال بالعلم، لا بتعليم من الله.
(٣٢٦) الاحتجاج (ج ٢/ ص ٢٨٨ و٢٨٩).
(٣٢٧) تهذيب المقال (ج ٢/ ص ٤١٠).

↑صفحة ٢٠٣↑

وفاة الشيخ ابن روح (رضي الله عنه):
استمرَّت نيابة الشيخ ابن روح للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من سنة (٣٠٤هـ) أو (٣٠٥هـ) لدى وفاة أبي جعفر العمري (رحمه الله) حتَّى وفاته في شعبان سنة (٣٢٦هـ)، أي أكثر من عشرين سنة، هذا عدا السنين التي قضاها لصقاً للشيخ العمري (رحمه الله).
وقد أوصى بأمر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) إلى:
النائب الرابع: أبو الحسن عليُّ بن محمّد السمري (رضي الله عنه):
المتوفَّى في النصف من شعبان سنة (٣٢٩هـ)، قال الشيخ الطوسي (رحمه الله) في (الغيبة): أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اَلنُّعْمَانِ وَالحُسَيْنُ بْنُ عُبَيْدِ اَلله، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ اَلصَّفْوَانِيِّ، قَالَ: أَوْصَى اَلشَّيْخُ أَبُو القَاسِمِ (رضي الله عنه) إِلَى أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ ابْنِ مُحَمَّدٍ اَلسَّمُرِيِّ (رضي الله عنه)، فَقَامَ بِمَا كَانَ إِلَى أَبِي القَاسِمِ(٣٢٨).
وروي ذلك مسنداً عن ابي عبد الله محمّد بن خليلان، قال: حدَّثني أبي، عن جدِّه عتاب - من ولد عتاب بن أسيد -، وذكر حديثاً جاء فيه: وَأَوْصَى أَبُو القَاسِمِ إِلَى أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيِّ(٣٢٩).
ورغم قلَّة الروايات الواردة في الوصيَّة إليه نسبةً لمن تقدَّم من النُّوَّاب الثلاثة السابقين، فإنَّ التسليم بها من قِبَل شيعة أهل البيت (عليهم السلام) قائم من زمنه حتَّى الآن، وما كان ذلك ليكون وفيهم علماء محدِّثون ومتكلِّمون كبار لو لم يكن ثابتاً بصورة لا تقبل الريب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٨) الغيبة للطوسي (ص ٣٩٤/ ح ٣٦٣).
(٣٢٩) كمال الدِّين (ص ٤٣٢ و٤٣٣/ باب ٤٢/ ح ١٢)، الغيبة للطوسي (ص ٣٩٣ و٣٩٤/ ح ٣٦٢).

↑صفحة ٢٠٤↑

قال الشيخ الطبرسي (رحمه الله) - وأورد ذلك المجلسي (رحمه الله) عنه -: أَمَّا الأَبْوَابُ اَلمَرْضِيُّونَ وَاَلسُّفَرَاءُ اَلمَمْدُوحُونَ فِي زَمَنِ الغَيْبَةِ، فَأَوَّلُهُمُ اَلشَّيْخُ اَلمَوْثُوقُ بِهِ أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ العَمْرِيُّ.
وبعد حديث عن تاريخ نيابته للأئمَّة (عليهم السلام) قال: فَلَمَّا مَضَى لِسَبِيلِهِ قَامَ اِبْنُهُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ مَقَامَهُ، وَنَابَ مَنَابَهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، فَلَمَّا مَضَى قَامَ بِذَلِكَ أَبُو القَاسِمِ الحُسَيْنُ بْنُ رَوْحٍ مِنْ بَنِي نَوْبَخْتَ، فَلَمَّا مَضَى قَامَ مَقَامَهُ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ ابْنُ مُحَمَّدٍ اَلسَّمُرِيُّ، وَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِذَلِكَ إِلَّا بِنَصٍّ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ اَلزَّمَانِ (عليه السلام)، وَنَصْبِ صَاحِبِهِ اَلَّذِي تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَقْبَلِ اَلشِّيعَةُ قَوْلَهُمْ إِلَّا بَعْدَ ظُهُورِ آيَةٍ مُعْجِزَةٍ تَظْهَرُ عَلَى يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الأَمْرِ (عليه السلام) تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِمْ وَصِحَّةِ نِيَابَتِهِمْ(٣٣٠).
بعض كراماته:
وتحدَّث الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن إحدى كراماته، فقال: حَدَّثَنَا أَبُو الحُسَيْنِ صَالِحُ بْنُ شُعَيْبٍ الطَّالَقَانِيُّ (رضي الله عنه) فِي ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَخْلَدٍ، قَالَ: حَضَرْتُ بَغْدَادَ عِنْدَ المَشَايِخِ (رضي الله عنهم)، فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيُّ (قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ) ابْتِدَاءً مِنْهُ: (رَحِمَ اللهُ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ بَابَوَيْهِ القُمِّيَّ)، قَالَ: فَكَتَبَ المَشَايِخُ تَارِيخَ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَوَرَدَ الخَبَرُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ ذَلِكَ اليَوْمِ(٣٣١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٠) بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٣٦٢/ ح ٩)، عن الاحتجاج (ج ٢/ ص ٢٩٦ و٢٩٧).
(٣٣١) كمال الدِّين (ص ٥٠٣/ باب ٤٥/ ح ٣٢)؛ ورواه الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٩٤/ ح ٣٦٤)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٦٩)، وابن حمزة (رحمه الله) في الثاقب في المناقب (ص ٦١٤/ ح ٥٦١/٩)، والراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ٣/ ص ١١٢٨/ ح ٤٥).

↑صفحة ٢٠٥↑

وفي رواية الشيخ الطوسي (رحمه الله) بسنده عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ قُمَّ مِنْهُمْ: عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عِمْرَانَ اَلصَّفَّارُ، وَقَرِيبُهُ عَلَوِيَّةُ اَلصَّفَّارُ، وَالحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ (رحمهم الله)، قَالُوا: حَضَرْنَا بَغْدَادَ فِي اَلسَّنَةِ اَلَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا أَبِي عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ بَابَوَيْهِ، وَكَانَ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلسَّمُرِيُّ (قدّس سرّه) يَسْأَلُنَا كُلَّ قَرِيبٍ عَنْ خَبَرِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ (رحمه الله)، فَنَقُولُ: قَدْ وَرَدَ الكِتَابُ بِاسْتِقْلَالِهِ، حَتَّى كَانَ اليَوْمُ اَلَّذِي قُبِضَ فِيهِ، فَسَأَلَنَا عَنْهُ، فَذَكَرْنَا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ لَنَا: آجَرَكُمُ اَللهُ فِي عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، فَقَدْ قُبِضَ فِي هَذِهِ اَلسَّاعَةِ. قَالُوا: فَأَثْبَتْنَا تَارِيخَ اَلسَّاعَةِ وَاليَوْمِ وَاَلشَّهْرِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْماً أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْماً وَرَدَ الخَبَرُ أَنَّهُ قُبِضَ فِي تِلْكَ اَلسَّاعَةِ اَلَّتِي ذَكَرَهَا اَلشَّيْخُ أَبُو الحَسَنِ (قدّس سرّه)(٣٣٢).
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يُخبِر نائبه السمري بوفاته ويأمره بعدم الوصيَّة لأحد:
روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) قال: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ المُكَتِّبُ، قَالَ: كُنْتُ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا الشَّيْخُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيُّ (قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ)، فَحَضَرْتُهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِأَيَّامٍ، فَأَخْرَجَ إِلَى النَّاسِ تَوْقِيعاً نُسْخَتُهُ:
«بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيَّ أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَاجْمَعْ أَمْرَكَ وَلَا تُوصِ إِلَى أَحَدٍ يَقُومُ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ الغَيْبَةُ الثَّانِيَةُ، فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اللهِ (عزَّ وجلَّ)، وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الأَمَدِ، وَقَسْوَةِ القُلُوبِ، وَامْتِلَاءِ الأَرْضِ جَوْراً، وَسَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي المُشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَنِ ادَّعَى المُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ وَالصَّيْحَةِ فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ(٣٣٣)، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٢) الغيبة للطوسي (ص ٣٩٥ و٣٩٦/ ح ٣٦٦).
(٣٣٣) في رواية الطوسي والطبرسي والمجلسي (رحمهم الله) عنه: (كذَّاب مفتر).

↑صفحة ٢٠٦↑

قَالَ: فَنَسَخْنَا هَذَا التَّوْقِيعَ وَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ السَّادِسُ عُدْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ وَصِيُّكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ فَقَالَ: لِلهِ أَمْرٌ هُوَ بَالِغُهُ، وَمَضَى (رضي الله عنه)، فَهَذَا آخِرُ كَلَامٍ سُمِعَ مِنْهُ(٣٣٤).
وكانت وفاته في النصف من شعبان سنة (٣٢٩هـ)(٣٣٥)،(٣٣٦).
مدَّعو الرؤية في الغيبة الكبرى:
ويُثير هذا التوقيع وغيره من الروايات التي يظهر منها نفي رؤيته في الغيبة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٤) كمال الدِّين (ص ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤)؛ ورواه الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٩٥/ ح ٣٦٥)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٦٠)، وابن حمزة (رحمه الله) في الثاقب في المناقب (ص ٦٠٣ و٦٠٤/ ح ٥٥١/١٥)، والراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ٣/ ص ١١٢٨ و١١٢٩/ ح ٤٦)، وأحمد به عليٍّ الطبرسي (رحمه الله) في الاحتجاج (ج ٢/ ص ٢٩٧)، والمجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٣٦٠ و٣٦١/ ح ٧، وج ٥٢/ ص ١٥١/ ح ١).
(٣٣٥) الغيبة للطوسي (ص ٣٩٤/ ح ٣٦٤).
(٣٣٦) وفي السنة نفسها (٣٢٩هـ)، وفي الشهر نفسه، تُوفّي الشيخ محمّد بن يعقوب الكليني صاحب (الكافي في الأُصول والفروع)، وقد عاصر النُّوَّاب الأربعة جميعاً، وفي رواية أُخرى أنَّه تُوفّي سنة (٣٢٨هـ)، ولكن الأوَّل هو الذي رواه النجاشي (رحمه الله) المتوفَّى سنة (٣٧٢هـ) في رجاله (ص ٣٧٧ و٣٧٨/ الرقم ١٠٢٦)، والطوسي (رحمه الله) المتوفَّى سنة (٤٦٠هـ) في رجاله (ص ٤٣٩/ الرقم ٦٢٧٧/٢٧)، والعلَّامة الحلِّي (رحمه الله) المتوفَّى سنة (٦٧٦هـ) في الخلاصة (ص ٢٤٥ و٢٤٦/ الرقم ٣٧)، ورأى الدكتور حسين محفوظ صحَّته دون الثاني. راجع: مقدَّمة الكافي (ص ٤٠).
وإنَّما أشرنا إلى ذلك لما في معاصرة أمثال الشيخ من العلماء والمحدِّثين الكبار كالنعماني وأبي عليٍّ محمّد بن همَّام وأبي سهل النوبختي والشيخ ابن فرُّوخ الصفَّار وغيرهم من دلالة هامَّة على ما أعطى الله هؤلاء النُّوَّاب فيهم من هم أقلّ بروزاً ومكانةً علميَّة - من صلة حقَّة بالإمام (عجَّل الله فرجه) - جعلت هؤلاء العلماء يُسلِّمون لهم ويأخذون عنهم.

↑صفحة ٢٠٧↑

الكبرى إشكالاً حول ما رواه علماء ومحدِّثون كبار عن علماء وأهل معرفة وصلاح من رؤيته والتشرُّف بخدمته (عجَّل الله فرجه)، وهو ما سنتناوله في البحث الثالث التالي عن الغيبة الكبرى وما يتَّصل بها، ثمّ في الجزء الثاني الخاصِّ عن مدَّعي المهدويَّة والبابيَّة إنْ شاء الله تعالى.

* * *

↑صفحة ٢٠٨↑

الفصل الثالث: الغيبة الكبرى.. كيف؟ ولماذا؟ وإلى متى؟

تمهيد:
البحث الأوَّل: لماذا لا يكون الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) رجلاً آخر؟
البحث الثاني: ما الحكمة من ذلك؟
البحث الثالث: هل يعني ذلك إمكان المشاهدة؟

↑صفحة ٢٠٩↑

تمهيد:
عرفنا - في البحثين الأوَّل والثاني من الفصل الأوَّل - أنَّه قد ثبت بالتواتر - وهو يفيد العلم - لدى المسلمين من أهل السُّنَّة والشيعة أنَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد بشَّر بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، واسمه (محمّد)، وأنَّه سيخرج في آخر الزمان فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما مُلِئَت ظلماً وجوراً، وأنَّ المسيح (عليه السلام) سينزل فيُصلِّي خلفه، وأنَّه سيُنصَر بالملائكة، ويكون جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله(٣٣٧).
ووقفنا في هذين البحثين على ما وراء ذلك - ممَّا اختلفوا فيه - من مسائل تتَّصل به كاسم أبيه، وجدِّه الأعلى، وتاريخ مولده، ومقامه من الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وانتهت بنا الأدلَّة والمناقشات إلى أنَّ المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) هذا ليس إلَّا الإمام الثاني عشر من أهل البيت محمّد بن الحسن العسكري (عجَّل الله فرجه)، وهو آخر أوصياء الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخلفائه بالمعنى الأخصّ، وهؤلاء هم امتداده في العصمة العلميَّة والعمليَّة طبقاً لما يفيده اتِّساق الأدلَّة في ما بينها من جهة، وفي ما بينها وبين القاعدة العقائديَّة في التوحيد من جهة أُخرى، وخلود الرسالة وشمولها من جهة ثالثة، ثمّ تطابقها مع الواقع التاريخي لهؤلاء الأئمَّة (عليهم السلام) دعوًى وعلماً وعملاً وآثاراً من جهة رابعة(٣٣٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٧) راجع ذلك في (ص ٦١ وما بعدها).
(٣٣٨) راجع البحث الأوَّل من الفصل الأوَّل (ص ٦١ - ٩٢)، والبحث الثاني والثالث من الفصل نفسه. وراجع: الإمام عليٌّ (عليه السلام) الشاهد التالي للرسالة للمؤلِّف (مخطوط).

↑صفحة ٢١١↑

وقد أثبت أهل الكشف من الصوفيَّة من جهتهم ذلك، كما شرحناه في البحث الثالث من هذا الفصل.

* * *

↑صفحة ٢١٢↑

البحث الأوَّل: لماذا لا يكون الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) رجلاً آخر؟

ولكن لماذا لا يكون المهدي (عجَّل الله فرجه) رجلاً آخر سيُولَد في المستقبل؟
وكيف نتقبَّل غيبته طوال هذه القرون الكثيرة التي تجاوز العمر الطبيعي للإنسان بصورة غير مقبولة علميًّا وواقعيًّا؟
وما وجه الحكمة فيها؟
وهل له ما بين الغيبة إلى الظهور دور بالنسبة إلى أهل الأرض؟
وكيف يمكن أنْ نتصوَّر انتصاره على عالم اليوم بإمكاناته العلميَّة والصناعيَّة وخزينه من الأسلحة الحربيَّة المتطوِّرة؟
والجواب على التساؤل الأوَّل، أعني: لماذا لا يكون المهدي (عجَّل الله فرجه) رجلاً آخر سيُولَد في المستقبل؟ هو: أنَّ الأمر كما شاء الله لا كما يشاء خلقه، و﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام: ١٢٤).
ولذلك فإنَّ تشخيص المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) بالإمام الثاني عشر بالذات إنَّما رجعنا فيه إلى ما أثبتته الأحاديث المتواترة عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأوصياء المعصومين من أهل بيته (عليهم السلام).
على أنَّنا يمكن أنْ نرى أنَّ الأساس في ذلك هو موقع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ليس بوصفه إماماً وخليفةً بالمعنى الأخصّ للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقط، بل بوصفه آخر هؤلاء الخلفاء الأوصياء، ولذلك فهو - بحكم ذلك - صاحب الزمان من أوَّل

↑صفحة ٢١٣↑

عهد إمامته حتَّى قيام الساعة، أي إنَّ هذا الزمان هو زمان إمامته ومسؤوليَّته بما أنَّه آخر أوصياء الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولذلك فإنَّ كونه المهدي المنتظَر يصبح مفروضاً.
يتَّضح ذلك أكثر حين نضع أمامنا المقدَّمات المسلَّمة الآتية معطوفاً بعضها على بعض، وهي: أنَّ الثابت في المنقول من الروايات عن الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام) عدم جواز خلوِّ الأرض من حجَّة لله ظاهراً مشهوراً أو غائباً مستوراً(٣٣٩).
وذلك يلتقي وما يحكم به العقل أيضاً بحكم (قاعدة اللطف)، ويعنون بها رحمة الله بخلقه لما يعلم من حاجتهم - بوصفهم مكلَّفين - للمعرفة والحجَّة.
ومن أمثلة ذلك بالنسبة لنا أنَّ الله سبحانه شاء أنْ تكون الرسالة الإسلاميَّة خالدة وشاملة، تحقيقاً لما يفرضه التوحيد من وحدة الطاعة أو العبادة، ولكن ذلك غير قائم - بصورته الواقعيَّة - بحكم الاختلاف الموجود بين المذاهب، واختلاف الاجتهادات داخل المذهب الواحد، ولا يمكن أنْ يحسم هذا الاختلاف إلَّا إمام معصوم أو خليفة بالمعنى الأخصّ، ومع واقع ختم النبوَّة بالرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلا نبيَّ بعده، وانتقاله إلى الدار الآخرة، وتحديد الأئمَّة الأوصياء بـ(اثني عشر)، وانتقال أحد عشر منهم إلى الدار الآخرة كذلك، فلم يبقَ إذاً إلَّا أنْ يكون هو الإمام الثاني عشر (محمّد بن الحسن) (عجَّل الله فرجه).
ومع غضِّ النظر عن ذلك، فإنَّنا لا يمكن أنْ نتصوَّر المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٩) راجع: الكافي (ج ١/ ص ١٧٨ - ١٨٠/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة، وباب أنَّه لو لم يبقَ في الأرض إلَّا رجلان لكان أحدهما الحجَّة)، وكمال الدِّين (ص ٢٠١ - ٢٥٠/باب ٢١ و٢٢).

↑صفحة ٢١٤↑

بصفاته، ومقامه العظيم، ودوره الكبير كما صوَّرته الأحاديث الصحيحة المتواترة(٣٤٠) من دون مستوى الخلافة بالمعنى الأخصّ.
ولا يمكن أنْ نتصوَّر أيضاً وجود هذا المستوى وراء العدد المحدَّد بـ(اثني عشر) طبقاً لما دلَّت عليه النصوص الصحيحة.
وإذاً فلم يبقَ إلَّا أنْ يكون المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) الذي بشَّرت به الأحاديث هو نفس الإمام الثاني عشر الذي غاب غيبته الصغرى النسبيَّة من سنة (٢٦٠هـ) إلى سنة (٣٢٩هـ)، ثمّ غاب بعدها الغيبة الكبرى التي لا تزال قائمة حتَّى الآن.
وربما كان - وراء ظروف الغيبة الصغرى التي تحدَّثنا عنها - غرض آخر هو التمهيد لتقبُّل الغيبة الكبرى، فإنَّ صورتهما واحدة باستثناء وجود النُّوَّاب الأربعة المعروفين، وما يُعطيه هذا الوجود من الحضور النفسي والعلمي للإمام لدى المؤمنين بحكم إمكان الرجوع إليه لدى الحاجة، وتلقِّي الإجابة بخطِّه كما ذُكِرَ في البحثين الأوَّل والثاني من هذا الفصل.
أمَّا الغيبة الكبرى فإنَّها تعني غلق هذه الصورة للصلة به من جهة الناس لا من جهته (عجَّل الله فرجه).
وفرق آخر هو أنَّ تلك الغيبة كانت ضمن العمر الطبيعي للإنسان، وكانت - وهي نسبيَّة مفهومة ومتعقَّلة من حيث حكمتها - دافعاً وغايةً بخلاف الغيبة الكبرى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤٠) راجع حول ذلك ما مرَّ في (ص ٦٧ - ٦٩)؛ ومن جملة ما ورد أنْ يُصلِّي المسيح (عليه السلام) خلفه، وهو روح الله ورسول من أُولي العزم، ومن جملتها أنْ يُنصَر بالملائكة، وأنْ يُنادى باسمه، وأنْ يكون جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله.

↑صفحة ٢١٥↑

الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة (عليهم السلام) يُنذرون بالغيبة الكبرى:
ولذلك تقدَّم الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة من أوصيائه (عليهم السلام) بالحديث عنها والإنذار بها، وضرب الأمثال لها قبل أنْ يُولَد المهدي (عجَّل الله فرجه) فضلاً عن الغيبة نفسها(٣٤١).
وقد قدَّمنا بعض الأمثلة ممَّا روي عن كلِّ واحدٍ منهم في ذلك، لتكون أساساً ومرجعاً لموضوعات بحوث الكتاب المتَّصلة بشؤون الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)(٣٤٢).
فمنها ما روي مسنداً عن عمَّار بن ياسر، عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وممَّا جاء فيه قوله: «يَا عَمَّارُ، إِنَّ اَللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ يُخْرِجُ مِنْ صُلْبِ الحُسَيْنِ تِسْعَةً، وَاَلتَّاسِعُ مِنْ وُلْدِهِ يَغِيبُ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]، يَكُونُ لَهُ غَيْبَةٌ طَوِيلَةٌ يَرْجِعُ عَنْهَا قَوْمٌ وَيَثْبُتُ عَلَيْهَا آخَرُونَ، فَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ اَلزَّمَانِ يَخْرُجُ فَيَمْلَأُ اَلدُّنْيَا قِسْطاً وَعَدْلاً، وَيُقَاتِلُ عَلَى اَلتَّأْوِيلِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى اَلتَّنْزِيلِ، وَهُوَ سَمِيِّي، وَأَشْبَهُ اَلنَّاسِ بِي...»(٣٤٣).
وممَّا روي مسنداً عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن الإمام الجواد، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) أنَّه قال: «لِلْقَائِمِ مِنَّا غَيْبَةٌ أَمَدُهَا طَوِيلٌ، كَأَنِّي بِالشِّيعَةِ يَجُولُونَ جَوَلَانَ النَّعَمِ فِي غَيْبَتِهِ، يَطْلُبُونَ المَرْعَى فَلَا يَجِدُونَهُ، أَلَا فَمَنْ ثَبَتَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤١) راجع ما قاله الشيخ الصدوق (رحمه الله) حول هذه الأحاديث في (ص ١٠٣ و١٠٤).
(٣٤٢) راجع (ص ١٠٤ - ١٢٧)، وما ورد تحت عنوان (الغيبة الصغرى) من البحث الأوَّل من الفصل الثاني. ومن أراد المزيد ممَّا ورد حول ذلك فليراجع: الكافي (ج ١/ ص ٣٣٣ - ٣٤٣)، والغيبة للنعماني (ص ١٤٣ - ١٩٩)، وكمال الدِّين (ص ٤٧٩ - ٤٨٢/ باب ٤٤)، والغيبة للطوسي (ص ١٥٧ وما بعدها)، وبحار الأنوار (ج ٥١/ ص ١٦٧ - ٢٢٥).
(٣٤٣) قد تقدَّم في (ص ١٠٥)، فراجع.

↑صفحة ٢١٦↑

مِنْهُمْ عَلَى دِينِهِ وَلَمْ يَقْسُ قَلْبُهُ لِطُولِ أَمَدِ غَيْبَةِ إِمَامِهِ فَهُوَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ»(٣٤٤).
وممَّا قاله الإمام الحسن (عليه السلام) في ما رواه عنه أبو سعيد عقيصا: «أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَيَقَعُ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ لِطَاغِيَةِ زَمَانِهِ إِلَّا القَائِمُ الَّذِي يُصَلِّي رُوحُ اللهِ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام) خَلْفَهُ، فَإِنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) يُخْفِي وِلَادَتَهُ، وَيُغَيِّبُ شَخْصَهُ، لِئَلَّا يَكُونَ لِأَحَدٍ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ إِذَا خَرَجَ، ذَلِكَ التَّاسِعُ مِنْ وُلْدِ أَخِي الحُسَيْنِ»(٣٤٥).
وفي الرواية الثانية عن عبد الرحمن بن سليط، عن الإمام الحسين (عليه السلام) قال - وهو يتحدَّث عن الأئمَّة الاثني عشر -: «وَآخِرُهُمُ التَّاسِعُ مِنْ وُلْدِي، وَهُوَ الإِمَامُ القَائِمُ بِالحَقِّ، يُحْيِي اللهُ بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، وَيُظْهِرُ بِهِ دِيْنَ الحَقِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ، لَهُ غَيْبَةٌ يَرْتَدُّ فِيهَا أَقْوَامٌ وَيَثْبُتُ فِيهَا عَلَى الدِّينِ آخَرُونَ، فَيُؤْذَوْنَ، وَيُقَالُ لَهُمْ: ﴿مَتَى هَذَا الوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨]، أَمَا إِنَّ الصَّابِرَ فِي غَيْبَتِهِ عَلَى الأَذَى وَالتَّكْذِيبِ بِمَنْزِلَةِ المُجَاهِدِ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(٣٤٦).
تشير الروايتان الأُولى والثانية عن عليٍّ زين العابدين (عليه السلام)، والروايات الأربع عن الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) لذلك، وتذكر ما جرى فيه من سُنَن المرسَلين(٣٤٧).
ومثل ذلك ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في الروايات الأُولى والثانية والثالثة والرابعة، وقال في الخامسة: «يَغِيبُ غَيْبَةً يَرْتَابُ فِيهَا المُبْطِلُونَ، ثُمَّ يُظْهِرُهُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤٤) كمال الدِّين (ص ٣٠٣/ باب ٢٦/ ح ١٤).
(٣٤٥) قد تقدَّم في (ص ١٠٧)، فراجع.
(٣٤٦) قد تقدَّم في (ص ١٠٨)، فراجع.
(٣٤٧) راجع ما تقدَّم في (ص ١٠٨ - ١١١).

↑صفحة ٢١٧↑

اللهُ (عزَّ وجلَّ)، فَيَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدِهِ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَيَنْزِلُ رُوحُ اللهِ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام) فَيُصَلِّي خَلْفَهُ، وَتُشْرِقُ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا، وَلَا تَبْقَى فِي الأَرْضِ بُقْعَةٌ عُبِدَ فِيهَا غَيْرُ اللهِ (عزَّ وجلَّ) إِلَّا عُبِدَ اللهُ فِيهَا، وَيَكُونُ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ»(٣٤٨).
ولا تختلف الروايات الواردة عن الإمام الكاظم والرضا والجواد والهادي والحسن العسكري (عليهم السلام) عن هذه الروايات في الإشارة إلى هذه الغيبة، وما يحدث فيها من حيرة وزلزلة في إيمان بعضهم، يقول الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في الرواية الأُولى: «أَمَا إِنَّ لَهُ غَيْبَةً يَحَارُ فِيهَا الجَاهِلُونَ، وَيَهْلِكُ فِيهَا المُبْطِلُونَ، وَيَكْذِبُ فِيهَا الوَقَّاتُونَ، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الأَعْلَامِ البِيضِ تَخْفِقُ فَوْقَ رَأْسِهِ بِنَجَفِ الكُوفَةِ»(٣٤٩).
وورد في آخر توقيع تلقَّاه الشيخ عليُّ بن محمّد السمري (رحمه الله) من الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه): «فَقَدْ وَقَعَتِ الغَيْبَةُ الثَّانِيَةُ (وفي رواية الطوسي والطبرسي (رحمهما الله): اَلتَّامَّةُ)، فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اللهِ (عزَّ وجلَّ)، وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الأَمَدِ، وَقَسْوَةِ القُلُوبِ»(٣٥٠).
أمَّا التساؤل حول:
طول العمر بصورة غير مألوفة:
فهو أمر لا يُثير إشكالاً إلَّا حين يُنظَر إليه بالقياسات الطبيعيَّة والعاديَّة لا في إطار المشيئة والقدرة الإلهيَّة التي لا تحكمها قوانين هي في الأصل لا تقوم إلَّا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤٨) قد تقدَّم في (ص ١١٣ و١١٤)، فراجع.
(٣٤٩) قد تقدَّم في (ص ١٢٣ و١٢٤)، فراجع.
(٣٥٠) قد تقدَّم في (ص ٢٠٦)، فراجع.

↑صفحة ٢١٨↑

بها. وكما تُخرَق هذه القوانين في معاجز الأنبياء (عليهم السلام) بوصفها برهاناً على سفارتهم عن الله، وفي معاجز الأئمَّة بوصفها دليلاً على كونهم امتداداً عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فإنَّها يمكن أنْ تُخرَق هنا بعد أنْ قامت الأدلَّة الثابتة على كون الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هو الإمام الثاني عشر عينه، وتحدَّثت عن غيبته هذه وتلك، وما يحدث من هذه التساؤلات قبل أنْ تكون بما يجاوز القرنين والنصف في البعض، والقرنين في البعض الأخر، وأدنى من ذلك في البعض الثالث.
هذا إنْ كانت قضيَّة طول العمر بهذا المدى أو بغيره خارجة عن القوانين الطبيعيَّة أساساً(٣٥١).
إنَّ إيماننا - بوصفنا مسلمين - بإحياء الموتى لإبراهيم وعيسى (عليهما السلام)، وبإماتة عزير وحماره ثمّ إحياؤهما، وانفلاق البحر لموسى (عليه السلام)، وانقلاب عصاه ثعباناً حقيقيًّا، وأمثال ذلك لا يُستوحى عادةً من قانون طبيعي أو منطق علمي بما أنَّه لا مجال لها حتَّى الآن أنْ ترى غير استحالة ذلك، وإنَّما يُستوحى في كلِّ ذلك إيماننا بصدق الوحي الإلهي والإخبار النبوي من جهة، ووضع هذه الوقائع في نطاق المشيئة والقدرة الإلهيَّة المقوَّمين لوجود الخلق وقوانينه جميعاً من جهة أُخرى، ولذلك فلا محلَّ لهذا الإشكال.
وربَّما بهذا اللحاظ ضرب الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام) أمثلة لذلك من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥١) ذكرت مجلَّة المقتطف (م ٥٨/ ج ٣/ ص ٢٣٨ - ٢٤٠) أنَّ جماعة من العلماء أمثال الدكتور الكسيس كارل، والدكتور جاك لوب، والدكتور ورن لويس وزوجته قاموا بإجراء عدَّة تجارب في معهد روكفلر بنيويورك على أجزاء لأنواع مختلفة من النبات والحيوان والإنسان، وكان من بين تلكم التجارب ما أُجري على قِطَع من أعضاء الإنسان وعضلاته وقلبه وجلده وكليتيه، فرأوا أنَّ هذه الأجزاء تبقى حيَّة نامية ما دام الغذاء اللازم موفَّراً لها، ولم يعرض لها عارض خارجي، وأنَّ خلاياها تنمو وتتكاثر ولا تشيخ أبداً، وإذاً فلا توجد حتمية الموت بالأعمار المعتادة. راجع: في انتظار الإمام (ص ٥٠).

↑صفحة ٢١٩↑

تاريخ الأنبياء والأولياء خاصَّة، إدراكاً منهم لعدم وجود ما يمكن القياس عليه في الحياة العاديَّة ممَّا يجعل استيعابه وتحمُّله صعباً حين يُنظَر إليه ضمن الأُطُر الطبيعيَّة والعاديَّة، ولذلك ففي الوقت الذي تقدَّموا فيه بالإخبار عن هذه الغيبة الطويلة بدءاً من الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتَّى الحسن العسكري (عليه السلام) لإعطائها موقعها ضمن مخطَّط المشيئة الإلهيَّة للرسالة في آخر شهودها من الأوصياء (عليهم السلام)، ضربوا الأمثال بما هو معروف ومسلَّم في تاريخ بعض الأنبياء والأولياء لتوضع في الإطار نفسه، فإذا كان ما يشبه ذلك قد كان في واقع سابق - حين شاءه الله - فإنَّ هذا أيضاً كذلك.
روى الصدوق بسنده عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ (عليهم السلام)، عَنْ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قَالَ: «عَاشَ أَبُو البَشَرِ آدَمُ (عليه السلام) تِسْعَمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَعَاشَ نُوحٌ (عليه السلام) الفَيْ سَنَةٍ وَأَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً...» الرواية(٣٥٢).
وبسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَيِّدَ العَابِدِينَ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ (عليهما السلام) يَقُولُ: «فِي القَائِمِ سُنَّةٌ مِنْ نُوحٍ، وَهُوَ طُولُ العُمُرِ»(٣٥٣).
وممَّا جاء عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في الرواية السادسة عنه - وهو يتحدَّث عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) -، قال: «قَدَّرَ مَوْلِدَهُ تَقْدِيرَ مَوْلِدِ مُوسَى (عليه السلام)، وَقَدَّرَ غَيْبَتَهُ تَقْدِيرَ غَيْبَةِ عِيسَى (عليه السلام)، وَقَدَّرَ إِبْطَاءَهُ تَقْدِيرَ إِبْطَاءِ نُوحٍ (عليه السلام) (يعني من حيث النصر والفرج)، وَجَعَلَ لَهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عُمُرَ العَبْدِ الصَّالِحِ - أَعْنِي الخَضِرَ (عليه السلام) -».
وبعد أنْ تحدَّث عمَّا قصد إليه من التقدير في الأوَّلين قال: «وَأَمَّا العَبْدُ الصَّالِحُ - أَعْنِي الخَضِرَ (عليه السلام) - فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا طَوَّلَ عُمُرَهُ لِنُبُوَّةٍ قَدَّرَهَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥٢) كمال الدِّين (ص ٥٢٣ و٥٢٤/ باب ٤٦/ ح ٣).
(٣٥٣) كمال الدِّين (ص ٣٢٢/ باب ٣١/ ح ٤).

↑صفحة ٢٢٠↑

لَهُ، وَلَا لِكِتَابٍ يُنَزِّلُهُ عَلَيْهِ، وَلَا لِشَرِيعَةٍ يَنْسَخُ بِهَا شَرِيعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، وَلَا لِإِمَامَةٍ يُلْزِمُ عِبَادَهُ الِاقْتِدَاءَ بِهَا، وَلَا لِطَاعَةٍ يَفْرِضُهَا لَهُ، بَلَى إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَـمَّا كَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنْ يُقَدِّرَ مِنْ عُمُرِ القَائِمِ (عليه السلام) فِي أَيَّامِ غَيْبَتِهِ مَا يُقَدِّرُ، وَعَلِمَ مَا يَكُونُ مِنْ إِنْكَارِ عِبَادِهِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ العُمُرِ فِي الطُّولِ، طَوَّلَ عُمُرَ العَبْدِ الصَّالِحِ فِي غَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُ ذَلِكَ إِلَّا لِعِلَّةِ الاِسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى عُمُرِ القَائِمِ (عليه السلام)، وَلِيَقْطَعَ بِذَلِكَ حُجَّةَ المُعَانِدِينَ»(٣٥٤).
ولم يجد من كتب في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وتناول غيبته الطويلة ما يُقدِّمه في ذلك عدا تقديم المزيد من الأمثلة للمعمَّرين، كما جاء في أخبار أهل البيت (عليهم السلام)، أو في كُتُب العهدين، أو لدى أرباب السِّيَر.
وقد عقد الصدوق (رحمه الله) المتوفَّى سنة (٣٨١هـ) باباً هو الباب الخمسون من (كمال الدِّين وتمام النعمة) ذكر فيه ما جاء في التعمير والمعمَّرين، ثمّ ذكر في الأبواب (٥١) و(٥٢) و(٥٣) و(٥٤) و(٥٥) و(٥٦) و(٥٧) قَصصاً كثيرة لمعمَّرين جاوزوا الحدود الطبيعيَّة والعاديَّة في أعمارهم.
وقال: (فمتى صحَّ التعمير لمن تقدَّم عصرنا، وصحَّ الخبر بأنَّ السُّنَّة جارية بذلك في القائم (عليه السلام) الثاني عشر من الأئمَّة (عليهم السلام)، لم يجز إلَّا أنْ يعتقد أنَّه لو بقي في غيبته ما بقي لم يكن القائم غيره)(٣٥٥).
ومثل ذلك فعل الشيخ الطوسي (رحمه الله)، فقد ذكر الإشكال بطول العمر وكونه - بزعم المخالف - خارقاً للعادة، فكيف انتقضت فيه ولا يجوز انتقاضها إلَّا على يد الأنبياء (عليهم السلام)؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥٤) قد تقدَّم في (ص ١١٤ - ١١٦)، فراجع.
(٣٥٥) كمال الدِّين (ص ٥٧٧).

↑صفحة ٢٢١↑

وأجاب بوجهين:
أحدهما: عدم التسليم بكون ذلك خارقاً لجميع العادات، بل العادات في ما تقدَّم جرت بمثلها، وذكر أمثلة كالخضر وأصحاب الكهف ونوح الذي لبث يدعو قومه ألف سنة إلَّا خمسين عاماً، عدا ما ذكرته الأخبار وأهل السِّيَر من أنَّه عاش قبل الدعوة وبعد الطوفان عمراً طويلاً مضافاً.
وقال: (فإنْ كان المخالف لنا مَنْ يحيل ذلك (يعني العمر الطويل) من المنجِّمين وأصحاب الطبائع (يقصد أنَّهم لا يؤمنون بمشيئة الخالق)، فالكلام معهم في أصل هذه المسألة، وأنَّ العالم مصنوع وله صانع أجرى العادة بقصر الأعمار وطولها، وأنَّه قادر على إطالتها وعلى إفنائها، فإذا بُيِّن ذلك سهل الكلام. وإنْ كان المخالف في ذلك مَنْ يُسلِّم ذلك غير أنَّه يقول: هذا خارج عن العادات، فقد بيَّنَّا أنَّه ليس بخارج عن جميع العادات. ومتى قالوا: خارج عن عاداتنا، قلنا: وما المانع منه؟ فإنْ قيل: ذلك لا يجوز إلَّا في زمن الأنبياء، قلنا: نحن ننازع في ذلك، وعندنا يجوز خرق العادات على يد الأنبياء والأئمَّة والصالحين، وأكثر أصحاب الحديث يُجوِّزون ذلك، وكثير من المعتزلة والحشويَّة، وإنْ سمُّوا ذلك كرامات، كان ذلك خلافاً في عبارة)(٣٥٦).
وساق الشيخ المجلسي (رحمه الله) ما ملأ (٦٨) صفحة في الحديث عن المعمَّرين، وقال في آخره - ومعه في ذلك الحقُّ -: (وإنَّما أطلت في ذلك مع قلَّة الجدوى تبعاً للأصحاب، ولئلَّا يُقال: هذا كتاب عار عن فوائدهم)(٣٥٧).
وسلك هذا السبيل عدد من علماء أهل السُّنَّة الذين يؤمنون بأنَّ المهدي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥٦) الغيبة للطوسي (ص ١٢٥ و١٢٦).
(٣٥٧) بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٢٢٥ - ٢٩٣/ باب ١٤).

↑صفحة ٢٢٢↑

هو محمّد بن الحسن العسكري (عجَّل الله فرجه)، ومنهم: سبط ابن الجوزي الحنفي، فقد ساق ما ذُكِرَ في التوراة، وما رواه محمّد بن إسحاق ممَّن عمَّروا أعماراً طويلة(٣٥٨).
ومنهم: الحافظ محمّد بن يوسف الكنجي القرشي الشافعي، فقد قال - وهو يتناول هذه المسألة -: إنَّه (لا امتناع في بقائه، بدليل بقاء عيسى وإلياس والخضر من أولياء الله تعالى، وبقاء الدجَّال وإبليس الملعونين).
قال: (وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسُّنَّة، وقد اتَّفقوا عليه، ثمّ أنكروا جواز بقاء المهدي، وها أنا أُبيِّن بقاء كلِّ واحدٍ منهم).
ثمّ قال: (أمَّا عيسى (عليه السلام) فالدليل على بقائه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]).
وذكر ما مضمونه أنَّ ذلك لم يتحقَّق منذ نزول الآية إلى يومنا هذا، فلا يكون إلَّا في آخر الزمان.
واستدلَّ أهل السُّنَّة بما رواه مسلم في صحيحه بإسناده عن النواس بن سمعان في حديث طويل عن الدجَّال قال فيه: «إِذْ بَعَثَ اللهُ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعاً يَدَهُ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ»(٣٥٩).
واستدلَّ على بقاء عيسى (عليه السلام) بما روته الصحاح والمسانيد، ومنها قول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟»(٣٦٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥٨) تذكرة الخواصِّ (ص ٣٢٥ و٣٢٦).
(٣٥٩) صحيح مسلم (ج ٨/ ص ١٩٧ و١٩٨).
(٣٦٠) صحيح البخاري (ج ٥/ ص ٤٠١/ باب نزول عيسى بن مريم (عليهما السلام)/ ح ٣٠٨٧)، صحيح مسلم (ج ١/ ص ٩٤/ باب بيان نزول عيسى بن مريم (عليه السلام)).

↑صفحة ٢٢٣↑

وقال: (أمَّا الخضر وإلياس، فقد قال ابن جرير الطبري: الخضر وإلياس باقيان يسيران في الأرض).
وساق حديثاً رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري، قال: حَدَّثَنَا رَسُولُ الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يَوْماً حَدِيثاً طَوِيلاً عَنْ الدَّجَّالِ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا قَالَ: «يَأْتِي وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ المَدِينَةِ، فَيَنْتَهِي إِلَى بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي المَدِينَةَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ - أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ -، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) حَدِيثَهُ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ، أَتَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا»، قَالَ: «فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ (أي الرجل المقتول والمحيا) حِينَ يُحْيِيهِ: وَالله مَا كُنْتُ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الآنَ»، قَالَ: «فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلَا يُسُلَّطُ عَلَيْهِ»(٣٦١).
قال: (قال أبو إسحاق - وهو أبو إبراهيم محمّد بن سعد -: يقال: إنَّ هذا الرجل هو الخضر).
واستدلَّ على بقاء الدجَّال بحديث رواه مسلم في صحيحه وقال: (إنَّه بهذه الصفة لم يخرج لحدِّ الآن).
وذكر أنَّ الدليل على بقاء إبليس اللعين آي الكتاب نحو قوله: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ (الأعراف: ١٤ و١٥).
(أمَّا بقاء المهدي (عليه السلام) فقد جاء في الكتاب والسُّنَّة:
أمَّا الكتاب، فقد قال سعيد بن جبير في تفسير قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]: هو المهدي من عترة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦١) صحيح مسلم (ج ٨/ ص ١٩٩)؛ ورواه البخاري في صحيحه (ج ٣/ ص ٢٨٠ و٢٨١/ ح ١٦٩٥).

↑صفحة ٢٢٤↑

فاطمة (عليها السلام)، وأمَّا من قال: إنَّه عيسى (عليه السلام) فلا تنافي بين القولين، إذ هو مساعد للإمام على ما تقدَّم. وقد قال مقاتل بن سليمان ومن شايعه من المفسِّرين في تفسير قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (الزخرف: ٦١): هو المهدي (عليه السلام) يكون في آخر الزمان، وبعد خروجه يكون قيام الساعة وإماراتها(٣٦٢)).
قال: (فما المانع من بقاء المهدي (عليه السلام) مع كون بقائه باختيار الله تعالى، وداخل تحت مقدوره سبحانه، وهو آية الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟).
ثمّ ذكر حكمة بقاء عيسى (عليه السلام) والدجَّال، وقال: (فعلى هذا هو (يعني المهدي (عجَّل الله فرجه)) أولى بالبقاء من الاثنين الآخرين، لأنَّه الداعي إلى الملَّة المحمّديَّة التي هو إمام فيها، وأمَّا عيسى فمصدِّق له وسبب لإيمان أهل الكتاب، أمَّا الدجَّال فلاختبار العباد وامتحانهم).
قال: (فصار بقاء الإمام المهدي (عليه السلام) أصلاً وبقاء الاثنين فرعاً على بقائه، فكيف يصحُّ بقاء الفرعين وعدم بقاء الأصل؟).
وذكر إشكالاً تافهاً لا أصل له ردَّده المشكِّكون، وهو امتناع بقائه في السرداب من دون أنْ يقوم أحد بطعامه وشرابه، وأجاب (أنَّ الله الذي أحيا المسيح في السماء، وأبقى الدجَّال مقيَّداً حيًّا يمكن أنْ يتكفَّل له بذلك بما شاء، فقدرته وخزائنه لا تضيق عن ذلك)(٣٦٣).
والصحيح في الإجابة: أنَّ البقاء في السرداب لا أصل له، ولا يوجد في شيء من الأخبار الواردة في المصادر التي تتحدَّث عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وغيبته، ولو افترضنا صحَّة أنْ يكون قد دخل بيته (عجَّل الله فرجه) الذي هو في موضع هذا السرداب ولم يُرَ بعدئذٍ، فلا يعني ذلك بقاؤه ومكثه فيه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦٢) ستأتي آيات أُخرى في الفصل الرابع/ البحث الثاني.
(٣٦٣) البيان في أخبار صاحب الزمان (ص ٥٢١ - ٥٣٢) بتصرُّف واختصار.

↑صفحة ٢٢٥↑

وما نُسِجَ حول ذلك من أساطير(٣٦٤)، ونُظِمَ من شعر ساخر بناءً عليه، لا يجد أساساً حتَّى ولو كان واهياً تبرأ فيه ذمَّة صاحبه العلميَّة وأمام الله، بل هو محض افتراء، وقد أشارت روايات أهل البيت (عليهم السلام) من قبل إلى ما يتعرَّض له المؤمنون من أذى في ذلك(٣٦٥).
وربَّما كان الأساس في هذا الافتراء زيارة المؤمنين لدار الإمام (عجَّل الله فرجه) ودعاؤهم بتعجيل الظهور ممَّا هو مستمرٌّ حتَّى الآن، وهو ما لا علاقة له بالفرية.
وقد تناول العلَّامة الحجَّة السيِّد محسن الأمين (رحمه الله) هذه الفرية وردَّ عليها في قصيدته التي مثَّلت هي وشرحها قوام كتابه (البرهان)، فقال:

لنا نسبوا شيئاً ولسنا نقوله * * * وعابوا بما لم يجرِ منَّا له ذكرُ
بأنْ غاب في السرداب صاحب عصرنا * * * وأمسى مقيماً فيه ما بقى الدهرُ
ويخرج منه حين يأذن ربُّه * * * بذلك لا يعروه خوف ولا ذعرُ
أبينوا لنا من قال منَّا بهذه * * * وهل ضمَّ هذا القول من كُتُبنا سفرُ
وإلَّا فأنتم ظالمون لنا بما * * * نسبتم وإنْ تأبوا فموعدنا الحشرُ(٣٦٦)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦٤) زعموا أنَّ شيعة أهل البيت (عليهم السلام) يقفون كلَّ صباح إلى الليل بخيولهم على باب ذلك السرداب منادين: اُخرج يا مولانا. قال ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة (ص ١٦٨): (لقد صاروا بذلك وبوقوفهم بالخيل على ذلك السرداب وصياحهم بأنْ يخرج إليهم ضحكة لأُولي الألباب. ولقد أحسن القائل:

ما آن للسرداب أنْ يلد * * * الذي كلَّمتموه وبجهلكم ما آنا
فعلى عقولكم العفاء فإنَّكم * * * ثلَّثتم العنقاء والغيلانا

(٣٦٥) راجع ما ورد عن الإمام الحسين (عليه السلام) في (ص ١٠٧ و١٠٨)، وما ورد عن الإمام الجواد (عليه السلام) في (ص ١٢٠ و١٢١).
(٣٦٦) البرهان على وجود صاحب الزمان (ص ٣١).

↑صفحة ٢٢٦↑

وخاتمة القول في القضيَّة ما ذكرناه في صدر حديثنا عنها، من أنَّ ذكر الأمثال من أصحاب الأعمار الطويلة لا يُعطي أكثر من وقوع ذلك بالنسبة لأشخاص عدا الإمام (عجَّل الله فرجه)، لنفي استبعاد بعض الناس - لما لم يقع تاريخيًّا - حتَّى ولو قام عليه البرهان عقلاً ونقلاً، وإلَّا فلا علاقة ولا تلازم بين ذلك وبين وقوعه للإمام (عجَّل الله فرجه)، والصحيح هو الرجوع إلى ما هو الأساس في ذلك، وهو ثبوته بالنصوص المتواترة عن المعصومين (عليهم السلام) من جهة، وأنَّه واقع تحت القدرة والمشيئة الإلهيَّة من جهة ثانية.
على أنَّ مصدر العلم بما وقع من الأمثال هو المصدر الذي ترجع إليه قضيَّة الإمام (عجَّل الله فرجه) كما ذكرنا، وهذه النصوص وما ورد في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أكثر ممَّا ورد في بعض هذه من حيث دلالته والقطع بصدوره بحكم تواتره وبحكم الملازمة بين خلود الرسالة الإسلاميَّة وبقاء شاهدها آخر الأوصياء (عليهم السلام)، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديث الثقلين: «وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ»(٣٦٧)، لا في المفاهيم والأحكام فقط، بل في الوجود أيضاً، وهو ما يُثبِته بقاء الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
قال المحدِّث أحمد بن حجر الهيتمي المكّي المتوفَّى سنة (٩٧٤هـ): (في أحاديث الحثِّ على التمسُّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهِّل منهم للتمسُّك به إلى يوم القيامة، كما أنَّ الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض، ويشهد لذلك الخبر السابق: «فِي كُلِّ خَلَفٍ مِنْ أُمَّتِي عُدُولٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي»)(٣٦٨). بقية الحديث: «يَنْفُونَ عَنْ هَذَا اَلدِّينِ تَحْرِيفَ اَلضَّالِّينَ، وَاِنْتِحَالَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦٧) قد تقدَّم في (ص ٨٧ و٨٨)، فراجع.
(٣٦٨) الصواعق المحرقة (ص ١٥١).

↑صفحة ٢٢٧↑

اَلمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الجَاهِلِينَ، أَلَا وَإِنَّ أَئِمَّتَكُمْ وَفْدُكُمْ إِلَى اَلله (عزَّ وجلَّ) فَانْظُرُوا مَنْ تُوْفِدُونَ»(٣٦٩).
وخاتمة القول: إنَّ الأمثلة - في ما عدا ما هو ثابت في الكتاب أو السُّنَّة أو الواقع - لا مجال للقياس عليها، لعدم وجود ما يُثبِتها. على أنَّ القياس إنَّما يحتاجه في مسألة كهذه - ترتبط بالإرادة الإلهيَّة - مَنْ لا يستطيع أنْ يؤمن أو يطمئنَّ بقضيَّة إلَّا إذا كان قد وجد نظيرها في الواقع، وهو خلاف المفروض في أمر قام الدليل القطعي عليه وُجِدَ النظير والمماثل أو لم يُوجَد.
ولذلك فالأساس - في الإيمان بالغيبة الكبرى وحياة الإمام (عجَّل الله فرجه) وبقائه حجَّة لله في الأرض - ما شاءه الله، وهو ما ذكرناه في بداية الحديث.
أمَّا التساؤل عن الحكمة من ذلك، فهو موضوع البحث التالي.

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦٩) الصواعق المحرقة (ص ١٥٠).

↑صفحة ٢٢٨↑

البحث الثاني: ما الحكمة من ذلك؟

إذا كان المقصود بالسؤال عن الحكمة في أنْ يكون للعالم مهدي منتظَر أصلاً، وهو ما يقوله بعضهم، مع ما يحتفظ به من تراث الرسالات السماويَّة، بما فيها رسالة خاتم الأنبياء محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وما بيَّنه - ضمن آفاقها - أوصياؤه الاثنا عشر من أهل البيت (عليهم السلام)، ومع ما وصل إليه بحث الإنسان ونظره وتجاربه من انجازات فكريَّة وعلميَّة وتقنيَّة.
فالجواب:
أوَّلاً: أنْ نسأل عمَّا إذا كان ذلك كلُّه قد أنهى مشكلة الإنسانيَّة، وما عانته وتعانيه على امتداد تاريخها من انحرافات فكريَّة، وفساد أخلاقي، ومن اختلافات، وحروب وظلم بكلِّ ما يقع تحت هذا العنوان من عناوين وممارسات، وحين يكون الجواب - كما يمليه الواقع - في كلِّ أقطار الأرض وتحت كلِّ قوانين أهلها: لا.
وحين لا نأمل أنْ نرى وضعاً مختلفاً في المستقبل مهما طال، فإنَّ الحكمة في ظهور المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) تصبح مفهومة.
ثانياً: أنَّنا مع الاعتراف بما حصلت عليه البشريَّة من تقدُّم في الاتِّجاه المشار إليه، فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ (الإسراء: ٨٥)، سيظل حقيقة مطلقة بالنسبة للإنسان، أي إنَّه سيبقى جاهلاً مهما حصل من العلم(٣٧٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٠) ممَّا ورد في مناجاة الإمام الحسين (عليه السلام) في عرفة قوله: «إِلَهِي أَنَا الفَقِيرُ فِي غِنَايَ، فَكَيْفَ لَا أَكُونُ فَقِيراً فِي فَقْرِي؟ إِلَهِي أَنَا الجَاهِلُ فِي عِلْمِي، فَكَيْفَ لَا أَكُونُ جَهُولاً فِي جَهْلِي؟» (إقبال الأعمال: ص ٣٤٨).

↑صفحة ٢٢٩↑

وقد تحقَّق العلماء من ذلك بالفعل، واعترفوا به(٣٧١) بعد ادِّعاءات عريضة.
وإذا كان لا مجال لأنْ تغنى البشريَّة بحال عن هدى إلهي بحجَّة لله موصول به علماً، بحكم ما يُميِّزه به ابتداءً من رتبة وجوديَّة سامية من حيث المبدأ والمعاد، فإنَّ الحكمة في الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) تصبح مفهومة كذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧١) لمجرَّد المثال لهذا الاعتراف نذكر ما قاله بول ديغز أُستاذ الفيزياء التحليليَّة في جامعة نيوكاسل، وما قاله ديفيد بوم زميل أنشتاين الذي قال - وهو يثني عليه -: إنَّه لم يكن يفهم نظريَّة الكمِّ قبل قراءته لبوم.
يقول الأوَّل: (قد نستطيع أنْ نخدش سطح الواقع، ولكنَّنا نترك على الدوام أعماقاً غير مكتشفة من الأسرار، إنَّ مدى رؤيتنا أضيق من أنْ نتمكَّن من التعامل مع قضايا عميقة في المعنى والهدف). (القوى العظمى لبول ديغز: ص ٢٣٣/ كتاب علوم المترجَّم ١٠).
ويقول فيزيائيُّو نظريَّة الكمِّ: إنَّ تطبيقها تُؤدِّي إلى أُمور مذهلة، منها: أنَّ كمّيَّة الطاقة في سنتمتر مكعَّب واحد من المكان الخالي أعظم بكثير من المجموع الكلِّي للطاقة في كلِّ المادَّة التي يحتويها الكون المعروف (والذي يضمُّ ١٠٠ مليار مجرَّة أصغر مجرَّة فيها كمجرَّتنا تضمُّ ١٠٠ مليار نجم عدا ما معها من كواكب). قالوا: وهذا يعني أنَّ المكان الخالي ليس بخالٍ البتَّة، بل هو بحر هائل من الطاقة، وفوق قمَّته تبدو المادَّة التي تعرف تهيُّجاً كمّيًّا صغيراً أشبه بالموجة وأقرب ما يكون إلى نبضة ضئيلة. ويعتقد ديفيد بوم أنَّ الفيزيائيُّين المعاصرين يُنكِرون هذه الخلفيَّة الهائلة من الطاقة لأنَّهم مهتمُّون بالمادَّة وحدها، وهم في هذا كمن يطيل النظر إلى شقٍّ في جدار حتَّى يكاد ينسى أنَّ هناك جداراً يحتوي هذا الشقَّ. (الكون المرآة لجون ب. بريجز: ص ٩٥/ كتاب علوم المترجَم ٤).
أمَّا ما كشفته دراسات الباراسايكولوجيا من بقاء الروح بعد الموت، وإمكانات الرؤية والاتِّصال بها، ثمّ قواها لدى الأحياء في الرؤية عن بُعد، وقراءة الأفكار والاستبصار، فقد أدارت رؤوس العلماء بالفعل، ولم يجدوا لها تفسيراً، واعترفوا بالجهل. لقد أصبحت هذه الظواهر تُدرَّس في جامعات أمريكا وأوروبا، وتُمنَح فيها درجة الماجستير والدكتوراه.

↑صفحة ٢٣٠↑

إنَّ عصر وصول الإنسان - من السعة في العلم - إلى الدرجة التي يكتشف فيها جهله إزاء أسرار الكون القائمة بخالقها سعةً وعمقاً وتعقيداً هو العصر المؤهَّل لظهور المهدي (عجَّل الله فرجه) استلهاماً لقوله سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الأَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ﴾ (فُصِّلت: ٥٣).
وهو - كما يبدو لي - بعض أسباب هذه الغيبة الطويلة.
إنَّ لانقياد العلماء من الشأن - عند الناس - ما كان لانقياد سحرة فرعون من الأثر، أمَّا ما وراؤهم من الناس فليسوا إلَّا تبعاً، وذلك - لو حصل - من أهمّ أسرار النصر الشامل لدى الظهور مضافاً لما يحمله الإمام (عجَّل الله فرجه) من علم يخضع فيه له أمثال هؤلاء العلماء.
أمَّا إذا كان السؤال عن الحكمة قد قُصِدَ به الحكمة في أنْ يكون هذا المهدي المنتظَر - بدوره المستقبلي العظيم المعروف كما صوَّرته الروايات - هو الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) نفسه من دون غيره ممَّن يمكن أنْ يُولَد في المستقبل كما هو في النظريَّة الأُخرى، فقد تقدَّمت الإجابة عنه في السؤال الأوَّل الذي جاء بهذه الصيغة نفسها، ولا حاجة لإعادة ذلك.
وإذا تمَّت تلك الإجابة، وهي في الحقيقة ليست إلَّا تفسيراً لما وردت به الأحاديث المتواترة عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) من كون المهدي المنتظَر هو الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) نفسه لا غيره، فإنَّ بقاءه حتَّى القيام بذلك الدور يكون مفروضاً، ولا معنى للسؤال عن الكيفيَّة في ما هو شأن ومشيئة إلهيَّة.
وإذا قُصِدَ بالسؤال عن الحكمة الحكمة في الغيبة أصلاً، أو بهذا الطول، فالجواب - كما قدَّمناه في الغيبة الصغرى - هو التقيَّة بمعنى معاداة الظرف للإمام (عجَّل الله فرجه) ليس بوصفه شخصاً كما هو في الغيبة الصغرى، بل بوصفه صاحب

↑صفحة ٢٣١↑

رسالة. وإذا كانت الظروف اللَّاحقة - في علم الله، بل وبملاحظة ما أشرنا إليه بالتحليل الموضوعي - لا تختلف بشيء، فإنَّ الغيبة يجب أنْ تقع، وأنْ تستمرَّ هذه المدَّة.
فالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) نفسه قد قضى بين الناس في غيبته النسبيَّة الصغرى ما يعادل عمراً بشريًّا طبيعيًّا من دون أنْ يبلغ ضمن الظروف شيئاً قياساً بما قدَّره الله له ووعده به بعد الغيبة الكبرى.
إنَّ استمرار الغيبة وطولها من دون تقدير لمدى محدَّد أو وقت معلوم من قِبَل المعصومين (عليهم السلام) يفرضه انتظار أنْ يتمخَّض مسار العالم وتطوُّره عن الظرف المؤهَّل لاستقبال الإمام (عجَّل الله فرجه).
ومن المعروف أنَّ عوامل تقدير الظرف وحصوله تدخل فيه أسباب، منها الاختيارات الإنسانيَّة - في ما هو سلب وما هو إيجاب - وفي طول العالم وعرضه، ولذلك فإنَّ من الممكن أنْ يتقدَّم أو يتأخَّر طبقاً لما يحدث من بداءات(٣٧٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٢) أنكر بعض المسلمين البداء وشنَّعوا على شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، وهم إنَّما يتَّبعون في ذلك ما ورد عنهم (عليهم السلام)، وسبب هذا الإنكار عدم معرفة ما يُقصَد بالبداء، وتصوُّرهم أنَّ البداء - وهو العدول عمَّا أُريد من تقدير سابق إلى غيره - لا يكون إلَّا عن جهل بما اقتضى هذا العدول من أسباب أو عن ندم حدث بعد ذلك لأيِّ سبب، وذلك ممَّا يستحيل على الله سبحانه.
والحقيقة أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم تبعاً لهم كغيرهم من المسلمين في الاعتقاد باستحالة البداء بهذا المعنى على الله سبحانه وتكفير من يذهب إليه، والأحاديث في ذلك كثيرة عنهم، راجع: الكافي (ج ١/ ص ١٤٦ - ١٤٩/ باب البداء)، وبحار الأنوار (ج ٤/ ص ٩٢ - ١٣٤/ باب البداء والنسخ)، ولكنَّهم مع ذلك يقولون بالبداء، فكيف يمكن أنْ نفهم ذلك؟ ←

↑صفحة ٢٣٢↑

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

→ إنَّ الأساس الخطأ لدى مخالفي أهل البيت (عليهم السلام) في المسألة قياس فعل الخالق على المخلوق، فما يلزم منه الجهل أو الندامة من البداء إنَّما هو بداء الفاعل بمباشرة كالإنسان، لا الفاعل بما خلق من الأسباب أو بالقوانين الطبيعيَّة المخلوقة كما هو بالنسبة إلى الله سبحانه.
إنَّ الله سبحانه خلق العالم محكوماً بقوانين تُمثِّل في وجودها وآثارها إرادته فيه ابتداءً في ما هو سلب وما هو إيجاب، ولـمَّا كان من جملة هذه القوانين ما هو مقتضٍ ومنها ما هو مانع، ولـمَّا كانت تُشكِّل وحدة مترابطة ومتفاعلة، وكان منها ما هو واقع تحت الخيار الإنسان، فإنَّ من الطبيعي أنْ يحدث من خلال هذه العلاقة المحو والإثبات دائماً، فإذا وُجِدَ تقدير كانت مقتضياته من هذه الأسباب موجودة ثمّ تغيَّر لوجود الموانع من الأسباب الأُخرى، سمَّينا ذلك بداءً، وإنَّما نسبناه إلى الله سبحانه لأنَّ الأسباب وآثارها من خلقه وتُمثِّل إرادته، أي البداء هو نفس ما جاء في قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾ (الرعد: ٣٩)، وأنَّ ذلك إنَّما يكون بما خلقه الله وقدَّره من الأسباب لدى خلقه العالم، ولذلك فلا يلزم منه بالنسبة إليه سبحانه جهل ولا ندامة كما هو بالنسبة إلى الفاعل المباشر للفعل. وسمَّى أهل البيت (عليهم السلام) الإخبار بما وُجِدَت مقتضياته من الأسباب مع إمكان وجود موانعه من الأسباب بالعلم الموقوف القابل للمحو، أمَّا ما كانت مقتضياته ثابتة فهو المحتوم. ومهاجمة رأي يتبنَّاه الأئمَّة من آل محمّد (عليهم السلام) بما توحيه الكلمة دون معرفة معناها تسرُّع غير مسؤول. ولو أردنا أنْ نأخذ الكلمات على ظاهر معانيها لكان الإشكال وارداً في استعمال كثير من الكلمات في القرآن الكريم.
إنَّ اللغة ظاهرة اجتماعيَّة نشأت للتعبير عن أحوال الإنسان وعلاقاته، فلا تتطابق مع ما هو شأن إلهي إلَّا بتجوُّز وتأويل. والبداء في ذلك كالرضا والغضب، فهما في معنيهما أصلاً، ولدى الإنسان حالتا انفعال وتحوُّل من حال إلى حال، ولا شكَّ أنَّهما بهذا المعنى مستحيلان على الأزلي سبحانه، ولكن لـمَّا كان من شأن الرضا أنْ تتبعه المثوبة ومن شأن الغضب أنْ تتبعه العقوبة سُمّي - بعلاقة السببيَّة - ما يُنزله الله من مثوبة بأسبابها رضاً، وما يُنزله من عقوبة بأسبابها من فكر الإنسان ونواياه وعمله غضباً، وهذا هو الوارد عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) فيها وفي أمثالها. فليس البداء من أفكار الغلاة كما ذكر الدكتور عبد الله سلوم في كتابه (الغلوُّ والفِرَق المغالية)، وغيره اتِّباعاً لسابقين، ولكنَّه مبدأ قرآني.

↑صفحة ٢٣٣↑

وممَّا يدلُّ على صحَّة المضمون العامِّ لبعض ما ورد في الإجابات السابقة ما هو معلوم من أنَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة من أوصيائه الاثني عشر (عليهم السلام) من بعده كانوا يريدون - كما شاء الله - طرح الحقائق الكونيَّة ذات العلاقة بالإنسان من حيث صلته بالله، ومن حيث علاقته بالقوانين الكونيَّة بما فيها تلك التي تتَّصل بالآثار الوضعية لفكره ونواياه وأفعاله سلباً أو إيجاباً. ثمّ وضع الإطار الأخلاقي والتشريعي المنسجم - مع هذه الحقائق - لحياته الخاصَّة والعامَّة، ولكنَّهم لم يجدوا في هذه المرحلة من الناس من يرتفع في مستوى إدراكه واستيعابه وعلمه إلى القدر الذي يمكن به بلوغ الغاية، وذلك طبيعي في مرحلة التأسيس في مثل ذلك العصر، ولذلك تضمَّن القرآن الكريم وسُنَّة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة الاثني عشر الأوصياء من بعده (عليهم السلام) مستويين في الطرح في ما لا يمكن تعقُّله وفهمه - لدى الكثير من الناس بحكم المرحلة - طرح عامٌّ وآخر خاصٌّ(٣٧٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٣) لا أقصد بالعامِّ والخاصِّ ما يقصده بعضهم من أدعياء العرفان من تفسير مضلِّل للظاهر والبطان بما يجعل الثاني نافياً للأوَّل، وأنَّ ما لأهل الأوَّل من التزامات وتكاليف عامَّة - أمراً ونهياً - لا يشمل أهل الثاني، فأنا أبرأ إلى الله من ذلك فهماً وقلباً وعملاً، وإنَّما أقصد أنَّ القرآن والرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة (عليهم السلام) وهم يستعملون اللغة الموضوعة مفرداتها أساساً للتعبير عن أحوال الإنسان وشؤونه في ما يتَّصل بالله سبحانه وصفاته وأفعاله، أشاروا إلى أنَّ ما يُقصَد منها بالنسبة إلى الله غير ما يُقصد منها بالنسبة إلى الإنسان، وأنَّ استعمالها على سبيل التجوُّز والتأويل بحكم قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١)، وبحكم ما ورد في الحديث من نفي قياسه على الناس وتشبيهه بهم، وقد أشرت في الهامش السابق إلى أمثلة من ذلك، ومن الأمثلة الهامَّة قوله: ﴿أَنَّمَا إِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ﴾ (الكهف: ١١٠)، فإنَّ أغلب الناس لا تفهم غير الوحدة العدديَّة، أي إنَّه واحد من حيث العدد، والواحد العددي يقبل الثاني، ووحدته سبحانه هي الوحدة الأحديَّة البسيطة التي لا تقبل ذلك، لأنَّ الأُلوهيَّة بنفسها تقتضي وجوب وجوده سبحانه، وذلك ما لا يُتصوَّر إلَّا في ما هو عين الوجود وصرفه، لأنَّ وجود ما له ماهيَّة إنَّما هو بالعرض لا بالذات، فيكون مركَّباً وممكناً، وأنَّ كونه سبحانه عين الوجود وصرفه ينفي أنْ يكون معه آخر، لأنَّه لا يقبل التكرار والانقسام والتعدُّد، وأنَّ الماهيَّات في العالم بحكم قيام وجودها به لا تكون ثانياً له، لأنَّ ما يقوم بشيء لا يكون - بالبداهة - ثانياً له. وللتقريب - وإنْ لم يكن مطابقاً - نشير إلى أنَّ ضوء المصابيح، وحرارة المدفأة، ومغناطيسيَّة الأقطاب ليست ثانياً للكهرباء بحكم قيامها بها، ومثلها الصور التلفزيونيَّة بالنسبة إلى البثِّ داخل الشاشة وخارجها، أي ليست هي ثانية للبثِّ بحكم قيامها به. والمثلان الأوَّل بالنسبة للآثار التي هي العلل الأُولى القائمة بخالقها والمقوِّمة لما بعدها، والثاني بالنسبة للعالم المركَّب ذي الصور المصنوعة من مادّيَّة وغير مادّيَّة.
وإنَّ هذا المعنى من الوحدة الأحديَّة يحكم به العقل - كما تقدَّم - ثمّ النقل، فقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ البَاطِلُ﴾ (لقمان: ٣٠)، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ﴾ (الحديد: ٣)، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ (أي لم ينفصل عنه وجود مستقل كالولد) وَلَمْ يُولَدْ * (لم ينفصل هو ويستقلّ عن وجود آخر)﴾ (الإخلاص: ١ - ٣)، لا تُفهَم دون ذلك، وبدون ذلك لا نفهم أيضاً قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد: ٤)، ولا قوله: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ (فُصِّلت: ٥٤)، وقوله: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (سبأ: ٤٧)، وقوله: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ (الملك: ١٩).
إنَّ وحدة الوجود الصرف لا تعني إلَّا وحدة الله الحقِّ القائم بذاته، وكلُّ ما بعده ماهيَّات يعرض عليها الوجود به، فهي مركَّبة، ولذلك فهذه الوحدة تختلف عن وحدة الوجود الهندوسيَّة أو المطلقة التي تُوحِّد بين الممكن والواجب وبين الصرف والمركَّب، فهي ملحدة كما سيأتي.
وهناك ما يتَّصل بالولاية كما بيَّنَّاها في هامش (ص ١٨١ - ١٨٣)، وفي ما يتَّصل بالعامِّ والخاصِّ، والمطلق والمقيَّد، والمجمل والمبيَّن، والآثار الوضعيَّة.

↑صفحة ٢٣٤↑

إنَّ طرح ما هو أعمق ممَّا هي اللغة العامَّة والفكر العامِّ - ابتداءً - في رسالة عامَّة إلَّا للخاصَّة ممَّا ينافي الحكمة قطعاً، ولذلك ورد عن الإمام

↑صفحة ٢٣٥↑

الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «مَا كَلَّمَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) العِبَادَ بِكُنْه عَقْلِه قَطُّ»، وَقَالَ: «قَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ»(٣٧٤).
وقال الإمام عليٌّ (عليه السلام) في حديثه لكميل بن زياد: «إِنَّ هَاهُنَا لَعِلْماً جَمًّا - وَأَشَارَ بِيَدِه إِلَى صَدْرِه - لَوْ أَصَبْتُ لَه حَمَلَةً، بَلَى أَصَبْتُ لَقِناً غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْه، مُسْتَعْمِلاً آلَةَ الدِّينِ لِلدُّنْيَا، وَمُسْتَظْهِراً بِنِعَمِ الله عَلَى عِبَادِه، وَبِحُجَجِه عَلَى أَوْلِيَائِه، أَوْ مُنْقَاداً لِحَمَلَةِ الحَقِّ لَا بَصِيرَةَ لَه فِي أَحْنَائِه، يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِه لأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ»(٣٧٥).
ومثل ذلك ورد عن آخرين من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام).
وممَّا يُؤيِّده ويشهد له ما نعرفه من نوع أسئلة الناس وإشكالاتهم ومنازعاتهم ومستواها، بدءاً من عصر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتَّى آخر أوصيائه (عليهم السلام).
لذلك كان لابدَّ - وقد استُكمِلَت ركائز الرسالة الإسلاميَّة نظريًّا خلال المراحل التاريخيَّة لوجود الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأوصيائه (عليهم السلام) والتي امتدَّت أكثر من ثلاثة قرون من دون أنْ تبلغ الأُمَّة بها الغاية، أو ما يقرب منها - كان لابدَّ أنْ تقطع الصلة الظاهريَّة بالإمام (عجَّل الله فرجه) بصورتها المفتوحة والنسبيَّة، لتتفاعل الأُمَّة ضمن السلب والإيجاب مع الرسالة فكراً ومعايشةً، وفي الداخل والخارج حتَّى يتبلور الفهم الصحيح أو الأقرب للصحَّة، وبذلك تنضج الظروف الموضوعيَّة - عبر مخاض طويل - لظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) ليس على مستوى المسلمين فقط، بل على مستوى العالم. ولا شكَّ في أنَّ ذلك - بطبيعة الحال - يتطلَّب زمناً طويلاً - كما قلنا -، وهو ما أنذرت به الروايات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٤) الكافي (ج ١/ ص ٢٣/ كتاب العقل والجهل/ ح ١٥)، أمالي الصدوق (ص ٥٠٤/ ح ٦٩٣/٦).
(٣٧٥) نهج البلاغة (ص ٤٩٦/ ح ١٤٧).

↑صفحة ٢٣٦↑

وهناك أمر آخر صرَّحت به كثير من الروايات، وهو أنَّ ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) نذير بين يدي الساعة، فإنَّ رحمة الله بخلقه التي أوجبت إرسال الرُّسُل من قبل هي التي اقتضت بعد ختم النبوَّة بمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وانتقال أحد عشر من أوصيائه (عليهم السلام) إلى الدار الآخرة أنْ يظلَّ الثاني عشر من أوصيائه (عليهم السلام) الحجَّة الباقية في الأرض، وأنْ يظهر قُبيل الساعة بعد طول الأمد وقسوة القلوب.
ولذلك سُمّي بـ(النُّذر الأكبر)، ومنحه الله من الآيات ما يُؤدِّي به هذه المهمَّة كصلاة المسيح (عليه السلام) خلفه، واحتفافه بالملائكة، وبداية البعث الجزئي المسمَّى بالرجعة في زمنه كآية بين يدي البعث الشامل. وقد ذكر الشيخ المفيد (رحمه الله) أنَّه بعد رحيل الإمام (عجَّل الله فرجه) بأربعين يوماً تقوم القيامة الكبرى(٣٧٦)، وإذا كان الأمر كذلك فإنَّ القيامة مربوطة بتقديرات كونيَّة كبرى تتَّصل بالمجموعة الشمسيَّة، فلا مجال للإخبار عنها، لا يجليها لوقتها إلَّا هو، لكنَّهم ذكروا علامات كلبوث الفلك، وطول السنين، وغير ذلك.
انقطاع صلتنا به - بحكم الغيبة - لا يعني انقطاع صلته بنا:
ذلك ما وردت به الأحاديث بلسانه ولسان آبائه (عليهم السلام)، وهم يُبشِّرون به قبل مولده (عجَّل الله فرجه)، وذلك أنَّه كما قالوا: كالشمس إذا غيَّبها السحاب(٣٧٧) لا تُعدَم الدنيا ضوء أشعَّتها النافذة، فيبقى النهار قائماً بها رغم ذلك.
إنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) ليس رجلاً عاديًّا، فقد وهبه الله سبحانه - بحكم مقامه مبدأً ومعاداً(٣٧٨)، وبحكم دوره حجَّةً له يُمثِّل رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - قدرات لا توجد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٦) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٨٧).
(٣٧٧) راجع التوقيع الصادر إلى الشيخ العمري (رضي الله عنه) في (ص ١٩٣).
(٣٧٨) راجع هامش (ص ١٩١).

↑صفحة ٢٣٧↑

لدى غيره من الناس(٣٧٩)، ومن الخطأ مقايسته من هذه الناحية بالآخرين، ولذلك فهو كما مرَّ من مثال الشمس(٣٨٠) وغيره ممَّا ورد عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) وأهل المعرفة من العلماء يقوم بدور الإمامة في غيبته، لا السياسيَّة والشرعيَّة كما هي في عالم الظهور، بل في الجانب الآخر بحكم كونه الوسيلة فيما يصعد من الناس وما ينزل(٣٨١)، إنَّه يطَّلع على أحوالهم فيُسنِد ويُسدِّد ويشفع إليهم، رأى الناس ذلك أم لم يروه، وعرفوا ذلك أم لم يعرفوه.
قال الشيخ المجلسي (رحمه الله) في بيان الوجه الأوَّل من تشبيه الانتفاع بالإمام في غيبته بالانتفاع بالشمس وراء السحاب: (إنَّ نور الوجود والعلم والهداية يصل إلى الخلق بتوسُّطه (عليه السلام)، إذ ثبت بالأخبار المستفيضة أنَّهم العلل الغائيَّة لإيجاد الخلق، فلولاهم لم يصل نور الوجود إلى غيرهم، وببركتهم والاستشفاع بهم والتوسُّل إليهم تظهر العلوم والمعارف على الخلق، وتُكشَف البلايا عنهم، فلولاهم لاستحقَّ الخلق بقبائح أعمالهم أنواع العذاب كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]).
قال: (ولقد جرَّبنا مراراً لا نُحصيها أنْ عند انغلاق الأُمور وإعضال المسائل والبعد عن جناب الحقِّ تعالى وانسداد أبواب الفيض، لـمَّا استشفعنا بهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٩) راجع ما ورد حول ذلك (بصائر الدرجات) لابن فروُّخ الصفَّار المتوفَّى سنة (٢٩٠هـ)، فموضوع ما رواه فيه كاملاً يتَّصل بذلك. وراجع: الكافي (ج ١/ ص ١٦٨ - ٤٣٩/ كتاب الحجَّة).
(٣٨٠) ورد هذا التشبيه عن عدد من آبائه وعنه (عليهم السلام)، كما مرَّ في (ص ١٩٣) التوقيع الصادر منه (عجَّل الله فرجه) للشيخ العمري (رضي الله عنه)، وقد ذكر الشيخ المجلسي (رحمه الله) - عدا ما ذكرناه أعلاه - سبعة وجوه أُخرى في بيان ما يُفاد منه في بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٩٣ و٩٤).
(٣٨١) ورد ذلك في ما رواه الحسين بن روح (رضي الله عنه)، كما في الغيبة للطوسي (ص ٣٨٧/ ح ٣٥١).

↑صفحة ٢٣٨↑

وتوسَّلنا بأنوارهم، فبقدر ما يحصل الارتباط المعنوي بهم في ذلك الوقت تنكشف تلك الأُمور الصعبة. وهذا معاين لمن أكحل الله عين قلبه بنور الإيمان، وقد مضى توضيح ذلك في كتاب الإمامة)(٣٨٢).
وما أكثر ما روى العلماء من وقائع مشكلة حلَّت ببركاته، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، منذ بداية غيبته الكبرى وحتَّى أيامنا ممَّا سنشير إلى بعضه في ما يلي.

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨٢) بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٩٣).

↑صفحة ٢٣٩↑

البحث الثالث: هل يعني ذلك إمكان المشاهدة؟

ذلك ما ادَّعاه من أهل السُّنَّة بعض أهل الكشف من الصوفيَّة، وقد ذكر الشيخ الشعراني جماعة رأوه، بل بايعوه، وسمَّى بعضهم كالشيخ حسن العراقي(٣٨٣).
ونقل الشيخ سليمان القندوزي الحنفي المتوفَّى سنة (١٢٩٤هـ)، وهو من شيوخ النقشبنديَّة أنَّه قال في كتابه (الأنوار القدسيَّة): (إنَّ بعض مشايخنا قال: نحن بايعنا المهدي (عليه السلام) بدمشق الشام، وكنَّا عنده سبعة أيَّام)(٣٨٤).
وروى الشيخ سليمان أيضاً أنَّ الشيخ عبد اللطيف الحلبي حدَّثه سنة (١٢٧٣هـ) أنَّ أباه الشيخ إبراهيم - وهو من كبار مشايخ حلب على الطريقة القادريَّة - قال: (سمعت بعض مشايخي من مشايخ مصر يقول: بايعنا الإمام المهدي (عليه السلام))(٣٨٥).
وذكر العلماء والمحدِّثون، ومنهم الشيخ المجلسي(٣٨٦)، والشيخ الحرُّ العاملي(٣٨٧)، والشيخ النوري (رحمهم الله) الذي ألَّف كتاباً خاصًّا في ذلك أسماه (جنَّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨٣) اليواقيت والجواهر (ج ٢/ ص ٥٦٢/ المبحث ٦٥).
(٣٨٤) ينابيع المودَّة (ج ٣/ ص ٣٤٦).
(٣٨٥) المصدر السابق.
(٣٨٦) بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ١٥٩ - ١٨٠/ باب ٢٤).
(٣٨٧) جنَّة المأوى (ص ١٠٨/ الحكاية ٣٨).

↑صفحة ٢٤٠↑

المأوى في من فاز بلقاء الإمام الحجَّة (عليه السلام)، أو معجزته في الغيبة الكبرى)(٣٨٨) أسماء عدد من العلماء والصلحاء الذين تشرَّفوا بلقائه (عجَّل الله فرجه)، ولا مجال للتوقُّف عند تكذيب من بلَّغ من هؤلاء عن الإمام (عجَّل الله فرجه) أحكاماً تنافي العقيدة أو الشريعة أو تُعطِّل العمل بالأحكام الإسلاميَّة كلًّا أو بعضاً، لما سنذكره في الفصل الخامس الآتي، ولورود أحاديث حذَّرت من هؤلاء خاصَّة. بل رأى بعضهم تكذيب المبلِّغ للأحكام عنه في الغيبة الكبرى مطلقاً(٣٨٩).
ولكن الأمر المشكل لدى هؤلاء العلماء وغيرهم، في ما عدا هؤلاء ممَّن ادَّعى الرؤية دون ما شيء من الدعاوى أو التبليغ أو الابتداع.
ولا يأتي الإشكال من إمكان الرؤية في نفسها أو عدم إمكانها، فهي من دون إشكال ممكنة، ولكنَّه يأتي من أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) نفسه كذَّب من يدَّعي رؤياه قبل خروج السفياني والصيحة، فقد قال في التوقيع الذي تلقَّاه نائبه الخاصُّ عليُّ بن محمّد السمري في ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن أبي محمّد الحسن بن أحمد المكتِّب(٣٩٠) الذي كان حاضراً لدى إخراج الشيخ السمري

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨٨) طُبِعَ في بحار الأنوار (ج ٥٣/ ص ١٩٩ - ٣٣٦)، وطُبِعَ مستقلًّا من قِبَل مركزنا سنة (١٤٢٧هـ)، وأُعيد طبعه ثانيةً سنة (١٤٤٢هـ).
(٣٨٩) كالعلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ١٥١) وآخرين، يُشعِر بذلك حمله التذكيب على مثل هؤلاء.
(٣٩٠) من مشايخ الصدوق (رحمه الله)، روى عنه في كُتُبه كثيراً مترضّياً مترحِّماً عليه، قال عليُّ بن الحَكَم في (مشايخ الشيعة): (كان مقيماً بقم، وله كتاب في الفرائض أجاد فيه، وأخذ عنه أبو جعفر محمّد بن عليِّ بن بابويه، وكان يُعظِّمه). (لسان الميزان: ج ٢/ ص ٢٧١ و٢٧٢/ الرقم ١١٢١).
ويُفهَم من حضوره لدى السمري عند وفاته وعند إخراجه للتوقيع أنَّه كان ذا خصوصيَّة.
قال السيِّد الموحِّد الأبطحي في تهذيب المقال (ج ٢/ ص ٣٧٢ و٣٧٣): الموجود في الكُتُب وروايات الصدوق (رحمه الله) (الحسين) مصغَّراً، إلَّا ما تقدَّم عن موضع من الإكمال (يعني ما ذكرناه أعلاه)، والغيبة للطوسي (في نقله ذلك عن الصدوق)، قال: وهو (يعني تسمية الحسن) الأنسب للتكنية بأبي محمّد، ولعدم الملازمة بين التكنية والاسم، فالأظهر ما عليه كُتُب الأصحاب ورواياته من الضبط بـ(الحسين). قال: ولُقِّب بالمكتِّب، وذكر أنَّ ذلك ورد في الخصال والعيون، وأيضاً بالمؤدِّب كما في (لسان الميزان) و(الإكمال) و(عيون أخبار الرضا (عليه السلام)) و(الغيبة للطوسي) و(مشيخة الفقيه) و(معاني الأخبار).

↑صفحة ٢٤١↑

التوقيع: فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اللهِ (عزَّ وجلَّ)، وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الأَمَدِ، وَقَسْوَةِ القُلُوبِ، وَامْتِلَاءِ الأَرْضِ جَوْراً، وَسَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي المُشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَنِ ادَّعَى المُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ وَالصَّيْحَةِ فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ(٣٩١)، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ»(٣٩٢).
ومن جهة أُخرى، فإنَّ من هؤلاء الذين ادَّعوا الرؤية أهل علم ومعرفة وأهل دين وصلاح، وهم من الكثرة بحيث يصعب عدم الإصغاء إليهم، ولذلك اختلفت مواقف العلماء حول ذلك.
فالشيخ النوري (رحمه الله) وهو ممَّن يميل إلى تصديق قَصص الرؤية كما يبدو من كتابه (جنَّة المأوى)، حاول في وجهين إسقاط قيمة الرواية أو اعتبار هذا المنع مقصوراً على زمنه كما ورد بلسان شمس الدِّين محمّد في قصَّة الجزيرة الخضراء(٣٩٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩١) في رواية الطوسي والطبرسي والمجلسي (رحمهم الله) عنه: (كذَّاب مفتر).
(٣٩٢) قد تقدَّم في (ص ٢٠٦)، فراجع.
(٣٩٣) كتب المعلِّق السيِّد البهبودي في الهامش عند إيراد قصَّة الجزيرة الخضراء (ج ٥٢/ ص ١٥٩) من بحار الأنوار: (هذه قصَّة مصنوعة تخيليَّة، قد سردها كاتبها على رسم القصَّاصين، وهذا الرسم معهود في هذا الزمان أيضاً يُسَمُّونه (رمانتيك)، وله تأثير عظيم في نفوس القارئين لانجذاب النفوس إليه، فلا بأس به إذا عرف الناس أنَّها قصَّة تخيليَّة).
وعلَّق في (ص ١٧٠) من هذا الجزء من ورود ما يشير إلى التحريف بقوله: (يظهر من كلامه ذلك أنَّ منشئ هذه القصَّة كان من الحشويَّة الذين يقولون بتحريف القرآن لفظاً، فسرد القصَّة على معتقداته).
جزى الله هذا المعلِّق خيراً.

↑صفحة ٢٤٢↑

قال (رحمه الله) بعد التوقيع السابق بتكذيب مدَّعي المشاهدة: (وهذا الخبر بظاهره ينافي الحكايات السابقة وغيرها ممَّا هو مذكور في (البحار)، والجواب عنه من وجوه:
الأوَّل: أنَّه خبر واحد مرسَل(٣٩٤)، غير موجب علماً، فلا يعارض تلك الوقائع والقَصص التي يحصل القطع عن مجموعها، بل ومن بعضها المتضمِّن لكرامات ومفاخر لا يمكن صدورها من غيره (عليه السلام)، فكيف يجوز الإعراض عنها لوجود خبر ضعيف لم يعمل به ناقله وهو الشيخ (يعني الطوسي) في الكتاب المذكور كما يأتي كلامه فيه، فكيف بغيره والعلماء الأعلام تلقُّوها بالقبول (يعني القَصص)، وذكروها في زُبُرهم وتصانيفهم، معوِّلين عليها، مقتنعين بها؟
الثاني: ما يظهر من قصَّة الجزيرة الخضراء، قال الشيخ الفاضل عليُّ بن فاضل المازندراني: فقلت للسيِّد شمس الدِّين محمّد، وهو العقب السادس من أولاده (عليه السلام): يا سيِّدي، قد روينا عن مشائخنا أحاديث رُويت عن صاحب الأمر أنَّه قال لـمَّا أُمِرَ بالغيبة الكبرى: من رآني بعد غيبتي فقد كذب، فكيف فيكم من يراه؟ فقال: صدقت، إنَّه (عليه السلام) إنَّما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة أعدائه من أهل بيته وغيرهم من فراعنة بني العبَّاس، حتَّى إنَّ الشيعة يمنع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩٤) يقصد بقوله: (إنَّه خبر واحد) رواية واحدة، بدليل الضمير في (إنَّه)، ووصفه بأنَّه مرسَل، وليس بالمصطلح الأُصولي، والتحقيق أنَّه ليس كذلك كما سترى.

↑صفحة ٢٤٣↑

بعضها بعضاً عن التحدُّث بذكره، وفي هذا الزمان تطاولت المدَّة، وأيس منه الأعداء، وبلادنا نائية عنهم، وعن ظلمهم وعذابهم)(٣٩٥).
ويمكن أنْ يُناقَش ما أورده الشيخ النوري (رحمه الله) في هذين الوجهين مع تقديم بعضه - كما يفرضه سياق المناقشة - على بعضه الآخر بالآتي:
أوَّلاً: أنَّ كون الخبر مرسَلاً ليس صحيحاً، فقد رواه الشيخ الصدوق المتوفَّى سنة (٣٨١هـ)(٣٩٦)، عن شيخه أبي محمّد الحسن أو الحسين على الأصحّ، وهو عن الشيخ السمري مباشرةً. وعنه بالإسناد نفسه رواه الشيخ الطوسي المتوفَّى (٤٦٠هـ)(٣٩٧).
والمفروض أنَّ ما يصدر عن النُّوَّاب الخاصِّين الأربعة - بحكم توثيقهم والنصِّ عليهم من قِبَل الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بصورة مباشرة أو غير مباشرة - بمنزلة ما يصدر عن الإمام (عجَّل الله فرجه) نفسه حتَّى لو كانت هناك - كما افترض بعضهم - واسطة مجهولة، أو غير مسمَّاة بينهم وبين الإمام (عجَّل الله فرجه) دائماً أو في بعض الأوقات، لأنَّها ستكون عندئذٍ (أعني الواسطة) أكثر خصوصيَّة بالإمام (عجَّل الله فرجه) أو لا أقلّ مساوية للنائب الظاهر من حيث الوثاقة، وقد تكون إحدى الوسائل البارسيكولوجيَّة الواقعة تحت سلطان الإمام (عجَّل الله فرجه).

وإنْ لم نجد أساساً صريحاً لوجود هذه الواسطة، وحتَّى إذا لم نُعطِ النائب الخاصّ ما أشرنا اليه من منزلة - وهو خلاف المفروض -، فلا أقلّ من كونه أحد الرواة الموثوقين عن الإمام (عجَّل الله فرجه)، أو عمَّن هو عنه يقيناً، وإلَّا كان رفضاً لأصل النيابة الخاصَّة، وتشكيكاً بالنصِّ على النائب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩٥) جنَّة المأوى (ص ١٦٣ و١٦٤).
(٣٩٦) كمال الدِّين (ص ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤)، وراجع ما تقدَّم في هامش (ص ٢٤١) لمعرفة موقع الحسن بن محمّد من الشيخ الصدوق (رحمه الله).
(٣٩٧) الغيبة للطوسي (ص ٣٩٥/ ح ٣٦٥).

↑صفحة ٢٤٤↑

ولذلك فلا مجال لاعتبار الخبر مرسَلاً، لوجود الإسناد والمعاصرة واللقاء بين الرواة إلى أنْ ينتهي إلى الإمام (عجَّل الله فرجه).
ومثل ذلك وصف الخبر بالضعيف من قِبَل الشيخ (رحمه الله)، فإنَّه غير مسلَّم، لأنَّ الضعيف كما عرَّفه الشهيد الثاني (رحمه الله): (هو ما يشتمل طريقه على مجروح بالفسق ونحوه، أو مجهول الحال، أو ما دون ذلك، كالوضَّاع)(٣٩٨).
وليس في سند هذا الخبر ما هو بهذه الصفة، فالشيخ الصدوق والشيخ السمري (رحمهما الله) منصوص على عدالتهما، ومن بينهما وهو الحسن بن محمّد المكتِّب إذا لم يكفِ في توثيقه وتعديله كونه أحد مشايخ الشيعة، وأنَّه كان شيخاً للصدوق روى عنه في جميع كُتُبه، وأنَّه كان يُعظِّمه ويُتبِع ذكره كلَّما جاء بالترضِّي عنه والترحُّم عليه، وإذا لم يكفِ أنَّه من حضار مجلس الشيخ السمري (رحمه الله)، وأنَّه حضره قبيل وفاته وتلقَّى التوقيع الشريف عنه، وذلك ما يكشف عن خصوصيَّته، قلنا: إذا لم يكفِ ذلك كلُّه في توثيقه ليكون الخبر من الصحيح، فإنَّه لا أقلّ من كونه من الحسن، لأنَّ كون المكتِّب إماميًّا ممدوحاً ممَّا لا شكَّ فيه(٣٩٩).
نقول ذلك تنزُّلاً، وإلَّا فالخبر من الصحيح من دون إشكال(٤٠٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩٨) الرعاية في علم الدراية (ص ٨٦).
(٣٩٩) الرعاية في علم الدراية (ص ٨١).
(٤٠٠) ممَّن حكم بصحَّته لقيام القرائن على ذلك، ودلَّل عليه، بل اعتبره مقطوعاً به، العلَّامة الحجَّة الميرزا محمّد تقي الموسوي الأصفهاني في كتابه مكيال المكارم (ج ٢/ ص ٣٣٤ و٣٣٥)، قال: (اعلم أنَّ هذا حديث صحيح عالٍ اصطلاحاً، لأنَّه مرويٌّ عن مولانا صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) بتوسُّط ثلاثة أشخاص:
الأوَّل: الشيخ الأجلّ أبو الحسن عليُّ بن محمّد السمري، وهو لجلالته واشتهاره غنيٌّ عن البيان.
والثاني: الشيخ الصدوق محمّد بن عليِّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمِّي، وهو أيضاً لاشتهاره واشتهار كتابه وجلالة قدره لا يحتاج إلى التوضيح.
والثالث: أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتِّب، وهو - كما ذكره الفاضل الألمعي المولى عناية الله في مجمع الرجال - أبو محمّد الحسن بن الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكتِّب. ويروي عنه الصدوق مكرَّراً مترضّياً مترحِّماً، وهذا من أمارات الصحَّة والوثاقة، كما نبَّه على ذلك المولى المزبور في مجمعه، وذكر له شواهد عديدة ليس هنا موضع ذكرها...)، إلى أنْ قال: (وممَّا يدلُّ على صحَّة هذا الحديث وصدوره عن الإمام أيضاً، أنَّ الشيخ الطبرسي (رضي الله عنه) صاحب كتاب الاحتجاج ذكره مرسَلاً من دون ذكر السند، والتزم في أوَّل الكتاب وصرَّح بأنَّه لا يذكر فيه سند الأحاديث التي لم يذكر أسانيدها إمَّا بسبب موافقتها للإجماع، أو اشتهارها بين المخالف والمؤالف، أو موافقتها لحكم العقل. فظهر أنَّ الحديث المذكور أيضاً كان غنيًّا عن ذكر السند، إمَّا لموافقة الإجماع، أو لاشتهاره، أو لكليهما جميعاً. وممَّا يدلُّ أيضا على صحَّته، أنَّ علماءنا من زمن الصدوق (رضي الله عنه) إلى زماننا هذا استندوا إليه، واعتمدوا عليه، ولم يناقش ولم يتأمَّل أحد منهم في اعتباره كما لا يخفى على من له أُنس وتتبُّع في كلماتهم ومصنَّفاتهم، ف