فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » متاهات في مدينة الضباب - حوار مع أحمد الكاتب حول الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
 كتب المركز

الكتب متاهات في مدينة الضباب - حوار مع أحمد الكاتب حول الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: الشيخ محمد السند تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٩ المشاهدات المشاهدات: ٨٨١٢٣ التعليقات التعليقات: ٠

متاهات في مدينة الضباب
حوار مع أحمد الكاتب حول الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)

المحاورون: سماحة الشيخ محمد السند - سماحة الشيخ علي الكوراني
إعداد وتقديم: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
رقم الإصدار: ١١٠
الطبعة الثانية ١٤٤٣هـ

الفهرس

مقدّمة المركز..................٣
مبدأ الحوار في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)..................٣
تمهيد..................٥
صور الكاتب في عدسة الحوار..................٩
[اشتراك أحمد الكاتب في هجر]..................١١
الإمام الثاني عشر حقيقة تاريخيَّة أم فرضيَّة فلسفيَّة؟..................١٦
العوامل النفسيَّة لنشوء الفرضيَّة (المهدويَّة الاثني عشريَّة)..................٢٠
الشيعة لم يجمعوا على وجود خلف للإمام العسكري (عليه السلام)..................٣٢
عصر الحيرة! وفاة الإمام العسكري (عليه السلام)..................٣٣
ادِّعاء جعفر بن عليٍّ بالإمامة..................٣٤
القائلون بانقطاع الإمامة..................٣٦
المتراجعون..................٣٧
القائلون بمهدويَّة العسكري..................٣٧
المحمّديَّة والنفيسيَّة..................٣٨
الواقفون..................٣٩
الحيارى..................٣٩
الجنينيُّون..................٤٠
القائلون بوجود الولد المسبق (الاثنا عشريُّون)..................٤١
عصر الحيرة..................٤١
بصائر الدرجات سند تاريخي على عقيدة الاثني عشريَّة، يكفي وحده للردِّ على المبطلين!..................٥٠
تصريح النبيِّ والأئمَّة بأنَّ عدد الأئمَّة اثنا عشر، وأنَّهم محدَّثون..................٥٦
نقد الدليل الروائي النقلي..................٦٣
دليل الاثني عشريَّة..................٦٦
المفيد يُضعِّف كتاب سُلَيم..................٧٢
أين الدلالة؟..................٧٥
لا بدَّ من إمام حيّ ظاهر يُعرَف!..................٧٦
نقد الدليل التاريخي (١)..................٧٧
المطلب الأوَّل: تناقض الروايات..................٧٧
رواية حكيمة..................٨٤
نقد الدليل التاريخي (٢)..................٨٦
رواية أبي الأديان البصري..................٨٧
دليل المعاجز على وجود الإمام الثاني عشر..................٩٥
الدليل الإعجازي على وجود المهدي..................٩٥
دليل الإجماع..................٩٧
ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)..................٩٨
إخبار الإمام العسكري بولادة ابنه المهدي (عليهما السلام)..................١٠٠
شهادة القابلة بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)..................١٠١
من شهد برؤية المهدي من أصحاب الأئمَّة (عليهم السلام) وغيرهم..................١٠٢
شهادة وكلاء المهدي ومن وقف على معجزاته (عجَّل الله فرجه) برؤيته..................١٠٨
ومن غير الوكلاء..................١٠٩
شهادة الخدم والجواري والإماء برؤية المهدي (عجَّل الله فرجه)..................١١٠
تصرُّف السلطة دليل على ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)..................١١١
اعترافات علماء الأنساب بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)..................١١٤
اعتراف علماء أهل السُّنَّة بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)..................١١٧
اعتراف أهل السُّنَّة بأنَّ المهدي هو ابن العسكري (عليهما السلام)..................١٢٢
ردًّا على الأخ عبد الحسين البصري..................١٢٧
إلى أحمد الكاتب.. أين الجواب على هذا الدليل؟..................١٣١
النظريَّات المتعدِّدة في تفسير الغيبة..................١٣٢
لماذا الغيبة؟..................١٣٢
١ - نظريَّة الحكمة المجهولة..................١٣٢
٢ - نظريَّة التمحيص..................١٣٣
٣ - نظريَّة الخوف..................١٣٤
المطلب الثاني: أين مكان الغيبة؟..................١٣٦
المطلب الثالث: كم هي مدَّة الغيبة؟..................١٣٧
المطلب الرابع: كيفيَّة التأكُّد من هويَّة المهدي..................١٣٨
المطلب الخامس: علائم الظهور..................١٣٩
مناقشة منهجيَّة لأدلَّة أحمد الكاتب..................١٤٥
الافتراضيَّة الفلسفيَّة نموذجاً..................١٤٥
المحور الأوَّل..................١٤٥
المحور الثاني: نشأة الاجتهاد والفقاهة عند الإماميَّة..................١٤٦
المحور الثالث: هويَّة الأحاديث الإماميَّة نموذج..................١٤٧
المحور الرابع: الاثني عشر في كُتُبنا، نموذج..................١٤٧
المحور الخامس: الإمامة في كُتُب أهل السُّنَّة، نموذج..................١٤٨
المهدي هو محمّد بن الحسن العسكري (عليهما السلام)..................١٦٤
وجوب وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)..................١٧٢
أحاديث (الخلفاء اثنا عشر)..................١٧٥
كلمة الشيخ الآصفي..................١٩٤
القضيَّة الأُولى..................١٩٤
القضيَّة الثانية..................١٩٥
القضيَّة الثالثة..................١٩٦
١ - حديث الثقلين..................١٩٧
٢ - حديث من مات ولم يعرف إمام زمانه..................١٩٩
الطريق الأوَّل..................٢٠٠
الطريق الثاني..................٢٠١
٣ - حديث أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة..................٢٠٢
٤ - حديث الأئمَّة الاثني عشر..................٢٠٤
الطائفة الثانية..................٢٠٩
تواتر الروايات..................٢١٠
مناقشة كلمة الشيخ الآصفي في مؤتمر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)..................٢١٢
الردُّ على ما قاله حول مقالة الآصفي..................٢٤٠
ملاحظة منهجيَّة على أحمد الكاتب في مناقشة الدليل النقلي..................٢٤٨
بطلان دعوى أحمد الكاتب أنَّ حديث الاثني عشر ضعيف عند أهل السُّنَّة..................٢٥٠
المهدي الإمام الثاني عشر..................٢٥٥
مناقشة دليل الاثني (عشريَّة)..................٢٥٧
الردُّ على أحمد الكاتب حول افترائه على الصدوق بأنَّه لا يعتقد بقوَّة بالاثني عشر..................٢٥٨
غيبة الإمام الطويلة دليل تاريخي مضادٌّ على عدم وجوده..................٢٦٤
ملاحظات سريعة على منهجيَّة أحمد الكاتب ونقدها..................٢٧٤
لماذا لا نعرض الرواية التاريخيَّة على التحقيق؟..................٢٨٣
أُمُّ المهدي..................٢٨٥
تاريخ ولادته..................٢٨٦
كيفيَّة ولادته..................٢٨٧
رواية الطوسي لقصَّة ولادة المهدي..................٢٩٠
سرّيَّة الولادة..................٢٩٢
رؤية المهدي في حياة أبيه..................٢٩٣
رؤيته عند وفاة أبيه..................٢٩٦
محاولة القبض على المهدي..................٢٩٨
تعليق على النقاش في الدليل التاريخي..................٢٩٩
الردُّ على النقاش التاريخي..................٣٠٥
كلمة اعتذار من أحمد الكاتب..................٣٠٩
تعليق على الاعتذار..................٣١٣
نشوء الفرضيَّة المهدويَّة في أحضان الغلوِّ والغلاة..................٣١٤
التفسير الباطني..................٣١٧
النميريَّة..................٣٢٠
المخمِّسة..................٣٢١
المفوِّضة..................٣٢٢
لا مبرِّر للغيبة أو الخوف من النظام العبَّاسي الضعيف..................٣٣١
الوضع السياسي العام عشيَّة (الغيبة) وغداتها..................٣٣١
القسم الأوَّل: النظام العبَّاسي..................٣٣١
القسم الثاني: وضع المعارضة..................٣٣٤
الثورات العلويَّة عشيَّة (الغيبة)..................٣٣٥
الثورات الإسماعيليَّة في اليمن وشمال أفريقيا..................٣٣٧
تعاطف الخلفاء العبَّاسيِّين مع العلويِّين..................٣٣٨
الردُّ على إنكار المبرِّر التاريخي..................٣٤٠
لا تواتر ولا إجماع على مهدويَّة الإمام الثاني عشر..................٣٤٤
مهدويَّة الإمام عليٍّ..................٣٤٥
مهدويَّة ابن الحنفيَّة..................٣٤٦
مهدويَّة أبي هاشم..................٣٤٧
مهدويَّة الطيَّار..................٣٤٧
انحصار المهدويَّة في البيت الفاطمي..................٣٤٧
مهدويَّة ذي النفس الزكيَّة..................٣٤٨
مهدويَّة الباقر..................٣٤٩
مهدويَّة الصادق..................٣٤٩
مهدويَّة إسماعيل..................٣٤٩
مهدويَّة الديباج..................٣٥٠
مهدويَّة محمّد بن عبد الله الأفطح..................٣٥٠
مهدويَّة الكاظم..................٣٥١
مهدويَّة محمّد بن القاسم..................٣٥٣
مهدويَّة يحيى بن عمر..................٣٥٣
مهدويَّة محمّد بن عليٍّ الهادي والعسكري..................٣٥٣
مهدويَّة القائم المجهول..................٣٥٤
الردُّ على عدم تواتر روايات أنَّ المهدي هو ابن الحسن العسكري..................٣٥٥
هذا ما قاله الكاتب فما هو ردُّكم عليه؟..................٣٦٣
الشورى نظريَّة أهل البيت، والمهدي وليد نظريَّة الإمامة..................٣٧٠
الإمام عليٌّ والشورى: ..................٣٧٠
الإمام الحسن والشورى..................٣٧٧
الإمام الحسين والشورى..................٣٧٨
اعتزال الإمام زين العابدين..................٣٨٢
انتخاب سليمان بن صُرَد الخزاعي زعيماً للشيعة..................٣٨٣
إمامة محمّد بن الحنفيَّة..................٣٨٣
الردُّ على الكاتب في الشورى..................٣٩١
المحافظة على الإخوة كمسلمين شيعة لأهل البيت (عليهم السلام)..................٤١٦
لماذا تأخَّر الشيعة وتقدَّم غيرهم؟..................٤٢٩
الموقف من عمليَّة الإصلاح الاجتماعي..................٤٢٩
الآثار السلبيَّة لنظريَّة وجود المهدي على الشيعة الاثني عشريَّة..................٤٣٧
نظريَّة التقيَّة والانتظار..................٤٣٧
لماذا اتَّخذ مشايخ الطائفة الأوائل موقفاً سلبيًّا من الاجتهاد وولاية الفقيه؟..................٤٤٤
الموقف السلبي من الاجتهاد..................٤٤٦
المطلب الثاني: الموقف السلبي من ولاية الفقيه..................٤٥٠
الردُّ رقم (١)..................٤٥٦
الردُّ رقم (٢)..................٤٦٦
الردُّ رقم (٢) على الكاتب في نقاشه مع التلميذ..................٤٨٧
الردُّ رقم (١) على الكاتب في نقاشه مع التلميذ..................٥٠١
إلغاء صلاة الجمعة أكبر دليل على سلبيَّة نظريَّة الانتظار..................٥١٥
الموقف من صلاة الجمعة..................٥١٥
الردُّ على الكاتب حول إلغاء صلاة الجمعة..................٥٢٩
الفقهاء المتأخِّرون: الإمام الغائب لا يقوم بمهامِّ الإمامة ولا بدَّ لنا في عصر الغيبة من إمام..................٥٣٥
كيف ولماذا قال الفقهاء بنظريَّة ولاية الفقيه؟..................٥٣٥
تطوير نظريَّة الإمامة..................٥٣٩
الخميني ينقد نظريَّة الانتظار..................٥٤٢
ضرورة الإمامة في عصر الغيبة..................٥٤٣
تجاهل (أحمد الكاتب) لعدَّة محاور أساسيَّة في الحوار..................٥٤٦
كلمة ختاميَّة في الوداع..................٥٥١
الردُّ على الكاتب في كلمته الختاميَّة..................٥٥٦
توضيح وتعقيب على أحمد الكاتب في كلمته الختاميَّة قبل وداعه من شبكة هجر الثقافيَّة..................٥٦٤

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المركز:
مبدأ الحوار في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام):
قد يتصوَّر البعض أنَّ الانفتاح على الرأي والرأي الآخر هو وليد ما يُسمَّى اليوم بالعولمة ومن نتاجات حوار الثقافات وتلاقح الحضارات.
وأنَّ ما يصاغ اليوم من مناهج لتعدُّديَّة الرأي وحرّيَّة التعبير - لجعل الفيصل الوحيد لتوحيد الرؤى والأفكار هي الكلمة - ما هي إلَّا إفرازات العصرنة والمدنيَّة الحديثة، لذا فهو يحاول أنْ يتشبَّث بهذه المعطيات ويضفي هالة من القدسيَّة على كلِّ ما هو حداثوي غربي ويتنكَّر لواقعه الإسلامي بكلِّ ما يزخر به هذا الواقع من زخم عقائدي وفكر أصيل بحجَّة أنَّه واقع مغلق لا يعترف بالتعدُّد وحرّيَّة التعبير مضافاً إلى سيل من الاتِّهامات الأُخرى مثل أُحاديَّة النظرة والجمود على التراث بكلِّ إسقاطاته من دون تمحيص وغربلة، ولست أدري منشأ هذه الشُّبَه وعلى أيِّ أساس اعتمدت؟ فهذه مدرسة القرآن الناطقة - مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) - تزخر بدحض أمثال هذه الشُّبُهات فهي السبَّاقة إلى الانفتاح، بل إنَّ أحد أهمّ أركانها لتثبيت دعائم أحقّيَّتها وواقعيتها هو الحوار والبيان.
فها هو كتاب (الاحتجاج) بين أيدينا مليء بالرأي والرأي الآخر ومحاولة الوصول إلى الحقيقة عبر الكلمة، وكيف تكون مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) منغلقة أو جامدة أو تحاول تهميش الآخر أو إقصائه أو ازوائه ورفضه؟ وهل يفعل ذلك إلَّا الخالي من الدليل العاري عن البرهان والبعيد عن الحقِّ والحقيقة؟ أمَّا من كان

↑صفحة ٣↑

منهجه البرهان ومدرسته القرآن فبابه مفتوح وصدره رحب للرأي الآخر، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥).
وهكذا كان فالذي بين يديك عزيزي القارئ كتاب هو صورة عن واقع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) التي لا تأبى الحوار، وهو واقع يُكذِّب كلَّ المدَّعيات والأبواق التي تحاول إلقاء التُّهَم بأُحاديَّة وانغلاق هذه المدرسة المعطاء حيث ستجد أمامك سجالاً في إحدى أهمّ المفاصل الفكريَّة والمحاور العقائديَّة الشيعيَّة بل الإسلاميَّة عموماً، ألَا وهي عقيدة المهدي المنتظر (عجَّل الله فرجه).
فالكتاب سجَّل هذه الحواريَّة وعَرَضها بأمانة وصدق للقُرَّاء لبيان عدَّة أُمور:
١ - مصداقيَّة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وأنَّها تنفتح على الرأي الآخر وتدرسه وتناقشه.
٢ - بيان هشاشة الرأي الآخر وتخبُّطه وجهله بموارد الاستدلال والمنطق السليم.
٣ - إرفاد المكتبة الإسلاميَّة برؤى أصيلة في مبانيها جديدة في طرحها لعلَّ ذلك يساهم في رفع الوعي الثقافي المهدوي ومتطلِّبات العصر.
وأخيراً يتقدَّم مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بالشكر لشبكة هجر الثقافيَّة حيث رعت هذه الحواريَّة القيِّمة، وكذا مؤسَّسة أُمِّ القرى لطباعتها الأُولى للكتاب.

مدير المركز
السيِّد محمّد القبانچي
(١٤٣٠هـ)

↑صفحة ٤↑

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد:
الحمد لله ربِّ العالمين بارئ الخلائق أجمعين، ثمّ الصلاة والسلام على أشرف الخلائق أجمعين محمّد الهادي الأمين، وعلى آل بيته الطيِّبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً، والبراءة واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدِّين.
في الوقت الذي سعى لأنْ ينشر ضلاله ويُروِّج لمعتقده الذي انفرد به بين طوائف المسلمين، سعى لأنْ يبثَّ سمومه وأفكاره - التي لم تبنَ إلَّا على التدليس والتحريف ونكران الحقِّ والحقيقة - في وسط عوامِّ الناس، وتبجَّح بالقول أنَّه ناظر العلماء وأفحمهم، حتَّى صار من يسمع باسمه من العلماء يفرُّ منه خوفاً من مناظرته ومحاورته كما يزعم، وبهذا الادِّعاء قد لبَّس على مجموعة من علماء الوهَّابيَّة الذين خطَّئوا المسلمين قاطبةً في عقائدهم، بل نعتوا المسلمين بالشرك كما في مقدَّمة كتاب (التوحيد) لمحمّد بن عبد الوهَّاب، ورفعوا راية الحرب العلنيَّة على شيعة أهل البيت (عليهم السلام) وعلى التشيُّع، وقد ضلَّلهم بادِّعائه هذا، حتَّى إنَّهم جاؤوا إلى موقع شبكة هجر وألحُّوا على مديرها (حفظه الله) أنْ يفتح مجالاً لهذا الرجل لأنْ يحاور علماء الشيعة الإماميَّة، وذلك تحت حجَّة أنَّ كُتُبه وعقائده وأفكاره مفحمة للشيعة وعقائدهم، بل وخصوص عقيدتهم في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وذلك لأنَّ هذا الرجل قد أثبت - وبحسب ادِّعائه وادِّعائهم - خلاف ما عليه الشيعة من عقيدة المهدي، وقد أثبت حجَّته بالبرهان

↑صفحة ٥↑

والدليل، وكلُّه من كُتُب الشيعة المعتمدة ومن أقوالهم المتناقضة في المهدي - كما يدَّعي -، وأنَّه يملك من الأدلَّة ما يكفي لنسف عقيدة المهدويَّة، بل عقيدة الإمامة عند الشيعة. فهذا ادِّعاؤه ولكن يا ترى هل سيتمكَّن من إثبات ذلك، أم أنَّ دون إثباته خرط القتاد؟
وبدوره مدير شبكة هجر الثقافية عرض هذا الطلب من هؤلاء الوهَّابيَّة - الذين يساندون ويدعمون هذا الرجل مادّيًّا بكلِّ ما للكلمة من معنى، ويدعمونه معنويًّا -، عرضه على جمع من علماء الحوزة العلميَّة منهم سماحة الشيخ عليّ الكوراني وسماحة الشيخ محمّد السند (حفظهما الله تعالى)، فأبديا استعدادهما للحوار معه.
وقد اقترح مدير الشبكة أو بعضهم أنْ تكون لجنة تحكيم تشرف على الحوار، وكان في اللجنة عدد من علماء الوهَّابيَّة، منهم الذين ألحُّوا على الحوار، وشارك في لجنة التحكيم مجموعة من الأكاديميِّين وبعضهم كان يحمل شهادة الدكتوراه، ومعهم شخص أسمى نفسه (مالك الحزين)، وهو الأُستاذ المحترم نائب رئيس جريدة الأهرام. ودور هذه اللجنة تشرف على الحوار وتحافظ على مساره حتَّى لا يخرج عن المحاور المرسومة له، وحتَّى يخرج الحوار بفائدة علميَّة يستفيد منها الباحث والمتتبِّع. أمَّا الغاية عند علماء الوهَّابيَّة كانت واضحة وهي إفحام الشيعة وهزيمتهم في عقر دارهم.
ولكن هل تحقَّق لهؤلاء ما يبغون؟
أم أنَّ السحر انقلب على الساحر، وقد خاب من افترى؟
نعم كان الترقُّب من الجميع والمتابعة من الكثير، وقد شارك في البدء مجموعة من رُوَّاد الشبكة، إلَّا أنَّ مدير الشبكة قد أعلن أنَّ الحوار محصور في جماعة معيَّنة، وذلك حتَّى لا يتشعَّب الحوار ولا يتفرَّع، وبيَّن أنَّ هذه رغبة الطرف المحاور. وبالفعل سارت المحاورات على هذا المنهج الذي رُسِمَ لها.

↑صفحة ٦↑

إنَّه المدعو عبد الزهراء عبد الرسول لاري، المعروف بـ (أحمد الكاتب)، وإنْ أردت التعرُّف عليه فلا تحتاج في ذلك إلى عناء، وإنَّما يكفيك منتدى حوارات ووجدت شخصاً وظيفته القصُّ واللصق (Cut & Past)، وأنَّه لا يعتني بما تقول وإنَّما يهتمُّ فقط بلصق ما عنده، بل وميزة مائزة عنده وهي التدليس العلني على العلماء وعلى من ينقل من كُتُبهم، فاعرف أنَّه هو هذا الرجل، والذي ترك اعتقاده بإمامة أئمَّة الهدى (عليهم السلام)، ولم يعرف كيف يتبنَّى عقيدة أهل سُنَّة الجماعة، حيث أضاع مشيته ولم يتقن المشية الجديدة. وستعرف عزيزي القارئ ما أقول من خلال متابعتك للحوارات، بل ومن النهايات التي غضب فيها عليه وتبرَّأ منه من كان يلح على فتح المجال لمحاورته.
والغريب في هذا الرجل أنَّه يدَّعي العلم ويطالب بالبحث العلمي في الوقت الذي لا يمتُّ بحثه وكلامه للبحث العلمي أصلاً. فكيف يدَّعي أنَّه من أهل العلم والتخصُّص في علم الرجال والحال أنَّه يتيه ويتخبَّط عند مفردة رجاليَّة عندما يكون الكلام عن شخصيَّة روائيَّة بارزة عُرِفَت باسمها تارةً وبكنيتها تارةً أُخرى؟ ولكنَّه حينما يقرأ الرواية التي في طريقها هذا الراوي الذي ذُكِرَ بكنيته يتيه ويضيع ويتخبَّط إلى درجة القول: إنَّ هذا الراوي مجهول ولم يترجم له الرجاليُّون. نعم لا أستغرب من شخص كهذا حيث يُنكِر ما هو مسلَّم عند أهل الحديث، بل وإنَّه يُنكِر قضيَّة متواترة وذلك لأنَّه لا يرتضيها شخصيًّا.
ثمّ وجدت أنَّه لا بدَّ من التعليق على الحوارات التي جرت، وخصوصاً بعد أنْ تابعت مقالاته وتدليساته وافتراءاته فيها، خصوصاً وأنَّ المحاور لم يجد وقتاً لكشف حقيقة تدليسه ومقابلة ما قاله مع الكُتُب المنسوب إليها الكلام، وذلك لأنَّ الحوار كان يقتضي الردَّ السريع والمباشر، فكان المحاورون الفضلاء يردُّون على منهجيَّته الخاطئة وادِّعاءاته الباطلة ونظريَّاته الخاوية، وأخذت أنا على

↑صفحة ٧↑

عاتقي التعليق على كلامه بالردِّ العلمي على أفكاره في مكان، وبالمقابلة مع الكُتُب المنسوب إليها الكلام المُدلَّس في مكان آخر، وبكشف أكاذيبه في مكان ثالث.

* * *

في الختام أُحِبُّ التنويه إلى الأسماء الشخصيَّة لأهل العلم والفضلاء الذين شاركوا في الحوار بأسماء مستعارة. فكان سماحة الشيخ محمّد السند باسم (محمّد منصور)، وكان سماحة الشيخ عليّ الكوراني باسم (العاملي)، وكان (مالك الحزين) هو الأُستاذ نائب مدير تحرير جريدة الأهرام المصريَّة، وقد علَّق على الحوارات وقدَّم له الداعي السيِّد أحمد الماجد. وقد شارك مجموعة من الأسماء لم تُحِبّ ذكر اسمها.
ونسأل الله تبارك وتعالى أنْ يستفيد القارئ الكريم من هذا الحوار حيث ستنكشف له كثير من الحقائق المغيَّبة عنه. وستُفنَّد تلك الشُّبُهات والإشكالات التي عمد البعض على ترويجها وبثِّها على أساس أنَّها إشكالات لا جواب لها. ففي هذه الحوارات إجابة على تلك الشُّبُهات والإشكالات.
نسأل الله تعالى أنْ ينفع بها المؤمنين، إنَّه وليٌّ قدير.

أحمد الماجد
(١٣/ ربيع الثاني/ ١٤٢٩هـ)
قم المقدَّسة

↑صفحة ٨↑

بسم الله الرحمن الرحيم

صور الكاتب في عدسة الحوار:
الأُولى: افتقار النتائج لآليَّات البحث التخصُّصي العلمي حسب كلِّ موضوع يتناوله، فطريقة الاستنتاج المشاهدة وليدة ثقافة سطحيَّة هزيلة من هنا وهناك.
الثانية: اقتطاع نصوص الكلمات من السياق التي هي فيه بنحو تُعطي خلاف مقصود قائلها، وفي الموارد العديدة الأُخرى نرى النقل يخضع لاستيحاء من المصدر المنسوب إليه النقل، بل في العديد من الموارد سيلاحظ القارئ عدم الأمانة في نقل المتن.
الثالثة: تدافع الآراء، فبعضها متأثِّر بالماضي الشيعي، وبعضها بالفقه السلطاني المتحوّل إليه، وبعضها بالبيئة الغربيَّة المعاشة.
الرابعة: الإصرار على رفض الحقائق حتَّى بعد انكشافها بالمصادر والأدلَّة أثناء عمليَّة الحوار.
الخامسة: عدم التقيُّد بالموازين المتَّفق عليها بين الطوائف الإسلاميَّة أثناء عمليَّة استنتاج الرأي.
السادسة: نسبة كثير من الأُمور إلى الواقع الشيعي، التاريخي أو المعاصر، على خلاف ما هو عليه، وتصل درجة ذلك إلى مصادمة البديهيَّات التاريخيَّة وإلى تناقضه في ما ينسبه.
السابعة: اعتماد المنهج الحسِّي المادِّي وتغييب كلِّ ما هو وراء الحسِّ في

↑صفحة ٩↑

رسم الحقائق، والأدهى تجنُّب الدليل القرآني في بناء العقيدة والنظريَّة تارةً أو دليل السُّنَّة المتَّفق عليه تارةً أُخرى.
الثامنة: افتقاد الموضوعيَّة في تصوير الأحداث والوقائع، وعدم التجرُّد عن العواطف، وتهويل بعض الأُمور الجزئيَّة.

* * *

↑صفحة ١٠↑

[اشتراك أحمد الكاتب في هجر]

بمناسبة اشتراك أحمد الكاتب في هجر..
أسئلة تنتظر إجابتك؟
حُرِّر بتاريخ (١٦/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٦:٣٥) صباحاً.
العاملي عضو:
بما أنَّك تُقدِّم نفسك، ويُقدِّمك الذين يتبنَّونك، على أنَّك مفكِّر شيعي وسياسي:
١ - كيف يمكنك علميًّا أنْ تُنكِر إمامة الأئمَّة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام).. ثمّ تكون تابعاً لمذهبهم فقهيًّا؟
٢ - أنت تزعم أنَّ حكم الشورى هو الصيغة التي شرعها الله تعالى ورسوله للحكم بعد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهل طُبِّقت الشورى في السقيفة، وعند وفاة عمر، ثمّ في تاريخ بني أُميَّة وبني العبَّاس والمماليك والعثمانيِّين؟
وإذا لم تُطبَّق فهل تكون الدولة شرعيَّة، أم تكون خارجة عن الإسلام؟
٣ - أنت تدعو إلى نظام حكم إسلامي يقوم على ولاية الفقيه والشورى، فهل نظام الحكم الذي لا يتوفَّر فيه ذلك غير شرعي ويجب الخروج عليه؟
٤ - ما رأيك بشعار الخليفة عمر وشعار القذَّافي بأنَّ القرآن يكفي عن السُّنَّة، وحسبنا كتاب الله؟
٥ - ثبت في مصادر الشيعة والسَّنَّة أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد بشَّر الأُمَّة بأمر ربِّه باثني عشر إماماً يكونون بعده، فهل يُعقَل أنَّ النبيَّ لم يُبيِّن أسماءهم أو على الأقلّ

↑صفحة ١١↑

اسم الأوَّل منهم، أو أنَّه بيَّن وضاع بيانه؟ ومن هم هؤلاء الذين اختارهم الله من فوق عرشه قادة هداة للأُمَّة؟ سمِّهم لنا من فضلك.
٦ - أنت فارسي، فما رأيك بعلماء الفرس من بني قومك، الذين أسَّسوا المذاهب، ودوَّنوا الصحاح، وأعطوا الشرعيَّة لحُكَّام غير شورائيِّين..
هل كانوا علماء أتقياء مستقلِّين، أم علماء بلاط؟

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٦/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١٢:٢٦) مساءً.
أحمد الكاتب عضو:
الأخ العاملي (حفظه الله وهداه): تحيَّة طيِّبة.
وأرجو أنْ تُحسِن الظنَّ بي قليلاً ولو من باب المجاملة وأدب الحوار، إذ لا يوجد من يتبنَّاني، وإذا كنت تعرف أحداً فسمِّه لي وقدِّم الدليل، ولا تلق الكلام على عواهنه.
وأنا مسلم شيعي جعفري والحمد لله، وقد وجدت بعد البحث والتمحيص أنَّ هناك أحاديث وأفكاراً دخيلة في مذهب أهل البيت فرفضتها.
١ - لقد بحثت أحاديث الاثني عشريَّة فلم أجد لها رائحة في التراث الشيعي خلال القرون الثلاثة الأُولى، ولم يذكرها الكُتَّاب الشيعة السابقون، ولم يذكر الشيخ المحدِّث أبو جعفر محمّد بن الحسن بن فروُّخ الصفَّار القمِّي المتوفِّي سنة (٢٩٠) هجريَّة في كتابه: (بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد)(١)، وهو من أقدم الكُتُب الشيعيَّة الإماميَّة أيَّ حديث يشير إلى الاثني عشريَّة، بل قال: إنَّ الأئمَّة لم يكونوا يعرفون لمن الأمر بعدهم إلَّا قبل وفاتهم بقليل، وقد برزت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) هذا تدليس واضح من الكاتب وما زلنا في أوَّل البحث، وسيكشف له الإخوة كذبه وتدليسه، فأرجو من القارئ الالتفات إلى ذلك.

↑صفحة ١٢↑

الفكرة في القرن الرابع الهجري، فجمع الشيخ الكليني في (الكافي) بضعة عشر حديثاً، وكان بعضها يشير إلى أنَّ الأئمَّة ثلاثة عشر، وعلى أثر ذلك تكوَّنت فرقة شيعيَّة إماميَّة (ثلاثة عشريَّة)، ولم يكن الشيخ محمّد بن عليٍّ الصدوق متمسِّكاً بقوَّة بهذه الفكرة رغم أنَّه روى بضعة وثلاثين حديثاً. أمَّا تلميذه الخزَّاز صاحب كتاب (كفاية الأثر في النصِّ على الأئمَّة الاثني عشر) فقد جمع مائتي رواية. وقد درستها رواية رواية وراوياً راوياً ولم أجد فيها رواية واحدة صحيحة. ودراستي لها تقع في مائتي صفحة، وهي موجودة لدي في ملفَّات كمبيوتريَّة، وكنت قد أرسلتها منذ سبع سنوات إلى عدد من العلماء في حوزة قم، ونشرتها عن طريق الكمبيوتر ولم أتلقَ أيَّ مناقشة جدّيَّة لها حتَّى الآن.
إنَّ النظريَّة الاثني عشريَّة، أو نظريَّة الإمامة نظريَّة سياسيَّة من صنع المتكلِّمين، ولا ربط لها بالفقه الذي كان يُقدِّمه أهل البيت، والإمام جعفر الصادق بالذات.
٢ - أنا أعتقد أنَّ الشورى هي نظريَّة أهل البيت السياسيَّة بالدرجة الأُولى، وقد طبَّقها أهل البيت أفضل تطبيق، حيث رفض الإمام عليٌّ أنْ يتولَّى الخلافة من غير شورى، كما أنَّه لم يفرض ابنه الإمام الحسن وليًّا للعهد بالقوَّة، كما فعل معاوية، وإنَّما ترك الحرّيَّة للناس الذين انتخبوا الإمام الحسن المجتبى من بعده حبًّا وطواعية، وكذلك انتخب أهل العراق الإمام الحسين، وبعثوا إليه لكي يكون عليهم إماماً، ولم يقل لهم: إنِّي إمام معيَّن من قِبَل الله تعالى، ثمّ انتخب الشيعة في الكوفة بعد مقتله سليمان بن صُرَد الخزاعي قائداً لهم.
ويذكر الشيخ الصدوق في (عيون أخبار الرضا) حديثاً عن الإمام عليِّ بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «من جاءكم يريد أنْ يُفرِّق الجماعة ويغصب الأُمَّة أمرها ويتولَّى من غير مشورة فاقتلوه، فإنَّ الله (عزَّ وجلَّ) قد أذن ذلك» (المصدر ج ٢/ ص ٦٢).

↑صفحة ١٣↑

٣ - لقد قلت: إنَّ نظريَّة ولاية الفقيه كانت خطوة ثوريَّة متقدِّمة حرَّرت الشيعة من نظريَّة الانتظار السلبيَّة للإمام المهدي المنتظر، وهي مبنيَّة على أساسين: إمَّا النيابة العامَّة للفقهاء عن الإمام المهدي الغائب، وإمَّا الشورى بالانتخاب، أو كليهما معاً. وأعتقد أنَّ الفقيه لا يملك ولاية على الناس إلَّا إذا انتُخِبَ منهم.
٤ - أنَّني أُؤمن بالكتاب والسُّنَّة، والقرآن الكريم لا جدال في سنده، لأنَّه متواتر، وإنَّما النقاش في الأحاديث التي تُنسَب إلى النبيِّ وإلى أهل البيت وما أكثرها، ولا بدَّ من دراستها بعمق ودقَّة.
٥ - لم يثبت في مصادر الشيعة والسُّنَّة أنَّ النبيَّ بشَّر باثني عشر إماماً فقط يكونون من بعده، وإنَّما هناك روايات منسوبة لا تثبت أمام الدرس والتحقيق، فضلاً عن وجود النقاش في دلالتها وهل تدلُّ على حصر الأئمَّة في اثني عشر إماماً؟ ومن هم الأئمَّة أو الخلفاء أو الأُمراء الذين تعنيهم؟
٦ - يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ (الحجرات: ١١)، ويقول الإمام الصادق: «المؤمن عربي لأنَّ نبيَّه عربي وكتابه المنزل بلسان عربي مبين».
ومع أنِّي لا أجد عيباً في أنْ أكون فارسيًّا أو هنديًّا أو حبشيًّا أو صينيًّا، وأنِّي لا أجد فخراً في أنْ أكون عربيًّا أو قرشيًّا أو عراقيًّا أو سوريًّا أو لبنانيًّا، فإنِّي أسألك ما هو تعريفك للعربي والفارسي. وفيما إذا كنت مسلماً أم عنصريًّا؟ ولماذا تحاول أنْ تجعل من الألقاب سبَّة؟ وأنت الرجل المؤمن.
وإذا أحببت أنْ تعرف هويَّتي في البداية فأنا عبد الرسول اللَّاري، وُلِدْتُ في كربلاء لأبوين هما الحاجّ عبد الزهراء والحاجَّة شكريَّة عبَّاس الهر، وجدِّي هو

↑صفحة ١٤↑

عبد الأمير بن حبيب بن جاسم بن مهدي بن أحمد بن عبد الله بن جاسم بن محمّد بن شيخ عمران من آل مراد من آل الشيخ من بني أسد. وإذا أحببت أنْ تتأكَّد من ذلك فزر مدينة كربلاء حيث تجد مضايف عشيرتي واسأل الشيخ عليّ عبد الحسين شيخ عشائر بني أسد في كربلاء والدكتور حسين عليّ محفوظ.
ولو كنت عراقيًّا لعرفت معاناة الشيعة العراقيِّين العرب الذين دأب بعض الحُكَّام العنصريِّين والطائفيِّين باتِّهامهم بأنَّهم جميعاً فرس ومن أُصول هنديَّة، ومع ذلك فإنَّ النظام العراقي الذي حكم عليَّ بالإعدام عام (١٩٧٤م) لم يستطع أنْ يُشكِّك في هويَّتي العراقيَّة أو العربيَّة.
وأرجو منك في الختام يا أخ عاملي أنْ تذكر لنا اسمك واسم أبيك بصراحة. وشكراً.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٦/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠١:٤٢) مساءً.
العاملي عضو:
أجبت على أسئلتي الستَّة جواباً مجملاً ومنقوضاً.
والنتيجة أنَّك تدَّعي أمرين:
الأوَّل: أنَّ أحاديث البشارة النبويَّة باثني عشر إماماً، لم تصحّ!
والثاني: أنَّ الشيعة لم يعرفوا عقيدة الأئمَّة الاثني عشر قبل القرن الرابع.
والسؤال:
١ - ماذا تصنع بأحاديث الصحاح التي حكم علماء السُّنَّة بها؟
٢ - ماذا تقول عن البشارة الواردة في التوراة لإبراهيم باثني عشر قيِّماً أو إماماً من ذرّيَّة إسماعيل؟ والتي صحَّحها علماء السُّنَّة، وطبَّقوها على البشارة النبويَّة الصحيحة؟

↑صفحة ١٥↑

٣ - إذا أتيناك بنصوص صدرت قبل القرن الثالث تدلُّ على وجود الاعتقاد بالأئمَّة الاثني عشر، وهي صحيحة، هل تعترف بخطئك؟

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٦/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٢:٠٧) مساءً.
أحمد الكاتب عضو:
الأخ العاملي المحترم.
أُفضِّل أنْ يكون الحوار حول النقاط التي طرحتها في رسالتي حول كون الإيمان بالإمام الثاني عشر محمّد بن الحسن العسكري فرضيَّة فلسفيَّة، وليس حقيقة تاريخيَّة، وشكراً.

* * *

الإمام الثاني عشر حقيقة تاريـخيَّة أم فرضيَّة فلسفيَّة؟
حُرِّر بتاريخ (١٦/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٤٨: ٠٩) صباحاً.
أحمد الكاتب عضو:
الاعتقاد بوجود الإمام الثاني عشر فرضيَّة فلسفيَّة حادثة، وليست من التشيُّع. التشيُّع حركة تاريخيَّة عريضة تطوَّرت مع الزمن، وتشعَّبت وانتقلت من مرحلة إلى أُخرى، وكان في البداية يعني الولاء لأهل البيت ومناصرتهم سياسيًّا في مقابل الأُمويِّين، ثمّ تطوَّر في القرن الثاني الهجري إلى عدَّة حركات سياسيَّة عبَّاسيَّة وفاطميَّة وحسنيَّة وحسينيَّة وزيديَّة وجعفريَّة وإسماعيليَّة وموسويَّة وواقفيَّة، وكان الإماميَّة فرقة من الفِرَق الشيعيَّة المختلفة، ولكنَّها توقَّفت عند وفاة الإمام الحسن العسكري، في منتصف القرن الثالث الهجري دون أنْ يُخلِّف ولداً ظاهراً، فانقسمت إلى عدَّة فِرَق، قالت إحداها بوجود ولد للإمام العسكري في السرِّ، هو الإمام الثاني عشر محمّد بن الحسن العسكري، الغائب

↑صفحة ١٦↑

المنتظر، وتطوَّرت الفرقة الإماميَّة إلى (اثني عشريَّة) في القرن الرابع الهجري بعد أنْ تمَّ استيراد أحاديث من أهل السُّنَّة، وإضافة أحاديث أُخرى مختلفة تُحدِّد الإمامة في اثني عشر إماماً فقط(٢).
وكما هو واضح من السير التاريخي لتطوُّر النظريَّات الشيعيَّة، فإنَّ رفض النظريَّة الاثني عشريَّة لا يعني بالضرورة رفض النظريَّة الإماميَّة، إذ إنَّ ثَمَّة فِرَقاً شيعيَّة عديدة تؤمن بالنظريَّة الإماميَّة ولا تؤمن بالاثني عشريَّة كالواقفيَّة والفطحيَّة والإسماعيليَّة، وكذلك فإنَّ رفض النظريَّة الإماميَّة لا يعني الخروج من دائرة الشيعة والتشيُّع كما يرفض الزيديَّة والجعفريَّة النظريَّة الإماميَّة، مع أنَّهم في صلب الحركة الشيعيَّة.
وإذا كان التشيُّع باختصار هو الولاء لأهل البيت وأخذ الفقه عن الأئمَّة، وبالخصوص الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) فإنَّ رفض النظريَّة الإماميَّة والنظريَّة الاثني عشرية لا يعني الخروج من التشيُّع(٣).
ومن هنا فإنِّي أستغرب من إصرار البعض على نفي الصفة الشيعيَّة عنِّي، بالرغم من أنِّي أُعلن تمسُّكي بأهل البيت، واتِّباعي للمذهب الجعفري، كما أستغرب قيام البعض بالربط بين الإيمان بالنظريَّة الاثني عشريَّة أو الإماميَّة، والالتزام بالتشيُّع أو الإسلام، بالرغم من أنَّ النظريَّة الإماميَّة وُلِدَت في القرن الثاني الهجري بصورة سرّيَّة(٤)، ولدى قسم صغير من الشيعة، وبعيداً عن أئمَّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) يا ترى أو هل أنَّ كُتُب السُّنَّة تصدر بأحاديث اختلقتها في هذا الشأن لتثبيت أحقّيَّة الشيعة وتدين السُّنَّة؟ أم أنَّ فكرة المهدي هي إسلاميَّة سُنّيَّة وشيعيَّة؟ أم أنَّ منهج الكاتب التشكيك في كلِّ حديث صادر عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سواء عن طريق السُّنَّة أم الشيعة؟!
(٣) من قال لك بأنَّ التشيُّع يعني هذا فقط؟ ويا ترى من أين أتيت بهذا التعريف لمذهب التشيُّع؟
(٤) الظاهر أنَّ الكاتب لم يقرأ التاريخ، بل ولم يتصفَّح صفحاته الأُولى، أو أنَّه بدأ بالتدليس الذي سينكشف عمَّا قريب. وأتمنَّى أنْ يثبت الكاتب على هذا المدَّعى الباطل من أنَّ ولادة نظريَّة الإماميَّة في القرن الثاني الهجري.

↑صفحة ١٧↑

أهل البيت (عليهم السلام)، وبالرغم من أنَّ النظريَّة الاثني عشريَّة وُلِدَت في القرن الرابع الهجري، ولم يكن لها أيّ أثر في تاريخ الشيعة في القرون الثلاثة الأُولى(٥).
كما أستغرب إصرار البعض على التمسُّك بالنظريَّة الاثني عشريَّة، والإيمان بوجود الإمام الثاني عشر، وولادته في منتصف القرن الثالث الهجري، واستمرار حياته إلى اليوم(٦)، واعتبار ذلك أساساً من أُسُس المذهب الشيعي، وضرورة من ضروريَّات الدِّين، بالرغم من أنَّ هذه النظريَّة بُنيت على فرضيَّة فلسفيَّة، وروايات باطنيَّة ثابتة، ولم يظهر للإمام الثاني عشر المفترض أيّ أثر منذ أكثر من ألف عام، وهو ما دفع الشيعة منذ قرون إلى التخلِّي عن انتظاره، والتخلِّي عن النظريَّة الإماميَّة التي كانت تُعلِّق الاجتهاد في المسائل الحادثة، وتطبيق الأحكام الشرعيَّة على الإمام المعصوم المعيَّن من قِبَل الله من السلالة العلويَّة الحسينيَّة، ولذا فقد فتح الشيعة باب الاجتهاد في القرن الخامس الهجري (منذ أيَّام الشيخ المفيد والسيِّد المرتضى والشيخ الطوسي)، ثمّ قاموا بعد ذلك في القرون الأخيرة بالسماح للملوك الشيعة بالحكم كالصفويِّين والقاجاريِّين، وقالوا بولاية الفقيه وحلوله محلَّ الإمام في التشريع والقضاء والتنفيذ(٧).
وهذا ما يُؤكِّد انقراض النظريَّة الإماميَّة عمليًّا، ووصولها إلى طريق مسدود بغيبة، أو عدم وجود الإمام المعصوم المعيَّن من قِبَل الله لقيادة الأُمَّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) سيتَّضح لك أخي القارئ بطلان هذه الدعوى وما سبق، وما سيأتي من ردِّ الإخوة، وبالخصوص الأخ محمّد منصور.
(٦) لا أدري ما هي دواعي استغرابه، فهل هي بسبب ولادته؟ وهذا ما ستُثبِته الروايات المتواترة الصحيحة، أم استغرابه لطول عمره الشريف (عجَّل الله فرجه)؟ وهذا لا غرابة فيه مع وجود من هم أحياء قبله إلى يومنا هذا، من حُجَج الله كالنبيِّ عيسى (عليه السلام) والنبيِّ إدريس (عليه السلام) وغيرهما، والذي أعمارهم تفوق عمر الحجَّة (عجَّل الله فرجه) بمئات السنين.
(٧) هذا خلط وادِّعاء سيتَّضح بطلانه.

↑صفحة ١٨↑

الإسلاميَّة، وأنَّ الشيعة اليوم في غالبيَّتهم شيعة جعفريَّة، وليسوا بإماميَّة ولا اثني عشرية، وإنْ كان البعض يتوهَّم ذلك(٨).
لقد وُلِدَت النظريَّة الاثني عشرية المرتكزة على الإيمان بوجود وولادة الإمام الثاني عشر محمّد بن الحسن العسكري في أحضان الفلاسفة، والمتكلِّمين، والغلاة، والإخباريَّة، والحشويَّة، والصوفيَّة بعد وفاة آخر إمام من أئمَّة أهل البيت، وهو الحسن العسكري ولم يعرف بها الشيعة قبل ذلك التاريخ، ولا أئمَّة أهل البيت(٩)، وكانت تبتني على افتراضات فلسفيَّة تُحتِّم على الله أنْ يجعل في الأرض إماماً معصوماً معيَّناً من قِبَله، وأنْ يكون ذلك الإمام من نسل الحسن العسكري، بالرغم من أنَّ الإمام العسكري نفسه لم يشر إلى وجود ولد له في حياته، وأوصى عند وفاته بأمواله إلى أُمِّه، ولم يتحدَّث عن وجود ولد في السرِّ أو العلن(١٠)، ولكن الباطنيَّة فسَّروا صمته بالتقيَّة، وادَّعوا وجود ولد له في السرِّ والخفاء، وقالوا: إنَّه الإمام من بعده، وبشَّروا بقرب ظهوره. ومضت قرون ولم يظهر أيُّ أثر له، كما لم يقم بأيِّ دور تشريعي، أو سياسي في هذه الفترة الطويلة(١١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) إنْ كان أحمد الكاتب كذلك، فلا يعني أنَّ الشيعة هم الكاتب أيضاً.
(٩) سينكشف لك أخي القارئ بطلان هذا الادِّعاء الكاذب، والذي لا يستند على أيِّ دليل كما ترى، وإنَّما مجرَّد خاطرات وكلمات أدبيَّة يحاول الكاتب تسطيرها.
(١٠) وكأنَّ الكاتب نسي أو تناسى الظروف الأمنيَّة والسرّيَّة التي كان يعيشها الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في تلك الفترة، والتي كانت بسبب الحصار والمراقبة، والتي فُرِضَت عليه (عليه السلام) من قِبَل النظام العبَّاسي الذي يترقَّب ولادة المهدي (عجَّل الله فرجه).
(١١) إنَّ كان الكاتب يزعم بأنَّه (عجَّل الله فرجه) لم يقم بأيِّ دور تشريعي أو سياسي لكونه غائباً عن الأنظار، فعليه أنْ يُنكِر دور الله (عزَّ وجلَّ)؛ ذلك لأنَّه غير ظاهر، وعليه أنْ يقول مقالة اليهود: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أي أنَّه انقطع عن الخلق.

↑صفحة ١٩↑

العوامل النفسيَّة لنشوء الفرضيَّة (المهدويَّة الاثني عشريَّة):
إذا قمنا بقراءة الرواية التاريخيَّة لما حدث للشيعة الإماميَّة بعد وفاة الإمام الحسن العسكري سنة (٢٦٠) هجريَّة، وألقينا نظرة على الدليل العقلي الذي قدَّمه ذلك الفريق الذي قال بوجود ولد مخفي للإمام، هو الإمام من بعده وهو المهدي المنتظر، فإنَّنا سنكتشف(١٢) أزمة نظريَّة مرَّ بها ذلك الفريق من الإماميَّة، ممَّن يشترط توارث الإمامة بصورة عموديَّة، وعدم جواز انتقالها إلى أخ أو ابن عمٍّ، واضطراره إمَّا إلى التنازل عن هذا الشرط، أو التسليم بانقطاع الإمامة بعد وفاة العسكري دون خلف، كما هو الظاهر من حياته، أو افتراض وجود ولد له في السرِّ، بالرغم من عدم التصريح به، أو الإعلان عنه، وتفسير هذا الغموض والكتمان بالتقيَّة والخوف من السلطة، بالرغم من عدم وجود مؤشِّرات تستدعي ذلك(١٣).
تقول الرواية التاريخيَّة التي يعترف بها وينقلها المؤرِّخون والمتكلِّمون (الاثنا عشريُّون): إنَّ الإمام العسكري تُوفِّي دون أنْ يُخلِّف ولداً ظاهراً، وأوصى بأمواله إلى أُمِّه المسمَّاة بـ (حديث)، وهذا ما سمح لأخيه جعفر بن عليٍّ الهادي بأنْ يدَّعي الإمامة من بعده ويدعو الشيعة الإماميَّة إلى اتِّباعه كخليفة له، كما اتَّبعوا الإمام موسى بن جعفر بعد وفاة أخيه الأكبر (عبد الله الأفطح) الذي أصبح إماماً لفترة من الوقت بعد الإمام الصادق، ولم ينجب ولداً تستمرُّ الإمامة في عقبه(١٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) في علم المنطق يقال: إذا كانت الصغرى والكبرى خاطئتين فالنتيجة تكون كذلك. فعدم التسليم بالإمامة السماويَّة وقراءة التاريخ بالمقلوب ممَّا لا شكَّ يُؤدِّي إلى هذه النتيجة التي توصَّل إليها الكاتب.
(١٣) ألم أقل لك: إنَّك لم تقرأ التاريخ؟ بل ولا أشمُّ فيك رائحة الصدق في المدَّعى.
(١٤) إذا كان الاثنا عشريَّة يشكُّون من أزمة إمام كما تدَّعي، فلماذا لم يتبنَّوا إمامة جعفر بن الإمام عليٍّ الهادي الذي ادَّعى الإمامة؛ أم أنَّ القضيَّة شيء آخر؟

↑صفحة ٢٠↑

ويقول النوبختي والأشعري القمِّي والمفيد: إنَّ كثيراً من الشيعة الإماميَّة لبُّوا نداء جعفر وكادوا يجمعون على القول بإمامته؛ وذلك لأنَّ عامَّة الشيعة لم يكونوا يعرفون أحداً غير جعفر من أبناء الإمام الهادي، ولم يكونوا شاهدوا أيَّ ولد للإمام العسكري، وهذا ما تُؤكِّده رواية (أبي الأديان البصري) رسول الإمام العسكري إلى أهل المدائن، الذي كان آخر شخص يُودِّع الإمام، والذي يقول: إنَّ العسكري لم يُخبره باسم خليفته، وإنَّما أعطاه بعض العلامات للتعرُّف عليه، ويقول: إنَّه عاد إلى سامرَّاء يوم وفاة الإمام العسكري، فرأى جعفراً وحوله عامَّة الشيعة، وعلى رأسهم عثمان بن سعيد العمري، وهم يعزُّونه ويُهنِّئونه، وأنَّه ذهب وعزَّاه وهنَّأه كواحد منهم، كما يقول: إنَّ وفداً من شيعة قم قِدَموا في ذلك اليوم إلى سامرَّاء، وسألوا عن الإمام الحسن وعرفوا موته، فقالوا: من نُعزِّي؟ فأشار الناس إلى جعفر، فسلَّموا عليه وعزّوه وهنَّئوه.
وهو ما تُؤكِّده أيضاً رواية (سنان الموصلي) التي تتحدَّث عن قدوم وفد بقيادة أبي عبَّاس محمّد بن جعفر الحميري القمِّي إلى سامرَّاء، بعد وفاة الإمام العسكري، وسؤالهم عنه وعن وارثه، وقول الناس لهم: إنَّ وارثه جعفر بن عليٍّ. وعدم وجود مانع يحول دون القول بإمامته سوى عدم معرفته بعلم الغيب.
وبناءً على ذلك فقد أرسل جعفر إلى أهل قم - التي كانت مركزاً للشيعة يوم ذاك - يدعوهم إلى نفسه، ويُعلِمهم أنَّه القيِّم بعد أخيه. وقد اجتمع أهل قم عند شيخهم (أحمد بن إسحاق) وتداولوا في الموضوع، وقرَّروا إرسال وفد إليه لمناقشته وسؤاله بعض المسائل التي كانوا يسألون آبائه عنها من قبل والتأكُّد من دعواه. كما يقول الخصيبي في (الهداية الكبرى)، والصدوق في (إكمال الدِّين)، والطبرسي في (الاحتجاج)، والصدر في (الغيبة الصغرى).
ممَّا يعني أنَّ أهل قم لم يكونوا يعرفون بوجود للإمام العسكري، ولم

↑صفحة ٢١↑

يكونوا يعرفون هويَّة الإمام الجديد من قبل، ولم يكن يوجد لديهم أيُّ مانع لقبول إمامة جعفر بن عليٍّ، أي إنَّهم لم يكونوا يلتزمون بقانون الوراثة العموديَّة في الإمامة، ويُجيزون إمامة الأخوين.
وكانت العقبة الرئيسيَّة التي حالت دون إيمان بعض الشيعة بإمامة جعفر هو المبدأ القديم المشكوك فيه الرافض لاجتماع إمامين في أخوين بعد الحسن والحسين، وقد طرحه وفد قم على جعفر بن عليٍّ أثناء الحوار، فأجابهم بـ: (إنَّ الله قد بدا له في ذلك)، كما يقول الخصيبي في (الهداية الكبرى)، وتقول بعض الروايات التي ينقلها الصدوق، والطوسي: إنَّ وفد قم طالب جعفراً بالكشف عن كمّيَّة الأموال التي كان يحملها معه وأسماء أصحابها، غيبيًّا، كما كان يفعل أخوه العسكري، وإنَّ جعفراً رفض ذلك الطلب والادِّعاء، واتَّهم الوفد بالكذب على أخيه، وأنكر نسبة علم الغيب إليه.
كما تحاول بعض الروايات أنْ تتَّهم جعفراً بالفسق وشرب الخمر والجهل وإهمال الصلاة وذلك في محاولة لإبطال دعواه في الإمامة، ولكن عامَّة الشيعة لم يأخذوا بتلك الاتِّهامات، ولم يطرحوا مسألة علم الغيب، وقد عزّوه وهنَّئوه بالإمامة، وكانت المشكلة الرئيسيَّة لدى البعض منهم هي مسألة: (الجمع بين الأخوين في الإمامة). وقد ارتكز الطوسي عليها في عمليَّة الاستدلال على نفي إمامة جعفر وافتراض وجود ابن الحسن، وادَّعى عدم الخلاف حولها بين الإماميَّة(١٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥) إنَّ عدم التسليم لجعفر بالإمامة كما تدَّعي لسبب مشكلة رئيسيَّة وهي الجمع بين الأخوين. هذه، إذا كان الشيعة في ورطة وأزمة فلماذا لم يتجاوزوا هذه المشكلة ويحلُّوها بدل أنْ يختاروا أمراً معقَّداً كما هم عليه؟ فهذا إنْ دلَّ فإنَّما يدلُّ على أمر أعمق ولكن من ينظر إلى الأُمور بمنظار سطحي كما تنظر فمن الصعب جدًّا أنْ يصل إلى الحقائق التي تسمو عن هذه الأُمور.

↑صفحة ٢٢↑

وكانت هذه المشكلة قد تفجَّرت في صفوف الشيعة الإماميَّة - لأوَّل مرَّة - بعد وفاة الإمام عبد الله الأفطح بن جعفر الصادق، الذي أجمع فقهاء الشيعة ومشايخهم على القول بإمامته بعد أبيه، ولكنَّه تُوفِّي دون عقب، ممَّا أوقع الشيعة الإماميَّة في أزمة وفرَّقهم إلى ثلاث فِرَق، فمنهم من تمسَّك بمبدأ: (عدم جواز الجمع بين الأخوين في الإمامة)، واضطرَّ إلى افتراض وجود ولد موهوم لعبد الله قال: إنَّ اسمه (محمّد) وهو مخفي، وإنَّه سيظهر في المستقبل، ومنهم من تجاوز هذا المبدأ وأجاز لنفسه الانتقال إلى الأخ إذا لم يكن للإمام السابق ولد، وقال نتيجةً لذلك بإمامة موسى بن جعفر بعد أخيه عبد الله الأفطح، ومنهم من تراجع عن القول بإمامة الأفطح، واستنتج من عدم وجود عقب له: أنَّه لم يكن إماماً وشطب اسمه من قائمة الأئمَّة.
وقد تكرَّرت هذه المشكلة مرَّة أُخرى عند وفاة الإمام الحسن العسكري دون ولد، ممَّا أدَّى إلى اختلاف الشيعة الإماميَّة حول مسألة الخلف إلى عدَّة فِرَق: فمنهم من جمع بين الأخوين وقال بإمامة جعفر بعد أخيه الحسن، ومنهم من تراجع عن القول بإمامة العسكري وقال: (إنَّ القول بإمامة الحسن كان غلطاً وخطأً، وجب علينا الرجوع عنه إلى إمامة جعفر، وإنَّ الحسن قد تُوفِّي ولا عقب له فقد صحَّ عندنا أنَّه ادَّعى باطلاً لأنَّ الإمام بإجماعنا جميعاً لا يموت إلَّا عن خلف ظاهر معروف يوصي إليه ويقيمه مقامه بالإمامة، والإمامة لا ترجع في أخوين بعد الحسن والحسين.. فالإمام لا محالة جعفر بوصيَّة أبيه إليه) كما يقول النوبختي في (فِرَق الشيعة)، والأشعري القمِّي في (المقالات والفِرَق).
ومنهم من أصرَّ على إمامة الحسن والتمسُّك الشديد بذلك المبدأ أو الشعار الرافض للجمع بين الأخوين في الإمامة. وانقسم هؤلاء إلى عدَّة أقسام: فمنهم من قال بمهدويَّة العسكري وغيبته، ومنهم من قال برجوعه إلى الحياة بعد

↑صفحة ٢٣↑

الموت، ومنهم من قال بالفترة، ومنهم من احتار وتوقَّف، وقال: (لم يصحّ عندنا أنَّ للحسن خلفاً، وخفي علينا أمره، ونحن نتوقَّف ونتمسَّك بالأوَّل حتَّى يتبيَّن لنا الآخر، كما أُمرنا: أنَّه إذا هلك الإمام ولم يُعرَف الذي بعده، فتمسَّكوا بالأوَّل حتَّى يتبيَّن لكم الآخر. فنحن نأخذ بهذا ونلزمه، ولا نُنكِر إمامة أبي محمّد ولا موته، ولا نقول: إنَّه رجع بعد الموت، ولا نقطع على إمامة أحد من ولد غيره؛ فإنَّه لا خلاف بين الشيعة: إنَّه لا تثبت إمامة إمام إلَّا بوصيَّة أبيه إليه وصيَّة ظاهرة).
ومنهم من وجد نفسه مضطرًّا لافتراض وجود ولد مخفي للإمام العسكري، وقال: إنَّه الإمام من بعده، وإنَّه المهدي المنتظر، وفسَّر عدم إشارة أبيه إليه في حياته وعدم وصيَّته إليه، وعدم ظهوره من بعده، وغيبته.. فسَّر كلَّ ذلك بالتقيَّة والخوف من الأعداء.
وكان الدافع الرئيسي لهذا القول هو التمسُّك الشديد بقانون الوراثة العموديَّة، وعدم جواز انتقال الإمامة إلى أخوين بعد الحسن والحسين. وبالرغم من أنَّه كان قولاً ضعيفاً ولم يجمع الشيعة الإماميَّة عليه في ذلك الوقت، خلافاً لما ادَّعى الطوسي بعد ذلك بمائتي عام، فإنَّ المتكلِّمين الذين التزموا به، جعلوا منه حجر الزاوية في عمليَّة الاستدلال على وجود (ابن) للإمام الحسن العسكري. وقد نسجوا منه ومن بقيَّة القضايا الفلسفيَّة التي توجب العصمة في الإمام أو توجب النصَّ في أهل البيت دليلاً أسموه بـ (الدليل العقلي، أو الفلسفي).
وقد استعرضنا في الفصل الأوَّل أقوال المتكلِّمين والمؤرِّخين الذين استدلُّوا بالعقل على وجود وولادة محمّد بن الحسن العسكري وكان دليلهم يعتمد على نظريَّة العصمة والنصِّ والوراثة العموديَّة في الإمامة. ولكن دليلهم الوراثة العموديَّة، وذلك لأنَّ الكثير في الحقيقة كان يعتمد فقط على المبدأ الأخير من الشيعة

↑صفحة ٢٤↑

الإماميَّة (الفطحيَّة) الذين كانوا يتَّفقون معهم في الإيمان بالعصمة والنصِّ ويؤمنون بإمامة الحسن العسكري أيضاً، لم يجدوا أنفسهم مضطرِّين للإيمان بوجود ولد له في السرِّ، خلافاً للظاهر، وآمنوا بدلاً من ذلك بإمامة أخيه جعفر بن عليٍّ الهادي؛ لأنَّهم لم يكونوا يؤمنون بقوَّة بضرورة الوراثة العموديَّة وعدم جواز إمامة الأخوين.
إذن.. فإنَّ الدليل العقلي كان أشبه بالافتراض الفلسفي العاري عن الإثبات التاريخي. وكان ذلك يتجلَّى في استناد بعض المتكلِّمين على الحديث الرضوي القائل: «إنَّ صاحب هذا الأمر لا يموت حتَّى يرى ولده من بعده» لإثبات وجود الولد للإمام العسكري، كما ينقل الشيخ الطوسي في (الغيبة).
بالرغم من إمكانيَّة الاستدلال بنفس الحديث لنقض إمامة العسكري، كما فعل قسم من الشيعة الذين تراجعوا عن القول بإمامة العسكري، واتَّخذوا من عدم إنجابه ولداً تستمرُّ الإمامة فيه دليلاً على عدم صحَّة إمامته، كما تراجع الشيعة الموسويَّة، في منتصف القرن الثاني، عن القول بإمامة عبد الله الأفطح؛ لأنَّه لم ينجب، وشطبوا اسمه من قائمة الأئمَّة(١٦).
واعتبر ذلك الفريق من الشيعة التراجع عن إمامة العسكري والقول بإمامة جعفر بعد أبيه الهادي مباشرةً، أهون من افتراض ولد موهوم للعسكري. والغريب أنَّ السيِّد المرتضى علم الهدى يتَّهم الذين قالوا بوجود ولد للإمام عبد الله الأفطح، باللجوء إلى اختراع شخصيَّة وهميَّة اضطراراً من أجل الخروج من الحيرة والطريق المسدود، ولكنَّه يمارس نفس الشيء في عمليَّة افتراض وجود ابن للحسن العسكري، وذلك اضطراراً من أجل الخروج من الحيرة التي عصفت بالشيعة الإماميَّة في منتصف القرن الثالث الهجري.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦) من يقرأ مقالتك يرى كأنَّ هذا من المسلَّمات والبديهيَّات، ولكن سينكشف للقارئ الكريم أنَّ ما تنسجه ما هو إلَّا كبيت العنكبوت لا يصمد أمام أبسط بيان.

↑صفحة ٢٥↑

ولا بدَّ بعد ذلك من الإشارة إلى أنَّ تسمية عمليَّة الاستدلال النظري على وجود ابن للحسن العسكري، بالدليل (العقلي) هو من باب التسامح والاستعارة، وإلَّا فإنَّه أبعد ما يكون عن الاستدلال العقلي، إذ يعتمد على مجموعة مقولات نقليَّة، وبعضها أخبار آحاد بحاجة إلى إثبات الدلالة والسند كمقولة: (الوراثة العموديَّة وعدم جواز انتقال الإمامة إلى أخوين بعد الحسن والحسين)(١٧).
ومن هنا فقد اعترف الشيخ الصدوق في (إكمال الدِّين) وقال: (إنَّ القول بغيبة صاحب الزمان مبنيٌّ على القول بإمامة آبائه... وإنَّ هذا باب شرعي وليس بعقلي محض).
وهذا يعني أنَّ المناقشة في أيَّة مقدَّمة من مقدَّمات الدليل (العقلي) الطويلة كضرورة العصمة في الإمام، وضرورة النصِّ عليه من الله، وثبوت الإمامة في أهل البيت وانحصارها في البيت الحسيني، وكيفيَّة انتقالها من إمام إلى إمام، ودعاوى بقيَّة الأئمَّة الذين ادَّعوا الإمامة والمهدويَّة، كمحمّد بن الحنفيَّة وابنه أبي هاشم، وزيد بن عليٍّ، ومحمّد بن عبد الله ذي النفس الزكيَّة، وإسماعيل بن جعفر وأبنائه، وعبد الله الأفطح، ومحمّد بن عليٍّ الهادي.. وما إلى ذلك من التفاصيل الجزئيَّة في نظريَّة الإمامة الإلهيَّة، من البداية إلى تلك المقدَّمات تسدُّ الطريق على الوصول إلى فرضيَّة (وجود ابن الحسن العسكري).
ومن هنا كان إثبات وجود (الإمام المهدي محمّد بن الحسن العسكري) بصورة عقليَّة لسائر الناس أو سائر المسلمين، أو سائر الفِرَق الشيعية، أو حتَّى لسائر الفِرَق الإماميَّة التي لم توافق على مبدأ: (الوراثة العموديَّة) صعباً أو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧) من يسمعك تتكلَّم عن الدلالة والسند، يظنُّ أنَّك ذو باع في الجرح والتعديل، ولكن لا أقول لك إلَّا أنَّنا في بداية الأمر.

↑صفحة ٢٦↑

مستحيلاً.. ولذلك كان علماء الكلام (الاثنا عشريُّون) يمتنعون عن خوض النقاش مع سائر الناس حول إثبات وجود (ابن الحسن) إلَّا بعد التسليم بالمقدَّمات النقليَّة الطويلة السابقة، والإيمان بكلِّ واحدة منها.
وقد قال عبد الرحمن بن قبة الرازي في الردِّ على عليِّ بن أحمد بن بشَّار: (لا نتكلَّم في فرع لم يثبت أصله، وهذا الرجل - ابن الحسن - الذي تجحدون وجوده، فإنَّما يثبت له الحقُّ بعد أبيه.. فلا معنى لترك النظر في حقِّ أبيه والاشتغال بالنظر معكم في وجوده، فإذا ثبت الحقُّ لأبيه، فهذا ثابت ضرورةً عند ذلك بإقراركم، وإنْ بطل أنْ يكون الحقُّ لأبيه فقد آل الأمر إلى ما تقولون، وقد أبطلنا).
وقال السيِّد المرتضى: (إنَّ الغيبة فرع لأصول إنْ صحَّت فالكلام في الغيبة أسهل شيء وأوضحه، إذ هي متوقِّفة عليها، وإنْ كانت غير صحيحة فالكلام في الغيبة صعب غير ممكن)(١٨).
ومع أنَّ التسليم بإمامة الحسن العسكري لا يُؤدِّي بالضرورة إلى التسليم بوجود ولد له، فإنَّ القول بذلك مبنيٌّ على ضرورة استمرار الإمامة الإلهيَّة إلى يوم القيامة وبوجوب توارثها بصورة عموديَّة. وهو ليس إلَّا افتراض وهمي، وظنٌّ بغير علم.
ولذا يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في كتابه (المهدي: الثورة الكبرى): (إنَّ الاستدلال الفلسفي يمكن أنْ يُثبِت قضايا كلّيَّة عامَّة، ولكنَّه لا يستطيع أنْ يضع إصبعه على إنسان في الخارج، ويُثبِت وجوده)(١٩).

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨) الظاهر أنَّ عبارة السيِّد المرتضى (رضي الله عنه) تحتاج إلى شرح بالرغم من بداهتها ليفهمها الكاتب، وأترك التعليقات لاكتفائي بجواب الإخوة المحاورين.
(١٩) خلاصة المقال: أنَّ الكاتب ألقى الكلام على عواهنه، كما أنَّه خلط الحابل بالنابل، ومن الملاحظ أنَّه سرد تاريخاً - زعمه - بصورة أدبيَّة ثقافيَّة، وكأنَّه نسي أنْ يأتي بدليل واحد على مدَّعاه، وما أتى به من أقوال العلماء شاهد على سطحيَّة فهمه وفكره. ولا أدري هل القارئ يصل إلى نتيجة من المقال، أم أنَّ الكاتب إلى الآن لا يدري ماذا يريد؟!

↑صفحة ٢٧↑

حُرِّر بتاريخ (١٦/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١٠:٠٥) صباحاً.
العاملي عضو:
هذا كلام فيه عدَّة تُهَم وادِّعاءات ومواضيع مخلوطة، بعضها تاريخي، وبعضها شخصي، وبعضها عقلي..
فحدِّد المسألة التي تريد بحثها، ولا تتكلَّم مخلوطاً موزَّعاً، إنْ كنت تحترم نفسك.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٦/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١٠:٤٠) صباحاً.
التلميذ عضو:
الحقُّ ما قاله الأُستاذ العاملي، فخلط الحابل بالنابل حيلة العاجز، فإنْ كنت تريد الحوار والمناقشة، فلا بدَّ من طرح هذه المسائل واحدة واحدة، والجميع هنا على استعداد لدحض جميع إشكالاتك الواهية، ولنبدأ من العنوان فقط، فنحن نُثبِت أنَّ الإمام المهدي حقيقة تاريخيَّة لا فرضيَّة فلسفيَّة مستندين إلى كمٍّ هائل من الأدلَّة لإثبات هذه الحقيقة، ولكن ما هو رأيك أنت أوَّلاً؟ هل المهدي حقيقة تاريخيَّة أم فرضيَّة فلسفيَّة؟ فإنْ كنت اخترت الأُولى، فنحن متَّفقون، وإنِ اخترت الثانية، فهات أدلَّتك على ذلك، والسلام.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٦/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٤:٣٦) مساءً.
محمّد منصور عضو:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أمَّا بعد..
إنَّني شخصيًّا على معرفة بك وأعرف مستواك العلمي والدرجة التي

↑صفحة ٢٨↑

وصلت إليها في العلوم الدِّينيَّة عن قرب، وهي درجة لا تُؤهِّلك الدخول إلى البحوث التخصُّصيَّة في تلك العلوم، وإنْ لم يكن الباب مسدوداً للحوار والنقاش؛ لأنَّ اللازم هو اعتماد المقدَّمات للنتائج بإتقان! فخذ مثلاً يغنيك الأمثلة وهو أنَّك ادَّعيت في كتابك عن الإمام (عليه السلام)، أنَّ (محمّد بن زياد) الذي هو من الرواة أنَّه رجل مهمل لا توثيق له في كُتُب رجال الشيعة، بينما هو اسم (لابن أبي عمير) الذي هو من عمالقة الفقه الشيعي، وكبار زُهَّادهم ومحدِّثيهم!
وما ذكرته من المقال فيه خمسة عشر محوراً لم تتقن بحثه بحسب الموازين العلميَّة التخصُّصيَّة، فمنها ما يرتبط بعلم أُصول الفقه وتفسير الحجّيَّة للعقل والنقل وحدود دائرة كلٍّ منهما، ومنه ما يرتبط بعلم الحديث وضوابط الجرح والتعديل وكيفيَّة توثيق المصادر، ومنها ما يرتبط بعلم الكلام وعلوم المعارف في تفسير الإمامة والإمام، ومنها ما يرتبط بكيفيَّة البحث التاريخي وكيفيَّة اعتماد المصادر فيه.
وإجمالاً قد اعتمدت الألفاظ المذكورة على التهويل بأُسلوب أدبي شاعري والتضخيم في المعاني!
ولقد كنت أعرفك منذ كتابتك في مجلَّة (الشهيد) تمتاز بالكتابة الصحفيَّة الأدبيَّة دون البحوث العلميَّة المعمَّقة!
وأنا على استعداد لعرض تلك المحاور معك تنبيهاً على ضرورة التخصُّص في البحوث العلميَّة ونحن في بدء الألفيَّة الثالثة من تمدُّن البشريَّة، والسلام.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٦/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٢:٠٧) مساءً.
التلميذ عضو:
أحمد الكاتب، الرجاء أنْ تذكر لنا جميع الأدلَّة التي تستند عليها لإثبات أنَّ مسألة الإيمان بالمهدي فرضيَّة فلسفيَّة لا حقيقة تاريخيَّة؟

↑صفحة ٢٩↑

كما نرجو أنْ لا تتجاهل أسئلة الأُستاذ العاملي وتتهرَّب منها، وما دمت أردت الحوار، فلا تلجأ إلى الأساليب الملتوية؛ فما كتبه العاملي واضح لا يحتاج منك إلى ردٍّ.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٦/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٢:٥٤) مساءً.
التلميذ عضو:
أيُّها الكاتب: وإذا أثبتنا لك وبسند صحيح أنَّ الإمام العسكري اعترف أنَّ له ولداً فماذا تقول؟

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٦/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٣:٠٢) مساءً.
العاملي عضو:
الحمد لله الذي كشف جهل مدَّعي العلم أو كذبه أو كليهما.
اُنظروا إلى تأكيده الآنف الذكر، أنَّه لا يوجد في (بصائر الدرجات) حديث عن الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)، وانظروا إلى هذين الحديثين الصريحين:
في بصائر الدرجات (ص ٣٣٩):
حدَّثنا أبو طالب، عن عثمان بن عيسى، قال: كنت أنا وأبو بصير ومحمّد بن عمران مولى أبي جعفر بمنزله في مكَّة، قال: فقال محمّد بن عمران: سمعت أبا عبد الله يقول: «نحن اثنا عشر محدَّثاً».
قال له أبو بصير: والله لسمعت من أبي عبد الله؟!
قال: فحلَّفه مرَّة واثنتين أنَّه سمعه.
قال: فقال أبو بصير: كذا سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول.
وفي بصائر الدرجات (ص ٣٤٠):

↑صفحة ٣٠↑

حدَّثنا عليُّ بن حسَّان، عن موسى بن بكر، عن حمران، عن أبي جعفر، قال: قال رسول الله: «من أهل بيتي اثنا عشر محدَّثاً».
فقال له عبد الله بن زيد كان أخا عليٍّ لأُمِّه: سبحان الله كان محدَّثاً؟! كالمنكر لذلك.
فأقبل عليه أبو جعفر فقال: «أمَا والله وإنَّ ابن أُمِّك بعد وقد كان يعرف ذلك».
قال: فلمَّا قال ذلك سكت الرجل، فقال أبو جعفر: «هي التي هلك فيها أبو الخطَّاب، لم يدر تأويل المحدَّث والنبيِّ»!

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٦/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٣:٤٠) مساءً.
عبد الحسين البصري عضو:
أرى كلَّ ما سطره أحمد الكاتب ما هو إلَّا خطأ في المنهجيَّة.
وعليه يجب البحث في الإمامة أوَّلاً، ثمّ البحث فيما ذكره؛ لأنَّها فروع لا بدَّ من إقرار الأُصول لها، وقد أجاد الأخ العاملي في أسئلته. ونحن بانتظار الجواب.
اللَّهُمَّ ثبِّتنا على ولاية محمّد وآل محمّد. اللَّهُمَّ آمين يا ربَّ العالمين.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٦/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٣:٥٧) مساءً.
التلميذ عضو:
إنَّ قول أحمد الكاتب: (إنَّ الأئمَّة لم يكونوا يعرفون لمن الأمر بعدهم إلَّا قبل وفاتهم بقليل) يُكذِّبه الخبر الصحيح الوارد عن الإمام الصادق (عليه السلام)، الذي رواه الكليني والصفَّار عن عمرو بن مصعب وعمرو بن الأشعث وأبي بصير

↑صفحة ٣١↑

وسدير ومعاوية بن عمَّار أنَّ أبا عبد الله (عليه السلام) قال لهم: «أترون أنَّ الموصي منَّا يوصي إلى من يريد، لا والله، ولكنَّه عهد معهود من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى رجل فرجل»، حتَّى انتهى إلى نفسه. وفي لفظ آخر: «إلى أنْ ينتهي إلى صاحب هذا الأمر». والحديث واضح الدلالة على أنَّ الأئمَّة معروفون مشخَّصون، وكلُّ إمام يعرف الإمام الذي يليه، وذلك بعهد من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لا أنَّه يعرف قبل وفاته بقليل لمن الأمر بعده، كما يدَّعي هذا الكاتب.
اُنظر: الكافي (ج ١/ ص ٢٧٧)، وبصائر الدرجات للصفَّار (ص ٤٧٠).

* * *

الشيعة لم يجمعوا على وجود خلف للإمام العسكري (عليه السلام):
حُرِّر بتاريخ (١٦/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١١:٤٣) مساءً.
أحمد الكاتب عضو:
الأخ التلميذ المدافع عن الحقيقة المحترم.
السلام عليكم ورحمة الله.
طبعاً إذا أُثبت لي موضوع وجود ابن للإمام الحسن العسكري فإنِّي سوف أعترف بذلك وأذعن وهذا ما أبحث(٢٠) عنه، وقد سألت ذلك من قبل من كثير من العلماء ولم أجد لديهم جواباً، وبحثت عنه في الكُتُب فوجدت بعض العلماء والجيل الأوَّل يُصرِّح بأنَّ القول به تمَّ عن طريق الفلسفة والعقل والاعتبار والاجتهاد قبل أنْ يتمَّ عن طريق الأدلَّة التاريخيَّة والروايات الصحيحة(٢١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) أرجو أنْ يكون ذلك صحيحاً عندما يعرض الإخوة الأدلَّة القاطعة، والروايات الصحيحة التي تُثبِت ذلك. وممَّا لاحظه القارئ الكريم بأنَّه عُرِضَت عليك الروايات الصحيحة ولم تجب بالنفي أو الإثبات، ولا أدري ماذا يعني ذلك، هل أنَّك سلَّمت بصحَّتها؟ وإذا كان كذلك فلِمَ واصلت نفس الإشكالات، وإذا كانت غير صحيحة فلِمَ لم تردّها؟!
(٢١) هذه دعوى باطلة، وسيتَّضح بطلانها من خلال الحوار.

↑صفحة ٣٢↑

وحتَّى أُلقي عن كاهلك بعض العناء فسأقوم باستعراض مختلف الأدلَّة العقليَّة والنقليَّة والتاريخيَّة الواردة حول الموضوع، وإذا كان لديك أيَّة إضافة فتفضَّل بها مشكوراً(٢٢)، ثمّ أقوم بمناقشتها بعد ذلك دليلاً دليلاً(٢٣).
وأرجو أنْ تفتح لي قلبك وتنظر إلى ما أقول بعين محايدة فإنَّ هدفنا هو ليس التعصُّب لما ورثناه أو قلناه من قبل وإنَّما الوصول إلى الحقيقة وإلى فكر أهل البيت السليم.
ولست أدري فيما إذا كنت قد قمت بدراسة تاريخ الغيبة الصغرى وما حدث في أعقاب وفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) من حيرة وتفرُّق وضياع لدى الشيعة الإماميَّة.
نحن لا نتحاور الآن في غرفة مغلقة وإنَّما أمام الإخوة القُرَّاء بصورة حيَّة وإذا قلت كلاماً حقًّا ورفضته أنت فسوف يأخذ به القُرَّاء المشاركون. ومن هنا فإنِّي أرجو منك أنْ تبذل قصارى جهودك لتوفير الأدلَّة والبراهين على ما تقول، فربَّما أقنعتني وربَّما أقنعك وإذا لم يقتنع أحدنا برأي الآخر فربَّما يقتنع القُرَّاء المشاركون.
عصر الحيرة! وفاة الإمام العسكري (عليه السلام):
أدَّت وفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في سامرَّاء سنة (٢٦٠) للهجرة، دون إعلانه عن وجود خلف له، والوصيَّة إلى أُمِّه المسمَّاه بـ (حديث) إلى تفجُّر أزمة عنيفة في صفوف الشيعة الإماميَّة الموسويَّة الذين كانوا يعتقدون بضرورة استمرار الإمامة الإلهيَّة إلى يوم القيامة، وحدوث نوع من الشكِّ والحيرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢) الكلام كلُّ الكلام في نقل الكاتب والذي سيتَّضح للقارئ الكريم بأنَّه ينقل ما يريد وما ينفعه ويترك ما لا ينفعه، وهو عبارة أُخرى عن التقطيع الذي التزمه الكاتب في النقل.
(٢٣) سنرى هل ستتمُّ هذه المناقشة أم أنَّها مجرَّد ادِّعاء؟

↑صفحة ٣٣↑

والغموض والتساؤل عن مصير الإمامة بعد العسكري، وتفرُّقهم في الإجابة على ذلك إلى أربع عشرة فرقة. كما يقول النوبختي في (فِرَق الشيعة)، وسعد بن عبد الله الأشعري القمِّي في (المقالات والفِرَق)، وابن أبي زينب النعماني في (الغيبة)، والصدوق في (إكمال الدِّين)، والمفيد في (الإرشاد)، والطوسي في (الغيبة)، وغيرهم وغيرهم.
ويقول المؤرِّخون الشيعة: إنَّ جعفر بن عليٍّ الهادي أخا الحسن حاول أنْ يحوز كلَّ تركة الإمام، ولـمَّا اتَّصل خبر وفاة الحسن بأُمِّه وهي في المدينة خرجت حتَّى قَدِمَت (سُرَّ من رأى) وادَّعت الوصيَّة. وثبت ذلك عند القاضي.
ويذكر المؤرِّخون الشيعة أيضاً: أنَّ جارية للإمام العسكري تُسمَّى: (صقيل) ادَّعت أنَّها حامل منه، فتوقَّفت قسمة الميراث. وحمل الخليفة المعتمد الجارية صقيل إلى داره، وأوعز إلى نسائه وخدمه ونساء الواثق ونساء القاضي ابن أبي الشوارب بتعهُّد أمرها والتأكُّد من حملها واستبرائها.. ولم يزل الذين وُكِّلوا بحفظ الجارية ملازمين لها حتَّى تبيَّن لهم بطلان الحمل فقُسِّم ميراث الحسن بين أُمِّه وأخيه جعفر.
ادِّعاء جعفر بن عليٍّ بالإمامة:
ولـمَّا كانت الإمامة تثبت عادةً بالوصيَّة من الإمام السابق للَّاحق، فقد استغلَّ أخو الإمام العسكري جعفر بن عليٍّ الهادي، الذي كان ينافس أخاه على الإمامة في حياته، استغلَّ الفراغ الظاهري بعدم وجود ولد لأخيه وعدم وصيَّته أو إشارته إلى أحد، فادَّعى الإمامة لنفسه وقال للشيعة: مضى أخي ولم يُخلِّف أحداً لا ذَكَراً ولا أُنثى، وأنا وصيُّه، وكتب إلى بعض الموالين في قم - التي كانت مركزاً للشيعة يوم ذاك- يدعوه فيها إلى نفسه، ويُعلِمه أنَّه القيِّم بعد أخيه، ويدَّعي أنَّ عنده من علم الحلال والحرام ما يحتاج إليه غيره وغير ذلك من العلوم كلِّها.

↑صفحة ٣٤↑

وينقل الصدوق في إكمال الدِّين (ص ٤٧٥) حديثاً عن أبي الأديان البصري - الذي يصفه بأنَّه خادم الإمام العسكري ورسوله إلى الشيعة في مختلف الأمصار -: أنَّ عامَّة الشيعة عزّوا جعفراً وهنَّئوه، وكان من ضمنهم (النائب الأوَّل): عثمان بن سعيد العمري.
ويذكر النوبختي والأشعري القمِّي والمفيد(٢٤): أنَّ بعض شيعة الإمام العسكري، اعترفوا بالظاهر، وسلَّموا بعدم وجود ولد للعسكري، وآمنوا بإمامة أخيه جعفر، وذهبوا في ذلك إلى بعض مذاهب الفطحيَّة الذين جمعوا بين إمامة عبد الله وموسى ابني جعفر الصادق، والذين لم يكونوا يشترطون الوراثة العموديَّة دائماً في الإمامة.
وكان رئيس هؤلاء والداعي لهم إلى ذلك رجل من أهل الكوفة يقال له: (عليُّ بن الطاحي الخزَّاز) وعلماء بني فضَّال، وأُخت الفارس بن حاتم بن ماهويه القزويني.
وكاد أهل قم أنْ يستجيبوا لجعفر، لأنَّهم لم يكونوا يعرفون غيره، وقد اجتمعوا إلى شيخهم أحمد بن إسحاق وكتبوا إلى جعفر كتاباً جواباً عن هذه المسائل، طلبوا منه فيها أنْ يجيبهم على عدَّة مسائل قالوا: إنَّ أسلافنا سألوا عنها آباءك وأجابوا عنها بأجوبة وهي عندنا نقتدي بها ونعمل عليها، فأجبنا عنها بمثل ما أجاب عنها آباؤك المتقدِّمون، حتَّى نحمل إليك الحقوق التي كنَّا نحملها إليهم، وأرسلوا وفداً إلى جعفر لمحاورته، فأوصل الكتاب وسأله في البداية عن كيفيَّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) اُنظر (ص ٢١) ترى التباين واضحاً إذ قال هناك: (ويقول النوبختي والأشعري القمِّي والمفيد: إنَّ كثيراً من الشيعة الإماميَّة لبُّوا نداء جعفر وكادوا يجمعون على القول بإمامته...)، ثمّ قال الكاتب في (ص ٢٢): (فرأى جعفراً وحوله عامَّة الشيعة وعلى رأسهم عثمان بن سعيد العمري وهم يعزُّونه ويُهنِّئونه) بينما هنا في هذه الصفحة نسب للنوبختي والأشعري القمِّي والمفيد: (إنَّ بعض شيعة الإمام العسكري اعترفوا بالظاهر وسلَّموا بعدم وجود ولد له وآمنوا بإمامة أخيه جعفر).

↑صفحة ٣٥↑

انتقال الإمامة إليه مع وجود خبر يقول بعدم جواز انتقال الإمامة إلى أخوين بعد الحسن والحسين، فاعتذر جعفر بالبداء من الله، لعدم وجود ولد لأخيه الحسن.
ويقول الخصيبي في (الهداية الكبرى): إنَّ الوفد أقام عليه مدَّة يسأله عن جواب المسائل فلم يجب عنها، ولا عن الكتاب بشيء منه أبداً.
ولكن الصدوق والطوسي والصدر لا يتحدَّثون عن هذه المشكلة البسيطة التي لا تصعب على من يدَّعي الإمامة مثل جعفر(٢٥)، وإنَّما يقولون: إنَّ الوفد سأل جعفراً عن الغيب وطالبه بإخباره عن كمّيَّة الأموال التي يحملها من قم وعن أصحابها، وقال: إنَّ الحسن كان يُخبرهم بذلك، فرفض جعفر التحدُّث بالغيب واستنكر نسبته إلى أخيه.
ويقول الخصيبي: إنَّ جماعة من أهل قم هم: أبو الحسن بن ثوابة، وأبو عبد الله الجمَّال، وأبو عليٍّ الصائغ، والقزويني، كانوا يأخذون الأموال من الشيعة باسم جعفر ويأكلونها ولا يوصلونها إليه ويتَّهمونه بالكذب، ممَّا يشير إلى أنَّ قسماً من شيعة قم قد آمنوا بإمامة جعفر بالفعل وأخذوا يرسلون إليه الأموال.
القائلون بانقطاع الإمامة:
كما يقول النوبختي والأشعري القمِّي والكليني والمفيد والطوسي والصدوق والحرُّ العاملي: إنَّ قسماً من الشيعة الإماميَّة ذهبوا إلى القول بالتوقُّف وانقطاع الإمامة والقول بالفترة كالفترة بين الرُّسُل، وإنَّهم اعتلُّوا في ذلك ببعض الأخبار عن الإمامين الباقر والصادق حول إمكانيَّة ارتفاع الأئمَّة وانقطاع الإمامة، خاصَّةً إذا غضب الله على خلقه، وقالوا: إنَّ هذا عندنا ذلك الوقت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥) هذا الكلام فاسد إذ جرى نفس الأمر مع جعفر عمّ الإمام الجواد (عليه السلام) وقيل له: أما تستحي أن تفتي وفي الأمّة من هو أعلم منك.. فمشكلة السؤال غير بسيطة إلاَّ لمن يهون عليه أن يدَّعي منصباً ليس له ويجيب بالأجوبة الهراء مدَّعياً العلم وهو أقرب إلى الجهل...

↑صفحة ٣٦↑

المتراجعون:
ويقول المؤرِّخان الشيخان الأوَّلان المعاصران لتلك الفترة النوبختي والأشعري القمِّي:
إنَّ وفاة الإمام الحسن العسكري عن دون ولد ظاهر تستمرُّ الإمامة فيه، أدَّت إلى تراجع بعض الشيعة عن القول بإمامة العسكري نفسه، كما تراجع بعض الشيعة (الموسويَّة) قبل مائة عام، عن القول بإمامة عبد الله الأفطح بن جعفر الصادق، الذي أصبح إماماً بعد أبيه، ولكنَّه لم ينجب ولداً تستمرُّ الإمامة فيه. وقال هؤلاء: إنَّ القول بإمامة الحسن كان غلطاً وخطأً، وجب علينا الرجوع عنه إلى إمامة جعفر، وإنَّ الحسن قد تُوفِّي ولا عقب له، فقد صحَّ عندنا أنَّه ادَّعى باطلاً، لأنَّ الإمام بإجماعنا جميعاً لا يموت إلَّا عن خلف ظاهر معروف يُوصي إليه ويقيمه مقامه بالإمامة، والإمامة لا ترجع في أخوين بعد الحسن والحسين، فالإمام لا محالة جعفر بوصيَّة أبيه إليه.
وكان السبب في تراجع هؤلاء عن القول بإمامة العسكري هو إيمانهم بقانون الوراثة العموديَّة، وعدم جواز انتقال الإمامة إلى أخ أو ابن أخ أو عمٍّ أو ابن عمٍّ.
القائلون بمهدويَّة العسكري:
وقد ذهب قسم آخر من الشيعة إلى إنكار وفاة الإمام الحسن العسكري، والقول بمهدويَّته وغيبته، وذلك بناءً على عدم جواز وفاة الإمام دون ولد معروف ظاهر له، لأنَّ الأرض لا تخلو من إمام، واعتبروا اختفاء الإمام نوعاً من الغيبة عنهم.
ومنهم من اعترف بموته ولكنَّه قال بعودته إلى الحياة مرَّةً أُخرى.. وذلك استناداً إلى حديث حول معنى (القائم): «إنَّه يقوم من بعد الموت»، ويقوم ولا

↑صفحة ٣٧↑

ولد له، وإنْ كان له ولد لصحَّ موته ولا رجوع، لأنَّ الإمامة كانت تثبت لخلفه، ولا أوصى إلى أحد.. فلا شكَّ أنَّه القائم، والحسن بن عليٍّ قد مات لا شكَّ في موته ولا ولد له ولا خلف ولا أوصى إذ لا وصيَّة له ولا وصيَّ.. فلا شكَّ أنَّه القائم وأنَّه حيٌّ بعد الموت. وقالوا: إنَّه قد عاش بعد الموت! وقد رووا: أنَّ القائم إذا بلغ الناس خبر قيامه قالوا: كيف يكون فلان إماماً وقد بليت عظامه؟ فهو اليوم حيٌّ مستتر لا يظهر وسيظهر ويقوم بأمر الناس ويملأ الأرض عدلاً كما مُلِئَت جوراً.
ومنهم من قال: إنَّه سيعود إلى الحياة في المستقبل.. وإنَّما سُمِّي القائم لأنَّه يقوم بعدما يموت.
وقد اختلق هؤلاء أو استوردوا أحاديث بهذا المضمون من بعض الحركات الشيعيَّة الواقفيَّة السابقة.
ويقول الصدوق: إنَّ هؤلاء سمُّوا بالواقفيَّة على الحسن، وقد ادَّعوا: أنَّ الغيبة وقعت به لصحَّة أمر الغيبة عندهم وجهلهم بموضعها.
المحمّديَّة والنفيسيَّة:
وذهب قسم من هؤلاء المتراجعين عن القول بإمامة الحسن العسكري لعدم وجود ولد له، إلى القول بإمامة أخيه محمّد، الذي كان قد تُوفِّي قبل سبع سنوات في حياة أبيه الهادي، فأنكروا وفاة محمّد وقالوا: إنَّ أباه قد أشار إليه ونصبه إماماً ونصَّ على اسمه وعيَّنه - وهذا ما يتَّفق عليه الجميع - ولا يجوز أنْ يشير الإمام بالوصيَّة والإمامة إلى غير إمام.. إذن فإنَّه لم يمت في الحقيقة، كما هو الظاهر، بل إنَّ أباه قد أخفاه (تقيَّةً) كما أخفى الإمام الصادق ابنه إسماعيل - حسب قول الإسماعيليَّة -، وإنَّه المهدي المنتظر.
وعُرِفَت هذه الفرقة بـ (المحمّديَّة).

↑صفحة ٣٨↑

وقال قسم من هذه الفرقة فيما بعد: إنَّ محمّد بن عليٍّ قد تُوفِّي، وإنَّه أوصى إلى غلام لأبيه اسمه (نفيس) ودفع إليه الكُتُب والعلوم والسلاح وما تحتاج إليه الأُمَّة وأوصاه: إذا حدث بي حدث الموت أنْ يُؤدِّي ذلك إلى أخيه جعفر.
وكانت هذه الفرقة تتَّخذ موقفاً عنيفاً من الإمام الحسن العسكري وتُكفِّره وتُكفِّر كلَّ من يقول بإمامته، وتغلو في جعفر، وتدَّعي أنَّه القائم. وقد عُرِفَت هذه الفرقة المتطرِّفة باسم: (النفيسيَّة).
الواقفون:
وفي مقابل هؤلاء المتطرِّفين كان فريق آخر من شيعة الإمام الحسن العسكري يذهب، نتيجة الصدمة والحيرة، إلى إنكار وفاة الإمام، والقول بغيبته ومهدويَّته، وذلك بناءً على عدم جواز وفاة الإمام دون ولد معروف ظاهر، لأنَّ الأرض لا يمكن أنْ تخلو من إمام حسب عقيدتهم.
وانقسم هؤلاء إلى عدَّة فِرَق.. فمنهم من اعترف بموت الإمام الحسن، ولكنَّه قال بعودته إلى الحياة بعد ذلك بوقت قليل، وذلك استناداً إلى حديث حول معنى كلمة (القائم): «إنَّه يقوم من بعد الموت». ومنهم من قال: إنَّه مات ولم يعد إلى الحياة، ولكنَّه سوف يعود في المستقبل.
وقد استورد هؤلاء أحاديث بهذا المضمون من بعض الحركات الشيعيَّة الواقفيَّة السابقة، وسمُّوا بـ (الواقفيَّة على الحسن) وقد ادَّعوا: أنَّ الغيبة وقعت به وأنَّه المهدي المنتظر.
الحيارى:
وقد دفعت أزمة وفاة الإمام العسكري دون ولد ظاهر، بكثير من الشيعة الإماميَّة الذين كانوا يعتقدون باستمرار الإمامة إلى يوم القيامة.. دفعتهم إلى

↑صفحة ٣٩↑

البحث والتمحيص والتفتيش عن ولد يحتمل أنْ يكون الإمام العسكري قد أخفاه لسبب من الأسباب، كالخوف من الأعداء مثلاً، وأحجم بعضهم عن القول بأيِّ شيء انتظاراً لجلاء الأزمة، فلم يقولوا بإمامة جعفر كما لم يقولوا بانقطاع الإمامة، ولم يقولوا بمهدويَّة الحسن العسكري، بل قالوا: لا ندري ما نقول في ذلك.. وقد اشتبه الأمر علينا، فلسنا نعلم أنَّ للحسن بن عليٍّ ولداً أم لا؟ أم الإمامة صحَّت لجعفر أم لمحمّد؟ وقد كثر الاختلاف، إلَّا أنَّا نقول: إنَّ الحسن بن عليٍّ كان إماماً مفترض الطاعة ثابت الإمامة وقد تُوفِّي وصحَّت وفاته، والأرض لا تخلو من حجَّة. فنحن نتوقَّف ولا نقدم على القول بإمامة أحد بعده.. إذ لم يصحّ عندنا أنَّ له خلفاً، وخفي علينا أمره ولا نقطع على إمامة أحد من ولد غيره، فإنَّه لا خلاف بين الشيعة: أنَّه لا تثبت إمامة إمام إلَّا بوصيَّة أبيه إليه وصيَّة ظاهرة.
الجنينيُّون:
وفي غمرة أجواء الشكِّ والحيرة والخلاف والبحث عن الحقيقة هذه، اعتمد بعض الشيعة الإماميَّة على دعوى الجارية (صقيل) أو (نرجس) بالحمل من الحسن، عند وفاته.. وقالوا بولادة ابن له وُلِدَ بعد وفاة الحسن بثمانية أشهر، وإنَّه مستتر لا يُعرَف اسمه ولا مكانه، واستندوا إلى حديث رووه عن الإمام الرضا يقول فيه: «إنَّكم ستبتلون بالجنين في بطن أُمِّه والرضيع».
وذهب قسم من هؤلاء الذين قالوا بوجود الحمل عند الوفاة، إلى ادِّعاء استمرار الحمل في بطن أُمِّه إلى أمد غير منظور، وذلك بصورة إعجازيَّة، وقالوا بحتميَّة ولادة الجارية لولد ذكر تستمرُّ الإمامة فيه وفي ذرّيَّته إلى يوم القيامة!
وبقدر ما كان احتمال الولادة بعد الوفاة أمراً وارداً وممكناً، فإنَّ دعوى استمرار الحمل في البطن ما يشاء الله كانت غير معقولة ومرفوضة جدًّا خاصَّةً

↑صفحة ٤٠↑

وأنَّ الجارية صقيل (أو نرجس) اختفت في زحمة الأحداث، أو تُوفِّيت، ولم يستطع أحد أنْ يشاهدها وينظر إلى نتيجة حملها بعد ذلك.
ولم يكن بعيداً في أجواء الغلوِّ البعيدة عن العقل والعرف أنْ يقول أيُّ فريق بما يشاء من أقوال وفرضيَّات وأوهام.
القائلون بوجود الولد المسبق (الاثنا عشريُّون):
وبالرغم من عدم توصُّل كثير من الشيعة الذين بحثوا عن ولد للعسكري إلى أيَّة نتيجة.. وفيما كانت الحيرة تعصف بعامَّة الشيعة الإماميَّة، والغموض يلفُّ موضوع الخلف، والاختلاف يُمزِّق الناس يميناً وشمالاً.. كان بعض أصحاب الإمام الحسن العسكري يهمسون بتكتُّم شديد بوجود ولد له في السرِّ وُلِدَ قبل وفاته بسنتين أو ثلاث، أو خمس أو ستّ أو ثماني سنين، ويقولون: إنَّهم قد رأوه في حياة أبيه وإنَّهم على اتِّصال به، ويطلبون من عامَّة الشيعة التوقُّف عن البحث والتفتيش عن التصريح باسمه ويُحرِّمون ذلك.
وكانوا يُفسِّرون ادِّعاء الجارية صقيل بوجود الحمل عند وفاة العسكري بأنَّه محاولة منها للتغطية على وجود الولد في السرِّ.
وعُرِفَ هؤلاء الذين قالوا بوجود ولد مغمور للإمام العسكري بالفرقة الاثني عشريَّة.
عصر الحيرة:
وقد كان القول بوجود ولد له قولاً سرّيًّا باطنيًّا قال به بعض أصحاب الإمام العسكري بعد وفاته. ولم يكن الأمر واضحاً وبديهيًّا ومجمعاً عليه بين الشيعة في ذلك الوقت، حيث كان جوٌّ من الحيرة والغموض حول مسألة الخلف يلفُّ الشيعة، ويعصف بهم بشدَّة.

↑صفحة ٤١↑

وقد كتب عدد من العلماء المعاصرين لتلك الفترة كُتُباً تناقش موضوع الحيرة وسُبُل الخروج منها، منهم الشيخ عليُّ بن بابويه الصدوق الذي كتب كتاباً أسماه: (الإمامة والتبصرة من الحيرة).
وقد امتدَّت هذه الحيرة إلى منتصف القرن الرابع الهجري حيث أشار الشيخ محمّد بن عليٍّ الصدوق في مقدَّمة كتابه (إكمال الدِّين) إلى حالة الحيرة التي عصفت بالشيعة، وقال: (وجدت أكثر المختلفين إليَّ من الشيعة قد حيَّرتهم الغيبة، ودخلت عليهم في أمر القائم الشبهة). وذكر الكليني والنعماني والصدوق مجموعة كبيرة من الروايات التي تُؤكِّد وقوع الحيرة بعد غيبة صاحب الأمر واختلاف الشيعة وتشتُّتهم في ذلك العصر واتِّهام بعضهم بعضاً بالكذب والكفر والتفل في وجوههم ولعنهم، وانكفاء الشيعة كما تكفأ السفينة في أمواج البحر وتكسُّرهم كتكسُّر الزجاج أو الفخار.
وقال محمّد بن أبي زينب النعماني في (الغيبة) يصف حالة الحيرة التي عمَّت الشيعة في ذلك الوقت: (إنَّ الجمهور منهم يقول في (الخلف): أين هو؟ وأنَّى يكون هذا؟ وإلى متى يغيب؟ وكم يعيش؟ هذا وله الآن نيِّف وثمانون سنة، فمنهم من يذهب إلى أنَّه ميِّت ومنهم من يُنكِر ولادته ويجحد وجوده بواحدة ويستهزئ بالمصدِّق به، ومنهم من يستبعد المدَّة ويستطيل الأمد ويقول: أيُّ حيرة أعظم من هذه الحيرة التي أخرجت من هذا الأمر الخلق الكثير والجمَّ الغفير؟ ولم يبقَ ممَّن كان فيه إلَّا النزر اليسير، وذلك لشكِّ الناس).
وهذا ما يدلُّ على أنَّ قضيَّة (وجود ابن للإمام العسكري) لم تكن قضيَّة مجمع عليها بين صفوف الشيعة الإمامة في ذلك العصر، وأنَّ دعاوى الإجماع والتواتر والاستفاضة التي يدَّعيها البعض على أحاديث وجود وولادة ومهدويَّة الإمام الثاني عشر (محمّد بن الحسن العسكري) لم يكن لها وجود في ذلك الزمان.

↑صفحة ٤٢↑

ولا بدَّ أنْ نضع علامة استفهام على دعاوى الإجماع والتواتر المتأخِّرة والمناقضة تماماً للتاريخ.. خاصَّةً وأنَّ دعوى الإجماع والتواتر لا تمنع من المراجعة والنقد والتمحيص.. بالإضافة إلى أنَّ الإجماع لا يُشكِّل لدى الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة حجَّة بديلة عن الأدلَّة العلميَّة.. وحسبما يقول علماء الأُصول: إنَّ الإجماع يمكن أنْ يُؤخَذ به في غياب الدليل الشرعي، فإذا علمنا استناد دعوى معيَّنة على أدلَّة نقليَّة أو عقليَّة فعلينا مراجعة تلك الأدلَّة وعدم التشبُّث بالإجماع. ومن المعروف أنَّ دعوى ولادة الإمام الثاني عشر (محمّد بن الحسن العسكري) تأتي بأدلَّة عقليَّة ونقليَّة وتاريخيَّة.. فلا بدَّ إذن من مراجعتها والتحقُّق بنفسنا منها، وعدم الانسياق وراء المتكلِّمين أو التسليم لدعاواهم وفرضيَّاتهم واجتهاداتهم.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٦/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١١:٤٤) مساءً.
العاملي عضو:
من أوَّل صولة من أقلام أهل الحقِّ، وقف قلم الكاتب، وبهت الحبر المزيَّف الذي يكتب به! ووقفت سفينة المساكين الذين صوَّروه عالماً مفكِّراً، وتعطَّل هدير محرِّكاتها! وأخذوا يحثُّونه ويُشجِّعونه، ويشدُّون في عضده، ويمدُّونه بالـ... ويتغاضون عن تكذيبه لبخاريهم وطعنه في أئمَّتهم..
فأسأل الله تعالى أنْ يجعله عبرةً لمن يُطبِّلون لهم، ممَّن زاغو عن مذهب أهل البيت (عليهم السلام).
وبما أنِّي سوف أعتكف عن الكتابة بعد يومين إنْ شاء الله.. أشعر بارتياح؛ لافتضاح باطله، وأطمئنُّ بأنَّ في كلِّ واحد من الإخوة الأعزَّاء التلميذ والمنصور وجميل الكفاية، لمثله ولمن هو أعلم منه أضعافاً..

↑صفحة ٤٣↑

وحتَّى لا يقال: إنَّ المناقشين احتوشوه فدوَّخوه.. لذا أقترح أنْ يُؤخَذ برأي مشارك، فيكمل كشف خوائه وتناقضه أحد الفاضلين اللذين نصحه مشارك بمناقشتهما (الأخ التلميذ، والأخ موسى العلي) وشكراً.

* * *

وهنا دخل أحد مريدي الشبكة والمتتبِّعين لمواضيعها وهو العضو (مالك الحزين)، وهو أحد نوَّاب رئيس تحرير جريدة الأهرام المصريَّة، وهو من إخواننا السُّنَّة، فقال:
حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١٢:٢٦) صباحاً.
مالك الحزين عضو:
معذرةً لتطفُّلي على حوار متحضِّر وشديد الجدّيَّة، كهذا الذي يجري بين الإخوة روَّاد هجر من جهة، والأُستاذ أحمد الكاتب من جهة أُخرى، لكن لـمَّا كان حوار كهذا ليس ممَّا يهمُّ الإخوة الشيعة وحدهم، بل يهمُّ عموم الأُمَّة؛ لأنَّ الشيعة رافد أصيل من روافد تراث وحاضر ومستقبل هذه الأُمَّة، فقد سمحت لنفسي بالتنبيه على ملاحظة منهجيَّة، في شكل الحوار، ولا صلة لها بالمضمون، فأهل مكَّة أدرى بشعابها، لكنِّي لاحظت هجوماً يشي بسلفيَّة لا تختلف كثيراً عن سلفيَّة هؤلاء الوهَّابيِّين التي تنتقدونها معي، هذا فضلاً عن موقف عاطفي أتفهَّم دوافعه، وأرجو أنْ تنصتوا لصوت العقل قليلاً، حتَّى تفهموها أيضاً.. الرجل يطرح ما يراه صواباً، ولا أحسبه يُمثِّل طيلة كلِّ هذا الوقت سواء بحسن نيَّة، أو مدفوعاً من أحد أو جهة ما... إذن فلماذا تسعون لهدم واحدة من أبرز وأجمل ما في مذهب آل البيت، ألَا وهي السماحة والنأي عن التكفير بالشُّبُهات...
إنَّني أثق في كبار النفوس والعقول مثل العاملي الفاضل، والتلميذ الأُستاذ (العنيد) في أنْ يمضي الحوار بلُغَةٍ أرقّ، وعلى أرضيَّة من حسن الظنِّ والنوايا،

↑صفحة ٤٤↑

وكلِّي يقين أنَّ الجميع سيتوقَّف أمام هذه الكلمات، ليضرب مثلاً لغيره برقيِّ السلوك وقيمة الحوار.

* * *

ملاحظة مهمَّة إلى الأُستاذ أحمد الكاتب!
وهذا مشرف الشبكة موسى العلي ينتقد الكاتب على إنزال المواضيع من دون إعارة أيِّ اهتمام للنقاش، فيقول:
حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠١:٤٢) صباحاً.
موسى العلي هجر:
الأُستاذ أحمد الكاتب.
بعد التحيَّة والاحترام.
بعد ملاحظتي المواضيع التي طُرِحَت منك، والنقاشات الدائرة بينك وبين الإخوان أُسجِّل هنا ملاحظة مهمَّة للوصول إلى الهدف الذي من أجله كان الحوار!
والملاحظة هي أنْ تدخل في الحوار والنقاش مع الإخوة في النقاط التي طرحتها وتريد طرحها.
وأمَّا تشتيت الهدف فهو غير مقبول، وليس مجدياً طرحك للمواضيع الكثيرة، علماً أنَّها موجودة في كتابك!
إنَّما الهدف هو الحوار المركَّز المثمر، وليس تكثير طرح المواضيع!
حدِّد موضوعاً وناقشه، وأمَّا بهذه الطريقة فغير صحيح!
تحياتي لك.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٢:٣٤) صباحاً.
مالك الحزين عضو:
أرى ملاحظة الأخ موسى العلي للأُستاذ أحمد الكاتب في موضعها تماماً..

↑صفحة ٤٥↑

وأرجوه أنْ يلتزم بإيقاف هذا السيل من الموضوعات المتفرِّدة، وقصر الحوار على مسألة بعينها، والحفاظ على التسلسل المنطقي للموضوع محلِّ المناقشة، أو الحوار، وأُكرِّر أسفي ثانيةً للتدخُّل.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٤:٣٦) صباحاً.
أحمد الكاتب عضو:
شكراً أُستاذ مالك الحزين على ملاحظاتك القيِّمة، وقد استطرقت في ذكر المواضيع والأدلَّة المختلفة؛ بناءً على طلب الأخ الأُستاذ التلميذ، الذي طلب منِّي ذكر جميع الأدلَّة التي تستند عليها لإثبات أنَّ مسألة الإيمان بالمهدي فرضيَّة فلسفيَّة لا حقيقة تاريخيَّة، ولكن الأخ العاملي الذي أرجو منه أنْ يهدأ قليلاً، ولا يعتقد أنِّي أُحاول هدم المذهب الشيعي، وليفترض ولو جدلاً أنِّي أُحاول إصلاحه، وإزالة بعض الأفكار الدخيلة فيه، ولا حاجة له للانتقام والثأر، وتحويل النقاش كلَّ مرَّة إلى قضايا شخصيَّة، والتحدُّث عن تاريخي المثقل بالفعَّاليَّة المدانة شرعيًّا وإنسانيًّا، وما إلى ذلك من شعارات فعَّاليَّة خارج الموضوع بالمرَّة، كأنَّنا في ساحة معركة شخصيَّة.
الأُستاذ عبد الحسين طلب تحويل النقاش إلى بحث موضوع الإمامة، وقال: إنَّ لديه ملاحظات منهجيَّة على الحوار، وكأنَّه يريد أنْ يُثبِت وجود الإمام الثاني عشر بإثبات موضوع الإمامة، وهذا منهج قديم، سلكه كثير من العلماء السابقين، وهو ما كنت أعنيه بالقول: إنَّ الاستدلال على وجود الإمام الثاني عشر تمَّ فلسفيًّا وعقليًّا بالدرجة الأُولى، في حين لا يمكن التحدُّث عن الاثني عشريَّة أو الإمامة إلَّا بعد إثبات وجود الثاني عشر، وإلَّا فإنَّ عدد الأئمَّة يصبح أحد عشر، أو يجب أنْ نضيف إليهم آخرين. ولذا أُفضِّل أنْ يتركَّز الحوار على موضوع إثبات وجود الإمام تاريخيًّا.

↑صفحة ٤٦↑

الأخ العزيز العاملي ذكر وجود روايات في كتاب (بصائر الدرجات) تتحدَّث عن الاثني عشريَّة، وقد راجعت الكتاب مرَّة أُخرى ولم أجد تلك الروايات في ذلك المكان من الكتاب، فأرجو منه أنْ يذكر لي الطبعة ومكان الطبع، فالنسخة التي لدي هي من منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، في قم، إيران، وسنة الطباعة هي (١٤٠٤هـ)، مع تصحيح وتعليق الحاجّ ميرزا كوچه باغي التبريزي، وأنا لا أدَّعي العصمة عن الخطأ، وأطلب من الإخوان أنْ يدلُّوني على ما لديهم من روايات بدقَّة، أرجو ونظراً لأنَّ الحوار اتَّخذ من البداية صفة الانفعال العاطفي، فأخذ البعض يُطلِق صفة الصحَّة على بعض الروايات جزافاً دون ذكر الأدلَّة والتفاصيل، وهذا ليس أُسلوباً علميًّا في الحوار، كما أنَّ التشكيك الاعتباطي، وتضعيف أيَّة رواية بلا دليل هو كذلك أُسلوب غير علمي.
في معرض ردِّه عليَّ ذكر الأخ العاملي ضعف رواية الصفَّار، ونسبها إليَّ، وإنَّما نقلتها من كتاب (بصائر الدرجات) للصفَّار، من الجزء العاشر، باب الوقت الذي يعرف الإمام الأخير ما عند الأوَّل، الحديث رقم (٣): حدَّثنا يعقوب بن يزيد، عن عليِّ بن أسباط، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله، قال: قلت: الإمام متى يعرف إمامته وينتهي الأمر إليه؟ قال: «في آخر دقيقة من حياة الأوَّل».
في الجزء التاسع، باب (٢١)، في الإمام متى يعلم أنَّه إمام، حديث رقم (١): عن صفوان بن يحيى، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): أخبرني عن الإمام متى يعلم أنَّه إمام، حين يبلغه أنَّ صاحبه قد مضى، أو حين يمضي، مثل أبي الحسن قُبِضَ ببغداد، وأنت هاهنا؟ قال: «يعلم ذلك حين يمضي صاحبه».

* * *

↑صفحة ٤٧↑

حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٧:٣٠) صباحاً.
العاملي عضو:
١ - نسخة بصائر الدرجات التي نقلت لك منها: منشورات مؤسَّسة الأعلمي بطهران، تحقيق العلَّامة الحجَّة ميرزا محسن كريم ياغي، طبع مطبعة الأحمدي بطهران سنة (١٤٠٤هـ).
٢ - والروايات التي جعلتها دليلاً على أنَّ الشيعة لم يكونوا يعرفون الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) أجنبيَّة عن الموضوع، ولكنَّك لم تفهمها مع الأسف، فهي تُبيِّن كيف أنَّ الإمام منهم يعرف نفسه، وتنزل عليه خشية من الله خاصَّة، ونور إلهي بمجرَّد موت الإمام السابق، وهو أمر يُؤكِّد عقيدة الشيعة بالاثني عشر (عليهم السلام)، وأنَّ واحدهم يعرف نفسه عمليًّا عندما تبدأ إمامته بفيض إلهي خاصٍّ عليه.
٣ - قال الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ٤٨٦): باب في الإمام متى يعلم أنَّه إمام:
١ - حدَّثنا محمّد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): أخبرني عن الإمام متى يعلم أنَّه إمام، حين يبلغه أنَّ صاحبه قد مضى، أو حين يمضي، مثل أبي الحسن (عليه السلام) قُبِضَ ببغداد، وأنت هاهنا؟ قال: «يعلم ذلك حين يمضي صاحبه». قلت: بأيِّ شيء؟ قال: «يُلهِمه الله ذلك».
٢ - حدَّثنا محمّد بن عيسى، عن قارن، عن رجل، إنَّه كان رضيع أبي جعفر (عليه السلام)، قال: بينا أبو الحسن (عليه السلام) جالس مع مودَّب له يُكنَّى أبا زكريَّا، وأبو جعفر (عليه السلام) عندنا أنَّه ببغداد، وأبو الحسن يقرأ من اللوح إلى مؤدَّبه إذ بكى بكاءً شديداً، سأله المؤدَّب: ما بكاؤك؟ فلم يجبه، فقال: «ائذن لي بالدخول»، فأذن له، فارتفع الصياح والبكاء من منزله، ثمّ خرج إلينا فسألنا عن البكاء، فقال: «إنَّ أبي قد توفَّى الساعة»، فقلنا: بما علمت؟ قال: «فأدخلني من إجلال الله ما لم أكن

↑صفحة ٤٨↑

أعرفه قبل ذلك، فعلمت أنَّه قد مضى»، فتعرَّفنا ذلك الوقت من اليوم والشهر، فإذا هو قد مضى في ذلك الوقت.
٣ - حدَّثنا محمّد بن أحمد، عن بعض أصحابنا، عن معاوية بن حكيم، عن أبي الفضل الشيباني، عن هارون بن الفضل، قال: رأيت أبا الحسن (عليه السلام) في اليوم الذي تُوفِّي فيه أبو جعفر (عليه السلام)، فقال: «إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون مضى أبو جعفر»، فقيل له: وكيف عرفت ذلك؟ قال: «تداخلني ذلَّة لله لم أكن أعرفها». انتهى.
فهل هذا إلَّا نقيض ما أردت إثباته؟! فاتَّق الله يا أحمد، فكلُّنا نموت.. وتعمَّق فيما تقرأ، ولا تحكم بظنونك، وتُشكِّك بها أهل الحقِّ.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٩:٥٦) مساءً.
أحمد الكاتب عضو:
إذا كانت نسختك عن كتاب (بصائر الدرجات) للصفَّار تختلف عن نسختي، فأرجو أنْ تعطيني رقم الجزء، ورقم الباب، ورقم الحديث حول الاثني عشريَّة حتَّى أُطابقه مع الكتاب الموجود لدي، إذا كان صحيحاً ما تقول. وشكراً، أحمد الكاتب.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١١:٠٠) مساءً.
العاملي عضو:
راجع الجزء السابع من تجزئة بصائر الدرجات، الباب الخامس، والأبواب التي بعده..
ولعمري يا أحمد لقد تعجَّبت من أحكامك الهوائيَّة على (بصائر الدرجات)، الذي هو سند تاريخي قيِّم، يُقنِع كلَّ باحث منصف بأنَّ عقيدة

↑صفحة ٤٩↑

الأئمَّة الاثني عشر كانت موجودة ومؤكَّداً عليها من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثمّ من عليٍّ والأئمَّة (عليهم السلام)، بل كانت معاشة عند شيعتهم ورواتهم، ومؤلَّفاً فيها الرسائل والكُتُب، قبل ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وبعدها..
وسأُوافيك بنماذج منه، لا يمكن تفسيرها إلَّا بعقيدة الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام).

* * *

بصائر الدرجات سند تاريـخي على عقيدة الاثني عشريَّة، يكفي وحده للردِّ على المبطلين!
حُرِّر بتاريخ (١٨/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١٢:٠٧) صباحاً.
كتابان في موضوع أحمد الكاتب لم يتدبَّرهما، فظلمهما أو رآهما حجَّة تدحض باطله فأنكر ما فيهما!
كتاب (كفاية الأثر في النصِّ على الأئمَّة الاثني عشر).. وسوف نتحدَّث عن قيمته العلميَّة ومحتواه..
وكتاب (بصائر الدرجات)، للحسن الصفَّار القمِّي (رحمه الله)، المتوفَّى سنة (٢٩٠) هجريَّة - يعني في الغيبة الصغرى -، ولعلَّه ألَّف كتابه قبل وفاته بسنوات عديدة.. ولو قرأه أيُّ منصفٍ، حتَّى لو كان مستشرقاً، لقال: إنَّ الكتاب يتحدَّث عن مذهب الشيعة الاثني عشريَّة وأئمَّتهم وخصائصهم التي يعتقدها الشيعة اليوم ويعيشونها!
هذا الكتاب ادَّعى أحمد الكاتب أنَّه ليس فيه ولا نصٌّ على عقيدة الاثني عشر! وقد استخرجت له منه نصَّين صريحين، وفيه الكثير، فتعجَّب، وأخذ يسأل عن النسخة التي عندي!
وأكتفي هنا بأنْ أُقدِّم فهرس أبواب هذا الكتاب(٢٦)، ليرى كلُّ من له بصيرة أنَّ فهرسه وحده يكفي لمن تأمَّله للردِّ على أمثال أحمد الكاتب!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦) اقتصرنا على فهرس الجزء السابع والعاشر فقط من كتاب بصائر الدرجات.

↑صفحة ٥٠↑

الجزء السابع:
باب (١): فيه ذكر الحديث الذي علَّم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليًّا (عليه السلام)، (ص ٣١٣).
باب (٢): في الإمام بأنَّه إنْ شاء أنْ يعلمَ العلمَ عَلمْ، (ص ٣١٥).
باب (٣): ما يُفعَل بالإمام من النكت والقذف والنقر في قلوبهم وأُذُنهم، (ص ٣١٦).
باب (٤): فيه تفسير الأئمَّة لوجود علومهم الثلالة، وتأويل ذلك، (ص ٣١٨).
باب (٥): في الأئمَّة، أنَّهم (عليهم السلام) محدَّثون مفهَّمون، (ص ٣١٩).
باب (٦): في أنَّ المحدِّث كيف صفته وكيف يصنع به وكيف يُحدِّث الأئمَّة؟ (ص ٣٢١).
باب (٧): ما يلقى شيء يوماً بيوم وساعة بساعة ممَّا يحدث، (ص ٣٢٤).
باب (٨): في الأئمَّة (عليهم السلام) ورثوا العلم من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعن عليِّ بن أبي طالب، وأنَّ الحكم يُقذَف في صدورهم ويُنكَت في آذانهم، (ص ٣٢٦).
باب (٩): في الأئمَّة، أنَّهم يتكلَّمون على سبعين وجهاً، في كلِّها المخرج، ويفتون بذلك، (ص ٣٢٨).
باب (١٠): في الأئمَّة، أنَّهم يعرفون الزيادة والنقصان في الأرض، من الحقِّ والباطل، (ص ٣٣١).
باب (١١): في الأئمَّة، أنَّهم يتكلَّمون الألسن كلَّها، (ص ٣٣٣).
باب (١٢): في الأئمَّة (عليهم السلام)، أنَّهم يعرفون الألسن كلَّها، (ص ٣٣٧).
باب (١٣): في الأئمَّة، أنَّهم يقرأون الكُتُب التي نزلت على الأنبياء باختلاف ألسنتهم، التوراة والإنجيل وغير ذلك، (ص ٣٤٠).

↑صفحة ٥١↑

باب (١٤): في الأئمَّة، أنَّهم يعرفون منطق الطير، (ص ٣٤١).
باب (١٥): في الأئمَّة (عليهم السلام)، أنَّهم يعرفون منطق البهائم ويعرفونهم ويجيبونهم إذا دعوهم، (ص ٣٤٧).
باب (١٦): في الأئمَّة (عليهم السلام)، أنَّهم يعرفون منطق المسوخ ويعرفونهم، (ص ٣٥٠).
باب (١٧): في الأئمَّة أنَّهم المتوسِّمون في الأرض، وهم الذين ذكر الله في كتابه أنَّهم يعرفون الناس بسيماهم، (ص ٣٦١).
باب (١٨): في الإمام، أنَّه يحتاج من معرفة أصحابه إلى أحد، ولا يقبل قول أحد فيهم لمعرفة فيهم، (ص ٣٦١).
باب (١٩): ما جاء عن الأئمَّة من أحاديث رسول الله التي صارت إلى العامَّة، وما خصُّوا به من دونهم، (ص ٣٦٢).
باب (٢٠): في الأئمَّة (عليهم السلام) من يشبهون ممَّن مضى قبلهم، (ص ٣٦٥).
جمع الأحاديث في الجزء السابع: (١٩٩).
الجزء العاشر:
باب (١): في الأئمَّة، أنَّهم يعلمون العهد من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الوصيَّة إلى الذين من بعده، (ص ٤٧٠).
باب (٢): في الأئمَّة، أنَّهم يعلمون إلى من يوصون قبل موتهم، ممَّا يعلمهم الله، (ص ٤٧٣).
باب (٣): في الإمام، أنَّه يعرف من يكون بعده قبل موته، (ص ٤٧٤).
باب (٤): في الإمام الذي يُؤدِّي إلى الإمام الذي يكون من بعده، (ص ٤٧٥).
باب (٥): الوقت الذي يعرف الإمام الأخير ما عند الأوَّل، (ص ٤٧٧).

↑صفحة ٥٢↑

باب (٦): في الأئمَّة، أنَّهم لو وجدوا من يحتمل عنهم، لأعطوهم علماً لا يحتاجون إلى نظر في حلال وحرام ممَّا في عندهم، (ص ٤٧٨).
باب (٧): في الأئمَّة أنَّ بعضهم من بعض، وعلمهم بالحلال والحرام واحد، (ص ٤٧٩).
باب (٨): في الأئمَّة، في أنَّ الحجَّة والطاعة والعلم والأمر والنهي والشجاعة واحد، ولرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليٍّ (عليه السلام)، (ص ٤٨٠).
باب (٩): في الأئمَّة، أنَّهم يعرفون متى يموتون، ويعلمون ذلك قبل أنْ يأتيهم الموت عليهم، (ص ٤٨٠).
باب (١٠): الأرض لا تخلو من الحجَّة وهم الأئمَّة (عليهم السلام)، (ص ٤٨٤).
باب (١١): في الأئمَّة أنَّ الأرض لا تخلو منهم، ولو كان في الأرض اثنان، لكان أحدهما الحجَّة، (ص ٤٨٧).
باب (١٢): أنَّ الأرض لا تبقى بغير إمام؛ فلو بقيت لساخت، (ص ٤٨٨).
باب (١٣): في الأئمَّة، إذا مضى منهم إمام يعرف الذي بعده، (ص ٤٨٩).
باب (١٤): في الأئمَّة، أنَّ الخلق الذي خلف المشرق والمغرب يعرفونهم ويؤتونهم ويبرئون من أعدائهم، (ص ٤٩٠).
باب (١٥): في أنَّ الأئمَّة إذا دخلوا على سلطان وأحبُّوا أنْ يحال بينهم وبينه ففعلوا، (ص ٤٩٤).
باب (١٦): في الأئمَّة أنَّهم الذين ذكرهم الله يعرفون أهل الجنَّة والنار، (ص ٤٩٥).
باب (١٧): في الأئمَّة، أنَّهم كلَّمهم غير الحيوانات، (ص ٥٠١).

↑صفحة ٥٣↑

باب (١٨): النوادر في الأئمَّة (عليهم السلام) وأعاجيبهم، (ص ٥٠٥).
باب (١٩): في أئمَّة آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّ المستحقَّ الذي في أيدي الناس من العلوم هو الذي خرج من عندهم، وما كان من الرأي والقياس من الباطل؛ فمن عند أنفسهم، (ص ٥١٨).
باب (٢٠): في التسليم لآل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيما جاء عنهم، (ص ٥٢٠).
باب (٢١): فيه شرح أُمور النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة في أنفسهم، والردُّ على من غلا بجهلهم، ما لم يعرفوا من معنى أقاويلهم، (ص ٥٢٦).
باب (٢٢): فيمن لا يعرف الحديث، فردَّه، (ص ٥٣٧).
جمع الأحاديث في الجزء العاشر: (٢٣٨).
هذا هو الكتاب الذي زعم أحمد الكاتب أنَّه ليس فيه ذكر لعقيدة الأئمَّة الاثني عشر، وأنَّ هذه العقيدة اخترعوها فيما بعد! فبالله عليكم إذا أعطينا فهرس هذا الكتاب إلى باحث منصف من السيخ أو النصارى أو اليهود.. وسألناه عمَّ يتحدَّث هذا الكتاب؟ ألَا يقول: إنَّه يتحدَّث عن عقيدة الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة، الموجودة اليوم؟!

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٨/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٢:١٣) صباحاً.
أحمد الكاتب عضو:
الأخ العاملي المحترم.
تمهَّل قليلاً واهدأ أخي العزيز. أنا لم أُناقش عقائد الشيعة في كتاب (بصائر الدرجات) للصفَّار، وإنَّما قلت حسب قرائتي للكتاب: إنَّه لم يذكر موضوع الاثني عشريَّة، أي أنَّ الأئمَّة اثنا عشر، لأنَّها لم تكن قد نشأت بعد، ورويت لي روايتين نسبتهما إلى الكتاب، وذكرت بعض الصفحات، فراجعت الكتاب ولم

↑صفحة ٥٤↑

أعثر على أيِّ حديث يتحدَّث عن موضوع الاثني عشريَّة! فعسى أنْ أكون مشتبهاً، أو لم ألحظ الروايات، وطلبت منك أنْ تدلَّني على الجزء، والباب، ورقم الحديث الذي يتحدَّث عن الاثني عشر لأُطابقه مع النسخة التي لدي.
وإذا كنت قد نقلت الروايات عن حافظتك، فلا عيب في أنْ تقول ذلك، وتعترف بأنَّه لا يوجد في الكتاب الذي أُلِّف في القرن الثالث الهجري، أيُّ ذكر للموضوع، وشكراً. أخوك أحمد الكاتب.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٨/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٨:٥٥) صباحاً.
العاملي عضو:
أجبتك أنَّ الروايتين اللتين تنصَّان على الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)، هما في (بصائر الدرجات)، وهما في الباب الخامس من الجزء السابع من تجزئة الكتاب، ويوجد غيرهما.. وأعطيتك طبعة الكتاب، وهذا فهرسه أمامك أعلاه..
كما أرجو أنْ تلاحظ نصَّ الأحاديث وتترك المكابرة.
كما أنِّي طلبت منك أنْ تجيب الأخ التلميذ الذي ردَّ عليك من يومين، وتواصل البحث معه؛ لأنِّي سأنقطع عن الكتابة، فلم تفعل!

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٩/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٢:٢٤) صباحاً.
العاملي عضو:
هذا ما تيسَّر لي كتابته قبل سفري حول الكتاب التاريخي القيِّم (بصائر الدرجات).
ادَّعى أحمد الكاتب: أنَّ عقيدة الأئمَّة الاثني عشر من عترة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قد اختُرِعَت في القرن الرابع، يعني في سنة (٣٠٠) هجريَّة وما بعدها! زاعماً أنَّها لم يكن لها وجود في قبل ذلك! واستشهد بكتاب (بصائر الدرجات) الذي تُوفِّي

↑صفحة ٥٥↑

مؤلِّفه سنة (٢٩٠) هجريَّة، مدَّعياً أنَّه لا توجد فيه حتَّى رواية واحدة عن الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)! ولكنَّك تذهل عندما تجد أنَّ كتاب (بصائر الدرجات) على عكس ما ادِّعاه تماماً، وأنَّ محوره الأساسي تدوين الأحاديث في مجموع الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) وصفاتهم، وخصائصهم، وإلهامهم... إلخ.
ومع أنَّ موضوع الكتاب ليس عددهم وتسميتهم، ولكنَّه تضمَّن أحاديث صريحة في ذلك، من أبرزها حديث عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يُفسِّر بشارته الصحيحة عند المسلمين باثني عشر إماماً من بعده، ويقول: إنَّهم من عترته، وإنَّهم جميعاً مهديُّون من الله (تعالى) تحفُّهم الملائكة!
ومن الواضح أنَّ نقض كلام الكاتب وإثبات بطلانه لا يتوقَّف على البحث السندي في شيء من روايات (بصائر الدرجات)، لأنَّا لو فرضنا باطلاً أنَّ جميع رواياته غير صحيحة، فإنَّ تدوينها قبل القرن الرابع دليل على أنَّ فكرة الإمامة الشيعيَّة وعقيدة الاثني عشرية كانت موجودة، وليست مخترعة بعد ذلك، كما ادَّعى زوراً!
وفيما يلي مجموعة من أحاديث (بصائر الدرجات)، يلمس كلُّ منصف أنَّها تتحدَّث عن مجموعة مترابطة من أئمَّة أهل البيت النبوي، وأنَّها جميعاً تُفسِّر البشارة النبويَّة التي أجمع المسلمون على روايتها:
تصريح النبيِّ والأئمَّة بأنَّ عدد الأئمَّة اثنا عشر، وأنَّهم محدَّثون:
قال في بصائر الدرجات (باب ٥/ ص ٣٣٩):
٢ - حدَّثنا أبو طالب، عن عثمان بن عيسى، قال: كنت أنا، وأبو بصير، ومحمّد بن عمران مولى أبي جعفر بمنزله بمكَّة، قال: فقال محمّد بن عمران: سمعت أبا عبد الله يقول: «نحن اثنا عشر محدَّثاً»، قال له أبو بصير: والله لسمعت من أبي عبد الله (عليه السلام) قال؟ فحلَّفه مرَّة واثنتين أنَّه سمعت، قال أبو بصير: كذا سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول.

↑صفحة ٥٦↑

٤ - حدَّثنا عليُّ بن حسَّان، عن موسى بن بكر، عن حمران، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قال رسول الله: «من أهل بيتي اثنا عشر محدَّثاً»، فقال له عبد الله بن زيد - كان أخا عليٍّ لأُمِّه -: سبحان الله كان محدَّثاً، كالمنكر لذلك، فأقبل عليه أبو جعفر (عليه السلام)، فقال: «أمَا والله وإنَّ ابن أُمِّك بعد وقد كان يعرف ذلك»، قال: فلمَّا قال ذلك سكت الرجل، فقال أبو جعفر: «هي التي هلك فيها أبو الخطَّاب لم يدرِ تأويل المحدَّث والنبيِّ».
٥ - حدَّثنا عبد الله، عن الحسن بن موسى الخشَّاب، عن ابن سماعة وعليِّ ابن الحسين بن رباطة، عن ابن أُذينه، عن زرارة، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «الاثنا عشر الأئمَّة من آل محمّد كلُّهم محدَّث من ولد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وولد عليٍّ (عليه السلام)، فرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليٌّ (عليه السلام) هما الوالدان»، فقال عبد الرحمن ابن زيد وذكر ذلك، وكان أخاً لعليِّ بن الحسين لأُمِّه، فضرب أبو جعفر (عليه السلام) فخذه، فقال: «أمَّا ابن أُمِّك كان أحدهم»، انتهى.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٨/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٢:٢٣) مساءً.
التلميذ عضو:

m-mahdi.com

↑صفحة ٥٧↑

٦ - ير: عليُّ بن حسَّان، عن موسى بن بكر، عن حمران، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من أهل بيتي اثنا عشر محدَّثاً»، فقال له عبد الله بن زيد - كان أخا عليٍّ لأُمِّه -: سبحان الله كان محدَّثاً؟ كالمنكر لذلك(٢٧)، فأقبل عليه أبو جعفر (عليه السلام) فقال: «أمَا والله إنَّ ابن أُمِّك بعد قد كان يعرف ذلك»، قال: فلمَّا قال ذلك سكت الرجل، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «هي التي هلك فيها أبو الخطَّاب لم يدرِ تأويل المحدَّث والنبيِّ».
الرمز (ير) هو يرمز إلى كتاب (بصائر الدرجات)، فهذه الرواية نقلها العلَّامة المجلسي عن كتاب (بصائر الدرجات)، وقد أشار المعلَّق على بحار الأنوار في حاشية (ص ٦٨/ ج ٢٦) إلى مصدر الرواية، وهو كتاب بصائر الدرجات (ص ٩٢) كما هو واضح في الصورة أدناه، فهل سيدَّعي أحمد الكاتب بعد هذا عدم وجود روايات تشير إلى اثني عشر إماماً في كتاب (بصائر الدرجات)؟

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٨/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٣:٢٤) مساءً.
العاملي عضو:
أحسنت أيُّها الأخ التلميذ، وقد كتبت له نصَّ بعض الأحاديث ورقم بابها وصفحتها، وفي (بصائر الدرجات) أحاديث متعدِّدة عن الاثني عشر، وقد نشرت فهرسه، ومع ذلك ما زال صاحبنا يكابر.
أستودعك الله أيُّها الأخ الفاضل؛ لأنِّي سأنقطع عن الكتابة إلى ما بعد العيد - إنْ شاء الله -. وأرجو أنْ تهتمَّ في ردِّ شُبُهاته ودحض أباطيله، ولولا وجودك ووجود بعض الفضلاء لألغيت برنامجي الذي سيُبعدني عن الشبكة.. والله معكم.

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧) أي قال ذلك كالمنكر له.

↑صفحة ٥٨↑

حُرِّر بتاريخ (١٨/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١٠:٣٨) مساءً.
أحمد الكاتب عضو:
الأخ العاملي المحترم.
إنَّك كلَّ مرَّة تقول سوف أغادر وتعاود الحوار، وقد سألتك في المرَّة السابقة ما هو رقم الجزء والباب ورقم الحديث الذي يتحدَّث عن الاثني عشر ولم تعطني ذلك ورحت تستعرض فهرس الكتاب وأفكار المذهب حول الإمامة.
وأنا مستعدٌّ للاعتراف بذلك إذا دللتني عليه. أُريد نصَّ الحديث من نفس الكتاب، لا ما يُسنَد إليه في كُتُب أُخرى رجاءً؛ لأنَّك كما تعلم كثرة الخطأ والسهو والنسيان، حتَّى لا نقول: النسبة غير الدقيقة.
وفي كتاب (بحار الأنوار) فصل خاصٌّ عن الأحاديث التي نُسِبَت إلى كتاب سُلَيم بن قيس الهلالي ولا توجد في الكتاب.
أيُّها الأخ العاملي، لقد نقلت بعض الأحاديث عن كتاب (بصائر الدرجات) وذكرت أرقاماً للصفحات، ولم يكن نقلك دقيقاً، فأرجو أنْ تعيد النظر وتعطيني الرقم الدقيق أو تعترف بأنَّك نقلت الأحاديث من الذاكرة واختلطت عليك الأُمور وسوف أقبل اعتذارك.
صحيح أنَّ الإنسان في حالات الانفعال ومحاولة الاستدلال بأيِّ شيء قد يرتبك وتختلط عليه الأُمور، وإذا لم يكن تقيًّا فإنَّه يختلق الروايات، وينسبها إلى الله والأنبياء والأئمَّة الصالحين، وهذه مشكلة الكثير من الروايات التي وُضِعَت في أجواء الصراع الطائفي، ومحاولة كلِّ فريق مساندة رأيه، حتَّى ذهب بعض الغلاة باختلاق آيات قرآنيَّة وتضمينها معاني أو نصوصاً تُؤيِّد نظريَّاتهم، وتجد منها كثيراً في (الكافي) و(تفسير القمِّي) وغيرهما من الكُتُب التي صدرت في

↑صفحة ٥٩↑

تلك الفترة المشحونة بالصراع. وهذا ما يدعونا إلى إعادة النظر في الأحاديث والحذر والشكِّ، وعدم تقبُّل أيَّة رواية إلَّا بعد دراستها من كلِّ النواحي، ولا يكفي أنْ تُعتَبر الرواية صحيحة في منطق أصحاب المذهب.
هل تقبل الروايات التي يوردها أصحاب المذاهب الأُخرى في تمجيد أئمَّتهم؟ وهي روايات صحيحة في عرفهم ومنطقهم؟ أم تقول بضرورة عرضها على الدارس المحايد الباحث الموضوعي؟
من المؤكَّد أنَّك تقول ذلك، وإلَّا كان يجب عليك قبول كلِّ ما يدَّعيه الآخرون وهذا مشكل جدًّا.
إذن، فاقبل أنَّ بعض الروايات بحاجة إلى دراسة من خارج المذهب، ومن كلِّ الظروف المحيطة بها، ومقارنتها بروايات أُخرى وأحداث أُخرى.
الأخ التلميذ يسألني فيما إذا كانت بعض الروايات صحيحة في منطق الاثني عشريَّة. وقبل أنْ أدخل في التفاصيل معه أقول له: لا بدَّ من دراسة الروايات، والروايات التاريخيَّة بصورة مستقلَّة، وملاحظة أجواء الصراع وتدعيم كلِّ طرف لرأيه ومذهبه بما يشتهي من روايات.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٨/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١١:١١) مساءً.
العاملي عضو:
ماذا تريدني أنْ أصنع يا أحمد؟ قدَّمت لك نصَّ الروايات من نفس (بصائر الدرجات)، مع رقم الصفحة، وهويَّة نسختي، ورقم الجزء بتجزئة البصائر وهو السابع، ورقم الباب وهو الخامس، ونشرت فهرس الكتاب، وهو بالعناوين التي وضعها له مؤلِّفه (رحمه الله).. كلُّ هذا يوم أمس.. وكلُّه موجود في موضوع أسئلتي التي يجري معك النقاش فيها.. وفي موضوعي عن كتاب (بصائر الدرجات) الذي رأيته وعلَّقت عليه!

↑صفحة ٦٠↑

وبعدها طالبتني وما زلت تطالب وتقول: هل نقلتها من حفظك؟ وتنصحني بأنْ أتَّقي الله تعالى وأعترف بخطئي في النقل!
وهوِّن عليك، فأنا مسافر إنْ شاء الله، ولكن قبل سفري سأُذكِّرك بجواهر لم تعرف قيمتها من كتاب (بصائر الدرجات)، إنْ شاء الله. ولعلَّك تقول لي: تنقل من حفظك، ولا وجود لها في الكتاب!

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٩/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١٢:١٠) صباحاً.
أحمد الكاتب عضو:
أيُّها الأخ العاملي المحترم.
لقد طلبت منك إعطائي رقم الجزء، والباب، ورقم الحديث.
ولم أُشكِّك فيك، وقلت: أنا على استعداد لتقبُّل رأيك. وقد راجعت الكتاب الآن، ووجدت الحديث الذي ذكرته، وهو ضمن أحاديث مغالية تتحدَّث عن تحريف القرآن الكريم.
وبعض هذه الأحاديث مرسَل، وبعضها مرويٌّ عن الغلاة والضعفاء؛ ولذا لا يلتزم الشيعة بالقول بتحريف القرآن الكريم، ولا يقولون بزيادته ولا بنقصانه(٢٨). وشكراً على أيِّ حالٍ.
ولكن بحث موضوع الاثني عشريَّة لا يعتمد فقط على هذا الكتاب، أو ذاك وقد يكون بدأ في أواخر القرن الثالث، وكان الشيخ الصدوق، وهو في أواسط القرن الرابع الهجري لا يعتقد بقوَّة بالاثني عشرية، ويقول في إكمال الدِّين (ص ٧٧): إنَّ عدد الأئمَّة اثنا عشر، والثاني عشر هو الذي يملأ الأرض قسطاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨) وما دخل هذا بالروايات الصحيحة التي نقلها الأخ العاملي من الكتاب، أم أنَّ هذا أُسلوب جديد تتبعه في منهجك لتضعيف الحديث؟!

↑صفحة ٦١↑

وعدلاً، ثمّ يكون بعده ما يذكره من كون إمام بعده، أو قيام القيامة، ولسنا مستعبدين في ذلك إلَّا بالإقرار باثني عشر إماماً واعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر (عليه السلام) بعده.
وذكر رواية أُخرى في نفس الصفحة عن عبد الله بن الحارث، قال: قلت لعليٍّ (عليه السلام): يا أمير المؤمنين، أخبرني بما يكون من الأحداث بعد قائمكم. قال: «ذلك شيء موكول إليه، وإنَّ رسول الله عهد إليَّ أنْ لا أُخبر به إلَّا الحسن والحسين».
وعلى أيِّ حالٍ، فإنَّ موضوع الاثني عشريَّة يصحُّ ويثبت لو استطعنا إثبات وجود الإمام الثاني عشر وولادته، وإلَّا فقد نُطبِّق الرواية على أئمَّة آخرين كأنْ نضيف الإمام عبد الله الذي مسحه البعض من قائمة الأئمَّة، أو الإمام زيد بن عليٍّ فتصبح القائمة اثني عشر، ولا نحتاج لنفترض وجود وولادة الإمام محمّد بن الحسن العسكري.
والبحث طويل في موضوع الاثني عشريَّة، وأنا مستعدٌّ للبحث فيه من كلِّ جوانبه، ولكن بعد الانتهاء من موضوع إثبات ولادة الإمام الثاني عشر بالأدلَّة التاريخيَّة وليس الفلسفيَّة.
وأرجو أنْ تراجع مناقشة كلمة الشيخ الآصفي(٢٩) في مؤتمر الإمام المهدي، وتُعلِّق عليها، ففيها شيء من الحديث عن الاثني عشريَّة، ومحاولته الاستدلال بأحاديثها على ولادة المهدي.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٩/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٢٣:٠١) مساءً.
التلميذ عضو:
الحمد لله أنَّك اعترفت أيُّها الكاتب بوجود الرواية في كتاب (بصائر

↑صفحة ٦٢↑

الدرجات)، بعد أنْ كنت تُنكِر ذلك وتدَّعي عدم وجودها، وباقي كلامك يأتي عليه الردُّ والحوار سجال بيننا.

* * *

نقد الدليل الروائي النقلي:
حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠١:٤١) صباحاً.
أحمد الكاتب عضو:
لسنا بحاجة لمناقشة الاستدلال بالقرآن الكريم، أو الأحاديث العامَّة التي تتحدَّث عن (المهدي) أو (القائم)، من دون تحديد هويَّة ذلك الشخص.. فإنَّ هدف دراستنا ليس نفي مبدأ خروج المهدي في المستقبل من الأساس.. وإنَّما نهدف إلى القول: إنَّ شخصاً باسم (محمّد بن الحسن العسكري) لم يُولَد ولم يُوجَد بعد، وبالتالي فإنَّ تلك الآيات أو الأحاديث العامَّة، لا تُثبِت ولادة ذلك الإنسان أو وجوده، بالرغم من إمكانيَّة المناقشة في دلالة الآيات الكريمة على الموضوع.
أمَّا الروايات الواردة حول (الغيبة) و (الغائب)، فهي أيضاً لا تتحدَّث عن (غائب) بالتحديد.. ولا تذكر اسم (محمّد بن الحسن العسكري)، ولا تشير إلى غيبته بالخصوص.. وبالتالي فإنَّها لا يمكن أنْ تُشكِّل دليلاً على (غيبة الحجَّة بن الحسن)؛ لأنَّه لم يُولَد بعد.. ولم يغب.. وهي لا تتحدَّث عن أمر قبل وقوعه، حتَّى يكون ذلك إعجازاً ودليلاً على صحَّة الغيبة، كما قال الشيخ الصدوق.
ولا توجد في تلك الروايات أيَّة دلالة على ما ذهب إليه المتكلِّمون؛ لأنَّها لم تتضمَّن الإخبار بالشيء قبل كونه كما قال الشيخ الطوسي، ولم يحصل أيُّ إخبار مسبق من جهة علَّام الغيوب.. وذلك لأنَّ تلك الروايات كانت موجودة من قبل، وتتحدَّث عن أشخاص آخرين كانوا موجودين فعلاً، وادُّعيت لهم المهدويَّة وغابوا في الشعاب والجبال والسجون، كمحمّد بن الحنفيَّة ومحمّد بن عبد الله بن

↑صفحة ٦٣↑

الحسن (ذي النفس الزكيَّة)، والإمام موسى الكاظم (عليه السلام).. وقد حدث في ظلِّ غيبتهم أنْ تفرَّق شيعتهم واختلفوا واحتاروا.. وقد صنع أصحابهم تلك الروايات من وحي الواقع، ولأهداف خاصَّة، وبالذات الشيعة الواقفيَّة الذين كانوا يؤمنون بقوَّة بمهدويَّة الإمام الكاظم، ولـمَّا اعتقله الرشيد قالوا بغيبته، ولـمَّا تُوفِّي الإمام رفضوا الاعتراف بوفاته، وادَّعوا هروبه من السجن وغيبته غيبة كبرى لا يُرى فيها، واعتبروا مرحلة السجن غيبة صغرى. وقد كانت الغيبة الكبرى أطول من الغيبة الصغرى؛ لأنَّها امتدَّت بلا حدود. وكان الواقفيَّة قد استعاروا أحاديث الغيبة ممَّن سبقهم من الحركات المهدويَّة، وطبَّقوها على الإمام الكاظم.
وإذا توقَّفنا عند الرواية التي يذكرها النعماني حول الغيبة، والتي يقول عنها: (لو لم يكن يُروى في الغيبة إلَّا هذا الحديث، لكان فيها كفاية لمن تأمَّلها)، لوجدنا أنَّها تتحدَّث عن الوفاة والقتل والذهاب لإمام موجود ومعروف سابقاً..
بينما يحتاج هو - أي النعماني - أنْ يُثبِت وجود (الإمام محمّد بن الحسن العسكري) أوَّلاً، حتَّى يستطيع أنْ ينسب إليه تلك الأفعال لاحقاً(٣٠).
لقد كان المتكلِّمون في البداية (في القرن الثالث الهجري) يحاولون إثبات صحَّة فرضيَّة (وجود الإمام الثاني عشر ابن الحسن)، ولم يكونوا يتحدَّثون عن (المهدي والمهدويَّة)، إذ إنَّهم كانوا بحاجة إلى إثبات وجود العرش قبل إثبات النقش.. ولكن الأزمة التي وقعوا فيها بعد القول بوجود (ابن الحسن)، وهي: (عدم ظهور الإمام للقيام بمهمَّات الإمامة) دفعتهم إلى البحث والتنقيب في تراث الفِرَق الشيعيَّة القديمة، كالكيسانيَّة والواقفيَّة، والتفتيش عن مخرج للأزمة والحيرة، ووجدوا في أحاديث المهدويَّة القديمة أفضل حلٍّ للخروج من أزمة عدم الظهور، ودليلاً جديداً على إثبات فرضيَّة (وجود ابن الحسن) في نفس الوقت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) راجع نصَّ كلمة الشيخ الآصفي في صفحة (١٩٣)، وراجع مناقشة أحمد الكاتب لها في صفحة (٢١١).

(٣٠) الأجدر بك أنْ تذكر الرواية ليقرأها القارئ ونرى هل تُفهَم كما فهمتها.

↑صفحة ٦٤↑

ومن هنا فقد تطوَّرت الفرضيَّة التي كانت مهتمَّة بإثبات (وجود الإمام الثاني عشر) إلى الحديث عن (مهدويَّته)، وأصبح الحديث يدور حول (وجود الإمام المهدي بن الحسن العسكري)، وذلك انطلاقاً من حالة الفراغ والغيبة وعدم المشاهدة، والاستنتاج منها: أنَّ الشخص المفترض أنَّه الإمام والذي لا يُشاهد: هو المهدي صاحب الغيبة، وأنَّ سبب عدم مشاهدته هو: الغيبة!
وإذا كان يصحُّ الاستدلال بتلك الروايات على مهدويَّة الأئمَّة السابقين المعروفين الذين غابوا في السجون أو الشعاب أو في سائر أنحاء الأرض، فإنَّه لا يمكن الاستدلال بها على صحَّة فرضيَّة (وجود ابن الحسن).. وذلك لأنَّ وجوده كان موضع شكٍّ واختلاف بين أصحاب الإمام الحسن العسكري، وإنَّ عمليَّة الاستدلال بها على (مهدويَّة ابن الحسن) بحاجة أوَّلاً إلى الاستدلال على وجوده، وإثبات ذلك قبل الحديث عن إمامته ومهدويَّته وغيبته وما إلى ذلك.
وإنَّ الاستدلال بالغيبة على الوجود، بدون إثبات ذلك من قبل، يشبه عمليَّة الاستدلال على وجود ماء في إناء، بالقول: إنَّ الماء لا رائحة له ولا لون.. ونحن لا نشمُّ رائحة ولا نرى لوناً في هذا الإناء.. إذن فإنَّ فيه ماء! إذا كان ذلك لا يجوز إلَّا بعد إثبات وجود شيء سائل في الإناء ثمّ القول: إنَّ هذا السائل ليس له لون ولا رائحة.. فإذن هو ماء، فإنَّ عمليَّة إثبات وجود (ابن الحسن) كذلك تحتاج أوَّلاً إلى إثبات وجوده وإمامته ومهدويَّته.. ثمّ إثبات غيبته، لا أنْ يتمَّ عكس الاستدلال، فيُتَّخذ من المجهول والعدم و(الغيبة) دليلاً على إثبات الوجود والإمامة والمهدويَّة لشخص لا يزال موضع بحث ونقاش!
إذن فلا يمكن في الحقيقة الاستدلال بأحاديث (الغيبة) العامَّة والغامضة والضعيفة على إثبات وجود (الإمام محمّد بن الحسن العسكري).
وقد حاول بعض المنظِّرين لموضوع (الغيبة) أنْ يستشهدوا بحديث الغيبتين

↑صفحة ٦٥↑

الصغرى والكبرى ليُثبِتوا صحَّة (نظريَّة وجود ابن الحسن)، ولكن حكاية (الغيبتين) نفسها لم تثبت في التاريخ، ولا يوجد عليها دليل سوى موضوع (النيابة الخاصَّة) التي ادَّعاها بعض الأشخاص، وهي لم تثبت لهم في ذلك الزمان، وكان الشيعة القائلون بوجود (ابن الحسن) يختلفون فيما بينهم حول صحَّة ادِّعاء هذا الشخص أو ذاك بالنيابة الخاصَّة التي كان قد ادَّعاها حوالي عشرين شخصاً أكثرهم من الغلاة.
ومن هنا فإنَّ الحدَّ الفاصل بين الغيبتين: الصغرى والكبرى كان حدًّا وهميًّا لم يثبت في التاريخ. ويلاحظ أنَّ الاستشهاد بـ (الغيبتين) قد ابتدأه النعماني في منتصف القرن الرابع الهجري، بعد انتهاء عهد (النوَّاب الخاصِّين)، ولم يشر إليه من سبقه من المؤلِّفين حول (الغيبة) الذين اكتفوا بالإشارة إلى الغيبة الواحدة.
وقد اعترف السيِّد المرتضى علم الهدى والشيخ الطوسي لدى الحديث عن أسباب الغيبة: أنَّ من الضروري أوَّلاً بحث موضوع الوجود والإمامة لـ (ابن الحسن العسكري) قبل الحديث عن الغيبة وأسبابها.
وقالا: إنَّ من شكَّ في إمامة ابن الحسن يجب أنْ يكون الكلام معه في نصِّ إمامته، والتشاغل بالدلالة عليها، ولا يجوز مع الشكِّ فيها أنْ نتكلَّم في سبب الغيبة؛ لأنَّ الكلام في الفرع لا يسوغ إلَّا بعد إحكام الأُصول.
دليل الاثني عشريَّة:
وهذا دليل متأخِّر.. بدأ المتكلِّمون يستخدمونه بعد أكثر من نصف قرن من الحيرة، أي في القرن الرابع الهجري، ولم يكن له أثر في القرن الثالث عند الشيعة الإماميَّة، حيث لم يشر إليه الشيخ عليُّ بن بابويه الصدوق في كتابه: (الإمامة والتبصرة من الحيرة)، كما لم يشر إليه النوبختي في كتابه: (فِرَق الشيعة)، ولا سعد ابن عبد الله الأشعري القمِّي في: (المقالات والفِرَق).. وذلك لأنَّ النظريَّة (الاثني

↑صفحة ٦٦↑

عشريَّة) طرأت على الإماميَّة في القرن الرابع، بعد أنْ كانت النظريَّة الإماميَّة ممتدَّة إلى آخر الزمان بلا حدود ولا حصر في عدد معيَّن، كما هو الحال عند الإسماعيليِّين والزيديَّة.. لأنَّها كانت موازية لنظريَّة الشورى وبديلاً عنها.. فما دام في الأرض مسلمون ويحتاجون إلى دولة وإمام، وكان محرَّماً عليهم اللجوء إلى الشورى والانتخاب - كما تقول النظريَّة الإماميَّة - كان لا بدَّ أنْ يُعيِّن الله لهم إماماً معصوماً منصوصاً عليه.. فلماذا إذن يحصر عدد الأئمَّة في اثني عشر واحداً فقط؟
من هنا لم يكن الإماميُّون يقولون بالعدد المحدود في الأئمَّة، ولم يكن حتَّى الذين قالوا بوجود (الإمام محمّد بن الحسن العسكري) يعتقدون في البداية أنَّه خاتم الأئمَّة، وهذا النوبختي يقول في كتابه (فِرَق الشيعة): (إنَّ الإمامة ستستمرُّ في أعقاب الإمام الثاني عشر إلى يوم القيامة). (اُنظر: المصدر: الفرقة التي قالت بوجود ولد للعسكري).
تشير روايات كثيرة يذكرها الصفَّار في (بصائر الدرجات) والكليني في (الكافي) والحميري في (قرب الإسناد) والعيَّاشي في (تفسيره)، والمفيد في (الإرشاد) والحرُّ العاملي في (إثبات الهداة)، وغيرهم وغيرهم.. إلى أنَّ الأئمَّة أنفسهم لم يكونوا يعرفون بحكاية القائمة المسبقة المعدَّة منذ زمان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعدم معرفتهم بإمامتهم أو بإمامة الإمام اللَّاحق من بعدهم إلَّا قرب وفاتهم، فضلاً عن الشيعة أو الإماميَّة أنفسهم الذين كانوا يقعون في حيرة واختلاف بعد وفاة كلِّ إمام، وكانوا يتوسَّلون لكلِّ إمام أنْ يُعيِّن اللَّاحق بعده ويُسمِّيه بوضوح لكي لا يموتوا وهم لا يعرفون الإمام الجديد.
يروي الصفَّار في (بصائر الدرجات/ باب أنَّ الأئمَّة يعلمون إلى من يوصون قبل وفاتهم ممَّا يعلمهم الله) حديثاً عن الإمام الصادق يقول فيه: «ما مات عالم حتَّى يعلمه الله إلى من يوصي»، كما يرويه الكليني في (الكافي)، ويروي أيضاً

↑صفحة ٦٧↑

عنه (عليه السلام): «لا يموت الإمام حتَّى يعلم من بعده فيُوصي إليه» وهو ما يدلُّ على عدم معرفة الأئمَّة من قبل بأسماء خلفائهم، أو بوجود قائمة مسبقة بهم. وقد ذهب الصفَّار والصدوق والكليني أبعد من ذلك فرووا عن أبي عبد الله أنَّه قال: «إنَّ الإمام اللَّاحق يعرف إمامته وينتهي إليه الأمر في آخر دقيقة من حياة الأوَّل»(٣١).
ونتيجةً لذلك فقد طُرِحَت عدَّة أسئلة في حياة أهل البيت، وهي: كيف يعرف الإمام إمامته إذا مات أبوه بعيداً عنه في مدينة أُخرى؟ وكيف يعرف أنَّه إمام إذا كان قد أوصى إلى جماعة؟ أو لم يوصِ أبداً؟ وكيف يعرف الناس أنَّه أصبح إماماً؟ خاصَّةً إذا تنازع الإخوة الإمامة وادَّعى كلُّ واحد منهم الوصيَّة، كما حدث لعدد من الأئمَّة في التاريخ.
روى الكليني حديثاً عن أحد العلويِّين هو عيسى بن عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليِّ بن أبي طالب، قال قلت لأبي عبد الله:
إنْ كان كونٌ - ولا أراني الله ذلك - فبمن أأتمُّ؟ قال: فأومأ إلى ابنه موسى، قلت: فإنْ حدث بموسى حدث فمن أأتمُّ؟ قال: «بولده»، قلت: فإنْ حدث بولده حدث، وترك أخاً كبيراً وابناً صغيراً فبمن أأتمُّ؟ قال: «بولده»، ثمّ قال: «هكذا أبداً». قلت: فإنْ لم أعرفه ولا أعرف موضعه؟ قال: «تقول: اللَّهُمَّ إنِّي أتولَّى من بقي من حُجَجك من ولد الإمام الماضي، فإنَّ ذلك يجزيك إنْ شاء الله».
وهذا الحديث يدلُّ على عدم وجود قائمة مسبقة بأسماء الأئمَّة من قبل، وعدم معرفة علوي إمامي مثل عيسى بن عبد الله بها، وإمكانيَّة وقوعه في الحيرة والجهل، ولو كانت القائمة موجودة من قبل لأشار الإمام إليها(٣٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١) لو أطلعتنا على هذا الحديث لكان أبلغ في دعواك.
(٣٢) هذه الرواية تُثبِت خلاف مدَّعاك من أنَّ الإمام لا يعرف من بعده إلَّا عند موته، فكيف أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) يُخبِر عن اسم الإمام اللَّاحق وهو الكاظم موسى بن جعفر (عليه السلام) مع أنَّ الإمام لم يكن في آخر دقيقة من حياته أو آخر عمره؟

↑صفحة ٦٨↑

وبسبب غموض هويَّة الأئمَّة اللَّاحقين لجماهير الشيعة والإماميَّة، فقد كانوا يسألون الأئمَّة دائماً عن الموقف الواجب اتِّخاذه عند وفاة أحد الأئمَّة.
ينقل الكليني وابن بابويه والعيَّاشي حديثاً عن يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله، قال: قلت له: إذا حدث للإمام حدث كيف يصنع الناس؟ قال: «يكونون كما قال الله تعالى: ﴿فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]».
قلت: فما حالهم؟ قال: «هم في عذر ما داموا في الطلب، وهؤلاء الذين ينتظرونهم في عذر حتَّى يرجع إليهم أصحابهم».
وهناك رواية أُخرى مشابهة عن زرارة بن أعين الذي ابتُلي بهذه المشكلة، ومات بُعَيد وفاة الإمام الصادق، ولم يكن يعرف الإمام الجديد، فوضع القرآن على صدره وقال: (اللَّهُمَّ اشهد أنِّي أُثبت من يقول بإمامته هذا الكتاب). وقد كان زرارة من أعظم تلاميذ الإمامين الباقر والصادق، ولكنَّه لم يعرف خليفة الإمام الصادق، فأرسل ابنه عبيد الله إلى المدينة لكي يستطلع له الإمام الجديد، فمات قبل أنْ يعود إليه ابنه ومن دون أنْ يعرف من هو الإمام(٣٣)؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣) إنَّ الكاتب لو تأمَّل في الحديث قليلاً لما نقله؛ لأنَّه عليه لا له وذلك:
أوّلاً: أنَّ الحديث يُثبِت ضرورة وجود إمام في كلِّ زمان، هذا ولو سلَّمنا جدلاً بأنَّ زرارة لا يعرف اسم الإمام اللَّاحق ولا نسبه، إلَّا أنَّه لم يُنكِر إمامة الإمام الذي لا بدَّ أنْ يكون في كلِّ زمان بنصِّ القرآن الذي أشهده زرارة في الرواية.
ثانياً: أنَّ زرارة بعث بابنه ليرى من الإمام هل يُؤذَن له في كشف الأمر أم يلتزم بالتقيَّة؟ وهذا ما يُخبِر به الإمام الرضا (عليه السلام) في الصحيح الذي يرويه الصدوق في (إكمال الدِّين) في نفس الصفحة التي يذكر فيها خبر زرارة الذي نقله الكاتب وغضَّ البصر عن هذه الصحيحة التي نقلها الشيخ أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا عليُّ بن إبراهيم بن هاشم، قال: حدَّثني محمّد ابن عيسى بن عبيد، عن إبراهيم بن محمّد الهمداني (رضي الله عنه)، قال: قلت للرضا (عليه السلام): يا ابن رسول الله، أخبرني عن زرارة هل كان يعرف حقَّ أبيك (عليه السلام)؟ فقال: «نعم»، فقلت له: فلِمَ بعث ابنه عبيداً ليتعرَّف الخبر إلى من أوصى الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام)؟ فقال: «إنَّ زرارة كان يعرف أمر أبي (عليه السلام) ونصَّ أبيه عليه وإنَّما بعث ابنه ليتعرَّف من أبي (عليه السلام) هل يجوز له أنْ يرفع التقيَّة في إظهار أمره ونصَّ أبيه عليه، وأنَّه لـمَّا أبطأ عنه ابنه طولب بإظهار قوله في أبي (عليه السلام) فلم يُحِبّ أنْ يقدم على ذلك دون أمره، فرفع المصحف وقال: اللَّهُمَّ إنَّ إمامي من أثبت هذا المصحف إمامته من ولد جعفر بن محمّد (عليه السلام)». توثيق الرواية: كمال الدِّين وتمام النعمة/ الشيخ الصدوق (ج ١/ ص ٧٥) نشر مؤسَّسة النشر الإسلامي.
ثالثاً: أنَّ التواتر على أقسام وقد بيَّنه الأخ محمّد منصور فيما سيأتي، راجع ملاحظة سريعة على منهجيَّة أحمد الكاتب ونقدها.

↑صفحة ٦٩↑

وتقول روايات عديدة يذكرها الكليني في (الكافي)، والمفيد في (الإرشاد)، والطوسي في (الغيبة): إنَّ الإمام الهادي أوصى في البداية إلى ابنه السيِّد محمّد، ولكنَّه تُوفِّي في حياة أبيه، فأوصى للإمام الحسن وقال له: «لقد بدا لله في محمّد كما بدا في إسماعيل.. يا بنيَّ أحدث لله شكراً فقد أحدث فيك أمراً، أو نعمةً».
وإذا كانت روايات القائمة المسبقة بأسماء الاثني عشر صحيحة وموجودة من قبل، فلماذا لم يعرفها الشيعة الإماميَّة الذين اختلفوا واحتاروا بعد وفاة الإمام الحسن العسكري، ولم يشر إليها المحدِّثون أو المؤرِّخون الإماميَّة في القرن الثالث الهجري؟
إنَّ نظريَّة (الاثني عشريَّة) لم تكن مستقرَّة في العقل الإمامي حتَّى منتصف القرن الرابع الهجري.. حيث أبدى الشيخ محمّد بن عليٍّ الصدوق شكَّه بتحديد الأئمَّة في اثني عشر إماماً فقط، وقال: لسنا مستعبدين في ذلك إلَّا بالإقرار باثني عشر إماماً، واعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر بعده(٣٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤) روى الشيخ الصدوق في (كمال الدِّين) وغيره الكثير من الروايات التي تذكر عدَّة الأئمَّة (عليهم السلام) وروى الروايات التي تقول باثني عشر مهديًّا بعد المهدي، وفسَّرها بما ذكره الإمام الصادق (عليه السلام) من أنَّهم شيعة الأئمَّة وأعضادهم. وننقل هذه الرواية التي يذكرها الشيخ في كتاب (معاني الأخبار) عن الإمام الصادق (عليه السلام): قيل له: يا ابن رسول الله، سمعت عن أبيك أنَّه قال: «يكون بعد القائم اثنا عشر مهديًّا». فقال: «إنَّما قال: اثنا عشر مهديًّا ولم يقل: اثنا عشر إماماً، ولكنَّهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا ومعرفة حقِّنا». نقلاً عن كشكول المحقِّق البحراني (ج ٣/ ص ١٨٩).

↑صفحة ٧٠↑

ونقل الكفعمي في (المصباح) عن الإمام الرضا (عليه السلام) الدعاء التالي حول (صاحب الزمان): «... اللَّهُمَّ صلِّ على ولاة عهده والأئمَّة من بعده».
وروى الصدوق عدَّة روايات حول احتمال امتداد الإمامة بعد الثاني عشر، وعدم الاقتصار عليه، وكان منها رواية الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حول غموض الأمر بعد القائم، وأنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد عهد إليه: أنْ لا يخبر أحداً بذلك إلَّا الحسن والحسين، وأنَّه قال: «لا تسألوني عمَّا يكون بعد هذا، فقد عهد إليَّ حبيبي أنْ لا أُخبر به غير عترتي».
وروى الطوسي في (الغيبة): أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال لعليٍّ: «يا عليُّ، إنَّه سيكون بعدي اثنا عشر إماماً، ومن بعدهم اثنا عشر مهديًّا، فأنت يا عليُّ أوَّل الاثني عشر إماماً... ثمّ يكون من بعده اثنا عشر مهديًّا».
وعندما نشأت فكرة تحديد عدد الأئمَّة، بعد القول بوجود وغيبة (محمّد بن الحسن العسكري)، كاد الشيعة الإماميَّة يختلفون فيما بينهم حول تحديد عددهم باثني عشر أو ثلاثة عشر، إذ برزت في ذلك الوقت روايات تقول بأنَّ عدد الأئمَّة ثلاثة عشر، وقد نقلها الكليني في (الكافي)، ووُجِدَت في الكتاب الذي ظهر في تلك الفترة ونُسِبَ إلى سُلَيم بن قيس الهلالي، حيث تقول إحدى الروايات: إنَّ النبيَّ قال لأمير المؤمنين: «أنت واثنا عشر من ولدك أئمَّة الحقِّ». وهذا ما دفع هبة الله بن أحمد بن محمّد الكاتب، حفيد أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري، الذي كان

↑صفحة ٧١↑

يتعاطى (الكلام) لأنْ يُؤلِّف كتاباً في الإمامة، يقول فيه: إنَّ الأئمَّة ثلاثة عشر، ويضيف إلى القائمة المعروفة (زيد بن عليٍّ) كما يقول النجاشي في (رجاله)(٣٥).
وقد ذكر المؤرِّخ الشيعي المسعودي (تُوفِّي سنة ٣٤٥هـ) في (التنبيه والإشراف): (إنَّ أصل القول في حصر عدد الأئمَّة باثني عشر ما ذكره سُلَيم بن قيس الهلالي في كتابه).
وكان كتاب سُلَيم قد ظهر في بداية القرن الرابع الهجري، وتضمَّن قائمة بأسماء الأئمَّة الاثني عشر، التي يقول عنها: إنَّها كانت معروفة منذ عهد رسول الله وإنَّه هو الذي قد أعلنها من قبل. وأدَّى ظهور هذا الكتاب إلى تكوُّن الفرقة (الاثني عشريَّة) في القرن الرابع الهجري.. ثمّ بدأ الرواة يختلقون الروايات شيئاً فشيئاً، ولم يذكر الكليني في (الكافي) سوى سبع عشرة رواية، ثمّ جاء الصدوق بعده بخمسين عاماً ليزيدها إلى بضع وثلاثين رواية.. ثمّ يأتي تلميذه الخزَّاز ليجعلها مائتي رواية(٣٦)!
المفيد يُضعِّف كتاب سُلَيم:
وكان اعتماد الكليني والنعماني والصدوق في قولهم بالنظريَّة (الاثني عشريَّة) على كتاب سُلَيم الذي وصفه النعماني بأنَّه من الأُصول التي يرجع إليها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥) هذه الروايات مع ضعف سندها ليس مفادها زيادة العدد في الأئمَّة، وإنَّما تُبيِّن وجود مصطفين ليس لهم مقام الإمامة، كمريم بنت عمران (عليها السلام)، ويكفي أنْ تلحظ الفارق في الرواية بين (اثنا عشر إماماً واثنا عشر مهديًّا)، مضافاً إلى وجود روايات عديدة ومستفيضة بل متواترة في رجعة الأئمَّة (عليهم السلام) قبل وفاة الإمام الثاني عشر.
(٣٦) إذا اختلق علماء الشيعة الاثني عشريَّة هذه الروايات، فماذا تقول - يا مسيء الأدب - في روايات الاثني عشر الموجودة في كُتُب الحديث لعلماء السُّنَّة، كالبخاري ومسلم والإمام ابن حنبل وغيرهم، فهل هي من اختلاق علماء الشيعة أيضاً؟ وهل هي من القرن الرابع الهجري يا متتبِّع؟!

↑صفحة ٧٢↑

الشيعة ويُعوِّلون عليها(٣٧)، ولكن عامَّة الشيعة في ذلك الزمان كانوا يشكُّون في وضع واختلاق كتاب سُلَيم، وذلك لروايته عن طريق (محمّد بن عليٍّ الصيرفي أبي سمينة) الكذَّاب المشهور، و(أحمد بن هلال العبرتائي) الغالي الملعون، وقد قال ابن الغضائري: (كان أصحابنا يقولون: إنَّ سُلَيماً لا يُعرَف ولا ذكر له... والكتاب موضوع لا مريَّة فيه، وعلى ذلك علامات تدلُّ على ما ذكرنا...).
وقد ضعَّف الشيخ المفيد (كتاب سُلَيم) وقال: (إنَّه غير موثوق به ولا يجوز العمل على أكثره، وقد حصل فيه تخليط وتدليس، فينبغي للمتديِّن أنْ يتجنَّب العمل بكلِّ ما فيه ولا يُعوِّل على جملته والتقليد لروايته، وليفزع إلى العلماء فيما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧) هذا كذب وافتراء منك يا كاتب؛ لأنَّهم ينقلون عن الأُصول الأربعمائة وغيرها من مئات مصادر الكُتُب الروائيَّة الشيعيَّة التي استقصى منها الشيخ في الفهرست، والنجاشي في فهرسته أيضاً وغيرها من المصادر، وإنْ أردت بعض مصادر الحديث من كُتُب السُّنَّة، فإليك بعضها: مسند أحمد (ج ٥/ ص ٨٩ و٩٠ و٩٢)، مستدرك الحاكم (ج ٤/ ص ٥٠١)، مجمع الزوائد (ج ٥/ ص ١٩٠)، كنز العُمَّال (ج ٦/ ص ٢٠١ و٢٠٦)، صحيح البخاري (ج ٩/ ص ١٠١)، صحيح مسلم (ج ٢/ ص ١٩٢)، تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص ١٠)، صحيح الترمذي (ج ٢/ ص ٣٥)، والعديد غيرها فإنْ شئت المزيد، فراجع إحقاق الحقِّ وملحقاته، والعبقات، والغدير للأميني، وكُتُب السيِّد عبد الحسين شرف الدِّين وغيرها.
وأمَّا كذبك بأنَّ الكليني والنعماني والصدوق اعتمدوا في قولهم بالنظريَّة الاثني عشرية على كتاب سُلَيم بن قيس، فهذا كذب بيِّن لأدنى متتبِّع، فأمَّا الكليني فلم نعثر على رواية ذكرها في النصِّ على الأئمَّة (عليهم السلام) وأسمائهم وعدَّتهم استخرجها عن كتاب سُلَيم بن قيس، بل الموجود من غيره من كُتُب الإماميَّة، وأمَّا النعماني فقد ذكر طُرُقاً عديدة من كُتُب أُخرى وذكر من كتاب سُلَيم بن قيس، مع العلم أنَّ طريق النعماني إلى نسخة سُلَيم لا تنحصر بأبان بن أبي عيَّاش. كما أنَّ الصدوق في أجوبته للزيديَّة (كتاب كمال الدِّين) ذكر طُرُقاً أُخرى، ولم يحصرها بكتاب سُلَيم بن قيس، وقال: إنَّه خبر قد روته طبقات الإماميَّة بالشهرة والاستفاضة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فضلاً عن العامَّة. وكذا الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة قد ذكر طُرُقه إلى العديد من الكُتُب غير كتاب سُلَيم في باب الروايات في الاثني عشر. هذا غير ما ذكره هؤلاء الأعلام (قدّس سرّهم) من روايات بطُرُق أُخرى متواترة دالَّة على كبرى الإمامة.

↑صفحة ٧٣↑

تضمَّنه من الأحاديث ليوقفوه على الصحيح منها والفاسد). (المفيد: أوائل المقالات وشرح اعتقادات الصدوق)(٣٨).
وانتقد المفيدُ الصدوقَ على نقله الكتاب واعتماده عليه وعزَّا ذلك إلى منهج الصدوق الإخباري، وقال عنه: (إنَّه على مذهب أصحاب الحديث في العمل على ظواهر الألفاظ والعدول عن طُرُق الاعتبار، وهذا رأي يضرُّ صاحبه في دينه ويمنعه المقام عليه عن الاستبصار).
ومن هنا فقد اعترض الزيديَّة على الإماميَّة وقالوا: إنَّ الرواية التي دلَّت على أنَّ الأئمَّة اثنا عشر قولٌ أحدثه الإماميَّة قريباً، وولَّدوا فيه أحاديث كاذبة، واستشهدوا على ذلك بتفرُّق الشيعة بعد وفاة كلِّ إمام إلى عدَّة فِرَق، وعدم معرفتهم للإمام بعد الإمام، وحدوث البداء في إسماعيل ومحمّد بن عليٍّ، وجلوس عبد الله الأفطح للإمامة وإقبال الشيعة إليه وحيرتهم بعد امتحانه، وعدم معرفتهم الكاظم حتَّى دعاهم إلى نفسه، وموت الفقيه زرارة بن أعين دون معرفته بالإمام.
وقد نقل الصدوق اتِّهاماتهم للإماميَّة بإحداث النظريَّة (الاثني عشريَّة) في وقت متأخِّر، ولم ينفِ التهمة ولم يردّ عليها، وإنَّما برَّر ذلك بالقول: (إنَّ الإماميَّة لم يقولوا: إنَّ جميع الشيعة بما فيهم زرارة كانوا يعرفون الأئمَّة الاثني عشر)، ثمّ انتبه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨) إنَّ في تمام نقلك تدليساً وافتراءً وأباطيلَ لم تراع فيها الخشية من الله (عزَّ وجلَّ)، ولم تراع أدنى أمانة في النقل. فقد ذكر الشيخ المفيد في كتابه (تصحيح الاعتقاد) في آخر الكتاب تحت عنوان في الأحاديث المختلفة ما نصُّه، قال: (وأمَّا ما تعلَّق به أبو جعفر (قدّس سرّه) من حديث سُلَيم الذي رجع فيه إلى الكتاب المضاف إليه برواية أبان بن أبي عيَّاش، فالمعنى فيه صحيح). ثمّ ذكر أنَّ الصحيح التفصيل في العمل بروايات ذلك الكتاب. هذا كما ترى شأنه شأن بقيَّة كُتُب الروايات في لزوم العمل برواياتها على طبق الموازين لا مطلقاً، ولم يطعن على الشيخ الصدوق بشيء، إنَّما انتقد بعض المطالب التي لا يتحمَّلها بعض الناس والتي أوردها الشيخ الصدوق (قدّس سرّه) حيث تُسبِّب ارتجاعاً عليهم وتشكُّل معانيها على أفهامهم. فكم هي الفاصلة بين هذا وما دلَّسته، كما هي عادتك في النقل من المصادر.

↑صفحة ٧٤↑

الصدوق إلى منزلة زرارة وعدم إمكانيَّة جهله بأيِّ حديث من هذا القبيل، وهو أعظم تلامذة الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)، فتراجع عن كلامه وقال باحتمال علم زرارة بالحديث وإخفائه للتقيَّة، ثمّ عاد فتراجع عن هذا الاحتمال وقال: (إنَّ الكاظم قد استوهبه من ربِّه لجهله بالإمام؛ لأنَّ الشاكَّ فيه على غير دين الله).
وهذا ما يناقض دعوى الخزَّاز في (كفاية الأثر) والطوسي في (الغيبة) بتواتر أحاديث (الاثني عشرية) عن طريق الشيعة، ويُثبِت أنْ لا أساس لها من الصحَّة في الأجيال الأُولى، وخاصَّة في عهود الأئمَّة من آل البيت (عليهم السلام) حيث لم يكن يوجد لها أيُّ أثر، خاصَّةً أنَّ الطوسي لم يذكر الكُتُب الشيعيَّة القديمة التي زعم أنَّها تتحدَّث عن (الاثني عشرية)، وقد تهرَّب الخزَّاز من مناقشة تهمة الوضع المتأخِّر، وحاول أنْ ينفي تهمة الوضع من قِبَل الصحابة والتابعين لأهل البيت. في حين أنَّ التهمة لم تكن موجَّهة إلى الصحابة والتابعين لأهل البيت، وإنَّما إلى بعض الرواة المتأخِّرين الذين اختلقوا كتاب سُلَيم في عصر الحيرة. من أمثال (أبي سمينة)، و(العبرتائي)، و(عليِّ بن إبراهيم القمِّي).
أين الدلالة؟
هذا وإنَّ معظم الأحاديث التي تتحدَّث عن حصر الأئمَّة في اثني عشر، وكذلك جميع الأحاديث الواردة عن طريق السُّنَّة لا تذكر أسماء الأئمَّة أو الخلفاء أو الأُمراء بالتفصيل.. وإنَّ الأحاديث السُّنّيَّة بالذات لا تحصرهم في اثني عشر، وإنَّما تشير إلى وقوع الهرج بعد الثاني عشر من الخلفاء، كما في رواية الطوسي عن جابر بن سمرة، أو تتحدَّث عن النصر للدِّين، أو لأهل الدِّين، حتَّى مضيِّ اثني عشر خليفة.
ولو أخذنا بنظريَّة الشيعة الإماميَّة الفطحيَّة الذين لا يشترطون الوراثة العموديَّة في الإمامة، لأصبح الإمام الحسن العسكري هو الإمام الثاني عشر، بعد

↑صفحة ٧٥↑

الإقرار بإمامة عبد الله الأفطح بن الصادق، أو الاعتراف بإمامة زيد بن عليٍّ، الذي اعترف به قسم من الإماميَّة.
إذن.. فإنَّ الاستدلال بأحاديث (الاثني عشريَّة) العامَّة والغامضة والضعيفة دون وجود دليل علمي على ولادة (محمّد بن الحسن العسكري) هو نوع من الافتراض والظنِّ والتخمين.. وليس استدلالاً علميًّا قاطعاً..
لا بدَّ من إمام حيّ ظاهر يُعرَف!
أمَّا الدليل النقلي الأخير القائل بضرورة وجود الإمام في كلِّ عصر، وعدم جواز خلو الأرض من حجَّة.. فهو دليل ينقض نفسه بنفسه، إذ ما معنى الإمام والحجَّة؟ وما الفائدة منهما؟ أليس لهداية الناس وإدارة المجتمع وتنفيذ الأحكام الشرعيَّة؟ فكيف يمكن للإمام الغائب - على فرض وجوده - أنْ يقوم بكلِّ ذلك؟ وإذا كان الإمام الغائب يقوم بمهمَّة الإمامة والحجّيَّة، فلماذا شعر الفقهاء بالحاجة إلى الإمام والحجَّة في عصر الغيبة؟
وإذا كان الهدف من وجوده هو إدارة الكون كما يقول بعض الغلاة، فإنَّ الله سبحانه وتعالى لديه ملائكة كثيرون يقومون بذلك..
وقد ردَّ الإمام عليُّ بن موسى الرضا (عليه السلام) على الواقفيَّة الذين قالوا بغيبة أبيه (الإمام الكاظم) بأنَّه لا بدَّ من إمام حيّ ظاهر، يعرفه الناس ويرجعون إليه! وقال: إنَّ الحجَّة لا تقوم لله على خلقه إلَّا بإمام حيّ يُعرَف، ومن مات بغير إمام مات ميتة جاهليَّة.. إمام حيّ يعرفه.. وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من مات، وليس له إمام يسمع له ويطيع، مات ميتة جاهليَّة».
وقال الإمام الرضا لأحد الواقفيَّة: «من مات وليس عليه إمام حيّ ظاهر، مات ميتة جاهليَّة»، فسأله مستوضحاً مركِّزاً على كلمة (إمام حيّ) فأكَّد له مرَّة أُخرى: (إمام حيّ).

↑صفحة ٧٦↑

إنَّ منشأ هذه الفكرة هي المقدَّمة الأُولى العقليَّة لنظريَّة الإمامة، والمقصود منها: ضرورة وجود عموم الإمام - أي الرئيس - في الأرض، وعدم جواز بقاء المجتمع بلا حكومة، أيَّة حكومة وأيَّ إمام.. وإذا كانت قد تطوَّرت إلى ضرورة وجود (الإمام المعصوم المعيَّن من قِبَل الله)، فإنَّ الإصرار عليها والاستنتاج منها: وجود (الإمام محمّد بن الحسن العسكري) واستمرار حياته إلى اليوم، هو أيضاً نوع من الافتراض والظنِّ والتخمين.
فأين هو الإمام المعلِّم الهادي والمطبِّق لأحكام الله الذي يحافظ على الشريعة من الزيادة والنقصان؟
وحتَّى لو صحَّت تلك الأحاديث، فقد يكون الإمام شخصاً آخر.. إذا لم يكن المقصود به مطلق الإمام أو مطلق الحجَّة والعالم بأحكام الدِّين.

* * *

نقد الدليل التاريـخي (١)
وهذا موضوع آخر من كتابه يسطره على صفحة الحوار، بعنوان نقد الدليل التاريخي، وقد أنزله على الشبكة بعد ستٍّ وعشرين دقيقة من إنزال موضوعه السابق، وكأنَّما يريد إنزال مواضيعه كلِّها من دون أنْ يُناقَش في كلِّ موضوع، ونسي أنَّه على شبكة حوار وليس على شاشة التلفاز؛ فبدأ موضوعه بقوله:
حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٢:٠٧) صباحاً.
أحمد الكاتب عضو:
المطلب الأوَّل: تناقض الروايات:
أعتقد أنَّ القارئ العادي لا يحتاج إلى أنْ يتجشَّم عناء درس علم الرواية والدراية حتَّى يُقيِّم تلك الروايات التاريخيَّة الواردة حول مولد (الإمام محمّد بن

↑صفحة ٧٧↑

الحسن العسكري) أو أنْ يكون من العلماء المختصِّين في التاريخ.. فإنَّ المؤلِّفين الذين أوردوا تلك الروايات في كُتُبهم أراحوا أنفسهم من تهمة الاعتماد على هكذا روايات ضعيفة، وقالوا في البداية: إنَّنا نُثبِت وجود (الإمام الثاني عشر) بالطُّرُق الفلسفيَّة الاعتباريَّة النظريَّة، ولسنا بحاجة إلى الروايات التاريخيَّة، وإنَّما نأتي بها من باب الإسناد والتعضيد والتأييد، وألقوا عن أنفسهم عبء المناقشة العلميَّة لتلك الروايات والتأكُّد من سندها والنظر إلى متنها(٣٩).
وأعتقد أنَّهم كانوا يوردونها من باب (الغريق يتشبَّث بكلِّ قشَّة)، وإلَّا فإنَّهم أعرف الناس بضعفها وهزالها.. ولو كانت فرقة أُخرى تستشهد بهكذا روايات على وجود أئمَّة لها أو أشخاص من البشر.. لسخروا منها واستهزءوا بعقولها واتَّهموها بمخالفة المنطق والعقل والظاهر.. كما فعل متكلِّمو الفرقة الاثني عشريَّة في مناقشتهم لفريق من الشيعة الإماميَّة الفطحيَّة الذين ادَّعوا وجود ولد مكتوم للإمام عبد الله الأفطح بن جعفر الصادق(٤٠)، وقالوا: إنَّ اسمه محمّد وإنَّه المهدي المنتظر، وزعموا ولادته في السرِّ واختباءه في اليمن.. وذلك اعتماداً على مبدأ ضرورة استمرار الإمامة في الأعقاب وأعقاب الأعقاب وعدم جواز انتقالها إلى أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام).. وقال الشيعة الاثنا عشريَّة عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩) أوّلاً: هذه إساءة أدب منك لأُسلوب الحوار الذي طالبت بأنْ لا يكون تجريحاً وإثارةً. ثانياً: ما سيُثبِته الحوار معك عكس ما تدَّعيه تماماً، ولن تتمكَّن من الردِّ على رواية واحدة ولن تتمكَّن من الطعن فيها، فهذا يعني كذب مدَّعاك هنا، كما يعني تدليسك الواضح على القارئ الذي أردت إيهامه بصحَّة دعواك.
(٤٠) اعلم أنَّ أكثر الفطحيَّة إلَّا من شذَّ منهم يعتقدون بإمامة الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)، غاية الأمر أنَّهم يضيفون إلى ذلك عبد الله بن جعفر، وبعد موته رجعوا إلى موسى بن جعفر (عليه السلام)، فمن ثَمَّ كان فقههم أقرب شيء إلى فقه الإماميَّة الاثني عشريَّة، فكانوا يحتجُّون بروايات الأئمَّة لاعتقادهم بإمامتهم أيضاً.

↑صفحة ٧٨↑

ذلك الفريق من الشيعة الفطحيَّة: إنَّهم اخترعوا وجود شخص وهمي لا وجود له هو: (الإمام المهدي محمّد بن عبد الله الأفطح) نتيجةً لوصولهم إلى طريق مسدود(٤١).
إنَّ من يطَّلع على التراث الشيعي العلمي الضخم في مجال الرواية والدراية، ويرى اعتناء العلماء - منذ القرون الأُولى - بتقييم الرواة ودراسة الأحاديث وغربلتها وتمييز القويِّ من الضعيف.. يُدرك مدى الأهمّيَّة التي يوليها العلماء الشيعة لبناء الأحكام الشرعيَّة على أُسُس علميَّة متينة، وعدم قبولهم بجواز بناء مسائل الدِّين على الأوهام والفرضيَّات والإشاعات والأساطير. ولكن المراقب المحايد يصاب بالدهشة لإهمال العلماء طوال التاريخ لدراسة الروايات التاريخيَّة الواردة حول إثبات ولادة ووجود (الإمام الثاني عشر محمّد بن الحسن العسكري)، واعتمادهم في ذلك على قاعدة ما أنزل الله بها من سلطان، تقول: (الضعيف يُقوِّي بعضه بعضاً)، واعتبار مسألة الولادة والوجود أمراً مفروغاً منه مسلَّماً لا يحتاج إلى مراجعة أو نقاش.. وهذا ما أدَّى بهم إلى ترديد تلك الروايات بلا تمعُّن ولا تفكير.. تماماً، كما كان يفعل غلاة الإخباريِّين.
ومن المعروف أنَّ الإخباريِّين الأوائل كانوا يتلقَّفون كلَّ رواية بلا دراسة، ولا تمحيص.. ثمّ تطوَّروا فأخذوا يُميِّزون بين الروايات.
وثمّ ولدت الحركة الأُصوليَّة التي راحت تُقسِّم الأحاديث إلى صحيح، وحسن وقوي وضعيف.. إلَّا أنَّ هذا التطوُّر لم يشمل الروايات التاريخيَّة الواردة حول موضوع (ولادة الإمام الثاني عشر)، حيث نرى الشيخ الطوسي الذي ألَّف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١) الفرق بين الاثني عشريَّة والفطحيَّة، ما أثبتته الفرقة الاثني عشريَّة ثابت بالقرآن والسُّنَّة النبويَّة الشريفة، من طُرُق العامَّة والخاصَّة، وهذا ما سيتَّضح، وأمَّا ما قالته الفطحية، فلم يستند على دليل يا متتبِّع!

↑صفحة ٧٩↑

(الفهرست) و(الرجال) في علم الرجال، ينقل تلك الروايات عن رجال يُضعِّفهم في كُتُبه، وذلك بسبب الحاجة إلى تلك الروايات لبناء نظريَّات كلاميَّة معيَّنة.
لقد أنفق محقِّق كبير، مثل السيِّد مرتضى العسكري سنوات طويلة من عمره، لكي يُثبِت في مجلَّدين أو ثلاثة: أنَّ عبد الله بن سبأ أُسطورة وهميَّة اختلقها بعض المؤرِّخين؛ لكي يتَّهموا بأخذ نظريَّة الوصيَّة في الإمامة من الإسرائيليِّين، وبذل السيِّد العسكري جهوداً مضنية، ودرس عشرات الكُتُب التاريخيَّة؛ لكي ينفي قصَّة وجود عبد الله بن سبأ ودوره في الفكر الشيعي، ولكنَّه لم يبذل واحداً بالمائة أو بالألف من تلك الجهود ليبحث حقيقة (وجود الإمام الثاني عشر) أو يدرس تلك الروايات التي تتحدَّث عن ولادته.. ولم يتوقَّف عندها في كتاب من كُتُبه، وهو الذي اكتشف وجود (مائة وخمسين صحابي مختلق)!
بعد كلِّ ذلك.. يمكنني القول بعدم وجود قضيَّة مهملة أو معرض عنها في التراث الشيعي، كقضيَّة (وجود الإمام المهدي وولادته)، ولا توجد قضيَّة خارج البحث والاجتهاد مثل تلك القضيَّة.. وعندما قمت بدراستها بالصدفة، أو بالأحرى بتوفيق من الله تعالى، وعرضت نتيجة دراستي على العلماء والمجتهدين والمفكِّرين لأكثر من خمسة أعوام، وجدت الكثير منهم يتهرَّب من قراءة الدراسة ويمتعض نفسيًّا من مجرَّد البحث فيها، كأنَّها تحاول أنْ توقظَهُ من الاستغراق في حلم جميل.. وقد تأكَّدت من وجود حالة نفسيَّة عقائديَّة تحول دون ممارسة البحث العلمي، أو نقد تلك الروايات التاريخيَّة..
إنَّ بعض المثقَّفين من عامَّة الناس يتلذَّذ بنقد عقائد الفِرَق الأُخرى، والاستهزاء برجالها الضعاف الوضَّاعين ورواياتها غير المعقولة، ولكنَّه عندما يتعلَّق الأمر بقضيَّة تخصُّ طائفته، فإنَّه يغمض عينيه ويتذرَّع بالجهل وعدم

↑صفحة ٨٠↑

الاختصاص، ويرفض أنْ يشغل عقله قليلاً، ويُفضِّل أنْ ينام على ما ورثه من خرافات وأساطير.
قبل أنْ نناقش تلك الروايات التاريخيَّة متناً وسنداً.. ينبغي أنْ نشير إلى أنَّ هذه الروايات لم تكن معروفة في فترة ما يُسمَّى بـ (الغيبة الصغرى) حيث لم ينقلها المؤلِّفون الذين اعتقدوا بوجود الإمام الثاني عشر، وكتبوا حول ذلك في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، كالنوبختي في (فِرَق الشيعة)، وسعد بن عبد الله الأشعري القمِّي في (المقالات والفِرَق)، وعليِّ بن بابويه الصدوق في (الإمامة والتبصرة من الحيرة)، ومحمّد بن أبي زينب النعماني في (الغيبة)، وحتَّى الشيخ الكليني الذي حاول أنْ يجمع أيَّة قصَّة أو رواية حول الموضوع، وذكر قصَّة الرجل الهندي (سعيد بن أبي غانم) الذي سافر من كشمير بحثاً عن الإمام المهدي، ولكنَّه لم يذكر كثيراً من تلك القَصص التي سجَّلها من بعده الشيخ محمّد ابن عليٍّ الصدوق في (إكمال الدِّين)، أو الشيخ المفيد في (الإرشاد) و(الفصول)، أو الشيخ الطوسي في (الغيبة).
ومن المعروف أنَّ الشيخ الصدوق (الابن) جاء بعد حوالي مائة سنة من وفاة الإمام العسكري.. وأنَّ الشيخ الطوسي تُوفِّي بعد قرنين من ذلك التاريخ.. ولكنَّهما راحا يُسجِّلان كلَّ ما يسمعان من حكايات وإشاعات وأساطير تتعلَّق بولادة (محمّد بن الحسن العسكري)، ويُرسِلان أو ينقلان عن عدد من الغلاة والضعاف والمجاهيل والمختلقين.
وكما رأينا فقد كانت تلك الأدلَّة التاريخيَّة تختلف فيما بينها اختلافاً فاحشاً وكبيراً بدءاً من تحديد هويَّة أُمِّ (محمّد بن الحسن) المفترضة، ومروراً بتاريخ ولادته، وانتهاءً بأدقّ التفاصيل.. حيث اختلفت في اسم والدته بين الجارية نرجس، أو سوسن، أو صقيل، أو خمط، أو ريحانة، أو ملكية، أو الحرَّة مريم بنت

↑صفحة ٨١↑

زيد العلويَّة، وأنَّها جارية وُلِدَت في بيت بعض أخوات الإمام الهادي.. أو اشتُرِيَت من سوق الرقيق في بغداد(٤٢)..
واختلفت تلك الروايات في تحديد تاريخ الولادة في اليوم والشهر والسنة.. واختلفت تبعاً لذلك في تحديد عمره عند وفاة أبيه بين سنتين أو ثماني سنوات(٤٣).
واختلفت في طريقة الحمل في الرحم أم في الجنب، وفي الولادة من الفرج أم من الفخذ! واختلفت الروايات في تحديد لونه بين البياض والسمرة، واختلفت في طريقة نموِّه بين الطريقة العاديَّة المتعارفة، والقول بأنَّه كان يبدو عند وفاة أبيه بهيأة صبيٍّ، وبين الطريقة اللَّاطبيعية.. واختلفت في هذه الطريقة بين النموِّ السريع في اليوم مثل النموِّ خلال سنة اعتياديَّة، أو النموِّ في اليوم مثل النموِّ في أُسبوع.. والنموِّ في الأُسبوع مثل النموِّ خلال شهر.. والنموِّ في شهر مثل النموِّ خلال سنة. وبناءً على ذلك فإنَّه كان يبدو قبل وفاة أبيه بهيأة رجل كبير قد يبلغ سبعين عاماً.. بحيث لم تتعرَّف عليه عمَّته حكيمة، واستغربت من أمر الإمام الحسن لها بالجلوس بين يديه.
واختلفت في أمر التكتُّم عليه.. فقالت رواية: إنَّ حكيمة ودَّعت الإمام الحسن في أعقاب ولادة ابنه وانصرفت إلى منزلها، وعندما اشتاقت له بعد ثلاثة أيَّام رجعت ففتَّشت عنه في غرفته؛ فلم تجد له أثراً ولا سمعت له ذكراً، فكرهت أنْ تسأل ودخلت على أبي محمّد فبدأها بالقول: «هو يا عمَّة في كنف الله أحرزه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٢) وهذا كما تنقل كُتُب التاريخ الاختلاف في أسماء أجداد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهل هذا يعني تكذيب الأمر؟ ثمّ إنَّه كما نبَّهنا وسيأتي من أنَّ الظروف الأمنيَّة التي كانت تحيط الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ألزمت بأنْ يكون الأمر كذلك.
(٤٣) لو سلَّمنا بذلك جدلاً، فهذا لا يعني عدم الولادة، فالسُّنَّة مثلاً أو الشيعة ينقلون تواريخ وروايات متعدِّدة على ولادة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهي تختلف في التاريخ والتفاصيل الأُخرى، وهل هذا يدعو للشكِّ في أصل وجوده (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أم أنَّه ينبغي ملاحظة الرواية التي تقع على طبق الموازين فيُعمَل بها؟

↑صفحة ٨٢↑

وستره حتَّى يأذن الله له، فإذا غيَّب الله شخصي وتوفَّاني ورأيت شيعتي قد اختلفوا، فأخبري الثقات منهم وليكن عندكِ مستوراً وعندهم مكتوماً، فإنَّ وليَّ الله يُغيِّبه الله عن خلقه ويحجبه عن عباده فلا يراه أحد حتَّى يُقدِّم له جبرائيل فرسه».
وقالت رواية أُخرى: إنَّ حكيمة كانت تشاهد ابن الحسن كلَّ أربعين يوماً، وإنَّها لم تزل تراه إلى أنْ أصبح رجلاً.
وقالت روايات أُخرى: إنَّ الإمام الحسن العسكري أعلن عن ولادة ابنه وأرسل إلى بعض أصحابه بكبش ليعقُّوا عنه، وإنَّه عرضه على مجموعة من أصحابه، وإنَّه كتب إلى أحمد بن إسحاق القمِّي بذلك.. وإنَّه أخرج ابنه وأراه إيَّاه عند زيارته له في (سُرَّ من رأى)، وإنَّ عدداً من الخدم والأصحاب شاهدوا بالصدفة أو بالعمد ابن الإمام الحسن، وهو جالس في غرفة أو يمشي في الدار.
واختلفت الروايات بين ذكر الخوف من السلطة للقبض عليه، وبين الاطمئنان التامِّ إلى حدِّ الخروج للصلاة على جثمان أبيه واستقبال الوفود في دار أبيه.
واختلفت الروايات حول علم الأصحاب والخدم بوجود ابن للإمام العسكري، فقال بعضها بأنَّ الخدم والأصحاب المقرَّبين كانوا يعلمون بوجوده، وإنَّهم قد شاهدوه.. وقال بعضها: إنَّهم فوجئوا به عند ظهوره للصلاة على جثمان أبيه وعدم معرفته إلَّا بالعلامات العديدة.
واختلفت الروايات حول نضجه العقلي، فقال بعضها: إنَّه سجد لحظة ولادته وتشهَّد بالشهادتين وصلَّى وسلَّم على آبائه واحداً وحداً، وقرأ آيات من القرآن المجيد.. وقال بعضها: إنَّه كان وهو غلام يلعب برُمَّانة ذهبيَّة ويصدُّ أباه عن كتابة ما يريد(٤٤)!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤) لا تدافع بين مقتضيات البدن بحسب السنِّ علوّ الروح كما هو الشأن في عيسى (عليه السلام)، إذ آتاه الله الكتاب والحكمة صبيًّا، في حين يرضع من المراضع ويكون في حضن الحواضن.

↑صفحة ٨٣↑

رواية حكيمة:
تقول رواية الصدوق عن حكيمة: إنَّ نرجس لم يكن بها أيُّ أثر للحمل، وإنَّها لم تكن تعرف ذلك، وقد استغربت عندما قالت لها حكيمة: إنَّها ستلد تلك الليلة، وقالت: يا مولاتي ما أرى شيئاً من هذا! وإنَّ حكيمة نفسها استغربت عندما أخبرها الإمام الحسن بولادة ابن له في ليلة النصف من شعبان وتساءلت: مَنْ أُمُّه؟ وعندما قال لها: «نرجس»، قالت: جعلني الله فداك ما بها من أثر. وعندما اقترب الفجر ولم يظهر أيُّ أثر دخل الشكُّ في قلب حكيمة.
تقول الرواية: إنَّ حكيمة أقبلت تقرأ القرآن على نرجس، فأجابها الجنين من بطن أُمِّه، يقرأ مثلما تقرأ، وسلَّم عليها، ممَّا أثار فزعها، ومع ذلك تقول الرواية: إنَّ حكيمة أخذتها فترة ولم تشهد عمليَّة الولادة، وفي رواية أُخرى: إنَّ نرجس غُيِّبت عن حكيمة، فلم ترَها، كأنَّه ضُرِبَ بينها وبينها حجاب، ممَّا أثار استغرابها ودفعها إلى الصراخ واللجوء إلى أبي محمّد.
ولا تذكر رواية الصدوق ما ذكره الطوسي في إحدى رواياته(٤٥): أنَّ حكيمة وجدت على ذراع الوليد مكتوباً: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ (الإسراء: ٨١)، بالرغم من تقدُّم الصدوق على الطوسي، ولكن الصدوق ينفرد بذكر الطيور التي حلَّقت فوق رأس الوليد، وقول الحسن لطير منها: «احمله واحفظه وردَّه إلينا في كلِّ أربعين يوماً»(٤٦).
ويتَّفق الاثنان (الصدوق والطوسي) على تكلُّم الوليد والتشهُّد بالشهادتين،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥) قلنا: إنَّ تعدُّد حكاية الزوايا المختلفة للحدث أمر دارج في كلِّ الروايات التاريخيَّة في كُتُب التاريخ أو الحديث.
(٤٦) لو رجعت إلى القرآن الكريم فإنَّه ينقل زوايا متعدِّدة في القصَّة الواحدة لا يذكرها في الآية والسورة الأُخرى، فهل هذا يعني اختلاف الأمر، أم إنَّه نقل زاوية أُخرى؟

↑صفحة ٨٤↑

والصلاة على النبيِّ والأئمَّة السابقين، والسلام على أُمِّه وأبيه، كما يتَّفق الاثنان أيضاً: على أنَّ الوليد غاب بعد ذلك واختفى، وأنَّ عمَّته لم تجد له أثراً ولا سمعت له ذكراً.
وكلُّ هذه الأُمور غريبة لم تُعرَف عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا عن أحد من الأئمَّة السابقين (عليهم السلام).. وهي من مقولات الغلاة وأساطيرهم(٤٧)، ولا علاقة لها بالشيعة الجعفريَّة أو الإماميَّة الذين جعلوا النصَّ طريقاً للتعرُّف على الإمام الجديد، ولم يذكروا شيئاً من تلك الأُمور الخارقة للطبيعة.
وقد ذكر الله (عزَّ وجلَّ) قصَّة تكلُّم النبيِّ عيسى (عليه السلام) في المهد أمام الناس بصورة إعجازيَّة لكي ينفي عن أُمِّه تهمة الزنا، ويُثبِت ولادته بصورة غير طبيعيَّة، وليست هناك حاجة لإحداث المعجزة والأُمور الخارقة للعادة مع ولادة (الإمام الثاني عشر). وإذا كان لا بدَّ للمعجزة أنْ تحدث.. فلا بدَّ أنْ تحدث أمام الناس لكي يطَّلعوا عليها ويؤمنوا برسالتها.. ولا يمكن أنْ تحدث بصورة سرّيَّة لا يطَّلع عليها أحد.. فما الفائدة منها(٤٨)؟
لقد كان هناك شكٌّ في أساس ولادة ابن للحسن العسكري، وإذا كانت هناك إمكانيَّة لحدوث أمر خارق للعادة، فإنَّه كان يمكن أنْ يحدث لإثبات أمر الولادة.. وحفظ الوليد من السوء مثلاً.. وهذا ما لم يحدث.
ويلاحظ أنَّ جميع الروايات التي تتحدَّث عن ولادته سرًّا وغيبته بين أجنحة الطيور التي هي الملائكة، لم تشر إلى وجود خوف من السلطة، وإلى أنَّه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧) بل لو راجعت روايات السُّنَّة والشيعة في ولادة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأيَّام نشأته في الطفولة لرأيت من الآيات الإلهيَّة ما هو أغرب عند حسِّك المادِّي، وكذلك الحال في ولادة عليٍّ والحسنين (عليهم السلام).
(٤٨) هذا خلط بين الكرامات لأولياء الله وحُجَجه وبين المعاجز، وإلَّا فهزُّ مريم للنخلة تلك الشجرة الصلبة وتساقط الرطب المخلوق للساعة إعجاز أمام مرأى من؟ بل هو كرامة لأولياء الله.

↑صفحة ٨٥↑

المهدي المنتظر.. ولو كان قد وُلِدَ حقًّا لكان من الأفضل أنْ يُعلِن الإمام العسكري عن ولادته بحيث يراه جميع الناس ويتأكَّدوا من وجوده وخلافته لأبيه.. وإذا حاولت السلطة العبَّاسيَّة أنْ تُلقي القبض عليه أو تقتله فإنَّه يختفي بقدرة الله وبصورة إعجازيَّة..
وتقول الرواية المنسوبة إلى حكيمة: إنَّ الإمام الحسن العسكري كان يعلم بصورة غيبية بجنس الجنين وأنَّه ذَكَر.. كما تقول: إنَّه كان يعلم غيبيًّا بما تُفكِّر به عمَّته حكيمة التي شكَّت في قوله، وقال لها: «لا تعجلي يا عمَّة». كما تشير إلى علم الإمام الحسن باقتراب أجله وقوله لعمَّته: «عن قريب تفقدوني»، وكذلك علم الإمام المهدي بالغيب وإجابته على أسئلة حكيمة قبل أنْ تبدأ بها.. وكلُّ هذه أُمور تخالف عقيدة الشيعة الجعفريَّة والإماميَّة وتتَّفق مع نظريَّات الغلاة والمنحرفين عن أهل البيت (عليهم السلام)(٤٩)، إذ إنَّ هناك حديثاً مشهوراً لدى الشيعة عن أئمَّتهم يأمر بضرب أيِّ حديث يتعارض مع القرآن عرض الجدار.
إذن فإنَّ كلَّ هذه التساؤلات والإشكالات والمآخذ تُضعِّف الرواية المنسوبة إلى حكيمة، وتُسقِطها عن الحجّيَّة والوثوق وتقرب من كونها أُسطورة حاكها الغلاة والمتطرِّفون.

* * *

نقد الدليل التاريـخي (٢)
حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٢:١٠) صباحاً.
أحمد الكاتب عضو:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩) قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجنّ: ٢٦ و٢٧)، ولعلَّ الآية عند الكاتب من وضع الغلاة الباطنيَّة.

↑صفحة ٨٦↑

رواية أبي الأديان البصري:
وهي رواية انفرد بها الصدوق في (إكمال الدِّين) عن رجل مختلق أو موهوم لم يذكر اسمه ولا اسم أبيه ولا عشيرته: (أبو الأديان البصري)، وقال(٥٠): إنَّه أحد خُدَّام الإمام وحامل كُتُبه ورسوله إلى الأمصار وجامع أمواله... ومع ذلك فلم يعرفه أحد ولم يشر إلى وجوده أيُّ مؤرِّخ آخر.
وبالرغم من المكانة التي يعطيها إيَّاه الصدوق، فإنَّ الراوي (أبا الأديان) يعترف في نفس الرواية بأنَّ الإمام العسكري لم يُخبره بهويَّة الإمام من بعده، وجهله بوجود ابن للإمام، ويقول أيضاً بأنَّ عامَّة الشيعة بما فيهم عقيد والسمَّان (عثمان بن سعيد)، والبصري نفسه عزّوا جعفر بن عليٍّ وهنَّئوه، ولم يكونوا يعرفون من هو الإمام بعد العسكري، أرادوا أنْ يصلُّوا خلف جعفر.
وتعتمد الرواية من بدايتها إلى نهايتها على عنصر (علم الإمام بالغيب)، حيث يقول الراوي في البداية: إنَّ الإمام الحسن قال له: «امض إلى المدائن، فإنَّك ستغيب خمسة عشر يوماً وتدخل إلى (سُرَّ من رأى) يوم الخامس عشر وتسمع الواعية في داري وتجدني على المغتسل»، وكلُّ ذلك من علم الغيب الذي لا يعلمه إلَّا الله، حيث يقول القرآن الكريم: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَا ذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (لقمان: ٣٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠) هذا تدليس من الكاتب، إذ لم يصفه الصدوق بأنَّ أبا الأديان خادمٌ، وإنَّما الذي وصفه هو أبو الحسن عليُّ بن محمّد حباب، والذي روى عن حباب هو محمّد بن الحسين بن عبَّاد، ومع ذلك الصدوق لم يرتضِ هذه الرواية حيث قال: ووجدت مثبتاً في بعض الكُتُب المصنَّفة في التواريخ ولم أسمعه إلَّا عن محمّد بن الحسين بن عبَّاد...، وعبارة الصدوق صريحة في عدم اعتماده على هذه الرواية وإنَّما ذكرها استطراداً في ذيل الباب، إذ لا قرينة نافية أو مثبتة على هذه الرواية. والعجيب أنَّ الكاتب ترك بقيَّة روايات الباب المعتبرة التي اعتمدها الصدوق وتشبَّث بخصوص هذه الرواية، مع أنَّ دأب المحدِّثين في كُتُبهم تذييل كلِّ باب في نهايته بذكر روايات مؤيِّدة لا تكون هي مورد اعتمادهم الأساس.

↑صفحة ٨٧↑

وتقول الرواية: إنَّ الإمام القادم المجهول سوف يطالب البصري، دون أنْ يعرفه من قبل، بجواب كُتُب الإمام العسكري، كما تقول بأنَّه سوف يُخبِر بما في الهميان. وأنَّ صبيًّا خرج بعد تكفين العسكري ودفع جعفراً وصلَّى على أبيه، ثمّ قال للبصري: «هات جوابات الكُتُب التي معك»، فدفعها إليه. وفي تلك الأثناء جاء وفد من شيعة قم والجبال، فسألوا عن الإمام العسكري فأخبروهم بوفاته، فقالوا: من نُعزِّي؟ فأشار الناس إلى جعفر بن عليٍّ، فسلَّموا عليه وعزُّوه وهنَّئوه..
ولم يُوضِّح البصري لماذا لم يدلّهم هو إلى الإمام الجديد ولماذا لم يشر قادة الشيعة الذين صلُّوا - لتوهم - خلف الصبيِّ إليه، إذا كان قد حدث ذلك حقًّا وفعلاً؟
وعلى أيِّ حالٍ، فإنَّ الراوي (أبا الأديان البصري) يقول: وفد قم لم يعترضوا على تعيين جعفر كإمام بعد أخيه، ولم يحتجُّوا بضرورة الوراثة العموديَّة، وإنَّما قالوا بأنَّ معهم كُتُباً وأموالاً وطلبوا من جعفر أنْ يُخبر بصورة غيبية ممَّن هي الكُتُب والأموال(٥١).. فقام جعفر ينفض أثوابه ويقول: تريدون منَّا أنْ نعلم الغيب؟! فخرج الخادم وقال: معكم كُتُب فلان وفلان وهميان فيه ألف دينار وعشرة دنانير مطليَّة، فدفعوا إليه الكُتُب والمال وقالوا: الذي وجَّه بك لأخذ ذلك هو الإمام.
ولم يقل الصدوق في هذه الرواية: إنَّ وفد قم عرفوا هويَّة الإمام أو رأوه أو التقوا به(٥٢). ولكنَّه يقول في رواية أُخرى: إنَّ الوفد سار مع الخادم ودخل على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١) هذا شاهد عن تمنُّع القميِّين عن التسليم بإمامة جعفر، ولذلك لم يُسلِّموه ما أتوا به.
(٥٢) إلى الآن لا يريد أنْ يفهم الكاتب طبيعة تعدُّد روايات التاريخ للحادثة الواحدة من زوايا متعدِّدة، إذ على منهجه سوف تتساقط السور القرآنيَّة الحاكية لحادثة واحدة من زوايا متعدِّدة، مع أنَّ كلَّ راوٍ ينقل الزاوية التي ركَّز عليها في الحدث الواحد.

↑صفحة ٨٨↑

الإمام القائم، وهو قاعد على سرير كأنَّه فلقة قمر عليه ثياب خضر، فسلَّم الوفد عليه، وردَّ عليهم السلام، ثمّ قال: جملة من المال كذا وكذا.. حمل فلان كذا وحمل فلان كذا.. ولم يزل يصف حتَّى وصف الجميع، ثمّ وصف حال الوفد وثيابه وما كان معه من الدواب.
وبالرغم من أنَّ المسألة ليست عسيرة جدًّا.. حيث يمكن لأيِّ شخص أنْ يندسَّ بين الوفد ويطَّلع على حاله أو يتَّفق مع رئيس الوفد ويُخبر البقيَّة بالتفاصيل.. فإنَّ رواية أبي الأديان البصري تعتبر ذلك من علم الغيب، وأنَّه يُشكِّل دلالة على إمامة الرجل (أو الصبيِّ) القاعد على السرير، وإمامته، دون أنْ تقول كيف تعرَّف الوفد على هويَّة الرجل، وهل قال لهم: إنَّه ابن الإمام العسكري.. أم لا؟
وكما هو واضح.. فإنَّ هذه الرواية لا تذكر شيئاً عن الخوف والإرهاب المحيط بالشيعة والإمام الجديد، بل تقول: إنَّ الخليفة العبَّاسي المعتمد وقف إلى جانب الوفد في خلافهم مع جعفر وأنَّه أرسل لهم حرساً يحمونهم في الطريق، وتنسى الرواية التي تقول: إنَّ السلطات العبَّاسيَّة كبست دار الإمام العسكري وفتَّشته بحثاً عن وجود ولد له.
وإذا كان الإمام فعلاً خائفاً ومتكتماً ومستوراً فلماذا يخرج للصلاة على أبيه؟ ولماذا يجلس في بيته ويستقبل الوفود على مقربة من عيون السلطة(٥٣)؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٣) أمَّا أنَّ الخليفة تعاضد مع أهل قم فتدليس في مفاد الرواية، إذ في الرواية أنَّ جعفراً مدَّعي الإمامة هو الذي جرجر وفد قم إلى السلطة العبَّاسيَّة، فقام الوفد بإخفاء حقيقة ما جاءوا إليه وأظهروا للسلطة العبَّاسيَّة أنَّ ما في أيديهم أمانات عاديَّة لأشخاص معيَّنين، وأنَّ لأصحابها علامات لا يُعطي وفد قم الأمانات لأحد إلَّا لمن يعرف تلك العلامات كما في تعريفه اللقطة، وبهذه الطريقة تخلَّص وفد قم من السلطة العبَّاسيَّة، وأمَّا الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) فقد التقى بخادمه كما في الرواية خارج سامرَّاء، فلا أدري إلى كم يُدلِّس الكاتب بلا خجل.

↑صفحة ٨٩↑

هذا، وإنَّ المعروف والثابت تاريخيًّا أنَّ أبا عيسى المتوكِّل هو الذي صلَّى على جثمان الإمام العسكري وشيعته عاصمة الخلافة(٥٤) (سُرَّ من رأى) التي أغلقت أبوابها عن بكرة أبيها وضجَّت بالبكاء والعويل.
ويبدو أنَّ هذه الحكاية قد نشأت في قم في مرحلة متقدِّمة، لإثبات وجود خلف للإمام العسكري.. قبل أنْ تتطوَّر وتنشأ نظريَّة مهدويَّة ذلك الخلف(٥٥).. وذلك لأنَّ مسألة إثبات الخلف تختلف وتسبق زمنيًّا مسألة إثبات صفة المهدويَّة له، وقد كان الناس مشغولين في البداية بإثبات المسألة الأُولى، ولم تنشأ المسألة الثانية (المهدويَّة) إلَّا في وقت متأخِّر بعد سنين طويلة، انطلاقاً من حالة الغيبة وعدم الوجدان للإمام، فاعتبر البعض ذلك علامة من علامات المهدي وقال: إذن فإنَّه المهدي المنتظر.
ومن هنا فإنَّ واضعي الحكاية لم يأخذوا في حسبانهم الخوف من السلطات وتفتيش الشرطة عنه، فتحدَّثوا عن خروج الصبيِّ للصلاة على أبيه واستقبال الوفود في داره.
وقد ذكرنا إلى جانب تلك الرواية روايتين أُخريين هما رواية إسماعيل بن عليٍّ النوبختي الذي يقول: إنَّه زار الإمام العسكري قبيل ساعة من وفاته فطلب الإمام من خادمه (عقيد) أنْ يأتيه بابنه، وأنَّه جاء به إليه فقال له: «أبشر يا بنيَّ فأنت صاحب الزمان...». ورواية: المجموعة من الأصحاب الذين قالوا: إنَّ الإمام العسكري عرض عليهم ابنه وقال لهم: «هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم.. أمَا إنَّكم لا ترونه بعد يومكم هذا...».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٤) الظاهر أنَّ الكاتب استخرج هذا من كتاب ألف ليلة وليلة، فأين برهانه العلمي؟! وأين مصدره الذي نقل عنه؟!
(٥٥) وهنا بدأ الكاتب يرسم الخواطر الخياليَّة من دون مادَّة إثبات.

↑صفحة ٩٠↑

والرواية الأُولى تتناقض مع رواية أبي الأديان البصري الذي يقول فيها: إنَّ (عقيداً) كان يجهل وجود ولد للإمام العسكري(٥٦)، ولذلك طلب من أخيه جعفر أنْ يُصلِّي عليه، بينما تقول الرواية الأُولى: إنَّ (عقيداً) جاء بالصبيِّ لأبيه أمام إسماعيل بن عليٍّ النوبختي.
ومن الجدير بالذكر أنَّ النوبختي لا يشير بنفسه إلى هذه القصَّة ويقول: إنَّه عرف بوجود ابن للحسن عن طريق الاستدلال النظري، كما ينقل عنه الصدوق في كتابه إكمال الدِّين (ص ٩٢) عن كتاب النوبختي: (التنبيه)(٥٧).
أمَّا الرواية الثانية فتتناقض أيضاً مع رواية أبي الأديان البصري التي تنفي معرفة كبار الأصحاب بوجود ابن للحسن العسكري، بما فيهم السمَّان (عثمان بن سعيد العمري) و(حاجز الوشَّاء) الذي تساءل من جعفر: من الصبيُّ؟ لنقيم عليه الحجَّة، فقال: والله ما رأيته قطُّ ولا أعرفه(٥٨)!
ومن المعروف.. أنَّ السمَّان العمري وحاجز الوشَّاء ادَّعيا (النيابة الخاصَّة والوكالة عن الحجَّة بن الحسن) بعد ذلك، فمتى رأوه؟ ومتى أخذوا الوكالة منه؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٦) ليس في رواية أبي الأديان أنَّه يجهل، وإنَّما فيه مداراة عقيد وغيره من أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام) في العلن أمام السلطة العبَّاسيَّة إلَّا جعفر.
(٥٧) المنقول في تلك الصفحة عن النوبختي هو الاستدلال لإثبات وجوده للآخرين لا لنفسه. كما أنَّه لم يستدلّ بالأدلَّة النظريَّة وإنَّما أنكر اشتراط المعرفة بوجود شيء، كوجود الله والنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واستخلافه لعليٍّ (عليه السلام) اشتراطها بالمشاهدة الحسّيَّة عندنا في الزمن المتأخِّر، فإنَّ المعرفة بوجود تلك الأشياء إنَّما هي بالأدلَّة والأخبار المتواترة من دون مشاهدة حسّيَّة.
(٥٨) ليس في رواية أبي الأديان جهل كبار الأصحاب وإنَّما الذي فيها تخفِّيهم في السطح العلني أمام السلطة العبَّاسيَّة وكتمانهم على أمر الحجَّة، وليس استفهام الحاجز عن جهل وإنَّما هو استدراج لجعفر واستنكار عليه بالتعريض، وكأنَّ الكاتب يريد أنْ يُحلِّل ويُلصِق بالرواية ما يروق له بعيداً عن ألفاظ الرواية كما هي عادته دائماً.

↑صفحة ٩١↑

وهناك نقطة أُخرى: هي أنَّ الرواية الثانية تقول: إنَّ الإمام العسكري قال لأصحابه بعد أنْ عرض عليهم ابنه: «أما إنَّكم لا ترونه بعد يومكم هذا»، فكيف ظهر بعد ذلك وصلَّى على جثمان أبيه واستقبل الوفود(٥٩)؟
وكلُّ هذه الروايات تتناقض مع الرواية الأُولى المرويَّة عن حكيمة والتي يقول فيها الإمام العسكري: إنَّها لن تراه بعد يوم ولادته، حيث تعود كلُّ رواية فتنقض الرواية السابقة(٦٠).
وهذا ما يدلُّ على أنَّ الفريق الذي اخترع وجود ولد للإمام العسكري خلافاً للظاهر والحقيقة.. وبناءً على مقولات فلسفيَّة واهية، كعدم جواز انتقال الإمامة إلى أخوين بعد الحسن والحسين، وضرورة استمرار الأمانة في الأعقاب وأعقاب الأعقاب.. أنَّ هذا الفريق راح يختلق القَصص والحكايات والأساطير عن مولد ابن الحسن واللقاء به في حياة أبيه ومشاهدته عند وفاته. ولـمَّا كانت الروايات مختلفة ولا تُعبِّر عن الحقيقة ومصنوعة من قِبَل رجال مختلفين، فقد جاءت الروايات متناقضة ومختلفة في أدقِّ التفاصيل، وتُعبِّر كلُّ واحدة منها عن أفكار واضعها النفسيَّة الخاصَّة، كما جاءت محفوفة بالمعاجز والأُمور الخارقة للعادة، ومنطوية على دعوى علم الأئمَّة بالغيب، وهذه دعوى تناقض القرآن الكريم الذي يُصرِّح: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ﴾ (النمل: ٦٥)، ويقول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٩) ليس في الرواية الثانية الأربعون الذين هم من أعيان الطائفة هم نفس وفد قم الذين كانوا من عوامِّ الشيعة، كما أنَّه ليس في رواية صلاته وجود أُولئك الأربعين. كما أنَّ عدم الرؤية بمعنى نفي التمكُّن من رؤيته، كما هو الحال في حضور الأئمَّة (عليهم السلام).
(٦٠) ليس في رواية حكيمة أنَّه لن تراه، وإنَّما الموجود فيها أنَّ الحجَّة سيغيب عن الأنظار ويستتر، لا أنَّها هي لا تراه. بل على العكس، إذ فيها أنَّها كانت تراه صباحاً ومساءً وتُخبر الشيعة بأجوبة المسائل.

↑صفحة ٩٢↑

ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ...﴾ (الجنّ: ٢٦ و٢٧)، وتحاول تفسير ظاهرة الغيبة المحيِّرة والمناقضة لنظريَّة الإمامة الإلهيَّة واللطف الإلهي.
إنَّ الرواية التاريخيَّة الظاهريَّة تقول: إنَّ الإمام الحسن العسكري لم يشر إلى وجود ولد له، وعندما أحسَّ بالوفاة استدعى القاضي ابن أبي الشوارب، وأوصى أمامه بأمواله وممتلكاته إلى أُمِّه (حديث)، وقد ادَّعت جارية له اسمها (نرجس) بأنَّها حامل منه أملاً في عتقها؛ لأنَّها كانت ستصبح (أُمُّ ولد) وتُعتَق من نصيب ابنها.. وربَّما كانت الدورة الشهريَّة قد تأخَّرت عليها فظنَّت نفسها أنَّها حامل.. وقد أرجأ القاضي قسمة التركة واهتمَّ بالجارية، ونقلها إلى نساء الخليفة المعتمد وأمر باستبرائها، أي التحقُّق من ادِّعائها الحمل.. ثمّ لم يتبيَّن عليها أيُّ شيء(٦١).
وكان بعض الشيعة الإماميَّة الذين لم يقولوا بإمامة جعفر بن عليٍّ قد أُصيبوا بأزمة فكريَّة وحيرة فتشبَّث بعضهم بقشَّة نرجس، وقال: إنَّها ولدت بعد ذلك.. وقال بعضهم: إنَّها لم تلد ولم نرَ ذلك.. ولكنَّها سوف تلد عندما يأذن الله، وإنَّ الجنين بقى في بطنها مدَّة طويلة بصورة إعجازيَّة.. وقال بعض آخر: إنَّها ادَّعت الحمل لتغطية على ولدها الذي ولدته من قبل.. وقال آخرون أقوالاً أُخرى مشابهة.
وراح الذين ادَّعوا وجود الولد من قبل ينسجون الإشاعات والأساطير بصورة سرّيَّة خافتة ليُضِلُّوا بها البسطاء ويستفيدوا من ورائها الأموال.. ولم يُصدِّق العلماء والمحقِّقون الأوائل بتلك الإشاعات.. ثمّ جاء الشيخ الصدوق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦١) هذه الرواية المزعوم ثبوتها وقطعيَّتها عند الكاتب من دون مستند لهي أدلّ دليل على استنفار الدولة العبَّاسيَّة قواها لمراقبة تولُّد الإمام الثاني عشر المهدي الموعود بالنصر والظفر على الجاهلين، ولذا أبقوا والدته سنتين.

↑صفحة ٩٣↑

بعد مائة عام والشيخ الطوسي بعد مائتي عام ليُسجِّلوا تلك القَصص والأساطير دون أنْ يُحقِّقوا بمصادرها وأسنادها، ودون أنْ يعتمدوا عليها كثيراً.. وكانوا يشعرون بضعفها وهزالها فقالوا في البداية: إنَّنا نعتمد على الدليل العقلي (الفلسفي) لإثبات وجود (ابن الحسن) ونأتي بتلك القَصص من باب المعاضدة والتأييد(٦٢)..
ثمّ جاء من بعدهم من المؤرِّخين (الإخباريِّين) فنقلوا تلك القَصص الأُسطوريَّة كأنَّها حقائق تاريخيَّة لا تقبل المناقشة والحوار.
ومع أنَّ الله سبحانه وتعالى يطالبنا بالأخذ بالرواية الظاهريَّة(٦٣) النافية لوجود ولد للإمام الحسن العسكري، ولا يحاسبنا ولا يسألنا بالأخذ بالرواية السرّيَّة الباطنيَّة المتناقضة والمحفوفة بالخرافات والأساطير.. وأنَّنا لسنا ببعد ذلك، وبعدما تبيَّن ما فيها من ضعف كبير، بحاجة إلى دراسة سندها ومعرفة الرواة الناقلين لها.. فإنَّنا بالرغم من ذلك سوف نلقي نظرة على سندها لننظر من أين جاء بها أُولئك المؤرِّخون، ولنزداد معرفةً ويقيناً بضعف هذه الروايات التي لعبت دوراً كبيراً في التاريخ الإسلامي وفي بناء الفكر السياسي الشيعي عبر التاريخ.

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٢) لا أدري لِـمَ لا يراعي الكاتب الأمانة العلميَّة؟ فإنَّ من يطلب الحقيقة ويدَّعي الحقَّ لا حاجة له إلى استعمال النسبة المخالفة للواقع، فإنَّ الصدوق (رضي الله عنه) قد عقد في (إكمال الدِّين) ما يقرب من (٥٨) باباً حشدها بالروايات للتدليل على وجود الإمام المنتظر كما ذكر ذلك في مقدَّمة كتابه. وكذا الطوسي (رضي الله عنه). والنعماني في غيبته. نعم في الإشكالات العقليَّة التي ذكروها عن خصوم الإماميَّة في كبرى الإمامة الإلهيَّة أجابوا بالأدلَّة العقليَّة والقرآنيَّة والروايات المتواترة جميعاً، لا في الصغرى من وجود الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).
(٦٣) لم يذكر الكاتب لهذه الرواية سنداً ولا مصدراً كما نبَّهنا عليه سابقاً في قبال الروايات المتواترة على الولادة.

↑صفحة ٩٤↑

دليل المعاجز على وجود الإمام الثاني عشر
أحمد الكاتب عضو:
الدليل الإعجازي على وجود المهدي:
وبالإضافة إلى الأدلَّة العقليَّة والنقليَّة والتاريخيَّة على وجود (محمّد بن الحسن العسكري) فإنَّ المؤيِّدين لهذه النظريَّة يوردون دليلاً رابعاً هو (المعاجز) التي يقولون: إنَّ (النوَّاب الأربعة) كانوا يقومون بها أو (علم الغيب) الذي كانوا يتحدَّثون عنه.
وقد استعرضنا كثيراً من تلك (المعاجز) في أثناء الحديث عن الروايات التاريخيَّة حول ولادة (ابن الحسن) ووجوده في الفصل الماضي(٦٤)، وسوف نقوم الآن باستعراض (المعاجز) التي قدَّمها (النوَّاب الأربعة: عثمان بن سعيد العمري، ومحمّد بن عثمان، والحسين بن روح النوبختي، وعليُّ بن محمّد السمري) وكلاء (الإمام المهدي) في فترة: (الغيبة الصغرى) التي امتدَّت حوالي سبعين عاماً من (٢٦٠) للهجرة إلى (٣٢٩) تاريخ وفاة (النائب الرابع).
وقد ذكر الشيخ المفيد في (الإرشاد) قصَّة محمّد بن إبراهيم بن مهزيار، الذي شكَّك في وجود (الإمام المهدي) بعد وفاة الإمام العسكري، والذي يقول: إنَّ أباه قد أوصى إليه بمال جليل وأمره أنْ يتَّقي الله فيه ويُسلِّمه لخليفة الإمام العسكري، فقال في نفسه: أحمل هذا المال إلى بغداد وأكتري داراً على الشطِّ ولا أُخبر أحداً بشيء، فإنْ وضح لي شيء كوضوحه في أيَّام أبي محمّد أنفدته، وإلَّا أنفقته في ملاذي وشهواتي، فقَدِمَ بغداد واكترى داراً على الشطِّ وبقي أيَّاماً فإذا برقعة مع رسول، وفيها: يا محمّد معك كذا وكذا... حتَّى قصَّ عليه جميع ما معه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٤) هذا واضح من أنَّ الكاتب يُنزِّل كتابه الذي كان يتضمَّن هذه الفصول.

↑صفحة ٩٥↑

وذكر ما في جملتها شيئاً لم يحط به علماً فسلَّم المال إلى الرسول، وبقي أيَّاماً ثمّ خرج إليه إعلان بنصبه (وكيلاً) مقام أبيه.
وذكر الكليني والمفيد والطوسي أمثلة كثيرة على معاجز النوَّاب، وعلمهم بالغيب، كدليل على ارتباطهم بالإمام المهدي، وعلى وجود المهدي وارتباطه بالسماء.
منها: قيام الإمام برفع جمل وما عليه في السماء.
ومنها: نهي المهدي لرجل عن ختان ابنه، وموت الطفل بعد ذلك بقليل.
ومنها: نهي رجل عن السفر في البرِّ والبحر وأمره بالإقامة بالكوفة، وخروج القراصنة وقطَّاع الطُّرُق على القوافل في ذلك الوقت.
ومنها: قصَّة معرفة العمري بموضع أمانة نسيها الرسول بين أمتعته، مع عدم حمل الرسول لأيَّة تذكرة أو كتاب حول الموضوع.
ومنها: إخبار العمري بتاريخ وفاته في اليوم والشهر والسنة.
ومنها: إخبار العمري الناس بالأجوبة العجيبة، وإخباره لرجل بتفاصيل خلاف سرِّي بينه وبين زوجته.
ومنها: قدرة النائب الثالث: الحسين بن روح النوبختي على قراءة رسالة بيضاء ومعرفته بمحتوياتها، والإجابة عليها بسرعة.
ومنها: إخبار عليِّ بن بابويه الصدوق بولادة ولدين صالحين له في المستقبل.
ومنها: إخبار النوبختي لعدد من الناس بحلِّ قضاياهم في المستقبل بالتحديد وبالتفصيل، وبموت بعض الأشخاص في أوقات محدَّدة من قبل.
ومنها: معرفة النوبختي باللغات الأجنبيَّة والتكلُّم بها، من دون تعلُّم، بالمعجزة.

↑صفحة ٩٦↑

ومنها: إخبار النائب الرابع السمري، لأصحابه، وهو في بغداد، بنبأ وفاة عليِّ بن الحسين بن بابويه في قم في نفس اليوم.
ومنها: إخبار الشيعة بتاريخ وفاته بعد ستَّة أيَّام.
ومنها: إخبار الوكيل القاسم بن العلاء بقرب وفاته بعد أربعين يوماً، وإرجاع بصره إليه بعد فقده لمدَّة طويلة، وإخباره ببقاء ولده وعدم موته كإخوته السابقين.
ومنها: علم النوَّاب بمصدر الأموال التي كانت ترد إليهم.
ومنها: إخبار محمّد بن زياد الصيمري بوفاته وموته في الوقت المحدَّد.
ويشير الطوسي إلى دليل المعاجز ويعتبره: دليلاً على إمامة ابن الحسن وثبوت غيبته ووجود عينه؛ لأنَّها أخبار تضمَّنت الإخبار بالمغيَّبات وبالشيء قبل كونه على وجه خارق للعادة لا يعلم ذلك إلَّا من أعلمه الله على لسان نبيِّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ووصل إليه من جهة مَنْ دلَّ على صدقه؛ لأنَّ المعجزات لا تظهر على يد الكذَّابين، وإذا ثبت ذلك دلَّ على وجود من أسندوا ذلك إليه.
دليل الإجماع:
بعد الدليل الفلسفي (العقلي، أو الاعتباري والدليل الروائي النقلي) والدليل التاريخي، ودليل (المعاجز الغيبيَّة) الخارقة للعادة.. بعد كلِّ ذلك، يأتي دليل الإجماع الذي يشير إليه بعض القائلين بنظريَّة وجود (محمّد بن الحسن العسكري) وولادته.
وكان أوَّل من أشار إلى دليل الإجماع هو سعد بن عبد الله الأشعري القمِّي في المقالات والفِرَق (ص ١٠٦).
ونقل الشيخ الصدوق عن النوبختي: أنَّ الشيعة أجمعوا جميعاً على أنَّ الإمام الحسن العسكري قد خلَّف ولداً هو الإمام، وقال: إنَّ كلَّ من قال بإمامة الأحد

↑صفحة ٩٧↑

عشر من آباء القائم ألزمه القول بإمامة الثاني عشر، لنصوص آبائه عليه باسمه ونسبه، وإجماع شيعتهم على القول بإمامته، وإنَّه القائم الذي يظهر بعد غيبة طويلة فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً. (إكمال الدِّين: ص ٤٤ و٩٣)، وهو ما يتبادر إلى الأذهان اليوم، حيث يحتجُّ الكثير من الناس بأنَّ قضيَّة وجود (الإمام المهدي محمّد بن الحسن العسكري) هي من الأُمور المجمع عليها بين صفوف الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة على الأقلّ.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٢:١٨) صباحاً.
موسى العلي هجر:
للأسف أيُّها الكاتب أنت لا تريد الحوار! طريقتك في إنزال المواضيع ما أسهلها! ولكن الحوار هو المهمُّ أيُّها الكاتب!

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٢:٣٤) صباحاً.
أحمد الكاتب عضو:
سوف أتفرَّغ الآن لمناقشة أيِّ موضوع يختاره الإخوان من المواضيع التي طرحتها للنقاش، وحاولت أنْ أُدمِّر الأدلَّة المختلفة النقليَّة والعقليَّة والتاريخيَّة، وأُناقشها بعد ذلك؛ لأنَّ بعض الإخوة تساءل عن الأدلَّة المختلفة، وذكر وجودها وقد جئت له بها؛ فإذا أراد مناقشتها، فإنَّه يسهل عليه ذلك.
وليست لدينا عجلة لكي نناقش كلَّ الأُمور في ليلة واحدة.

* * *

ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٧:٥٥) صباحاً.
عبد الحسين البصري عضو:

↑صفحة ٩٨↑

لسنا بحاجة إلى ما يُبيِّن ولادة الإمام المهدي ويُثبِتها تاريخيًّا بعد أنْ عرفنا اتِّفاق كلمة المسلمين على أنَّه من أهل البيت، وأنَّ ظهوره يكون في آخر الزمان، وعرفنا أيضاً النتيجة التي انتهى إليها البحث في طوائف نسب الإمام المهدي، وهي أنَّه لا مجال للشكِّ في كون المهدي الإمام الثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، وهو محمّد بن الحسن بن عليِّ بن محمّد بن عليِّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، وأنَّه حسيني الأب حسني الأُمِّ من جهة فاطمة بنت الحسن السبط أُمِّ الإمام الباقر محمّد بن عليِّ بن الحسين (عليهم السلام).
وهذا يعني أنَّ البحث عن ولادة الإمام المهدي وبيان ثبوتها شرعاً بحث غير طبيعي لولا وجود بعض الملابسات التاريخيَّة حول ولادته (عجَّل الله فرجه)، كادِّعاء عمِّه جعفر الكذَّاب بعدم وجود خلف لأخيه العسكري (عليه السلام)، وقيام السلطة الحاكمة بتسليم تركة الإمام العسكري بعد وفاته لأخيه جعفر الكذَّاب أخذاً بادِّعائه الباطل فيما رواه علماء الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة أنفسهم، ولم يروه غيرهم قطُّ إلَّا من طُرُقهم، وفي هذا وحده كفاية للمنصف المتدبِّر، إذ كيف يروي الشيعة أمراً ويعتقدون بخلافه لو لم يثبت لهم زيف هذا الأمر وبطلانه؟!
إنَّه من قبيل رواياتهم إنكار معاوية منزلة عليٍّ (عليه السلام) من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم). فإنكار معاوية ثابت، ومنزلة عليٍّ (عليه السلام) ثابتة؛ وثبات كليهما عند الشيعة لا يخالجه شكٌّ؛ لأنَّه على نحو اليقين، فكذلك إنكار جعفر الكذَّاب ثابت عندهم، وتصرُّف السلطة على وفق ادِّعائه ثابت أيضاً، وفي مقابل هذا ثبوت ولادة المهدي بالإقرار والعيان، ما بعدهما من برهان.
ولكن من يقتات على موائد الغرب مع انحرافه، لا يبعد منه استغلال تلك الملابسات، وإثارتها بثوب جديد موشى بألوان (التصحيح).
ولأجل هذا نقول: إنَّ ولادة أيِّ إنسان في هذا الوجود تثبت بإقرار أبيه،

↑صفحة ٩٩↑

وشهادة القابلة، وإنْ لم يرَه أحد قطُّ غيرهما، فكيف لو شهد المئات برؤيته، واعترف المؤرِّخون بولادته وصرَّح علماء الأنساب بنسبه، وظهر على يديه ما عرفه المقرَّبون إليه، وصدرت منه وصايا وتعليمات، ونصائح وإرشادات، ورسائل وتوجيهات، وأدعية وصلوات، وأقوال مشهورة، وكلمات مأثورة، وكان وكلاؤه معروفين، وسفراؤه معلومين، وأنصاره في كلِّ عصر وجيل بالملايين.
ولعمري، هل يريد من استغلَّ تلك الملابسات، وأنكر ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أكثر من هذا لإثبات ولادته، أم تراه يقول بلسان الحال للمهدي، كما قال المشركون بلسان المقال لجدِّه النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَها تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً﴾ (الإسراء: ٩٠ - ٩٣).
اللَّهُمَّ إنَّا لا نرجو هداية من عرف الحقَّ وتمسَّك بالباطل؛ لأنَّ من لا يقدر على الانتفاع بضياء الشمس، فهو على الانتفاع بنور القمر أعجز، وإنَّما نطمح إلى إيصال الحقِّ إلى جاهله، وتقوية الإيمان به عند من ضعف في قلبه، فنقول:
إخبار الإمام العسكري بولادة ابنه المهدي (عليهما السلام):
ويدلُّ عليه الخبر الصحيح عن محمّد بن يحيى العطَّار، عن أحمد بن إسحاق، عن أبي هاشم الجعفري، قال: قلت لأبي محمّد (عليه السلام): جلالتك تمنعني من مسألتك فتأذن لي أنْ أسألك؟ فقال: «سَلْ»، قلت: يا سيِّدي، هل لك ولد؟ فقال: «نعم»، فقلت: فإنْ حدث بك حدث فأين أسأل عنه؟ قال: «بالمدينة»(٦٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٥) أُصول الكافي (ج ١/ ص ٣٢٨/ باب ٧٦/ ح ٢).

↑صفحة ١٠٠↑

والخبر الصحيح عن عليِّ بن محمّد، عن محمّد بن عليِّ بن بلال، قال: خرج إليَّ من أبي محمّد قبل مضيِّه بسنتين يُخبرني بالخلف من بعده، ثمّ خرج إليَّ من قبل مضيِّه بثلاثة أيَّام يُخبرني بالخلف من بعده(٦٦).
والمراد بعليِّ بن محمّد هو الثقة الأديب الفاضل ابن بندار، وأمَّا عن محمّد ابن عليِّ بن بلال فإنَّه من الوثاقة والجلالة أشهر من نار على علم بحيث كان يراجعه من مثل أبي القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه)، كما هو معلوم عند أهل الرجال.
شهادة القابلة بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
وهي السيِّدة العلويَّة الطاهرة حكيمة بنت الإمام الجواد وأُخت الإمام الهادي وعمَّة الإمام العسكري (عليهم السلام). وهي التي تولَّت أمر نرجس أُمِّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في ساعة الولادة(٦٧)، وصرَّحت بمشاهدة الإمام الحجَّة بعد مولده(٦٨)، وقد ساعدتها بعض النسوة في عمليَّة الولادة، منهنَّ جارية أبي عليٍّ الخيزراني التي أهداها إلى الإمام العسكري (عليه السلام) فيما صرَّح بذلك الثقة محمّد بن يحيى(٦٩)، ومارية، ونسيم خادمة الإمام العسكري (عليه السلام)(٧٠).
ولا يخفى أنَّ ولادات المسلمين لا يطَّلع عليها غير النساء القوابل، ومن يُنكِر هذا فعليه أنْ يُثبِت لنا مشاهدة غيرهنَّ لأُمِّه في مولده!
هذا، وقد أجرى الإمام العسكري (عليه السلام) السُّنَّة الشريفة بعد ولادة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٦) أُصول الكافي (ج ١/ ص ٣٢٨/ باب ٧٦/ ح ١).
(٦٧) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٢٤/ باب ٤٢/ ح ١ و٢)، والغيبة للطوسي (ص ٢٣٤ و٢٠٤).
(٦٨) أُصول الكافي (ج ١/ص ٣٣٠/باب ٧٧/ح ٣)، وكمال الدِّين (ج ٢/ص ٤٣٣/باب ٤٢/ح ١٤).
(٦٩) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٣١/ باب ٤٢/ ح ٧).
(٧٠) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٣٠/ باب ٤٢/ ح ٥)، والغيبة للطوسي (ص ٢١١ و٢٤٤).

↑صفحة ١٠١↑

المهدي (عجَّل الله فرجه) فعقَّ عنه بعقيقة(٧١) كما يفعل الملتزمون بالسُّنَّة حينما يرزقهم الله من فضله مولوداً.
من شهد برؤية المهدي من أصحاب الأئمَّة (عليهم السلام) وغيرهم:
شهد برؤية الإمام المهدي في حياة أبيه العسكري (عليهما السلام) وبإذن منه عدد من أصحاب العسكري وأبيه الهادي (عليهما السلام)، كما شهد آخرون منهم ومن غيرهم برؤية الإمام المهدي بعد وفاة أبيه العسكري (عليهما السلام) وذلك في غيبته الصغرى التي ابتدأت من سنة (٢٦٠هـ) إلى سنة (٣٢٩هـ)، ولكثرة من شهد على نفسه بذلك سوف نقتصر على ما ذكره المشايخ المتقدِّمون وهم: الكليني (ت ٣٢٩هـ) الذي أدرك الغيبة الصغرى بتمامها تقريباً، والصدوق (ت ٣٨١هـ) وقد أدرك من الغيبة الصغرى أكثر من عشرين عاماً، والشيخ المفيد (ت ٤١٣هـ)، والشيخ الطوسي (ت ٤٦٠هـ)، ولا بأس بذكر اليسير جدًّا من رواياتهم الخاصَّة في تسمية من رآه (عليه السلام)، ثمّ الاكتفاء ببيان أسماء المشاهدين للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، مع تعيين موارد رواياتهم في كُتُب المشايخ الأربعة لأجل الاختصار.
فمن تلك الروايات: ما رواه الكليني في (أُصول الكافي) بسند صحيح: عن محمّد بن عبد الله ومحمّد بن يحيى جميعاً، عن عبد الله بن جعفر الحميدي، قال: اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو (رحمه الله) عند أحمد بن إسحاق، فغمزني أحمد بن إسحاق أنْ أسأله عن الخلف، فقلت له: يا أبا عمرو: إنِّي أُريد أنْ أسألك عن شيء وما أنا بشاكٍّ فيما أُريد أنْ أسألك عنه...، إلى أنْ قال بعد إطراء العمري وتوثيقه على لسان الأئمَّة (عليهم السلام): فخرَّ أبو عمرو ساجداً وبكى ثمّ قال: سَلْ حاجتك. فقلت له: أنت رأيت الخلف من بعد أبي محمّد (عليه السلام)؟ فقال: إي والله ورقبته مثل ذا - وأومأ بيده -،

↑صفحة ١٠٢↑

فقلت له: فبقيت واحدة، فقال لي: هات، فقلت: فالاسم؟ قال: محرَّم عليكم أنْ تسألوا عن ذلك، ولا أقول هذا من عندي، فليس لي أنْ أُحلِّل وأُحرِّم، ولكن عنه (عليه السلام)، فإنَّ الأمر عند السلطان: أنَّ أبا محمّد مضى ولم يُخلِّف ولداً وقسَّم ميراثه وأخذه من لاحق له فيه، وهو ذا عياله يجولون ليس أحد يجسر أنْ يتعرَّف إليهم أو ينيلهم شيئاً، وإذا وقع الاسم وقع الطلب، فاتَّقوا الله وأمسكوا عن ذلك(٧٢).
ومنها: ما رواه في (الكافي) بسند صحيح: عن عليِّ بن محمّد وهو ابن بندار الثقة، عن مهران القلانسي الثقة، قال: قلت للعمري: قد مضى أبو محمّد؟ فقال لي: قد مضى ولكن خلَّف فيكم من رقبته مثل هذه - وأشار بيده -(٧٣).
ومنها: ما رواه الصدوق بسند صحيح عن أجلَّاء المشايخ، قال: حدَّثنا محمّد بن الحسن (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا عبد الله بن جعفر الحميري، قال: قلت لمحمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه): إنِّي أسألك سؤال إبراهيم ربَّه (جلَّ جلاله) حين قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فأخبرني عن صاحب هذا الأمر هل رأيته؟ قال: نعم، وله رقبة مثل ذي - وأشار بيده إلى عنقه -(٧٤).
ومنها: ما رواه الصدوق في (كمال الدِّين)، قال: وحدَّثنا أبو جعفر محمّد بن عليٍّ الأسود (رضي الله عنه)، قال: سألني عليُّ بن الحسين بن موسى بن بابويه (رضي الله عنه) بعد موت محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) أنْ أسأل أبا القاسم بن روح أنْ يسأل مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) أنْ يدعو الله (عزَّ وجلَّ) أنْ يرزقه ولداً ذَكَراً قال: فسألته، فأنهى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧١) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٣١ و٤٣٢/ باب ٤٢/ ح ٦ و١٠).
(٧٢) أُصول الكافي (ج ١/ ص ٣٢٩ و٣٣٠/ باب ٧٧/ ح ١)، ورواه الصدوق بسند صحيح عن أبيه ومحمّد بن الحسن عن عبد الله بن جعفر الحميري، كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٤١/ باب ٤٣/ ح ١٤).
(٧٣) أُصول الكافي (ج ١/ ص ٣٢٩/ باب ٧٦/ ح ٤، وج ١/ ص ٣٣١/ باب ٧٧/ ح ٤).
(٧٤) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٣٥/ باب ٤٣/ ح ٣).

↑صفحة ١٠٣↑

ذلك، ثمّ أخبرني بعد ذلك بثلاثة أيَّام أنَّه قد دعا لعليِّ بن الحسين وأنَّه سيُولَد له ولد مبارك ينفع الله به وبعده أولاد. ثمّ قال الصدوق بعد ذلك: (قال مصنِّف هذا الكتاب (رضي الله عنه): كان أبو جعفر محمّد بن عليٍّ الأسود (رضي الله عنه)، كثيراً ما يقول لي - إذا رآني أختلف إلى مجلس شيخنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنه)، وأرغب في كُتُب العلم وحفظه -: ليس بعجب أنْ تكون لك هذه الرغبة في العلم، وأنت ولدت بدعاء الإمام (عليه السلام))(٧٥).
ومنها: ما رواه الشيخ الطوسي في كتاب (الغيبة) عن أجلَّاء هذه الطائفة وشيوخها قال: وأخبرني محمّد بن محمّد بن النعمان، والحسين بن عبد الله، عن أبي عبد الله محمّد بن أحمد الصفواني، قال: أوصى الشيخ أبو القاسم (رضي الله عنه) إلى أبي الحسن عليِّ بن محمّد السمري (رضي الله عنه) فقام بما كان إلى أبي القاسم (السفير الثالث) فلمَّا حضرته الوفاة، حضرت الشيعة عنده وسألته عن الموكِّل بعده ولمن يقوم مقامه، فلم يُظهِر شيئاً من ذلك، وذكر أنَّه لم يُؤمَر بأنْ يُوصي إلى أحد بعده في هذا الشأن(٧٦).
ولا يخفى أنَّ مقام السمري مقام أبي القاسم الحسين بن روح في الوكالة عن الإمام تتطلَّب رؤيته في كلِّ أمر يحتاج إليه فيه، ومن هنا تواتر ما خرج على يد السفراء الأربعة الذين ذكرناهم في هذه الروايات من وصايا وإرشادات وأوامر وكلمات الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)(٧٧).
وهناك روايات أُخرى كثيرة صريحة برؤية السفراء الأربعة كلٌّ في زمان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٥) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٥٠٢/ باب ٤٥/ ح ٣١).
(٧٦) كتاب الغيبة للطوسي (ص ٣٩٤/ ح ٣٦٣).
(٧٧) وقد جمعت هذه الأُمور في ثلاث مجلَّدات مطبوعة بعنوان (المختار من كلمات الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)) تأليف الشيخ محمّد الغروي.

↑صفحة ١٠٤↑

وكالته للإمام المهدي وكثير منها بمحضر من الشيعة وها نحن نشير إلى أسماء من رآه (عجَّل الله فرجه)، وهم:
إبراهيم بن إدريس أبو أحمد(٧٨).
وإبراهيم بن عبدة النيسابوري(٧٩).
وإبراهيم بن محمّد التبريزي(٨٠).
وإبراهيم بن مهزيار أبو إسحاق الأهوازي(٨١).
وأحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري(٨٢)، ورآه مرَّة أُخرى مع سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري (من مشايخ والد الصدوق والكليني)(٨٣).
وأحمد بن الحسين بن عبد المَلِك أبو جعفر الأزدي، وقيل: الأوْدي(٨٤).
وأحمد بن محمّد بن المطَهَّر أبو عليٍّ من أصحاب الهادي والعسكري (عليهما السلام)(٨٥).
وأحمد بن هلال أبو جعفر العبرتائي الغالي الملعون، وكان معه جماعة منهم: عليُّ بن بلال، ومحمّد بن معاوية بن حكيم، والحسن بن أيُّوب بن نوح، وعثمان بن سعيد العمري (رضي الله عنه) إلى تمام أربعين رجلاً(٨٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٨) الكافي (ج ١/ ص ٣٣١/ باب ٧٧/ ح ٨)، والإرشاد للمفيد (ج ٢/ ص ٢٥٣)، وكتاب الغيبة للطوسي (ص ٢٦٨/ ح ٢٣٢، وص ٣٥٧/ ح ٣١٩).
(٧٩) الكافي (ج ١/ ص ٣٣١/ باب ٧٧/ ح ٦)، والإرشاد (ج ٢/ ص ٣٥٢)، والغيبة للطوسي (ص ٢٦٨/ ح ٢٣١).
(٨٠) الغيبة للطوسي (ص ٢٢٦ و٢٥٩).
(٨١) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٤٥/ باب ٤٣/ ح ١٩).
(٨٢) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٣٨٤/ باب ٣٨/ ح ١).
(٨٣) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٥٦/ باب ٤٣/ ح ٢١).
(٨٤) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٤٤/ باب ٤٣/ ح ١٨)، والغيبة للطوسي (ص ٢٥٣/ ح ٢٢٣).
(٨٥) الكافي (ج ١/ ص ٣٣١/ باب ٧٧/ ح ٥)، والإرشاد (ج ٢/ ص ٣٥٢)، والغيبة للطوسي (ص ٢٦٩/ ح ٢٣٣).
(٨٦) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٧/ ح ٣١٩).

↑صفحة ١٠٥↑

وإسماعيل بن عليٍّ النوبختي أبو سهل(٨٧).
وأبو عبد الله بن صالح(٨٨).
وأبو محمّد الحسن بن وجناء النصيبي(٨٩).
وأبو هارون، من مشايخ محمّد بن الحسن الكرخي(٩٠).
وجعفر الكذَّاب عمُّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) رأى الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) مرَّتين(٩١).
والسيِّدة العلويَّة الطاهرة حكيمة بنت الإمام محمّد بن عليٍّ الجواد (عليهما السلام)(٩٢).
والزهري، وقيل: الزهراني، ومعه العمري (رضي الله عنه)(٩٣).
ورشيق صاحب المادراي(٩٤).
وأبو القاسم النوبختي (رضي الله عنه)(٩٥).
وعبد الله السوري(٩٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٧) الغيبة للطوسي (ص ٢٧٢/ ح ٢٣٧).
(٨٨) الكافي (ج ١/ ص ٣٣١/ باب ٧٧/ ح ٧)، والإرشاد (ج ٢/ ص ٣٥٢).
(٨٩) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٣٢/ باب ٤٣/ ح ١٧).
(٩٠) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٣٢/ باب ٤٣/ ح ٩، وج ٢/ ص ٤٣٤/ باب ٤٣/ ح ١).
(٩١) الكافي (ج ١/ ص ٣٣١/ باب ٧٧/ ح ٩)، وكمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٤٢/ باب ٤٣/ ح ١٥)، والإرشاد (ج ٢/ ص ٣٥٣)، والغيبة للطوسي (ص ٢١٧/ ح ٢٤٨).
(٩٢) الكافي (ج ١/ ص ٣٣١/ باب ٧٧/ ح ٣)، وكمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٢٤/ باب ٤٢/ ح ١ و٢)، والإرشاد (ج ٢/ ص ٣٥١)، والغيبة للطوسي (ص ٢٣٤/ ح ٢٠٤ و٢٠٥، وص ٢٣٩/ ح ٢٠٧).
(٩٣) الغيبة للطوسي (ص ٢٧١/ ح ٢٣٦).
(٩٤) الغيبة للطوسي (ص ٢٤٨/ ح ٢١٨).
(٩٥) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٥٠٢/ باب ٤٥/ ح ٦١)، والغيبة للطوسي (ص ٣٢٠/ ح ٢٦٦، وص ٣٢٢/ ح ٢٦٩).
(٩٦) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٤١/ باب ٤٣/ ح ١٣).

↑صفحة ١٠٦↑

وعمرو الأهوازي(٩٧).
وعليُّ بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي(٩٨).
وعليُّ بن محمّد الشمشاطي، رسول جعفر بن إبراهيم اليماني(٩٩).
وغانم أبو سعيد الهندي(١٠٠).
وكامل بن إبراهيم المدني(١٠١).
وأبو عمرو عثمان بن سعيد العمري (رضي الله عنه)(١٠٢).
ومحمّد بن أحمد الأنصاري أبو نعيم الزيدي، وكان معه في مشاهدة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه): أبو عليٍّ المحمودي، وعلَّان الكليني، وأبو الهيثم الديناري، وأبو جعفر الأحول الهمداني، وكانوا زهاء ثلاثين رجلاً فيهم السيِّد محمّد بن القاسم العلوي العقيقي(١٠٣)، والسيِّد الموسوي محمّد بن إسماعيل بن الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) وكان أسنّ شيخ في عصره من ولد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(١٠٤).
ومحمّد بن جعفر أبو العبَّاس الحميري على رأس وفد من شيعة مدينة قم(١٠٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٧) الكافي (ج ١/ ص ٣٢٨/ باب ٧٦/ ح ٣، وج ١/ ص ٣٣٢/ باب ٧٧/ ح ١٢)، والإرشاد (ج ٢/ ص ٣٥٣)، والغيبة للطوسي (ص ٢٣٤/ ح ٢٠٣).
(٩٨) الغيبة للطوسي (ص ٢٢٨/ ح ٢٦٣).
(٩٩) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٩١/ باب ٤٥/ ح ١٤).
(١٠٠) الكافي (ج ١/ ص ٥١٥/ باب ١٢٥/ ح ٣)، وكمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٣٧/ باب ٤٣/ بعد الحديث ٦).
(١٠١) الغيبة (ص ٢٤٧/ ح ٢١٦).
(١٠٢) الكافي (ج ١/ ص ٣٢٩/ باب ٧٦/ ح ١ و٤، وج ١/ ص ٣٣١/ باب ٧٧/ ح ٤)، والإرشاد (ج ٢/ ص ٣٥١)، والغيبة للطوسي (ص ٣٥٥/ ح ٣١٦).
(١٠٣) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٧٠/ باب ٧٣/ ح ٢٤)، والغيبة للطوسي (ص ٢٥٩/ ح ٢٢٧).
(١٠٤) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٠/ باب ٧٧/ ح ٢)، والإرشاد (ج ٢/ ص ٣٥١)، والغيبة للطوسي (ص ٢٦٨/ ح ٢٣٠).
(١٠٥) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٧٧/ باب ٤٣/ بعد الحديث ٦).

↑صفحة ١٠٧↑

ومحمّد بن صالح بن عليِّ بن محمّد بن قنبر الكبير مولى الإمام الرضا (عليه السلام)(١٠٦).
ومحمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه)(١٠٧)، وكان قد رآه مع أربعين رجلاً بإذن الإمام العسكري (عليه السلام)، وكان من جملتهم: معاوية بن حكيم، ومحمّد بن أيُّوب بن نوح(١٠٨)، ويعقوب بن منقوش(١٠٩)، ويعقوب بن يوسف الضرَّاب الغسَّاني(١١٠)، ويوسف بن أحمد الجعفري(١١١).
شهادة وكلاء المهدي ومن وقف على معجزاته (عجَّل الله فرجه) برؤيته:
لقد ذكر الصدوق من وقف على معجزات الإمام المهدي ورآه من الوكلاء وغيرهم مع تسمية بلدانهم وقد أشرنا إلى بعضهم، وقد بلغوا من الكثرة حدًّا يمتنع معه اتِّفاقهم على الكذب لاسيّما وهم من بلدان شتَّى، وإليك بعضهم:
فمن بغداد: العمري، وابنه، وحاجز، والبلالي، والعطَّار.
ومن الكوفة: العاصمي.
ومن أهل الأهواز: محمّد بن إبراهيم بن مهزيار.
ومن أهل قم: أحمد بن إسحاق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٦) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٤٢/ باب ٤٣/ ح ١٥)، حدَّث عن رؤية جعفر الكذَّاب للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وظاهره أنَّه رآه أيضاً، ولكن صريح الكافي أنَّه لم يرَه (عليه السلام) ولكنَّه رأى من رآه وهو جعفر الكذَّاب. الكافي (ج ١/ ص ٣٣١/ باب ٧٧/ ح ٩).
(١٠٧) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٣٣/ باب ٤٢/ ح ١٣، وج ٢/ ص ٤٣٥/ باب ٤٣/ ح ٣، وج ٢/ ص ٤٤٠/ باب ٤٣/ ح ٩ و١٠، وج ٢/ ص ٤٤١/ باب ٤٣/ ح ١٤).
(١٠٨) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٣٥/ باب ٤٣/ ح ٢).
(١٠٩) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٣٧/ باب ٤٣/ ح ٥).
(١١٠) الغيبة للطوسي (ص ٢٧٣/ ح ٢٣٨).
(١١١) الغيبة للطوسي (ص ٢٥٧/ ح ٢٢٥).

↑صفحة ١٠٨↑

ومن أهل همدان: محمّد بن صالح.
ومن أهل الريِّ: البسَّامي، والأسدي (محمّد بن أبي عبد الله الكوفي).
ومن أهل آذربيجان: القاسم بن العلاء.
ومن أهل نيسابور: محمّد بن شاذان.
ومن غير الوكلاء:
من أهل بغداد: أبو القاسم بن أبي حليس، وأبو عبد الله الكندي، وأبو عبد الله الجنيدي، وهارون القزَّاز، والنيلي، وأبو القاسم بن دبيس، وأبو عبد الله بن فروُّخ، ومسرور الطبَّاخ مولى أبي الحسن (عليه السلام)، وأحمد ومحمّد ابنا الحسن، وإسحاق الكاتب من بني نوبخت وغيرهم.
ومن همدان: محمّد بن كشمرد، وجعفر بن حمدان، ومحمّد بن هارون بن عمران.
ومن الدينور: حسن بن هارون، وأحمد بن أُخَيَّة، وأبو الحسن.
ومن أصفهان: ابن باشاذالة.
ومن الصميرة: زيدان.
ومن قم: الحسن بن النضر، ومحمّد بن محمّد، وعليُّ بن محمّد بن إسحاق، وأبوه، والحسن بن يعقوب.
ومن أهل الريِّ: القاسم بن موسى، وابنه، وأبو محمّد بن هارون، وعليُّ بن محمّد، ومحمّد بن محمّد الكليني، وأبو جعفر الرفَّاء.
ومن قزوين: مرداس، وعليُّ بن أحمد.
ومن نيسابور: محمّد بن شعيب بن صالح.
ومن اليمن: الفضل بن يزيد، والحسن بن الفضل بن يزيد، والجعفري، وابن الأعجمي، وعليُّ بن محمّد الشمشاطي.

↑صفحة ١٠٩↑

ومن مصر: أبو رجاء وغيره.
ومن نصيبين: أبو محمّد الحسن بن الوجناء النصيبي.
كما ذكر أيضاً من رآه (عليه السلام) من أهل شهرزور، والصيمرة، وفارس وقابس، ومرو(١١٢).
شهادة الخدم والجواري والإماء برؤية المهدي (عجَّل الله فرجه):
كما شاهد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من كان يخدم أباه العسكري (عليه السلام) في داره مع بعض الجواري والإماء، كطريف الخادم أبي نصر(١١٣)، وخادمة إبراهيم بن عبدة النيسابوري التي شاهدت مع سيِّدها الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)(١١٤)، وأبي الأديان الخادم(١١٥)، وأبي غانم الخادم الذي قال: وُلِدَ لأبي محمّد (عليه السلام) ولد فسمَّاه محمّداً، فعرضه على أصحابه يوم الثالث، وقال: «هذا صاحبكم من بعدي، وخليفتي عليكم، وهو القائم الذي تمتدُّ إليه الأعناق بالانتظار، فإذا امتلأت الأرض جوراً وظلماً خرج فملأها قسطاً وعدلاً»(١١٦).
وشهد بذلك أيضاً: عقيد الخادم(١١٧)، والعجوز الخادمة(١١٨)، وجارية أبي عليٍّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٢) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٤٢ و٤٤٣/ باب ٤٣/ ح ١٦).
(١١٣) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٢/ باب ٧٧/ ح ١٣)، وكمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٤١/ باب ٤٣/ ح ١٢)، والإرشاد (ج ٢/ ص ٣٥٤)، والغيبة للطوسي (ص ٢٤٦/ ح ٢١٥)، وفيه: (ظريف) بدلاً عن (طريف).
(١١٤) الكافي (ج ١/ ص ٣٣١/ باب ٧٧/ ح ٦)، والإرشاد (ج ٢/ ص ٣٥٢)، والغيبة للطوسي (ص ٢٦٨/ ح ٢٣١).
(١١٥) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٧٥/ باب ٤٢/ بعد الحديث ٢٥).
(١١٦) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٣١/ باب ٤٢/ ح ٨).
(١١٧) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٧٤/ باب ٤٣/ بعد الحديث ٢٥)، والغيبة للطوسي (ص ٢٧٢/ ح ٢٣٧).
(١١٨) الغيبة للطوسي (ص ٢٧٣ - ٢٧٦/ ح ٢٣٨).

↑صفحة ١١٠↑

الخيزراني التي أهداها إلى الإمام العسكري (عليه السلام)(١١٩)، ومن الجواري اللواتي شهدن برؤية الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه): نسيم(١٢٠)، ومارية(١٢١).
كما شهد بذلك مسرور الطبَّاخ مولى أبي الحسن (عليه السلام)(١٢٢)، وكلُّ هؤلاء قد شهدوا بنحو ما شهد به أبو غانم الخادم في بيت العسكري (عليه السلام).
تصرُّف السلطة دليل على ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
وُلِدَ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في شهر ربيع الآخر سنة (٢٣٢هـ)، وقد عاصر ثلاثة من سلاطين بني العبَّاس، وهم: المعتز (ت٢٥٥هـ)، والمهتدي (ت ٢٥٦هـ)، والمعتمد (ت ٢٧٩هـ).
وقد كان المعتمد شديد التعصُّب والحقد على آل البيت (عليهم السلام) ومن تصفَّح كُتُب التاريخ المشهورة كالطبري وغيره، واستقرأ ما في حوادث سنة (٢٥٧هـ) و(٢٥٨هـ) و(٢٥٩هـ) و(٢٦٠هـ)، وهي السنوات الأُولى من حكمه، عَلِمَ مدى حقده على أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام).
ولقد عاقبه الله في حياته، إذ لم يكن في يده شيء من ملكه حتَّى إنَّه احتاج إلى ثلاثمائة دينار فلم ينلها، ومات ميتة سوء، إذ ضجر منه الأتراك فرموه في رصاص مذاب باتِّفاق المؤرِّخين.
ومن مواقفه الخسيسة أمْرُهُ شرطته بعد وفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) مباشرةً بتفتيش داره تفتيشاً دقيقاً والبحث عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) والأمر بحبس جواري أبي محمّد (عليه السلام) واعتقال حلائله يساعدهم بذلك جعفر الكذَّاب طمعاً في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٩) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٣١/ باب ٤٢/ ح ٧).
(١٢٠) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٤١/ باب ٤٣/ ح ١١).
(١٢١) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٣٠/ باب ٤٢/ ح ٥)، وفي هذا المورد شاهدته (عجَّل الله فرجه) نسيم مع مارية.
(١٢٢) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٤٢/ باب ٤٣/ ح ١٦).

↑صفحة ١١١↑

أنْ ينال منزلة أخيه العسكري (عليه السلام) في نفوس شيعته، حتَّى جرى بسبب ذلك - كما يقول الشيخ المفيد - على مخلفي أبي محمّد (عليه السلام) كلُّ عظيمة من اعتقال، وحبس، وتهديد، وتصغير، واستخفاف، وذلٍّ(١٢٣).
كلُّ هذا والإمام المهدي في الخامسة من عمره الشريف، ولا يهمُّ المعتمد العبَّاسي العمر بعد أنْ عرف هذا الصبيَّ هو الإمام الذي سيهدم عرش الطاغوت؛ نظراً لما تواتر من الخبر بأنَّ الثاني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) سيملأ الدنيا قسطاً وعدلاً بعدما مُلِئَت ظلماً وجوراً.
فكان موقفه من مهدي الأُمَّة كموقف فرعون من نبيِّ الله موسى (عليه السلام) الذي ألقته أُمُّه - خوفاً عليه - في اليمِّ صبيًّا، وبعض الشرِّ أهون من بعض.
ولم يكن المعتمد العبَّاسي قد عرف هذه الحقيقة وحده وإنَّما عرفها من كان قبله كالمعتزِّ والمهتدي؛ ولهذا كان الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) حريصاً على أنْ لا ينتشر خبر ولادة المهدي إلَّا بين الخلَّص من شيعته ومواليه (عليه السلام)، مع أخذ التدابير اللازمة والاحتياطات الكافية لصيانة قادة التشيُّع من الاختلاف بعد وفاته (عليه السلام)، إذ أوقفهم بنفسه على المهدي الموعود مرَّات عديدة وأمرهم بكتمان أمره لمعرفة الطواغيت بأنَّه (الثاني عشر) الذي ينطبق عليه حديث جابر بن سمرة الذي رواه القوم وأدركوا تواتره، وإلَّا فأيُّ خطر يُهدِّد كيان المعتمد في مولود يافع لم يتجاوز من العمر خمس سنين؟! لو لم يُدرك أنَّه هو المهدي المنتظر الذي رسمت الأحاديث المتواترة دوره العظيم بكلِّ وضوح، وبيَّنت موقفه من الجبابرة عند ظهوره.
ولو لم يكن الأمر على ما وصفناه فلماذا لم تقتنع السلطة بشهادة جعفر الكذَّاب وزعمه بأنَّ أخاه العسكري (عليه السلام) مات ولم يُخلِّف ولداً؟ أمَا كان بوسع

↑صفحة ١١٢↑

السلطة أنْ تُعطي جعفراً الكذَّاب ميراث أخيه العسكري (عليه السلام) من غير ذلك التصرُّف الأحمق الذي يدلُّ على ذعرها وخوفها من ابن الحسن (عليه السلام)؟!
قد يقال: بأنَّ حرص السلطة على إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه هو الذي دفعها إلى التحرِّي عن وجود الخلف لكي لا يستقلَّ جعفر الكذَّاب بالميراث وحده بمجرَّد شهادته! فنقول: ومع هذا، فإنَّه ليس من شأن السلطة الحاكمة آنذاك أنْ تتحرَّى عن هذا الأمر بمثل هذا التصرُّف المريب، بل كان على السلطة أنْ تحيل دعوى جعفر الكذَّاب إلى أحد القضاة، لاسيّما وأنَّ القضيَّة من قضايا الميراث التي يحصل مثلها كلَّ يوم مرَّات، وعندها سيكون بوسع القاضي التحقيق واستدعاء الشهود كأُمِّ الإمام العسكري (عليه السلام)، ونسائه وجواريه والمقرَّبين إليه من بني هاشم، ثمّ يستمع إلى أقوالهم ويُثبِت شهاداتهم، ثمّ يصدر الحكم على ضوء ما بيديه من شهادات، أمَّا أنْ تنفرد السلطة بنفسها ويصل الأمر إلى أعلى رجل فيها، وبهذه السرعة، ولـمَّا يُدفَن الإمام الحسن (عليه السلام)، وخروج القضيَّة عن إرادة دائرة القضاء مع أنَّها من اختصاصاته، ومن ثَمَّ مداهمة الشرطة لمن في بيت الإمام العسكري (عليه السلام) بعد وفاته مباشرة، كلُّ ذلك يدلُّ على تيقُّن السلطة من ولادة الإمام المهدي وإنْ لم ترَه، لما سبق من علمهم بثاني عشر أهل البيت كما أشرنا إليه؛ ولهذا جاءت للبحث عنه لا بعنوان إعطاء ميراث العسكري (عليه السلام) لمن يستحقُّه من بعده، وإنَّما للقبض عليه والفتك به بعد أنْ لم يجدوا لذلك سبيلاً في حياة أبيه العسكري (عليه السلام).
ولهذا كان الخوف على حياته الشريفة من أسرار غيبته (عليه السلام)، كما مرَّ عليك في إخبار آبائه الكرام (عليهم السلام) عنها قبل وقوعها بعشرات السنين.
اعترافات علماء الأنساب بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
لا شكَّ في أنَّ الرجوع إلى أصحاب كلِّ فنٍّ ضرورة، والأولى بصدد ما نحن فيه، هم علماء الأنساب، وإليك بعضهم:

↑صفحة ١١٣↑

١ - النسَّابة الشهير أبو نصر سهل بن عبد الله بن داود بن سليمان البخاري من أعلام القرن الرابع الهجري، كان حيًّا سنة (٣٤١هـ)، وهو من أشهر علماء الأنساب المعاصرين لغيبة الإمام المهدي الصغرى التي انتهت سنة (٣٢٩هـ).
قال في (سرِّ السلسلة العلويَّة): (وولد عليّ بن محمّد التقي (عليه السلام): الحسن بن عليٍّ (عليه السلام) من أُمِّ ولد نوبيَّة تُدعى: ريحانة، ووُلِدَ سنة إحدى وثلاثين ومائتين وقُبِضَ سنة ستِّين ومائتين بسامرَّاء، وهو ابن تسع وعشرين سنة.. وولد عليّ بن محمّد التقي (عليه السلام) جعفراً، وهو الذي تُسمِّيه الإماميَّة جعفر الكذَّاب، وإنَّما تُسمِّيه الإماميَّة بذلك؛ لادِّعائه ميراث أخيه الحسن (عليه السلام) دون ابنه القائم الحجَّة (عجَّل الله فرجه). لا طعن في نسبه)(١٢٤).
٢ - السيِّد العمري النسَّابة المشهور من أعلام القرن الخامس الهجري، قال ما نصُّه: (ومات أبو محمّد (عليه السلام) وولده من نرجس (عليها السلام) معلوم عند خاصَّة أصحابه وثقات أهله وسنذكر حال ولادته والأخبار التي سمعناها بذلك، وامتُحِنَ المؤمنون بل كافَّة الناس بغيبته، وشره جعفر بن عليٍّ إلى مال أخيه وحاله فدفع أنْ يكون له ولد، وأعانه بعض الفراعنة على قبض جواري أخيه...)(١٢٥).
٣ - الفخر الرازي الشافعي (ت ٦٠٦هـ)، قال في كتابه (الشجرة المباركة في أنساب الطالبيَّة) تحت عنوان: أولاد الإمام العسكري (عليه السلام) ما هذا نصُّه: (أمَّا الحسن العسكري الإمام (عليه السلام) فله ابنان وبنتان: أمَّا الابنان، فأحدهما: صاحب الزمان (عليه السلام)، والثاني موسى درج في حياة أبيه. وأمَّا البنتان: ففاطمة درجت في حياة أبيها، وأُمُّ موسى درجت أيضاً)(١٢٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٣) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٣٦).
(١٢٤) سرُّ السلسلة العلويَّة لأبي نصر البخاري (ص ٣٩).
(١٢٥) المجدي في أنساب الطالبين (ص ١٣٠).
(١٢٦) الشجرة المباركة في أنساب الطالبيَّة للفخر الرازي (ص ٧٨ و٧٩).

↑صفحة ١١٤↑

٤ - المروزي الأزورقاني (ت بعد سنة ٦١٤هـ) فقد وصف في كتاب (الفخري) جعفر ابن الإمام الهادي في محاولته إنكار ولد أخيه بالكذَّاب(١٢٧)، وفيه أعظم دليل على اعتقاده بولادة الإمام المهدي.
٥ - السيِّد النسَّابة جمال الدِّين أحمد بن عليٍّ الحسيني المعروف بابن عَنِبَه (ت ٨٢٨هـ) قال في (عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب): (أمَّا عليٌّ الهادي فيُلقَّب العسكري لمقامه بسُرَّ من رأى، وكانت تُسمَّى العسكر، وأُمُّه أُمُّ ولد، وكان في غاية الفضل ونهاية النبل، أشخصه المتوكِّل إلى سُرَّ من رأى فأقام بها إلى أنْ تُوفِّي، وأعقب من رجلين، هما:
الإمام أبو محمّد الحسن العسكري (عليه السلام)، وكان من الزهد والعلم على أمر عظيم، وهو والد الإمام محمّد المهدي (عليه السلام وصلوات الله عليه) ثاني عشر الأئمَّة عند الإماميَّة، وهو القائم المنتظر عندهم من أُمِّ ولد اسمها نرجس.
واسم أخيه أبو عبد الله جعفر الملقَّب بالكذَّاب؛ لادِّعائه الإمامة بعد أخيه الحسن)(١٢٨).
وقال في الفصول الفخريَّة (مطبوع باللغة الفارسية) ما ترجمته: (أبو محمّد الحسن الذي يقال له: العسكري، والعسكر هو سامرَّاء، جلبه المتوكِّل وأباه إلى سامرَّاء من المدينة، واعتقلهما. وهو الحادي عشر من الأئمَّة الاثني عشر، وهو والد محمّد المهدي (عليه السلام)، ثاني عشرهم)(١٢٩).
٦ - النسَّابة الزيدي السيِّد أبو الحسن محمّد الحسيني اليماني الصنعاني من أعيان القرن الحادي عشر، ذكر في المشجَّرة التي رسمها لبيان نسب أولاد أبي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٧) الفخري في أنساب الطالبين (ص ٧).
(١٢٨) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب (ص ١٩٩).
(١٢٩) الفصول الفخريَّة (في الأنساب) للنسَّابة جمال الدِّين أحمد بن عنبه (ص ١٣٤ و١٣٥).

↑صفحة ١١٥↑

جعفر محمّد بن عليٍّ الباقر بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، وتحت اسم الإمام عليٍّ التقي المعروف بالهادي (عليه السلام) خمسة من البنين وهم: الإمام العسكري، الحسين، موسى، محمّد، عليٌّ. وتحت اسم الإمام العسكري (عليه السلام) مباشرةً كتب: (محمّد بن) وبإزائه: (منتظر الإماميَّة)(١٣٠).
٧ - محمّد أمين السويدي (ت ١٢٤٦هـ) قال في (سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب): (محمّد المهدي: وكان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين، وكان مربوع القامة، حسن الوجه والشعر، أقنى الأنف، صبيح الجبهة)(١٣١).
٨ - النسَّابة المعاصر محمّد ويس الحيدري السوري قال في (الدُّرَر البهيَّة في الأنساب الحيدريَّة والأُويسيَّة) في بيان أولاد الإمام الهادي (عليه السلام): (أعقب خمسة أولاد: محمّد وجعفر والحسين والإمام الحسن العسكري وعائشة. فالحسن العسكري أعقب محمّد المهدي صاحب السرداب). ثمّ قال بعد ذلك مباشرةً وتحت عنوان: (الإمامان محمّد المهدي والحسن العسكري):
(الإمام الحسن العسكري: وُلِدَ بالمدينة سنة (٢٣١هـ)، وتُوفِّي بسامراء سنة (٢٦٠هـ). الإمام محمّد المهدي: لم يذكر له ذرّيَّة ولا أولاد له أبداً)(١٣٢).
ثمّ علَّق في هامش العبارة الأخيرة بما هذا نصُّه: (وُلِدَ في النصف من شعبان سنة (٢٥٥هـ)، وأُمُّه نرجس، وُصِفَ فقالوا عنه: ناصع اللون، واضح الجبين، أبلج الحاجب، مسنون الخدِّ، أقنى الأنف، أشمّ، أروع، كأنَّه غصن بان، وكأنَّ غرَّته كوكب دُرِّي، في خدِّه الأيمن خال كأنَّه فتات مسك على بياض الفضَّة، وله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٠) روضة الألباب لمعرفة الأنساب للنسَّابة الزيدي السيِّد أبي الحسن محمّد الحسيني اليماني الصنعاني (ص ١٠٥).
(١٣١) سبائك الذهب للسويدي (ص ٣٤٦).
(١٣٢) الدُّرَر البهيَّة في الأنساب الحيدريَّة والأُويسيَّة (ص ٧٣/ ط ١٤٠٥هـ/ طبع حلب سوريا).

↑صفحة ١١٦↑

وفرة سمحاء تطالع شحمة أُذُنه، ما رأت العيون أقصد منه ولا أكثر حسناً وسكينةً وحياءً)(١٣٣).
وبعد، فهذه هو أقوال علماء الأنساب في ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وفيهم السُّنِّي والزيدي إلى جانب الشيعي، وفي المثل: أهل مكَّة أعرف بشعابها.
اعتراف علماء أهل السُّنَّة بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
هناك اعترافات ضافية سجَّلها الكثير من أهل السُّنَّة بأقلامهم بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وقد قام البعض باستقراء هذه الاعترافات في بحوث خاصَّة، فكانت متَّصلة الأزمان، بحيث لا تتعذَّر معاصرة صاحب الاعتراف اللَّاحق لصاحب الاعتراف السابق بولادة المهدي (عجَّل الله فرجه)، وذلك ابتداءً من عصر الغيبة الصغرى للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) (٢٦٠هـ - ٣٢٩هـ) وإلى الوقت الحاضر.
وسوف نقتصر على ذكر بعضهم ومن أراد التوسُّع في ذلك فعليه مراجعة الاستقراءات السابقة لتلك الاعترافات(١٣٤)، وهم:
١ - ابن الأثير الجزري عزُّ الدِّين (ت ٦٣٠هـ) قال في كتابه (الكامل في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٣) هامش الدُّرَر البهيَّة (ص ٧٣ و٧٤).
(١٣٤) راجع كتاب الإيمان الصحيح للسيِّد القزويني، وكتاب الإمام المهدي في نهج البلاغة للشيخ مهدي فقيه إيماني، وكتاب من هو الإمام المهدي للتبريزي، وكتاب إلزام الناصب للشيخ عليّ اليزدي الحائري، وكتاب الإمام المهدي للأُستاذ عليّ محمّد دخيل، وكتاب دفاع عن الكافي للسيِّد ثامر العميدي. وقد ذكر الكتاب الأخير مائة وثمانية وعشرين شخصاً من أهل السُّنَّة من الذين اعترفوا بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) مع ترتيبهم بحسب القرون، فكان أوَّلهم أبا بكر بن هارون الروياني (ت ٣٠٧هـ) في كتابه المسند (مخطوط)، وآخرهم الأُستاذ المعاصر يونس أحمد السامرَّائي في كتابه (سامراء في أدب القرن الثالث الهجري)، ساعدت جامعة بغداد على طبعه سنة (١٩٦٨م). اُنظر دفاع عن الكافي (ج ١/ ص ٥٦٨ - ٥٩٢) تحت عنوان: الدليل السادس: اعترافات أهل السُّنَّة.

↑صفحة ١١٧↑

التاريخ) في حوادث سنة (٢٦٠هـ): (وفيها تُوفِّي أبو محمّد العلوي العسكري، وهو أحد الأئمَّة الاثني عشر على مذهب الإماميَّة، وهو والد محمّد الذي يعتقدونه المنتظر)(١٣٥).
٢ - ابن خلِّكان (ت ٦٨١هـ) قال في (وفيات الأعيان): (أبو القاسم محمّد ابن الحسن العسكري بن عليٍّ الهادي بن محمّد الجواد المذكور قبله، ثاني عشر الأئمَّة الاثني عشر على اعتقاد الإماميَّة المعروف بالحجَّة... كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين)، ثمّ نقل عن المؤرِّخ الرحَّالة ابن الأزرق الفارقي (ت ٥٧٧هـ) أنَّه قال في (تاريخ ميافارقين): (إنَّ الحجَّة المذكور وُلِدَ تاسع شهر ربيع الأوَّل سنة ثمان وخمسين ومائتين، وقيل: في ثامن شعبان سنة ستٍّ وخمسين، وهو الأصحّ)(١٣٦).
أقول: الصحيح في ولادته (عجَّل الله فرجه) هو ما ذكره ابن خلِّكان أوَّلاً، وهو يوم الجمعة منتصف شهر شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، وعلى ذلك اتَّفق جمهور الشيعة، وقد أخرجوا في ذلك روايات صحيحة في ذلك مع شهادة أعلامهم المتقدِّمين، وقد أطلق هذا التاريخ الشيخ الكليني المعاصر للغيبة الصغرى بكاملها تقريباً إطلاق المسلَّمات وقدَّمه على الروايات الواردة بخلافه، فقال في باب مولد الصاحب (عليه السلام): (وُلِدَ (عليه السلام) لنصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين)(١٣٧).
وقد روى الصدوق (ت ٣٨١هـ) عن شيخه محمّد بن محمّد بن عصام الكليني، عن محمّد بن يعقوب الكليني، عن عليِّ بن محمّد بن بندار قال: (وُلِدَ الصاحب (عليه السلام) للنصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين)(١٣٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٥) الكامل في التاريخ (ج ٧/ ص ٢٧٤) في آخر حوادث سنة (٢٦٠هـ).
(١٣٦) وفيات الأعيان (ج ٤/ ص ١٧٦/ الرقم ٥٦٢).
(١٣٧) أُصول الكافي (ج ١/ ص ٥١٤/ باب ١٢٥).
(١٣٨) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤٣٠/ باب ٤٢/ ح ٤).

↑صفحة ١١٨↑

والكليني لم ينسب قوله إلى عليِّ بن محمّد لشهرته وحصول الاتِّفاق عليه.
٣ - الذهبي (ت ٧٤٨هـ) اعترف بولادة المهدي (عجَّل الله فرجه) في ثلاثة من كُتُبه، ولم نتتبَّع كُتُبه الأُخرى.
قال في كتابه (العبر): (وفيها - أي: في سنة (٢٥٦هـ) - وُلِدَ محمّد بن الحسن بن عليٍّ الهادي بن محمّد الجواد بن عليٍّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلوي الحسيني، أبو القاسم الذي تُلقِّبه الرافضة الخلف الحجَّة، وتُلقِّبه بالمهدي، والمنتظر، وتُلقِّبه بصاحب الزمان، وهو خاتمة الاثني عشر)(١٣٩).
وقال في (تاريخ دول الإسلام) في ترجمة الإمام الحسن العسكري: (الحسن ابن عليِّ بن محمّد بن عليٍّ الرضا بن موسى بن جعفر الصادق، أبو محمّد الهاشمي الحسيني، أحد أئمَّة الشيعة الذين تدَّعي الشيعة عصمتهم، ويقال له: الحسن العسكري؛ لكونه سكن سامرَّاء، فإنَّها يقال لها: العسكر. وهو والد منتظر الرافضة، تُوفِّي إلى رضوان الله بسامرَّاء في ثامن ربيع الأوَّل سنة ستِّين ومائتين وله تسع وعشرون سنة، ودُفِنَ إلى جانب والده.
وأمَّا ابنه محمّد بن الحسن الذي يدعوه الرافضة القائم الخلف الحجَّة، فوُلِدَ سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة ستٍّ وخمسين)(١٤٠).
وقال في (سِيَر أعلام النبلاء): (المنتظر الشريف أبو القاسم محمّد بن الحسن العسكري بن عليٍّ الهادي بن محمّد الجواد بن عليٍّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن زين العابدين بن عليِّ بن الحسين الشهيد ابن الإمام عليِّ بن أبي طالب، العلوي، الحسيني خاتمة الاثني عشر سيِّداً)(١٤١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٩) العِبَر في خبر من غبر (ج ٣/ ص ٣١).
(١٤٠) تاريخ دول الإسلام الجزء الخاصِّ في حوادث ووفيات (٢٥١ - ٢٦٠هـ) (ص ١١٣/ الرقم ١٥٩).
(١٤١) سِيَر أعلام النبلاء (ج ١٣/ ص ١١٩/ الرقم ٦٠).

↑صفحة ١١٩↑

أقول: ما يعنينا من رأي الذهبي في ولادة الإمام المهدي فقد بيَّنَّاه، وأمَّا عن اعتقاده بالمهدي، فهو كما في جميع أقواله الأُخرى كان ينتظر - كغيره - سراباً كما أوضحناه في من يعتقد بكون المهدي (محمّد بن عبد الله).
٤ - ابن الوردي (ت ٧٤٩هـ) قال في ذيل تتمَّة المختصر المعروف بـ (تاريخ ابن الوردي): (وُلِدَ محمّد بن الحسن الخالص سنة خمس وخمسين ومائتين)(١٤٢).
٥ - أحمد بن حجر الهيثمي الشافعي (ت ٩٧٤هـ) قال في كتابه (الصواعق المحرقة) في آخر الفصل الثالث من الباب الحادي عشر ما هذا نصُّه: (أبو محمّد الحسن الخالص، وجعل ابن خلِّكان هذا هو العسكري، وُلِدَ سنة اثنتين وثلاثين ومائتين... مات بسُرَّ من رأى، ودُفِنَ عند أبيه وعمِّه، وعمره ثماني وعشرون سنة، ويقال: إنَّه سُمَّ أيضاً، ولم يُخلِّف غير ولده أبي القاسم محمّد الحجَّة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين لكن أتاه الله فيها الحكمة، ويُسمَّى القائم المنتظر، قيل: لأنَّه سُتِرَ بالمدينة وغاب فلم يُعرَف أين ذهب)(١٤٣)، انتهى.
٦ - الشبراوي الشافعي (ت ١١٧١هـ) صرَّح في كتابه (الإتحاف) بولادة الإمام المهدي محمّد بن الحسن العسكري (عليهما السلام) في ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين من الهجرة(١٤٤).
٧ - مؤمن بن حسن الشبلنجي (ت ١٣٠٨هـ) اعترف في كتابه (نور الأبصار) باسم الإمام المهدي، ونسبه الشريف الطاهر، وكنيته، وألقابه في كلام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٢) نقله عنه مؤمن بن حسن الشبلنجي الشافعي في نور الأبصار (ص ١٨٦).
(١٤٣) الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي (ص ٢٠٧/ ط ١، وص ١٢٤/ ط ٢، وص ٣١٣ و٣١٤/ ط ٣).
(١٤٤) الإتحاف بحبِّ الأشراف (ص ٦٨).

↑صفحة ١٢٠↑

طويل إلى أنْ قال: (وهو آخر الأئمَّة الاثني عشر على ما ذهب إليه الإماميَّة)، ثمّ نقل عن (تاريخ ابن الوردي) ما تقدَّم برقم (٤)(١٤٥).
٨ - خير الدِّين الزركلي (ت ١٣٩٦هـ) قال في كتابه (الأعلام) في ترجمة الإمام المهدي المنتظر: (محمّد بن الحسن العسكري الخالص بن عليٍّ الهادي أبو القاسم، آخر الأئمَّة الاثني عشر عند الإماميَّة.. وُلِدَ في سامرَّاء ومات أبوه وله من العمر خمس سنين.. وقيل في تاريخ مولده: ليلة نصف شعبان سنة (٢٥٥هـ)، وفي تاريخ غيبته، سنة (٢٦٥هـ))(١٤٦).
أقول: ابتداء تاريخ الغيبة الصغرى هو (٢٦٠هـ) باتِّفاق الشيعة أجمع وسائر من أرَّخ لتاريخ الغيبة في ما أطلعنا عليه. ولعلَّ ما ورد في الأعلام من غلط المطبعة؛ لأنَّ الزركلي لم يكتب سنة الغيبة كتابةً بل رقماً، واحتمال الغلط في طباعة الأرقام ممكن جدًّا.
إلى غير هذا من الاعترافات الكثيرة الأُخرى التي لا يسعها البحث.
اعتراف أهل السُّنَّة بأنَّ المهدي هو ابن العسكري (عليهما السلام):
هناك اعترافات أُخرى من علماء أهل السُّنَّة بخصوص كَوْن المهدي الموعود بظهوره في آخر الزمان إنَّما هو محمّد بن الحسن العسكري (عليهما السلام) الإمام الثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم أئمَّة للمسلمين جميعاً لا للروافض وحدهم كما يدَّعيه البعض مع الأسف الشديد، وكأنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أوصى (الروافض) وحدهم بالتمسُّك بالثقلين كتاب الله وعترته أهل بيته (عليهم السلام)!
وعلى أيَّة حال فإنَّنا سوف نذكر بعض من أنصف وصرَّح بالحقيقة، وهم:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٥) نور الأبصار (ص ١٨٦).
(١٤٦) الأعلام (ج ٦/ ص ٨٠).

↑صفحة ١٢١↑

١ - محيي الدِّين بن العربي (ت ٦٣٨هـ): صرَّح بهذه الحقيقة في كتابه (الفتوحات المكّيَّة) في الباب السادس والستِّين وثلاثمائة في المبحث الخامس على ما نقله عنه عبد الوهَّاب بن أحمد الشعراني الشافعي (ت ٩٧٣هـ) في كتابه (اليواقيت والجواهر)، كما نقل قوله الحمزاوي في (مشارق الأنوار)، والصبَّان في (إسعاف الراغبين)، ولكن من يدَّعي الحفاظ على التراث سوَّلت له نفسه حذف هذا الاعتراف من طبعات الكتاب، إذ لا يوجد في الباب المذكور - كما تتبَّعته بنفسي - ما نقله الشعراني عنه، فقال: (وعبارة الشيخ محيي الدِّين في الباب السادس والستِّين وثلاثمائة من الفتوحات: واعلموا أنَّه لا بدَّ من خروج المهدي (عليه السلام)، ولكن لا يخرج حتَّى تمتلئ الأرض جوراً وظلماً فيملؤها قسطاً وعدلاً، ولو لم يكن من الدنيا إلَّا يوم واحد طوَّل الله تعالى ذلك اليوم حتَّى يلي ذلك الخليفة، وهو من عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، من ولد فاطمة (عليها السلام)، وجدُّه الحسين ابن عليِّ بن أبي طالب، ووالده حسن العسكري ابن الإمام عليٍّ النقي...)(١٤٧).
٢ - كمال الدِّين محمّد بن طلحة الشافعي (ت ٦٥٢هـ) قال في كتابه (مطالب السؤول): (أبي القاسم محمّد بن الحسن الخالص بن عليٍّ المتوكِّل بن القانع بن عليٍّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليٍّ زين العابدين بن الحسين الزكي بن عليٍّ المرتضى أمير المؤمنين بن أبي طالب، المهدي، الحجَّة، الخلف الصالح، المنتظر عليهم السلام ورحمة الله وبركاته). ثمّ أنشد أبياتاً، مطلعها:

فهذا الخلف الحجَّة قد أيَّده الله * * * هذا منهج الحقِّ وآتاه سجاياه(١٤٨)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٧) اليواقيت والجواهر للشعراني (ج ٢/ ص ١٤٣/ مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر لسنة (١٣٧٨هـ/ ١٩٥٩م)).
(١٤٨) مطالب السؤول (ج ٢/ ص ٧٩/ باب ١٢).

↑صفحة ١٢٢↑

٣ - سبط ابن الجوزي الحنبلي (ت ٦٥٤هـ) قال في (تذكرة الخواصِّ) عن الإمام المهدي: (هو محمّد بن الحسن بن عليِّ بن محمّد بن عليِّ بن موسى الرضا بن جعفر بن محمّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، وكنيته أبو عبد الله، وأبو القاسم، وهو الخلف الحجَّة، صاحب الزمان، القائم، المنتظر، والتالي، وهو آخر الأئمَّة)(١٤٩).
٤ - محمّد بن يوسف أبو عبد الله الكنجي الشافعي (المقتول سنة ٨٦٥هـ)، قال في آخر صفحة من كتابه (كفاية الطالب) عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ما نصُّه: (مولده بالمدينة في شهر ربيع الآخر، من سنة اثنين وثلاثين ومائتين، وقُبِضَ يوم الجمعة لثمان خلون من شهر ربيع الأوَّل سنة ستِّين ومائتين، وله يومئذٍ ثمان وعشرون سنة، ودُفِنَ في داره بسُرَّ من رأى في البيت الذي دُفِنَ فيه أبوه، وخلَّف ابنه وهو الإمام المنتظر (صلوات الله عليه). ونختم الكتاب ونذكره مفرداً).
ثمّ أفرد لذكر الإمام المهدي محمّد بن الحسن العسكري (عليه السلام) كتاباً أطلق عليه اسم: (البيان في أخبار صاحب الزمان)، وهو مطبوع في نهاية كتابه الأوَّل (كفاية الطالب)، وكلاهما بغلاف واحد، وقد تناول في البيان أُموراً كثيرة كان آخرها إثبات كون المهدي حيًّا باقياً منذ غيبته إلى أنْ يملأ الدنيا بظهوره في آخر الزمان قسطاً وعدلاً، كما مُلِئَت ظلماً وجوراً(١٥٠).
٥ - نور الدِّين عليُّ بن محمّد بن الصبَّاغ المالكي (ت ٨٥٥هـ) عنون الفصل الثاني عشر من كتابه (الفصول المهمَّة) بعنوان: في ذكر أبي القاسم الحجَّة، الخلف الصالح، ابن أبي محمّد الحسن الخالص، وهو الإمام الثاني عشر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٩) تذكرة الخواصِّ (ص ٣٦٣).
(١٥٠) البيان في أخبار صاحب الزمان (ص ٢٥١/ باب ٢٥).

↑صفحة ١٢٣↑

وقد احتجَّ بهذا الفصل بقول الكنجي الشافعي: (وممَّا يدلُّ على كون المهدي حيًّا باقياً منذ غيبته إلى الآن، وأنَّه لا امتناع في بقائه كبقاء عيسى بن مريم والخضر وإلياس من أولياء الله، وبقاء الأعور الدجَّال، وإبليس اللعين من أعداء الله، هو الكتاب والسُّنَّة)، ثمّ أورد أدلَّته على ذلك من الكتاب والسُّنَّة، مفصَّلاً تاريخ ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ودلائل إمامته وطرفاً من أخباره، وغيبته، ومدَّة قيام دولته الكريمة، وذكر كنيته، ونسبه، وغير ذلك ممَّا يتَّصل بالإمام المهدي محمّد بن الحسن العسكري (عليهما السلام)(١٥١).
٦ - الفضل بن روزبهان (ت بعد ٩٠٩هـ). قال في كتابه: (إبطال الباطل) كلاماً جليلاً بحقِّ أهل البيت ثمّ قال: (ونعم ما قلت فيهم منظوماً):

سلامٌ على المصطفى المجتبى * * * سلام على السيِّد المرتضى
سلام على ستِّنا فاطمة * * * من اختارها الله خير النسا
سلام من المسك أنفاسه * * * على الحسن الألمعي الرضا
سلام على الأورعي الحسين * * * شهيد يرى جسمه كربلا
سلام على سيِّد العابدين * * * عليِّ بن الحسين المجتبى
سلام على الباقر المهتدى * * * سلام على الصادق المقتدى
سلام على الكاظم الممتحن * * * رضي السجايا إمام التقى
سلام على الثامن المؤتمن * * * علي الرضا سيِّد الأصفيا
سلام على المتَّقي التقي * * * محمّد الطيِّب المرتجى
سلام على الأريحي النقي * * * عليّ المكرم هادي الورى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥١) الفصول المهمَّة لابن الصبَّاغ المالكي (ص ٢٠٠ - ٢٨٧).

↑صفحة ١٢٤↑

سلام على السيِّد العسكري * * * إمام يجهز جيش الصفا
سلام على القائم المنتظر * * * أبا القاسم العرم نور الهدى
سيطلع كالشمس في غاسق * * * ينجيه من سيفه المنتقى
قوي يملأ الأرض من عدله * * * كما مُلِئَت جور أهل الهوى
سلام عليه وآبائه * * * وأنصاره، ما تدوم السما(١٥٢)

٧ - شمس الدِّين محمّد بن طولون مؤرِّخ دمشق (ت ٩٥٣هـ) قال في كتابه (الأئمَّة الاثنا عشر) عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه): (كانت ولادته (رضي الله عنه) يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، ولـمَّا تُوفِّي أبوه المتقدِّم ذكره (رضي الله عنه) كان عمره خمس سنين)(١٥٣).
ثمّ ذكر الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) وقال: وقد نظمتهم على ذلك فقلت:

عليك بالأئمَّة الاثني عشر * * * من آل بيت المصطفى خير البشر
أبو تراب، حسن، حسين * * * وبغض زين العابدين شين
محمّد الباقر كم علم درى؟ * * * والصادق ادع جعفراً بين الورى
موسى هو الكاظم، وابنه عليّ * * * لقبه بالرضا وقدره عليّ
محمّد التقي قلبه معمور * * * عليّ النقي درُّه منثور
عسكري الحسن المطهَّر * * * محمّد المهدي سوف يظهر(١٥٤)

٨ - أحمد بن يوسف أبو العبَّاس القرماني الحنفي (ت ١٠١٩هـ) قال في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٢) دلائل الصدق للمظفَّر (ج ٢/ ص ٥٧٤ و٥٧٥) من المبحث الخامس، علماً بأنَّ الشيخ محمّد حسن المظفَّر نقل في كتابه (دلائل الصدق) كتاب (إبطال الباطل) بتمامه.
(١٥٣) الأئمَّة الاثنا عشر لابن طولون الحنفي (ص ١١٧).
(١٥٤) الأئمَّة الاثنا عشر (ص ١١٨).

↑صفحة ١٢٥↑

كتابه (أخبار الدُّوَل وآثار الأُوَل) في الفصل الحادي عشر: في ذكر أبي القاسم محمّد الحجَّة الخلف الصالح:
(وكان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين، آتاه الله فيها الحكمة كما أُوتيها يحيى (عليه السلام) صبيًّا. وكان مربوع القامة، حسن الوجه والشعر، أقنى الأنف، أجلى الجبهة... واتَّفق العلماء(١٥٥) على أنَّ المهدي هو القائم في آخر الوقت، وقد تعاضدت الأخبار على ظهوره، وتظاهرت الروايات على إشراق نوره، وستسفر ظلمة الأيَّام والليالي بسفوره، وينجلي برؤيته الظلم انجلاء الصبح عن ديجوره، ويسير عدله في الآفاق فيكون أضوأ من البدر المنير في مسيره)(١٥٦).
٩ - سليمان بن إبراهيم المعروف بالقندوزي الحنفي (ت ١٢٧٠هـ) كان القندوزي (رحمه الله) من علماء الأحناف المصرِّحين بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وأنَّه هو القائم المنتظر، وقد مرَّت أقواله واحتجاجاته كثيراً في هذا البحث، ولا بأس بذكر قوله: (فالخبر المعلوم المحقَّق عند الثقات أنَّ ولادة القائم (عليه السلام) كانت ليلة الخامس عشر من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين في بلدة سامرَّاء).
ونكتفي بهذا القدر، على أنَّ ما تركناه من أسماء العلماء الذين قالوا بولادة الإمام المهدي، أو الذين صرَّحوا بكونه هو المهدي الموعود المنتظر في آخر الزمان هم أضعاف ما ذكرناه، وقد أشرنا فيما تقدَّم إلى الاستقراءات السابقة التي اعتنت باعترافاتهم وسجَّلت أقوالهم.

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٥) اُنظر إلى قوله: (واتَّفق العلماء) وقارن بما يدَّعيه أنصاف المتعلِّمين وبعض المغرَّر بهم من مزاعم باطلة تحت شعارات التصحيح.
(١٥٦) أخبار الدُّوَل وآثار الأُوَل للقرماني (ص ٣٥٣ و٣٥٤/ الفصل ١١).

↑صفحة ١٢٦↑

ردًّا على الأخ عبد الحسين البصري:
حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٩:٣٥) مساءً.
أحمد الكاتب:
الأخ عبد الحسين البصري المحترم:
قلت: لسنا بحاجة إلى ما يُبيِّن ولادة الإمام ويُثبِتها تاريخيًّا بعد أنْ عرفنا أنَّه من أهل البيت وأنَّ ظهوره يكون في آخر الزمان، واعترفت بوجود ملابسات تاريخيَّة حول ولادته وادِّعاء عمِّه جعفر بعدم وجود ولد لأخيه.
إذن إنَّها قصَّة خفيَّة قابلة للإنكار وخلاف الظاهر من حياة الإمام العسكري، وإلَّا فإنَّ يزيد بن معاوية لم يستطع إنكار وجود ولد للإمام الحسين هو عليُّ بن الحسين.
فكيف حصل لك القطع واليقين بوجود ابن للحسن العسكري؟ ومن أين(١٥٧)؟
قلت أيضاً: إنَّ ثبوت ولادة المهدي حصلت بالإقرار والعيان وما بعدهما من برهان، وذلك بإقرار أبيه وشهادة القابلة وإنْ لم يرَه أحد غيرهما، وإنَّ القابلة صرَّحت بمشاهدته.
اُنظر أخي الكريم: إنَّ ولادة طفل ووجوده على مسرح الحياة بين أهله وإخوانه وأبويه لا يحتاج إلى إقرار ولا إلى شهادة القابلة أيضاً. ولكنَّك تنسب ولداً لا أثر له في التاريخ إلى إنسان لم يدَّعه في حياته وتُسمِّي ذلك إقراراً؟ ثمّ تنسب الشهادة إلى قابلة لم ترَها ولم تتأكَّد منها(١٥٨) ولم تُحقِّق في الرواية المنسوبة إليها ولم تدرسها بدقَّة.
والرواية ذكرتها أنا في القسم الخاصِّ بالأدلَّة التاريخيَّة ودرستها جيِّداً فأرجوك أنْ تراجعها قبل أنْ تتقبَّلها على عواهنها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٧) بعد كلِّ ما قدَّمه الأخ البصري من روايات تسأله من أين حصل اليقين؟ إنَّه لعجيب منك ذلك!
(١٥٨) أو هل رأيت من هم قبلك ممَّن ادَّعى الغير وجودهم لتطمئنَّ بذلك، أم أنَّك رأيت القابلة التي ولَّدت أُمَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو أيّ شخصيَّة تاريخيَّة لتثبت لك ذلك؟!

↑صفحة ١٢٧↑

إنَّ الرواية المنسوبة إلى حكيمة - بالإضافة إلى ضعف سندها - تقول بأنَّ نرجس الأُمَّ المفترضة للمهدي لم يكن بها أثر للحمل أبداً، وأنَّها لم تكن تعرف ذلك وقد استغربت عندما قالت لها حكيمة: إنَّها سوف تلد هذه الليلة، وقالت: يا مولاتي ما أرى شيئاً من هذا، وإنَّ حكيمة نفسها استغربت عندما أخبرها الإمام الحسن بولادة ابن له في ليلة النصف من شعبان وتساءلت: من أُمُّه؟ وعندما قال لها: نرجس، قالت: جعلني الله فداك ما بها أثر. وعندما اقترب الفجر ولم يظهر أيُّ أثر دخل الشكُّ إلى قلب حكيمة.
ومع ذلك تقول الرواية: إنَّ حكيمة أخذتها فترة ولم تشهد عمليَّة الولادة، وفي رواية أُخرى أنَّ نرجس غُيِّبت؛ فلم ترَها كأنَّه ضُرِبَ بينها وبينها حجاب؛ ممَّا أثار استغرابها ودفعها إلى الصراخ واللجوء إلى أبي محمّد، ثمّ لم ترَ الوليد في الصباح ولا في الأيَّام الأُخرى.
ومع أنَّ كلَّ هذه الأُمور غريبة ولم تُعرَف عن ولادة الرسول الأعظم، فإنَّها تثير احتمال أنْ تكون الولادة حلماً شاهدته حكيمة في المنام إنْ ثبتت الرواية إليها وهي في موضع شكٍّ كبير، وهو ما يُؤكِّد أنَّها من نسج خيال الغلاة.
ثمّ يا أخ عبد الحسين:
إنَّك تقول: إنَّ أبا هاشم الجعفري لم يعرف بوجود ابن للعسكري وسأل عنه العسكري، فقال له: اسأل عنه في المدينة، والجعفري علوي من أهل البيت ومن المقرَّبين ولم يدَّع مشاهدته في حياة أبيه.
وإذا كان الإمام العسكري قد عقَّ عن ابنه وأعلن خبر ولادته، فلماذا ادِّعاء السرّيَّة والكتمان وافتراض الخوف الشديد(١٥٩)؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٩) ومن قال بأنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) عقَّ عن ابنه في العلن الظاهر بحيث عرف كلُّ الناس بذلك؟ أو هل العقُّ عن ابنه (عجَّل الله فرجه) ينافي السرّيَّة؟

↑صفحة ١٢٨↑

أمَّا تشبُّثك بأقوال النوَّاب الخاصِّين وكان عددهم كبيراً أكثر من أربعة(١٦٠)، فقد كانت لهم مصالح مادّيَّة حيث كانوا يأخذون الأموال من الشيعة ويدَّعون إيصالها إلى الإمام؛ ولذا فإنَّ شهادتهم مجروحة وقولهم فيه شكٌّ وليس بحجَّة.
والأغرب من كلِّ ذلك أنَّك وبعض المتأخِّرين من الكُتَّاب، تحاول أنْ تستشهد بأقوال علماء متأخِّرين من السُّنَّة في القرون المتأخِّرة.
ولست أدري هل كانوا يؤمنون بوجود المهدي واستمرار حياته بصورة إعجازيَّة، كما يؤمن الاثنا عشريَّة، ولماذا لا يصبحون شيعة إذن؟ أو أنَّهم كانوا ينقلون قول الشيعة الاثني عشريَّة من غير إيمان وقولهم لا يفيد. ثمّ ما هو دليلهم؟ وما هو سندهم؟ وعلى أيِّ أساس بنوا قولهم وهو لم يثبت عند الشيعة(١٦١)؟ وهل يجوز أنْ نُقلِّدهم في قضيَّة عقائديَّة تاريخيَّة نختلف نحن فيها(١٦٢)؟ ألَا تحتمل أنْ يكون لهم مصلحة في تضليل الشيعة وتخديرهم وإبعادهم عن الحياة السياسيَّة؟ لماذا لا تتساءل عن دوافع الخليفة العبَّاسي الناصر بالله لكي يحفر سرداب سامرَّاء عميقاً ويشيع أنَّ المهدي الثاني عشر مختبئ في السرداب؟ أليس لكي يضحك على الشيعة ويخدرهم(١٦٣)؟ وهل تؤمن أنت اليوم بأُسطورة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٠) أمَّا النوَّاب المباشرون الخاصُّون فأربعة، وأمَّا غير المباشرين فعدَّتهم تصل إلى العشرات.
(١٦١) أين اختلفت الشيعة في ولادته؟ وإنْ وقع اختلاف، فمن فئة قليلة منهم في بعض من ادَّعى النيابة الخاصَّة.
(١٦٢) الكاتب تارةً يحصر الدليل في مسألة وجود القائم بالتاريخ ويتشدَّد في الحصر على الدليل التاريخي، وإلَّا فأيُّ قضيَّة تاريخيَّة ذكرها المؤرِّخون سواء المقاربون لتلك القضيَّة والواقعة أو البعيدون عنها زمناً قد ذكروا أسانيد متَّصلة لنقل تلك الواقعة، فإذا كان تطابق جميع المؤرِّخين على أمر لا يورث للكاتب إذعاناً بوقوع تلك الواقعة فلا قضيَّة تاريخيَّة حينئذٍ يمكن إثباتها.
(١٦٣) قد ذكرنا فيما سبق أنَّ استنفار الدولة العبَّاسيَّة منذ عهد الهادي والعسكري (عليهما السلام) تحسُّباً للبشارة النبويَّة المتواترة بين المسلمين بخروج المهدي من ذرّيَّته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليقمع الظالمين، مع ما رواه الفريقان من أنَّ عدَّة الأئمَّة اثنا عشر، ومن ثَمَّ فرضت الدولة الإقامة الجبريَّة على العسكريَّين وحبست زوجة العسكري - نرجس - بعد وفاته سنتين. مضافاً إلى كثير من اللقطات لفِرَق الشرطة والعيون التي هاجمت بيت الإمام العسكري. وكلامه من أنَّ الناصر بالله أقام القبَّة على السرداب مبنيٌّ على دعوى الكاتب أنَّ الدولة العبَّاسيَّة سياستها ليِّنة مع البيت العلوي، وأنَّها قد بنت صرح الأُخوَّة والصلح معهم، ومن ثَمَّ يميل الكاتب نفسيًّا إلى إقدام الناصر العبَّاسي على مثل ذلك.

↑صفحة ١٢٩↑

السرداب، أم تتبرَّأ منها(١٦٤)؟
وأخيراً أودُّ الإشارة إلى أنَّ بعض الإخوة المشاركين في هذا الحوار استكثروا عليَّ وضع بعض الملفات من كتابي في مواقع الحوار لغرض الاستفادة منها والاعتماد عليها في الحوار، ومع ذلك فإنَّهم لا يجدون حرجاً في نقل كُتُب من مواقع أُخرى متخصِّصة بالدفاع عن المهدي دون أنْ يستوعبوها جيِّداً أو يناقشوها بدقَّة أو يُفكِّروا بتناقضاتها.
لقد ألقيت عن كاهلكم مؤونة نقل تلك الكُتُب وذكرت لكم جميع الروايات النقليَّة والتاريخيَّة الواردة حول الموضوع تقريباً، أرجوكم النظر فيها قبل أنْ تتجشَّموا عناء نقل الكُتُب الأُخرى من هنا وهناك(١٦٥).

* * *

إلى أحمد الكاتب.. أين الجواب على هذا الدليل؟
حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١٠:٤٩) مساءً.
عبد الحسين البصري عضو:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٤) إنَّه ليس معنى الغيبة كما أشرنا سابقاً بمعنى الحبس في صندوق كما يسرح ذلك في خيال الكاتب، وإنَّما هي بمعنى خفاء الهويَّة مع الوجود بشكل طبيعي في البشر قائماً بعهدة الوظائف الإلهيَّة.
(١٦٥) الاعتماد على نقلك لا ينفعنا أيَّ شيء، إذ إنَّك لم تنقل إلَّا الضعيف، هذا أوَّلاً، وثانياً حتَّى في نقلك لم تراعِ أدنى مراتب الأمانة في النقل، إذ إنَّك اعتمدت على نسجك الخاصِّ وفهمك الغريب وتدليسك المعهود، وهذا ما سيكتشفه القارئ بنفسه عندما يرى نصَّك والنصَّ الصحيح الذي ننقله من نفس المصدر الذي تنقل منه.

↑صفحة ١٣٠↑

لم أرَ لك تعليقاً على الخبر الصحيح عن محمّد بن يحيى العطَّار، عن أحمد بن إسحاق، عن أبي هاشم الجعفري، قال: قلت لأبي محمّد (عليه السلام): هل لك ولد؟ فقال: «نعم»، فقلت: فإنْ حدث بك حدث فأين أسأل عنه؟ قال: «بالمدينة».
والخبر الصحيح عن عليِّ بن محمّد، عن محمّد بن عليِّ بن بلال، قال: خرج إليَّ من أبي محمّد قبل مضيِّه بسنتين يُخبرني بالخلف من بعده، ثمّ خرج إليَّ من قبل مضيِّه بثلاثة أيَّام يُخبرني بالخلف من بعده.
والمراد بعليِّ بن محمّد هو الثقة الأديب الفاضل ابن بندار، وأمَّا عن محمّد بن عليِّ بن بلال، فإنَّه من الوثاقة والجلالة أشهر من نار على علم، بحيث كان يراجعه من مثل أبي القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه)، كما هو معلوم عند أهل الرجال.
مع أنِّي أوردته في موضوعي: ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وأورده الأخ التلميذ في ردِّه على نفيك: أنْ يكون هناك ابن للإمام الحسن العسكري.

* * *

النظريَّات المتعدِّدة في تفسير الغيبة:
حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠١: ٠٦) مساءً.
أحمد الكاتب عضو:
لماذا الغيبة؟
بعد تقديم جميع الأدلَّة العقليَّة والنقليَّة والتاريخيَّة على وجود (محمّد بن الحسن العسكري) وولادته في منتصف القرن الثالث الهجري؛ فإنَّ غيبته عن الأنظار وعدم خروجه وتصدِّيه لقيادة الأُمَّة الإسلاميَّة والاضطلاع بمهامِّ الإمامة، يُشكِّل تحدّياً كبيراً للقائلين بوجوده، ولذلك كان عليهم أنْ يُفسِّروا سرَّ الغيبة. وقد قدَّموا عدَّة نظريَّات في تفسير ظاهرة الغيبة المحيِّرة، وهي كما يلي:

↑صفحة ١٣١↑

١ - نظريَّة الحكمة المجهولة:
وقد مال الشيخ الصدوق إلى هذه النظريَّة في (إكمال الدِّين)، وحتَّم وجود حكمة في غيبة الإمام، انطلاقاً من آثار حكمة الله في حُجَجه المتقدِّمين، وقال: إنَّ إيماننا بعصمة الإمام المهدي يقتضي منَّا التسليم بوجود حكمة وراء غيبته.
وقد نفى السيِّد المرتضى علم الهدى ضرورة معرفة سبب الغيبة على وجه التعيين، وكفاية علم الجملة بوجود سبب ما للغيبة، مع الإيمان بعصمة الإمام، واعتبر العلم في ذلك كالعلم بمراد الله من الآيات المتشابهات في القرآن الكريم.
وهكذا قال الشيخ الطوسي بضرورة افتراض سبب لغيبة (صاحب الزمان) واستتاره، والقول بوجود حكمة مسوِّغة وإنْ لم نعلمها مفصَّلاً، كما يتمُّ افتراض أسباب وحِكَم لخلق الله (عزَّ وجلَّ) للبهائم والمؤذيات والصور القبيحة وإيلام الأطفال، وإنْ لم نعلم وجه حكمتها بالتفصيل، وقال: (إذا علمنا إمامته بدليل، وعلمنا عصمته بدليل آخر، وعلمناه غاب، حملنا غيبته على وجه يطابق عصمته، فلا فرق بين الموضعين).
وقال الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء في (أصل الشيعة وأُصولها): (إنَّ السؤال عن الحكمة ساقط إذا قامت البراهين على وجوب وجود الإمام في كلِّ عصر، وإنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة، وإنَّ وجوده لطف وتصرُّفه لطف آخر)، واعتبر المقام أدقّ وأغمض من ذلك، كما اعترف بجهل الحكمة وعدم الوصول إلى حاقِّ المصلحة.
٢ - نظريَّة التمحيص:
وهناك نظريَّة أُخرى في تفسير (غيبة الإمام) هي نظرية (التمحيص) أي تمحيص الشيعة وتمييزهم وغربلتهم، من أجل التعرُّف على حقيقة إيمانهم بالمهدي وصبرهم على البلاء. وقد روى الصدوق والطوسي روايات عديدة في هذا

↑صفحة ١٣٢↑

المضمون عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)، ويتحدَّث بعض تلك الروايات عن عدم ظهور صاحب الأمر إلَّا بعد ذهاب ثلثي الناس، وعدم بقاء أحد إلَّا القليل، وعن غربلة الشيعة كما يغربل الزوان من القمح.
وتقول رواية منها: «إنَّه لا بدَّ لصاحب هذا الأمر من غيبة يغيبها، حتَّى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، إنَّما هي محنة من الله امتحن بها خلقه، وإنَّ عقولكم تصغر عن هذا الأمر وأحلامكم عن حمله، ولكن إنْ تعيشوا تُدركوه».
وتُشبِّه رواية أُخرى منها غيبة الإمام المهدي بإبطاء العقوبة التي استنزلها نوح من السماء، حتَّى أخذت طوائف من المؤمنين به ترتدُّ طائفة بعد أُخرى.. وكذلك القائم فإنَّه تمتدُّ أيَّام غيبته؛ ليصرح الحقُّ عن محضه ويصفو من الكدر بارتداد كلِّ من كانت طينته خبيثة من الشيعة الذين يُخشى عليهم النفاق، إذا أحسُّوا بالاستخلاف والتمكين والأمن المنتشر في عهد القائم.
ولكن لم يأخذ بهذه النظريَّة سوى الصدوق، وقد أهملها المفيد والمرتضى والطوسي. وإنْ كانوا قد ذكروا بعض الروايات المتضمِّنة لها، وفسَّر الطوسي تلك الروايات الواردة حول امتحان الشيعة في حال الغيبة بأنَّها تعني اتِّفاق ذلك في أثنائها لا أنَّه سبب لها.
٣ - نظريَّة الخوف:
وهذه أقوى نظريَّة في تفسير سبب الغيبة، وقد روى الكليني في (الكافي) والصدوق في (إكمال الدِّين) مجموعة روايات عن الإمام الصادق (عليه السلام) تشير إلى أنَّ سبب الغيبة هو الخوف على الحياة والتقيَّة.
وقال الشيخ المفيد في (الإرشاد): (خلَّف الحسن ابنه المنتظر لدولة الحقِّ وكان قد أخفى مولده، وستر أمره لصعوبة الوقت وشدَّة طلب سلطان الزمان له واجتهاده في البحث عن أمره، وما شاع من مذهب الإماميَّة فيه وعُرِفَ من انتظارهم له، فلم يُظهر ولده في حياته ولا عرفه الجمهور بعد وفاته).

↑صفحة ١٣٣↑

واعتبر المفيد أنَّ الظروف المحيطة بغيبة (الإمام المهدي) أصعب بكثير من الظروف التي أحاطت بالأئمَّة السابقين من أهل البيت، الذين لم يختفوا عن الأنظار، وكانوا يتحصَّنون بالتقيَّة، وأنَّ سلاطين الزمان كانوا يعلمون قيام المهدي بالسيف؛ ولذلك كانوا أحرص على ملاحقته واستيصال شأفته، وأنَّ السبب الذي كان يمنعه من الخروج هو قلَّة الأعوان والأنصار.
وأكَّد السيِّد المرتضى في (الشافي): أنَّ سبب غيبته إخافة الظالمين له ومنعهم يده عن التصرُّف فيما جُعِلَ إليه التدبير والتصرُّف فيه، فإذا حيل بينه وبين مراده سقط عنه فرض القيام بالإمامة(١٦٦)، وإذا خاف على نفسه وجبت غيبته ولزم استتاره.
وقال الكراجكي في (كنز الفوائد): (إنَّ السبب في غيبة الإمام إخافة الظالمين له وطلبهم بسفك دمه وإعلام الله أنَّه متى أبدى شخصه لهم قتلوه، ومتى قدروا عليه أهلكوه، وإنَّما يلزمه القيام بواجباته بشرط التمكُّن والقدرة وعدم المنع والحيلولة وإزالة المخافة على النفس والمهجة، فمتى لم يكن ذلك فالتقيَّة واجبة، والغيبة عند الأسباب الملجئة إليها لازمة؛ لأنَّ التحرُّر من المضارِّ واجب عقلاً وسمعاً).
وحصر الطوسي أسباب الغيبة في الخوف، وقال: لا علَّة تمنع من ظهوره (عليه السلام) إلَّا خوفه على نفسه من القتل؛ لأنَّه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار، وكان يتحمَّل المشاقَّ والأذى، فإنَّ منازل الأئمَّة وكذلك الأنبياء (عليهم السلام) إنَّما تعظم منزلتهم لتحمُّلهم المشاقَّ العظيمة في ذات الله.
ولكن لماذا يخاف الإمام (محمّد بن الحسن) على نفسه من القتل، وقد خرج الإمام الحسين وضحَّى بنفسه في كربلاء؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٦) ليس في تعبير المرتضى سقوط الإمامة، وإنَّما الذي في العبارة سقوط وظيفة تشكيل الحكم في الظاهر.

↑صفحة ١٣٤↑

إنَّ السيِّد المرتضى والشيخ الطوسي والكراجكي يجيبون على ذلك بالقول: إنَّ أحداً من البشر لا يقوم مقام الإمام المهدي؛ لأنَّه آخر الأئمَّة؛ ولأنَّ مصلحة المكلَّفين مقصورة عليه!
وهذا الجواب يفترض عدَّة أُمور، هي:
١ - تحديد مهدويَّة الإمام الثاني عشر من قِبَل الأئمَّة السابقين، والإشارة إليه من قبل.
٢ - وجود أزمة سياسيَّة وعداوة وخوف لدى السلطات العبَّاسيَّة من المهدي، ووجود خوف شديد وأعظم لدى الإمام من المخاوف التي كانت في عصور الأئمَّة السابقين في ظلِّ الحُكَّام الأُمويِّين والعبَّاسيِّين.
٣ - خاتميَّة الإمام الثاني عشر للأئمَّة وانحصار الإمامة فيه.
٤ - تحريم التقيَّة للمهدي قبل قيامه وظهوره.
فإذا قلنا: إنَّ الأئمَّة السابقين لم يُحدِّدوا هويَّة المهدي من قبل، فلا حاجة له للغيبة منذ ولادته. وإذا ثبت أنَّ العلاقة بين أهل البيت والعبَّاسيِّين في تلك الفترة كانت طبيعيَّة وإيجابيَّة ولا يوجد فيها ضغط أو توتُّر سياسي، فلا حاجة أيضاً إلى الغيبة. وإذا قلنا: إنَّ الإمام الثاني عشر هو واحد من الأئمَّة وليس آخرهم - كما كان الإماميُّون يعتقدون في البداية وحتَّى نهاية القرن الثالث -، فلا توجد ضرورة للغيبة؛ لأنَّ الأئمَّة السابقين كانوا جميعاً معرَّضين للقتل ولم يغيبوا. وإذا قلنا: إنَّ الإمام الثاني عشر (المهدي) يجوز له استخدام التقيَّة كسائر الأئمَّة فرضاً، فإنَّه كان بمقدوره أنْ ينفي هويَّته ومهدويَّته إلى أنْ يظهر، ولم يكن بحاجة إلى الغيبة منذ ولادته(١٦٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٧) وهذا هو معنى الغيبة الذي نعتقده من أنَّه حيٌّ حاضر بيننا، إلَّا أنَّه نجهل هويَّته، وبمفاد هذا روي أنَّه عند ظهوره يقول كلُّ الناس: إنَّ هذا الذي قد رأيناه من قبل ولم نعرف أنَّه المهدي.

↑صفحة ١٣٥↑

المطلب الثاني: أين مكان الغيبة(١٦٨)؟
إنَّ معظم الروايات التي تتحدَّث عن (المهدي محمّد بن الحسن العسكري) تشير إلى أنَّه كان في بيت أبيه في (سُرَّ من رأى)، عاصمة الخلافة العبَّاسيَّة يومذاك، وأنَّ الذين شاهدوه في حياة أبيه شاهدوه فيها، وتقول بعض الروايات: إنَّه خرج للصلاة على جثمان أبيه الذي تُوفِّي ودُفِنَ في (سامرَّاء)، وإنَّه التقى بعد ذلك بوفد قم الذي جاء يبحث عن الإمام الجديد، وإنَّه ظلَّ مقيماً في البيت إلى أعوام طويلة، حتَّى دهمته قوَّات المعتضد فغاب في (السرداب). وقد بنى الخليفة العبَّاسي الناصر بالله قبَّة على ذلك السرداب، لا تزال موجودة حتَّى اليوم، ويزورها الشيعة من كلِّ مكان، وهي القبَّة المعروفة بقبَّة سرداب الغيبة، في جوار قبر الإمامين الهادي والعسكري في مدينة سامرَّاء شمالي بغداد.
ويورد الشيخ المفيد في (الإرشاد) قصَّة رجل اسمه (عليّ بن الحسين) يقول: إنَّه زار الإمام المهدي في بيته في سامرَّاء، وجلس عنده ثلاثة أيَّام، كما يذكر قصَّة (الحسن بن الفضل) الذي يقول: إنَّه ورد العسكر (أي سامرَّاء)، فبعث إليه الإمام المهدي صُرَّة فيها دنانير.
وينقل المفيد عن الحسن بن عبد الحميد أنَّه شكَّ في أمر أحد وكلاء المهدي، واسمه (حاجز بن يزيد)، فذهب إلى العسكر، فخرج إليه ما يُؤكِّد صحَّة دعوى ذلك الوكيل وينهاه عن الشكِّ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٨) ولا أرى إلَّا أنَّ الكاتب يسبح في خيال أنَّ الغيبة صندوق قد أُودع فيه شخص وأُقفل عليه إلى وقت الظهور، مع أنَّا قد بيَّنَّا أنَّ الغيبة عند الشيعة هي استتار الهويَّة لا استتار الشخص.

↑صفحة ١٣٦↑

المطلب الثالث: كم هي مدَّة الغيبة؟
وكانت مدَّة الغيبة في بداية القول بها تتأرجح بين أيَّام وشهور أو سنين لا تتجاوز عدد أصابع اليدين، كما تقول روايات كثيرة يذكرها الكليني في (الكافي) والطوسي في (الغيبة)(١٦٩).
بينما كان بعض الروايات يقول: إنَّها ستطول حوالي ثلاثين أو أربعين عاماً.
أشارت بعض الروايات التي نقلها النعماني في (الغيبة) إلى تحديد مدَّة الغيبة جدًّا وحداثة عمر الإمام المهدي عند الظهور، وقد فسَّرها النعماني بحداثة عمره وقت إفضاء الإمامة إليه.
ونقل الطوسي رواية أُخرى عن الإمام الباقر (عليه السلام): «إنَّ صاحب هذا الأمر لا يتجاوز الأربعين».
وقالت روايات أُخرى: إنَّ عمره قد يجاوز المائة والعشرين.
وروى الطوسي في (الغيبة) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «ما تُنكِرون أنْ يمدَّ الله لصاحب هذا الأمر في العمر كما مدَّ لنوح في العمر؟». وردَّ على من استشكل حول طول مدَّة الغيبة وخروجها عن العادة، بأنَّ الأمر ليس على ما قالوه، ولو صحَّ لجاز أنْ ينقض الله العادة لضرب من المصلحة.
واستشهد الصدوق والطوسي بغيبات موسى بن عمران، ويوسف بن يعقوب، ويونس بن متَّى، وأصحاب الكهف، وصاحب الحمار، ونوح، وسلمان الفارسي، والدجَّال، ولقمان بن عاد، وربيع بن ضبع، ويعرب بن قحطان، الذين قالوا: إنَّهم غابوا عن أقوامهم لفترات من الزمان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٩) في تلك الروايات قد أُشير إلى أنَّه ثمّ يفعل الله ما يشاء؛ فإنَّ له بداءات وإرادات وغايات ونهايات، ممَّا يدلُّ على إمكان وقوع البداء في مدَّة الغيبة.

↑صفحة ١٣٧↑

المطلب الرابع: كيفيَّة التأكُّد من هويَّة المهدي(١٧٠):
وعلى أيِّ حالٍ فإنَّ الغيبة الطويلة أدَّت وتُؤدِّي إلى مشكلة موضوعيَّة، وهي: كيفيَّة التعرُّف على المهدي بعد الظهور، والتأكُّد من هويَّته، ولم تكن هذه المشكلة مطروحة في البداية وخاصَّة في عصر (الغيبة الصغرى)، ولكنَّها بدأت تفرض نفسها مع توالي الزمان.. ومرور الأعوام. وقد كانت مدار بحث ونقاش بين الرافضين والقائلين بوجود المهدي، في ذلك الوقت. وقد تصدَّى الشيخ الصدوق لمناقشتها، وقال ردًّا على المعتزلة والمعارضين الذين كانوا يغمزون من هذه القناة: (إنَّه قد يجوز بنقل من تجب بنقله الحجَّة من أوليائه، وقد يجوز أنْ يُظهر معجزاً يدلُّ على ذلك، وهذا الجواب الثاني هو الذي نعتمد عليه ونجيب الخصوم به، وإنْ كان الأوَّل صحيحاً).
وقد أشار المفيد والطوسي إلى هذا الموضوع: (مشكلة التعرُّف على المهدي والتأكُّد من هويَّته عند الظهور) بذكر مجموعة كبيرة من المعاجز والآيات الكونيَّة الغريبة التي تسبق الظهور كعلامات على قيامه، وعالج السيِّد المرتضى علم الهدى المشكلة في معرض مناقشته لإمكانيَّة الظهور المؤقَّت أثناء فترة الغيبة، فاشترط ظهور آيات تدلُّ على صدقه.
المطلب الخامس: علائم الظهور:
يذكر الكليني في (الكافي)، والصدوق في (إكمال الدِّين)، و(عيون أخبار الرضا)، والمفيد في (الإرشاد)، والطوسي في (الغيبة)، والعيَّاشي في (تفسيره): مجموعة من الروايات تربط بين الظهور وبين حدوث علائم سماويَّة، تتعلَّق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٠) قد أشارت روايات أهل البيت من الأئمَّة السابقين على حتميَّة وقوع علامات متَّصلة بسنوات ظهوره دالَّة عليه، وتلك الروايات قبل وقوع الغيبة وقبل تطاولها. والاحتياج في العلامات للتدليل على الهويَّة جارٍ في ظهور عيسى (عليه السلام) كذلك.

↑صفحة ١٣٨↑

بتوقُّف حركة الأفلاك، وتغيُّر في قوانينها، وما شابه من المعاجز غير الطبيعيَّة، كركود الشمس وقت الزوال إلى وقت العصر، وخروج صدر رجل ووجهه في عين الشمس، وكذلك وقوع الكسوف والخسوف بصورة غير طبيعيَّة، ككسوف الشمس في النصف من شهر رمضان وخسوف القمر في آخره. أو تكلُّم العَلَم والسيف مع (الإمام المهدي) ومناداته بعدم جواز القعود بعد ذلك الوقت. فيخرج ويقتل أعداء الله حيث ثقفهم، ويقيم حدود الله ويحكم بحكم الله.
إضافةً إلى قصَّة طلوع الشمس من المغرب(١٧١)، وطلوع نجم بالمشرق يضيء، كما يضيء القمر، وخروج جراد في أوانه وغير أوانه، وخروج العبيد عن طاعة أسيادهم وقتلهم مواليهم، ومسخ لقوم من أهل البدع حتَّى يصيروا قردةً وخنازير، وغلبة العبيد على بلاد السادات، ونداء من السماء يسمعه أهل الأرض كلُّهم، كلُّ أهل لغة بلغتهم، وأموات يُنشَرون من القبور حتَّى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون فيها ويتزاورون.
ويذكر المفيد: أنَّ جبرائيل ينزل إلى القائم لمبايعته عند الظهور، ويقول الطوسي: إنَّ أصحاب القائم سوف يُنقَلون إلى مقرِّ المهدي من بيوتهم بصورة إعجازيَّة كلمح البصر!
ويتحدَّث المفيد عن بعض العلائم الكونيَّة التي سوف تحدث عند ظهور (المهدي) كامتداد طول اليوم إلى عشرة أضعاف ليكون (٢٤٠ ساعة)!
وهذا ما يُفسِّره الطوسي بحديث مشابه، حيث يقول: (إذا قام القائم.. يأمر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧١) قد ذكرت بعض الإذاعات نبأ عن مصادر علميَّة دوليَّة تفيد أنَّه بسبب ذوبان القطب الجنوبي واستمرار ذلك سيتسبَّب ذلك في اختلال في مركز الثقل في الأرض ممَّا يُؤدِّي إلى انقلاب الشمالي إلى الجنوبي، والجنوبي إلى موضع الشمالي، وبالتالي انعكاس اتِّجاه دوران الأرض وطلوع الشمس من المغرب.

↑صفحة ١٣٩

الله الفلك في زمانه فيبطئ في دوره، حتَّى يكون اليوم في أيَّامه كعشرة من أيَّامكم، والشهر كعشرة أشهر، والسنة كعشر سنين من سنيكم).
ويروي الكليني حديثاً عن الإمام الباقر (عليه السلام) يتنبَّأ فيه باستعمال الشيعة لطريقة (التلفون التلفازي) في التحدُّث مع القائم ومشاهدته عن بعد، ومن مختلف الأقطار. وذلك عند ظهوره.
وتقول بعض الروايات: إنَّ القائم إذا قام أشرقت الأرض بنور ربِّها واستغنى العباد عن ضوء الشمس، وذهبت الظلمة، ويُعمّر الرجل في ملكه حتَّى يُولَد له ألف ولد ذَكَر لا يُولَد فيهم أُنثى!
وأخيراً تتحدَّث الروايات الواردة حول ظهور المهدي عن مدَّة ملكه، فتقول إحداها: إنَّه سيحكم سبع سنين تكون أشبه بسبعين سنة من سنيننا. وتقول رواية أُخرى: إنَّ القائم يملك ثلاثمائة وتسع سنين، كما لبث أهل الكهف في كهفهم، ولكن رواية ثالثة تقول: إنَّه يحكم تسعة عشر عاماً فقط.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩)، (٠١:٣٦) صباحاً.
العاملي عضو:
أوَّلاً: هذا الموضوع يصرخ بتدليس صاحبه. والدليل عليه أنَّه ثبت عند السُّنِّيين في صحاحهم أنَّ الأعور الدجَّال قد وُلِدَ في زمن الخليفة عمر، وأنَّه حيٌّ يُرزَق وغائب حتَّى يخرج. ولهم تفسيرات كثيرة في غيابه.
فهل يصحُّ القول: إنَّ تعدُّد تفاسيرهم في غيبة الدجَّال دليل على عدم ولادته؟!
ثانياً: لو أنَّك حقَّقت في أحاديث غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عند المسلمين السُّنَّة والشيعة، لرأيت فيها صحاحاً قبل ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).

↑صفحة ١٤٠↑

ثالثاً: خلطك المواضيع دليل على تدليسك، فقل: إنِّي أحصيت أحاديث الغيبة، وحاضر لمناقشتها وأطرح واحداً أو خمسة منها!
رابعاً: ما هو التأثير العلمي لتفاوت أحاديث علامات الظهور، أو كذب بعضها على أحاديث الغيبة؟! أم هو حبُّ الحشو والتخبيص؟!

* * *

إلى الأخ العاملي:
حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٣:٣٩) صباحاً.
أحمد الكاتب عضو:
الأخ العاملي (حفظه الله):
تحيَّة طيِّبة، وبعد:
فمن السهل إطلاق الاتِّهام بالتدليس والكذب بصورة عامَّة، ومن الصعب إثباته ووضع النقاط على الحروف، وأراك مستعجلاً في الردِّ ولا ضرورة لذلك، ويمكنك أنْ تتمهَّل عدَّة أيَّام لتدرس تاريخ تلك الفترة وتردَّ بهدوء، وأنا مستعدٌّ لاستماع رأيك بكلِّ إمعان.
ولا توجد لدي معركة شخصيَّة معك، كما لا يمكن أنْ نحسم الصراع على صفحات هذا الموقع في يوم واحد.
أرجو أنْ تذكر لي النصوص الصريحة الصحيحة التي تُؤكِّد أنَّ الإمام الحسن العسكري أرى أصحابه ولده في حياته؟
وقد ذكرت لك عدَّة روايات في فصل الأدلَّة التاريخيَّة على ولادة الإمام ومشاهدته؛ فراجعه أوَّلاً وانظر هل هي الأدلَّة التي تقصدها أم غيرها؟ وإذا كانت غيرها فتفضَّل بذكرها لنا مشكوراً.
أمَّا إذا كنت تقصد نفس الروايات التي ذكرتها أنا، فأرجو أنْ تُبيِّن لي هل قمت بدراستها ودراسة سندها وتقييمها، أم اعتبرتها صحيحة اعتباطاً؟

↑صفحة ١٤١↑

قلت: إنَّ الشيعة لم يجمعوا على ولادة ابن الإمام الحسن العسكري واختلفوا حول وجوده، لأنَّ الحالة كانت غير طبيعيَّة ولم يكن الولد ظاهراً، وكان الإمام الحسن العسكري نفسه قد أنكر وجود ولد له وأوصى إلى أُمِّه، وكانت هناك بالطبع رواية تتحدَّث عن ولادته سرًّا والتقاء بعض الأصحاب به، وهذا ما يدعونا إلى الشكِّ والتوقُّف ودراسة شهادة النوَّاب الأربعة وغيرهم الذين ادَّعوا مشاهدتهم للإمام المهدي واللقاء به، وهل كانوا صادقين أم يدَّعون بلا دليل؟ خاصَّةً وأنَّ الشيعة في أيَّامهم شكُّوا بصدقهم وكذب بعضهم بعضاً في دعاوى النيابة الخاصَّة.
والمسألة ليست مسألة شهود، واحد أو اثنين أو ثلاثة؛ لأنَّها كانت مسألة غامضة ومعقَّدة.
ويبدو أنَّك تعترف بأنَّ القول بولادة الإمام الثاني عشر وولادته كان سرّيًّا خلاف الظاهر، ولكنَّك تفترض وجود ظروف سرّيَّة محيطة بها دفعت الإمام العسكري إلى إخفاء أمر الولادة وإنكارها في الظاهر، وهذا التحليل من تحليلات الباطنيَّة الذين كانوا يرفضون وفاة بعض الأئمَّة ويفترضون ولادة بعض. وإذا كنت تقبل هذا الافتراض، فلماذا لا تقبل بقضيَّة ولادة الإمام محمّد بن عبد الله الأفطح، التي قال بها قسم من الشيعة الفطحيَّة وادَّعوا كذلك وجود ظروف شديدة أجبرت الإمام عبد الله الأفطح على إخفاء ولده في اليمن وأنَّه المهدي المنتظر؟
وإذا كنت تقبل ذلك الافتراض فهل تقبل مثلاً أنَّ المَلِك فيصل الثاني في العراق الذي قُتِلَ قبل أنْ يتزوَّج، ولم يُعرَف وجود ولد له في حياته ليرثه في الملك، ومع ذلك فقد برز مؤخَّراً شابٌّ في لندن وادَّعى أنَّه ابن المَلِك فيصل الثاني وقال: إنَّ أباه قد تزوَّج سرًّا؛ لأنَّه كان يعرف سوف تقوم ثورة في العراق وتقتل العائلة

↑صفحة ١٤٢↑

المالكة فأراد أنْ يحافظ عليه فأخفاه، هل تقبل قوله لو جاء بشاهد أو شاهدين وتعطيه الملك؟ ألَا تحتمل أنْ يكون الشهود قد رتَّبوا القصَّة لينتزعوا الملك من دعاة الملكيَّة الآخرين؟ وهل تقبل كلَّ ادِّعاء خطير بسهولة؟
إنَّ تشكيك السُّنَّة بالنوبختي لا يُضعِّفه؛ لأنَّهم يُشكِّكون بكثير من رواه الشيعة ومؤرِّخيهم، ولكن هل لديك تشكيك من الشيعة به؟
قلت: إنِّي دلَّست في قصَّة وفد قم، وقد ذكرتها كما جاءت في الكُتُب المختلفة. هل يمكن أنْ تذكر القصَّة بالكامل خلافاً لما ذكرتها أنا؟
وأخيراً قلت: إنَّ عدم الظهور لا يدلُّ على عدم الوجود. وإذا قبلنا قولك هذا فإنَّه على الأقلّ لا يُشكِّل حجَّة لأحد، ولا يستطيع الله أنْ يحتجَّ على أحد؛ لأنَّ الحجَّة لم تكن بيِّنة ولا بالغة، ولله الحجَّة البالغة على عباده، فإذا كان وجود الإمام الثاني عشر ملفوفاً بالغموض والشكِّ، فإنَّه لا يصبح حجَّة على أحد.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٢:٣٦) صباحاً.
العاملي عضو:
كتاب عبد الرسول لاري مبذول، وهو يُرسِله لمن يريد ولا يريد..
فإنْ واصل نشره في هجر وملأ به صفحاتها، ثمّ هرب من النقاش ممسكاً بيد مشارك.. فأين هدف هجر من الحوار والنقاش؟!

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٤:٤٤) صباحاً.
أحمد الكاتب عضو:
لا تزال أيُّها الأخ العاملي المحترم منفعلاً، وتستخدم عبارات خارج الموضوع وتحاول أنْ تثأر وتنتقم ولا تريد أنْ تتحاور.

↑صفحة ١٤٣↑

تفضَّل وأثبت صحَّة الأحاديث التي تُثبِت ولادة الإمام الثاني عشر تاريخيًّا.
حاول قبل ذلك أنْ تقرأ ردودي على تلك الروايات، ونقدي لها وتبيان ما بها من ضعف وإرسال يُخرجها عن درجة أخبار الآحاد، ويُلحقها بالإشاعات.
لقد قلت مراراً: إنَّ القول بوجود الإمام الثاني عشر تمَّ بناءً على مقولات فلسفيَّة بالدرجة الأُولى، وليس على روايات تاريخيَّة ثابتة، وذلك بعد وقوع الشيعة الإماميَّة في حيرة في أعقاب وفاة الإمام الحسن العسكري، فإذا كان لديك كلام تردُّ به على هذا الموضوع، فتفضَّل ونحن ننتظر ولا داعي للاستعجال وخذ ما تريد من الأيَّام، وشكراً.

* * *

مناقشة منهجيَّة لأدلَّة أحمد الكاتب:
الافتراضيَّة الفلسفيَّة نموذجاً:
حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٦:٢٠) صباحاً.
محمّد منصور زائر:
هناك بعض الملاحظات على منهجك في متابعة القضايا التاريخيَّة، وعلى الأخصّ المسألة المطروحة هاهنا وهي: (ولادة الحجَّة المنتظر (عجَّل الله فرجه)).
المحور الأوَّل:
المجازفة في العناوين والمصطلحات، مثل أنْ تعنون أو تُسمِّي نظريَّة الإماميَّة الاثني عشرية الإلهيَّة بالافتراض الفلسفي أو العقلي.. وذلك لتثبيت الاعتراض عليهم بعدم وجود دليل نقلي لديهم على ذلك، وأنَّك لا تعتدُّ بمثل الدليل العقلي في هكذا موضع.
وأوَّل تناقض يظهر في ثنايا كلامك وأعطاف بيانك هو رميك لهم، وطعنك فيهم باتِّباعهم للحشويَّة والإخباريَّة منهجاً وتطبيقاً.

↑صفحة ١٤٤↑

وبكلمة: نراك مطالباً بتحكيم المنهج العقلي في قراءة النصِّ ولزوم الاعتماد عليه، ثمّ تردُّ الأدلَّة بأنَّها ليست عقليَّة، بل نقليَّة هشَّة. وهذا كلُّه تذبذب وتدافع نتيجة عدم وضوح المنهج العلمي الدقيق اللازم اتِّباعه في البحث العقائدي فإنَّ لكلٍّ من العقل والنقل مساحة في البحث، تماماً كما ذكرت لك في الكلام المتقدِّم.. ومحصَّلة الكلام أنَّ تفسير حجّيَّة العقل والنقل كلٌّ منهما في حاجة إلى تخصُّص في العلوم ذات العلاقة والارتباط الوثيق، مثل: العلوم العقليَّة، وأُصول الفقه... كما يبدو أنَّك متحامل على علمي الفلسفة والكلام وما عداها من البحوث العقليَّة ولا غرو في ذلك، فمثلها يحتاج إلى تخصُّص وإحاطة.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٦:٤٧) صباحاً.
محمّد منصور زائر:
المحور الثاني: نشأة الاجتهاد والفقاهة عند الإماميَّة:
ادَّعيت أنَّ قضيَّة الاجتهاد والفقاهة مرهونة تاريخيًّا بالقرن الرابع الهجري، وهذه المرَّة الأُخرى التي تجانب فيها الدقَّة والاستقصاء التاريخي ممَّا جعلك ترمي الكلام على عواهنه.
وللتوضيح يكفيك أنْ تتحرَّى المنهج العلمي لا العاطفي بالأزمات النفسيَّة والهياج العاطفي المتوتِّر، فنطلب إليك أنْ تراجع كتاباً واحداً فقط وهو رجال الكشِّي عندما يروي روايةً عن نصب هارون العبَّاسي عيناً رقيبة له (جاسوسة) على الشيعة في الكوفة، وكيف قد وافته عيونه بتقارير، منها أنَّ الشيعة في الكوفة أضحت متعدِّدة، فبعضهم يتبع ذلك الفقيه الشيعي زرارة (زراريَّة)، والبعض الآخر تابع لأبي بصير (بصيريَّة)، وثالثة هي أتباع هشام بن الحَكَم (هشاميَّة)، وإلى ما هنالك من التقارير التي تعكس وجود بيوت فتيا ومرجعيَّة

↑صفحة ١٤٥↑

للطائفة في رتبة متأخِّرة عن الإمامين الصادقين (عليهما السلام)، حتَّى إنَّ هذين الإمامين أمرا بعض أصحابهما بالتصدِّي لفتيا الناس.
وثَمَّة مصدر آخر قد يتاح لك مراجعته هو كتاب مواقيت الصلاة في صلاة الظهر، فهناك تتعرَّف على اختلاف أصحابهما في الفتيا، والذي ليس وراءه إلَّا اختلاف الأفهام اختلافاً مشروعاً للأحاديث التي تلقّوها عن الأئمَّة يداً بيد؛ فأين هذا من القرن الرابع؟!

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٧:١٠) صباحاً.
محمّد منصور زائر:
المحور الثالث: هويَّة الأحاديث الإماميَّة نموذج:
لاحظنا أنَّك تعيب على الإماميَّة مشاربهم في الحديث، وأنَّهم لا يصمدون على جهة فيتَّبعون أحاديث الباطنيَّة حيناً، والحشويَّة آخر، والظاهريَّة حيناً ثالثاً...
ولا زلت بهذا في وحل التناقض، فإنَّك لا تزن منهج البحث العلمي في هذا الميدان الواسع، وأنَّ الميزان ليس المادّيَّة الحسّيَّة لا ولا الغيب المطلق، بل تتوفَّر عناصره من الشهادة والغيب والظهور وتأويل مثل المتشابه بالمحكم فكان كلُّ ذلك ممَّا لا بدَّ منه.
ولكن عذرك هو عدم اطِّلاعك التخصُّصي على العلوم الدِّينيَّة في بعض جوانبها كميزان حجّيَّة الظهور وحدودها في علم الأُصول الفقهي. وميزان حجّيَّة التأويل في فنِّ التفسير القرآني، وكذا نشأة الغيب والشهادة في المعارف وغيرها.. ما دعاك إلى استحداث رؤية خاطئة في تصوُّراتك للمنهج الإمامي في هذا السبيل.

* * *

↑صفحة ١٤٦↑

حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٧:٣٨) صباحاً.
محمّد منصور زائر:
المحور الرابع: الاثني عشر في كُتُبنا، نموذج:
وكذلك ألفيناك متخبِّطاً في توثيقاتك التاريخيَّة والدِّينيَّة، مثل دعواك بأنَّ كُتُب الإماميَّة طرًّا خالية من أيِّ إشارة إلى عدد الاثني عشر قبل القرن الثالث؟!
فما أدري - وأخالك لا تدري - كم من الكُتُب المتقدِّمة على هذا التاريخ أو المقارنة له قد ذكرت وتيمَّنت بذكر هذا العدد؟ وعلى سبيل المثال لا الحصر فهذا هو تفسير عليِّ بن إبراهيم، وتفسير الجارودي، ومسائل عليِّ بن جعفر، ومحاسن البرقي، ودعائم الإسلام، والأشعثيَّات، وقرب الإسناد، وأصل زيد الزرَّاد، وأصل زيد النرسي، وابن قولويه في كامل الزيارات، و... و...

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٧:٥٨) صباحاً.
محمّد منصور زائر:
المحور الخامس: الإمامة في كُتُب أهل السُّنَّة، نموذج:
وكذلك خرجت علينا بما لا صلة له بذوق التحقيق والتدقيق، فادَّعيت أنَّ ما تحويه كُتُب أبناء العامَّة من الأحاديث على إمامتهم غير معتدٍّ بها عندك. كما في كتابك حول المهدي (عجَّل الله فرجه)! وهذا ممَّا يُضحِك؛ لأنَّ الخير والفضل فيما شهدت به الخصوم، إذ إنَّه أبعد عن شبهة الدسِّ والوضع... وإنَّما أنكرت ذلك بادئ بدء؛ لأنَّك غير مطَّلع على موازين حجّيَّة الخبر، وكيف تتصاعد نسبة المطابقة للواقع في الخبر بحسب نظريَّة حساب الاحتمال الرياضي، وهو بحث في علمي أُصول الفقه والدراية. وعذرك أنْ لست بمتخصِّص، بل ولا مطَّلع على ذلك، والأعجب دعواك بلزوم دراسة الأحاديث مع هذه الدرجة الدنيا التي أنت عليها من المعرفة

↑صفحة ١٤٧↑

لموازين حجّيَّة الخبر، ولكن أقول لك: هل أنَّ البحث العلمي بحسب التشهِّي والانفعال النفسي؟!

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٣: ٢٣) صباحاً.
التلميذ عضو:
الأخ أحمد الكاتب، وعليك السلام ورحمة الله.
أقول لك: إنَّ طلب الحقيقة هو هدفنا، والوصول إليها هو مرادنا ومبتغانا، والحمد لله ربِّ العالمين أنَّ حقيقة هذه المسألة هي واضحة جليَّة لنا، وما دمت تطلب منَّا إثبات وجود ابن للإمام أبي محمّد الحسن بن عليٍّ العسكري عن طريق الأدلَّة التاريخيَّة والروايات الصحيحة، لا عن طريق الدليل الفلسفي العقلي أو الاجتهادي، فها أنا ذا أُثبت لك ومن خلال الروايات الصحيحة الدليل على ذلك لعلِّي بذلك أدفع عن ذهنك الشبهة التي علقت به، وأجلي عن بصرك الظلمة التي لولاها لأبصرت الحقيقة، فأقول: لقد اعترف الإمام العسكري (عليه السلام) بوجود ولد له من خلال إخباره أحد خواصِّ شيعته بذلك، ورد ذلك في الخبر الصحيح الذي رواه الشيخ الكليني (عليه الرحمة) في كتابه (الكافي) في المجلد الأوَّل (ص ٣٢٨) قال: عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن إسحاق، عن أبي هاشم الجعفري، قال: قلت لأبي محمّد (عليه السلام): جلالتك تمنعني من مسألتك فتأذن لي أنْ أسألك؟ فقال: «سَلْ»، فقلت: يا سيِّدي، هل لك ولد؟ فقال: «نعم»، فقلت: فإنْ حدث بك حدث فأين أسأل عنه؟ قال: «بالمدينة».
وأنت كما ترى هذه الرواية الصحيحة تُثبِت وجود ولد للإمام العسكري (عليه السلام)، والرواية هذه صحيحة سنداً لا غبار عليها من هذه الناحية، وقد صرَّح بذلك الشيخ المجلسي (عليه الرحمة) في مرآة العقول (ج ٤/ ص ١).

↑صفحة ١٤٨↑

كما أنَّ إشاعة الخبر بأنَّ الإمام الحسن العكسري (عليه السلام) لم يخلف ولداً إنَّما هي مسألة مقصودة حفاظاً على الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من السلطان العبَّاسي.
وورد ذلك أيضاً في الخبر الصحيح، الذي رواه العلَّامة الشيخ الكليني في (الكافي)، قال: محمّد بن عبد الله ومحمّد بن يحيى جميعاً، عن عبد الله بن جعفر الجعفري، قال: اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو (رحمه الله) عند أحمد بن إسحاق، فغمزني أحمد بن إسحاق أن أسأله عن الخلف، فقلت له: يا أبا عمرو، إنِّي أُريد أنْ أسألك عن شيء، وما أنا بشاكٍّ فيما أُريد أنْ أسألك عنه، فإنَّ اعتقادي وديني أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة إلَّا إذا كان قبل يوم القيامة بأربعين يوماً، فإذا كان ذلك رُفِعَت الحجَّة وأُغلق باب التوبة فلم يكُ ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً؛ فأُولئك أشرار خلق الله (عزَّ وجلَّ)، وهم الذين تقوم عليهم القيامة، ولكنَّني أحببت أنْ أزداد يقيناً، وأنَّ إبراهيم (عليه السلام) سأل ربَّه (عزَّ وجلَّ) أنْ يريه كيف يحيي الموتى، ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وقد أخبرني أبو عليٍّ أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: سألته وقلت: من أعامل أو عمَّن آخذ وقول من أقبل؟ فقال له: «العمري ثقتي فما أدَّى عنِّي فعنِّي يُؤدِّي وما قال لك عنِّي فعنِّي يقول، فاسمع له وأطع فإنَّه الثقة المأمون»، وأخبرني أبو عليٍّ أنَّه سأل أبا محمّد (عليه السلام) عن مثل ذلك، فقال له: «العمري وابنه ثقتان، فما أدَّيا عنِّي فعنِّي يُؤدّيان، وما قالا لك فعنِّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فإنَّهما الثقتان المأمونان»، فهذا قول إمامين قد مضيا فيك. قال: فخرَّ أبو عمرو ساجداً وبكى، ثمّ قال: سَلْ حاجتك. فقلت له: أنت رأيت الخلف من بعد أبي محمّد (عليه السلام)؟ قال: إي والله ورقبته مثل ذا - وأومأ بيده -، فقلت له: فبقيت واحدة، فقال لي: هات، قلت: فالاسم؟ قال: محرَّم عليكم أنْ تسألوا عن ذلك، ولا أقول هذا من عندي فليس لي أنْ أُحلِّل ولا أُحرِّم ولكن عنه (عليه السلام)، فإنَّ الأمر عند السلطان أنَّ أبا محمّد مضى ولم

↑صفحة ١٤٩↑

يُخلِّف ولداً، وقسَّم ميراثه وأخذه من لا حقَّ له فيه، وهو ذا عياله يجولون ليس أحد يجسر أنْ يعترف إليهم أو ينيلهم شيئاً، وإذا وقع الاسم وقع الطلب، فاتَّقوا الله وأمسكوا عن ذلك. (اُنظر: مرآة العقول: ج ٤/ ص ٦ و٧).
وهذه الرواية كما ترى أيُّها الكاتب صريحة أوَّلاً في وجود ابن للإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، كما هي واضحة الدلالة على أنَّ إشاعة عدم وجود ابن للإمام (عليه السلام) مسألة مقصودة حفاظاً على إمام العصر (أرواحنا فداه) من السلطات الحاكمة في ذلك الزمان من الوصول إليه والقضاء عليه، كما أنَّها أيضاً صريحة في أنَّ القسمة لميراث الإمام (عليه السلام) تمَّت على غير وجهها الصحيح، فأخذ من لا حقَّ فيه منه.
فماذا بعد هذا؟ هل ستقول: إنَّ الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة يستدلُّون على وجود ابن للإمام العسكري بالأدلَّة العقليَّة والفلسفيَّة؟ فهل هذه أدلَّة فلسفيَّة أيُّها الكاتب؟ علماً أنَّ الدليل العقلي أيضاً يُؤيِّد هذا الدليل النقلي، وبهذا قد انتقض الكثير ممَّا أوردته.
ولكي لا يتشعَّب الموضوع ويكون النقاش في نقاط كثيرة ومتشعِّبة أكتفي بهذا الردِّ على بعض ما أوردته في ردِّك عليَّ. منتظراً تعليقك على ردِّي هذا إنْ كان لك ردٌّ عليه. وهناك ملاحظة ينبغي أنْ أُلفت نظرك إليها، فقد أكثرت الإشارة ونسبت بعض الأقوال إلى بعض علماء الشيعة، ولكنَّك لم تذكر نصَّ قولهم، كما أنَّك أيضاً تشير إلى المصدر دون ذكر رقم الصفحة أو المجلَّد والصفحة، فنرجو منك تدارك ذلك في ردودك ومواضيعك القادمة.

* * *

إلى أحمد الكاتب: ما هو محور النقاش الذي تريده؟
حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٦:١٩) مساءً.
موسى العلي هجر:

↑صفحة ١٥٠↑

الأُستاذ أحمد الكاتب:
بعد التحيَّة والاحترام: بعد ملاحظتي للمقالات التي طرحتها، وهي كلُّها موجودة في كتابك حيث المواضيع المتشعِّبة والمتداخلة معاً، وهذا لا فائدة منه.
ونحن نريد منك أنْ تُركِّز على محور للمناقشة، هل تريد أنْ تناقش في الإمامة الإلهيَّة وهل هي عهد من الله؟ أو تريد أنْ تناقش في كون الأئمَّة اثني عشر؟ أو تريد أنْ تناقش في مصاديق الأئمَّة؟ أو تريد أنْ تناقش في خصوص ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟ أو تريد أنْ تناقش في استمراريَّة الإماميَّة إلى قيام الساعة؟
وهكذا... ينبغي عليك أنْ تُحدِّد المحور المراد مناقشته وتذكر لنا أقوى اعتراض لديك في الموضوع من دون زيادة استعراض، لكي يتركَّز البحث والحوار الجادُّ والمثمر.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١٠:١٥) مساءً.
موسى العلي هجر:
الرجاء من الأُستاذ أحمد الكاتب تحديد المحور الذي يريد نقاشه في شبكة هجر لكي يتركَّز البحث ويكون أكثر فائدةً، وشكراً.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١٠:٤٠) مساءً.
أحمد الكاتب عضو:
الأخ موسى العلي المحترم:
لقد حدَّدت موضوع النقاش في أوَّل رسالة أرسلتها إليك، وقلت: لنبدأ حديثنا حول ولادة الإمام الثاني عشر محمّد بن الحسن العسكري، وقدَّمت أنَّ

↑صفحة ١٥١↑

الدليل الأوَّل والأقوى هو الدليل الفلسفي؛ ولذا فقد كانت النظريَّة أساساً فرضيَّة فلسفيَّة، وأنَّ الأحاديث والروايات التي تحدَّثت عن ظهور مهدي عامٌّ لا تحمل دليلاً على ولادته، وأنَّ القَصص التي تحدَّثت عن مشاهدته في حياة أبيه وفي عصر الغيبة الصغرى هي حكايات ضعيفة غير موثَّقة ومتناقضة.
وبالتالي فنحن نبحث عن الدليل التاريخي لإثبات ولادته ووجوده بعد سقوط الدليل الفلسفي عن أنْ يكون دليلاً شرعيًّا، ولكن بعض الإخوة أخذوا يناقشون أُموراً بعيدة جدًّا عن الموضوع، ويحاولون مناقشتي شخصيًّا بالتهجُّم الشخصي عليَّ، كما أنَّ بعضهم ذهب ونقل كُتُباً من مواقع أُخرى، وأنزلها دون اعتراض، وقد كان السبب في نقلي بعض الفصول من كتابي هو عرض الفكرة والمناقشة وإشارتي إلى ذكري الأدلَّة الروائيَّة والتاريخيَّة ومناقشتها.
وأنا لست مستعجلاً ولا أُريد من المحاور أنْ يردَّ على ما في الفصول الأُخرى مجتمعة مرَّة واحدة، ولكن وضعتها للاستفادة قبل الردِّ.
والآن إذا كنتم تُحِبُّون تركُّز البحث حول الدليل التاريخي الذي يشتمل على رؤية ابن الإمام العسكري في حياة أبيه أو مشاهدته بعد وفاته في الغيبة الصغرى، فأهلاً وسهلاً.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٨/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١٢:٢٠) مساءً.
العاملي عضو:
محورك الأصلي يا أحمد إذن هو: إثبات ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وقد بدأ معك الأخ التلميذ في هذا الموضوع بالذات من البارحة ولم تجب على موضوعه!
أيُّها (الأُستاذ الباحث الكاتب) تفضَّل وتنازل، وابدأ البحث في موضوعك الأصلي مع (التلميذ)، ودع عنك التوزُّع والانشغال في الموضوعات الأُخرى، واترك - إنْ شئت أيضاً - أسئلتي وبحثنا في (بصائر الدرجات).

↑صفحة ١٥٢↑

وأشكرك أنَّك سبَّبت لي أنْ أبحث كنوز (بصائر الدرجات) و(كفاية الأثر)، ولعلِّي أُوافيك بشيء منها بعد شهر رمضان، حيث سأعتكف عن الكتابة فيما بقي منه، إنْ شاء الله.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١١:١٣) مساءً.
التلميذ عضو:
الأخ الكاتب، لا زلت أنتظر منك الردَّ على ما أوردته أعلاه إنْ كان لك ردٌّ على ذلك، حيث أثبتنا لك هنا أنَّ الدليل النقلي موجود وصحيح أيضاً عند الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة على وجود ابن للإمام العسكري (عليه السلام)، كما أنَّ الدليل التاريخي - أعني ذكر الكثير من الكُتَّاب والمؤلِّفين من علماء الفريقين وجود مولود للإمام العسكري - موجود، فقط ننتظر منك ملاحظاتك وردودك على ما أوردناه أعلاه. نرجو عدم تجاهل ذلك.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٨/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١٠:٤٩) صباحاً.
أحمد الكاتب عضو:
التلميذ الموقَّر:
تحيَّة طيِّبة..
هناك أحاديث كثيرة، رواها بعض أصحاب الإمام العسكري، وخاصَّة النوَّاب الأربعة الذين ادَّعوا النيابة الخاصَّة حول وجود الإمام الثاني عشر، وقد اعتمد الشهيد السيِّد محمّد باقر الصدر (رحمه الله) على دعوى النوَّاب الأربعة في إثبات وجود الإمام المهدي، واستبعد أنْ يكذب هؤلاء، وبالطبع فإنَّ الفرقة الاثني عشريَّة روت قَصصاً وأحاديث عن بعض الرجال في تلك الفترة، وهي تعتبرهم

↑صفحة ١٥٣↑

ثقات وتأخذ برواياتهم كأبي هاشم الجعفري، والقمِّي صاحب التفسير المشهور، ومن الطبيعي أنْ يُصحِّح الشيخ المجلسي رواية أبي هاشم الجعفري.
ولكن النظر إلى روايات الفرقة القائلة بوجود الولد، من الخارج، - مع اعتراف الجميع بأنَّ الإمام العسكري كان في الظاهر ينفي وجود ولد له، وأنَّه أوصى بأمواله إلى أُمِّه ولم يوصِ إلى أحد - يلقي بظلال من الشكِّ على مجمل الرواية التي تدَّعي وجود الولد في السرِّ، وذلك لأنَّ أمر الإمامة الإلهيَّة التي يجب على جميع الخلق الإيمان بها والطاعة للإمام لا يكون سرّيًّا ومجهولاً وقابلاً للتشكيك.
لقد برَّر أصحاب النظريَّة قولهم بوجود ظروف صعبة قاسية لم تسمح للإمام العسكري كشف ولده، في حين كانت الدولة العبَّاسيَّة أيَّام المعتمد العبَّاسي في أضعف حالاتها وكانت الثورات الشيعيَّة في كلِّ مكان، ولدي بحث خاصٌّ حول هذا الموضوع إذا أحببتم أعرضه لكم الآن.
ومن السهل جدًّا على أيِّ عضو في الفرقة المعيَّنة التي ادَّعت وجود الولد أنْ يحبك الروايات ويدَّعي بعد وفاة الإمام العسكري أنَّ الإمام أخبره بوجود ولد له وأنَّه نائب عنه، خاصَّة وأنَّ الجعفري كان من أركان نظريَّة وجود الولد ويقال: إنَّه ادَّعى النيابة أيضاً.
لقد نسج أصحاب الإمام عبد الله الأفطح بعد وفاته كثيراً من الروايات التي تحدَّثت عن وجود ولد له في السرِّ، وأنَّه المهدي المنتظر، وأنَّهم نوَّابه، فلماذا لا نُصدِّقهم مع أنَّهم ثقات عند جماعتهم؟ وكذلك نسج الواقفيَّة روايات كثيرة عن استمرار حياة الكاظم ونفي وفاته، وأنَّه المهدي المنتظر، فلماذا لا نُصدِّقهم مع أنَّهم يُعتَبرون ثقات عند جماعتهم؟ لأنَّنا ببساطة نشكُّ في قولهم خلاف الظاهر والمعتاد.

↑صفحة ١٥٤↑

ولكنَّنا اعتدنا أنْ نقبل روايات النوَّاب الأربعة وأصحابهم بدون نقاش مثل باب التقليد.
ولكنَّنا عندما نعرف أنَّ النائب الثالث الحسين بن روح النوبختي كان يلجأ إلى علماء قم؛ لتصحيح كتب الشلمغاني الذي انشقَّ عنه وادَّعى النيابة الخاصَّة عن الإمام المهدي والتأكُّد منها، نعرف أنَّه لم يكن يملك أيَّة رابطة مع الإمام المهدي، وبالتالي فإنَّ ادِّعاءه بوجود رجل وراء الستر يصبح مشكوكاً به.
وعندما نعرف أنَّ الكليني كتب كتابه (الكافي) الذي سيكون رمزاً للشيعة طوال ألف عام وأكثر، في عهد النائب الرابع، وأنَّه مع ذلك تضمَّن كثيراً من الروايات الموضوعة كالروايات التي تتحدَّث عن تحريف القرآن أو التي تتضمَّن بعض الأساطير، نعرف أنَّه كتبه بعيداً عن أيَّة رعاية أو لطف إلهي، ولم يكن هناك أيُّ اتِّصال لمدَّعي النيابة السمري بالإمام المهدي، وبالتالي فإنَّ قوله وادِّعاءه بوجود إمام غائب يصبح أيضاً موضع شكٍّ وتساؤل.
لقد تساءل الشيخ حسن الفريد زميل الإمام الخميني عن السرِّ وراء عدم سؤال الكليني من السمري وبالتالي من الإمام المهدي عن التكليف حول الخُمُس ولمن يُعطى في عصر الغيبة؟
لقد ادَّعى النوَّاب الخاصُّون اجتراح معاجز عديدة وادَّعوا العلم بالغيب أو هكذا نُسِبَ إليهم لتأكيد ارتباطهم بالإمام المهدي، وادُّعيت معاجز كثيرة حول ولادة الإمام ونموِّه وحفظه، فإذا كان حقًّا قد وُلِدَ وكان الله يريد أنْ يحفظه، فلماذا لم يُظهره أمام الناس فترة من الزمن حتَّى يراه الناس جميعاً ثمّ يُخفيه بقدرته، ويُنجيه ويحفظه من أنْ يناله الأعداء حتَّى يقطع الشكَّ بوجوده؟
لقد ذكرت أنا عدداً كبيراً من الروايات والقَصص النقليَّة والتاريخيَّة التي تحدَّثت عن ولادة ابن الحسن، ولست أدري هل ألقيت نظرة عليها أو رأيت

↑صفحة ١٥٥↑

عناوينها على الأقلّ وهي موجودة في موقع الحوار، ولكنِّي لم أُؤمن بها؛ لأنِّي وجدتها ضعيفة ومتناقضة وغير مسندة.
ولم أثق بصورة مطلقة بروايات فريق واحد من الشيعة الإماميَّة ادَّعى أمراً سرّيًّا، وكانت له مصلحة في ذلك، في حين أخذت بروايات عامَّة الإماميَّة الذين بحثوا عن الولد؛ فلم يجدوه وقد ذكرها النوبختي في (فِرَق الشيعة) والأشعري القمِّي في (المقالات والفِرَق). وكان قولهم أقرب إلى الظاهر.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٨/ ١٢/ ١٩٩٩)، (٠٧:٠٠) مساءً.
التلميذ عضو:
أحمد الكاتب المحترم..
أوَّلاً: إبطالاً لادِّعائك بأنَّ الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة ليس لديهم رواية واحدة صحيحة، تُثبِت وجود ابن للإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، ذكرت لك روايتين صحيحتين تدلَّان على ذلك، ولـمَّا لم تجد حيلة في ردِّهما وإثبات عدم صحَّتهما، لجأت إلى سرد كلام محشو للتهرُّب من الحقيقة والإذعان بما صحَّ في الروايتين، وحاولت أنْ تأتي بأدلَّة ظننت أنَّها تفي بالغرض في دفع الحقيقة التي تشيران إليها.
سأُثبت لك في النقاط التالية وهن أدلَّتك هذه وضعفها، ونحن هنا لا نريد منك إلَّا أنْ تجيب على هذا السؤال بدون لف أو دوران أو حشو كلام زائد لا طائل من ورائه، والسؤال هو: هل هاتان الروايتان صحيحتان سنداً حسب نظر علماء الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة أم لا؟ أرجو عدم تجاهل الجواب على هذا السؤال في ردِّك الآتي إنْ شاء الله تعالى.
ثانياً: لقد طلبت منك سابقاً أنْ تُوثِّق أقوالك بذكر المصدر الذي تنقل منه

↑صفحة ١٥٦↑

أو تستند إليه في أقوالك مع الإشارة إلى رقم المجلَّد والصفحة، وهذا ما لم تفعله في ردِّك أعلاه عليَّ، فأُكرِّر طلبي هنا مرَّةً أُخرى.
ثالثاً: يُفهَم من ردِّك أعلاه أنَّك تتَّهم ثقات بعض الأئمَّة (عليهم السلام)، وبالخصوص النوَّاب الأربعة بوضع الروايات، وحسب قولك: (حبك الروايات)، وما هذا منك إلَّا رجماً بالغيب، أليس هذا قولاً بغير علم، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ﴾ (الإسراء: ٣٦)؟ أليس هذا افتراء على هؤلاء الأجلَّاء، مع ورود الدليل الصحيح على جلالتهم ونزاهتهم ووثاقتهم؟ أليس هذا من البهتان المحرَّم في الشريعة الإسلاميَّة؟ فهل لديك دليل صحيح على أنَّ هؤلاء قاموا بوضع هذه الروايات؟ إذا كان عندك الدليل على ذلك، فنرجو أنْ تتحفنا به.
رابعاً: قلت: (ولكنَّنا عندما نعرف أنَّ النائب الثالث الحسين بن روح النوبختي كان يلجأ إلى علماء قم لتصحيح كُتُب الشلمغاني الذي انشقَّ عنه وادَّعى النيابة الخاصَّة عن الإمام المهدي والتأكُّد منها نعرف أنَّه لم يكن يملك أيَّة رابطة مع الإمام المهدي، وبالتالي فإنَّ ادِّعاءه بوجود رجل وراء الستر يصبح مشكوكاً به).
أقول: لكي تصل إلى هذه النتيجة - أنَّ الحسين بن روح لم يكن يملك أيَّة رابطة مع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وأنَّ ادِّعاءه بوجود رجل وراء الستر مشكوك به - عليك أوَّلاً أنْ تتأكَّد وتعرف - كما تقول - من صحَّة أنَّ الحسين بن روح النوبختي كان يلجأ إلى علماء قم لتصحيح كُتُب الشلمغاني، فما هو مصدر قولك هذا؟ وما مدى صحَّته ووثاقة رجال سند هذا النقل؟ نرجو أنْ تُخبرنا بذلك.
خامساً: قلت: (... لقد ذكرت عدداً من الروايات النقليَّة والتاريخيَّة التي تحدَّثت عن ولادة ابن الحسن، ولست أدري هل ألقيت نظرة عليها أو رأيت عناوينها على الأقلّ وهي موجودة في موقع الحوار ولكنِّي لم أُؤمن بها؛ لأنِّي وجدتها ضعيفة ومتناقضة غير مسندة).

↑صفحة ١٥٧↑

أقول: ولكنَّك لم تنقل الروايات الصحيحة المسندة وتجاهلتها مدلِّساً على القارئ بذلك حيث لم تنقل الروايتين الصحيحتين المذكورتين أعلاه، وهما - كما قلناه - صريحتان في إثبات وجود ابن للإمام الحسن العسكري، ولا غبار على صحَّتهما، ولو كنت منهجيًّا وموضوعيًّا غير مغرض في دعواك، لما كانت لك مندوحة من نقلهما وحتَّى مناقشتهما على الأقلّ ولو بالمغالطة.
سادساً: كما يُفهَم من كلامك أنَّك تحاول أنْ تُفهِم القارئ الكريم أنَّ كلا الروايتين واردتان عن طريق النوَّاب، مع أنَّ إحداهما واردة عن طريق أحد خواصِّ الأئمَّة (عليهم السلام)، من غير النوَّاب وهو أبو هاشم الجعفري، كما أنَّك بقولك: (ومن الطبيعي يُصحِّح الشيخ المجلسي رواية أبي هاشم الجعفري) تحاول أنْ توهم القارئ أنَّ هذا الرجل لم يُوثِّقه إلَّا المجلسي (عليه الرحمة)، وهو ليس كذلك قد وثَّقه غير المجلسي من الفقهاء والعلماء الكثيرون، فقد وثَّقه النجاشي والشيخ الطوسي، بل أقول جازماً: إنَّه ثقة عند الجميع بالاتِّفاق، اُنظر مثلاً في ترجمته نقد الرجال للتفريشي (ج ٢/ ص ٢١).
سابعاً: ومن الغريب قولك: (وعندما نعرف أنَّ الكليني كتب (الكافي) الذي سيكون رمزاً للشيعة طوال ألف عام وأكثر في عهد النائب الرابع، وأنَّه مع ذلك تضمَّن كثيراً من الروايات الموضوعة، كالروايات التي تتحدَّث عن تحريف القرآن أو التي تتضمَّن بعض الأساطير، نعرف أنَّه كتبه بعيداً عن أيَّة رعاية أو لطف إلهي، ولم يكن هناك أيُّ اتِّصال لمدَّعي النيابة السمري بالإمام المهدي، وبالتالي فإنَّ قوله وادِّعاءه بوجود إمام غائب يصبح أيضاً موضع شكٍّ وتساؤل)، فما أدري ما علاقة تأليف الكليني لكتاب (الكافي) ووجود بعض الروايات الضعيفة فيه بمسألة وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وقول السمري بذلك؟
ثامناً: أمَّا مسألة اختلاف الشيعة من بعد وفاة الإمام العسكري، ونكران

↑صفحة ١٥٨↑

البعض وجود ابن للإمام العسكري (عليه السلام) وولادة الإمام المهدي، فإنَّما هو أمر طبيعي للتكتُّم والسرّيَّة والإخفاء لولادة الإمام (عجَّل الله فرجه)، ونتيجةً لما أُشيع بين الناس من عدم وجود خلف للإمام، وذلك بهدف المحافظة على الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من السلطات الحاكمة في ذلك الزمان، ولم يكن أمر ولادته مشهوراً بين الناس لهذا الأمر، بل إنَّ الذي علم بذلك هم بعض خواصِّ وثقات الإمام العسكري (عليه السلام)، ومسألة خفاء ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) ممَّا ورد ضمن الروايات الكثيرة، منها ما رواه الشيخ الصدوق (عليه الرحمة) بسند صحيح، قال: عن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن محمّد بن الحسن الصفَّار، عن يعقوب بن يزيد، عن أيُّوب بن نوح، قال: قلت للرضا (عليه السلام): إنَّا لنرجو أنْ تكون صاحب هذا الأمر، وأنْ يردَّه الله (عزَّ وجلَّ) إليك من غير سيف، فقد بويع لك، وضُرِبَت الدراهم باسمك. فقال (عليه السلام): «ما منَّا أحد اختلفت إليه الكُتُب وسُئِلَ عن المسائل وأشارت إليه الأصابع وحُمِلَت إليه الأموال إلَّا اغتيل أو مات على فراشه، حتَّى يبعث الله (عزَّ وجلَّ) لهذا الأمر رجلاً خفي المولد والمنشأ وغير خفي في نسبه». (اُنظر: كمال الدِّين وتمام النعمة: ج ٢/ ص ٣٧٠)، والخبر صريح في أنَّ ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ستُحاط بالخفاء والكتمان.
ويقول النوبختي الذي هو من أعلام القرن الثالث في كتابه (فِرَق الشيعة)، يقول في (ص١١١): (... وقد رُويت أخبار كثيرة أنَّ القائم تخفى على الناس ولادته ويخمل ذكره ولا يُعرَف إلَّا أنَّه لا يقوم حتَّى يظهر ويُعرَف أنَّه إمام ابن إمام ووصيٌّ ابن وصيٍّ يؤتمُّ به قبل أنْ يقوم، ومع ذلك فلا بدَّ من أنْ يعلم أمره ثقاته وثقات أبيه وإنْ قلُّوا ولا ينقطع من عقب الحسن بن عليٍّ (عليه السلام) ما اتَّصلت أُمور الله (عزَّ وجلَّ) ولا ترجع إلى الإخوة ولا يجوز ذلك...).
وحتَّى مسألة إنكار ولادة المهدي (عجَّل الله فرجه) من قِبَل البعض ممَّا لم تهمله الروايات

↑صفحة ١٥٩↑

الواردة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام)، فقد روى الشيخ الصدوق (عليه الرحمة) في كتابه كمال الدِّين وتمام النعمة (ج ٢/ ص ٣٦٠) بسند صحيح أيضاً، قال: حدَّثنا أبي (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدَّثنا الحسن بن موسى الخشَّاب، عن العبَّاس بن عامر القصباني، قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول: «صاحب هذا الأمر من يقول الناس: لم يُولَد بعد».
وروى الشيخ الكليني في كتابه (الكافي) بسند صحيح أيضاً قال: عن عليِّ ابن إبراهيم، عن الحسن بن موسى الخشَّاب، عن عبد الله بن موسى، عن عبد الله ابن بكير، عن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ للغلام غيبة قبل أنْ يقوم»، قال: قلت: ولِـمَ؟ قال: «يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه -»، ثمّ قال: «يا زرارة وهو المنتظر الذي يُشَكُّ في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول: حمل، ومنهم من يقول: إنَّه وُلِدَ قبل موت أبيه بسنتين، وهو المنتظر غير أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يُحِبُّ أنْ يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون...». (اُنظر: أُصول الكافي: ج ١/ ص ٣٣٧).
ونرجو أنْ لا تكون أيُّها الكاتب من المرتابين في أمر ولادته حتَّى لا تكون من المبطلين.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٩/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١٠:٤٥) صباحاً.
التلميذ عضو:
أرجو منك يا أحمد الكاتب أنْ تردَّ وتجيب على الأسئلة.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٩/ ١٢/ ١٩٩٩)، (٠٢:٤٦) مساءً.
التلميذ عضو:

↑صفحة ١٦٠↑

إلى أحمد الكاتب..
إليك رواية ثالثة صحيحة سنداً تدلُّ على وجود خلف للإمام أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السلام) رواها الشيخ الكليني (عليه الرحمة) في كتابه الكافي (ج ١/ ص ٣٢٨)، قال: عن عليِّ بن محمّد، عن محمّد بن عليِّ بن بلال، قال: خرج إليَّ أبو محمّد قبل مضيِّه بسنتين يُخبرني بالخلف من بعده، ثمّ خرج إليَّ من قبل مضيِّه بثلاثة أيَّام يُخبرني بالخلف من بعده.
والرواية صريحة واضحة في أنَّ الإمام (عليه السلام) له خلف وعقب، وهي واضحة أيضاً في أنَّه أرشد بعض خواصِّ شيعته وثقاته إلى الخلف من بعده، وهو ابنه الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه). فهل ستُنكِر بعد هذا وجود الدليل الروائي الصحيح على ذلك؟ أم ستدَّعي أنَّها محبوكة أيضاً وتفتري على الثقات؟

* * *

حُرِّر بتاريخ (٢٠/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١٢:٥٩) صباحاً.
التلميذ عضو:
إلى أحمد الكاتب..
إليك هذه الرواية الرابعة الدالَّة على وجود ابن للإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وأنَّه هو المهدي المنتظر (عجَّل الله فرجه)، فقد روى الشيخ الصدوق (عليه الرحمة) في كتابه كمال الدِّين وتمام النعمة (ص ٣٧٢) وفي كتابه عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ٢/ ص ٢٦٥) قال: حدَّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا عليُّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: سمعت دعبل بن عليٍّ الخزاعي يقول: أنشدت مولاي الرضا عليَّ بن موسى (عليه السلام) قصيدتي التي أوَّلها:

مدارس آيات خلت من تلاوة * * * ومنزل وحي مقفر العرصاتِ

↑صفحة ١٦١↑

فلمَّا انتهيت إلى قولي:

خروج إمام لا محالة خارج * * * ويجزي على النعماء والنقماتِ

بكى الرضا (عليه السلام) بكاءً شديداً، ثمّ رفع رأسه إليَّ فقال لي: «يا خزاعي، نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام، ومتى يقوم؟»، فقلت: لا، إلَّا أنِّي سمعت بخروج إمام منكم يُطهِّر الأرض من الفساد ويملؤها عدلاً كما مُلِئَت جوراً. فقال: «يا دعبل، الإمام بعدي محمّد ابني، وبعد محمّد ابنه عليٌّ، وبعد عليٍّ ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجَّة القائم، المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد لطوَّل الله (عزَّ وجلَّ) ذلك اليوم، حتَّى يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما مُلِئَت جوراً.
وأمَّا: (متى) فإخبار عن الوقت، فقد حدَّثني أبي، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قيل له: يا رسول الله، متى يخرج القائم من ذرّيَّتك؟ فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): مثله مثل الساعة التي ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]».
والرواية واضحة الدلالة على وجود ابن للإمام الحسن العسكري، وأنَّه الإمام بعد أبيه، وأنَّه هو الحجَّة القائم المنتظر، ورجال سند الرواية ثقات عدا دعبل بن عليٍّ الخزاعي فإنَّه لم يرد فيه توثيق حسب اطِّلاعي، ولكن لا يضرُّ ذلك؛ لأنَّ دعبل بن عليٍّ مات (سنة ٢٤٥هـ) أيَّام المتوكِّل العبَّاسي؛ فاحتمال أنَّه هو واضع هذه الرواية بعيد جدًّا، بل مستحيل؛ لأنَّه لم يعش إلى المرحلة التي أعقبت وفاة الإمام العسكري لتكون له المصحلة في وضع مثل هذه الرواية واختلاقها على لسان الإمام الرضا (عليه السلام)؛ ليُؤيِّد به فرقة أو مذهباً أو مسلكاً معيَّناً.
وعليه فالرواية سند قوي، ودليل واضح جلي على ما يذهب إليه الشيعة الإماميَّة من القول بولادة ابن للإمام الحسن العسكري، وأنَّه هو المهدي المنتظر (عليه السلام).

↑صفحة ١٦٢↑

فهذا دليل روائي تاريخي آخر يدحض حجَّتك وينسف ما تذهب إليه من ادِّعاء أنَّ الإمام الحسن العسكري لم يُولَد له ولد ونفيك ولادة الحجَّة (عجَّل الله فرجه).

* * *

وبعد أربعة أيَّام من مقالة العضو التلميذ التي ذكر فيها النقاط الثماني يدخل على الكاتب من جديد ليُفتِّش عنه أين ذهب ولِـمَ لَمْ يُجب على كلامه؟
فقال التلميذ:
حُرِّر بتاريخ (٢٢/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١٢:٠٧) صباحاً.
التلميذ عضو:
أين الجواب يا أحمد الكاتب على هذه الأدلَّة؟ ما زلت منها متهرِّباً!

* * *

وفي اليوم الخامس يدخل العضو التلميذ ويقول بعبارة صريحة:
حُرِّر بتاريخ (٢٣/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١٢:٤٩) مساءً.
التلميذ عضو:
إذا لم تُجب ولم تردّ إلى الآن أيُّها الكاتب، فنسأل هنا: هل أنت طالب للحقيقة؟! لا أظنُّ ذلك أبداً.

* * *

المهدي هو محمّد بن الحسن العسكري (عليهما السلام):
حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٦:٥٥) صباحاً.
مالك الأشتر:
والصلاة والسلام على محمّد وآله المظلومين..
سوف نذكر تحت هذا العنوان بعض النصوص التي لا تقبل تأويلاً لدلالتها على شخص الإمام المهدي والإخبار بغيبته قبل وقوعها، وهي:

↑صفحة ١٦٣↑

١ - ما رواه الصدوق بسند صحيح، عن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن محمّد بن الحسن الصفَّار، عن يعقوب بن يزيد، عن أيُّوب بن نوح قال: قلت للرضا (عليه السلام): إنَّا لنرجو أنْ تكون صاحب هذا الأمر، وأنْ يردَّه الله (عزَّ وجلَّ) إليك من غير سيف، فقد بويع لك، وضُرِبَت الدراهم باسمك، فقال (عليه السلام): «ما منَّا أحد اختلفت إليه الكُتُب، وسُئِلَ عن المسائل، وأشارت إليه الأصابع، وحُمِلَت إليه الأموال، إلَّا اغتيل أو مات على فراشه، حتَّى يبعث الله (عزَّ وجلَّ) لهذا الأمر رجلاً خفي المولد والمنشأ وغير خفي في نسبه»(١٧٢).
وفي هذا الحديث إشارة إلى ما أحاط ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من أُمور لا يعلمها إلَّا خاصَّة أبي محمّد الحسن بن عليٍّ العسكري (عليه السلام)؛ ولهذا جاء في الخبر الصحيح: «إنَّ المهدي هو من يقول الناس: لم يُولَد بعد».
فقد روى الصدوق بسند صحيح جدًّا، قال: حدَّثنا أبي (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدَّثنا الحسن بن موسى الخشَّاب، عن العبَّاس بن عامر القصباني، قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) يقول: «صاحب هذا الأمر من يقول الناس: لم يُولَد بعد»(١٧٣).
٢ - ما رواه المقدسي الشافعي في (عقد الدُّرَر) عن الباقر (عليه السلام): «يكون هذا الأمر في أصغرنا سنًّا»(١٧٤). وفيه إشارة إلى الإمام المهدي محمّد بن الحسن العسكري (عليه السلام).
٣ - ما رواه الكليني بسند صحيح: عن عليِّ بن إبراهيم، عن محمّد بن الحسين، عن ابن أبي نجران، عن فضالة بن أيُّوب، عن سدير الصيرفي، قال:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٢) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٣٧٠/ باب ٣٥/ ح ١).
(١٧٣) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٣٦٠/ باب ٣٤/ ح ٢)، وأخرجه من طُرُق أُخرى أيضاً في نفس الباب.
(١٧٤) عقد الدُّرَر (ص ١٨٨/ باب ٦).

↑صفحة ١٦٤↑

سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ في صاحب هذا الأمر شبهاً من يوسف (عليه السلام)...»، إلى أنْ قال: «فما تُنكِر هذه الأُمَّة أنْ يفعل الله (جلَّ وعزَّ) بحجَّته كما فعل بيوسف، أنْ يمشي في أسواقهم، ويطأ بُسُطهم حتَّى يأذن الله في ذلك كما أذن ليوسف، قالوا: أإنَّك لأنت يوسف؟ قال: أنا يوسف»(١٧٥).
٤ - في (ينابيع المودَّة): عن الإمام الرضا (عليه السلام): «الخلف الصالح من ولد الحسن بن عليٍّ العسكري هو صاحب الزمان وهو المهدي (سلام الله عليهم)».
وقد صرَّح القندوري في (الينابيع) بوجود هذا الحديث في كتاب (الأربعين) لأبي نعيم الأصبهاني(١٧٦).
٥ - وفيه: عن الإمام الرضا (عليه السلام): «إنَّ الإمام من بعدي ابني محمّد، وبعد محمّد ابنه عليٌّ، وبعد عليٍّ ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجَّة القائم، وهو المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً، وأمَّا متى يقوم؟ فإخبار عن الوقت، لقد حدَّثني أبي، عن آبائه، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: مثله كمثل الساعة لا تأتيكم إلَّا بغتة»(١٧٧).
٦ - وفي (أُصول الكافي) بسند صحيح: عن عليِّ بن إبراهيم، عن الحسن ابن موسى الخشَّاب، عن عبد الله بن موسى، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ للغلام غيبة قبل أنْ يقوم»، قال: قلت: ولِـمَ؟ قال: «يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه -»، ثمّ قال: «يا زرارة، وهو المنتظر الذي يُشَكُّ في ولادته منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول: حمل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٥) أُصول الكافي (ج ١/ ص ٣٣٦/ باب ٨٠/ ح ٤).
(١٧٦) ينابيع المودَّة (ج ٣/ ص ١١٥ و١١٦/ باب ٨٠)، مصرِّحاً بنقله عن (فرائد السمطين) للحمويني الشافعي.
(١٧٧) المصدر السابق.

↑صفحة ١٦٥↑

(أي مات أبوه وهو حمل في بطن أُمِّه)؛ ومنهم من يقول: إنَّه وُلِدَ قبل موت أبيه بسنتين. وهو المنتظر غير أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يُحِبُّ أنْ يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون، يا زرارة...» إلخ(١٧٨).
٧ - وفي (أُصول الكافي): عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن ابن محبوب، عن إسحاق بن عمَّار، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة، والأُخرى طويلة، والغيبة الأُولى لا يعلم بمكانه فيها إلَّا خاصَّة شيعته، والأُخرى لا يعلم بمكانه فيها إلَّا خاصَّة مواليه»(١٧٩).
وهذا الخبر لا ريب في صدوره عن الإمام الصادق (عليه السلام) لوثاقة رواته جميعاً، ودلالته على الإمام المهدي بن الحسن العسكري أبين من ضوء الشمس في رابعة النهار.
٨ - وفي (كمال الدِّين) بسند صحيح: حدَّثنا أبي (رضي الله عنه)، حدَّثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن أيُّوب بن نوح، عن محمّد بن أبي عمير، عن جميل بن درَّاج، عن زرارة: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم»، فقلت له: ما يصنع الناس في ذلك الزمان؟ قال: «يتمسَّكون بالأمر الذي هم عليه حتَّى يتبيَّن لهم»(١٨٠).
٩ - وفي (أُصول الكافي): عن عليِّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيُّوب الخزَّاز، عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنْ بلغكم عن صاحب هذا الأمر غيبة فلا تُنكِروها»(١٨١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٨) أُصول الكافي (ج ١/ ص ٣٣٧/ باب ٨٠/ ح ٥)، وانظر: كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٣٤٢/ باب ٣٣/ ح ٢٤، وج ٢/ ص ٣٤٦/ باب ٣٣/ ح ٣٢) بسند آخر، والأوَّل أجود.
(١٧٩) أُصول الكافي (ج ١/ ص ٣٤٠/ باب ٨٠/ ح ١٩).
(١٨٠) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٣٥٠/ باب ٣٣/ ح ٤٤).
(١٨١) أُصول الكافي (ج ١/ ص ٣٣٨/ باب ٨٠/ ح ١٠)، وأخرجه في نفس الباب من طريق صحيح عن عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليِّ بن الحَكَم، عن محمّد بن مسلم (ج ١/ ص ٣٤٠/ ح ١٥).

↑صفحة ١٦٦↑

أقول: لم يغب من الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) سوى المهدي بالاتِّفاق، وهو لم يكن مولوداً في زمان صدور هذا الحديث، ولهذا جاء التأكيد فيه على غيبته بعد ولادته.
وقد أخرجه الكليني بسندين معتبرين لا شائبة فيهما أصلاً باتِّفاق علماء الشيعة أجمع.
١٠ - وفي (كمال الدِّين): حدَّثنا أبي ومحمّد بن الحسن (رضي الله عنهما)، قالا: حدَّثنا سعد ابن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري وأحمد بن إدريس، قالوا: حدَّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى ومحمّد بن الحسين بن أبي الخطَّاب ومحمّد بن عبد الجبَّار وعبد الله بن عامر بن سعد الأشعري، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن محمّد بن المساور، عن المفضَّل بن عمر الجعفي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «إيَّاكم والتنويه، أمَا والله ليغيبنَّ إمامكم سنيناً من دهركم، ولتمحصنَّ حتَّى يقال: مات أو هلك بأيِّ وادٍ سلك؟ ولتدمعنَّ عليه عيون المؤمنين، ولتكفؤنَّ كما تكفأ السُّفُن في أمواج البحر، ولا ينجو إلَّا من أخذ الله ميثاقه وكتب في قلبه الإيمان وأيَّده بروح منه...»(١٨٢).
ورجال الحديث قبل محمّد بن المساور كلُّهم من أجلَّاء الرواة وثقاتهم بلا خلاف، وأمَّا محمّد بن مساور فقد مات سنة (١٨٣هـ) وحاله غير معلوم، وفي وثاقة المفضَّل كلام، ولكن الحديث شاهد صدق على أمانتهما في نقله لما فيه من إخبار معجز تحقَّق بعد وفاة ابن المساور بسبعة وسبعين عاماً لوقوع الغيبة فعلاً في سنة (٢٦٠هـ).
وقد أخرجه الكليني بسند صحيح إلى محمّد بن المساور، عن المفضَّل أيضاً(١٨٣)، وممَّا يقطع بصدوره الأحاديث الكثيرة جدًّا عن أهل البيت بهذا المعنى: كصحيح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٢) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٣٤٧/ باب ٣٣/ ح ٣٥).
(١٨٣) أُصول الكافي (ج ١/ ص ٣٣٦/ باب ٨٠/ ح ٣).

↑صفحة ١٦٧↑

عبد الله بن سنان الذي رواه الصدوق عن أبيه ومحمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن الصفَّار، عن العبَّاس بن معروف، عن عليِّ بن مهزيار، عن الحسن بن محبوب، عن حمَّاد بن عيسى، عن إسحاق بن جرير، عن عبد الله بن سنان، قال: دخلت أنا وأبي على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: «فكيف أنتم إذا صرتم في حال لا ترون فيها إمام هدى ولا علماً يُرى...»(١٨٤).
١١ - وفي (أُصول الكافي): عدَّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أبيه محمّد بن عيسى، عن ابن بكير، عن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ للقائم غيبة قبل أنْ يقوم، إنَّه يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه -» يعني القتل(١٨٥)، والسند من أصحّ الأسانيد بلا خلاف.
١٢ - وفي (عقد الدُّرَر) للمقدسي الشافعي: عن الإمام الحسين السبط الشهيد (عليه السلام) قال: «لصاحب هذا الأمر - يعني الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) - غيبتان، إحداهما تطول، حتَّى يقول بعضهم: مات، وبعضهم: قُتِلَ، وبعضهم: ذهب...»(١٨٦).
وقد مرَّ نظير هذا - بسند صحيح - في الحديث رقم (٦ و٧)، فراجع.
١٣ - وفي (كمال الدِّين): حدَّثنا أبي ومحمّد بن الحسن (رضي الله عنهما)، قالا: حدَّثنا سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري، قالا: حدَّثنا أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد، عن الحسين بن الربيع المدائني(١٨٧)، قال: حدَّثنا محمّد بن إسحاق، عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٤) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٣٤٨/ باب ٣٣/ ح ٤٠).
(١٨٥) أُصول الكافي (ج ١/ ص ٣٤٠/ باب ٨٠/ ح ١٨)، وأخرجه الصدوق بسند صحيح على الأصحّ من وثاقة محمّد بن عليٍّ ماجيلويه في كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤١٨/ باب ٤٤/ ح ١٠).
(١٨٦) عقد الدُّرَر (ص ١٧٨/ باب ٥).

(١٨٧) أورده في الكافي (ج ١/ ص ٣٤١/ باب ٨٠/ ح ٣٣): (... عن أحمد بن الحسن، عن عمر بن يزيد، عن الحسن بن الربيع الهمداني)، والظاهر صحَّته، لعدم رواية سعد والحميري عن أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد، بل روى سعد في مواضع كثيرة عن أحمد بن الحسن، والمراد به ابن عليِّ ابن فضَّال الفطحي الثقة، وأمَّا عن عمر بن يزيد فسواء كان هو الصيقل أو بيَّاع السابري، فإنَّ وفاته قبل الغيبة بعشرات السنين.

↑صفحة ١٦٨↑

أسيد بن ثعلبة، عن أُمِّ هانئ، قالت: لقيت أبا جعفر محمّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، فسألته عن هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ (التكوير: ١٥ و١٦)، قال: «إمام يخنس في زمانه عند انقضاء من علمه سنة ستِّين ومائتين، ثمّ يبدو كالشهاب الوقَّاد في ظلمة الليل، فإنْ أدركتِ ذلك قرَّت عينكِ»(١٨٨).
ويُلاحَظ في سند الحديث أنَّ أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد ثقة بالاتِّفاق ومن قبله كذلك، وهو قد روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام)، كما صرَّح بهذا النجاشي في ترجمته، وأمَّا من بعده فإنَّ إثبات صدقهم في خصوص هذا الخبر، هو تقدُّم وفاتهم لما في الخبر من إعلام معجز تحقَّق بعد وفاتهم، وورد بنقل الثقات عنهم، فالخبر شاهد على صدقهم.
١٤ - وفي (كمال الدِّين) بسند صحيح، قال: حدَّثنا محمّد بن الحسن(رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدَّثنا أبو جعفر محمّد بن أحمد العلوي، عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، قال: سمعت أبا الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) يقول: «الخلف من بعدي ابني الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟»، فقلت: ولِـمَ جعلني الله فداك؟ فقال: «لأنَّكم (لا ترون شخصه)، ولا يحلُّ لكم ذكره باسمه»، قلت: فكيف نذكره؟ قال: «قولوا: الحجَّة من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(١٨٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٨) كمال الدِّين (ج ١/ ص ٣٢٤/ باب ٣٢/ ح ١)، وأخرجه في نفس الباب عن أُمِّ هانئ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) (ج ١/ ص ٣٣٠/ باب ٣٢/ ح ١٥) باختلاف يسير.
(١٨٩) كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٣٨١/ باب ٣٧/ ح ٥)، والكافي (ج ١/ ص ٣٢٨/ باب ٧٥/ ح ٣).

↑صفحة ١٦٩↑

وهذا السند حجَّة لوثاقة رجاله، والعلوي الذي فيه هو من مشايخ الشيعة الأجلَّاء، كما يُعلَم من رجال النجاشي في ترجمة العمركي البوفكي(١٩٠).

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٩/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٩:٣٢) مساءً.
أحمد الكاتب عضو:
هناك فرق كبير بين ولادة النبيِّ موسى (عليه السلام) بعيداً عن عيون السلطة الفرعونيَّة، أو ولادة النبيِّ إبراهيم (عليه السلام) كذلك، وظهورهما بعد فترة قصيرة وفي مرحلة سابقة على قيامهما بمهامِّ النبوَّة، ورؤية الناس لهما، وبين غيبة الإمام محمّد ابن الحسن العسكري الذي لم يشاهد منذ ولادته المفترضة، حتَّى اليوم بالرغم من إصرار المتكلِّمين الإماميَّة على عدم جواز خلو الأرض من إمام معصوم دقيقة واحدة، وها هي الأرض خالية من الإمام المعصوم منذ أكثر من ألف ومائة وخمسين عاماً، وها هم الشيعة بدون أيِّ اتِّصال منذ ذلك الحين.
ليس المهمُّ أنْ يكون هناك إمام أو ملك في ملكوت السماوات والأرض، وإنَّما المطلوب أنْ يظهر ويؤمَّ الناس ويقودهم لتطبيق الشريعة، وهذا هو الهدف من فلسفة الإمام.
وهناك أحاديث كثيرة عن الإمام الرضا (عليه السلام) يحاجج الواقفيَّة الذين قالوا بغيبة ومهدويَّة والده الإمام موسى الكاظم يقول لهم فيها: إنَّ الحجَّة لا تقوم لله على خلقه إلَّا بإمام حيّ يُعرَف. ومن مات وليس له إمام يسمع له ويطيع مات ميتة جاهليَّة... إمام حيّ يعرفه.. إمام حيّ يعرفه(١٩١).
والشيعة في عصر الغيبة لا يعرفون إمامهم ولا يستطيعون الارتباط به أو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٠) رجال النجاشي (ص ٣٠٣/ الرقم ٨٢٨).
(١٩١) بيَّنَّا هذا المطلب فيما سبق، فللقارئ الكريم أنْ يراجع.

↑صفحة ١٧٠↑

طاعته أو نصرته أو الحديث معه بصورة يضيع فيها معنى الإمامة، وهي القيادة والاتِّباع والطاعة(١٩٢).

* * *

وجوب وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٧:١٧) صباحاً.
مالك الأشتر عضو:
والصلاة والسلام على محمّد وأهل بيته المظلومين..
حديث: «من مات ولم يعرف إمام زمانه»، سُجِّل هذا الحديث - بألفاظ مختلفة وكلُّها ترجع إلى معنى واحد ومقصد فارد - في أُمَّهات كُتُب الحديث السُّنّيَّة والشيعيَّة، ويكفي على ذلك اتِّفاق البخاري ومسلم - من أهل السُّنَّة - على روايته(١٩٣)، والكليني، والصدوق، ووالده، والحميري، والصفَّار - من الشيعة الإماميَّة - على روايته أيضاً(١٩٤)، وقد أخرجه كثيرون بطُرُق لا طاقة على استقصائها(١٩٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٢) إنَّ عدم رؤية شخصه المبارك لا يعني عدم المعرفة، كما هو واضح.
(١٩٣) صحيح البخاري (ج ٥/ ص ١٣/ باب الفتن)، صحيح مسلم (ج ٦/ ص ٢١ و٢٢/ ح ١٨٤٩).
(١٩٤) أُصول الكافي (ج ١/ ص ٣٠٣/ ح ٥، وج ١/ ص ٣٠٨/ ح ١ - ٣، وج ١/ ص ٣٧٨/ ح ٢)، وروضة الكافي (ج ٨/ ص ١٢٩/ ح ١٢٣)، كمال الدِّين (ج ٢/ ص ٤١٢ و٤١٣/ باب ٣٩/ ح ١٠ و١١ و١٢ و١٥)، الإمامة والتبصرة (ص ٢١٩/ ح ٦٩ - ٧١)، قرب الإسناد (ص ٣٥١/ ح ١٢٦٠)، بصائر الدرجات (ص ٢٥٩/ ح و٥٠٩ و٥١٠).
(١٩٥) اُنظر: مسند أحمد (ج ٢/ ص ٨٣، وج ٣/ ص ٤٤٦، وج ٤/ ص ٩٦)، مسند أبي داود الطيالسي (ص ٢٥٩)، المعجم الكبير للطبراني (ج ١٠/ ص ٣٥٠/ ح ١٠٦٨٧)، مستدرك الحاكم (ج ١/ ص ٧٧)، حلية الأولياء (ج ٣/ ص ٢٢٤)، الكنى والأسماء (ج ٢/ ص ٣)، سُنَن البيهقي (ج ٨/ ص ١٥٦ و١٥٧)، جامع الأُصول (ج ٤/ ص ٧)، شرح صحيح مسلم للنووي (ج ١٢/ ص ٤٤٠)، تلخيص المستدرك للذهبي (ج ١/ ص ٧٧ و١٧٧)، مجمع الزوائد للهيثمي (ج ٥/ ص ٢١٨ و٢١٩ و٢٢٣ و٢٢٥ و٣١٢)، تفسير ابن كثير (ج ١/ ص ٥١٧). كما أخرجه الكشِّي في رجاله (ص ٢٣٥/ ح ٤٢٨) في ترجمة سالم بن أبي حفصة.

↑صفحة ١٧١↑

إذن الحديث ممَّا لا مجال لأحد أنْ يناقش في سنده، وإنْ توهَّم الشيخ أبو زهرة فعدَّه من روايات الكافي فحسب(١٩٦)!
والحديث كما ترى في تخريجه لا يبعد القول بتواتره، وهو لا يحتمل التأويل ولا صرف دلالته الواضحة على وجوب معرفة الإمام الحقِّ على كلِّ مسلم ومسلمة، وإلَّا فإنَّ مصيره ينذر بنهاية مهولة.
ومن ادَّعى أنَّ المراد بالإمام الذي من لا يعرفه سيموت ميتة جاهليَّة هو السلطان أو الحاكم، أو المَلِك، ونحو ذلك وإنْ كان فاسقاً ظالماً! فعليه أنْ يُثبِت بالدليل أنَّ معرفة الظالم الفاسق من الدِّين أوَّلاً، وأنْ يُبيِّن للعقلاء الثمرة المترتِّبة على وجوب معرفة الظالم الفاسق بحيث يكون من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهليَّة.
وعلى أيَّة حالٍ، فالحديث يدلُّ على وجود إمام حقٍّ في كلِّ عصر وجيل، وهذا لا يتمُّ إلَّا مع القول بوجود الإمام المهدي الذي هو حقٌّ ومن ولد فاطمة (عليها السلام) كما تقدَّم. وممَّا يُؤيِّده:
حديث: «إنَّ الأرض لا تخلو من قائم لله بحجَّة»، وهذا الحديث قد احتجَّ به الطرفان أيضاً وأوردوه من طُرُق عدَّة(١٩٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٦) الإمام الصادق لأبي زهرة (ص ١٩٤).
(١٩٧) أورد هذا الحديث الإسكافي المعتزلي في المعيار والموازنة (ص ٨١)، وابن قتيبة في عيون الأخبار (ص ٧)، واليعقوبي في تاريخه (ج ٢/ ص ٤٠٠) وابن عبد ربِّه في العقد الفريد (ج ١/ ص ٢٦٥)، وأبو طالب المكِّي في قوت القلوب في معاملة المحبوب (ج ١/ ص ٢٢٧)، والبيهقي في المحاسن والمساوئ (ص ٤٠)، والخطيب في تاريخه (ج ٦/ ص ٤٧٩) في ترجمة إسحاق النخعي، والخوارزمي الحنفي في المناقب (ص ١٣)، والرازي في مفاتيح الغيب (ج ٢/ ص ١٩٢)، وابن أبي الحديد في شرح النهج كما سيأتي، وابن عبد البرِّ في المختصر (ص ١٢)، والتفتازاني في شرح المقاصد (ج ٥/ ص ٢٤١)، وابن حجر في فتح الباري بشرح صحيح البخاري (ج ٦/ ص ٣٨٥).
وقد أخرجه الكليني من طُرُق عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في أُصول الكافي (ج ١/ ص ١٣٦/ ح ٧، وج ١/ ص ٢٧٠/ ح ٣، وج ١/ ص ٢٧٤/ ح ٣)، والصدوق في كمال الدِّين (ج ١/ ص ٢٨٧/ باب ٢٥/ ح ٤، وج ١/ ص ٢٨٩ - ٢٩٤/ باب ٢٦/ ح ٢) من طُرُق كثيرة، وص ٣٠٢/ باب ٢٦/ ح ١٠).

↑صفحة ١٧٢↑

وقد رواه كميل بن زياد النخعي الجليل الثقة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) كما في (نهج البلاغة)، قال (عليه السلام) - بعد كلام طويل -: «اللَّهُمَّ بلى! لا تخلو الأرض من قائم لله بحجَّة».
وعدم خلو الأرض من قائم لله بحجَّة لا يتمُّ مع فرض عدم ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وقد تنبَّه لهذا ابن أبي الحديد حتَّى قال في شرح هذه العبارة: (كي لا يخلو الزمان ممَّن هو مهيمن لله تعالى على عباده، ومسيطر عليهم. وهذا يكاد يكون تصريحاً بمذهب الإماميَّة، إلَّا أنَّ أصحابنا يحملونه على أنَّ المراد به الأبدال)(١٩٨).
وقد فهم ابن حجر العسقلاني منه أنَّه إشارة إلى مهدي أهل البيت (عليهم السلام) فقال ما نصُّه: (وفي صلاة عيسى (عليه السلام) خلف رجل من هذه الأُمَّة مع كونه في آخر الزمان، وقرب قيام الساعة دلالة للصحيح من الأقوال: إنَّ الأرض لا تخلو من قائم لله بحجَّة)(١٩٩).
أقول: وممَّا يُقرِّب دلالة العبارة في (النهج) على الإمام المهدي هو ما اتَّصل بها من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهذا نصُّه: «يا كميل بن زياد، إنَّ هذه القلوب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٨) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (ج ١٨/ ص ٣٥١).
(١٩٩) فتح الباري شرح صحيح البخاري (ج ٦/ ص ٣٨٥).

↑صفحة ١٧٣↑

أوعية فخيرها أوعاها، فاحفظ عنِّي ما أقول لك: الناس ثلاثة: فعالم ربَّاني، ومتعلِّم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كلِّ ناعق يميلون مع كلِّ ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق...»، إلى أنْ قال (عليه السلام): «اللَّهُمَّ بلى! لا تخلو الأرض من قائم لله بحجَّة، إمَّا ظاهراً مشهوراً، وإمَّا خائفاً مغموراً؛ لئلَّا تبطل حُجَج الله وبيِّناته»(٢٠٠).
ومن هنا جاء في الحديث الصحيح عن الحسين بن أبي العلاء الخفَّاف، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): تكون الأرض ليس فيها إمام؟ قال: «لا»... الحديث(٢٠١).
وإذا ما أُضيف هذا إلى حديث الثقلين، وحديث من مات، وحديث (الخلفاء اثنا عشر) الآتي، عُلِمَ أنَّ الإمام المهدي لو لم يكن مولوداً حقًّا لوجب أنْ يكون من سبقه حيًّا إلى قيام الساعة، ولكن لا أحد يقول من المسلمين بحياة إمام غير المهدي (عجَّل الله فرجه) ثاني عشر أهل البيت وهم من عيَّنت الصحاح عددهم، وبيَّنت كُتُب المناقب أسماءهم.
أحاديث (الخلفاء اثنا عشر):
أخرج البخاري بسنده عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «يكون اثنا عشر أميراً»، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنَّه قال: «كلُّهم من قريش»(٢٠٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٠) شرح نهج البلاغة للشيخ محمّد عبده (ج ٤/ ص ٦٩١/ ح ٨٥)، وشرح ابن أبي الحديد (ج ١٨/ ص ٣٥١).
(٢٠١) أُصول الكافي (ج ١/ ص ١٣٦/ ح ١/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة)، وسند الحديث هو: (عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن أبي عمير، عن الحسين بن أبي العلاء، عن الإمام الصادق (عليه السلام)).
(٢٠٢) صحيح البخاري (ج ٤/ ص ١٦٤/ كتاب الأحكام/ باب الاستخلاف)، وأخرجه الصدوق عن جابر بن سمرة أيضاً في كمال الدِّين (ج ١/ ص ٢٧٢/ ح ١٩)، والخصال (ج ٢/ ص ٤٦٩ و٤٧٥).

↑صفحة ١٧٤↑

وفي صحيح مسلم: «ولا يزال الدِّين قائماً حتَّى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلُّهم من قريش»(٢٠٣).
وفي مسند أحمد بسنده عن مسروق، قال: كنَّا جلوساً عند عبد الله بن مسعود وهو يقرأ القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن! هل سألتم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كم يملك هذه الأُمَّة من خليفة؟ فقال عبد الله: ما سألني عنها أحد منذ قَدِمْتُ العراق قبلك، ثمّ قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال: «اثنا عشر كعدَّة نقباء بني إسرائيل»(٢٠٤).
ويستفاد من هذه الأحاديث أُمور، وهي:
١ - أنَّ عدد الأُمراء أو الخلفاء لا يتجاوز الاثني عشر، وكلُّهم من قريش بلا خلاف. وهذا العدد ينطبق تماماً مع ما تعتقده الشيعة بعدد الأئمَّة، وهم كلُّهم من قريش.
قد يقال: إنَّ التعبير بـ (الأُمراء أو الخلفاء) لا ينطبق مع واقع الأئمَّة (عليهم السلام)، والجواب واضح جدًّا؛ لأنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنَّما أراد بذلك الإمرة والاستخلاف باستحقاق، وحاشاه أنْ يقصد بذلك معاوية ويزيد ومروان وأمثالهم الذين لعبوا ما شاؤوا بمقدَّرات الأُمَّة، بل المراد بالخليفة هو من يستمدُّ سلطته من الشارع المقدَّس، ولا ينافي ذلك ذهاب السلطنة منهم في واقعها الخارجي لتسلُّط الآخرين عليهم.
ولهذا جاء في (عون المعبود في شرح سُنَن أبي داود) ما نصُّه: (قال التوربشتي: السبيل في هذا الحديث وما يتعقَّبه في هذا المعنى أنَّه يحمل على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٣) صحيح مسلم (ج ٢/ ص ١١٩/ كتاب الإمارة/ باب الناس تبع لقريش)، أخرجه من تسعة طُرُق.
(٢٠٤) مسند أحمد (ج ٥/ ص ٩٠ و٩٣ و٩٧ و١٠٠ و١٠٦ و١٠٧)، وأخرجه الصدوق عن ابن مسعود في كمال الدِّين (ج ١/ ص ٢٧٠/ ح ١٦).

↑صفحة ١٧٥↑

المقسطين منهم، فإنَّهم هم المستحقُّون لاسم الخليفة على الحقيقة ولا يلزم أنْ يكونوا على الولاء، وإنْ قُدِّر أنَّهم على الولاء، فإنَّ المراد منه المسمَّون بها على المجاز، كذا في المرقاة)(٢٠٥).
٢ - أنَّ هؤلاء الاثني عشر معيَّنون بالنصِّ كما هو مقتضى تشبيههم بنقباء بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ (المائدة: ١٢).
٣ - أنَّ هذه الأحاديث تفترض عدم خلو الزمان من الاثني عشر جميعاً، وأنَّه لا بدَّ من وجود أحدهم ما بقي الدِّين إلى أنْ تقوم الساعة.
وقد أخرج مسلم في صحيحه وبنفس الباب ما هو صريح جدًّا بهذا، إذ ورد فيه: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان»(٢٠٦).
وهو كما ترى ينطبق تمام الانطباق على ما تقوله الشيعة بأنَّ الإمام الثاني عشر (المهدي) حيٌّ كسائر الأحياء، وأنَّه لا بدَّ من ظهوره في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً على وفق ما بشَّر به جدُّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وغير خافٍ على أحد أنَّ أهل السُّنَّة لم يتَّفقوا قطُّ على تسمية الاثني عشر، حتَّى إنَّ بعضهم اضطرَّ إلى إدخال يزيد بن معاوية ومروان وعبد المَلِك ونحوهم وصولاً إلى عمر بن عبد العزيز لأجل اكتمال نصاب الاثني عشر(٢٠٧)!
وهو بلا أدنى شكٍّ تفسير خاطئ غير منسجم مع نصِّ الحديث. إذ يلزم منه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٥) عون المعبود (ج ١١/ ص ٢٦٢/ شرح الحديث ٤٢٥٩).
(٢٠٦) صحيح مسلم (ج ٢/ ص ١٢١).
(٢٠٧) اُنظر أقوالهم في كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي (ج ١/ ص ١٣ - ١٥ من القسم الأوَّل)، وتفسير ابن كثير (ج ٢/ ص ٣٤) عند تفسير الآية (١٢) من سورة المائدة، وشرح العقيدة الطحاويَّة (ج ٢/ ص ٧٣٦)، وشرح الحافظ ابن القيِّم على سُنَن أبي داود (ج ١١/ ص ٢٦٣/ شرح الحديث ٤٢٥٩)، والحاوي للفتاوي (ج ٢/ ص ٨٥).

↑صفحة ١٧٦↑

خلو جميع العصور بعد عصر عمر بن عبد العزيز من الخليفة، بينما المفروض أنَّ الدِّين لا يزال قائماً بوجودهم إلى قيام الساعة.
إنَّ أحاديث الخلفاء اثنا عشر تبقى بلا تفسير لو تخلَّينا عن حملها على هذا المعنى، لبداهة أنَّ السلطنة الظاهريَّة قد تولَّاها من قريش أضعاف العدد المنصوص عليه في هذه الأحاديث فضلاً عن انقراضهم أجمع وعدم النصِّ على أحد منهم - أُمويِّين أو عبَّاسيِّين - باتِّفاق المسلمين.
وبهذا الصدد يقول القندوزي الحنفي: (قال بعض المحقِّقين: إنَّ الأحاديث الدالَّة على كون الخلفاء بعده (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اثني عشر قد اشتهرت من طُرُق كثيرة، فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان عُلِمَ أنَّ مراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من حديثه هذا، الأئمَّة اثنا عشر من أهل بيته وعترته، إذ لا يمكن أنْ يُحمَل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه لقلَّتهم عن اثني عشر، ولا يمكن أنْ نحمله على الملوك الأُمويِّين لزيادتهم على اثني عشر، ولظلمهم الفاحش إلَّا عمر بن عبد العزيز، ولكونهم غير بني هاشم؛ لأنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «كلُّهم من بني هاشم»، في رواية عبد المَلِك، عن جابر، وإخفاء صوته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في هذا القول يُرجِّح هذه الرواية؛ لأنَّهم لا يُحسِنون خلافة بني هاشم. ولا يمكن أنْ يُحمَل على الملوك العبَّاسيَّة؛ لزيادتهم على العدد المذكور، ولقلَّة رعايتهم...).
ويُؤيِّد هذا المعنى - أي أنَّ مراد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأئمَّة الاثنا عشر من أهل بيته - ويُرجِّحه حديث الثقلين.
ولا يخفى أنَّ حديث (الخلفاء اثنا عشر) قد سبق التسلسل التاريخي للأئمَّة الاثني عشر وضُبِطَ في كُتُب الصحاح وغيرها قبل تكامل الواقع الإمامي، فهو ليس انعكاساً لواقع وإنَّما هو تعبير عن حقيقة ربَّانيَّة نطق بها من لا ينطق عن الهوى، فقال: «الخلفاء بعدي اثنا عشر»، ليكون ذلك شاهداً ومصدِّقاً لهذا الواقع

↑صفحة ١٧٧↑

المبتدئ بأمير المؤمنين عليٍّ والمنتهي بالإمام المهدي (عليهم السلام)، وهو التطبيق الوحيد المعقول لذلك الحديث.
فالصحيح إذن أنْ يُعتَبر الحديث من دلائل النبوَّة في صدقها عن الإخبار بالمغيَّبات، أمَّا محاولات تطبيقه على من عُرفوا بنفاقهم وجرائمهم وسفكهم للدماء من الأُمويِّين والعبَّاسيِّين وغيرهم، فهو يخالف الحديث مفهوماً ومنطوقاً، على الرغم ممَّا في ذلك من إساءة بالغة إلى مقام النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إذ يعني ذلك أنَّه أخبر ببقاء الدِّين إلى زمان عمر بن عبد العزيز مثلاً، لا إلى أنْ تقوم الساعة.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٩:٥١) مساءً.
أحمد الكاتب عضو:
الأخ مالك الأشتر المحترم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
ذكرت رواية أيُّوب بن نوح وسؤاله من الإمام الرضا حول احتمال مهدويَّته وقيامه، وهي تكشف عن عدم تحديد هويَّة المهدي من قبل، وذلك لأنَّ الشيعة كانوا دائماً يسألون الأئمَّة الآخرين كالباقر والصادق والكاظم عن احتمال قيامهم، وكان هناك من يعتقد بمهدويَّتهم وغيبتهم بعد وفاتهم(٢٠٨).
حديثنا ليس عن الإمام المهدي وإنَّما عن وجود ولد للإمام العسكري الذي كان يُنكِر علناً وجود ولد له، وقد أيَّدت هذا الموضوع بنقل الروايات التي تقول: إنَّه خفي الولادة والمنشأ، وإنَّ المهدي من يقول الناس: إنَّه لم يُولَد بعد، ووجود الشكِّ في ولادته(٢٠٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٨) إنْ كنت تقصد عوامَّ الشيعة فقد بيَّنَّا ذلك، وإنْ كنت تقصد وجوه الطائفة فالأمر ليس كذلك، وقد بيَّنَّا في تعليقاتنا السابقة وما سيأتي.
(٢٠٩) وهذا ما بيَّنَّاه في تعليقاتنا وما أثبته الإخوة في مناقشاتهم وآتيناهم بالأدلَّة الصحيحة، وما سيُبيِّنه الإخوة كذلك في مناقشتهم.

↑صفحة ١٧٨↑

كلُّ تلك الروايات تشير إلى كون مسألة الولادة غير ثابتة ولا واضحة كوضوح الشمس واختلاف الشيعة الإماميَّة في ذلك.
ولست أدري كيف تصف الأحاديث التي تتَّفق مع نظريَّتك بسهولة بالصحَّة والسند الصحيح، من دون تحقيق رغم تناقضها مع روايات أُخرى(٢١٠)؟
حاولت أنْ تستدلَّ على وجود ابن الحسن بغيبته.. وكان عليك في البداية أنْ تتأكَّد من ولادته ووجوده أوَّلاً ثمّ تنسب الغيبة له كما نُسِبَت الغيبة إلى محمّد بن الحنفيَّة والإمام الكاظم وأئمَّة آخرين.
ألَا تحتمل أنَّ بعض الأحاديث التي ذكرتها ورأيت فيها دلالة واضحة كوضوح الشمس هي مختلقة في زمان لاحق ومنسوبة إلى رواة ثقات سابقين؟ خاصَّة وأنَّ سوق الاختلاق من أجل تدعيم الرأي الخاصِّ كانت رائجة تلك الأيَّام.
لقد ذكرت رواية تتحدَّث عن استفسار الشيعة في حالات غموض الأئمَّة وعدم معرفتهم وقول الإمام لهم: «تمسَّكوا بالأمر الذي أنتم عليه حتَّى يتبيَّن لكم من بعده»، وهذه الرواية تُحتِّم الوقوف عند الإمام العسكري حتَّى يتبيَّن الأمر بعده، كما فعل قسم من الشيعة الإماميَّة، وعدم افتراض ولد له من عند أنفسنا بلا دليل قاطع، كما فعل البعض الآخر من الإماميّة وليس كلُّهم ولا كلُّ الشيعة(٢١١).
أمَّا حديث: «من مات ولم يعرف إمام زمانه»، ومحاولتك الاستدلال به على وجود الإمام الثاني عشر وقولك: (إنَّ الحديث يدلُّ على وجود إمام حقٍّ في كلِّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٠) هلَّا أتيت بتلك الروايات التي تتناقض معها، أم أنَّه كعادتك تلقي الكلام على عواهنه وتُرسِله إرسال المسلَّمات، فهل هذا هو الدقَّة العلميَّة التي تدَّعيها؟
(٢١١) لا أدري لِـمَ لم يردّ الكاتب على الروايات الصحيحة السند التي أثبتها الإخوة في النقاش، فإنْ كانت ضعيفة ولم تثبت لِـمَ لم يردّها، وإنْ كانت صحيحة كما هي كذلك فلِمَ يعيد الكرَّة تلو الأُخرى بالاستفسار غير المبرِّر؟

↑صفحة ١٧٩↑

عصر وجيل وهذا لا يتمُّ إلَّا مع القول بوجود الإمام المهدي، وإذا أُضيف هذا إلى حديث الثقلين وحديث الخلفاء اثنا عشر عُلِمَ أنَّ الإمام المهدي لو لم يكن مولوداً حقًّا، لوجب أنْ يكون من سبقه حيًّا إلى قيام الساعة، وإنَّ هذه الأحاديث تفترض عدم خلو الزمان من الاثني عشر جميعاً وأنَّه لا بدَّ من وجودهم ما بقي الدِّين إلى أنْ تقوم الساعة).
إنَّ قولك هذا يدلُّ على وجود أزمة فكريَّة وحيرة لدى من كان يؤمن بتلك الأحاديث واضطراره إلى افتراض وجود ولد للإمام العسكري، كما فعل ذلك قسم من الشيعة الإماميَّة الذي افترض وجود ولد للإمام العسكري بعد وفاته دون أنْ يملك دليلاً قويًّا على وجوده.
ولكنَّك نسيت جزءاً من الدليل ذكره السابقون، وتشبَّثوا به ولم تنتبَّه إليه وهو ضرورة استمرار الإمامة في الأعقاب وأعقاب الأعقاب إلى يوم القيامة وعدم جواز انتقالها إلى أخ أو ابن أخ أو عمٍّ أو ابن عمٍّ، أي الإيمان بقانون الوراثة العموديَّة في الإمامة، وإلَّا إذا لم تكن تؤمن بهذا القانون كالشيعة الإماميَّة الفطحيَّة الذين كانوا يجيزون الانتقال إلى الإخوة فكان بإمكانك الانتقال إلى جعفر بن عليٍّ الهادي الذي ادَّعى الإمامة بعد أخيه وكما انتقل الشيعة الموسويَّة من القول بإمامة عبد الله الأفطح بن جعفر الصادق إلى أخيه موسى بعد أنْ تُوفِّي ولم يعقب ولداً تستمرُّ الإمامة في عقبه.
اُنظر أيُّها الأخ الكريم يا مالك الأشتر إنَّك تحاول أنْ تستدلَّ على وجود ابن للإمام العسكري بمجموعة نظريَّات فلسفيَّة وأحاديث عامَّة ضعيفة السند(٢١٢)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٢) وأيُّ نظريَّة فلسفية أثبت بها الأخ مالك الأشتر ولادة الحجَّة؟! وإذا كانت الروايات الصحاح التي أتى بها الأخ الأشتر ضعيفة أليس من الجدير بك يا كاتب بيان وجه الضعف بدلاً من أنْ تلقي الكلام على عواهنه؟

↑صفحة ١٨٠↑

ولا تسلك الطريق الصحيح الطبيعي الذي يستند إلى الظاهر والتاريخ، وهذا هو أهمّ دليل للقائلين بوجود الولد.
ومن هنا أدعوك إلى إعادة النظر في مسألة وجود الإمام الثاني عشر ودراسة القَصص والروايات الأُخرى التي جاءوا بها لتأكيد نظريَّتهم وتدعيمها.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٨/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١١:١٤) صباحاً.
مالك الأشتر عضو:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أيُّها القُرَّاء الكرام لقد فرض السيِّد موسى العلي وفَّقه ووفَّقنا الله علينا جميعاً أنْ لا نناقش أحمد الكاتب ما عدا العزيزين التلميذ ومحمّد منصور، وذلك لعلَّه بسبب معرفته الشخصيَّة بعلمهما وفَّقهم الله.
وباعتباره هو صاحب هذا المنتدى فأحببت أنْ لا أتجاوز هذا القرار؛ لأنَّ هذا ملكه وهو حرُّ التصرُّف فيه.
ولكن لـمَّا رأيت أنَّ الكاتب قد ردَّ عليَّ في موضوعي هذا، رأيت أنَّه لزاماً عليَّ أنْ أردَّ عليه ويكون هذا هو الردُّ الأخير، كي لا يظنَّ الكاتب وغيره أنَّنا تهرَّبنا من ردوده، وإنْ شاء الكاتب بعد ذلك في الاستمرار معنا، فليتفضَّل إلى شبكة لنك، ونحن بعون الله ولطفه مستعدُّون.
الإجابة:
أعتقد أنِّي بيَّنت بموضوع مستقلٍّ وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
أمَّا خفاء ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) فنقول: إنَّ له (عجَّل الله فرجه) بإبراهيم وموسى أُسوة، فقد خفيت ولادتهم عن الناس ولم يعرفهم إلَّا الخواصّ جدًّا.
وقولك: إنَّ روايات ولادته غير ثابتة. غير صحيح وإنَّما هو كلام تلقيه وسنُثبِت لك في نهاية الحديث أنَّ كُتُب السُّنَّة وعلماءهم روت ولادته (عجَّل الله فرجه).

↑صفحة ١٨١↑

أمَّا قولك: ولست أدري كيف تصف الأحاديث التي تتَّفق مع نظريَّتك بسهولة بالصحَّة والسند الصحيح من دون تحقيق رغم تناقضها مع روايات أُخرى؟
فنقول: لقد روينا ما اتَّفق عليه العلماء بالسند، وأنَّهم هم الذين أقرُّوا صحَّة هذه الروايات وأسانيدها.
أمَّا أنَّك تأتي وتقول: هذه غير صحيحة، عليك أنْ تُثبِت صحَّة كلامك، لا أنْ ترمي الكلام على عواهنه.
لعلَّ سوق الاختلاق من أجل تدعيم الرأي يكون من الشيعة (وطبعاً هذا غير صحيح)، ولكن ما رأيك بعلماء السُّنَّة الذين رووا ولادته ووجوده (عجَّل الله فرجه)؟
وقولك بالنسبة لحديث الثقلين، ومن مات و...
نقول لك: يا كاتب لا توجد عندنا أزمة فكريَّة، والأحاديث صحيحة صريحة واضحة كوضوح الشمس، وقد روتها السُّنَّة قبل الشيعة، وإلَّا كيف تُفسِّر: (لن يفترقا)، و(من مات ولم يعرف إمام زمانه)، و(الأئمَّة اثنا عشر).
أنا لا أستدلُّ بوجود الإمام بفلسفة فارغة أو أحاديث ضعيفة؟ لقد قلت: إنَّ هذه الأحاديث صحيحة، وعليك أنْ تُثبِت ضعف ما أتيتك به، ولا تنسى على فرض ضعف هذه الأحاديث (وهذا محال) فإنَّ كثرة طُرُقها تجعلها بمرتبة الصحَّة (أو إنَّك ناسٍ لهذا الشيء).
وإليك جملة من علماء السُّنَّة الذين قالوا بولادته (عجَّل الله فرجه) كما نقلها الأخ البصري وفَّقه الله...(٢١٣).

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٧/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٩:٣٣).
أحمد الكاتب عضو:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٣) راجع من صفحة (٩٨) إلى (١٢٦).

↑صفحة ١٨٢↑

الأخ محمّد منصور (حفظه الله)، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..
١ - أفترض فيك العلم والخبرة والاختصاص والتحقيق والاطِّلاع والهدوء النفسي والحياد ومعرفة الموازين والاجتهاد، وربَّما الأُستاذيَّة العليا كما تدَّعي، أشكرك على ملاحظاتك، ولكن اسمح لي بالقول: إنَّ الشعارات العامَّة لا تفيد، ولا بدَّ من وضع النقاط على الحروف وذكر المصادر والروايات، هل تؤمن بأنَّ المهدي لا يزال يعيش في سرداب سامرَّاء؟
ثمّ إنَّ بحثنا الآن ليس عن الإمامة وإنَّما هو حول وجود الإمام الثاني عشر وولادته(٢١٤).
٢ - لا أتحامل على الفلسفة والكلام بشكل مطلق، وإنَّما أقول: إنَّ الدليل الأوَّل والأقوى الذي يورده المتكلِّمون الاثنا عشريُّون على وجود ابن للإمام العسكري كان دليلاً فلسفيًّا نظريًّا اعتباريًّا اجتهاديًّا عقليًّا(٢١٥)، وهذا لا يجوز في عمليَّة إثبات وجود إنسان في الخارج كما يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في كتابه: (المهدي الثورة الكبرى).
ومع ذلك فإنَّه لم يكن دليلاً عقليًّا محضاً خالصاً بحيث يستطيع أيُّ إنسان عاقل أنْ يتوصَّل إليه ببساطة، وإنَّما هو مبنيٌّ على سلسلة مقدَّمات نقليَّة، كضرورة الوراثة العموديَّة لانتقال الإمامة من إمام إلى آخر، وهذا ما لم يثبت من القرآن الكريم ولا من السُّنَّة المطهَّرة ولا من أحاديث أهل البيت الصحيحة، حيث كان كبار العلماء الشيعة كبني فضَّال في الكوفة فطحيَّة، أي لا يؤمنون بقانون الوراثة العموديَّة، ولم يعرفه علماء قم الذين كادوا يقولون بإمامة جعفر بن عليٍّ الهادي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٤) وكيف يمكن الانتقال إلى الصغرى قبل إثبات الكبرى، أم أنَّه جائز في منطقك إثبات الصغرى أوَّلاً ثمّ الانتقال إلى الكبرى؟!
(٢١٥) بل هو دليل نقلي صحيح لا تصل إليه يد الشكِّ والريب، وهذا ما ثبت وما سيثبت من الأدلَّة التي يعرضها الإخوة المناقشون.

↑صفحة ١٨٣↑

٣ - لقد كان الاجتهاد مغلقاً ومحرَّماً عند الشيعة الإماميَّة في زمان الأئمَّة؛ لأنَّهم كانوا يعتقدون بنزول العلم الإلهي على الأئمَّة ويأخذون على المذاهب الأُخرى القول بجواز الاجتهاد، ولم يكن عامَّة الشيعة في القرون الأُولى إماميَّة ولذا كانوا يعتقدون بجواز الاجتهاد وينظرون إلى أئمَّة أهل البيت على أساس أنَّهم علماء رواة ناقلون للسُّنَّة الصحيحة أو مجتهدون، وليسوا بأنبياء.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٨/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٤٨: ٠٨) صباحاً.
(جميل ٥٠) زائر:
الأخ الكاتب: السلام عليكم.
هنا ثلاث نقاط:
الأُولى: لقد خبطت خبط عشواء في المزج بين الكبريات والصغريات أو تجاهل المقدَّم في بحث المؤخَّر، وهذا لا يستقيم حسب الوضع المنطقي للدليل، وكلام الأخ الفاضل: محمّد منصور وافٍ في توجيه معلوماتك من هذه الناحية.
الثانية: أ - هل تريد من سؤالك للأخ: هل تؤمن بأنَّ المهدي لا يزال يعيش في سرداب سامرَّاء، أنَّ هذا كان ضمن الشعارات العامَّة أو أنَّه مبدأ عقائدي عند الاثني عشريَّة؟!
والحال أنَّه لا هذا ولا ذاك، ولكن هذا وأمثاله من الأساليب يعد ملامح خاصَّة لا زالت تنتشر في واجهة أبحاثك للأسف الشديد، ومن الطبيعي أنْ تُسبِّب الظنَّ فيك بشيء معيَّن من قِبَل القارئ الفطن.
ب - تقول: إنَّه دليل نظري اعتباري عقلي واجتهادي عقلي. والسؤال كيف تجمع بين كون الشيء اعتباريًّا وعقليًّا أو اجتهاديًّا وعقليًّا يا أخي؟!
وإنْ كان مرادك أنَّهم في الكبرى أرادوا ذلك فهذا غير مفهوم من خلال عرضهم المسألة، وعليه لا يتمُّ اعتبارك مطَّلع على أصل القضيَّة بشكل جيِّد.

↑صفحة ١٨٤↑

ج - ولا ينقضي العجب منك وأنت تتَّهم القائلين بالمهدي (عجَّل الله فرجه) بالأغراض السياسيَّة بينما تتمسَّك ببعض المنحرفين عن الجادة ولا تبحث عمَّا إذا كان الغرض لهم سياسيًّا أو من سوء العاقبة وبالنتيجة التمسُّك بالحثالات والفِرَق الضالَّة يكون في الغالب الأعمِّ إذا لم يشفع بالدراسة الخاصَّة التي تضع النقاط على الحروف في حدِّ زعمك. يكون من باب خلط الدعوى بالدليل، أو يكون دالًّا ومشيراً إلى إعوجاج في السليقة؛ لأنَّنا نشاهد في البحاثين من يتعشَّق بسِيَر الشاذِّين على كلِّ صعيد ويُكثِر الاستشهاد بهم! ومن هنا كان لا بدَّ من أنْ تتنبَّه حضرتك إلى أنَّ الاستدلال بوجود فِرَق لم تؤمن أو أنكرت واستنكرت بادئ الأمر وخاتمته، تمسُّك بما لا ينفي ولا يُثبِت.
وإلَّا لو كان شأن الدليل الفطري والعقلي عدم تخلُّف أحد عنه لتمَّ قياسه بمعاوية ويزيد و... و... فإنَّهم لم يسلموا بالإمامة رغم وضوح الدليل النصِّي فيهم فضلاً عن العقلي وأنت تفترض أنَّ الدليل النصِّي أقوى، فما تقول؟!
وإلى هذا الحدِّ فهل يكون الانحراف أو الانطواء على ما يضادُّ المعتقد في نفسه دليلاً على نقضه؟!
د - أمَّا الاجتهاد فقد أعطى في ذلك الأخ المنصور (حفظه الله) ما يعينك على تصحيح تصوُّراتك في هذا الخضمِّ، ولكن أين أنت عن حقيقة الأمر، والعجب أنَّ هذه القضيَّة أصبحت من أوَّليَّات الثقافة الأُصوليَّة في الحوزات العلميَّة، وقد أعطى الشهيد الصدر بحثاً استشرافيًّا مغنياً في معالمه الجديدة ومقدَّمة حلقاته الأُصوليَّة، مضافاً على نشريَّات أُخرى وكتابات وافرة كمًّا وكيفاً تلك التي تنتهي بالقارئ إلى أنَّ الاجتهاد لم ينكفئ يوماً عند الإماميَّة، غاية الأمر قد دخلت أوساطه بعض النزعات اللفظيَّة فقط!
الثالثة: لقد وضعنا باختيارك واختيار القُرَّاء بحثاً مستقلًّا من محاضرة

↑صفحة ١٨٥↑

العلَّامة الآصفي (حفظه الله)(٢١٦)، وهو يُركِّز على النقطة التي توجَّهنا إليها بادئ النقاش، وهي مسألة الدليل النقلي على أصل القضيَّة (ولادة الحجَّة (عجَّل الله فرجه)). وكذلك ما أتاك به الأخ الفاضل التلميذ، والذي خاطبته أنت أوَّلاً، فمتى نرى العناية منك بذلك؟

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٩/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠١:١٣) صباحاً.
محمّد منصور زائر:
أوَّلاً: قولك: إنَّ بحثنا ليس عن الإمامة بل عن وجود الثاني عشر، فالترتيب المنطقي للبحث اللازم مراعاته لتكون النتائج علميَّة لا مقالات صحفيَّة، هو تسلسل البحث بدءاً من الإمامة ومعناها عند الطائفة الإماميَّة وحقيقة ما يدَّعون من معناها وحقيقتها، ثمّ يتفرَّع على ذلك بحث وجود الثاني عشر، وقد كنت تطالب بالترتيب المنطقي، هذا مع أنَّ المتصفِّح لمقالاتك يرى أنَّك تارةً تشكل على مفهوم حقيقة الإمامة وأنَّه كيف يلتئم مع الغياب والغيبة، فهذا كرٌّ على ما فررت منه، ومن ثَمَّ نصحت في البدء على مراعاة النهج التخصُّصي، لا الأدب الصحفي.
ثانياً: أستغرب من التناقض في النقطة الثانية التي ذكرتها بما لا يتجاوز الأسطر، فإنَّك تزعم أنَّ دليل وجود ابن للعسكري دليل فلسفي نظري عقلي، ثمّ تقول: إنَّه ليس دليلاً عقليًّا محضاً، بل بعض المقدَّمات نقليَّة، ومن الثابت في العلم التخصُّصي كعلم الكلام أو علم أُصول الفقه أنَّ الدليل الذي يعتمد على مقدَّمة نقليَّة ولو واحدة لا يكون إلَّا دليلاً نقليًّا، غاية الأمر أنَّ دلالته بتوسُّط القرينة العقليَّة ولو النظريَّة فإنَّه يكون من باب دلالة الاقتضاء، نظير قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٦) راجع نصَّ المحاضرة في صفحة (١٩٣).

↑صفحة ١٨٦↑

وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً﴾ (الأحقاف: ١٥)، وقوله كذلك: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (البقرة: ٢٣٣)، فإنَّ استفادة أقلّ الحمل، وهو ستَّة أشهر بتوسُّط القرينة العقليَّة المنظمَّة للدليل النقلي.
هذا مع أنَّ الأدلَّة العقليَّة التي استند إليها الإماميَّة العديد منها عقلي محض كقاعدة العناية الفلسفيَّة، وقاعدة اللطف الكلاميَّة، وغيرها من القواعد التي تحتاج إلى إتقان تخصُّصي، وهناك أدلَّة نقليَّة محضة لديهم، وهناك أدلَّة مركَّبة من عقليَّة ونقليَّة.
وأراك هاهنا قد اعترضت على الوراثة العموديَّة لانتقال الإمامة، وهو بحث في أصل معنى الإمامة لا في خصوص وجود الإمام الثاني عشر، وهذا ما نبَّهتك عليه في النقطة الأُولى أنْ لا مفرَّ لك من البحث في الأساس كترتيب منطقي لا عشوائي، ولا أُريد الخوض في معنى الوراثة في الإمامة قبل أنْ نُحدِّد مركز البحث وإلَّا لوافيتك بما يريده القرآن الكريم من الوراثة في الإمامة.
وأمَّا استشهادك بكلام الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في كتابه، فيا ليتك من أهل التخصُّص لتعرف معنى أنَّ الاستدلال على كبرى الإمامة بدليل عقلي غاية ما يثبت ضرورة وجود إمام في الخارج، ولكنَّه لا يُشخِّص الموجود ويُميِّزه لنا، والفرق بين الأمرين هو أنَّ الكبرى العقليَّة تُثبِت وجود إمام معصوم في الخارج حيًّا معاصراً لنا، إلَّا أنَّ الدليل العقلي لا يُشخِّص اسمه ولا نسبه، إلَّا أنَّه يُثبِت استمرار الإمامة وبقاء وجود إمام معصوم ما مع البشر، ولكنِّي لا أظنُّ اتِّضاح الفرق لك، لأنَّه كما يبدو أنَّك لم تتصفَّح كتاباً في العلوم العقليَّة بدراسة تخصُّصيَّة، وأمَّا البساطة في الأدلَّة العقليَّة فليس هي ضابطة صحَّة الدليل العقلي كما هو الحال في العلوم الأُخرى فإنَّ الأدلَّة النظريَّة التخصُّصيَّة ليس من شرط صحَّتها فهم غير ذوي الاختصاص، نعم هناك أدلَّة عقليَّة مبسَّطة ذكرها الإماميَّة وذلك لهداية

↑صفحة ١٨٧↑

عامَّة المكلَّفين، بحيث لا تحتاج إلى مؤونة علميَّة بالغة، فاشتراط البساطة في صحَّة الدليل العقلي جهل بأُصول المباحث العلميَّة والعقليَّة.
ثالثاً: هاهنا عاودت النقض والاعتراض على حقيقة مفهوم الإمامة، وتخيَّلت أنَّها إمَّا نبوَّة أو فقاهة كبقيَّة الفقهاء أو الرواة، وفاتتك حقيقة ما تزعمه الطائفة الإماميَّة في حقيقة معنى الإمامة من أنَّها أمر ثالث.
فأراك قد كررت على ما فررت منه، فإنَّك تزعم أنَّ البحث في وجود الإمام الثاني عشر لا في الإمامة.
ولكن تسلسل البحث المنطقي يضطرُّك إلى العودة في البحث إلى ما هو متقدِّم رتبةً، وهو البحث في حقيقة معنى الإمامة في القرآن الكريم والسُّنَّة النبويَّة الشريفة ثمّ البحث فيما يتفرَّع على ذلك من العدد ووجود الإمام الثاني عشر.
ثمّ إنَّك لم تعرف الفرق بين الاجتهاد الذي يمارسه علماء الإماميَّة وبين الاجتهاد الذي يمارسه علماء السُّنَّة، فهو يحتاج إلى دراسة باب الاجتهاد والتقليد في علم أُصول الفقه، وإذا أتقنت الفرق فسيتَّضح لك أنَّ فقهاء أصحاب الأئمَّة كانوا يجتهدون ويفتون بملكة الفقاهة بعد الاستناد إلى فهمهم من نصوص أئمَّتهم بتخصيص العامِّ وتقييد المطلق وتقديم النصِّ على الظاهر والمستفيض على الآحاد إلى غير ذلك من مراحل عمليَّة الاستنباط التي تحتاج في الإلمام بها إلى تخصُّص.
وقد ألَّف (زرارة) و(الفضل بن شاذان) رسالتين في اجتماع الأمر والنهي، وكذلك في الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدِّه، وأمرهم أئمَّتهم بالفتاوى كما ذكر ذلك النجاشي في رجاله في ترجمة (أبان بن تغلب) من أصحاب الباقر أنَّه أمره أنْ يجلس في المسجد ويفتي الناس ولم يكن أمراً بالرواية للناس، وفرق بين الدراية والفتيا من جهة، وبين الرواية عند أهل التخصُّص ويكفيك ملاحظة عشرات

↑صفحة ١٨٨↑

الروايات في كتاب الوسائل، كتاب القضاء، أبواب كيفيَّة الحكم من أمرهم (عليهم السلام) أصحابهم بالفتيا بموازين مدرسة أهل البيت وما رووه أيضاً عنهم (عليهم السلام) من قولهم: «علينا إلقاء الأُصول وعليكم التفريع»(٢١٧)، وقولهم: «لا يكون الرجل منكم فقيهاً حتَّى يعرف معاريض كلامنا»(٢١٨)، وقولهم: «إنَّ الرجل لا يكون فقيهاً حتَّى يكون ملهماً»، والإلهام هو الفهم لا الرواية.
والحاصل أنَّ تشتيت جهات البحث هنا عشوائيَّة غير علميَّة!

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٩/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١١:٠٠) صباحاً.
أحمد الكاتب عضو:
الأخ الكريم الأُستاذ محمّد منصور المحترم.
تحيَّة طيِّبة..
اتَّفقنا على تركيز البحث حول وجود الإمام الثاني عشر محمّد بن الحسن العسكري، والأدلَّة التي تتوفَّر على إثبات وجوده تنقسم إلى عقليَّة اعتباريَّة فلسفيَّة كما يُطلِقون عليها، وأدلَّة نقليَّة روائيَّة، وأدلَّة تاريخيَّة، وغيرها كالمعاجز والإجماع.
أنا لم أُسمِّ الدليل العقلي بالعقلي وإنَّما سمَّاه به المتكلِّمون، وهم قالوا: إنَّه دليل عقلي غير محض؛ لاشتماله على مقدَّمات نظريَّة، وقد نقلت لك قول الصدوق.
الدليل العقلي المحض الذي يثبت لعامَّة العقلاء بغضِّ النظر عن دينهم أو مذهبهم، وهذا الدليل المسمَّى بالعقلي لا يثبت حتَّى للشيعة الإماميَّة الذين لا يؤمنون بقانون الوراثة العمودي كالفطحيَّة، وبالتالي فهو في حقيقته ليس دليلاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٧) وسائل الشيعة (ج ١٨/ ص ٤١/ باب ٧/ ح ٥١).
(٢١٨) معاني الأخبار (ص ٢/ باب معنى الاسم/ ح ٣).

↑صفحة ١٨٠↑

عقليًّا ما عدا المقدَّمة الأُولى التي ينسونها أثناء البحث وهي ضرورة وجود الإمام في الأرض وعدم خلو الأرض من إمام أي حاكم يُنظِّم أُمور الحياة ثمّ يضيفون إليه شرطاً آخر وهو ضرورة أنْ يكون الإمام معصوماً بناءً على مقدَّمات نقليَّة ويتسلسلون حتَّى يصلوا إلى إثبات وفاة الإمام العسكري ونفي القول بعودته إلى الحياة مرَّةً أُخرى وأنْ تكون الإمامة مستمرَّة إلى يوم القيامة وأنَّها لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين. وهذه مقدَّمة نقليَّة، فيكون المجموع دليلاً عقليًّا ولكنَّه غير محض.
يقول السيِّد المرتضى علم الهدى في كتاب رسالة في الغيبة (ص ٢ و٣): إنَّ العقل يقتضي بوجوب الرياسة في كلِّ زمانٍ، وأنَّ الرئيس لا بدَّ أنْ يكون معصوماً... وإذا ثبت هذان الأصلان فلا بدَّ من القول إنَّه صاحب الزمان بعينه. ولأنَّ هذا الدليل غير عقلي محض فإنَّه يصعب إقناع الآخرين به إلَّا إذا سلَّموا بجميع المقدَّمات النقليَّة. يقول السيِّد المرتضى في المصدر السابق (ص ٢): إنَّ الغيبة فرع لأُصول إنْ صحَّت فالكلام في الغيبة أسهل شيء وأوضحه، إذ هي متوقِّفة عليها، وإنْ كانت غير صحيحة فالكلام في الغيبة صعب غير ممكن.
وهذا ما يُؤكِّد عدم وجود دليل عقلي محض على ولادة ووجود ابن للإمام العسكري. ورفض الشيخ ناصر مكارم الشيرازي اتِّخاذ العقل طريقاً لإثبات وجود إنسان في الخارج.
وبدلاً من أنْ تجرَّ البحث إلى موضوع الإمامة المفصَّل، أرجو أنْ تُبيِّن رأيك: كيف تؤمن بوجود الإمام الثاني عشر؟ بالأدلَّة الفلسفيَّة العقليَّة الاعتباريَّة الاجتهاديَّة الظنّيَّة؟ أم بالأدلَّة الروائيَّة؟ أم بالدليل التاريخي؟ وهل درست الروايات التي تتحدَّث عن ولادته ومشاهدته؟ وما هو رأيك بها؟

* * *

↑صفحة ١٩٠↑

حُرِّر بتاريخ (١٩/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٩:١٦) مساءً.
محمّد منصور عضو:
إلى الكاتب..
تعقيباً على ردِّك، إليك هذه النقاط التالية:
١ - أنَّ الأدلَّة العقليَّة الفلسفيَّة تغاير الأدلَّة الاعتباريَّة مغايرة شاسعة، بل إنَّ الأدلَّة النقليَّة القطعيَّة في المعارف الاعتقاديَّة أيضاً لا تشمل أدلَّة اعتباريَّة، والحاصل أنَّ بين العلوم الحقيقيَّة والعلوم الاعتباريَّة بوناً شاسعاً يعرفه أهل التخصُّص في العلوم الإسلاميَّة، وإذا كنت لا تُميِّز بين الأمرين فكيف تخوض فيهما؟
٢ - لا يوجد متكلِّم من متكلِّمي المسلمين يُسمِّي الدليل العقلي لاشتماله على مقدَّمات نظريَّة أنَّه دليل عقلي غير محض، بل يسمُّونه دليلاً عقليًّا نظريًّا، وأمَّا تعريف الدليل العقلي غير المحض فهو الدليل الذي يتركَّب من مقدَّمات نقليَّة وعقليَّة، فلا أرى إلَّا وقد دخلت معك في شرح ألف باء علم الكلام.
٣ - ضرورة وجود إمام في الأرض وعدم خلو الأرض من إمام، كقضيَّة يحكم بها كلٌّ من العقل النظري والعقل العملي لا تغاير ضرورة عصمة الإمام، والضرورة الثانية ليس الدليل عليها النقل فقط بل العقل المحض أيضاً، وقد قال بضرورة العصمة أفلاطون - لاحظ كتاب (أفلاطون في الإسلام) مع تعليق الدكتور عبد الرحمن بدوي - وسقراط وأرسطو في كُتُبهم في المدينة الفاضلة والسياسة، وقال به ابن سينا في كتاب (الشفاء) آخر كتاب الإلهيَّات وقبله الفارابي في كتاب (المدينة الفاضلة)، وهذه القضيَّة العقليَّة التي يحكم به العقل مستقلّاً عن الاستعانة بمقدَّمات نقليَّة دليل عقلي محض غير مركَّب من دليل من سنخ آخر، وهذه القضيَّة كما قد نبَّهتك من قبل بمفردها كفيلة في إثبات ضرورة وجود إمام

↑صفحة ١٩١↑

حيّ معاصر لنا وامتناع خلو الأرض من إمام ما حجَّة للذات الإلهيَّة على خلقه، نعم هذا الدليل بمفرده يتكفَّل تشخيص اسم ونسب هذا الإمام، لا أنَّه يتكفَّل إثبات وجوده فعلاً في العصر الحاضر وفي كلِّ الأعصار، وهذا ما يريده ويعنيه الشيخ ناصر مكارم، وقد أوضحت ذلك لك من قبل إنْ كنت تتذوَّق المباحث التخصُّصيَّة.
وأمَّا تشخيص اسم ونسب ذلك الإمام، فلا بدَّ من دليل آخر إمَّا عقلي كالمعجزة أو نقلي. فتارةً الدليل يضطرُّك إلى الإذعان على نحو التفصيل بأنَّ صاحب الاسم والنسب المعيَّن هو الحجَّة لله تعالى في أرضه في هذا العصر.
وهذا ما أراده وقال به السيِّد المرتضى في السطرين الأوَّلين اللذين ذكرتهما أنت عنه.
٤ - دعواك أنَّ صعوبة إقناع الآخرين بذلك الدليل العقلي يعني أنَّه غير عقلي محض، دعوى لا صحَّة لها، إذ مدار العقلي المحض ليس على سهولة أو صعوبة قناعة الآخرين، وأمَّا اشتمال دليل عقلي على مقدَّمات نقليَّة فيما إذا كان دليلاً عقليًّا مركَّباً غير محض فلا يستلزم صعوبة إقناع الآخرين، إذا افترض أنَّ تلك المقدَّمات النقليَّة هي من طُرُق الآخرين المسلَّم بها عندهم.
٥ - أمَّا الإيمان بوجود الإمام الثاني عشر فكما استشهدت أنت بكلام السيِّد المرتضى أنَّ غيبته ونسبه واسمه فرع أصل بحث الإمامة الإلهيَّة، وكما ذكرت ونبَّهتك على ذلك من قبل، وأنت بنفسك تُشكِّك في مقالاتك على الإماميَّة بأنَّ النقش فرع ثبوت العرش، فكيف لا تلتزم أنت بنفسك وتبصر بأنَّ البحث في وجوده فرع البحث في حقيقة الإمامة الإلهيَّة وثبوتها، هذا إذا أردت بحثاً علميًّا وتطلب الحقيقة، وأمَّا إذا كان القصد التطبيل والزعاق، فذلك شأن آخر.
ثمّ إنَّك لا تفتأ تُسمِّي الأدلَّة الفلسفيَّة العقليَّة بالأدلَّة الاعتباريَّة الاجتهاديَّة

↑صفحة ١٩٢↑

الظنّيَّة، ولعمري إنَّ المبتدئ من طلبة العلوم الدِّينيَّة الإسلاميَّة يُميِّز بين السنخين والقسمين من الأدلَّة وافتراق العلوم الاعتباريَّة القانونيَّة ونحوها عن العلوم الحقيقيَّة، وأمَّا الأدلَّة على الإمامة الإلهيَّة وعلى وجوده فتنقسم إلى أقسام، وكذلك حال طوائف الروايات النقليَّة من الفريقين، ومن الخاصَّة، ولا أراك إلَّا وخضت في الفرع ثمّ تعاود بالإشكال على أدلَّته بعدم التسليم بالأصل، فحري بك ابتداء البحث وفق التسلسل العلمي، وهيَّا بك إلى الجادَّة المستقيمة، ولا تزغ.

* * *

كلمة الشيخ الآصفي:
حُرِّر بتاريخ (١٨/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١٢:٣٤) صباحاً.
(جميل ٥٠) عضو:
كلمة سماحة العلَّامة الآصفي التي ألقاها في مؤتمر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فبدأ الكلام بقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥).
بين يدينا ثلاث قضايا، يتلو بعضها بعضاً.
القضيَّة الأُولى:
الانقلاب الكوني الشامل الذي يشير إليه القرآن في أكثر من موقع:
يقول تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ (النور: ٥٥).
ويقول تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القَصص: ٥ و٦).

↑صفحة ١٩٣↑

ويقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥).
ويتمُّ هذا الانقلاب عندما يتحكَّم المستكبرون في حياة الناس، ويستضعفون عباد الله ويسلبون الناس قِيَمهم وعقولهم وضمائرهم، ويشيعون الفساد في حياتهم، وتصل البشريَّة إلى طريق مسدود، عندئذٍ تتدخَّل الإرادة الإلهيَّة، وتُحوِّل القوَّة والسلطان من أيدي الظالمين المستكبرين إلى أيدي الصالحين المستضعفين.
وقد تكرَّر هذا الانقلاب في التاريخ، ومن ذلك ما حدث في تاريخ بني إسرائيل عندما استكبر فرعون وأفسد في الأرض.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القَصص: ٤).
وهذه هي الحتميَّة الأُولى، وهي انقلاب القوَّة من المستكبرين الظالمين إلى المستضعفين الصالحين، وهو انقلاب شامل في القِيَم والمواقع والقوَّة والسيادة، وهي سُنَّة من سُنَن الله الحتميَّة.
القضيَّة الثانية:
إنَّ الذي يقود هذا الانقلاب الكوني الشامل، هو المهدي من ذرّيَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقد وردت في ذلك روايات صحيحة بلغت حدَّ التواتر.
وهذه هي القضيَّة الثانية التي يُقرِّرها الحديث النبوي، ويتَّفق عليها المسلمون، كما كانت القضيَّة الأُولى حكم القرآن الشريف، وليس في هذا شكٌّ ولا ذاك.
وقد بلغت أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه) حدًّا لا مكان للتشكيك فيه.

↑صفحة ١٩٤↑

القضيَّة الثالثة:
إنَّ المهدي المنتظر (عجَّل الله فرجه) - الذي أخبر عنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - هو محمّد بن الحسن العسكري بن عليٍّ الهادي (عليهم السلام)، وُلِدَ سنة (٢٥٥هـ) بسامرَّاء، ثمّ غيَّبه الله تعالى، وهو الذي يُرسِله الله حيث يشاء لإنقاذ الناس من الظلم، وإزالة الشرك من على وجه الأرض، وتقرير التوحيد وعبوديَّة الإنسان له، وتحكيم شريعة الله وحدوده في حياة الناس. وهو الذي يقود هذا الانقلاب الكوني الشامل الواسع، في انتقال القوَّة من الطبقة المترفة المستكبرة الفاسدة إلى الطبقة الصالحة المستضعفة: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القَصص: ٥).
وقد تواترت الرواية عن أهل البيت (عليهم السلام) بأنَّ المهدي المنتظر (عجَّل الله فرجه) الذي بشَّر به رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو ابن الحسن العسكري، والثاني عشر من أهل البيت (عليهم السلام).
وحديثنا اليوم يتركَّز حول هذه النقطة بالذات.
ومخاطبنا في هذا البحث أُولئك الذين يؤمنون بحجّيَّة حديث أهل البيت (عليهم السلام)، ويبحثون عن أدلَّة كافية وواضحة وصريحة في الإثبات العلمي لما يدَّعيه الإماميَّة من تعيين وتشخيص المهدي المنتظر (عجَّل الله فرجه).
فإنَّ الاختلاف بين الشيعة الإماميَّة (الاثني عشريَّة) وبين سائر الفِرَق الإسلاميَّة ليس في أصل قضيَّة (المهدويَّة). فإنَّ المسلمين مجمعون - إلَّا من شذَّ منهم - في الإيمان بأنَّ الله تعالى قد ادَّخر المهدي (عجَّل الله فرجه) من أهل بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لإنقاذ البشريَّة وللانقلاب الكوني الكبير في حياة الناس... ليس في ذلك شكٌّ، والروايات النبويَّة في ذلك صحيحة ومتواترة، وإنَّما الخلاف بين الشيعة الإماميَّة (الاثني عشرية) وغيرهم من المسلمين في التشخيص والتعيين فقط.
فإنَّ الشيعة الإماميَّة (الاثني عشريَّة) يذهبون قولاً واحداً إلى أنَّ الإمام

↑صفحة ١٩٥↑

المهدي المنتظر (عجَّل الله فرجه) هو محمّد بن الحسن العسكري بن عليٍّ الهادي المولود سنة (٢٥٥هـ)، وقد غيَّبه الله تعالى لحكمة يعرفها، وهو الذي ادَّخره الله تعالى لنجاة البشريَّة، وبشَّر به الأنبياء والكُتُب الإلهيَّة من قبل، بينما يذهب الآخرون إلى أنَّ المهدي الذي بشَّر به رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يُولَد بعد، أو وُلِدَ في عهد قريب.
والأدلَّة التي نستدلُّ بها على إثبات عقيدة الإماميَّة (الاثني عشريَّة) في تشخيص وتعيين الإمام المهدي المنتظر (عجَّل الله فرجه) على طائفتين:
الطائفة الأُولى: هي الروايات العامَّة التي لا تخصُّ الإمام (عجَّل الله فرجه) إلَّا أنَّها تنطبق بصورة قهريَّة على عقيدة الإماميَّة في المهدي (عجَّل الله فرجه)، ولا نعرف توجيهاً ولا تفسيراً لها إذا أسقطنا من حسابنا عقيدة الإماميَّة في هذا الموضوع، وهذه الروايات صحيحة بالتأكيد، وبعضها بالغ حدَّ التواتر في المصادر الإماميَّة من ناحية رجال السند في مختلف طبقاته، ولا مجال للمناقشة فيها من حيث الإسناد. والإيمان بصحَّة هذه الأحاديث يُؤدِّي إلى الإثبات العلمي والقطعي لعقيدة الإماميَّة في تشخيص وتعيين الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، وذلك بسبب تطابقها أوَّلاً مع ما هو المعروف عند الإماميَّة - كما سوف نرى ذلك إنْ شاء الله - ولانتفاء حالة أُخرى تصلح أنْ تكون مصداقاً وتفسيراً لهذه الأحاديث ثانياً.
ونتيجة هاتين النقطتين (المطابقة والانحصار)، هي التطبيق القهري والحتمي لهذه الأحاديث على عقيدة الإماميَّة في تشخيص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
١ - حديث الثقلين:
وأوَّل حديث نعتمده في هذا المجال حديث الثقلين، الذي صحَّ واستفاضت وتواترت روايته عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأجمع على تصحيحه المحدِّثون من كلِّ الفِرَق الإسلاميَّة، وليس من علماء المسلمين ممَّن يحترم علمه يشكُّ في صحَّة هذا الحديث وصدوره عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

↑صفحة ١٩٦↑

ويكفي أنْ يكون من رواة هذا الحديث مسلم في الصحيح، والترمذي والدارمي في السُّنَن، وأحمد بن حنبل في مواضع عديدة وكثيرة من المسند، والنسائي في الخصائص، والحاكم في المستدرك، وأبو داود وابن ماجة في السُّنَن، وغيرهم ممَّا لا يمكن إحصاؤهم في هذا المقال... وطُرُقه في كُتُب الإماميَّة أكثر من أنْ تُحصى في هذه الوجيزة(٢١٩).
ولفظ الحديث، كما في أغلب هذه المصادر: «أيُّها الناس إنَّما أنا بشر أوشك أنْ أُدعى فأُجيب، وإنِّي تارك فيكم الثقلين، وهما كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض؛ فلا تسبقوهم فتهلكوا، ولا تُعلِّموهم فإنَّهم أعلم منكم».
والحديث صريح في:
١ - أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يترك من بعده خليفتين هما القرآن وأهل بيته لهداية الأُمَّة.
٢ - وأنَّهما باقيان لن يفترقا عن بعض إلى يوم القيامة.
٣ - والتمسُّك بهما معاً يعصم الأُمَّة من الضلال.
وإذا ضممنا النقطة الأُولى: «إنِّي تارك فيكم الثقلين» إلى النقطة الثانية: «وإنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض»، استنتجنا أصلاً هامًّا وهو وجود حجَّة وإمام من أهل البيت (عليهم السلام) في كلِّ زمانٍ، لا يفترق عن كتاب الله قطُّ.
يقول ابن حجر في (الصواعق): (وفي أحاديث الحثِّ على التمسُّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهِّل منهم للتمسُّك إلى يوم القيامة، كما أنَّ الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض، كما يأتي، ويشهد لذلك الخبر السابق: «في كلِّ خلف من أُمَّتي عدول من أهل بيتي»)(٢٢٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٩) ومن أراد التفصيل فليرجع إلى العبقات، وإحقاق الحقِّ وملاحقه، والغدير للأميني، وكُتُب السيِّد شرف الدين (رضي الله عنه) وغيرها من الكُتُب التي تُثبِت ذلك.
(٢٢٠) الصواعق المحرقة (ص ١٤٩/ دار المحمّديَّة بمصر).

↑صفحة ١٩٧↑

ولا شكَّ في دلالة الحديث على بقاء حجَّة من أهل البيت إماماً للناس...
وليس لهذا الحديث تفسير أو تطبيق غير ما يعتقده الإماميَّة من وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وحياته وبقائه وعصمته وإمامته على المسلمين.
وإذا أسقطنا هذا الأمر عن الاعتبار، لم نجد تطبيقاً وتفسيراً له قطُّ في هذه القرون من حياة المسلمين. فليس في المسلمين اليوم، ولا قبل اليوم من يدَّعي أنَّه أعلم الناس، وأنَّ على الناس أنْ يتَّبعوه ولا يتقدَّموه، وأنْ يتعلَّموا منه ولا يُعلِّموه، كما في نصِّ الحديث الشريف الذي لا يختلف فيه من يعبأ بقوله ورأيه من علماء المسلمين.
وإذا قيل: فما نفع إمام غائب عن الناس للناس؟
نقول: إنَّ الله تعالى لم يُطلِعنا من أسرار غيبه إلَّا على القليل، وما أخفى الله من علمه عنَّا كثير، وما عرفنا منه قليل. وقد أخبرنا الصادق الأمين (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ببقاء حجَّة من أهل بيته في الناس على وجه الأرض إلى يوم القيامة؛ فنتعبَّد بحديثه، ونحيل علم ما لا نعلم إلى من يعلم... وليس كلُّ ما في شريعة الله مفهوماً معروفاً لنا، وما يخفى علينا من أسرار دين الله أكثر ممَّا نعلم بأضعاف مضاعفة.
٢ - حديث من مات ولم يعرف إمام زمانه:
رواه مسلم في الصحيح في كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن (ج ٦/ ص ٢٢)، ولفظ الحديث: عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليَّة».
وروى البخاري في الصحيح عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهليَّة». (صحيح البخاري، كتاب الفتن، الباب الثاني).
ورواه أحمد في المسند عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولفظ الحديث: «من مات وليس عليه طاعة مات ميتة جاهليَّة». (مسند أحمد: ج ٣/ ص ٤١٦).

↑صفحة ١٩٨↑

ورواه الطيالسي في المسند (ص ٢٥٩/ ط حيدر آباد) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من مات بغير إمام مات ميتة جاهليَّة».
ورواه الحاكم في (المستدرك)، ولفظ الحديث: «من مات وليس عليه إمام جماعة فإنَّ موتته جاهلية»، وصحَّحه الحاكم على شرط الشيخين البخاري ومسلم.
ورواه الذهبي في تلخيص المستدرك (ج ١/ ص ٧٧)، وصحَّحه على شرط الشيخين رغم تشدُّد الذهبي في تصحيح أحاديث (المستدرك).
ورواه الهيثمي في (مجمع الزوائد) بأسانيد كثيرة وألفاظ عديدة (ج ٥/ ص ٢١٨ - ٢٢٥).
وطُرُق الحديث وألفاظه كثيرة تبلغ حدَّ الاستفاضة. وقد علمنا أنَّ بعضها صحيح كما شهد به الذهبي.
وروى الحديث ثقات المحدِّثين من أصحابنا الإماميَّة، وطُرُقهم إليه كثيرة وطائفة منها صحيحة، وهي في الجملة قريبة من التواتر، وقد عقد المجلسي (رحمه الله) له باباً في (بحار الأنوار)، روى فيه أربعين حديثاً في هذا المعنى بألفاظ متقاربة. (بحار الأنوار: الجزء ٢٣/ ص ٧٦ - ٩٣) تحت عنوان: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليَّة). ونذكر مثالاً طريقين:
الطريق الأوَّل:
رواية البرقي في المحاسن بسند معتبر عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): «إنَّ الأرض لا تصلح إلَّا بإمام. ومن مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهليَّة»(٢٢١). (المحاسن للبرقي: ص ١٥٣ و١٥٤، بحار الأنوار: ج ٢٣/ ص ٧٦). والسند معتبر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢١) رجال السند كلُّهم ثقات. والسند يبدأ بالبرقي، (عن ابن فضَّال) وهو ثقة، عن (حمَّاد بن عثمان) وهو ثقة كذلك، عن أبي اليسع عيسى بن السري، وهو ثقة من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام).

↑صفحة ١٩٩↑

الطريق الثاني:
روى الكشِّي في (الرجال ص ٢٦٦ و٢٦٧): عن ابن أحمد، عن صفوان، عن أبي اليسع، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) حدِّثني عن دعائم الإسلام، فقال: «شهادة أنْ لا إله إلَّا الله...» إلى أنْ قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من مات ولا يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهليَّة»(٢٢٢).
ورجال السند كلُّهم ثقات.
ولسنا نحتاج إلى توثيق السند في أمثال هذه الروايات التي تظافرت روايتها عن الطريقين(٢٢٣)، والروايات واضحة الدلالات صحيحة السند، وهي تدلُّ على الحقائق التالية:
١ - أنَّ الأرض لا تصلح إلَّا بإمام.
٢ - ولا بدَّ في كلِّ زمانٍ أنْ يعرف الإنسان إمام زمانه.
٣ - ولا بدَّ من طاعة الإمام لكلِّ أحد في كلِّ زمانٍ، ولا يجوز لأحد أنْ يخرج عن طاعة إمام زمانه.
٤ - ومن يَمُتْ وليس عليه إمام يَمُتْ ميتة جاهليَّة.
٥ - ومن يَمُتْ وليس في عنقه بيعة لإمام يَمُتْ ميتة جاهليَّة.
وهذه الحقائق تُثبِت جميعاً أنَّ سُنَّة الله تعالى قد اقتضت وجود إمام عدل في كلِّ زمانٍ، قد فرض الله طاعته على الناس، ولم يأذن بالخروج عن طاعته؛ فهي حكم شرعي يستبطن تقريراً لسُنَّة إلهيَّة. أمَّا الحكم فهو وجوب طاعة الإمام في كلِّ زمان، وأمَّا السُّنَّة الإلهية التي يستبطنها هذا الحكم؛ فهو وجود إمام في كلِّ زمانٍ، وإلَّا فكيف يطلب الله تعالى من الإنسان أنْ لا يموت إلَّا وهو في طاعة إمام زمانه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٢) بحار الأنوار (ج ٢٣/ ص ٩٠)، ورجال الكشي (ص ٢٦٦ و٢٦٧).
(٢٢٣) فهي مستفيضة إنْ لم نقل: متواترة.

↑صفحة ٢٠٠↑

وعلى عهدته البيعة له، غير ناقض ولا ناكث لها، وغير جاهل به؛ فإذا خرج عن الطاعة أو نكث البيعة أو جهل به مات ميتة جاهليَّة، بهذه الدرجة من التغليظ والتشديد في الجزاء والعقوبة.
ومن نافلة القول أنْ نقول: إنَّ الحُكَّام الظلمة وأئمَّة الكفر والذين يحاربون الله ورسوله لا يكونون مصداقاً للإمام الذي يفرض الله على الناس معرفته وطاعته في كلِّ زمانٍ، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (هود: ١١٣)، ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ (الشعراء: ١٥١ و١٥٢)، و﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ (النساء: ٦٠).
وبعد هذا الإيضاح نقول: إنَّ التفسير الوحيد لهذه الروايات هو ما تعرفه الإماميَّة وتعتقد به من استمرار الإمامة في أهل البيت (عليهم السلام)، منذ وفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام). وأيُّ فرض آخر لا يستطيع أنْ يُقدِّم تفسيراً معقولاً لهذه الروايات، إلَّا أنْ نقول بوجوب الطاعة لكلِّ برٍّ وفاجر، كما يقول به بعض الناس.
ولسنا نعتقد أنَّ الطاعة التي تساوي الإسلام، ويساوي خلافها الجاهليَّة هي طاعة هؤلاء الذين أمرنا الله تعالى بعدم الركون إليهم والكفر بهم.
٣ - حديث أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة:
روى هذا الحديث من أصحابنا الإماميَّة محدِّثون ثقات، مثل المحمّدين الثلاثة الكليني، الصدوق، وأبي جعفر الطوسي (رحمهم الله) بطُرُق كثيرة تبلغ حدَّ التواتر في مختلف طبقات إسناده، وقد عقد له الكليني محمّد بن يعقوب في كتاب الحجَّة من الكافي باباً بهذا العنوان (ج ١/ ص ١٧٨).
كما عقد العلَّامة المجلسي في (بحار الأنوار) باباً بعنوان (الاضطرار إلى الحجَّة، وأنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة)، وهو الباب الأوَّل من المجلَّد السابع من

↑صفحة ٢٠١↑

الكتاب ذكر فيه (١١٨) حديثاً بهذا المضمون، وفيما يلي نذكر نماذج من هذه الروايات:
ذكر الكليني في (الكافي، كتاب الحجَّة، باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة): عن عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن عمير، عن الحسين بن أبي العلاء، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): تكون الأرض ليس فيها إمام؟ قال: «لا». قلت: يكون إمامان؟ قال: «إلَّا وأحدهما صامت». (أُصول الكافي: ج ١/ ص ١٧٨). والسند تامٌّ لا يتطرَّق إليه الشكُّ.
وروى الكليني عن عليِّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن منصور بن يونس وسعدان بن مسلم، عن إسحاق بن عمَّار، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال سمعته يقول: «إنَّ الأرض لا تخلو إلاَّ وفيها إمام»(٢٢٤). (الكافي: ج ١/ ص ١٧٨). والسند تامٌّ، والرواية معتبرة كذلك.
وروى الكليني عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليِّ بن الحَكَم، عن ربيع بن محمّد المسلِّي، عن عبد الله بن سليمان العامري، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «ما زالت الأرض إلَّا ولله فيها الحجَّة». (الكافي: ج ١/ ص ١٧٨). والسند تامٌّ، والرواية معتبرة أيضاً، ورواة الحديث ثقات(٢٢٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٤) والرواية معتبرة من حيث السند ورواتها كلُّهم ثقات، وأمَّا إبراهيم بن هاشم والد عليِّ بن إبراهيم، فقد رجَّح العلَّامة في (الخلاصة) الأخذ بروايته، وأكثر ابنه عليُّ بن إبراهيم من الرواية عنه في التفسير، وقد التزم في مقدَّمة التفسير بالرواية عن الثقات فقط، وصرَّح ابن طاوس عند ذكر رواية من أمالي الصدوق في سندها إبراهيم بن هاشم بأنَّ رواة الحديث ثقات بالاتِّفاق، وهو أوَّل من نشر حديث الكوفيِّين في قم، وتلقَّوه عنه بالقبول، رغم اشتهار القمّيِّين بالتشدُّد في قبول الحديث، ولا يتردَّد فقهاؤنا في الأخذ برواياته، يقول السيِّد الخوئي (رحمه الله): (لا ينبغي الشكُّ في وثاقة إبراهيم بن هاشم).
(٢٢٥) أمَّا عليُّ بن الحَكَم، فقد وثَّقه فقهاؤنا لوقوعه في إسناد كتاب التفسير لعليِّ بن إبراهيم القمِّي.

↑صفحة ٢٠٢↑

وروى الكليني عن عليِّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: قال: «إنَّ الله لم يدع الأرض بغير عالم». (الكافي: ج ١/ ص ١٧٨). والسند تامٌّ، والرواية معتبرة كذلك.
وروى الكليني عن الحسين بن محمّد، عن معلَّى بن محمّد، عن الوشَّاء، قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام): هل تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: «لا». قلت: إنَّا نروي أنَّها لا تبقى إلَّا أنْ يسخط الله (عزَّ وجلَّ) على العباد؟ قال: «لا تبقى، إذاً لساخت»(٢٢٦). (الكافي: ج ١/ ص ١٧٩). والسند تامٌّ، والرواية معتبرة.
وروى الشريف الرضي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في (نهج البلاغة) ما له علاقة بذلك. قال (عليه السلام): «لا تخلو الأرض من قائم لله بحجَّة إمَّا ظاهراً مشهوراً، وإمَّا خائفاً مغموراً، لئلَّا تبطل حُجَج الله وبيِّناته».
هذه طائفة واسعة من الروايات تبلغ حدَّ التواتر، وجملة منها تامَّة من حيث السند، كما أشرنا إلى بعضها من كتاب الكافي، وهي صريحة بأنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة لله ظاهراً أو مغموراً، والحجَّة في كلمات أهل البيت (عليهم السلام) مصطلح معروف لمن يألف كلماتهم (عليهم السلام)، وهذه الأحاديث لا تحتاج إلى تعليق كثير وتأمُّل وتوقُّف، فهي صريحة في ضرورة وجود الإمام في كلِّ زمانٍ، ولا تفسير لهذه الروايات بغير ما تعرفه الشيعة الإماميَّة وتعتقده من وجود الإمام وحياته وغيبته، وإذا أسقطنا هذا الأمر من الاعتبار، فلا نجد تفسيراً لهذه الروايات البتَّة، وهي كثيرة، بالغة حدَّ التواتر.
٤ - حديث الأئمَّة الاثني عشر:
روى البخاري في (الصحيح، كتاب الأحكام) عن جابر بن سمرة، قال:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٦) والسند معتبر تامٌّ، وحسين بن محمّد الأشعري الثقة شيخ الكليني، ومعلَّى بن محمّد هو البصري وروى في تفسير القمِّي فهو ثقة، والوشَّاء هو الحسن بن عليِّ بن زياد، قال البرقي عنه: (لا ينبغي الشكُّ في وثاقته).

↑صفحة ٢٠٣↑

سمعت النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «يكون اثنا عشر أميراً»، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنَّه قال: «كلُّهم من قريش».
وروى مسلم في (الصحيح، كتاب الإمارة، باب أنَّ الناس تبع لقريش) عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً»، ثمّ تكلَّم النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بكلمة خفيت عليَّ، فسألت أبي: ماذا قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ فقال: كلُّهم من قريش(٢٢٧).
وروى مسلم في (الصحيح، كتاب الإمارة، باب أنَّ الناس تبع لقريش) عن جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة»، ثمّ قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ماذا قال؟ فقال: كلُّهم من قريش(٢٢٨).
وروى أيضاً مسلم في (الصحيح) في نفس الكتاب ونفس الباب عن جابر ابن سمرة، قال: دخلت مع أبي على النبيِّ، فسمعته يقول: «إنَّ هذا الأمر لا ينقضي حتَّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة»، ثمّ تكلَّم بكلام خفي عليَّ، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلُّهم من قريش(٢٢٩).
وروى الترمذي في (السُّنَن، كتاب الفتن، باب ما جاء في الخلفاء) عن جابر ابن سمرة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يكون من بعدي اثنا عشر أميراً»، ثمّ عقَّب على ذلك بقوله، قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح(٢٣٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٧) صحيح مسلم (ج ٦/ ص ٣/ باب أنَّ الناس تبع لقريش/ كتاب الإمارة/ ح ٦/ ط دار الفكر).
(٢٢٨) صحيح مسلم ( ٦/ ص ٣/ باب أنَّ الناس تبع لقريش/ كتاب الإمارة/ ح ٨/ ط دار الفكر).
(٢٢٩) صحيح مسلم (ج ٦/ ص ٣/ باب أنَّ الناس تبع لقريش/ كتاب الإمارة/ ح ٥/ ط دار الفكر).
(٢٣٠) سُنَن الترمذي (ج ٤/ ص ٥٠١/ ط مصطفى البابي الحلبي).

↑صفحة ٢٠٤↑

وروى أبو داود في (السُّنَن) عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا يزال هذا الدِّين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة»، فكبَّر الناس، وضجُّوا، ثمّ قال كلمة خفيت عليَّ، قلت لأبي: يا أبه، ما قال؟ قال: كلُّهم من قريش(٢٣١).
وروى الحاكم في (المستدرك، في كتاب معرفة الصحابة) عن جابر، قال: كنت عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فسمعته يقول: «لا يزال أمر هذه الأُمَّة ظاهراً حتَّى يقوم اثنا عشر خليفة».
وروى أحمد بن حنبل في المسند هذا الحديث عن جابر من أربع وثلاثين طريقاً (ج ٥/ ص ٨٦ و٨٧ و٨٩ و٩٠ و٩٢ و٩٣ و٩٤ و٩٥ و٩٦ و٩٧ و٩٨ و٩٩ و١٠٠ و١١٠ و١٠٦ و١٠٧ و١٠٨).
وروى أبو عوانة هذا الحديث في مسنده (ج ٤/ ص ٣٩٦ و٣٩٨ و٣٩٩)، وابن كثير في البداية والنهاية (ج ٦/ ص ٢٤٨)، والطبراني في المعجم الكبير (ص ٩٤ و٩٧)، والمناوي في كنوز الحقائق (ص ٢٠٨)، والسيوطي في تاريخ الخلفاء (ص ٦١)، والعسقلاني في فتح الباري (ج ١٣/ ص ١٧٩)، والبخاري في التاريخ الكبير (ج ٢/ ص ١٥٨)، والخطيب في تاريخ بغداد (ج ١٤/ ص ٣٥٣)، والعيني في شرح البخاري (ج ٢٤/ ص ٢٨١)، والحافظ الحَسَكاني في شواهد التنزيل (ج ١/ ص ٤٥٥)، والقسطلاني في إرشاد الساري (ج ١٠/ ص ٣٢٨)، وغيرهم من المحدِّثين والحُفَّاظ.
وروى هذا الحديث أصحابنا الإماميَّة بطُرُق كثيرة لا نجد ضرورة في سردها على نحو التفصيل أو الإجمال.
ولدينا مجموعة من النقاط في هذا الحديث:
١ - لا إشكال في أنَّ حديث الاثني عشر خليفة قد صدر عن رسول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣١) سُنَن أبي داود (ج ٢/ ص ٤٢١/ ط مصطفى البابي الحلبي/ ١٣٧١هـ/ أوَّل كتاب المهدي).

↑صفحة ٢٠٥↑

الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقد رواه الفريقان بطُرُق كثيرة، ويكفي أنَّ البخاري ومسلم من السُّنَّة والكليني والصدوق من الشيعة من رواة هذا الحديث.
٢ - والحديث ظاهر في أنَّ الأُمراء المذكورين في هذه الرواية أُمراء الحقِّ، ليسوا أئمَّة الظلم والجور، من أمثال معاوية ويزيد والوليد والمتوكِّل وأضرابهم.
٣ - وأنَّ عدَّتهم اثنا عشر عدد نقباء بني إسرائيل.
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ (المائدة: ١٢).
٤ - ولا يخلو منهم زمان.
ولا نعرف لهذه الأحاديث بمجموعها تطبيقاً قطُّ غير الأئمَّة الاثني عشر المعروفين عند الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة، وآخرهم المهدي المنتظر (عجَّل الله فرجه)، وهو الإمام الثاني عشر.
ولو رأينا التمحُّل الذي يتمحَّله علماء كبار، من أمثال السيوطي في ترتيب الاثني عشر أميراً بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لاطمأنَّ القلب إلى أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يرد غير الأئمَّة الاثني عشر من أهل بيته الأبرار الطاهرين (عليهم السلام). ولقد أحسن محمود أبو رية في التعليق على التوجيه الذي وجَّه به السيوطي هذه الرواية، فقال عنه: (ورحم الله من قال عن السيوطي: إنَّه حاطب ليل). فلا نعرف تطبيقاً قطُّ ينطبق بالتمام وبدقَّة على هذه الروايات في غير عقيدة الشيعة الإماميَّة، وبضمنها ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) وغيبته. ولو أسقطنا هذا الواقع من الحساب لم يبقَ تفسير لهذه الروايات التي هي من أنباء الغيب التي أخبر عنها وبشَّر بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
هذه أربع طوائف من الروايات، لا يتطرَّق إليها الشكُّ من حيث السند، ولا من حيث الدلالة في معانيها ومضامينها. وتنطبق على ما تعتقده الإماميَّة وتعرفه من إمامة الأئمَّة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) وولادة الإمام الثاني عشر وغيبته وظهوره بعد ذلك انطباقاً تامًّا.

↑صفحة ٢٠٦↑

وينحصر الانطباق عليهم، فلا نعرف لهذه الروايات تطبيقاً آخر في تاريخنا المعاصر والقديم غيرهم. فلم يدَّعِ غيرهم لنفسه العصمة، ولم يقل غيرهم: إنَّه حجَّة الله على الخلق، وإمام، طاعته هدى ودين، ومخالفته ضلال وجاهليَّة، ولم يدَّعِ غيرهم أنَّهم هم المقصودون بالأئمَّة الاثني عشر، وأنَّهم هم الثقل الآخر المقارن للقرآن، المذكور في حديث الثقلين.
وهذا المعنى بالضرورة يُؤدِّي إلى الانطباق القهري لهذه الروايات عليهم (عليهم السلام).
وفيما يلي توضيح لهذا الاستدلال:
١ - يقول أهل البيت (عليهم السلام): إنَّهم هم حُجَج الله تعالى على خلقه المنصوص عليهم من جانب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإنَّهم هم الثقل الأصغر الذي قرنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالقرآن، وإنَّهم هم الأئمَّة الاثنا عشر الذين أخبر عنهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وطاعتهم من طاعة الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومخالفتهم جاهليَّة وضلال، وهم حلقات متَّصلة من وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى أنْ تقوم الساعة، لم تخلُ منهم الأرض ولم يخلُ منهم زمان، كما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٢ - ولم يحص عليهم أحد تناقضاً ومخالفةً في القول والعمل، ولم ينقصهم أحد ممَّن يعبأ بقوله ولم يتجرَّأ أحد على النيل منهم من علماء المسلمين... وهؤلاء الأبرار لم يكونوا في زوايا الإهمال والنسيان، وإنَّما كانوا يعيشون في حواضر المسلمين وفي أوساطهم، وقد تلقَّى عنهم كبار فقهاء المسلمين العلم والفقه.
٣ - ولا نعرف في تاريخ المسلمين من يدَّعي لنفسه هذه الادِّعاءات من العصمة والحجّيَّة وإمامة الدِّين والدنيا وأنَّه لا يخلو منهم زمان ولا تخلو الأرض من حجَّة منهم، وأنَّه من الأئمَّة الاثني عشر الذي بشَّر وأخبر عنهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)... لا نعرف أحداً يقول هذه المقالة غيرهم.

↑صفحة ٢٠٧↑

هذه النقاط الثلاث إذا ضممناها إلى الطوائف الأربع من الروايات المتقدِّمة أنتجت بالضرورة الإثبات اليقيني العلمي لمذهب أهل البيت (عليهم السلام).
ونُقرِّب ذلك بمثال قضائي يعرفه القضاة: لو أنَّ أحداً عثر على مال في دار معيَّنة لا يدخلها غير نفر معدود، ولا يدخلها غيرهم، فادَّعاه أحدهم، لا يعرف الناس له تناقضاً أو كذباً أو خيانةً في القول والعمل، ولم يدَّعِه غيره ممَّن يتردَّد على هذه الدار من هؤلاء النفر المعدود، فبالضرورة يحكم القاضي بعائديَّة المال إلى المدَّعي مع عدم وجود ادِّعاء معارض، ومع انتفاء أمارات الكذب عن المدَّعي، وليس يحتاج إلى بيِّنة أو يمين أو وسيلة أُخرى من وسائل الإثبات القضائي بالضرورة.
وواقع أهل البيت (عليهم السلام) في التاريخ الإسلامي بالقياس إلى الأخبار الصحيحة التي أخبر عنها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يشبه إلى حدٍّ ما هذا المثال القضائي. ولذلك قلنا: إنَّ انطباق هذه الروايات على الأئمَّة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام)، ومنهم الإمام الثاني عشر الغائب المنتظر، انطباق قطعي وضروري، ولا يحتاج إلى جهد علمي بقدر ما يحتاج إلى رؤية صافية غير مثقلة بالشكوك والأهواء والعصبيَّات أعاذنا الله منها.
الطائفة الثانية:
الروايات التي تخصُّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وهي في الغالب واردة عن أهل البيت (عليهم السلام). وقد علمنا أنَّ مخاطبنا في هذا البحث هم الذين يعتقدون بحجّيَّة حديث أهل البيت (عليهم السلام)، ويعتقدون أنَّ حديث أهل البيت هو امتداد ورواية لحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وسوف نستعرض إنْ شاء الله خلال هذه النقطة من البحث طائفة من الروايات الصحيحة الواردة عن طريق أهل البيت (عليهم السلام)، في تشخيص وتعيين الإمام (عجَّل الله فرجه) وولادته وغيبته وظهوره.

↑صفحة ٢٠٨↑

تواتر الروايات:
وأوَّل ما نستند إليه في هذه الروايات، هو تواتر الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)، في أنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) هو الثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، والتاسع من ذرّيَّة الحسين (عليه السلام)، وابن الحسن العسكري بن عليٍّ الهادي (عليهم السلام)، المولود بسامرَّاء سنة (٢٥٥هـ).
وقد روينا هذه الروايات من كُتُب القدماء من أصحابنا مثل الكافي لمحمّد ابن يعقوب الكليني المتوفَّى (٣٢٩هـ)، وغيبة النعماني لتلميذ الكليني، وكامل الزيارات لجعفر بن محمّد بن قولويه المتوفَّى سنة (٣٦٨هـ)، وكمال الدِّين وتمام النعمة، وكتاب الأمالي، وكتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، وعلل الشرائع لأبي جعفر محمّد بن عليٍّ الصدوق بن بابويه القمِّي المتوفَّى سنة (٣٨١هـ)، وكفاية الأثر في النصوص على الأئمَّة الاثني عشر للخزَّاز الرازي القمِّي من تلاميذ الصدوق، وكتاب الإرشاد لأبي عبد الله محمّد بن النعمان المفيد المتوفَّى (٤١٣هـ)، وكتاب الغيبة لأبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (٤٦٠هـ)، ودلائل الإمامة للطبري المعاصر للشيخ الطوسي، وغيرهم من قدماء أصحابنا المعروفين بالدقَّة في الرواية والنقل.
وهذه الروايات تبلغ بالتأكيد حدَّ التواتر في أصحابنا القدماء في جميع طبقات إسنادها، وفي مختلف أدوار المعصومين (عليهم السلام).
وقد جمع طرفاً من هذه الروايات السيِّد صدر الدِّين الصدر في كتابه (المهدي)، والتجليل التبريزي في كتابه، والصافي الكلبايكاني في (منتخب الأثر)، والشيخ عليّ الكوراني في (معجم أحاديث المهدي).
والذي يراجع هذه الأحاديث بأسانيدها لا يشكُّ في تواتر هذه الأحاديث في مختلف طبقات إسنادها ممَّن أسميناهم من المحدِّثين القدماء إلى المعصومين (عليهم السلام).

↑صفحة ٢٠٩↑

وإنْ لم تكن أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه) في كُتُب الشيعة الإماميَّة بالغة حدَّ التواتر، فليس لدينا حديث متواتر في المجاميع الحديثيَّة.
وتعريف التواتر ما يمتنع معه تواطؤ الرواة على انتحال الرواية.
يقول الشهيد (رحمه الله) في الدراية في تعريف التواتر: (هو ما بلغت رواته في الكثرة مبلغاً أحالت العادة تواطؤهم على الكذب، واستمرَّ ذلك في جميع الطبقات).
والتواتر من الطُّرُق القطعية إلى السُّنَّة، وحجيَّته ثابتة بالفعل.
وإذا بلغ الحديث حدَّ التواتر، فمن نافلة القول البحث الروائي عن صحَّة طُرُق الحديث.
والآن ننتقل إلى الحديث عن الروايات الصحيحة الواردة في إمامة وغيبة وظهور الإمام محمّد بن الحسن العسكري بن عليٍّ الهادي (عليهم السلام) من طُرُق أهل البيت (عليهم السلام).
ملاحظة: أعتذر عن إتمام البحث فلم يسعني الوقت لإتمامه، وأرجو أنْ أُوفَّق قريباً لإتمامه إنْ شاء الله(٢٣٢).

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٨/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠١:٢٢) صباحاً.
التلميذ عضو:
نعم إنَّنا نطالب أحمد الكاتب بالردِّ على هذا البحث القيِّم للشيخ الجليل الآصفي (أطال الله في عمره وبارك فيه) إذا كانت له القدرة والاستطاعة لمناقشة هذا البحث والردِّ عليه، ونتمنَّى أنْ يكون ردُّه ردًّا موضوعيًّا لا حشواً للكلام.

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٢) أمَّا بحثنا في الروايات فهو مستمرٌّ، وسيُثبِت الإخوة المتحاورون ما لم يسع سماحة الشيخ الوقت لإثباته.

↑صفحة ٢١٠↑

مناقشة كلمة الشيخ الآصفي في مؤتمر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
حُرِّر بتاريخ (١٨/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٩:٤٥) مساءً.
أحمد الكاتب عضو:
أشكر الأخ جميل على ما تفضَّل به من نقل كلمة الشيخ محمّد مهدي الآصفي في مؤتمر الإمام المهدي، وكنت أنتظر هذه الكلمة منذ زمان لأنِّي تحدَّثت مع الشيخ الآصفي هاتفيًّا عندما زار لندن قبل سنوات وطلبت منه اللقاء والبحث حول موضوع دراستي حول المهدي قبل أنْ أنشرها فرفض اللقاء بشدَّة ووعدني بكتابة ردٍّ عليَّ. وكنت أتمنَّى من عالم جليل مثله أنْ يُرحِّب بصاحب وجهة نظر مخالفة له يقول: إنَّه درس جميع الروايات(٢٣٣) ولديه ملاحظات عليها فيسمعها ثمّ يقوم بنقضها بما لديه من معلومات أو يُرحِّب بنظريَّته إذا عجز عن الردِّ عليها، ولكن الشيخ الآصفي رفض مجرَّد اللقاء والحوار معي.
وعلى أيِّ حالٍ فإنَّ الشيخ الآصفي حاول إثبات وجود الإمام محمّد بن الحسن العسكري من خلال أربعة مداخل تندرج كلُّها تحت إطار الأدلَّة الفلسفيَّة والروائيَّة النقليَّة، ولم يتطرَّق إلى الدليل التاريخي أو دليل المعاجز كما فعل المتكلِّمون المتقدِّمون الذين افترضوا وجود ابن للإمام الحسن العسكري عن طريق الاجتهاد والفلسفة، بعد وقوعهم في أزمة فكريَّة في عصر الحيرة ومحاولتهم للخروج منها بافتراض وجود ولد للإمام العسكري بالرغم من عدم وجود دليل تاريخي قاطع وخلافاً للظاهر من حياة الإمام العسكري نفسه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٣) هذا ادِّعاء كاذب منك يا كاتب، وذلك لأنَّ الإخوة سردوا لك عدَّة روايات صحيحة في ولادة المهدي (عجَّل الله فرجه) ولم تردّ عليهم إلى الآن، بل لن تردَّ عليهم أبداً كما سيرى القارئ الكريم بنفسه، فكيف تدَّعي أنَّك درست جميع الروايات، والحال أنَّك لم تعرض إلَّا الضعيف منها، ونسيت أنْ تذكر الصحيح والمعتبر و...؟!

↑صفحة ٢١١↑

حاول الشيخ الآصفي في البداية أنْ يدخل إلى الموضوع من أحاديث المهدي العامَّة والأحاديث الخاصَّة المرويَّة عن أهل البيت بأنَّه الإمام الثاني عشر ابن الإمام العسكري.
وقال: إنَّ الروايات العامَّة لا تخصُّ الإمام إلَّا أنَّها تنطبق بصورة قهريَّة على عقيدة الإماميَّة في المهدي، ولا نعرف توجيهاً ولا تفسيراً لها إذا أسقطنا من حسابنا عقيدة الإماميَّة في الموضوع. وقال: إنَّ الإيمان بهذه الأحاديث يُؤدِّي إلى الإثبات العلمي والقطعي لعقيدة الإماميَّة في تشخيص وتعيين الإمام المنتظر، وذلك بسبب تطابقها أوَّلاً مع ما هو المعروف عند الإماميَّة ولانتفاء حالة أُخرى تصلح أنْ تكون مصداقاً وتفسيراً لها ثانياً، ونتيجة هاتين النقطتين (المطابقة والانحصار) هي التطبيق القهري والحتمي لهذه الأحاديث على عقيدة الإماميَّة في تشخيص الإمام المهدي.
وادَّعى الآصفي التواتر على ذلك وقال: إنَّ الشيعة الإماميَّة يذهبون قولاً واحداً إلى أنَّ الإمام المهدي هو محمّد بن الحسن العسكري المولود سنة (٢٥٥هـ).
ثمّ انتقل الشيخ الآصفي إلى الاستدلال بحديث الثقلين: «إنِّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض» ليستنتج منه أصلاً هامًّا - كما يقول - وهو وجود حجَّة وإمام من أهل البيت في كلِّ زمانٍ ولا يفترق عن كتاب الله قطُّ.
ويقول: ليس لهذا الحديث تفسير أو تطبيق غير ما يعتقده الإماميَّة من وجود الإمام المهدي وحياته وبقائه وعصمته وإمامته على المسلمين. ويُؤكِّد: إذا أسقطنا هذا الأمر عن الاعتبار لم نجد تطبيقاً وتفسيراً له قطُّ في هذه القرون من حياة المسلمين.

↑صفحة ٢١٢↑

ثمّ يتوقَّف الشيخ الآصفي عند هذا السؤال: ما نفع إمام غائب عن الناس للناس؟
ويجيب: إنَّ الله تعالى لم يُطلِعنا من أسرار غيبه إلَّا على القليل وما أخفى الله علمه عنَّا كثير وما عرفنا منه قليل. وقد أخبرنا الصادق الأمين (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ببقاء حجَّة من أهل بيته في الناس على وجه الأرض إلى يوم القيامة فنتعبَّد بحديثه، ونحيل علم ما لا نعلم إلى من يعلم... وليس كلُّ ما في شريعة الله مفهوماً معروفاً لنا، وما يخفى علينا من أسرار دين الله أكثر ممَّا نعلم بأضعاف مضاعفة.
بعد ذلك يقوم الشيخ الآصفي بالاستدلال بحديث: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليَّة»، ليستنتج: أنَّ الأرض لا تصلح إلَّا بإمام، ولا بدَّ في كلِّ زمانٍ أنْ يعرف الإنسان إمام زمانه، ولا بدَّ من طاعة الإمام، وأنَّ من يمتْ وليس عليه إمام مات ميتة جاهليَّة، ويقول: إنَّ هذه الحقائق تُثبِت جميعاً أنَّ سُنَّة الله تعالى اقتضت وجود إمام عادل في كلِّ زمانٍ قد فرض الله طاعته على الناس ولم يأذن بالخروج عن طاعته، ومن نافلة القول: إنَّ الحُكَّام الظلمة وأئمَّة الكفر لا يكونون مصداقاً للإمام الذي يفرض الله طاعته ومعرفته على الناس في كلِّ زمانٍ.
ويقول: إنَّ التفسير الوحيد لهذه الروايات هو ما تعرفه الإماميَّة وتعتقد به من استمرار الإمامة في أهل البيت منذ وفاة رسول الله إلى اليوم وعدم انقطاع الإمامة بوفاة الحسن العسكري، وإنَّ أيَّ فرض آخر لا يستطيع أنْ يُقدِّم تفسيراً معقولاً لهذه الروايات إلَّا أنْ نقول بوجوب الطاعة لكلِّ برٍّ وفاجر.
ثمّ ينتقل الشيخ الآصفي إلى الاستدلال بحديث: أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة، وأنَّ الله لم يدع الأرض بغير عالم، وأنَّ الأرض لا بدَّ لها من إمام، ليستنتج: ضرورة وجود الإمام في كلِّ زمانٍ، ويقول: لا تفسير لهذه الروايات بغير ما تعرفه

↑صفحة ٢١٣↑

الشيعة الإماميَّة وتعتقده من وجود الإمام وحياته وغيبته، وإذا أسقطنا هذا الأمر من الاعتبار فلا نجد تفسيراً لهذه الروايات البتَّة.
وأخيراً يلجأ الشيخ الآصفي إلى أحاديث (الأئمَّة اثنا عشر)، ويقول: لا إشكال في أنَّها صدرت عن رسول الله، فقد رواها الفريقان، وهي ظاهرة في أنَّ الأُمراء المذكورين في الرواية أُمراء الحقِّ وليس أئمَّة الظلم والجور، وإنَّ عدَّتهم اثنا عشر ولا يخلو منهم زمان.
ويُعلِّق: لا نعرف لهذه الأحاديث تطبيقاً غير الأئمَّة الاثني عشر المعروفين عند الشيعة الإماميَّة الاثني عشرية وآخرهم المهدي المنتظر الثاني عشر، إذ لا نعرف تطبيقاً قطُّ ينطبق بالتمام والدقَّة على هذه الروايات غير عقيدة الشيعة الإماميَّة وبضمنها ولادة الإمام وغيبته، وإذا أسقطنا هذا الواقع من الحساب لم يبقَ تفسير لهذه الروايات.
ويقول بعد ذلك: هذه أربع طوائف من الروايات لا يتطرَّق إليها الشكُّ من حيث السند ولا من حيث الدلالة في معانيها ومضامينها، وتنطبق على ما تعتقده الإماميَّة وتعرفه من إمامة الأئمَّة الاثني عشر وولادة الإمام الثاني عشر وغيبته وظهوره انطباقاً تامًّا. وينحصر الانطباق عليهم فلا نعرف لهذه الروايات تطبيقاً آخر في تاريخنا المعاصر والقديم غيرهم، فلم يدَّعِ غيرهم لنفسه العصمة، وهذا ينتج بالضرورة الإثبات اليقيني العلمي لمذهب أهل البيت. ولذلك قلنا: إنَّ انطباق هذه الروايات على الأئمَّة الاثني عشر ومنهم الإمام الثاني عشر الغائب المنتظر انطباق قطعي وضروري.
ثمّ ينتقل الشيخ الآصفي إلى طائفة أُخرى من الروايات الواردة عن أهل البيت والتي تخصُّ الإمام المهدي، ويخاطب الذين يعتقدون بحجّيَّة حديث أهل البيت وأنَّهم امتداد لرسول الله، فيقول: إنَّ الروايات التي تُسمِّي المهدي وأنَّه

↑صفحة ٢١٤↑

الثاني عشر من أئمَّة أهل البيت والتاسع من ذرّيَّة الحسين وابن الإمام العسكري روايات متواترة في جميع طبقات أسنادها، ويقول: إنْ لم تكن أحاديث المهدي في كُتُب الشيعة والسُّنَّة بالغة حدَّ التواتر فليس لدينا حديث متواتر في المجامع الحديثيَّة. ويُعرِّف التواتر بأنَّه ما يمتنع معه تواطؤ الرواة على انتحال الرواية.
وعندما يتنقل الشيخ الآصفي إلى الحديث عن الروايات الواردة حول إمامة وغيبة وظهور الإمام محمّد بن الحسن العسكري يعتذر عن إتمام البحث لعدم اتِّساع الوقت لإتمامه ويرجو أنْ يُوفَّق لإتمامه في المستقبل القريب.
ومع ذلك لم يشر إلى بحث ولادة ووجود محمّد بن الحسن العسكري.
هذه خلاصة لمداخلة الشيخ الآصفي في مؤتمر الإمام المهدي الذي لم أعرف أين عُقِدَ؟ ومتى؟ وكنت أفترض في أيِّ مؤتمر جادٍّ أنْ يدعو أصحاب النظريَّات المتقابلة للحوار، وكنت أتمنَّى أنْ أُشارك في هذا المؤتمر لأنِّي كنت قد وجَّهت دعوة إلى الحوزة العلميَّة في قم قبل سبع سنوات لعقد هكذا مؤتمر لمناقشة نظريَّتي ولم أسمع منها أيَّ جواب، حتَّى إنَّ الشيخ الآصفي لم يشر إلى وجود بحث مضادٍّ يعتمد على أحاديث أهل البيت والتراث الشيعي التاريخي، خوفاً من لفت الانتباه إلى وجود أحمد الكاتب وكتابه، مع أنَّ من المفروض في أيِّ باحث علمي جادٍّ أنْ يدرس مختلف النظريَّات ويُعلِّق عليها ويردَّها، ولا أعتقد أنَّه لم يسمع بكتابي وقد حدَّثته مباشرةً وطلبت منه الردَّ والتعليق.
وعلى رغم أنِّي ناقشت هذين الدليلين في كتابي وفي فصلين خاصَّين، فإنِّي أعتقد أنَّ الشيخ الآصفي لم يستدلّ لهما بصورة جيِّدة، إذ أغفل أهمّ الفقرات التي استند إليها المتكلِّمون السابقون الذين استدلُّوا بهما على فرضيَّة وجود الإمام المهدي.
ادَّعى الشيخ الآصفي وجود تواتر في الرواية عن أهل البيت بأنَّ المهدي

↑صفحة ٢١٥↑

المنتظر هو ابن الحسن العسكري والثاني عشر من أهل البيت. وهو ادِّعاء غير صحيح بالمرَّة، إذ إنَّ فكرة المهدويَّة خلال القرون الثلاثة الأُولى كانت عامَّة وغامضة وغير محدَّدة في أحد من الأئمَّة، ولذلك كان عامَّة الشيعة وخواصِّ الأئمَّة وبعض الأئمَّة أنفسهم يتوقَّعون أنْ يكونوا هم القائمين بالأمر، وقد اعتقد عامَّة الشيعة ما عدا فئة قليلة بأنَّ الإمام الكاظم هو المهدي المنتظر، وقالوا: إنَّه غاب غيبتين الأُولى في السجن والثانية بعد هروبه من السجن، حيث إنَّهم لم يعترفوا بوفاته ودفنه.
وإذا راجعنا الروايات الواردة عن أهل البيت والتي تتناقض مع مهدويَّة الإمام الثاني عشر يتَّضح عدم وجود أيَّة إشارة فضلاً عن وجود إجماع في القرون الأُولى حول مهدويَّة الإمام الثاني عشر. وهذا ما يُؤكِّد على افتراض المهدويَّة للإمام الثاني عشر، واختلاق الروايات بعد حين. فضلاً عن أنَّه لا يجوز نسبة صفة المهدويَّة لرجل لم تثبت ولادته بعد، أو الحديث عن غيبته وظهوره في المستقبل.
قال الشيخ الآصفي: إنَّ الشيعة الإماميَّة يذهبون قولاً واحداً إلى أنَّ الإمام المهدي المنتظر هو محمّد بن الحسن العسكري.
وقد خلط في ذلك بين فِرَق الشيعة الإماميَّة المختلفة كالإسماعيليَّة والواقفيَّة والفطحيَّة والمحمّديَّة الذين قالوا بأئمَّة مهديِّين آخرين، ولم يلاحظ أنَّ شيعة الإمام العسكري أنفسهم انقسموا إلى أربع عشرة فرقة، ومنهم من قال بمهدويَّته وغيبته، ولم يقل بمهدويَّة محمّد بن الحسن العسكري إلَّا فرقة واحدة من عشرات الفِرَق الإماميَّة والشيعيَّة والإسلاميَّة التي قالت بنظريَّات أُخرى عبر التاريخ.
ثمّ حاول الشيخ الآصفي أنْ يجتهد في تطبيق الأحاديث العامَّة التي تتحدَّث عن ظهور مهدي غير محدَّد الهويَّة على الإمام محمّد بن الحسن العسكري،

↑صفحة ٢١٦↑

وقال: إنَّها تنطبق بصورة قهريَّة على عقيدة الإماميَّة في المهدي. وهذا غير صحيح أوَّلاً، وهو ظنٌّ وافتراض ثانياً.
وإذا لم يكن الآصفي يعرف توجيهاً لتلك الأحاديث فكيف يُطبِّقها على إنسان لم تثبت ولادته ولا وجوده بعد؟ فإنَّ ذلك أبعد الفرضيَّات.
وهل يملك هو علماً من الله؟ أو نصًّا صريحاً من القرآن الكريم أو النبيِّ الأعظم حتَّى يقطع أنَّه فلان؟ ولماذا لا يفترض أنَّ الله سوف يخلق إنساناً في المستقبل ويُكلِّفه بهذه المهمَّة؟ إذن فلا مطابقة ولا انحصار ولا حتم ولا قهر في دلالة الأحاديث العامَّة حول المهدي على ابن الحسن العسكري.
كذلك حاول الشيخ الآصفي الاجتهاد في أحاديث أُخرى وعصرها واستخراج معانٍ غير واضحة منها، كحديث الثقلين الذي يقول فيه الرسول الأعظم: إنَّ الكتاب والعترة لن يفترقا حتَّى يردا عليه الحوض. وبالرغم من أنَّنا لا نملك عمليًّا سوى الكتاب مرجعاً نرجع إليه منذ ألف ومائة سنة على الأقلّ ولم يخرج أيُّ رجل من العترة لكي يُفسِّر لنا آية أو يذكر لنا حكماً أو يحلَّ لنا مشكلة، فإنَّ المقصود من كلمة العترة غامض وعامٌّ غير صريح بأسماء الأئمَّة، وقد استخدمه العبَّاسيُّون لتثبيت حكمهم بدعوى أنَّهم من العترة، والعترة هم أقرباء الرجل حسب اللغة.
ونتيجة لغياب الركن الثاني المفترض (العترة)، فقد لجأ الشيعة الإماميَّة إلى الاجتهاد وأصبح لديهم حُجَج الإسلام وآيات الله وهم من غير العترة. وربَّما كان المقصود من العترة هم الأئمَّة السابقين وتراثهم وليس بالضرورة أنْ يكون واحد منهم موجوداً طوال التاريخ إلى يوم القيامة، وهم بالتأكيد لم يفترقوا عن الكتاب. ولكن الشيخ الآصفي يحاول أنْ يستنتج قسراً من هذه الرواية وجود حجَّة وإمام من أهل البيت في كلِّ زمانٍ وأنْ يفترض وجود الإمام محمّد بن الحسن العسكري افتراضاً محضاً.

↑صفحة ٢١٧↑

إذا كانت لدى الشيخ الآصفي مشكلة نظريَّة سبَّبت له الحيرة كما سبَّبت الحيرة لبعض الشيعة الإماميَّة بعد وفاة الإمام الحسن العسكري، فلكي يخرج منها عليه إمَّا أنْ يعيد النظر بسند تلك الروايات أو مفاهيمها، أو يبحث عن أيِّ شيء آخر قبل أنْ يفترض وجود شخص لم يظهر في التاريخ لا في حياة أبيه ولا بعد وفاته.
علماً بأنَّ الشيعة الإماميَّة الإسماعيليَّة (البهرة) يعتقدون أيضاً بوجود إمام مخفي ومستور ولكنَّهم يقولون بأنَّه يعيش عمراً طبيعيًّا ويتوفَّى ويُوصي إلى أبنائه الذين لا يتَّصل بهم إلَّا شيخ الإسماعيليَّة الأكبر النائب الخاصُّ عن الإمام الغائب.
فلماذا يرفض الشيخ الآصفي النظريَّة الإسماعيليَّة ولا يبحث عن تطبيق الحديث لدى أئمَّتهم المعصومين في نظريَّتهم المستمرِّين على قيد الحياة حسب ادِّعاءاتهم؟
إنَّ معنى الإمام وفلسفته في الفكر الإمامي هو المطبِّق للدِّين والقائد والمنفِّذ والخليفة والحاكم وهو ما يعنونه بقولهم: لا بدَّ في الأرض من إمام، وإلَّا فإنَّ الله (عزَّ وجلَّ) لديه ملائكة كثيرون، وهو ليس بحاجة إلى أحد لكي يحفظ الكون كما يقول بعض الغلاة، إذن فإنَّ الغيبة الطويلة تتناقض مع مهمَّة الإمامة وفلسفتها، ولا يجوز أنْ نُحتِّم على الله أنْ يُعيِّن إماماً من عنده للأُمَّة ثمّ نقول: إنَّا لا نعرف ما هو وجه الحكمة في اختفاء هذا الإمام. إذن لماذا افترضنا وجوب تعيين الإمام ورفضنا أنْ تقوم الأُمَّة باختيار الإمام العادل؟
إنَّ مثل الشيخ الآصفي كمثل من يقول بضرورة تعيين الدولة شرطيًّا للمرور في تقاطع طُرُق، ثمّ يقول: إنَّ الشرطي غائب، وعندما نسأله عن الحكمة من وراء غيبة الشرطي الذي ترك الشوارع في حالة اضطراب، يقول: إنَّ علم ذلك عند الدولة، أو إنَّه يُنظِّم السير من وراء حجاب.

↑صفحة ٢١٨↑

إمَّا أنْ يكون وجود الشرطي المعيَّن من قِبَل الدولة ضروريًّا أو لا يكون، ولا يعقل أنْ نقول: إنَّه ضروري، وإنَّه معيَّن، ولكنَّه غائب، وعلم ذلك عند الله، أو لا بدَّ أنْ نريح أنفسنا بالقول: إنَّ على البلديَّة أنْ تنتخب شرطيًّا لتنظيم السير، وإنَّ ذلك من أعمالنا، وليس من أعمال المَلِك أو رئيس الوزراء.
ويمضي الشيخ الآصفي في استدلالاته الفلسفيَّة الافتراضيَّة الاجتهاديَّة على وجود ابن الإمام العسكري، فيستعين بحديث: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليَّة»، ويقول: إنَّ التفسير الوحيد له هو ما تعرفه الإماميَّة وتعتقد به من استمرار الإمامة في أهل البيت منذ وفاة رسول الله، وإنَّ أيَّ فرض آخر لا يستطيع أنْ يُقدِّم تفسيراً معقولاً لهذه الرواية إلَّا أنْ نقول بوجوب الطاعة لكلِّ برٍّ وفاجر.
ونقول للعلَّامة الجليل والمفكِّر الإسلامي الكبير آية الله الشيخ محمّد مهدي الآصفي:
أوَّلاً: أنَّه بقوله هذا يعترف ضمنيًّا بأنَّه يقوم بعمليَّة افتراض.
وثانياً: أنَّ الفرض المعقول الآخر هو لا هذا ولا ذاك، وإنَّما هو الطاعة للإمام العادل، كما هو الحال في الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة مثلاً، حسبما يعتقد الشيخ، وهل الإمام هناك معصوم؟ أو جائر؟ أو أمر بين أمرين؟ لماذا تقفز على الفرضيَّات الأُخرى المعقولة وتحصرها بالحاكم الجائر أو الإمام المعصوم ثمّ تفترض وجوده وولادته؟
إنَّ المتكلِّمين السابقين الذين استدلُّوا بهذه الرواية على ضرورة وجود الإمام المعصوم المعيَّن من قِبَل الله واستمرار الإمامة في ولد الحسن العسكري، اعتمدوا على فقرة مهمَّة في عمليَّة الاستدلال أهملها الشيخ الآصفي وهي ضرورة استمرار الإمامة وراثيًّا بصورة عموديَّة وعدم جواز انتقالها إلى أخ أو عمٍّ أو ابن

↑صفحة ٢١٩↑

عمٍّ، ولذا فإنَّ قسماً من شيعة الإمام الحسن العسكري الذين لم يكونوا يؤمنون بحتميَّة هذا القانون لم يجدوا بأساً بالقول بإمامة جعفر بن عليٍّ الهادي، كما قال قسم من الشيعة سابقاً بإمامة موسى بن جعفر بعد وفاة أخيه الإمام عبد الله الأفطح، ولم يضطرُّوا إلى افتراض وجود ولد للإمام عبد الله الأفطح.
إضافةً إلى أنَّه يمكن تطبيق الحديث على أئمَّة الشيعة الإماميَّة الإسماعيليَّة المختبئين اليوم، فلماذا ترفض ذلك؟
هناك تفاسير عديدة للرواية وتطبيقات مختلفة، فلماذا تختار تفسيراً معيَّناً وترفض التفاسير والتأويلات الأُخرى؟
ونصل إلى أحاديث (الاثني عشريَّة) التي حاول الشيخ الآصفي أنْ يعتمد عليها مناهل استنتاج وجود الإمام الثاني عشر وافتراض حياته إلى اليوم.
وقد ادَّعى الشيخ الآصفي صفة التواتر على تلك الأحاديث بالرغم من أنَّها ضعيفة عند السُّنَّة وغير محدَّدة ولا واضحة، وهي أضعف عند الشيعة ومختلقة كلُّها في القرن الرابع الهجري عند تأسيس الفرقة الاثني عشريَّة ولم يكن لها أيُّ وجود عند الشيعة في القرون الثلاثة الأُولى.
وهي مع ذلك تتعارض مع أحاديث كثيرة تُؤكِّد على استمرار الإمامة إلى يوم القيامة دون تحديد بعدد معيَّن، كما تتعارض تماماً مع نظريَّة البداء التي كان يستند إليها بعض الأئمَّة أو بعض الشيعة الإماميَّة في تغيير شخص الإمام الذي يخلف أباه بعد وفاة أخيه المعيَّن من قبل، كما حدث مع إسماعيل بن جعفر الصادق والإمام محمّد بن عليٍّ الهادي اللذين توفَّيا في حياة والديهما فانتقل الشيعة الإماميَّة إلى أخويهما من بعدهما.
وقد روى الصفَّار والكليني والمفيد والطوسي عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، قال: كنت عند أبي الحسن العسكري وقت وفاة ابنه أبي جعفر

↑صفحة ٢٢٠↑

وقد كان أشار إليه ودلَّ عليه، وإنِّي لأُفكِّر في نفسي أقول: هذه قصَّة أبي إبراهيم وقصَّة إسماعيل، فأقبل إليَّ أبو الحسن وقال: «نعم يا أبا هاشم بدا لله في أبي جعفر وصيَّر مكانه أبا محمّد كما بدا لله في إسماعيل بعدما دلَّ عليه أبو عبد الله ونصبه، وهو كما حدَّثتك نفسك وأنكره المبطلون.. أبو محمّد ابني الخلف من بعدي عنده ما تحتاجون إليه ومعه آلة الإمامة والحمد لله». (الكليني/ الكافي: ج ١/ ص ٣٢٨، والطوسي/ الغيبة: ص ٥٥ و١٣٠، والمفيد/ الإرشاد: ص ٣١٧، والمجلسي/ بحار الأنوار: ج ٥٠/ ص ٢٤١).
وروى الصفَّار والكليني والمفيد والطوسي حديثاً عن الإمام الهادي يقول فيه لابنه الحسن: «يا بنيَّ، أحدث لله شكراً فقد أحدث فيك أمراً». (الصفَّار/ بصائر الدرجات: ص ٤٧٣، والكليني/ الكافي: ج ١/ ص ٣٢٦ و٣٢٨، والمفيد/ الإرشاد: ص ٣٣٧، والطوسي/ الغيبة: ص ١٢٢).
وإذا صحَّت فرضاً أحاديث (الاثني عشريَّة) فيمكن أنْ نحسب الإمام عبد الله الأفطح أو زيد بن عليٍّ ونكمل القائمة ولا نحتاج إلى افتراض وجود ولد للإمام العسكري دون دليل.
إنَّ ذلك الاستدلال من الشيخ الآصفي يُسمِّيه المتكلِّمون: الدليل العقلي أو الاعتباري أو الفلسفي، وهو كما يُلاحَظ يقوم على مقدَّمات نقليَّة وظنون وتأويلات تعسُّفيَّة وليس دليلاً عقليًّا محضاً، بحيث يستطيع أيُّ إنسان عاقل أنْ يتوصَّل إليه. وهو دليل افتراضي ظنِّي لا يستطيع أنْ يُثبِت وجود إنسان في الخارج.
يضيف الشيخ الآصفي إليه دليلاً آخر هو الدليل الروائي الذي يتضمَّن أحاديث تشير إلى أنَّ المهدي هو الثاني عشر أو التاسع من ولد الحسين أو ابن الحسن العسكري ويدَّعي صفة التواتر على تلك الأحاديث. ورغم أنَّه يُعرِّف

↑صفحة ٢٢١↑

التواتر بأنَّه ما يمتنع معه تواطؤ الرواة على انتحال الرواية وما بلغت رواته في جميع الطبقات من الكثرة بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب، إلَّا أنَّه يتقبَّل الروايات دون تمحيص أو بحث ودون مقارنتها مع أحداث التاريخ والأجواء السياسيَّة المحيطة بها والصراعات الطائفيَّة التي أدَّت إلى اختلاقها، ويرفض الإشارة ولو من بعيد إلى حدوث الاختلاف والحيرة لدى الشيعة الإماميَّة من أصحاب الإمام العسكري، وتفرُّقهم إلى أربع عشرة فرقة وعدم معرفة كبار القوم بتلك الأحاديث في الزمن الأوَّل وتعزيتهم لجعفر وتهنئتهم له بالإمامة بعد وفاة أخيه، ولا يلتفت إلى احتمال الوضع والكذب في فترة متأخِّرة، وخاصَّة من قِبَل الفرقة الاثني عشريَّة التي وُلِدَت في القرن الرابع الهجري واختلقت كلَّ تلك الروايات لتدعيم مذهبها.
وهذا غريب جدًّا من باحث بسيط فضلاً عمَّن يدَّعي العلم والاجتهاد وهو ما يُفسِّر التهرُّب من الحوار الجدِّي وإقامة المؤتمرات العلميَّة الحرَّة المحايدة من أجل بحث هكذا أُمور.
وعندما يصل الشيخ الآصفي إلى بحث وجود الإمام المهدي وولادته عن طريق الأدلَّة العلميَّة التاريخيَّة يعتذر عن إتمام البحث بحجَّة عدم توفُّر الوقت، وهذا يصحُّ إنْ كان طُلِبَ منه الحديث فجأةً، أمَّا وأنَّه قد أعدَّ لبحثه إعداداً مسبقاً، فإنَّه يبدو أقرب إلى العذر من أجل التهرُّب من مناقشة الأدلَّة التاريخيَّة بما يتضمَّن اعترافاً بضعفها وأُسطوريَّتها.
لهذا أستطيع أنْ أقول وأُكرِّر القول: إنَّ الإيمان بوجود الإمام محمّد بن الحسن العسكري كان فرضيَّة فلسفيَّة ظنّيَّة اجتهاديَّة أكثر ممَّا كان حقيقة تاريخيَّة ثابتة.
ومن هنا لا بدَّ أنْ نعيد النظر فيها حتَّى نعيد ترتيب أوراقنا الداخليَّة

↑صفحة ٢٢٢↑

وعلاقاتنا الخارجيَّة ولا نجعل من قضيَّة الإمام المهدي قصَّة نتناحر عليها إلى يوم القيامة.

* * *

حُرِّر بتاريخ (٢٠/ ١٢/ ١٩٩٩)، (٠٩:١٠) مساءً.
محمّد منصور عضو:
عدم مراعاة أحمد الكاتب للحقيقة والصدق والورع في نقاشه للأحاديث الأربعة التي جاءت في مقالة الشيخ محمّد مهدي الآصفي، وذلك عبر الملاحظات التالية:
١ - تخيُّله أنَّ الاستدلال بالأحاديث الأربعة وهي حديث الثقلين، وأنَّ الأئمَّة من قريش اثنا عشر، وأنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة، وأنَّ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليَّة أو لم يبايع إماماً مات ميتة جاهليَّة، ونحوها من الأحاديث التي تُثبِت أصل ضرورة وجود إمام معصوم من عترة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في كلِّ عصر، وإنْ لم تُعيِّن اسمه ونسبه أي تُشخِّص المصداق، وأنَّ إثبات ضرورة وجود المصداق ادَّعى أنَّ هذا النمط من الاستدلال لم يستدلّ به علماء الإماميَّة المتقدِّمون، وهذا ادِّعاء خلاف الواقع، وقد قاله مع علمه بوجوده في كُتُبهم التي ذكر اسم كثير منها في مقالاته متعمِّداً لطمس الحقيقة، فهذا النعماني قد استدلَّ بها في كتاب (الغيبة)، والصدوق في (إكمال الدِّين)، والشيخ الطوسي في (الغيبة)، والكليني في (الكافي)، وغيرهم في بقيَّة الكُتُب.
٢ - دعواه أنَّ الاستدلال بهذه الأحاديث الأربعة لإثبات وجود الإمام استدلال فلسفي عقلي، ولعمري أنَّك لا تُميِّز معنى الدليل الفلسفي فكيف تلهج به؟ ولا يمكنك درك أنَّ هذه الأحاديث تُثبِت ضرورة وجود إمام حيّ معصوم من العترة قرشي في كلِّ عصر حتَّى تقوم القيامة، لاحتجاجك بالإصرار على

↑صفحة ٢٢٣↑

رفض النظر إلى الحقيقة والواقع. ولماذا الخلط المتكرِّر بين أصل ضرورة وجود الإمام الحيِّ في كلِّ عصر، وخصوص ولادة الإمام الثاني عشر؟ فإنَّ القضيَّة الكبرويَّة إذا تمَّت سهل البحث عن الفرع كما نقلت أنت بنفسك ذلك عن السيِّد المرتضى مستشهداً بكلامه.
٣ - ادَّعى عدم وجود دليل قاطع تاريخي على وقوع ولادة الإمام الثاني عشر، وهذا الإشكال إنَّما يُذكَر بعد الفراغ من إمامة الأئمَّة السابقين (عليهم السلام)، وإذا سُلِّمت إمامتهم فالأدلَّة التاريخيَّة على ولادته توجب القطع بذلك، فهذا النعماني يذكر في كتابه (الغيبة) المؤلَّف من الروايات عن الرواة الثقات عن الجواد والرضا والكاظم والصادق والباقر والسجَّاد والحسين والأمير (عليهم السلام) دالَّة على ولادته من الحسن العسكري بن عليٍّ الهادي بن محمّد الجواد، وهذه الروايات صدرت عن الأئمَّة السابقين قبل تولُّده بقرنين إلى نصف قرن، ورواها عنهم الثقات، فهي بغضِّ النظر عن كونها دليلاً روائيًّا نقليًّا هي ملحمة تاريخيَّة إعجازيَّة على ولادته، وقد عنونها النعماني في باب (ما روي في غيبته) في فصول عديدة جمع فيها ما يقارب من الواحد والخمسين حديثاً، أكثر فيها من الرواة الثقات، وعقد باباً آخر في الأمر بالانتظار للفرج عند غيبة الإمام الثاني عشر ذكر فيه سبعة عشر حديثاً عن الأئمَّة السابقين (عليهم السلام) بقرنين إلى نصف قرن، وهي أيضاً ملحمة تاريخيَّة إعجازيَّة تُنبئ بوقوع الغيبة.
وذكر باباً آخر تحت عنوان (التمحيص في الغيبة) ذكر فيه عشرين حديثاً، وهي أيضاً ملحمة تاريخيَّة إعجازيَّة. وكذلك صنع الصدوق في كتابه (إكمال الدِّين) وذكر نظير هذه الأبواب، بل زاد عليها بطُرُق عن النبيِّ ثمّ عن كلِّ واحدٍ من الأئمَّة (عليهم السلام)، فقد أورد باباً في النصوص النبويَّة عن الله تعالى وذكر أربعة أحاديث، أورد باباً في تنصيص النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على إمامة الثاني عشر بن الحسن

↑صفحة ٢٢٤↑

العسكري وأورد فيه سبعة وثلاثين حديثاً، ثمّ ذكر باباً بإخبار النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن غيبة الإمام الثاني عشر بن الإمام الحادي عشر وأورد فيه ثمانية أحاديث، ثمّ باباً في النصوص عن عليٍّ (عليه السلام) وأورد فيه تسعة عشر حديثاً في غيبة الإمام الثاني عشر بن الحسن العسكري، باب في نصِّ السيِّدة الزهراء (عليها السلام) وأورد فيه حديث اللوح بأسماء الأئمَّة الاثني عشر، ثمّ ذكر باباً آخر بعده وأورد فيه طُرُقاً أُخرى لحديث اللوح، ثمّ باباً آخر عن الحسين (عليه السلام) وأورد فيه خمسة أحاديث، ثمّ عن السجَّاد (عليه السلام) وأورد فيه تسعة أحاديث في غيبة الإمام الثاني عشر بن الحسن العسكري (عليهما السلام)، ثمّ عن الباقر (عليه السلام) وأورد فيه سبعة عشر حديثاً في ذلك، ثمّ عن الصادق (عليه السلام) وأورد فيه سبعة وخمسين حديثاً، ثمّ عن الكاظم (عليهما السلام) وأورد فيه خمسة أحاديث في ذلك، ثمّ عن الرضا (عليه السلام) وأورد فيه سبعة أحاديث، ثمّ عن الجواد وأورد فيه ثلاثة أحاديث، ثمّ عن الهادي وأورد فيه عشرة أحاديث، ثمّ عن العسكري وأورد فيه تسعة أحاديث، ثمّ ذكر باباً في ولادة الإمام الثاني عشر وأورد فيه خمسة عشر حديثاً، ثمّ أورد أبواباً متَّصلة بذلك وأورد فيها ما يزيد على الخمسة عشر حديثاً، هذا ما ذكره الصدوق في كتاب (إكمال الدِّين) فضلاً عن بقيَّة كُتُبه التي أورد فيها أحاديث منتشرة عن غيبة الإمام الثاني عشر بن الحسن العسكري ككتاب (من لا يحضره الفقيه) و(التوحيد) و(عيون الأخبار) و(المعاني) و(الأمالي) و(الخصال) و(ثواب الأعمال وعقاب الأعمال).
وأمَّا الطوسي فقد أورد أبواباً في كتاب الغيبة مماثلة لما بوَّبه النعماني، وأمَّا الكليني في أُصول الكافي فقد ذكر باباً في مولد الإمام الثاني عشر وأورد فيه واحداً وثلاثين حديثاً في ذلك، ثمّ ذكر باباً في النصِّ على الاثني عشر بأسمائهم وأورد فيه عشرين حديثاً فيه عدَّة صحاح وموثَّقات، هذا فضلاً عن ما في تفسير عليِّ بن إبراهيم الذي كان من أصحاب الهادي (عليه السلام)، وما في تفسير العيَّاشي المقارب

↑صفحة ٢٢٥↑

لذلك عصراً، وما في كتاب المحاسن للبرقي من أصحاب الجواد والهادي (عليهما السلام)، وما في كتاب (قرب الإسناد) لعبد الله بن جعفر الحميري، وما في الأُصول الأربعمائة التي وصلت إلى أصحاب الكُتُب الأربعة وغيرهم والتي استخرجوا منها رواياتهم وأشاروا إليها في المشيخة وغيرها.
وقد أورد الشيخ المفيد في كتابه (الإرشاد) في باب النصِّ على الصاحب، واعتمد على النصوص التي وردت في إمامته، وعلى الأحاديث المستفيضة الأُخرى في غيبته قبل وجوده، ثمّ ذكر باباً في ما جاء من النصِّ على إمامته وأورد ثلاثة عشر نصًّا أغلبها من الصحاح والمعتبرات، وقال: (وأمثال هذه الأخبار في معنى ما ذكرناه كثيرة)، ثمّ أورد باباً فيمن رآه ورأى معجزاته أورد فيه عشرات الأحاديث كما ذكر مثل هذا الباب عدَّة من الأصحاب.
لكن الكاتب يشكل على كلِّ ذلك تارةً بأنَّ التراث الروائي للطائفة الإماميَّة مختلق موضوع، وأنَّ علماء الإماميَّة في القرن الثالث وضَّاعون، فإذا أُجيب بأنَّ هذا يعني إنكارك للتولِّي لأهل البيت (عليهم السلام) ومتابعتهم وإمامتهم، يشكل تارةً بأنَّه تابع لأهل البيت ومتولٍّ لهم وآخذ للفقه عنهم، فإذا أُجيب بأنَّ التولِّي والمتابعة والأخذ منهم لا يصحُّ إلَّا بالقول بإمامتهم وإلَّا فلما تخصيص التولِّي والمتابعة لأخذ الفقه عنهم، أشكل بأنَّ الإمامة بالشورى، فإذا أُجيب بالآيات والروايات الواردة في طُرُق العامَّة على إمامتهم كحديث الثقلين والاثني عشر وغيرهما أشكل بأنَّ الطُّرُق ضعيفة عند العامَّة، فإذا أُجيب بأنَّ طُرُق العامَّة صحيحة عندهم ذكروها في صحاحهم كما جمع ذلك صاحب العبقات في كتابه من علماء الإماميَّة والأميني في كتاب (الغدير) والسيِّد المرعشي في (ملحقات إحقاق الحقِّ) والسيِّد عبد الحسين شرف الدِّين في (المراجعات) وغيرهم في بقيَّة الكُتُب المختصَّة لجميع طُرُق العامَّة الصحيحة التي ألَّفها علماء ومتكلِّمو الإماميَّة أشكل بأنَّ الاثني عشر

↑صفحة ٢٢٦↑

قد أنقضوا ولها تفسير عند العامَّة، أو أنَّ العترة كيف يُعقَل وجوب التمسُّك بها عدل القرآن مع الغيبة، فإذا أجيب بأنَّ الغيبة ليس عدم وجود إمام وإنَّما تستُّره في القيام بوظائفه في الخفاء - كما سيأتي شرح ذلك مفصَّلاً - يشكل بأنَّ بقيَّة فِرَق الشيعة تدَّعي الحقَّ لنفسها، فإذا أُجيب بأنَّ مقتضى إمامة عليٍّ والحسنين التنصيص على السجَّاد ثمّ بقيَّة الاثني عشر، والعدد المزبور الثابت بطُرُق العامَّة لا يقول به إلَّا الإماميَّة الاثني عشريَّة، أشكل أنَّ ذلك اعتبار ظنِّي اجتهادي، فإذا أُجيب بأنَّ ذلك تلازم عقلي، أشكل لا أُسلِّم بذلك، فإذا أُجيب بأنَّ ضرورة وجود إمام حيّ في كلِّ عصر مدلول طوائف من الأحاديث المتواترة بين الفريقين، أشكل لا أحتجُّ بأحاديث أهل السُّنَّة كما ذكر ذلك في آخر كتابه حول المهدي، هذا ولقد ذكر ولادة ابن الحسن العسكري ما يزيد على سبعة وثلاثين من علماء السُّنَّة في كُتُبهم(٢٣٤).
٤ - التفافه عن البحث في القضيَّة الكبرويَّة القائلة بوجود إمام من العترة وهم الثقل الثاني، وأنَّ الأئمّة من قريش اثنا عشر، مع أنَّه أنكر أحاديث العدد قبل القرن الثالث الهجري، وأنَّ من مات ولم يعرف الإمام أو لم يبايعه مات ميتة جاهليَّة. وبدأ في البحث في مصداق الثاني عشر وتولُّده، مع أنَّ دعاواه بكون عقيدة المهدويَّة لم تكن واضحة عند الإماميَّة قبل القرن الثالث تنكُّر منه أمام الحقيقة، وهي وجود أحاديث العدد المرويَّة من الفريقين، ففي طُرُق العامَّة في صحاحهم العدد الاثنا عشر، ومن طريق الخاصَّة ما رواه الأصحاب في كُتُبهم كما أشرنا إليه، نعم هو يطعن على الطائفة الإماميَّة أنَّهم مختلقون يختلقون الكُتُب والأحاديث.
ومنشأ هذا الجرح هو ولاؤهم لآل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهل ما فعله بنو أُميَّة وبنو العبَّاس لواحد واحد من الأئمَّة أمرٌ يمكن إزالته من صفحة التاريخ مع أنَّهم بعد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٤) راجع موضوع عبد الحسين البصري من صفحة (٩٨) إلى (١٢٦).

↑صفحة ٢٢٧↑

الحسين (عليه السلام) لم يكونوا في العلن يمارسون الإثارة السياسيَّة الآحنة؟ وهل فتئ بنو أُميَّة وبنو العبَّاس من مساجلة عترة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأئمَّة، في شتَّى المجالات العلميَّة، وجنَّدوا لهم رجالات العلم من المسلمين ومن أهل الكتاب اليهود والنصارى وعلماء الهند والترك والروم وغيرهم، بل حشَّدوا لهم المرتاضين وعلماء العلوم الغريبة وأصحاب الفنون لإسكاتهم في أيِّ مجالٍ من العلوم والمهارات الفنّيَّة والصناعات بغية إسقاطهم عن أعين الناس، وهل يخفى هذا في كلِّ كُتُب التواريخ المؤلَّفة من المسلمين ومن غير المسلمين؟
٥ - يدأب جاهداً لتكثير فِرَق الشيعة في قبال الطائفة الإماميَّة الاثني عشريَّة، والظاهر أنَّ عدد أتباع الطائفة المترامية الأطراف الضاربة بكلكلها في الأرض في مقابل أهل السُّنَّة لم يملأ عينيه، ولعلَّه يقول: هذا اختلاق؛ وضعه زيف الحسِّ.
٦ - خلطه المتكرِّر بين دلالة الأحاديث المتقدِّمة على وجود إمام حيّ في كلِّ عصر، ويُؤطِّر النقاش أنَّ بحثه في خصوص ولادة الإمام الثاني عشر، مع أنَّ طعونه كلَّها راجعة إلى الطعن في الإمامة الإلهيَّة وإمامة عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وقد خرج ذلك من فلتات لسانه في بعض كلماته في ما يصدره من نشرة الشورى وأنَّ المشروعيَّة هو ما قد حصل في السقيفة.
٧ - أشكل على حديث الثقلين المتواتر بين الفريقين بإشكال يؤول إلى معنى الإمامة الإلهيَّة، بأنَّه كيف يتمُّ مفاد الحديث من التمسُّك بالعترة مع أنَّه لا رجل من العترة بمقدار (١١٠٠) سنة يحلُّ للأُمَّة الإسلاميَّة مشاكلها ويُفسِّر لهم آيات الكتاب؟ كما يشكل بأنَّ الحديث ليس فيه تصريح بأسماء مع أنَّ انطباق العترة على عليِّ بن أبي طالب وفاطمة والحسنين (عليهم السلام) ضروري عند السُّنَّة والشيعة، وأنَّهم العترة في سائر الأحاديث المتواترة بين الفريقين، كعنوان أهل

↑صفحة ٢٢٨↑

البيت وعترة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيتي ونحوها، ثمّ تسلسل ذلك إلى الحسن العسكري وابنه المنتظر. وعلَّه يحسب العترة كبيت من الهند أو السند، وأمَّا عدم رجل من العترة فسيأتي توضيح ذلك وتوهُّمه في معنى الغيبة.
٨ - تخيُّله أنَّ اجتهاد الأصحاب من الطائفة الإماميَّة هو اجتهاد أهل السُّنَّة، وأنَّهم بدأوا يمارسونه في الغيبة، وهو لا يُحسِن الفرق بين الاجتهادين، وأنَّ اجتهاد الإماميَّة منصبٌّ على فهم نصوص القرآن والسُّنَّة النبويَّة وسُنَّة المعصومين من آل محمّد بتخصيص العامِّ وتقييد المطلق وتقديم الدليل الوارد على المورود والحاكم على المحكوم أو الترجيح بين المتعارضين أو تحليل عناصر الظهور اللفظي أو التنسيق بين القضايا المستفادة من النصوص، بنحو التشجير القانوني والتفريع الهرمي وغير ذلك من مراحل عمليَّة الاجتهاد والاستنباط لدى الإماميَّة، وأنَّ الباقر (عليه السلام) أمر أبان بن تغلب وغيرهم من أصحابه - كما في رجال النجاشي وغيره - بالجلوس في المسجد والفتيا، ويكفيه ملاحظة كتاب (الوسائل، كتاب القضاء، أبواب كيفيَّة الحكم)، ليلاحظ عشرات الموارد التي أمر أئمَّة آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أصحابهم الفتيا - وفق موازين مدرسة أهل البيت -، وكذا كتاب رجال الكشِّي من أصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام) في الفتيا؛ لاختلاف فهمهم في الاستفادة من النصوص، وأبواب الحجِّ، أبواب أقسام الحجِّ... وأنَّ زرارة والفضل بن شاذان ألَّفا رسالتين في اجتماع الأمر والنهي، وأنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدِّه، وكذا كتاب (الكافي، كتاب الطلاق للعدَّة)، حيث نقل الكليني ما يقرب من ثلاث صفحات من كلام الفضل بن شاذان في تخطئة العامَّة من عدم التمييز بين الحكم الوضعي من شرائط صحَّة الطلاق والحكم التكليفي.
٩ - دعواه عدم دلالة حديث الثقلين على تأييد وجود الإمام (عجَّل الله فرجه)، وأنَّه ربَّما مضى الأئمَّة ويكفي في التمسُّك بتراثهم الروائي، وغفل عن أنَّ مقتضى هذا

↑صفحة ٢٢٩↑

الإشكال هو التسليم بإمامة العترة كعِدل للقرآن الكريم، فهم عِدل الكتاب، وهم حجَّة الله على العباد حجَّة الكتاب، ولازم ذلك هو التسليم بكلِّ ما روي عنهم (عليهم السلام)، من ذلك ما روي في نصوصهم على الإمام الثاني عشر ابن الحسن العسكري وأنَّه يغيب، كما غفل عن معنى التمسُّك بهم بمعيَّة القرآن في كلِّ الأعصار وما يستجدُّ من الأوضاع والحوادث، وعن معنى معيَّة الثقلين المؤبَّدة حتَّى الورود على الحوض يوم القيامة من استلزام ذلك وجود كلٍّ من وجود الكتاب ووجود العترة ليصحَّ التمسُّك بوجودهما، وأنَّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تارك كلّ منهما في المسلمين الباقي إلى يوم القيامة. وغفل عن معنى غيبة الإمام وجعلها تساوي العدم بينما هي التستُّر والخفاء في العمل وفي القيام بالوظيفة الإلهيَّة كما فسَّرتها أحاديث الإماميَّة وعلماء الإماميَّة كالصدوق والمفيد والطوسي والمرتضى وغيرهم، وسيأتي توضيح ذلك ببسط أكثر.
١٠ - دعواه أنَّ الإمام الثاني عشر لم يظهر في التاريخ ولم يرتبط به أحد، فإذا واجه كُتُب الطائفة الإماميَّة المشحونة المليئة بذلك طعن عليهم بالاختلاق أنَّهم مختلقون وضَّاعون متَّهمون في دينهم وعقيدتهم يبتدعون في الدِّين، وهذا طعن في عقيدة الإمامة الإلهيَّة وإمامة عليِّ بن أبي طالب، وأنَّ الدِّين لم ينزل في بيوت محمّد وآل محمّد (عليهم السلام)، بل نزل في سمرقند أو منطقة لار أو محافظة لورستان ونحوها.
١١ - ثمّ إنَّه يطالب الشيخ الآصفي بالبحث والتحرِّي عن تطبيق حديث الثقلين على الإسماعليليَّة، وقد غفل عن أنَّ هذا الطلب ينطوي على التسليم بإمامة العترة، وأنَّ البحث عن الانطباق بحثه الصدوق والطوسي والنعماني والمفيد والمرتضى وغيرهم، ودلَّلوا عليه بمناهج استدلاليَّة تصل إلى أربعة عشر منهجاً، منه أحاديث العدد الاثني عشر بين الفريقين، ومنه صحَّة دعوة الأعلميَّة في العلوم والأكمليَّة في الفضائل في الاثني عشر دون أئمَّة الإسماعيليَّة أو الزيديَّة ونحوهم.

↑صفحة ٢٣٠↑

١٢ - إشكاله على مفاد الأحاديث وعلى الإماميَّة أنَّ الإمام لديهم هو المطبِّق والمنفِّذ للدِّين الحاكم، والغيبة تتناقض مع مهمَّة الإمام، وهذا الإشكال سببه الغفلة عن معنى الغيبة عند الإماميَّة وعن معنى الإمامة لديهم، والشكُّ بأنَّ تعيين الله تعالى لإمام لا يُحتَّم على الله تعالى، ثمّ أشكل بما هو السبب في رفض الإماميَّة لنظريَّة الشورى.
وقد أفصح عن صلب إشكالاته ومآلها أنَّها منصبَّة ومتركِّزة على معنى الإمامة الإلهيَّة وعلى إمامة عليِّ بن أبي طالب في الدرجة الأُولى، والحال أنَّ الغيبة لا تُفسَّر لدى الإماميَّة في نصوص وفي كلمات علمائهم بمعنى عدم وجود الإمام وتعطيل دوره ونشاطه في القيام بالوظيفة الإلهيَّة الملقاة عليه؛ لأنَّ الغيبة بمعنى الاستتار والخفاء والسرّيَّة في القيام بالدور والوظيفة الإلهيَّة الملقاة على عهدة الإمام.
ومن بديهيَّات الأدبيَّات السياسيَّة في الجامعات الأكاديميَّة الحديثة والمراكز التعليميَّة الحديثة أنَّ القوى السياسيَّة في العالم وفي أيَّة دولة هي القوى التي تقوم نشاطاتها في الخفاء والسرّيَّة كقوى المخابرات الدوليَّة والتنظيمات السرّيَّة كالمافيا وقوى المال وغيرها وكالتنظيمات السرّيَّة السياسيَّة المعارضة، وهذا العرف والسُّنَّة البشريَّة السياسيَّة لم تكن وليدة هذا العصر بل عصور سابقة، فلا ملازمة بين القيام بالوظائف السياسيَّة والاجتماعيَّة الملقاة على شخص وجماعة وبين القيام بها بصورة علنيَّة ظاهرة في الحسِّ، فأكثر القوى التي تدير العالم المعاصر هذا اليوم ليست الدول والحكومات العلنيَّة حتَّى في الدول الكبرى، بل هي المؤسَّسات والشبكات السرّيَّة المخابراتيَّة أو الماليَّة في السلاح والنفط وغيرها والغفلة عن نفوذ القوى واستحكامها في المراحل التكتيكيَّة للعمل السياسي يساوي السرّيَّة والخفاء والتستُّر، فهذا القرآن الكريم يُحدِّثنا عن رجال الغيب من منظومة الأبدال

↑صفحة ٢٣١↑

والأوتاد والسُّيَّاح المتَّفق على وجودهم بين أكثر علماء المسلمين في سورة الكهف في قصَّة موسى مع الخضر: ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً * قالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ (الكهف: ٦٥ - ٦٨).
فيُنبِّئنا القرآن في هذه السورة وغيرها من السور على وجود عبَّاد بشريِّين مزوَّدين بالعلم اللدنِّي والرحمة الخاصَّة الإلهيَّة يقومون بالوظائف السرّيَّة الإلهيَّة والدور الخفي الذي يُؤثِّر على منعطفات حادَّة في المجتمع البشري، والقيادة لدفَّة المسيرة البشريَّة إلى الغرض الحقِّ، كما تُنبئنا قصَّة آدم وإخضاع الملائكة كلِّهم أجمعين في سبع سور من القرآن الكريم على أنَّ سُنَّة الله تعالى إمامة خليفة الله في أرضه إمامته للملائكة كلِّهم، وأنَّه مزوَّد بعلم الأسماء كلِّها، وهذه بديهيَّات قرآنيَّة، والإمامة في تعريفها في القرآن والروايات وكلمات علماء الإماميَّة ليست مقصورة على التطبيق للدِّين والتنفيذ والحكم بصورة علنيَّة ظاهرة في السطح العياني، بل هي تشمل صورة السرّيَّة والخفاء والتستُّر، وقد أشار إلى ذلك المفيد والمرتضى والطوسي وابن طاوس وبحر العلوم والمقدَّس الأردبيلي للحديث عن أبي الحسن عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام).
وأمَّا إشكاله بأنَّ ضرورة تعيين الله تعالى إماماً للبشريَّة هو تحتيم على الله، فغفلة عن أنَّ هذا ضرورة عن الله تعالى لا ضرورة على الله تعالى، وأنَّ هذا يعني عدم عزل الله تعالى وحاكميَّته وإرادته ومشيئته عن تدبير النظام الاجتماعي السياسي للبشر، وأنَّ الله أحكم الحاكمين، وأنَّ الله هو الوليُّ بالأصل، وأنَّ الولاية له، وهو الحقُّ، وأنَّ يديه مبسوطتان في تدبير النظام السياسي والاجتماعي والنظام الفكري والمعنوي والروحي وغيرها من أنظمة المجتمع البشري، وليست يده

↑صفحة ٢٣٢↑

مغلولة ولا محجوبة عن تدبير نظام المجتمع البشري، وأنَّه الحاكم الأوَّل في حكومة البشر التنفيذيَّة والقضائيَّة فضلاً عن التشريع هو الله تعالى كما هو الشأن في حكومة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) التي يستعرض سيرتها القرآن الكريم في سوره، حيث كان الحاكم السياسي الأوَّل والقاضي الأوَّل فيها هو الله تعالى في الخطوات ذات المهمَّة الانعطافيَّة لحكومة الرسول في المدينة ومن ثَمَّ في الجزيرة العربيَّة، فالمنفِّذ المباشر بإرادته ومشيئته في حكومة الرسول الإلهيَّة هو الله تعالى، وهذا ما تعنيه مدرسة أهل البيت من أنَّ نصب الإمام المعصوم المزوَّد بالعلم اللدنِّي وعلم الأسماء كلِّها يُؤهِّله لمعرفة إرادات الله تعالى ومشيئاته في تدبير نظام المجتمع فيكون الله تعالى الحاكم السياسي الأوَّل والإمام خليفته ونائبه.
١٣ - ثمّ إنَّه ذكر مثالاً لإشكاله بأنَّ ضرورة نصب إمام مع غيبته مثل القول بضرورة تعيين الدولة شرطيًّا للمرور في تقاطع الطُّرُق والشوارع، ثمّ إنَّ الشرطي غائب، وإنَّ الحكمة في ترك الشوارع فوضى يرجع علمه إلى الدولة. فإمَّا أنْ يكون وجود الشرطي المعيَّن ضرورة أو لا، ولا يُعقَل أنْ نقول: ضروري وهو غائب وإنَّ علم ذلك عند الله تعالى، بل لا بدَّ من نصب شرطي آخر من البلديَّة تنتخبه، وإنَّ الانتخاب من أعمالنا وليس من شؤون الحاكم والمَلِك ورئيس الوزراء.
وقد غفل أنَّ ذلك يستلزم تحجيم سلطة الحاكم والمَلِك والرئيس الأوَّل وهو الله تعالى، وتعطيل لسلطته المطلقة وولايته النافذة لكلِّ شيء، كما قد غفل أنَّ الغيبة ليست بمعنى العدم وعدم النشاط وعدم القيام بالوظيفة الإلهيَّة في السرِّ والخفاء والتستُّر، وأنَّ القيام بالحكومة في نظام البشر يُتوصَّل إليه بالحكومة الخفيَّة كما في حكومة المخابرات الدوليَّة في الدول العظمى هي الحاكمة على الحكومات العلنيَّة الظاهرة في السطح في الدول العظمى في هذا العصر، وغفل عن أنَّ

↑صفحة ٢٣٣↑

الشرطي في تقاطع الطُّرُق في هذا العصر يُستعاض عنه بأجهزة المراقبة السرّيَّة في تقاطع الشوارع وفي الشوارع الكبيرة بين المُدُن وأنَّها أنجح في ضبط المرور، وقد استُعيض عنه برجال المرور السرّيِّين بألبسة مدنيَّة في هذا العصر لإحكام ضبط المرور من مخالفات السوَّاق.
١٤ - وأشكل على مفاد حديث: «من مات ولم يعرف إمام زمانه...» بإمكان انطباقه على الإمام العادل غير المعصوم، وعدم انحصاره بالانطباق على المعصوم بعد عدم انطباقه على الإمام الفاجر الظالم، وقد غفل عن أنَّ الحديث يُرتِّب ميتة الجاهليَّة على عدم معرفة الإمام، وأيُّ إمام هذا الذي من مات ولا يعرفه يموت ميتة جاهليَّة؟ وليس من مات ولم يتَّبعه بل من مات ولم يعرفه أي يعتقد بإمامته، وهل الاعتقاد بإمامة العادل غير المعصوم تُخرج الإنسان عن ميتة الإسلام؟
١٥ - دعواه أنَّ أسانيد الأحاديث ضعيفة عند السُّنَّة، ولا أدري لِـمَ لا يحترم الكاتب عقل القُرَّاء؟ إذ مصادر هذه الأحاديث التي نقلها الشيخ الآصفي الثلاثة منها هو صحاح السُّنَّة وكُتُبهم المعتمدة الأُخرى، هذا فضلاً عن المصادر المذكورة في كتاب (ملحقات إحقاق الحقِّ) للسيِّد المرعشي وكتاب (عبقات الأنوار) للسيِّد اللكهنوي وغيرها من كُتُب الكلام عند الإماميَّة التي أشارت إلى مصادر الأحاديث في كُتُب أهل السُّنَّة الصحاح والمعتمدة، وكذا كُتُب السيِّد عبد الحسين شرف الدِّين وكُتُب العلَّامة الحلِّي وغيرها.
١٦ - دعواه تعارض الأحاديث غير المحدِّدة للأئمَّة بعدد وبين الأحاديث المحدِّدة لهم بالعدد الاثني عشر كما في الأئمَّة من قريش اثنا عشر الذي رواه أهل السُّنَّة والشيعة، وهذه غفلة عن أبسط عمليَّات الاستظهار وقراءة النصوص يعرفها عامَّة الناس فضلاً عن علماء القانون البشري بالجمع والتقييد والتخصيص. ولا أدري لِـمَ لا يراعي الكاتب عقل القارئ؟

↑صفحة ٢٣٤↑

١٧ - إشكاله على روايات البداء في شخص الإمام وفي تفسير شخص الإمام، وقد غفل عن أنَّ البداء لدى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ليس بمعنى التغيير الحقيقي والنسخ الحقيقي، بل بمعنى الإبداء والإظهار بعدما كان في تخيُّل الناس الأمر على غير ما هو في أُمِّ الكتاب لدى الله تعالى، وقد كتب الإماميَّة في ذلك كُتُباً شرحوا فيها ذلك، وأنَّ البداء موجود في عقيدة المسملين بتسميات أُخرى كما في حجب الدعاء القضاء المبرم الإلهي ومنع الصدقة البلاء المحتم المقدَّر ونحوها بمعنى النسخ غير الحقيقي وإجراء ما هو في أُمِّ الكتاب، والغريب غفلته عن نصوص الاثني عشر عن النبيِّ والأئمَّة السابقين في طُرُق السُّنَّة والشيعة.
١٨ - إنكاره لتواتر روايات المهدي من ذرّيَّة رسول الله بين المسلمين، أي إنكار أصل ظهور المهدي ولو في آخر الزمان، وأنَّها ضعيفة في طُرُق الشيعة وطُرُق السُّنَّة، وأنَّها مختلقة اختلقتها السياسة العبَّاسيَّة وصراعات القوى عند المسلمين، وقد غفل عن أنَّ خطورة هذا الإنكار أنَّه إنكار لضرورة من ضروريَّات المسلمين، وأنَّ هذا طعن في تراث كلِّ المسلمين من السُّنَّة النبويَّة من صحاح كُتُب السُّنَّة وصحاح كُتُب الشيعة. وأنَّ هذا عدم احترام لعقل القارئ واستخفاف للقُرَّاء.

* * *

حُرِّر بتاريخ (٢٢/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٣:٥٧) صباحاً.
أحمد الكاتب عضو:
الأخ محمّد منصور المحترم.. تحيَّة طيِّبة..
أرجو مراجعة المقال السابق(٢٣٥) مرَّة أُخرى وقراءته بتأنٍّ لتتأكَّد أنِّي لا أنفي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٥) أمَّا هذا فنترك القارئ الكريم هو الذي يُحدِّد أنَّك قلت أو لم تقل. ويكفي أنْ أنقل للقارئ الكريم عبارتك في مقالتك السابقة التي تقول فيها: (نشوء الفرضيَّة المهدويَّة في أحضان الغلوِّ والغلاة)، وهذه العبارة منك تعني أنَّ كلَّ ما جاء وورد عن المهدي إنَّما هو زيف وأباطيل دسَّتها يد الغلاة.

↑صفحة ٢٣٥↑

أحاديث المهدي بالمرَّة، وإنَّما قلت: لا يوجد تواتر على أنَّ المهدي هو الثاني عشر. ادَّعى الشيخ الآصفي وجود تواتر في الرواية عن أهل البيت بأنَّ المهدي هو ابن الحسن العسكري والثاني عشر من أهل البيت. وهو ادِّعاء غير صحيح بالمرَّة، إذ أنَّ فكرة المهدويَّة خلال القرون الثلاثة الأُولى كانت عامَّة وغامضة وغير محدَّدة في أحد من الأئمَّة، ولذلك كان عامَّة الشيعة وخواصُّ الأئمَّة وبعض الأئمَّة أنفسهم يتوقَّعون أنْ يكونوا هم القائمين بالأمر، وقد اعتقد عامَّة الشيعة ما عدا فئة قليلة بأنَّ الإمام الكاظم هو المهدي المنتظر، وقالوا: إنَّه غاب غيبتين الأُولى في السجن والثانية بعد هروبه من السجن، حيث إنَّهم لم يعترفوا بوفاته ودفنه.
وإذا راجعنا الروايات الواردة عن أهل البيت والتي تتناقض مع مهدويَّة الإمام الثاني عشر يتَّضح عدم وجود أيَّة إشارة فضلاً عن وجود إجماع في القرون الأُولى حول مهدويَّة الإمام الثاني عشر. وهذا ما يُؤكِّد على افتراض المهدويَّة للإمام الثاني عشر، واختلاق الروايات بعد حين.
أرجو أنْ تقرأ تعليقي على مقالة الشيخ الآصفي مرَّة ثالثة لتتأكَّد من أنِّي لم أقل: إنَّ هذا النمط من الاستدلال لم يستدلّ به علماء الإماميَّة المتقدِّمون، وإنَّما قلت: إنَّ الشيخ الآصفي لم يستدلّ بصورة جيِّدة بما استدلَّ به العلماء المتقدِّمون، ولم يذكر فقرة قانون الوراثة العموديَّة في بحث الإمامة الذي لا يكتمل الاستدلال به للتوصُّل إلى فرضية وجود الإمام الثاني عشر إلَّا بعد الإيمان بقانون الوراثة العموديَّة.
كما أرجو أنْ تقرأ تعليقاتي الأُخرى التي أوردتها في غير مكان حول الاستشهاد بعلماء السُّنَّة المتأخِّرين الذين يؤمنون بولادة المهدي الثاني عشر وقولي: إنَّهم إمَّا مؤمنين حقًّا بهذا القول ويعتقدون أنَّه حيٌّ بصورة إعجازيَّة مدى الزمان فلماذا لا يصبحون شيعة؟ وإمَّا ينقلون قول الشيعة الاثني عشريَّة بدون إيمان،

↑صفحة ٢٣٦↑

والاستشهاد بهم لا ينفع، خاصَّةً وأنَّهم متأخِّرون عدَّة قرون ويبنون شهادتهم على روايات الشيعة، والشيعة لم يتأكَّدوا بصورة قاطعة من ولادته وإنَّما افترضوا ذلك افتراضاً.
قلت في تعليق آخر: إنَّني أُحاول الالتزام بأدب الحوار والأخلاق الإسلاميَّة واحترام الطرف الآخر، ولست أدري هل تتعهَّد بذلك أم تصرُّ على اتِّهام خصمك بسهولة بالتعمُّد في طمس الحقائق وعدم احترام عقل القارئ والاستخفاف بالقُرَّاء وعدم مراعاة الصدق والورع والحقيقة وما إلى ذلك من التُّهَم التي تُطلِقها جزافاً وتُبرِّئ نفسك منها بالطبع.
أرجو أيضاً أنْ تُخبرني فيما إذا كنت إخباريًّا يقبل جميع الروايات الواردة عن أهل البيت من دون تحقيق؟ وماذا تُفسِّر لنا قولك في البند (٦): (التسليم بكلِّ ما روي عنهم، ومن ذلك ما روي في نصوصهم على الإمام الثاني عشر وأنَّه يغيب)؟
أخذت عليَّ في عدَّة نقاط تركيزي البحث حول ولادة مصداق الإمام الثاني عشر، وفضَّلت الحديث عن القضيَّة الكبرويَّة القائلة بوجود إمام من العترة، وقلت: إنَّ القضيَّة الكبرويَّة إذا تمَّت سهل البحث عن الفرع كما يقول السيِّد المرتضى، وقلت أيضاً: إنَّ الإشكال على ولادة الإمام الثاني عشر إنَّما يُذكر بعد الفراغ من إمامة الأئمَّة السابقين، وإذا سُلِّمت إمامتهم فالأدلَّة التاريخيَّة على ولادته توجب القطع بذلك، واتَّهمتني بالخلط بين البحث حول ولادة الثاني عشر والطعن في الإمامة الإلهيَّة، وقد قلت بصراحة عدَّة مرَّات: إنَّني لم أعد أُؤمن بنظريَّة الإمامة الإلهيَّة لأهل البيت، بل أعتبرهم علماء صالحين وأولياء عظام معتصمين بالله لا معصومين من قِبَله.
وإنَّني رفضت الإيمان بنظريَّة الإمامة بعد أنْ عجزت عن إثبات المصداق الخارجي لها، ولا أرى كما ترى أنَّ إثبات وجود الإمام الثاني عشر يتوقَّف على

↑صفحة ٢٣٧↑

الإيمان بنظريَّة الإمامة، وذلك لأنَّ الإيمان بالأئمَّة السابقين أو الأنبياء (عليهم السلام) لا يتوقَّف على الإيمان بإمامتهم أو نبوَّتهم، ولا يمكن أنْ نؤمن بإمامة أو نبوَّة أحد قبل أنْ نؤمن بوجوده، إذ لا يمكن أنْ نُكوِّن نظريَّات في الهواء ثمّ نحاول أنْ نستدلَّ عليها بكلِّ دليل ضعيف. وهذا هو الذي دفعك للإيمان به عن طريق ما أسميته الدليل الفلسفي أو الاعتباري أو العقلي حسب ما يصفه المتكلِّمون. وبالرغم من أنَّك حاولت أنْ تناقش في تسمية الدليل وهل هو فلسفي أو عقلي أو اعتباري إلَّا أنَّ النتيجة والخلاصة أنَّك تؤمن بوجود المهدي نظراً لإيمانك بنظريَّة الإمامة، ولو لم تكن تؤمن بها لما اضطررت إلى الإيمان بوجود رجل لم يرَه أحد ولم يوجد له أيُّ أثر في التاريخ.
قلتَ: إنَّ الروايات التي تحدَّثت عن المهدي الثاني عشر والغيبة واللوح هي ملحمات تاريخيَّة إعجازيَّة، وهذا ربَّما كان يصحُّ لو أنَّك تستطيع إثبات أنَّ تلك الروايات لم تُستَنسخ من الواقفيَّة الذين قالوا بغيبة الإمام الكاظم ومهدويَّته، وكنت تقدر على إثبات أنَّها لم تُصنَع في وقتٍ متأخِّر من قِبَل أركان الفرضيَّة المهدويَّة الاثني عشريَّة، أمَّا وإنَّ الوضَّاعين والمزوِّرين والمتلاعبين كانوا يضعون الأحاديث على لسان أهل البيت في حياتهم وفي كُتُب أصحابهم، فلا يمكن أنْ تستبعد عمليَّة الوضع المتأخِّر في كُتُب الأقدمين المخطوطة باليد والتي لا يوجد أيُّ توثيق لها، وما أسهل أنْ تُؤلِّف كتاباً اليوم وتضع عليه اسم مؤلِّف قديم، وقد كان يوجد في النجف كتاب يحتوي على خطوط الأنبياء جميعاً من آدم (عليه السلام) إلى نوح وموسى وعيسى، فهل يمكن أنْ تُصدِّق هكذا روايات وهكذا كُتُب؟ وكيف تقبلها؟
إنَّني لا أجرح المتكلِّمين الإماميَّة؛ لأنَّهم يوالون آل محمّد (عليهم السلام)، فهذا افتراء خطير منك، ولكنِّي أقول: إنَّ تراث أهل البيت يضمُّ روايات ظاهريَّة صريحة لا

↑صفحة ٢٣٨↑

تقول بنظريَّة النصِّ والعصمة والوراثة وتلتزم بالشورى، وروايات تحكي عنهم نظريَّة أُخرى سرّيَّة ومنافية للرواية الأُولى، أقول: إنِّي ألتزم بالرواية الظاهريَّة ولا أُؤمن بالتقيَّة ولا أسمح لنفسي بقبول أيَّة رواية مغالية ينسبها الغلاة إلى أهل البيت تحت غطاء التقيَّة، فقد نسب الغلاة إلى أهل البيت المنكرات وادَّعوا أنَّهم آلهة وأنبياء، فهل تريدني أنْ أقبل بها وإذا رفضتها يعني أنْ أجرح برواتها؛ لأنَّهم يوالون أهل البيت؟ لا يا أخي العزيز إنَّني أرفضها من منطلق الحرص على مذهب أهل البيت ولتعارض أفكار الغلاة مع القرآن الكريم والأحاديث الصريحة المرويَّة في (نهج البلاغة) و(الكافي) وغيرها من الكُتُب الشيعيَّة الأُخرى، ولا أربط بين التولِّي لأهل البيت وبين القول بإمامتهم، فقد كان عامَّة الشيعة في القرون الأُولى لا يؤمنون بنظريَّة الإمامة الإلهيَّة ما عدا فرقة صغيرة منهم وبصورة سرّيَّة.

* * *

حُرِّر بتاريخ (٢٢/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٨:٤٧) مساءً.
محمّد منصور عضو:
الردُّ على ما قاله حول مقالة الآصفي:
١ - قال الكاتب: إنَّه لا ينفي أحاديث المهدي بالمرَّة وإنَّما يقول: إنَّه لا تواتر على أنَّ المهدي هو الثاني عشر، بينما هو يقول في مقالته (نشوء الفرضيَّة المهدويَّة في أحضان الغلوِّ والغلاة): إنَّ الروايات حول المهدي من وضع الغلاة، وقال في نقاشه للآصفي: إنَّها مختلقة اختلقتها السياسة العبَّاسيَّة وصراعات القوى عند المسلمين. وها هو يناقض كلماته وينفي ويُثبِت.
٢ - قد ادَّعى الكاتب عدم وجود روايات متواترة حول المهدي أنَّه ابن الحسن العسكري، وذكرتها له في الردِّ السابق وأبوابها، إلَّا أنَّه يقول: إنَّ الطائفة الإماميَّة اختلقتها، وأنَّ المفيد وعلماء الشيعة وضَّاعون.

↑صفحة ٢٣٩↑

وها هو يدور ويجتر التناقض في كلماته ويُنكِر ما قاله.
٣ - قال الكاتب: إنَّه لم يقل: إنَّ علماء الإماميَّة المتقدِّمين لم يستدلُّوا بذلك النمط الذي ذكره الآصفي، وقد قال سابقاً: إنَّ استدلالهم منحصر عقلي كلامي فلسفي اعتباري يعتمد مقدَّمة نقليَّة بالوراثة العموديَّة.
بينما نمط استدلال الآصفي يعتمد الكبرى النقليَّة القطعيَّة، فها هو يناقض كلامه ويدور ويجتر ويُنكِر ما قاله.
٤ - الكاتب يحتجُّ على علماء السُّنَّة الذين يؤمنون بولادة المهدي لِـمَ لا يكونون شيعة، وإنَّهم يقولون ما لا يعقلون، وأنَّ أخبارهم بولادته بمعنى الافتراض أي لا بدَّ لنا من تقدير كلمة افتراض في كلماتهم!
ويدَّعي أنَّ كلَّ العلماء المذكورين متأخِّرون مع أنَّ كثيراً منهم متقدِّم، ولعلَّه من رجم الغيب كعادته من دون خوف.
٥ - الكاتب يطلب بيان أنَّ المنهج العلمي الذي ذكرته له هو منهج إخباري أم لا، مع أنَّ الكاتب لا يُفرِّق بين أدنى الاصطلاحات الأُصوليَّة والاصطلاحات الفلسفيَّة، فلا أدري كيف يسأل عن لفظة الإخباريَّة؟ ولعلَّه يتخيَّل أنَّ منهج الأُصول هو ردُّ كلِّ خبر يقول بمتابعة أهل البيت والأخذ بما يقولون ولو كان متواتراً عنهم، لأنَّ المبدأ هو الشورى لا إمامة عليِّ بن أبي طالب وعترته، فهي متابعة مخبوطة، ولم يستطع أنْ يُبيِّن علَّة تخصُّصيَّة المتابعة والولاء وأخذ الفقه لهم ومنهم مع كونهم كسائر الناس في نظره.
٦ - اعتراف الكاتب بأنَّ أصل خلافه مع الإماميَّة في عدم إيمانه بإمامة العترة الإلهيَّة، ومع ذلك فهو لا يرى أنَّ إثبات الإمام الثاني عشر يتوقَّف على الإمامة، ولا أدري أنَّ كلمة (إمام) و(ثاني عشر) ماذا يفهم منها؟ هل هي أصوات لغة الطيور أم ماذا؟ لأنَّ الحوار وصل إلى هذه الدرجة من الدقَّة العلميَّة.

↑صفحة ٢٤٠↑

والمذهل أنَّه يقول باللفظ عينه: (إنَّ الإيمان بالأئمَّة السابقين أو الأنبياء(عليهم السلام) لا يتوقَّف على الإيمان بإمامتهم أو نبوَّتهم)، وأتصوَّر أنَّ هذا الكلام يجب عرضه على طبيب نفساني متخصِّص.
٧ - اعتراف الكاتب باستلزام القول بالإمامة لاضطرار القول بوجود الإمام الثاني عشر، وفي الفقرة السابقة أنكر التلازم، والظاهر أنَّه لا يمتلك القدرة على التعبير عن ما يريده، وإلَّا فما هذا التناقض بأقلّ من عدَّة أسطر.
٨ - ثمّ إنَّه يحصر الطريق لإثبات وجود الإمام الثاني عشر بالدليل الفلسفي الاعتباري الذي هو سمَّاه بذلك، ويخاطبني أنَّك أنت تُسمِّيه بالدليل الفلسفي الاعتباري، مع أنِّي قد أنكرت عليه توحيد الفلسفي والاعتباري، لكنَّه جريء في إنكار كلِّ ما قاله ولو قبل سطر واحد، ومع أنِّي ذكرت الاستدلال بالأحاديث القطعيَّة بين الفريقين التي تُثبِت كبرى الإمامة والتي حكم عليها بالاختلاق، يعود الكاتب ويسند حصر الدليل الفلسفي، وأحسب نفسي وأُحاور على طاولة المدرسة الابتدائيَّة أو الروضة.
٩ - أشكل على الملحمة التاريخيَّة الإعجازيَّة لروايات غيبة الإمام الثاني عشر قبل ولادته بقرنين إلى نصف قرن بأنِ استُنسِخَت من الواقفيَّة القائلين بغيبة الكاظم الإمام السابع، والظاهر أنَّ الكاتب لا يرى فرقاً بين عدد السابع وعدد الثاني عشر، ولا يرى فرقاً بين الراوي الإمامي الاثني عشري والراوي الواقفي وأنَّهما شخص واحد بعينه، ولا مانع من احتمال المحال، فلذلك أشكل على إعجازيَّة مفاد الروايات. ثمّ يحتمل أنَّ كلَّ الروايات وضع وتدليس من رواة الإماميَّة، لأنَّهم يعتقدون بالإمامة الإلهيَّة، مع ذلك لا يرى الكاتب ارتباطاً بين البحث في الإمامة الإلهيَّة والإمام الثاني عشر، إذ الكاتب حسبما مررت على حواره لا يرى استحالة التناقض.

↑صفحة ٢٤١↑

والذي أنصح الكاتب به هو نقل الحوار إلى الآيات القرآنيَّة ما دام هو لا يؤمن بالسُّنَّة مطلقاً.
فالحري به إذا كانت لديه جرأة البحث العلمي تركيز الحوار حول ما يُثبِته القرآن الكريم، هل هو الإمامة الإلهيَّة أم السلطنة الجماعيَّة؟
ولا يخرج عن البحث القرآني إلَّا إذا أراد السير بمنهج إمكان التناقض والتضادِّ الديالكتيكي، لأنَّه لا يثق بأيِّ رواية من طُرُق أهل السُّنَّة ولا من طُرُق الشيعة، كما هو منهج العلمانيِّين. وأنَّ كلَّ ما غاب عن الحسِّ فهو غلوٌّ وباطنيَّة وتأليه، وأنَّ المنهج الأُصولي هو رفض كلِّ شيء يغيب عن الحسِّ بخلاف المنهج الإخباري.

* * *

وهنا وعلى جانب آخر جرى حوار ومداخلات بين الإخوة بعضهم البعض، وبينهم وبين أحمد الكاتب ربَّما تكون بعيدة عن الموضوع ولكن أدرجناها لبعض النكات فيها:
حُرِّر بتاريخ (١٨/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠١:٤٧) صباحاً.
أحمد الكاتب عضو:
أيُّها الإخوة الكرام..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
لقد كنت وسوف أبقى بإذن الله مدافعاً عن مذهب أهل البيت وعن حقوق الشيعة المظلومين في كلِّ مكان سواء كان الظلم عليهم من أهلهم أم من إخوانهم.
وأعتقد أنَّ الظلم الذي وقع على الشيعة طوال التاريخ كان في جزء منه بسبب بعض الأفكار الداخليَّة التي دخلت عليهم وعزلتهم وخدَّرتهم قروناً من الزمن حتَّى حرَّموا الجهاد وعطَّلوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلَّا بعد

↑صفحة ٢٤٢↑

خروج الإمام المهدي كما حرَّموا إقامة الدولة الإسلاميَّة في عصر الغيبة قبل أنْ تحدث لديهم ثورة ولاية الفقيه التي أخرجتهم من كهف الغيبة والانتظار وبعثت فيهم الروح الجديدة حتَّى استطاعوا إقامة الجمهوريَّة الإسلاميَّة.
وإنَّ تجربتهم الجديدة هذه تتعرَّض إلى تحدّيات من قِبَل بعض المتسلِّطين الذين يحاولون أنْ يلغوا دور الأُمَّة باسم النيابة العامَّة عن الإمام المهدي، في حين يصرُّ البعض الآخر على المشاركة السياسيَّة للأُمَّة، وأنَّها صاحبة الحقِّ الشرعي في انتخاب الإمام ومحاسبته ومراقبته وتعيينه وعزله.
إنَّ الشيعة بحاجة إلى الحرّيَّة والشورى والديمقراطيَّة والعدالة، وكانت ثورة الشيعة في العراق على قاب قوسين أو أدنى، ولكن تجربة ولاية الفقيه في الجمهوريَّة الإسلاميَّة أدَّت إلى إفشال مشروعهم حتَّى الآن، وهم بحاجة إلى تجديد مشروعهم السياسي في العراق، هل يريدون أنْ يحكم المراجع ويسيطر رجال الدِّين على السلطة التشريعيَّة والتنفيذيَّة ويُلحِقوا العراق بإيران؟ مع ما سبَّب ويُسبِّب هذا المشروع في إثارة الطوائف والأحزاب والقوى العراقيَّة المختلفة، أم أنَّهم يطرحون مشروعاً ديمقراطيًّا إسلاميًّا لا طائفيًّا ولا عنصريًّا، يحترم رجال الدِّين ودورهم الإرشادي في الحياة، ولكن لا يُعطيهم ولاية سماويَّة غيبيَّة باسم النيابة العامَّة، ولا ولاية مطلقة على الناس بحيث يعطون لأنفسهم الحقَّ في إلغاء كلمة الأُمَّة بجرَّة قلم، كما قال أحدهم بأنَّه يستطيع أنْ يُلغي أيَّة اتِّفاقيَّة شرعيَّة يعقدها مع الأُمَّة من طرف واحد إذا وجد بعد ذلك أنَّها كانت ضدّ مصلحة الإسلام أو مصلحة البلاد. وبالطبع دون أنْ يُعطي الأُمَّة الحقَّ في إلغاء أيَّة اتِّفاقيَّة تعقدها معه إذا وجدت الأُمَّة أنَّ تلك الاتِّفاقيَّة ضدّ مصلحة الأُمَّة أو مصلحة الإسلام.
نحن بحاجة إلى إعادة النظر في تراث أهل البيت وتصفيته ممَّا لحقه من أفكار وفرضيَّات ونظريَّات دخيلة.

↑صفحة ٢٤٣↑

وإنِّي أدَّعي أنَّ مسألة الإمام الثاني عشر كانت فرضيَّة فلسفيَّة سرّيَّة لم يعرفها أهل البيت ولا الإمام الحسن العسكري، وأنَّها اختُلِقَت بعد وفاته، وأنَّ الأدلَّة التاريخيَّة التي قُدِّمت ضعيفة وجاءت متأخِّرة.
ولذلك فإنَّ النظريَّة الاثني عشريَّة التي ابتُنيت عليها نشأت في القرن الرابع الهجري، وأقول أيضاً: إنَّ الشيعة اليوم بتبنِّيهم لنظريَّة ولاية الفقيه أو نظام الشورى قد تخلّوا تماماً بصورة عمليَّة عن نظريَّة الإمامة والانتظار للإمام المهدي، وذلك لأنَّهم أجازوا لأنفسهم اختيار الإمام عن طريق الشورى وبشروط العدالة والفقه والكفاءة، ولم يعودوا يشترطون العصمة ولا النصَّ ولا السلالة العلويَّة الحسينيَّة في الإمام.
إذن فقد جاء بحثي متأخِّراً عن حركة الشيعة التي عادت إلى فكر أهل البيت وهو الشورى وتقدَّمت إلى الأمام، وليس بحثنا اليوم إلَّا محاولة للحاق بالتطوُّرات العمليَّة التي حدثت في صفوف الشيعة.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٨/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٨:٧٣) مساءً.
عليٌّ القاضي زائر:
أوَّلاً: من أنت وما هو موقعك من العالم الشيعي حتَّى تتبجَّح بكلماتك هذه، وأنَّك تدافع عن الشيعة المظلومين، هذا الخطُّ الذي لا يزال يُمثِّل الحقَّ المحمّدي الأصيل، وببركة وجهود علمائنا الربَّانيِّين الذين تحمَّلوا ما تحمَّلوا للحفاظ على هذه المدرسة الأصيلة. تأتي أنت اليوم وتحتمي بأعداء الدِّين وتسير على خطى وتوصيات من أسيادك الوهَّابيَّة وغيرهم ممَّن لا يتحمَّلون سماع اسم الشيعة لتدَّعي هذا؟!
ثانياً: لقد غيَّرت الحقَّ وتركت الصواب عند قولك: (حتَّى حرَّموا - أي

↑صفحة ٢٤٤↑

الشيعة - الجهاد وعطَّلوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، فقل لي بربِّك: هل يوجد مثل الشيعة عُرفوا بالجهاد وسقوط الشهداء دفاعاً عن الإسلام ولأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مستوى علماءهم أم مؤمنيهم؟
إنَّ من أعجب القول قولك هذا، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العليِّ العظيم.
ثالثاً: والأعجب قولك: (ويُسبِّب هذا المشروع في إثارة الطوائف والأحزاب والقوى العراقيَّة المختلفة...).
فالظاهر من كلامك أنَّ اتِّباع الحقِّ ليس مهمًّا عندك، بل المهمُّ هو أنْ يرضى عنك كلُّ هؤلاء مهما كانوا، وأين ذلك عن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (المائدة: ٥٤)؟
رابعاً: ادِّعاؤك أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عبارة عن فرضيَّة فلسفيَّة يكفي في ردِّه قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديث الثقلين: «وأنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض»، فلولا المهدي (فداه من سواه) لافترق الكتاب عن العترة، ولكن صدق الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكذب من ادَّعى غير ذلك.

* * *

حُرِّر بتاريخ (٢٠/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١٠:٤٢) مساءً.
عليٌّ العلوي عضو:
السلام عليكم..
الأخ أحمد الكاتب..
مشكلتك أنَّك تُصدِر أحكاماً تعميميَّة تعسُّفيَّة في كلِّ الجوانب التاريخيَّة والروائيَّة والفلسفيَّة والدِّينيَّة وغيرها.
بخصوص كلامك:
(وأعتقد أنَّ الظلم الذي وقع على الشيعة طوال التاريخ كان في جزء منه

↑صفحة ٢٤٥↑

بسبب بعض الأفكار الداخليَّة التي دخلت عليهم وعزلتهم وخدَّرتهم قروناً من الزمن حتَّى حرَّموا الجهاد وعطَّلوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلَّا بعد خروج الإمام المهدي كما حرَّموا إقامة الدولة الإسلاميَّة في عصر الغيبة قبل أنْ تحدث لديهم ثورة ولاية الفقيه التي أخرجتهم من كهف الغيبة والانتظار وبعثت فيهم الروح الجديدة حتَّى استطاعوا إقامة الجمهوريَّة الإسلاميَّة).
فأنت نفيت كلَّ تاريخ الدول الشيعيَّة قبل قيام الجمهوريَّة الإسلاميَّة، ما هذا التعسُّف؟!
هذه هي مشكلتك، فلعلمك القاصر في التاريخ أنَّ هناك دولاً شيعيَّة قامت على طول التاريخ ولم تتوقَّف محاولات الشيعة من إقامة الدولة، ولك أمثلة:
الدولة البويهيَّة التي ظهرت في زمن الغيبة في العراق، والدولة الحمدانيَّة في الشام، والدولة العيونيَّة في ما كان يُعرَف بإقليم البحرين (الساحل الشرقي للخليج)، وهي في زمن الغيبة الكبرى، وقامت بعد أنْ أسقطت حكم القرامطة المنحرفين عن الإسلام، والدولة السربداريَّة على ساحل بحر قزوين قامت قبل قيام الدولة الصفويَّة.
وأخيراً الدولة الصفويَّة التي نشرت المذهب الشيعي الاثني عشري في إيران وبلاد السند والهند.
الخلاف الذي كان موجوداً هو هل لتلك الدول السالفة الذكر شرعيَّة دينيَّة أم هي دول دنيويَّة؟ هذا هو الخلاف، وقد حلَّ ذلك الخلاف الكثير من الفقهاء الجريئين مثل الشيخ حسين الكركي الجباعي اللبناني الذي دعاه الشاه الصفوي الثاني طهماسب، وأقرَّ الشيخ بمشروعيَّة الدولة الصفويَّة الدِّينيَّة بشرط أنْ يشرف على كلِّ شيء.
وكان الشيخ القطيفي معارضاً لإعطاء المشروعيَّة الدِّينيَّة للدولة الصفويَّة من قبل الشيخ حسين الكركي.

↑صفحة ٢٤٦↑

وأخيراً لي سؤال قد سُئِلْتَ عنه من قِبَل الإخوة هنا ولكنَّك لم تجب!
وهو أنَّك قلت: إنَّ في سنة (١٩٧٤م) قد حُكِمَ عليك بالإعدام في العراق لارتباطك بجماعة عارف البصري، وكلُّنا يعرف أنَّك كنت من المنتمين لحزب العمل الإسلامي، والشيخ عارف من جماعة حزب الدعوة يعني لا يوجد اتِّصال بينكم، فكيف تحلُّ هذا اللغز؟

* * *

ملاحظة منهجيَّة على أحمد الكاتب في مناقشة الدليل النقلي:
حُرِّر بتاريخ (١٨/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٨:١٠) مساءً.
محمّد منصور عضو:
يُلاحَظ الخلط المنهجي عند أحمد الكاتب في نقاش الدليل النقلي من خلال النقاط التالية:
الأوَّل: تخيُّله أنَّ حصر الدليل على وجود الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) هو بتوسُّط الروايات الواردة في من شاهده في الغيبة الصغرى ومن خلال النوَّاب الأربعة، مع أنَّ الأدلَّة على وجوده هي على أصناف:
أ - ما دلَّ على عموم الإمامة الإلهيَّة وأنَّها باقية إلى يوم القيامة.
ب - ما ورد من النصوص عليه قبل تولُّده من الأئمَّة السابقين التي جمعها كثير من العلماء كالمفيد في (الإرشاد)، والنعماني في (الغيبة)، والصدوق في (إكمال الدِّين)، والكليني في (أُصول الكافي)، والطوسي في كتاب (الغيبة)، وغيرهم في كُتُبهم.
جـ - ما دلَّ على التمحيص بغيبته بعد الإمام الحادي عشر العسكري.
د - ما دلَّ على لزوم الانتظار للظهور والفرج.
وغيرها من طوائف الروايات، فلاحظ تلك الكُتُب وغيرها.

↑صفحة ٢٤٧↑

الثانية: تشكيكه في نسبة كُتُب الصدوق والكليني والطوسي والنعماني إلى مؤلِّفيها، وحصره الكُتُب المعتبرة بالكُتُب الأربعة، وهذا التشكيك راجع إلى عدم اعتقاده بأصل إمامة أهل البيت، لأنَّ ذلك يُسبِّب له الاسترابة بالطائفة الاثني عشريَّة وعدالتهم. وهذا من الخلط بين مبحث الإمامة الإلهيَّة ومبحث خصوص ولادة الإمام الثاني عشر.
الثالثة: خلطه الدائم بين مبحث أنَّ الإمامة عهد من الله تعالى، وبين ولادة الإمام الثاني عشر، وبين كون عدَّة الأئمَّة اثني عشر، وبين مصاديق الاثني عشر، وهو من الخبط بين ترتيب المباحث وتسلسلها.
الرابعة: دعواه أنَّ الروايات الدالَّة على وقوع الغيبة التي رُويت من الأئمَّة (عليهم السلام) لم تُصرِّح بأنَّ الغيبة تقع بخصوص الإمام الثاني عشر، وهذه الدعوى تنكُّر للروايات المتواترة التي أوردها الصدوق في (إكمال الدِّين) والنعماني في (الغيبة) والطوسي في كتابه (الغيبة) وغيرهم في كُتُبهم المصرِّحة بأنَّها تقع لخصوص الإمام الثاني عشر.
الخامسة: دعواه أنَّ الروايات القائلة بغيبة الإمام المهدي الثاني عشر لا تدلُّ على وجوده وولادته، واستشهد بكلام السيِّد المرتضى والشيخ الطوسي في سبب وحكمة الغيبة أنَّه فرع الاعتقاد بوجوده، وهذا من قلَّة التدبُّر وقلَّة الإمعان لمباني تلك الروايات الدالَّة على وقوع الغيبة من خصوص الإمام الثاني عشر تدلُّ بالدلالة الالتزاميَّة باللزوم القطعي على كون الإمام الثاني عشر هو ابن الإمام الحادي عشر، وأنَّه تقع منه الغيبة، لأنَّها تُخصِّص وقوع الغيبة بعد الإمام الحادي عشر للإمام الثاني عشر والذي هو ابن العسكري، كما تُصرِّح بذلك أكثر الروايات المتعرِّضة للغيبة، فهذا تلازم بيِّن لوجوده، وأنَّه ابن العسكري، وأنَّه الذي تقع منه الغيبة، ثمّ هل الغيبة إلَّا للشخص الموجود، ومع الالتفات إلى أنَّه يأتي في رتبة الثاني عشر؟

↑صفحة ٢٤٨↑

وأمَّا كلام المرتضى والطوسي فهو في سبب وحكمة الغيبة وفائدتها لا في أصل وقوعها وتحقُّقها، ومن البيِّن أنَّ الحديث عن فائدة الغيبة فرع الاعتقاد بإمامة الغائب، لأنَّ الاعتقاد بغيبة الإمام للدليل الدالِّ عليها أنَّه لا يدلُّ على إمامة الغائب.
السادسة: دعواه حصر مصادر أحاديث عدد الاثني عشر في كتاب سُلَيم ابن قيس، وأنَّ الكليني والصدوق والنعماني والطوسي اعتمدوا في العدد الاثني عشر على ذلك المصدر فقط، ثمّ يقول بأنَّ بقيَّة أحاديث العدد اختلقها الرواة في القرن الثالث ويطعن على الرواة بذلك بمحض الافتراء والبهتان، وثمّ يطعن في الاستدلال على العدد بما في أحاديث أهل السُّنَّة في صحاحهم من أنَّ الأئمَّة الاثني عشر من قريش بأنَّها قد انطبقت على بعض الخلفاء فيما مضى، وليس في الحديث دلالة على بقائهم إلى يوم القيامة وعدم مجيء غيرهم من بعدهم.
وبهذا التوجيه المجمل يهرب من مفاد الحديث، والذي هو يناقض دعواه انحصار أحاديث العدد في كتاب سُلَيم، ودعواه وافتراؤه على بقيَّة أحاديث العدد، إذ الحديث مرويٌّ من فِرَق العامَّة، فعلى من ينطبق هذا العدد، على معاوية ويزيد؟!

* * *

بطلان دعوى أحمد الكاتب أنَّ حديث الاثني عشر ضعيف عند أهل السُّنَّة:
حُرِّر بتاريخ (١٩/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠١:١٩) صباحاً.
التلميذ عضو:
لا زال أحمد الكاتب وهو يحاول الانتصار إلى باطله يُنكِر الحقائق الواضحة والجليَّة ويرمي الكلام على عواهنه، فهو يدَّعي أنَّ حديث الاثني عشر عند أهل

↑صفحة ٢٤٩↑

السُّنَّة حديث ضعيف، ولبطلان زيف ما يدَّعيه هذا الرجل نسرد هنا مجموعة ونماذج من ألفاظ هذا الحديث والمصادر التي ورد فيها عند أهل السُّنَّة وتصحيحهم له، فقد روى هذا الحديث البخاري في صحيحه (ج ٦/ ص ٢٦٤٠)، قال: حدَّثني محمّد بن المثنَّى، حدَّثنا غندر، حدَّثنا شعبة، عن عبد المَلِك: سمعت جابر بن سمرة، قال: سمعت النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «يكون اثنا عشر أميراً»، فقال كلمة لم أسمعها. فقال أبي: إنَّه قال: «كلُّهم من قريش».
ومن نافلة القول أنْ نذكر أنَّ هذا الحديث الوارد في صحيح البخاري هو صحيح، فإنَّ القوم مجمعون على صحَّة ما ورد فيه من روايات.
كما روى مسلم هذا الحديث في صحيحه بلفظ آخر (ج ٣/ ص ١٤٥٢)، قال: حدَّثنا ابن أبي عمر، حدَّثنا سفيان، عن عبد المَلِك بن عمير، عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً»، ثمّ تكلَّم النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بكلمة خفيت عليَّ، فسألت أبي: ماذا قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ فقال: كلُّهم من قريش.
ورواه أيضاً بلفظ آخر في (ج ٣/ ص ١٤٥٣)، قال: حدَّثنا هداب بن خالد الأزدي، حدَّثنا حمَّاد بن سَلَمة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة»، ثمّ قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: كلُّهم من قريش.
والحديثان صحيحان عند مسلم، ورجالهما ثقات عند أهل السُّنَّة.
وروى الحديث حسب النصِّ الثاني أو قريب منه ابن حبَّان في صحيحه (ج ١٥/ ص ٤٤)، وصحَّح الحديث، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط محقِّق صحيح ابن حبَّان: (إسناده حسن على شرط مسلم).
وروى الحديث بلفظ آخر أيضاً مسلم بن الحجَّاج في صحيحه (ج ٣/

↑صفحة ٢٥٠↑

ص ١٥٣)، قال: حدَّثنا نصر بن عليٍّ الجهضمي، حدَّثنا يزيد بن زريع، حدَّثنا بن عون، وحدَّثنا أحمد بن عثمان النوفلي واللفظ له، حدَّثنا أزهر، حدَّثنا ابن عون، عن الشعبي، عن جابر بن سمرة، قال: انطلقت إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومعي أبي، فسمعته يقول: «لا يزال هذا الدِّين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة»، فقال كلمة صمَّنيها الناس، فقلت لأبي: ماذا قال؟ قال: كلُّهم من قريش.
وبنفس النصِّ أو قريباً منه جدًّا أخرجه كلٌّ من أبي داود في سُنَنه (ج ٤/ ص ١٠٦) وقد صحَّح الشيخ الألباني هذا الحديث، وابن حبَّان في صحيحه (ج ١٥/ ص ٩٥) وصحَّحه، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط الشيخين).
وروى الحديث بلفظ آخر أبو يعلى في مسنده (ج ١٣/ ص ٤٥٦)، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا حاتم بن إسماعيل، عن المهاجر بن مسمار، عن عامر بن سعد، قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع: أخبرني بشيء سمعته من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فكتب: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم جمعة عشيَّة رجم الأسلمي يقول: «لا يزال الدِّين قائماً حتَّى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلُّهم من قريش»، وسمعته يقول: «عصبة من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض بيت كسرى وآل كسرى»، وقال الشيخ حسين أسد محقِّق الكتاب: (إسناده حسن).
كما رواه بنفس اللفظ أو قريباً منه جدًّا مسلم بن الحجَّاج في صحيحه (ج ٣/ ص ١٤٥٤)، وأبو داود في سُنَنه (ج ٤/ ص ١٠٦)، وقال الشيخ الألباني عنه: (صحيح).
وروى هذا الحديث مسلم بن الحجَّاج في صحيحه (ج ٣/ ص ١٤٥٣) بلفظ يختلف قليلاً عن الألفاظ الأُخرى، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا

↑صفحة ٢٥١↑

أبو معاوية، عن داود، عن الشعبي، عن جابر بن سمرة، قال: قال النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا يزال هذا الأمر عزيزاً إلى اثني عشر خليفة»، قال: ثمّ تكلَّم بشيء لم أفهمه، فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: كلُّهم من قريش.
وروى الحديث أيضاً بلفظ يختلف قليلاً أيضاً عن الألفاظ أعلاه في (ج ١٥/ ص ٤٣)، قال: أخبرنا أحمد بن عليِّ بن المثنَّى، قال: حدَّثنا عليُّ بن الجعد الجوهري، قال: أخبرنا زهير بن معاوية، عن زياد بن خيثمة، عن الأسود بن سعيد الهمداني، قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلُّهم من قريش»، فلمَّا رجع إلى منزله أتته قريش قالوا: ثمّ يكون ماذا؟ قال: «ثمّ يكون الهرج»، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط عن هذا الحديث: (صحيح).
ورواه أيضاً مسلم بن الحجَّاج في صحيحه بلفظ آخر في (ج ٣/ ص ١٤٥٢)، قال: حدَّثنا ابن أبي عمر، حدَّثنا سفيان، عن عبد المَلِك بن عمير، عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً»، ثمّ تكلَّم النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بكلمة خفيت عليَّ، فسألت أبي: ماذا قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ فقال: كلُّهم من قريش.
وورد الحديث في مصادر أُخرى عديدة عند أهل السُّنَّة وبأسانيد صحيحة كمسند الإمام أحمد بن حنبل، والمعجم الكبير للطبراني، والمستدرك على الصحيحين، وغيرها. وعليه فأين ادِّعاء أحمد الكاتب الفارغ بأنَّ هذا الحديث غير صحيح عند أهل السُّنَّة؟ فنقول له: (ما هكذا تورد يا سعد الإبل).

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٩/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٣:٠٣) صباحاً.
أحمد الكاتب عضو:

↑صفحة ٢٥٢↑

لم يكن حديثنا الآن هو الاثني عشريَّة، وإنَّما كان محور الحديث الأدلَّة التاريخيَّة حول ولادة الإمام الثاني عشر.
وقد أجبنا بعض الشيء الأخ جميل الذي نقل كلمة الشيخ الآصفي، وإذا أردت التفصيل فإليك ما يلي:
وذلك مثل حديث النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يكون بعدي اثنا عشر خليفة»، أو «لا يزال أمر أُمَّتي ظاهراً حتَّى يمضي اثنا عشر خليفة كلُّهم من قريش»، أو «يلي هذه الأُمَّة اثنا عشر.. كلُّهم من قريش لا يُرى مثله»، أو «يكون بعدي اثنا عشر أميراً كلُّهم من قريش».
وهذه روايات كلُّها من طُرُق أهل السُّنَّة، وقد رواها الصدوق وقال تعليقاً عليها: (نقل مخالفونا من أصحاب الحديث نقلاً ظاهراً مستفيضاً من حديث جابر ابن سمرة السوائي عن رسول الله... وقد أخرجت طُرُق هذا الحديث...)، فدلَّ على أنَّ الأخبار التي في أيدي الإماميَّة عن النبيِّ والأئمَّة بذكر الأئمَّة الاثني عشر أخبار صحيحة.
كما رواها الكليني في (الكافي) والطوسي في (الغيبة).
أمَّا الروايات الشيعيَّة الواردة حول موضوع (الاثني عشرية) فقد ذكر الكليني في (الكافي) منها حوالي سبع عشرة رواية، وذكر الصدوق في (إكمال الدِّين) حوالي بضع وثلاثين رواية، وروى الخزَّاز في (كفاية الأثر في النصِّ على الأئمَّة الاثني عشر) حوالي مائتي رواية، وقال عنها: إنَّها متواترة، وذلك لعدم إمكانيَّة اتِّفاق صحابة رسول الله وخيار العترة والتابعين الذين يُنقَل عنهم شطراً من الروايات على الكذب.
وتعتمد النظريَّة الاثنا عشريَّة حسب الرواية الشيعيَّة التي تذكر أسماء الأئمَّة الاثني عشر في قائمة معدَّة من قبل، على كتاب سُلَيم بن قيس الهلالي الذي

↑صفحة ٢٥٣↑

يقول: (إنَّ الشيعة كانوا يحتفظون بالقائمة الاثني عشريَّة في بيوتهم خلال القرون الثلاثة السابقة).
وقد قال ابن أبي زينب النعماني عن كتاب سُلَيم: (إنَّه ليس بين جميع الشيعة ممَّن حمل العلم ورواه عن الأئمَّة خلاف في أنَّ كتاب سُلَيم بن قيس الهلالي أصل من كُتُب الأُصول التي رواها أهل العلم وحملة حديث أهل البيت وأقدمها، وهو من الأُصول التي يرجع إليها الشيعة ويُعوَّل عليها).
اتَّخذ الصدوق وسائر المتكلِّمين من تلك الروايات التي اعتبروها (متواترة) دليلاً على وجود وولادة (الإمام الثاني عشر محمّد بن الحسن العسكري) من حيث إنَّه لا بدَّ أنْ يكمل الرقم (١٢) المُخبَر به من قبل، ومن دونه يصبح عدد الأئمَّة (أحد عشر) خلافاً للأحاديث، ومن حيث إنَّ الروايات قد جاءت بأنَّ (المهدي) من أهل البيت ومن ولد الحسين، وقد مضى الأئمَّة الأحد عشر ولم يظهر واحد منهم، فتحتَّم: أنَّه المهدي الذي سوف يظهر ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً.
واعتبر الطوسي إجماع الطائفتين المختلفتين والفرقتين المتباينتين: (العامَّة) و(الإماميَّة) على: أنَّ الأئمَّة بعد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اثنا عشر، لا يزيدون ولا ينقصون، دليلاً على ولادة (صاحب الزمان) وصحَّة غيبته، وقال: (إنَّ الشيعة يروون تلك الأخبار على وجه التواتر خلفاً عن سلف).
المهدي الإمام الثاني عشر:
وإضافةً إلى ذلك توجد في التراث الشيعي أكثر من سبعين رواية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام) تتحدَّث عن (المهدي والقائم) بصراحة: أنَّه (الإمام الثاني عشر أو التاسع من ولد الحسين)، وبعضها يذكره بالاسم الصريح الكامل، وبعضها يكتفي بالإشارة إليه بالكنية واللقب. ومن تلك الروايات ما ذكره

↑صفحة ٢٥٤↑

الصدوق في (إكمال الدِّين) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنَّ خلفائي وأوصيائي وحُجَج الله على الخلق بعدي اثنا عشر أوَّلهم أخي وآخرهم ولدي المهدي...».
وما عنه أيضاً: «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) اختار... من عليٍّ الحسن والحسين، واختار من الحسين الأوصياء من ولده... تاسعهم قائمهم».
وما عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنِّي فكَّرت في مولود يكون من ظهري الحادي عشر من ولدي هو المهدي».
وما عن الحسين بن عليٍّ (عليه السلام): «التاسع من ولدي... هو قائمنا أهل البيت يُصلِح الله تبارك وتعالى أمره في ليلة واحدة».
وما عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّ الغيبة ستقع بالسادس من ولدي، وهو الثاني عشر من الأئمَّة الهداة بعد رسول الله أوَّلهم أمير المؤمنين وآخرهم بقيَّة الله في الأرض وصاحب الزمان».
وما عن الإمام الرضا (عليه السلام): «أنَّ القائم هو... الرابع من ولدي».
وما عنه أيضاً: «الإمام بعدي محمّد ابني، وبعده ابنه عليٌّ، وبعد عليٍّ ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجَّة القائم المنتظر».
وما عن الإمام الهادي (عليه السلام): «إنَّ الإمام بعدي الحسن ابني، وبعد الحسن ابنه القائم».
وما عن أبي عبد الله عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنَّه دخل على فاطمة الزهراء في حياة رسول الله ليُهنِّئها بولادة الحسين، فرأى في يدها لوحاً أخضر، ورأى فيه كتاباً شبه نور الشمس، فسألها عن ذلك فقالت له: «هذا اللوح أهداه الله إلى رسول الله فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابني وأسماء الأوصياء من ولدي فأعطانيه أبي ليسرَّني بذلك...»، وكان فيه أسماء الأئمَّة الاثني عشر واحداً واحداً.. وأنَّ الأخير منهم (م ح م د) يبعثه الله رحمةً للعالمين.

↑صفحة ٢٥٥↑

مناقشة دليل الاثني (عشريَّة):
...(٢٣٦).

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٩/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٧:٠٧) صباحاً.
التلميذ عضو:
أحمد الكاتب..
كلامك أعلاه لا يسمن ولا يغني من الجوع، فكلامي أعلاه ردٌّ عليك حول قولك بأنَّ روايات الاثني عشر عند أهل السُّنَّة ضعيفة.
ولقد أثبتنا لك بطلان وزيف قولك هذا. وكان من المفروض عليك أنْ تعترف بخطئك واشتباهك هذا، مثل ما اعترفت بوجود الروايات التي تشير إلى الاثني عشر في كتاب (بصائر الدرجات) بعد أنْ أنكرت وجودها فيه بشدَّة، ولـمَّا واجهك الإخوة بالأدلَّة على وجودها لم يكن لك مفرٌّ من الإذعان بذلك، فكان عليك هنا أنْ تفعل مثل ما فعلت هناك، وإلَّا فما علاقة ما أوردته أنت أعلاه بمسألة صحَّة أو عدم صحَّة حديث الاثني عشر عند أهل السُّنَّة صحيح أم لا؟ نرجو أنْ تجيب على سؤالنا هذا.

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٩/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٦:١٩) مساءً.
التلميذ عضو:
يا أُستاذ أحمد الكاتب..
هل حديث الاثني عشر عند أهل السُّنَّة صحيح أم لا؟ فقط نرجو الجواب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٦) راجع صفحة (٦٦) فقد ذكره بالنصِّ هناك.

↑صفحة ٢٥٦↑

على هذا السؤال فقط، فأنت ادَّعيت بأنَّه ضعيف، فهل ما زلت تصرُّ على رأيك هذا أم سلَّمت معنا في أنَّه صحيح(٢٣٧)؟

* * *

الردُّ على أحمد الكاتب حول افترائه على الصدوق بأنَّه لا يعتقد بقوَّة بالاثني عشر:
حُرِّر بتاريخ (١٩/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٢:٥٤) صباحاً.
التلميذ عضو:
قال الكاتب في معرض ردِّه على الأُستاذ العاملي: (وكان الشيخ الصدوق، وهو في أواسط القرن الرابع الهجري لا يعتقد بقوَّة بالاثني عشريَّة، ويقول في إكمال الدِّين (ص ٧٧): إنَّ عدد الأئمَّة اثنا عشر، والثاني عشر هو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، ثمّ يكون بعده ما يذكره من كون إمام بعده، أو قيام القيامة، ولسنا مستعبدين في ذلك إلَّا بالإقرار باثني عشر إماماً واعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر بعده).
أقول: إنَّ صاحبنا هذا متمرِّس في المغالطات وقلب الحقائق وتفسير كلام العلماء على غير وجهه الصحيح ومعناه الحقيقي الظاهر منه، فإنَّ كلام الشيخ الصدوق (عليه الرحمة) واضح لمن تدبَّر فيه أنَّه يؤمن إيماناً جازماً لا شبهة فيه ولا شكَّ بالاثني عشر إماماً من أهل البيت (عليهم السلام) أوَّلهم أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام) وآخرهم المهدي المنتظر (أرواحنا فداه)، وهو في كلامه أعلاه يدافع عن هذه العقيدة حيث يردُّ على إشكال وشبهة مطروحة من قِبَل الزيديَّة فيقول في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٧) أخي التلميذ إنَّ الكاتب مقتنع بما تقول وبما أتيت، وثق تماماً بأنَّه لن يجيب كما تهرَّب منك من قبل فسيتهرَّب هنا، ومن هنا أدركنا بأنَّ الكاتب ليس عنده شيء إلَّا الشوشرة والتدليس، وإلَّا إمَّا أنْ يُثبِت أو ينفي، وأمَّا السكوت والتهميش فهذا ليس من أدب الحوار العلمي.

↑صفحة ٢٥٧↑

كتابه كمال الدِّين وتمام النعمة (ص ٧٧): (قالت الزيديَّة: لا يجوز أنْ يكون من قول الأنبياء: إنَّ الأئمَّة اثنا عشر، لأنَّ الحجَّة باقية على هذه الأُمَّة إلى يوم القيامة، والاثنا عشر بعد محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد مضى منهم أحد عشر، وقد زعمت الإماميَّة أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة.. فيقال لهم: إنَّ عدد الأئمَّة (عليهم السلام) اثنا عشر، والثاني عشر هو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ثمّ يكون بعده ما يذكره من كون إمام بعده أو قيام القيامة، ولسنا مستعبدين في ذلك إلَّا بالإقرار باثني عشر إماماً واعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر (عليه السلام) بعد).
ثمّ يقول في (ص ٧٨) من نفس الكتاب: (ويقال للزيديَّة: أفيكذب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في قوله: «إنَّ الأئمَّة اثنا عشر»، فإنْ قالوا: إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يقل هذا القول، قيل لهم: إنْ جاز لكم دفع هذا الخبر مع شهرته واستفاضته وتلقِّي طبقات الإماميَّة إيَّاه بالقبول، فما أنكرتم ممَّن يقول: إنَّ قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من كنت مولاه» ليس من قول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟).
وكلامه هذا واضح، فهو هنا يدافع بكلِّ قوَّة وشدَّة عن عقيدة الاثني عشر إماماً، كما أنَّ كلامه واضح أعلاه أنَّه لا يخالجه أدنى شكٍّ في هذه العقيدة، فكيف يجوز للكاتب أنْ يفتري على هذا الشيخ الجليل مدَّعياً أنَّه لا يعتقد بقوَّة بالاثني عشر - كما في ردِّه على الأخ العاملي - أو يكون شاكًّا في هذه العقيدة - كما قال في نشرته الشورى(٢٣٨)-؟ أليس قول الصدوق: (ولسنا مستعبدين في ذلك إلَّا بالإقرار باثني عشر إماماً واعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر (عليه السلام) بعد) دليلاً على اعتقاده الجازم بهذه العقيدة؟ بلى إنَّ الأمر كذلك ولكن الكاتب حاطب بليل.

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٨) كما سيأتي.
 

↑صفحة ٢٥٨↑

حُرِّر بتاريخ (١٩/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١٠:٢٧) صباحاً.
أحمد الكاتب عضو:
الأخ الأُستاذ التلميذ المحترم..
حسبما علمت من الإخوة المشاركين في الحوار إنَّك رجل فاضل وعلى درجة من العلم والفضل، ولكن الأُسلوب الذي تستخدمه في الحوار يشبه المصارعة والعراك، إذ تسارع إلى كيل الاتِّهامات بالتدليس والمغالطة وما شابه، مع أنَّه يفترض في أيِّ محاور أنْ يحترم الطرف الآخر ويُقدِّر رأيه على الأقلّ.
لقد نقلت لك قول الشيخ الصدوق كاملاً، وذكرت الفقرة التي يُعبِّر فيها عن رأيه بالاثني عشريَّة، وعلَّقت عليها بالقول: إنَّه لم يكن يؤمن بقوَّة، ولم أقل: إنَّه لم يؤمن مطلقاً، وقد استفدت ذلك من قوله: (إنَّا نؤمن بالإمام الثاني عشر وما يقوله بعده إذا كان يحتمل أنْ لا تنتهي الدنيا بعد ظهور الإمام المهدي وتستمرُّ الإمامة)، ولذا فقد احتمل أنْ ينصَّ الإمام المهدي على إمام من ذرّيَّته حسب نظريَّة الإمامة القديمة.
إنِّي لا أستشهد بقول الشيخ الصدوق، وإنَّما قدَّمته مؤشِّراً على تطوُّر النظريَّة وولادتها في ذلك العصر، بل أنتقد النظريَّة من الأساس وأقول: إنَّها لا تثبت بالأحاديث القابلة للحياكة والاختلاق ونسبتها إلى الماضين في أيِّ وقتٍ، وإنَّها لا يمكن أنْ تثبت مطلقاً إذا لم نستطع إثبات وجود الثاني عشر محمّد بن الحسن العسكري.
ومن الأفضل لك إذا كنت تريد أنْ تستمرَّ في النقاش أنْ تذهب وتدرس أدلَّة إثبات وجود ابن الحسن بدون فلسفة ولا نظريَّات ولا فرضيَّات ولا أحاديث عامَّة وغامضة(٢٣٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٩) كما وأقول للكاتب: كان عليك أنْ تردَّ على الروايات الصحيحة التي تُثبِت ولادة الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه)، كما وكان عليك أنْ تردَّ على مناقشات الإخوة السابقة، لا أنْ تأتينا كلَّ يوم بأمر ثمّ تُرسِله إرسال المسلَّمات وتترك النقاش فيه.

↑صفحة ٢٥٩↑

وأرجوك أنْ تتمهَّل قليلاً وتترك المباهاة في الحوار ومحاولة الانتصار وأنْ تذهب لتدرس القضيَّة ككلٍّ وتُفكِّر فيها طويلاً قبل أنْ تبادر إلى الردِّ(٢٤٠).
لقد كنت يا أخي العزيز مثلك ولا أزال حريصاً على مذهب أهل البيت، ولكنِّي وجدت هذه القصَّة من صنع الغلاة والباطنيَّة الذين كانوا دائماً يُفسِّرون الأُمور بشكل معاكس للظاهر وينسبون أُموراً منكرة إلى أهل البيت ويدسُّونها في تراثهم، فلا يأخذكم الحماس للدفاع عن كلِّ شيء تجده في التراث وتحسبه أنَّه من تراث أهل البيت(٢٤١).
ومع أنَّ بحثنا الآن ليس في موضوع الإمامة أو الاثني عشريَّة وإنَّما في الأدلَّة التاريخيَّة على ولادة الإمام الثاني عشر ومشاهدته في حياة أبيه وبعد وفاته.
ولقد طلب الإخوة المشرفون والمشاركون في الحوار أنْ يتركَّز حول موضوع معيَّن، ولكن لا أراكم تدخلون بصورة مباشرة في الموضوع، وكلُّ مرَّة تثيرون البحث حول نقطة وردت هنا أو تعليق ورد هناك وتتركون الموضوع الرئيسي(٢٤٢).
أُريد أنْ أُناقشك في شهادة حكيمة التي قيل: إنَّها رأت وشهدت ولادة ابن الإمام الحسن العسكري؟ هل قرأت الرواية؟ وهل تؤمن بها؟ وهل درستها جيِّداً؟ ولاحظت متنها وسندها؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٠) بل كان ينبغي منك أنت أنْ تدرس جيِّداً ما تريد طرحه لا أنْ تتوقَّف ولا تجيب من أوَّل مداخلة أثبت فيها الأخ العاملي لك ما نفيته من الروايات في (بصائر الدرجات)، ولا تتوقَّف وتتهرَّب من أوَّل رواية صحيحة يأتي بها الأخ التلميذ ليُفنِّد فيها مدَّعاك. ألَا تُخبرنا لِـمَ لم تجب إلى الآن عن سؤال التلميذ في صحَّة الروايات الواردة في ولادة المهدي بن الحسن (عليهما السلام)؟
(٢٤١) لا زلت يا كاتب تتبجَّح بالرأي وتسترسل في توجيه التُّهَم. ولعمري لِـمَ لا تُثبِت هذا التدليس الذي تدَّعيه، كما أثبتنا تدليساتك؟
(٢٤٢) لم يترك الإخوة الموضوع الرئيسي، والحقُّ أنَّك أنت الذي تركته بعدم ردِّك على الروايات الصحيحة والمتواترة التي جاءت في ولادته (عجَّل الله فرجه) وغيبته ورؤيته في حياة أبيه، وللقارئ أنْ يحكم في ذلك.

↑صفحة ٢٦٠↑

أُريد أنْ أُناقشك في الروايات الأُخرى التي تتحدَّث عن مشاهدته واللقاء به وهو ما أُسمِّيه بالدليل التاريخي، لننظر هل كان دليلاً قويًّا، أم كانت إشاعات صنعها الغلاة ولا ترقى إلى مستوى خبر الواحد الصحيح؟
ما هو رأيك بها؟

* * *

حُرِّر بتاريخ (١٩/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠١:٢٩) مساءً.
التلميذ عضو:
إلى أحمد الكاتب..
أوَّلاً: أنَّ وصفي لك أيُّها الكاتب بأنَّك مدلِّس ومغالط وتقلب الحقائق وتفتري على العلماء والأجلَّاء إنَّما هو لأنَّك حقيقة كذلك، فأنا لم أفترِ عليك ولم أتَّهمك بما لم يصدر منك، فقد بيَّنت لك مواضع تدليسك ومغالطاتك وقلبك للحقائق وافترائك، ومن حقِّ الطرف الآخر الذي تتحاور معه أنْ يصفك بذلك متى ما فعلت شيئاً من ذلك ويُبيِّن مواضع الافتراء والتدليس والقلب للحقائق والمغالطة في كلامك، وإنْ أردت الطرف الآخر أنْ يحترمك فعليك أنْ تحترم نفسك أوَّلاً وقبل كلِّ شيء فلا تُدلِّس ولا تفترِ ولا تغالط ولا تقلب الحقائق وتوهم القُرَّاء، وعندها تأكَّد تماماً أنِّي لن أصفك بشيء من ذلك.
ثانياً: أنَّ قول الشيخ الصدوق (عليه الرحمة) هذا لا ينفعك فيما تريد أنْ تصل إليه من القول، أوَّلاً: بأنَّ الشيخ الصدوق لا يؤمن بالاثني عشر بقوَّة كما تزعم، وثانياً: أنَّ قوله هذا مقدَّمة ومؤشِّر على تطوُّر النظريَّة وولادتها في ذلك العصر.
أمَّا أنَّه مؤشِّر ومقدَّمة على تطوُّر النظريَّة وولادتها في ذلك العصر، فليس فيه ما يشير إلى ذلك من قريب أو بعيد، ولا ندري كيف فهمت من كلام الشيخ الصدوق المذكور أعلاه ذلك؟

↑صفحة ٢٦١↑

وأمَّا أنَّ قوله يدلُّ على أنَّه لا يؤمن بالاثني عشر بقوَّة، فقد أثبتنا لك بطلان قولك هذا سابقاً، ولنا أنَّه (عليه الرحمة) ليس فقط يؤمن بقوَّة بهذه العقيدة وإنَّما يدافع عنها أيضاً بقوَّة وحزم كما هو واضح من ردوده على الزيديَّة، واحتمال الشيخ وكلامه ناظر إلى ما بعد فترة حكم المهدي (عجَّل الله فرجه) ومماته، فهو حقيقة لا يعلم الغيب بما ستصير إليه الأُمور بعد ذلك هل ستقوم القيامة أم لا؟ فلا يستطيع المرء أنْ يجزم بشيء، لأنَّه سبحانه ﴿يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: ٣٩). ومتى ما يصحُّ الدليل على شيء ما عندها لا يكون للاحتمال مجالٌ، أمَّا والدليل مفقود أو غير صحيح فإنَّ الاحتمال باقٍ مكانه.
ثالثاً: وعجيب منك أنَّك تطلب منِّي ومن الإخوة أنْ ندخل معك في الحوار حول مسألة ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وإثبات وجود ابن للإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وتطلب وتُزمِّر بطلبك هذا في أغلب ردودك، مع أنَّني قد فتحت موضوعاً في الحوار معك حول هذا الموضوع، وأتيت لك بروايتين صحيحتين سنداً وواضحتين من حيث الدلالة ولم تستطع إلى الآن أنْ تأتي بما ينقض هذا الدليل.
أمَّا طلبك أنْ نناقش الرواية الواردة بها شهادة حكيمة حول مشاهدتها ولادة ورؤية الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فما أظنُّه والله العالم إلَّا محاولة تهرُّب منك للابتعاد عن الدليل الروائي الصحيح الذي أُفحمت به إلى الآن ولم تحر جواباً في نقضه وحاولت أنْ تنقضه بحشو الكلام وبقول واهٍ أثبتنا لك بطلانه وزيفه.
وأقول لك: إنَّه لن أنتقل من الحوار معك إلى دليل آخر حتَّى ننتهي من موضوع الروايتين، فأنت تطالبنا بالدليل، وعلينا نحن أنْ نختار الدليل الذي نأتيك به لا أنت، ومتى ما أتيناك به لك الحقُّ في مناقشته، وعليه فلا زلت أنتظر منك الإجابة والردَّ على موضوعي المذكور، والإجابة على الأسئلة التي وجَّهتها

↑صفحة ٢٦٢↑

إليك، وبالخصوص السؤال عن صحَّة الروايتين عند علماء الشيعة الإماميَّة الاثني عشرية وحسب نظرهم، فأُعيده وأُكرِّره عليك هنا: هل هاتان الروايتان صحيحتان حسب نظر علماء وفقهاء الشيعة أم لا؟

* * *

غيبة الإمام الطويلة دليل تاريـخي مضادٌّ على عدم وجوده:
اُنظر عزيزي القارئ أنَّ الكاتب لا يحاول أنْ ينهي النقاش في المواضيع السابقة، وإنَّما يحاول أنْ يُشوِّش النقاش دائماً بإدراج مواضيع جديدة:
حُرِّر بتاريخ (١٩/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (١٠:٢٣) مساءً.
أحمد الكاتب عضو:
لكي نفهم موضوع (الغيبة) على حقيقته لا بدَّ أنْ نفهم أوَّلاً نظريَّة (الإمامة) كما كان يقول بها المتكلِّمون الإماميُّون الأوائل الذين أسَّسوا لها. تقول نظريَّة (الإمامة الإلهيَّة): إنَّ الأرض لا يجوز أنْ تخلو من إمام (أي من حكومة ودولة)(٢٤٣)، وأنَّ الإمام (أي الرئيس أو القائد الأعلى) يجب أنْ يكون معصوماً ومعيَّناً من قِبَل الله، وأنَّ الشورى باطلة، ولا يجوز انتخاب الإمام من قِبَل الأُمَّة(٢٤٤)، وتقول النظريَّة الموسويَّة (المتفرِّعة عن الإماميَّة والموازية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٣) لا أدري هل تتجاهل الأمر أم كعادتك تتعمَّد الخلط. فهناك فارق بين وجود الإمام ظاهراً أو مستتراً وبين إمامة الحكومة والدولة، كما هو الحال في عهد الأئمَّة بعد الإمام أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، هل كانت دولة ظاهرة يقودها الأئمَّة؟ ومع عدمها هل انتفت إمامتهم وخلت الأرض من حجَّة؟! اتَّقِ الله ولا تُلبِس الحقَّ بالباطل.
(٢٤٤) إذ إنَّ الإمامة امتداد لخطِّ النبوَّة، فلو جاز الانتخاب والشورى التي يريدها الكاتب في النبوَّة فلجازت في الإمامة، ولكن الله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٣٣)، وقال (عزَّ وجلَّ): ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٧٣)، فالإمامة جعل إلهي كما هي النبوَّة.

↑صفحة ٢٦٣↑

للفطحيَّة): إنَّ الإمامة تتسلسل بشكل وراثي عمودي في ذرّيَّة عليٍّ والحسين إلى يوم القيامة(٢٤٥).
ومن هنا فقد افترض المتكلِّمون الإماميُّون وجود ولادة (ابن) للإمام الحسن العسكري، بالرغم من عدم وجود أدلَّة تاريخيَّة كافية(٢٤٦)، ورفض بعضهم الإيمان بإمامة جعفر بن عليٍّ الهادي، لعدم جواز الجمع بين أخوين بعد الحسن والحسين وقالوا: لا بدَّ أنْ يكون قد وُلِدَ الإمام الحجَّة بن الحسن العسكري، وأنَّ أباه قد أخفاه عن أعين الناس.
ولكن السؤال الكبير الذي فرض نفسه هو: إذا كانت الإمامة محصورة في هذا الشخص، ولا تجوز لغيره من الناس العاديِّين غير المعصومين وغير المعيَّنين من قِبَل الله تعالى فلماذا يغيب ويختفي ولا يظهر ليقود الشيعة والمسلمين ويُؤسِّس الحكومة الإسلاميَّة التي لا بدَّ منها(٢٤٧)؟ ما دام أنَّ الأرض لا يجوز أنْ تخلو من إمام، والإمام الغائب لا يمكن أنْ يمارس إمامته وقيادته للناس(٢٤٨). وما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٥) هذا ما أثبتناه من أحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المتواترة عند الفريقين من عدَّة الأئمَّة، والروايات المتواترة في كُتُب الخاصَّة عن رسول الله وأهل البيت (عليهم السلام) من أنَّ الإمامة من صلب أمير المؤمنين وذرّيَّة الحسين (عليهما السلام).
(٢٤٦) لم يكن البناء منِّي كثرة التعليق وإنَّما فقط الإشارة، ولكن وبعد أنْ وجدت أنَّ كلَّ سطر بل كلَّ كلمة يكتبها الكاتب لا تخلو من تدليس ومراوغة وخلط، فصار لزاماً عليَّ أنْ أُعلِّق لأُبيِّن هذا التدليس والخلط، وهذه الكلمة من الكاتب من عدم وجود أدلَّة تاريخيَّة كافية لا أدري أو هل ردَّ الكاتب على ما أتى به الإخوة وما سيأتي به الأخ محمّد منصور والإخوة أم أنَّه أغفله وتركه؟ وبعد ذلك يقول: لا دليل، فأسأله أيُّ نوع من الأدلَّة تريد هل ما يتناسب مع هواك؟
(٢٤٧) لو توفَّرت شرائط انصياع الأُمَّة له لظهر (عجَّل الله فرجه)، وأفشى العدل في العلن.
(٢٤٨) إنَّ الإمام يمارس إمامته وحكومته المتغلغلة في المجموعة البشريَّة في الخفاء، ويقوم بالمسؤوليَّات والأدوار الإلهيَّة الملقاة على عاتقه.

↑صفحة ٢٦٤↑

هو السرُّ في الغيبة؟ وإلى متى يغيب(٢٤٩)؟ وما هو واجب الشيعة في حالة الغيبة(٢٥٠)؟
لقد كانت النتيجة الطبيعيَّة واللازمة لذلك الفكر هي (نظريَّة الانتظار) وتحريم النشاط السياسي في (عصر الغيبة)، وهي النظريَّة التي سادت قروناً طويلة من الزمن(٢٥١) ولا تزال بعض آثارها مستمرَّة بالرغم من القول بنظريَّة (النيابة العامَّة وولاية الفقيه)(٢٥٢) حيث انتهت نظريَّة المتكلِّمين المثاليَّة إلى غيبوبة الشيعة عن الحياة وافتقادهم للإمامة(٢٥٣) لعدم ظهور (الإمام المعصوم). وهذا ما شكَّل تناقضاً صارخاً مع فلسفة الإمامة التي تقول بوجوب الإمام في الأرض ووجوب كونه معصوماً ووجوب تعيين الله له في كلِّ زمان ومكان، من أجل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٩) أمَّا السرُّ في الغيبة ذلك لعدم استئصال سلسلة الحُجَج الإلهيَّة كما استأصلوا آباءه وزووهم ومنعوهم عن أداء أدوارهم في الرقيِّ بالبشريَّة نحو الكمالات، فقُتِلَ بعضهم بالسيف والبعض الآخر بالسُّمِّ.
(٢٥٠) واجب الشيعة في حال الغيبة هو أنْ يقوموا بجميع وظائفهم ومسؤوليَّاتهم الشرعيَّة، كما أنَّ النوَّاب العامِّين عليهم القيام بمسؤوليَّاتهم من تدبير وإدارة الأُمور العامَّة من خلال المرجعيَّة أو من خلال إقامة الحكم العلني الرسمي.
(٢٥١) إنَّ تاريخ الشيعة الاثني عشريَّة حافل بقيام الدُّوَل والثورات السياسيَّة والنهضات الإصلاحيَّة، وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الاجتماعي والسياسي قائمٌ غير مقفل بضرورة مذهب الإماميَّة. وسيأتي ذكر قائمة أقوال الفقهاء من المتقدِّمين إلى متأخِّري الأعصار في مقالة الأخ محمّد منصور.
(٢٥٢) سيأتي في مقالة الأخ محمّد منصور بأنَّ القول بولاية الفقيه والنيابة عن المعصوم وقيامه بوظائف الدولة التزم به الكليني والصدوق والمفيد وغيرهم من المتقدِّمين إلى متأخِّري الأعصار، وسيأتي نقل كلماتهم.
(٢٥٣) إذاً فأيُّ شيء هي الدولة البويهيَّة، وأيُّ غياب هي الدولة الحمدانيَّة والصفويَّة وأيُّ غياب هذا لاتِّساع رقعة الشيعة في البلدان المترامية؟ فهي ثاني أكبر طائفة إسلاميَّة في المسلمين بلحاظ أنَّ الطائفة السُّنّيَّة بكلِّ مذاهبها طائفة واحدة.

↑صفحة ٢٦٥↑

تطبيق الشريعة الإسلاميَّة وقيادة المسلمين والإفتاء لهم وحلِّ مشاكلهم التشريعيَّة(٢٥٤).
وكان الشيعة الإماميَّة (الموسويَّة) قد خاضوا تجربة مرَّة مماثلة مع (الحركة الواقفيَّة)(٢٥٥) التي ادَّعت غيبة الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، ووقفت منها موقفاً رافضاً، وذلك لتناقض الغيبة مع فلسفة الإمامة، حيث قال لهم الإمام عليُّ بن موسى الرضا (عليه السلام):
«سبحان الله! يموت رسول الله ولا يموت موسى! قد والله مضى كما مضى رسول الله».
واتَّهم الواقفيَّة الذين زعموا أنَّ أباه لم يمت، بالكذب والكفر بما أنزل الله (عزَّ وجلَّ) على محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقال:
«لو كان الله يمدُّ في أجل أحد من بني آدم لحاجة الخلق إليه لمدَّ الله في أجل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٢٥٦)».
وأخذ الإمام الرضا يناقش (الواقفيَّة) في معنى الإمام وفائدة قولهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٤) أيُّ تناقض بين نيابة الفقيه عن المعصوم وعقيدة الإمامة الإلهيَّة؟ بل هو كمال الترابط والتبعيَّة.
(٢٥٥) أيُّ مماثلة بين الواقفيَّة والاثني عشريَّة؟ فإنَّ الواقفيَّة قد استيقنوا بدفن جثمان الإمام الكاظم (عليه السلام)، وأنَّ قولهم إنكارٌ لإمامة الرضا (عليه السلام) ولبقاء الإمامة في الأرض، بينما الإمامة هي عقيدة ببقاء الإمامة وضرورتها، وظهوره (عجَّل الله فرجه) وإنْ طال الزمن، كما هي البشائر النبويَّة المرويَّة عند الفريقين.
(٢٥٦) وأمَّا قول الإمام الرضا (عليه السلام) إنكارٌ على الواقفيَّة في قولهم بانقطاع الإمامة بعد تيقُّنهم بدفن جثمان الإمام الكاظم (عليه السلام). وليس هو (عليه السلام) في صدد نفي الحاجة للإمام والإمامة الإلهيَّة ولبقاء سلسلة حُجَج الله على الأرض، وإنَّما هو في صدد نفي التلازم بين ضرورة وجود الحجَّة في الأرض وضرورة شخص فردٍ من سلسلة الحُجَج بعد فرض إمكان مجيء فرد آخر من تلك السلسلة.

↑صفحة ٢٦٦↑

بالإمامة إذا كانوا يُعلِّقون التزامهم بإمام غائب لا وجود له في الحياة(٢٥٧)، ويُنبِّههم إلى ضرورة التفاعل مع الإمام الحيِّ الظاهر، وينقل عن آبائه قولهم: إنَّ الحجَّة لا تقوم لله على خلقه إلَّا بإمام حيّ يُعرَف. ومن مات بغير إمام مات ميتة جاهليَّة.. إمام حيّ يعرفه. وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من مات وليس له إمام يسمع له ويطيع مات ميتة جاهليَّة». ومن مات وليس عليه إمام حيّ ظاهر مات ميتة جاهليَّة.. إمام حيّ(٢٥٨).
ممَّا يكشف عن رفض الإمام الرضا (عليه السلام) لنظريَّة الغيبة في أيَّام الإمام، وذلك لسقوط الحجَّة عن الناس في حالة الغيبة، وضرورة حضور الإمام بينهم ومعرفتهم له، والاستماع إليه وطاعته، والتفاعل معه، إذا كان يجب على الله أنْ يبعث إماماً من قبله.
إذن فإنَّ الغيبة تُشكِّل تناقضاً صارخاً مع (ضرورة وجود الإمام) الذي يفترض أنْ يتصدَّى لقيادة المسلمين، ولا يجوز له أنْ يغيب عن الساحة. فإذا قلنا مثلاً: إنَّ الدولة يجب أنْ تُعيِّن ضابطاً للمرور في التقاطع الفلاني ورأيناه غائباً والمرور مشتبكاً، فإنَّ غيابه يُشكِّل تناقضاً مع قولنا: (لا بدَّ أنْ تُعيِّن الدولة ضابطاً)، ولا يفيد وجوده خلف ستار الغيب، لأنَّ المرور أصبح مشتبكاً ومعقَّداً وفوضويًّا. وهذا أمر عقلي بديهي وواضح، لا يمكن التغاضي عنه، أو تجاهله أو تبريره ببعض الأخبار الضعيفة(٢٥٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٧) ليس في إنكار الرضا (عليه السلام) عليهم في فائدة الإمام مع غيبته، كيف وهو يروي عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «اللَّهُمَّ بلى لا تخلو الأرض من حجَّة لله قائم إمَّا ظاهر مشهوراً أو خائفاً مضموراً، لئلَّا تبطل حُجَج الله وبيِّناته»؟
(٢٥٨) ذكرنا أنَّه إمام حيّ يُعرَف بنسبه واسمه لا بتمييز شخصه في الخارج، فإنَّنا نعتقد بنبوَّة عيسى (عليه السلام) حيٌّ في السماء معروف من دون أنْ نُميِّز شخصه.
(٢٥٩) انتظر المثال الذي سيأتي به الأخ محمّد منصور. وسيأتي بيان أنَّ الإمام يمارس دوره في التأثير على الأُمَّة في حالة خفاء هويَّته على الآخرين.

↑صفحة ٢٦٧↑

ولكن أركان نظريَّة (الغيبة) رفضوا استخدام العقل هنا بالرغم من استخدامه في تثبيت المقدَّمات الأُولى: (ضرورة وجود الإمام، وضرورة كونه معصوماً، وضرورة كونه معيَّناً من قِبَل الله)، وقد أخرج أحمد بن إسحاق القمِّي (أحد أركان نظريَّة الغيبة) كتاباً عن (الإمام الحجَّة ابن الحسن) قال: إنَّه أرسله إليه جواباً عن رسالة كان قد بعثها إليه واستفسر فيها عن علَّة الغيبة وقد جاء في ذلك الكتاب (التوقيع): «لا تسألوا عن أشياء إنْ تبد لكم تسؤكم(٢٦٠)»! وبناءً على ذلك فقد قال الشيخ الصدوق: (إنَّ الله لا يُسأَل عمَّا يفعل وهم يُسأَلون. ولا يقال له: لِـمَ؟ ولا كيف.. وهكذا إظهار الإمام إلى الله الذي غيَّبه، فمتى أراده أذن فيه فظهر).
وقال أيضاً: (لا يصحُّ إيمان عبد حتَّى لا يجد في نفسه حرجاً ممَّا قضى ويُسلِّم في جميع الأُمور تسليماً ولا يخالطه شكٌّ ولا ارتياب، والإسلام هو الاستسلام والانقياد، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]).
وروى الصدوق حديثاً عن الإمام الصادق (عليه السلام) يعتذر فيه عن بيان وجه الحكمة في (غيبة صاحب الأمر)، وذلك لأمر لم يُؤذَن له بكشفه للناس، ويقول: «إنَّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلَّا بعد ظهوره.. وإنَّه أمر من أمر الله وسرٌّ من سرِّ الله وغيب من غيب الله».
ورفض الشيخ المفيد سلوك طريق العقل والاعتبار في التحرِّي عن سبب الغيبة، وقال: (إنَّ المصلحة لا تُعرَف إلَّا من جهة علَّام الغيوب المطَّلع على الضمائر والعالم بالعواقب الذي لا تخفى عليه السرائر...).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٠) اعترافه بأنَّ أحمد بن إسحاق وهو من أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام) وهو من القائلين بالغيبة يناقض ما تقدَّم منه من أنَّ القول بالغيبة حدث بعد نصف قرن أو قرن من وفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) على يد الصدوق والنعماني ومن في طبقتهم من علماء الشيعة.

↑صفحة ٢٦٨↑

وطالب الكراجكي الشيعة بالكفِّ عن التفكير(٢٦١) في هذه المسألة، بعد الإيمان بوجود الإمام وعصمته وأنَّه لا يفعل شيئاً إلَّا بإذن الله، والتسليم لكلِّ خطوة أو فعل أو موقف يتَّخذه (الإمام المعصوم) حتَّى مع عدم معرفة الأسباب والأغراض، قال: (إنَّه ليس يلزمنا معرفة هذا السبب، ولا يتعيَّن علينا الكشف عنه، ولا يضرُّنا عدم العلم به).
ونفى الشيخ الطوسي الحاجة إلى تكلُّف الكلام في سبب غيبة الإمام بعد ثبوت وجوده.
وبعد اعتراف أركان نظريَّة (الغيبة) بعدم وجود تفسير معقول(٢٦٢) أكيد للغيبة، لا تبقى حاجة لمناقشة الروايات والنظريَّات المختلفة التي قدَّموها لتبرير الغيبة بالحكمة المجهولة أو بتمحيص الشيعة وغربلتهم، أو بخوف صاحب الزمان على حياته من القتل، فإنَّ رواتها غلاة وضعاف، ومضمونها لا ينطبق على (محمّد بن الحسن العسكري)(٢٦٣).
وقد أعرض معظم الكُتَّاب الذين ألَّفوا حول الغيبة كالمفيد والمرتضى والطوسي عن تبنِّي نظريَّة (التمحيص) ما عدا الشيخ الصدوق الذي اهتمَّ بها بعض الشيء وإنْ لم يتبنَّها تبنِّياً كاملاً، خاصَّةً بعد انقراض الجيل الأوَّل الذي تعرَّض للتمحيص حتَّى لم يبقَ منه أحد(٢٦٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦١) ليس في عبارته الكفُّ عن التفكير يا مدلِّس، وإنَّما فيه النهي عن الاستعجال في الأمر.
(٢٦٢) قد ذكر المفيد في الرسائل الخمسة التي عقدها في الغيبة والسيِّد المرتضى في (الشافي)، والشيخ في (تلخيص الشافي) وغيرهم من العلماء كالخاجة نصير الدِّين في (التجريد) قد ذكروا وجوهاً متعدِّدة محتملة في الغيبة، وأنَّها لا تنافي قيامة بدوره ومسؤليَّاته الإلهيَّة.
(٢٦٣) لا يتحرَّج الكاتب في قذف رواة الشيعة بالأباطيل، كيف لا وهو يقول في كتابه حول المهدي: إنَّ محمّد بن زياد مهمل، وعبد الله بن مسكان ضعيف؟
(٢٦٤) وهذا اعتراف ثانٍ من الكاتب بأنَّ القول بالغيبة وولادة المنتظر (عجَّل الله فرجه) هو قول الإماميَّة من عهد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) خلافاً لما يُكرِّره من أنَّه قول حادث بعد نصف قرن أو قرن.

↑صفحة ٢٦٩↑

وأرى من الضروري التوقُّف فقط عند نظريَّة الخوف التي فسَّر بها بعض المتكلِّمين كالسيِّد المرتضى والشيخ الطوسي والكراجكي حالة (الغيبة). وقد اعتمد القائلون بنظريَّة الخوف على مجموعة روايات ضعيفة السند وعامَّة لا تُحدِّد اسم القائم، وهي مرويَّة عن زرارة عن الإمام الصادق (عليه السلام) قبل أكثر من مائة عام من وفاة الإمام الحسن العسكري(٢٦٥).
ولم يمكن اللجوء إلى نظريَّة الخوف في تفسير الغيبة إلَّا بعد القول بمجموعة من النقاط الافتراضية الوهميَّة كتحديد هويَّة الإمام المهدي من قبل، وهو أمر أثبتنا في الفصل الثاني عدم صحَّته(٢٦٦)، وكذلك افتراض وجود توتُّر سياسي بين البيت العلوي والبيت العبَّاسي الحاكم، وهذا ما سوف ننفيه في فصل آخر، والقول أيضاً بفكرة خاتميَّة المهدي للأئمَّة الاثني عشر، وهذه نظريَّة لم تكن موجودة في البداية وقد ظهرت في القرن الرابع الهجري(٢٦٧) والقول كذلك بحرمة(٢٦٨) استعمال الإمام المهدي للتقيَّة وإخفاء هويَّته حتَّى يوم ظهوره، وهو أمر لا ينسجم مع سياسة الأئمَّة السابقين ولا مبرِّر له.
ومع كلِّ ذلك فقد كانت نظريَّة الخوف بعيدة جدًّا عن أخلاق أهل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٥) وهذا اعتراف من الكاتب صريح أيضاً بوجود روايات قبل مائة عام من ميلاد الحجَّة دالَّة على ولادته وغيبته وأنَّه الثاني عشر، ومع ذلك يصفها بالضعف، والحال أنَّها فيها إعجاز بالإخبار عن شيء مستقبلي قد وقع. فكيف تكون ضعيفة؟ مع أنَّ الروايات المشار إليها متواترة في كُتُب الصدوق وغيبة الطوسي والنعماني وغيرها.
(٢٦٦) ما تقدَّم منه مجرَّد إنكار وجحود، وأنَّ الدولة العبَّاسيَّة سياستها ليِّنة مع البيت العلوي كما في تحليلاته الواهية المتقدِّمة.
(٢٦٧) عدَّة الأئمَّة الاثني عشر مرويَّة في الطُّرُق السُّنَّة والشيعة المتواترة عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وما في المتواتر عند الشيعة في أسمائهم وعدَّتهم.
(٢٦٨) الظاهر هنا أراد استعمال كلمة الوجوب فاستعمل الحرمة.

↑صفحة ٢٧٠↑

البيت (عليهم السلام) وحبِّهم للشهادة في سبيل الله(٢٦٩)، وهي تثير تساؤلات كبيرة حول السرِّ وراء عدم حفظ الله تعالى للمهدي، على فرض وجوده، كما حفظ النبيَّ موسى وأنجاه من فرعون، وكما حفظ الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المبشَّر به من قبل(٢٧٠).
وبالرغم من عدم تحديد الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام) لهويَّة المهدي من قبل، فإنَّ التسليم بهذه المقولة جدلاً يثير تساؤلاً عن السرِّ وراء إعلان أهل البيت لاسم القائم من قبل إذا كانوا يعرفون أنَّه سيتعرَّض للضغط؟ ولماذا لم يتركوه سرًّا لحين موعد القيام، حتَّى يُجنِّبوا المهدي ملاحقة الأعداء منذ الولادة والطفولة(٢٧١)؟
وإذا صحَّت نظريَّة الخوف من الأعداء فلماذا يستتر المهدي عن أوليائه(٢٧٢)؟ ولقد قام مئات الملايين من الشيعة عبر التاريخ بانتظار(الإمام المهدي) وإعلان الاستعداد لنصرته، وقامت لهم دول تتبنَّى الإيمان به، فلماذا لم يظهر مع ارتفاع الخوف بالتأكيد(٢٧٣)؟
وهذا سؤال طرحه بعض رؤساء الدولة البويهيَّة الشيعيَّة التي قامت في القرن الرابع الهجري، على الشيخ المفيد وطالبه بالإجابه عليه، فأحال المفيد الإجابة على الله وقال: (إنَّ سرَّ الغيبة لا يعلمه إلَّا هو)، واعترف فيه بكثرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٩) الخوف هاهنا ليس على نفسه الشريفة وإنَّما هو لئلَّا تبطل سلسلة حُجَج الله في أرضه، وخلافة الله في أرضه. هذا خوف على مصلحة الدِّين والأُمَّة.
(٢٧٠) الكاتب يطالب بتعديل الله (عزَّ وجلَّ) لسياسته مع البشر.
(٢٧١) لم تكن روايات أهل البيت منتشرة عند السلطات، وإنَّما كانت منتشرة عند خواصِّهم.
(٢٧٢) وذلك خشية تسرُّب الخبر، مع أنَّه ليس مخفيًّا عن جميع أوليائه.
(٢٧٣) من الواضح الجلِّي أنَّه لم يُكتَب لتلك الدُّوَل التفوُّق في القوَّة على الدُّوَل المعاصرة لها، ومن ثَمَّ لم يُكتَب لها البقاء. فليس قيامها مؤشِّراً لمؤاتاة الظروف.

↑صفحة ٢٧١↑

الشيعة في ظلِّ الدولة البويهيَّة، ولكنَّه شكَّك في صدقهم وشجاعتهم وتقواهم.
والآن.. وبعد مضيِّ أكثر من ألف عام على القول بنظريَّة (الخوف) في تبرير (الغيبة).. وبعد سقوط عشرات الدول وقيام أضعافها، فإنَّ تلك النظريَّة تبدو بعيدة جدًّا عن الواقع وعارية عن أيَّة مصداقيَّة، ولا تُشكِّل سوى فرضيَّة وهميَّة لتبرير فرضيَّة وجود الإمام (محمّد بن الحسن العسكري) وتناقض غيبته مع مسؤوليَّة الإمامة الملقاة على كاهله من الله.
وهذا ما يُثبِت عدم صحَّة فرضيَّة ولادة ووجود (الإمام الحجَّة بن الحسن)، وإلَّا فلو كان حقًّا موجوداً لكان يجب عليه الظهور والقيام عند أوَّل فرصة تسمح له بذلك، وعدم جواز إبقاء الأُمَّة مهملة بدون قيادة شرعيَّة.
لقد طالب أصحاب نظريَّة الخوف: الشيعة، بأنْ يزيلوا الأسباب التي دفعت (الإمام المهدي) إلى الغيبة، وذلك بتمكينه وإعداد العُدَّة لنصرته، أو العزم على نصرته ومعاضدته والانقياد له والكفِّ عن نصرة الظالمين، ودعوته للخروج، وقال السيِّد المرتضى في (الشافي): (إنَّ المكلَّفين متمكِّنون ممَّا إذا فعلوه زالت تقيَّة الإمام وخوفه ووجب عليه الظهور.. وقد بيَّنَّا أنَّ سبب الغيبة هو فعل الظالمين وتقصيرهم فيما يلزم من تمكين الإمام فيه والإفراج بينه وبين التصرُّف فيهم، وبيّنَّا أنَّهم مع الغيبة متمكِّنون من مصلحتهم بأنْ يزيلوا السبب الموجب للغيبة ليظهر الإمام وينتفعوا بتدبيره وسياسته).
وقد زال الخوف اليوم وأزال الشيعة الأسباب التي دفعت الإمام إلى الغيبة، وأعدُّوا العُدَّة لنصرته وعزموا على معاضدته والانقياد له والكفِّ عن نصرة الظالمين، ودعوه للخروج، ولكنَّه لم يخرج! بالرغم من قول السيِّد المرتضى بوجوب الظهور عليه.

↑صفحة ٢٧٢↑

وقد رفض الشيخ الصدوق في (إكمال الدِّين) التصديق بقول الواقفيَّة في غيبة الإمام موسى الكاظم ومهدويَّته، لأنَّ عمره كان قد تجاوز يوم ذلك العمر الطبيعي المعهود، ومع ذلك فقد روى هو والطوسي روايات تقول بأنَّ عمر المهدي قد يطول مثل عمر نوح، وجواز أنْ ينقض الله العادة لضرب من المصلحة(٢٧٤).

* * *

ملاحظات سريعة على منهجيَّة أحمد الكاتب ونقدها:
حُرِّر بتاريخ (٢٠/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٧:٥٧) مساءً.
محمّد منصور عضو:
أُعاود توجيه النصيحة إلى من عرفته، أنْ لا تصطدم بأئمَّة أهل البيت(عليهم السلام) الثقل الثاني عِدل الثقل الأوَّل، وهو كتاب الله العزيز.
وبعد ذلك فأودُّ الإشارة المختصرة إلى المحاور التالية:
الأوَّل: أنَّك تنسب إلى نفسك التمسُّك بولاء أهل البيت (عليهم السلام) والمتابعة لهم وأخذ الفقه عنهم، فالعجب من كلامك هذا وإنكارك لإمامتهم، فما تصوُّرك عن معنى الولاء لهم؟ ولماذا المتابعة لهم وأخذ الفقه عنهم؟ وما هو تصوُّرك لحجّيَّة أقوالهم وأفعالهم، هل هم رواة وفقهاء مجتهدون كسائر الرواة والمجتهدين؟ فعلى ذلك قد ساويت بينهم وبين بقيَّة علماء المذاهب والفِرَق الأُخرى الإسلاميَّة، فلِمَ خصَّصت متابعتك وولاءك لهم وأخذ فقهك عنهم دون غيرهم، وحلالك وحرامك ودينك عنهم؟ وإنْ تصوَّرت حجّيَّتهم كخلفاء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٤) عبارة الصدوق في إكمال الدِّين (ص ٣٧): (إنَّ الله أبطل قولهم بإظهار موته - الكاظم (عليه السلام) - وموضع قبره ثمّ بقيام الرضا (عليه السلام) بالإمامة وظهور علاماتها فيه مع ورود النصوص عليه). ولم يقل الصدوق ما ادِّعاه الكاتب، هذا لكي يعرف القارئ الكريم إلى كم هي جرأة الكاتب في تزوير النسبة إلى المصادر، وتحريف الكلم عن مواضعه.

↑صفحة ٢٧٣↑

الله تعالى في أرضه أذهب عنهم الرجس وطهَّرهم من الزلل والجهل، وزوَّدهم بعلم لدنِّي من عنده وعلم الأسماء كلِّها ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ (البقرة: ١٢٤)، ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠)، ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ (الكهف: ٦٥)، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (الأنبياء: ٧٣)، ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة: ٥٥)، ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩)، فهذه إمامة إلهيَّة، وعهد إلهي.
وهذا الذي ذكرت لك أنَّك لا تُدقِّق بين منهج البحث وأداء النتيجة في البحوث التخصُّصيَّة.
الثاني: أنَّك تدَّعي أنَّ الفرقة الإماميَّة الاثني عشريَّة فرقة حادثة في القرن الثالث الهجري، وهم القائلون بالإمامة الإلهيَّة، وهي التي تعني أنَّ الإمامة وحجَّة الله في أرضه لا تنقطع إلى يوم القيامة، وهذه القضيَّة العقيديَّة الكبرى وردت عليها أحاديث نبويَّة، رواها أصحاب الصحاح من علماء السُّنَّة وعلماء الشيعة، كحديث الثقلين، وأنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض، أو أنَّ حجّيَّة العترة كحجّيَّة القرآن وأنَّه كما القرآن باقية حجَّته إلى يوم القيامة فكذلك حجّيَّة العترة وأنَّ وجودها باقٍ، وهذا المفاد الكبروي هو دليل قطعي بمقتضى هذا الحديث المتواتر على بقاء الإمامة والإمام ووجوده.
وهكذا حديث الأئمَّة اثنا عشر من قريش وغيرها من الأحاديث المتَّفق عليها بين الفريقين الدالَّة على كبرى بقاء الإمامة - لاحظ إحقاق الحقِّ، وملحقاته للسيِّد المرعشي -، وكذلك مفاد الآيات القرآنيَّة، كالآيات المتقدِّمة وآية التطهير وآية الإبلاغ في الغدير وآية المودَّة في القربى، وهم الذين أوكل لهم

↑صفحة ٢٧٤↑

الأموال العامَّة في آية الأنفال والفيء في سورتي الأنفال والحشر، ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ﴾ (الحشر: ٧)، الدالّ على كونهم حُكَّام الشريعة والناس، وغيرها من الآيات التي أحصاها علماء الإماميَّة وكيفيَّة الاستدلال بها بحسب موازين الدلالة والظهور، مضافاً إلى روايات نزولها بحسب روايات الفريقين.
فبقاء الإمامة الإلهيَّة دالٌّ عليها كتلك الأدلَّة الدالَّة على وجود ثلَّة باقية ما بقي القرآن والشريعة والتكليف للبشريَّة.
الثالث: عدم اعتدادك بأحاديث أهل السُّنَّة الدالَّة على إمامتهم، كما ذكرت ذلك في كتابك حول المهدي (عجَّل الله فرجه)، وهذا مضحك، لأنَّ خير الفضل ما شهدت به الخصوم، فإنَّه بعيد عن شبهة الدسِّ والوضع، وهذا القول منك دالٌّ على موازين حجّيَّة الخبر وكيف تتصاعد نسبة المطابقة للواقع في الخبر بحسب نظريَّة حساب الاحتمال الرياضي، وهو بحث من علم أُصول الفقه وعلم الدراية، ولكنَّه يحتاج إلى تخصُّص واطِّلاع علمي، والأعجب دعواك لزوم دراسة الأحاديث مع عدم معرفتك بموازين حجّيَّة الخبر، وهل البحث العلمي بحسب التشهِّي والانفعال النفسي؟
الرابع: تصوُّرك أنَّ معنى الإمامة هي وراثة نسبيَّة باللحم والدم، أو أنَّها زعامة سياسيَّة فقط كبقيَّة الزعامات السياسيَّة البشريَّة، وكتنظيم سياسي، أو حبوة بين الأرحام، والحال أنَّ الإمامة كمنصب إلهي كما هو مفاد قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ﴾ لم يُقيَّد بـ (في الأرض)، كما أنَّ قوله تعالى قبل ذلك في سورة البقرة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ ليس تقييداً لعنوان الخليفة والخلافة وإنَّما هو تقييد لمكان تواجد بدن الخليفة وكونه الجسدي، فهي تشمل إمامة الناس والثقلين لسعادة دار الدنيا ودار الآخرة، كما أنَّ اللفظ في ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ لم يُخصَّص بكونه نبيًّا ورسولاً.

↑صفحة ٢٧٥↑

وهي أي الإمامة والخلافة في ذرّيَّة إبراهيم، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٢٤)، أي في المعصومين عهد إلهي، والخليفة الإلهي والحجَّة والإمام مزوَّد بعلم لدنِّي، وهو علم الأسماء كلِّها الذي قصرت الملائكة أجمعون عن الإحاطة به كما في سورة البقرة، وقد كفر إبليس بسبب عدم تولِّيه وولاءه لخليفة الله تعالى في أرضه.
والزعامة السياسيَّة أحد شؤون خليفة الله وحجَّته في أرضه، فالاتِّصال بين الأرض والسماء لم ينقطع ولا ولن ينقطع إلى يوم القيامة، بينما في نظريَّة اليهود في قولهم: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (المائدة: ٦٤)، أنَّه انقطع تصرُّف وإدارة السماء لشؤون الأرض، ولا إرادة سمائيَّة حاكمة على أهل الأرض، فهم أرادوا قانوناً إلهيًّا على صعيد التنظير فقط من دون أنْ تتحكَّم السماء والإرادة الإلهيَّة في شؤون الأرض، بينما العقيدة الإسلاميَّة القرآنيَّة أنَّ يد التصرُّف الإلهي وإرادة السماء متنفِّذة في الأرض، فالوراثة معنويَّة لدنّيَّة، ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ (النمل: ١٦)، ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٣٣)، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (القَصص: ٦٨)، ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ (آل عمران: ٣٤)، والبحث يحتاج إلى بسط تخصُّصي كي تلتفت إلى أوَّليَّات محلِّ النزاع والاستدلال.
الخامس: أنَّك تحصر طريق العلم بولادة الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) بالروايات المتعرِّضة لكيفيَّة ولادته ومكانها وظروفها، وهي وإنْ كانت موجودة بأسانيد صحيحة في غيبة الشيخ الطوسي وإكمال الدِّين للصدوق وغيبة النعماني مثل ما عن الشيخ عن المفيد عن ابن قولويه عن العظام كالكليني وغيره من مراجع الطائفة

↑صفحة ٢٧٦↑

وأعلامها عن حكيمة عمَّة العسكري وغيرها من الطُّرُق المحتاج معرفة صحَّتها إلى التخصُّص في علم الرجال لا الاندفاع بسطحيَّة وعفويَّة عاطفيَّة إلى فتح كُتُب الرجال من دون إلمام بموازين الجرح والتعديل والضوابط العلميَّة. إلَّا أنَّ الحصر في إثبات ولادته بهذا الطريق والنسبة إلى الشيخ المفيد وغيره باستدلالهم بالطريق العقلي، تخبُّط غير علمي وتدليس للواقع والحقيقة، وأعجب كيف تريد أنْ تتحرَّى الحقيقة والنجاة لنفسك بالوصول للحقِّ، فإنَّ إثبات ولادته ووجوده قد ذكرناه في المحور الرابع أنَّه يمكن إثباته بالتلازم القطعي بين الأدلَّة النقليَّة والعقليَّة الدالَّة على بقاء الإمامة والإمام على وجه الأرض إلى يوم القيامة، كحديث الثقلين وأنَّهما لن يفترقا عن بعضهما إلى أنْ يردا الحوض، وغير ذلك من الأدلَّة على القضيَّة الكبرويَّة.
كما يمكن إثباته بطوائف مستفيضة أُخرى من الروايات ذكرها الصدوق في (إكمال الدِّين) والشيخ الطوسي في (الغيبة) والنعماني في كتاب (الغيبة)، بل وبعض علماء العامَّة أنَّ المهدي له غيبة تطول وأنَّ له غيبتين، أو النصوص الدالَّة على أنَّه ابن العسكري، والابن الرابع للرضا (عليه السلام)، أو الابن الخامس للكاظم (عليه السلام)، وغيرها، وقد استدلَّ بها الشيخ المفيد في (الإرشاد) والطبرسي في (إعلام الورى)، وغيرها.
السادس: أنَّك تطعن على الإماميَّة تارةً باتِّباعهم أحاديث الباطنيَّة، وأُخرى باتِّباع أحاديث الحشويَّة والظاهريَّة، وهذا تناقض في كلامك، فإنَّك لا تزن منهج البحث، وأنَّ الميزان ليس المادّيَّة الحسّيَّة ولا الغيب المطلق، بل كلٌّ من الشهادة والغيب والظهور، فتأويل المتشابه بالمحكم لا بدَّ منه، ولكن العذر عدم الاطِّلاع التخصُّصي بالعلوم الدِّينيَّة كميزان حجّيَّة الظهور وحدودها في علم أُصول الفقه، وميزان حجّيَّة التأويل في علم التفسير، ونشأة الغيب والشهادة في علوم المعارف، وغيرها.

↑صفحة ٢٧٧↑

السابع: نظريَّة الحكم والحكومة في الغيبة عند الشيعة الإماميَّة، ليست هي بإعطاء الأُمَّة الصلاحيَّة والولاية للحاكم كالفقيه، بل هي نيابة عن الإمام الثاني عشر الحيِّ المستتر، واستتاره عن الأنظار لا يعني عدم وجوده وعدم كونه وليًّا فعليًّا، بل هو وليُّ الأصل، ومعنى النيابة عنه هي تقيُّد الحاكم في حكومته بأقوال الأئمَّة المعصومين بما فيهم الإمام الثاني عشر في توقيعاته الصادرة عنه في الغيبة الصغرى، وكذا في أحكام القضاء وشرائطه بأقوالهم فيه، وكذا في الأحكام التنفيذيَّة الإجرائيَّة بأحكامهم (عليهم السلام)، كما أنَّ على الحاكم بالنيابة في زمن الغيبة أنْ يتحرَّى رضا الإمام الثاني عشر من خلال الأدلَّة الروائيَّة عنهم (عليهم السلام)، لكن ما هي الحيلة إنْ لم تكن من أهل التخصُّص في الفقه كي تفهم مباحث الفقه السياسي؟ هذا مضافاً إلى أنَّ معنى غيبته كما أشارت إليه الروايات وعلماء الإماميَّة كالمفيد والمرتضى والصدوق والطوسي ليس بمعنى عدم ممارسة دوره الإلهي بتوسُّط علمه اللدنِّي المزوَّد به من الله، وكذا دوره الاجتماعي والسياسي بتوسُّط منظومة رجال الغيب الذين يُصطَلح عليهم بتسمية الأبدال والأوتاد والسُّيَّاح الذين يُشكِّلون منظومة حكومته الخفيَّة التي تتحكَّم بمقادير الأُمَّة الإسلاميَّة، بل والبشريَّة لدرئها عن الانعطاف إلى الهاوية التامَّة، ولا عجب في ذلك فإنَّ القوى السياسيَّة الحقيقيَّة في هذا اليوم المعاصر، ليست هي الحكومات العلنيَّة الرسميَّة الظاهرة، بل هي الخفيَّة كتنظيم المخابرات الأمريكيَّة أو المخابرات الروسيَّة أو ألمانيا أو الماسونيَّة أو غيرها من القوى الخفيَّة، فالخفاء لا يعني عدم القدرة والوجود، بل يعني شدَّة القدرة ونفوذ الوجود، غاية الأمر أنَّ تنظيمه (عجَّل الله فرجه) السرِّي هي ما لا تقدر البشريَّة على اكتشافه، ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ (الكهف: ٦٥)، فهذه سورة الكهف تُنبأ المسلمين عن وجود أمثال الخضر صاحب موسى - أي

↑صفحة ٢٧٨↑

منظومة ومجموعة بشريَّة على وجه الأرض تقوم بمهامٍّ إلهيَّة -، وتذكر السورة نوع تلك المهامِّ الخفيَّة السرّيَّة الإلهيَّة، فالغيبة ليست بمعنى التعطيل عند الإماميَّة ولا العدم، بل السرّيَّة والتستُّر إلى أنْ يأذن الله تعالى بظهور تلك الحكومة الخفيَّة إلى العلن. والدعوى والتخيُّل الساذج بأنَّه ما الفائدة في ذلك؟ نجيبه بلزوم اليقظة من سباته البارد بمثل القوى التي تدير سياسة العالم هذا العصر، فإنَّها تكمن قوَّتها في سرّيَّتها إنْ كان السائل يفهم ألف باء السياسة والقوى والنظام البشري.
الثامن: عدم معرفتك باختلاف أقسام التواتر، فإنَّه ينقسم إلى دوائر متعدِّدة، فإنَّه تارةً بدائرة وسيعة وأُخرى متوسِّطة وثالثة صغيرة لا تنافي تحقُّق ضابطة التواتر، فمثلاً وقوع الحرب العالميَّة الأُولى متواتر لدى كافَّة البشر على وجه الأرض، وأمَّا وقوع حرب بدر فمتواتر بين المسلمين أو بالإضافة إلى الباحثين في التاريخ، وأمَّا قواعد اللغة العربيَّة وكافَّة علومها فمتواترة في حدود علماء الأدب واللغة العربيَّة وإنْ لم يطَّلع عامّة العرب أهل اللسان العربي على كافَّة قواعد ومسائل علوم اللغة العربيَّة فإنَّ جهلهم بها لا يضرُّ بتواترها لدى علماء اللغة فإنَّ التواتر متحقِّق بضابطته لديهم ولو في ضمن أدنى دوائر التواتر، فعلماء اللسان العربي حاملون لهذا التواتر وإنْ جهله عامَّة العرب، وهكذا الحال في تواتر حديث الغدير ونصوص الأئمَّة الاثني عشر وغيرها من الأحاديث فإنَّ التواتر بحمل علماء الرواة ولو بعضهم بقدر يُحقِّق ضابطة العدد - كمًّا وكيفاً - للتواتر وإنْ جهل تلك الأحاديث عامَّة الإماميَّة أو بعض رواتهم الآخرين، ويمكنك أنْ تستوضح ذلك بملاحظة مثال اللغة العربيَّة، فإنَّ الطفل الذي يُولَد من أب عربي لا يحيط باللغة في نشأته في الصغر ولا المراهقة حتَّى يكبر، ولعلَّه لا يحيط بها كلِّها إلى أنْ يموت ما دام لم يتخصَّص في علم اللغة، وإنَّما يتقن ويطَّلع

↑صفحة ٢٧٩↑

على بعض اللغة ومفرداتها وقواعدها، ولكن ذلك لا يضرُّ بتواتر اللغة الحامل له علماء التخصُّص اللغوي.
والحاصل أنَّك تزداد عندك التساؤلات والإشكالات والاعتراضات بسبب عدم إحاطتك بالعلوم التخصُّصيَّة كعلم الرجال والحديث وأبوابهما وغيرها من العلوم.
التاسع: قولك: إنَّ القرآن مصدر أوَّل، والأحاديث يجب أنْ تدرس، فهل تدبَّرت في الأدلَّة القرآنيَّة على الإمامة؟ ولِـمَ لا تذكر ما قالته الإماميَّة في هذا الصدد؟ وأرى أنَّك تخشى الفضيحة أمام آيات القرآن. فكيف تدَّعي أنَّه مصدر أوَّل وأنَّك قد نسيت ذكره سوى قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩)، دون بقيَّة الآيات: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ الشورى: ٣٨)، و﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ...﴾ (النساء: ٥٩)، وإلى ما قالته الإماميَّة في معنى التشاور من أنَّه بمعنى المداولة في المعلومات - بنك معلومات - والآراء لا السلطة الجماعيَّة والقيادة المشتركة، فارجع إلى كُتُب اللغة - إنْ كنت تُحسِن البحث اللغوي - في مادَّة شَوَر فإنَّها بمعنى الاختبار وتمحيص الآراء لإخراج الرأي الصواب، لا تحكيم الأكثريَّة وإنْ كان على الباطل، ولذلك سُمِّي المشتري في عقد البيع لأنَّه يختبر ويستعلم جودة المبيع والعوض، فالشورى بمعنى الفحص في الآراء والمداولة لها لاستخراج الرأي الصواب والمصيب لحكمة الواقع وإنْ كان هو على خلاف الكلِّ.
و(أمرهم) أي شؤونهم أي ما خُصِّص بهم لا ما هو خارج عن اختصاصهم كما في ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة: ٥٥)، الولاية العامَّة قد حصرتها الآيات في أُولي الأمر،

↑صفحة ٢٨٠↑

وغيرها: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (القَصص: ٦٨)، من الآيات الدالَّة على أنَّ الولاية العامَّة بيد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأُولي الأمر، ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ (النساء: ٨٣)، ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٦)، «من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه».
وأمَّا الاستشهاد باحتجاج عليٍّ (عليه السلام) بالشورى فهو إلزام لمعاوية ومن قبله من الخلفاء بما هو حجَّة لديهم:

فإنْ كنت بالشورى ملكت أُمورهم * * * فكيف بهذا والمشيرون غُيَّب

وما لك لا تبصر الخطبة الشقشقيَّة والخطبة القاصعة وغيرها من خُطَبه الناصة على جعل الله لهم منصب الإمامة الإلهيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة، وكلماته (عليه السلام) في خصائص العترة وحقِّهم الإلهي.
وتعبير الرضا (عليه السلام): «إنَّ من غصب جماعة بغير مشورة...» فالجماعة في رواياتهم كما في (أُصول الكافي) من كانوا على الحقِّ وإنْ كانوا أقلّيَّة، لا بمعنى الأكثريَّة، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً للهِ﴾ (النحل: ١٢٠)، كيف وقد وصف الله تعالى الأكثريَّة بـ (لا يعقلون) و(لا يفقهون)، وذمَّ الأكثريَّة كما في حديث الإمام الكاظم (عليه السلام) لهشام في أُصول الكافي (ج ١/ كتاب العقل).
وكذا قوله (عليه السلام): «لولا حضور الحاضر وقيام الحجَّة بوجود الناصر» ونحوهما من كلماته وكلمات الحسن (عليه السلام) وغيرهما من الأئمَّة (عليهم السلام)، فإنَّه لإعانة الأئمَّة المعصومين على تسلُّم مقاليد القوَّة، لا لأصل مشروعيَّة حكمهم (عليهم السلام).
العاشر: عدم التفاتك إلى أنَّ الأدلَّة العقليَّة على ضرورة الإمامة تلازم ضرورة وجود وبقاء الإمامة والإمام إلى يوم القيامة، وذلك للسطحيَّة في البحث والمباحث العقليَّة.

↑صفحة ٢٨١↑

الحادي عشر: دعواك طرح السؤال والأسئلة واقتراح الحوار مع عدَّة من علماء الإماميَّة فلم يجيبوك إلى عقد الحوار ولا أجابوك، وكفى بذلك كذباً ودجلاً، فكم حاورك من رجال الدِّين الإماميَّة في لندن وإيران وغيرها، وبينك وبين الله تعالى يوم يقوم الأشهاد لربِّ العالمين، ألَا تستحي من الكذب الصريح؟ وكيف تزعم مع ذلك أنَّك تتحرَّى الحقيقة؟ ولذلك أنصحك وإنِّي لعلى معرفة منك قريبة.
الثاني عشر: تهويلك في رسم الأحداث التاريخيَّة وأراجيفك في النقل عن الكُتُب الشيعيَّة بالتضليل وبمثل التعبير: فعصفت بالإماميَّة، أو أنَّ من اتِّبع جعفر الكذَّاب أكثر الإماميَّة، وغير ذلك، وأفحم دليل على زوبعتك اللفظيَّة كعادتك في الكتابة الصحفيَّة - أيَّام مجلَّة الشهيد - أنَّ الفرقة الإسلاميَّة التي تضرب بعددها في العالم الإسلامي كعِدل لأهل السُّنَّة هي الإماميَّة الاثنا عشريَّة.
الثالث عشر: دعواك أنَّ كُتُب الإماميَّة خالية من عدد الاثني عشر قبل القرن الثالث، فما أجهلك بعلم الحديث وفهارس الكُتُب، ونظرة واحدة إلى مئات الكُتُب التي يُلتَفت إليها بأدنى تتبُّع، المشحونة بالإشارة إلى إمامتهم والنصوصيَّة على ذلك بمختلف الدلالات المطابقيَّة والالتزاميَّة والتضمُّنيَّة والاقتضائيَّة والإشارة والإيماء وغيرها.
ولكن ما دواء العيِّ والجهل أو العناد للعقدة العاطفيَّة المبتلى بها؟ وما دواء عدم التخصُّص؟

* * *

لماذا لا نعرض الرواية التاريـخيَّة على التحقيق؟
حُرِّر (٢١/ ١٢/ ١٩٩٩م)، (٠٢:٢٩) مساءً.
أحمد الكاتب عضو:

↑صفحة ٢٨٢↑

قالوا قديماً: لا مناقشة في الأمثال، وإذا جاز لنا أنْ نضرب مثلاً حول وجود الإمام الثاني عشر فتعالَوا لنقف أمام هذا المثال:
رجل غني يدير أعمالاً اقتصاديَّة، وله وكلاء وموظَّفون.
يموت هذا الرجل في ريعان الشباب وقبل أنْ يتزوَّج أو دون أنْ يعترف بوجود وريث له من صلبه، فيتصارع أقاربه على تركته، في هذه الأثناء تتقدَّم إحدى سكرتيراته بالمطالبة بالإرث بدعوى الحمل والزواج السرِّي منه، ويبادر عدد من وكلائه وموظَّفيه إلى إنكار وفاته وادِّعاء اختفائه في ظروف غامضة، بينما يدَّعي عدد آخر من الوكلاء وجود ولد له في السرِّ ويدَّعون أنَّهم على علاقة سرّيَّة معه ويطالبون الزبائن بتسديد ديونه لهم.
نُفتِّش عن هذا الولد فلا نجد له أثراً في التاريخ.
نشكُّ في دعوى النوَّاب ونرفع القضيَّة إلى المحكمة.
ماذا يمكن أنْ تحكم المحكمة الشرعيَّة؟ هل تسارع إلى قبول الإشاعات والدعاوى، أم تبحث عن الدليل الشرعي الذي يُثبِت ولادة الطفل ووجوده وتوكيله لأُؤلئك النوَّاب والوكلاء؟
المستفيدون من دعوى وجوده كثيرون، ولهم مصالح مستمرَّة ماليَّة وسياسيَّة، ويرفضون التحقيق واللجوء إلى المحكمة للتأكُّد من دعاواهم، ويصرُّون على القول: إنَّ الشركة لا يُعقَل أنْ تبقى بلا مدير، ويفترضون أنَّ المدير السابق قد عيَّن مديراً سرّيًّا يدير الشركة من وراء حجاب، ولكنَّنا لا نرى غير الوكلاء يتصرَّفون في كلِّ شيء.
وإذا كان العقل والعرف والشرع يرفض الدعاوى المتَّهمة والمشكوك فيها، فتعالَوا نستمع إلى أدلَّة المثبتين لولادة ابن الإمام العسكري ونعرضها على

↑صفحة ٢٨٣↑

المحقِّقين والقضاة ليعطونا حكمهم فيها(٢٧٥).
يقول المثبتون لوجود ابن للإمام الحسن العسكري يفترض فيه أنْ يقود الأُمَّة الإسلاميَّة من قِبَل الله تعالى منذ سنة (٢٦٠) للهجرة، ولم يظهر حتَّى الآن، إنَّهم يعترفون أوَّلاً بأنَّ الظاهر من حياة الإمام العسكري وسيرته ينفي أنْ يكون له ولد، ولكنَّهم يقولون: إنَّ الظروف السياسيَّة لم تكن لتسمح للحسن العسكري بإعلان وجود ولد له، وإنَّ الخوف عليه من السلطات العبَّاسيَّة التي كانت تعلم من قبل أنَّه الإمام المهدي الذي سوف يزلزل عرشها، هو الذي أجبر الإمام على إخفاء أمر ولادة ابنه (المهدي المنتظر).
ثمّ يذكرون تفاصيل ولادة (محمّد بن الحسن العسكري) والظروف التي أحاطت بها وقَصص الذين شاهدوه والتقوا به في مختلف مراحل حياته أيَّام أبيه وبعد وفاته.
أُمُّ المهدي:
ويختلفون حول اسم أُمِّ المهدي، فبينما يقول الشيخ الأقدم ابن أبي الثلج البغدادي في (تاريخ الأئمَّة) والمسعودي في (إثبات الوصيَّة) والطوسي في (الغيبة) والمجلسي في (بحار الأنوار): إنَّ اسمها (نرجس)، يقول محمّد بن عليٍّ الصدوق في (إكمال الدِّين): إنَّ اسمها (مليكة)، وهي بنت يشوعا بن قيصر مَلِك الروم في ذلك الزمان، وإنَّها رأت الإمام الحسن العسكري في المنام فأحبَّته وتزوَّجته وهربت من أبيها الذي كان يريد تزويجها من ابن أخيه، ووقعت في الأسر حيث أرسل الإمام الهادي نخَّاساً لشرائها من سوق الرقيق في بغداد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٥) الكاتب في مثاله يقذف علماء الشيعة بكون دواعيهم جمع الأموال والحقوق الشرعيَّة من الأخماس، بينما ستأتي مقالة له: إنَّ علماء الشيعة المتقدِّمين قد عطَّلوا باب الخُمُس فلا يكون للحكومة الإسلاميَّة التي تقام في عصر الغيبة منبع مالي.

↑صفحة ٢٨٤↑

ولكن المسعودي يقول: إنَّها كانت جارية وُلِدَت في بيت بعض أخوات أبي الحسن عليِّ بن محمّد، وربَّتها في بيتها، فلمَّا كبرت وعبلت دخل أبو محمّد فنظر إليها فأعجبته، وطلب من عمَّته أنْ تستأذن أباه في دفعها إليه، ففعلت.
ويقول الصدوق في رواية أُخرى: إنَّ اسم أُمِّ المهدي هو (صقيل)، وإنَّها ماتت في حياة الحسن العسكري.
وهناك عدَّة أسماء أُخرى يذكرها المجلسي هي (سوسن) و(ريحانة) و(خمط)، وينقل عن الشهيد الأوَّل في (الدروس): أنَّها حرَّة، وأنَّ اسمها (مريم بنت زيد العلويَّة)(٢٧٦).
تاريخ ولادته:
ويختلفون حول تاريخ مولد (الإمام محمّد بن الحسن العسكري)، حيث أخذ قوم من الشيعة الأوائل بدعوى الجارية (نرجس) بالحمل بعد وفاة الإمام العسكري، وقالوا: إنَّها ولدت (المهدي) بعد ذلك بثمانية أشهر.
ويقول الشيخ المفيد في رسالة مولد الأئمَّة (ص ٦): إنَّه وُلِدَ في الثامن من شهر ذي القعدة سنة (٢٥٧) أو (٢٥٨هـ)، ويقول: إنَّه كان له عند وفاة أبيه سنتان وأربعة أشهر. كما يقول في (الفصول المختارة): إنَّه وُلِدَ في النصف من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٦) الاختلاف في الأسماء المحتفَّة بشخصيَّة في التاريخ، وغير ذلك من الجزئيَّات والتفاصيل أمر واقع في كلِّ الحوادث التاريخيَّة سواء في نقل المؤرِّخين أو نقل الرواة عند الفريقين، والأُمَم البشريَّة الأُخرى، كما هو الحال في أسماء أجداد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم). مضافاً إلى أنَّ تعدُّد الأسماء لشخص واحد أمر معهود في التاريخ الإسلامي، وقد ذكر كلٌّ من الشيخ الطوسي والصدوق والنعماني (قدّس سرّهم) وجوه الملائمة في الاختلاف في الروايات، فلاحظ. ثمّ إنَّه قد تعدَّد اسم الكاتب نفسه وكون أصله لاريًّا أو كربلائيًّا أو...، ومن عرق عربي أو فارسي أو... إلى غير ذلك من الأُمور التي لا تدعو إلى نسف وجوده عن وجه الأرض.

↑صفحة ٢٨٥↑

شعبان من سنة (٢٥٥هـ)، ويقول في رواية أُخرى: إنَّه وُلِدَ سنة (٢٥٢هـ)، وكان سنُّه عند وفاة أبيه ثماني سنوات.
ولكن الشيخ الصدوق يقول في (إكمال الدِّين): إنَّ مولده كان في (٨) شعبان سنة (٢٥٦هـ).
أمَّا الشيخ الطوسي فيقول في (الغيبة): إنَّه وُلِدَ في النصف من رمضان، دون أنْ يُحدِّد السنة، ويتَّفق في رواية أُخرى مع الشيخ المفيد في أنَّه وُلِدَ في النصف من شعبان سنة (٢٥٥هـ).
وكان من الطبيعي أنْ تختلف هذه الروايات في تحديد تاريخ مولد شخص تقول: إنَّه وُلِدَ بصورة سرّيَّة وظلَّ أمره مخفيًّا.
كيفيَّة ولادته:
يعتمد الصدوق والطوسي والمسعودي والخصيبي الذين يروون قصَّة ولادة الإمام (المهدي) على رواية واحدة ينسبونها إلى حكيمة (أو خديجة) عمَّة الإمام العسكري، وتقول فيها:
بعث إليَّ أبو محمّد الحسن بن عليٍّ، فقال: «يا عمَّة، اجعلي إفطاركِ هذه الليلة عندنا، فإنَّها ليلة النصف من شعبان، فإنَّ الله تبارك وتعالى سيُظهر في هذه الليلة الحجَّة»، قالت: فقلت له: ومَنْ أُمُّه؟ فقال لي: «من نرجس»، قلت له: جعلني الله فداك ما بها أثر، فقال: «هو ما أقول لكِ».
قالت: فجئت، فلمَّا سلَّمت وجلست جاءت تنزع خفِّي، وقالت لي: يا سيِّدتي وسيِّدة أهلي كيف أمسيتِ؟ فقلت لها: بل أنتِ سيِّدتي وسيِّدة أهلي، قالت: فأنكرت قولي، وقالت: ما هذا يا عمَّة؟! فقلت لها: يا بنيَّة، إنَّ الله تعالى سيهب لكِ في ليلتكِ هذه غلاماً سيِّداً في الدنيا والآخرة، قالت: فخجلت واستحيت، فلمَّا أنْ فرغت من صلاة العشاء الآخرة أفطرت أخذت مضجعي

↑صفحة ٢٨٦↑

فرقدت، فلمَّا كان في جوف الليل قمت إلى الصلاة، ففرغت من صلاتي، وهي نائمة ليس بها حادث، ثمّ جلستُ معقِّبة، ثمّ اضطجعت، ثمّ انتبهت فزعة وهي راقدة، ثمّ قامت فصلَّت ونامت.
قالت حكيمة: وخرجت أتفقَّد الفجر،