فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عند الإمام الصادق (عليه السلام)
 كتب المركز

الكتب غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عند الإمام الصادق (عليه السلام)


غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عند الإمام الصادق (عليه السلام)

تأليف: السيد ثامر هاشم العميدي
تقديم وتحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
الطبعة الأولى: ١٤٤٤هـ

رقم الإصدار: ٢٧٣

الفهرس

مقدَّمة المركز..................٣
المُقَدَّمةُ..................٧
الباب الأوَّل: في معرفة الإمام الغائب (عجَّل الله فرجه) قبل ولادته..................١٧
الفصل الأوَّل: دعم الإمام الصادق (عليه السلام) للعقيدة المهدويَّة وبيان حكم من أنكرها..................١٩
الأمر الأوَّل: ثبوت أصل العقيدة المهدويَّة، ودعمها..................١٩
الأمر الثاني: بيان حكم من أنكر أصل العقيدة المهدويَّة..................٢٥
الفصل الثاني: ترسيخ الإمام الصادق (عليه السلام) للقواعد الكاشفة عن هويَّة الإمام الغائب..................٣٥
القاعدة الأُولى: قاعدة العصمة والمرجعيَّة العلميَّة والسياسيَّة لأهل البيت (عليهم السلام)..................٣٦
حديث الثقلين وأثره في بلورة القاعدة..................٣٧
أوَّلاً: صحَّة الحديث وبيان تواتره..................٣٧
ثانياً: مَنْ صحَّح الحديث من العلماء..................٤٢
ثالثاً: علم الصحابة بالمعنيِّين بحديث الثقلين..................٤٧
رابعاً: تأكيد الإمام الصادق (عليه السلام) على حديث الثقلين..................٥٤
خامساً: دلالة حديث الثقلين..................٥٦
القاعدة الثانية: قاعدة حصر الأئمَّة باثني عشر أوصياءً كلِّهم من عترة النبيِّ أهل بيته (صلّى الله عليه وآله وسلّم)..................٥٩
القاعدة الثالثة: قاعدة التسلسل العمودي للإمامة بعد الإمام الحسين (عليه السلام)..................٦٥
القاعدة الرابعة: عدم خلوِّ الأرض من إمام من الأئمّة الاثني عشر مطلقاً..................٦٧
القاعدة الخامسة: قاعدة وجوب معرفة إمام الزمان من أهل البيت (عليهم السلام)..................٧٤
الفصل الثالث: تشخيص الإمام الصادق (عليه السلام) لهويَّة الغائب، وكيفيَّة الانتفاع به في غيبته..................٨١
أوَّلاً: منهج الإمام الصادق (عليه السلام) في تشخيص هويَّة الإمام الغائب (عجَّل الله فرجه)..................٨١
الأُسلوب الأوَّل: أُسلوب التمثيل والتشبيه لتقريب الهويَّة: ..................٨٣
المستوى الأوَّل: مستوى من لم يعاصر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)..................٨٣
المستوى الثاني: [مستوى من عاش حدث الولادة للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)]..................٨٦
الأُسلوب الثاني: أُسلوب التصريح في بيان الهويَّة..................٩٠
ثانياً: بيان الإمام الصادق (عليه السلام) لكيفيَّة الانتفاع بالحجَّة الغائب (عجَّل الله فرجه)..................٩٩
الباب الثاني: غيبة الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) قبل حدوثها..................١٠٥
الفصل الأوَّل: في العناية بالغيبة وبيان معطياتها..................١٠٧
أوَّلاً: أسرار العناية بالغيبة في الحديث الشريف..................١٠٧
ثانياً: الغيبة في مؤلَّفات الشيعة..................١٠٨
ثالثاً: علم الشيعة بالغيبة قبل حدوثها..................١١٢
رابعاً: إخبار الإمام الصادق (عليه السلام) بالشيء قبل وقوعه، وعلم الغيب..................١١٤
خامساً: مكوِّنات الوحدة الموضوعيَّة للغيبة عند الإمام الصادق (عليه السلام)..................١١٦
الفصل الثاني: تأكيد الإمام الصادق (عليه السلام) على غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وطولها..................١١٩
أوَّلاً: تأكيد الإمام الصادق (عليه السلام) على غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)..................١١٩
ثانياً: تصريح الإمام الصادق (عليه السلام) بطول غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)..................١٢٤
ثالثاً: تصريح الإمام الصادق (عليه السلام) بأنَّ للمهدي (عجَّل الله فرجه) غيبتين (صغرى وكبرى)..................١٢٥
الفصل الثالث: في بيان ما مطلوب في زمان الغيبة..................١٣٣
أوَّلاً: الوصيَّة بعدم إنكار الغيبة، والنهي عن الانحراف، ولزوم التصديق..................١٣٣
ثانياً: وجوب الثبات على الولاية في زمن الغيبة..................١٣٥
ثالثاً: التأكيد على انتظار الإمام الغائب (عجَّل الله فرجه) في غيبته..................١٣٨
١ - توقُّف قبول العمل على الانتظار..................١٣٩
٢ - وصف المنتظِرين بأنَّهم من الأولياء..................١٣٩
٣ - منزلة المنتظِر لإمام الزمان (عجَّل الله فرجه)..................١٤٠
٤ - ما يجب أنْ يتحلَّى به المنتظِر، وبيان أجر انتظاره..................١٤٠
٥ - توجُّع المنتظِر وحزنه وبكاؤه على المهدي (عجَّل الله فرجه) في غيبته..................١٤١
٦ - النهي عن قسوة القلوب في فترة الانتظار..................١٤١
٧ - تهيئة وسائل القوَّة في فترة الانتظار..................١٤٢
٨ - ضرورة إعطاء العهد والبيعة للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في غيبته..................١٤٢
٩ - طلب الرجعة في الدعاء في حال الموت قبل ظهوره (عجَّل الله فرجه)..................١٤٣
١٠ - الإكثار من الدعاء في فترة الانتظار..................١٤٣
أ - الدعاء بالثبات على الدِّين في زمان الغيبة..................١٤٣
ب - الدعاء بطلب المعرفة المنجية من الضلال..................١٤٤
ج - الدعاء المعبِّر عن الشوق والمحبَّة للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)..................١٤٤
د - الدعاء للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بتعجيل الفرج..................١٤٥
هـ - الدعاء للمهدي بكلِّ خير، وتمنِّي رؤيته (عجَّل الله فرجه)..................١٤٥
و - الدعاء لنيل شرف خدمة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ونصرته..................١٤٦
رابعاً: الكشف عن حال الناس في زمان الغيبة لأخذ العِظة والعبرة..................١٤٦
الفصل الرابع: في بيان الإمام الصادق (عليه السلام) عِلَل الغيبة وما يرافقها من تمحيص واختبار..................١٤٩
أوَّلاً: عِلَل الغيبة..................١٤٩
العلَّة الأُولى: الخوف من القتل..................١٤٩
العلَّة الثانية: لكي لا تكون في عنق المهدي (عجَّل الله فرجه) بيعة لأحد..................١٥١
العلَّة الثالثة: السُّنَن التاريخيَّة..................١٥٢
العلَّة الرابعة: وهي علَّة خافية لم يُؤذَن بكشفها..................١٥٢
ثانياً: أحاديث التمحيص والاختبار، وبيان فلسفتها..................١٥٣
أحاديث التمحيص والاختبار..................١٥٣
فلسفة التمحيص والاختبار..................١٥٥
الباب الثالث: دور الإمام الصادق (عليه السلام) في ردِّ الشُّبُهات المثارة حول الغيبة والغائب..................١٥٩
تمهيد..................١٦١
الفصل الأوَّل: شبهة الكيسانيَّة بمهدويَّة محمّد بن الحنفيَّة (رضي الله عنه)..................١٦٥
أوَّلاً: أسباب ظاهرة ادِّعاء المهدويَّة في التاريخ..................١٦٥
ثانياً: براءة ابن الحنفيَّة (رضي الله عنه) من القول بمهدويَّته..................١٦٧
ثالثاً: اعتراف ابن الحنفيَّة بإمامة السجَّاد (عليه السلام)، ونفي الإمامة عن نفسه..................١٦٨
رابعاً: من روَّج له المهدويَّة والإمامة بعد وفاته..................١٦٩
لقاء السيِّد الحميري الكيساني بالإمام الصادق (عليه السلام)..................١٧٠
السيِّد الحميري يُودِّع كيسانيَّته ويتعرَّف على هويَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)..................١٧١
مع قصيدة السيِّد الحميري التي سجَّل فيها اعترافه بالحقِّ..................١٧٢
الكشف عمَّا في قصيدة السيِّد الحميري من دلالات..................١٧٤
خامساً: ملاحقة الإمام الصادق (عليه السلام) لحُجَج الكيسانيَّة ونسفها..................١٧٦
الفصل الثاني: شبهة مهدويَّة عمر بن عبد العزيز الأُموي المرواني..................١٧٩
أوَّلاً: الآثار الموضوعة في مهدويَّته..................١٧٩
ثانياً: كذبهم على الإمام الباقر (عليه السلام) في دعم تلك المهدويَّة..................١٨١
ثالثاً: ردُّ أُكذوبتهم على الإمام الباقر (عليه السلام)..................١٨٢
رابعاً: الأقوال الواردة في مهدويَّة عمر بن عبد العزيز..................٢٠١
خامساً: من ردَّ هذه الأقوال ورفضها من العامَّة..................٢٠٢
سادساً: المهدويَّة الأمويَّة المروانيَّة في الميزان..................٢٠٣
سابعاً: موقف الإمام الصادق (عليه السلام) من تلك المهدويَّة..................٢١١
الفصل الثالث: شبهة مهدويَّة محمّد بن عبد الله الحسني..................٢١٥
أوَّلاً: منشأ هذه الشبهة وتداعياتها..................٢١٥
ثانياً: موقف الإمام الصادق (عليه السلام) من مهدويَّة الحسني..................٢٢٤
إخباره (عليه السلام) القيادة الحسنيَّة بنتائج تلك الدعوى وقتل صاحبها..................٢٢٧
تفهيم الناس بمصير المهدي الحسني ومهدويَّته..................٢٣٠
تأكيده (عليه السلام) على سبق دعوى المهدويَّة لزمان المهدي (عجَّل الله فرجه)..................٢٣٣
بيان الاختلاف بين هويَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وهويَّة المهدي الحسني..................٢٣٤
١ - الاختلاف في اسم الأب، والكنية..................٢٣٥
٢ - الاختلاف في النسب من جهة الأب..................٢٣٧
لماذا حصر الإمامة والمهدي في ذرّيَّة الحسين دون الحسن (عليهما السلام)؟..................٢٣٩
٣ - الاختلاف من جهة الأُمِّ اسماً ونسباً..................٢٤٠
ثالثاً: من نتائج توعية الإمام الصادق (عليه السلام)..................٢٤١
الفصل الرابع: دعوى مهدويَّة المهدي العبَّاسي محمّد بن عبد الله المنصور..................٢٤٥
أوَّلاً: من كان وراء القول بمهدويَّته..................٢٤٥
١ - أبو جعفر المنصور..................٢٤٥
٢ - الوضَّاعون..................٢٥٠
الأحاديث الموضوعة في ترويج مهدويَّة المهدي العبَّاسي..................٢٥١
٣ - الشعراء: ..................٢٥٨
ثانياً: شخصيَّة المهدي العبَّاسي في الميزان..................٢٦٠
ثالثاً: موقف الإمام الصادق (عليه السلام) من المهدويَّة العبَّاسيَّة..................٢٦٢
١ - الأمر بالتقيَّة من بني العبَّاس..................٢٦٣
٢ - الأمر بكتمان أمر أهل البيت (عليهم السلام) عن العبَّاسيِّين..................٢٦٤
٣ - الأمر بالابتعاد عن العبَّاسيِّين وقضاتهم في المرافعات ووصفهم بالطاغوت..................٢٦٤
٤ - أحاديثه (عليه السلام) الواردة في ذمِّ بني العبَّاس صراحةً..................٢٦٥
٥ - تذكير الإمام الصادق (عليه السلام) الأُمَّة بهويَّة المهدي (عجَّل الله فرجه)..................٢٦٧
الفصل الخامس: موقف الإمام الصادق (عليه السلام) من المهدويَّات الأُخرى..................٢٦٩
أوَّلاً: موقفه (عليه السلام) من قول الناووسيَّة بمهدويَّته..................٢٦٩
ثانياً: موقفه (عليه السلام) من قول الواقفيَّة بمهدويَّة الإمام الكاظم (عليه السلام)..................٢٧١
ثالثاً: دوره (عليه السلام) في تشخيص المهدويَّات الباطلة كلِّها..................٢٧٥
بيان علامات ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)..................٢٧٧
المراد بقتل النفس الزكيَّة كعلامة من علامات الظهور..................٢٨٠
بيان التطوُّر العلمي في زمان الظهور..................٢٨٢
بيان سيادة الإسلام في زمان الظهور على كلِّ الأديان..................٢٨٣
الفصل السادس: دور الإمام الصادق (عليه السلام) في ردِّ الشُّبُهات الأُخرى..................٢٨٧
أوَّلاً: شبهة طول العمر وجوابها في قول الإمام الصادق (عليه السلام)..................٢٨٨
ثانياً: شبهة القول بعدم الولادة، أو الوفاة بعد حصولها..................٢٩١
ثالثاً: شبهة حول استمرار وجوده الشريف..................٢٩٢
رابعاً: شبهة حول هويَّة الإمام الغائب (عجَّل الله فرجه)..................٢٩٣
خامساً: شبهة جواز تأخير الاعتقاد بالمهدي (عجَّل الله فرجه) إلى زمان ظهوره..................٢٩٤
سادساً: شبهة جعفر الكذَّاب عمِّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)..................٢٩٦
سابعاً: شُبهتهم حول لفظ (القائم) ولفظ (المهدي)..................٢٩٨
ثامناً: الشُّبهة الواردة حول سيرته (عجَّل الله فرجه)..................٢٩٩
تاسعاً: شُبُهات حول الغيبة..................٣٠٠
الخلاصة..................٣٠٧
المصادر والمراجع..................٣١١

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدَّمة المركز:
لا يخفى ما تملكه العقيدة المهدويَّة من حضور كبير ومن مكانة بارزة في الرؤية الاستشرافيَّة للدِّين الإسلامي والديانات الأُخرى، ولأجل ذلك تناولتها أقلام الباحثين والمختصِّين بالبحث والتحليل، وأبرزت الكثير من جوانبها وتفاصيلها التي ترتبط بها، ولم يكن الأمر في ذلك مقتصراً على طائفة معيَّنة أو فئة خاصَّة، ففكرة انتظار المصلح العظيم الذي سينشر القسط والعدل والإحسان بظهوره ‏في آخر الزمان، ويقضي على الجور والظلم والعدوان في أرجاء العالم، ويُحقِّق الرخاء والسعادة والمساواة في دولته الكريمة، ليست مقصورةً على الإسلام، ولا مختصَّة بالشيعة، بل هي فكرة آمن بها أهل الأديان السماويَّة، واعتنقتها الكثير من الشعوب، فهي نقطة اشتراك وعنوان طموح اتَّجهت إليه البشريَّة بمختلف أديانها ومذاهبها، وصياغة لإلهام فطري أدرك أصحابه على تنوُّع عقائدهم أنَّ للإنسانيَّة يوماً موعوداً تتحقَّق فيه عدالة السماء والمغزى الكبير من بعثة رسالاتها ومقاصد أهدافها، بل كان لحضوره الفطري أثره الذي امتدَّ عند غير أهل الأديان حتَّى توفَّر عند أشدّ الأفكار تنافراً مع الغيب والغيبيَّات.
ومع ذلك اختصَّ أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) دون غيرهم بوعي خاصٍّ تجاه هذه الفكرة حيث تجاوزوا في فهمها مجرَّد الأمل المبهم الذي يُبشِّر بالقائد المجهول الذي يأتي في آخر الزمان، بل حملوها ديناً وعقيدةً ذات معالم

↑صفحة ٣↑

واضحة التصوُّر، وميزاناً يفصل الإقرار بها من عدمه بين الهدى والضلال والإيمان والجحود، وبطبيعة الحال كان فهمهم هذا يستقي روافده ومنابعه من الأئمَّة الأطهار من أهل بيت العصمة (عليهم السلام) الذين أوصى النبيُّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المتواتر من حديثه بالأخذ عنهم والركون إليهم، فهم معدن العلم ومهبط الوحي.
ولأجل ذلك كان قول الشيعة الإماميَّة قولاً واحداً بأنَّ الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) ابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) المولود سنة (٢٥٥ هجريَّة) في سامرَّاء، وقد غيَّبه الله تعالى لحكمة يعرفها، وهو المدَّخر لنجاة البشريَّة، والمعنيُّ ببشارة الأنبياء (عليهم السلام) والكُتُب السماويَّة.
ومع ذلك كان لهذا التصوُّر الخاصِّ والفريد الذي تميَّز به الشيعة خصومه ومناوئوه الذين لم يرق لهم كثيراً فكرة أنَّ المهدي الموعود الذي بشَّر به النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو الإمام الثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، والأسباب في ذلك كثيرة لسنا في وارد التعرُّض إليها والبحث عنها، مع الإيمان التامِّ أنَّ الأغراض السياسيَّة والاختلالات العقائديَّة لم تكن بعيدة عن تلك الأسباب التي تولَّد عنها هذا التقاطع والاختلاف، فمزعمة - على سبيل المثال لا الحصر - كتلك التي تقول: (إنَّ الله تعالى أبى، أو أنَّ قريشاً كرهت أنْ تجتمع النبوَّة والخلافة في بيت واحد)، لابدَّ أنْ تلقي بظلالها على الكثير من القضايا التي أضحت فيما بعد محلًّا للتنازع والافتراق، حتَّى ولو كانت الأدلَّة الحاضرة قاطعة لمادَّة الاختلاف والاشتباك، ونافية لهذه المقولة أو غيرها.
ومن هنا دأب علماء الشيعة ومفكِّروهم على محاججة الآخرين بحديث النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والعترة الطاهرة (عليهم السلام) على صحَّة ما ذهبوا إليه من تصوُّرٍ خاصٍّ في رؤيتهم للعقيدة المهدويَّة، وسلكوا في ذلك كلَّ سبيل وطريق، لإيمانهم أنَّ

↑صفحة ٤↑

الاعتقاد الصحيح والسليم بهذه العقيدة له كامل الأثر ليس في تحقُّق أركان الإيمان وحسب، وإنَّما له دخالة في التمهيد لتلك الدولة، بل والتعجيل بقيام مشروعها، ضرورة أنَّ النصرة والتمهيد بمعناه العامِّ هو مقتضى منطق السُّنَن الحاكمة في كلِّ أحداث الكون الذي نعيش فيه، وبدون ذلك تدخل البشريَّة في مسارات أقلّ ما يقال عنها: إنَّها قاسية ومفجعة، لتبلغ بعد ذلك القناعة الناشئة عن المحنة والألم، وكان بإمكانها أنْ تنال حظَّها وقدرها في غير ذلك، وهذا هو واقع ما اسشترفته أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) عن أحداث آخر الزمان، في نفس الوقت الذي أكَّدت على فاعليَّة البداء وإمكانيَّة التغيير فيما لو أصابت البشريَّة طريق رشدها وهدايتها، والذي لن يتحقَّق حتماً مع الغفلة لما تنتظر ومن تنتظر، أو ما يُراد منها ويجب عليها.
وهذا الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ للأُستاذ الباحث السيِّد ثامر العميدي، والذي ينتهج أقوال صادق العترة الطاهرة في غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) والذي طُبِعَ لأوَّل مرَّة عام (١٤٢٤هـ) من قِبَل مركز الرسالة في قم المقدَّسة هو أحد الشواهد الحيَّة والقيِّمة الصادرة عن تلك الأُصول الثابتة التي رسمت الصورة النهائيَّة لهذه العقيدة وعلاماتها وشروطها، وهو بعد هذا وذاك مصداق أيضاً لذلك الجهد الحثيث والصادق الذي بذله أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في إقامة الحجَّة وإعلاء كلمة الحقِّ، ولأهمّيَّته وقيمته ارتأى مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) القيام - بعد أنْ أضاف إليه الكثير من النصوص في الهامش والتي أشار إليها المؤلِّف الكريم في كتابه، مع تحريك لجميع النصوص الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) - بتجديد طباعته وتقديمه للقُرَّاء الكرام. كما سبق لمركزنا طباعة كتاب قيِّم آخر للمؤلِّف تحت عنوان (المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) في الفكر الإسلامي).

↑صفحة ٥↑

علماً أنَّ في الكتاب آراءً جديدة اجتهد فيها المؤلِّف، وقد أبقيناها - بناءً على رغبته - كما هي وإنْ كان في بعضها مجال للتأمُّل.
راجين من المولى تعالى أنْ يقع عنده موقع القبول والتسديد، وعند صاحب العصر والزمان موقع السرور والرضا، إنَّه وليُّ التوفيق.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يُعجِّل في فرج سيِّدنا ومولانا صاحب العصر والزمان (عجَّل الله فرجه)، ويجعلنا من أنصاره وأعوانه، وأنْ يتقَّبله منَّا بقبولٍ حسنٍ.

مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)

↑صفحة ٦↑

بسم الله الرحمن الرحيم

المُقَدَّمةُ:
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمّد وآله الطيِّبين الطاهرين، صلاة زاكية نامية متَّصلة متواترة لا غاية لأمدها ولا نهاية لآخرها، وسلَّم تسليماً كثيراً.
وبعد..
فإنَّ الحديث عن الإمام المهدي الحجَّة بن الحسن (عليهما السلام) خصب الميادين، متعدِّد الجوانب، واسع الأطراف، ولا حصر للمؤلَّفات التي كُتِبَت - شرقاً وغرباً - حوله، حتَّى يُخال للباحث وهو يرى كثرة المؤلَّفات والبحوث المعدَّة حول هذا الموضوع منه قد أُغلِقَ تماماً، ومن طَرَقه من جديد لن يأتي بشيءٍ جديد.
ومع كلِّ هذا قد نبغ في الآونة الأخيرة من يتَّهم متكلِّمي الإماميَّة في أواخر القرن الثالث وبداية الرابع الهجريَّين، بأنَّهم - ولأجل أنْ يستمرَّ المذهب الاثني عشري بعد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) بلا عقب - حاولوا ببراعتهم الكلاميَّة إقناع عامَّة المذهب بولادة الحجَّة بن الحسن الغائب الذي لم يُولَد بعد!
وقد كنت آمل في كتاب (المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) في الفكر الإسلامي) - الذي صدر سنة (١٤١٧هـ)، وطُبِعَ ثلاث مرَّات، وتُرجِم إلى خمس لغات - أنْ يُنبِّه على مدارك ذلك الاتِّهام، ويُخفِّف من غلواء مروِّجيه عبر الأقمار الصناعيَّة كلَّما أُتيحت لهم الفرصة، ولكنَّهم بقوا كما بدأوا! ومن هنا وجدت نفسي أمام اختيار صعب، فعدت إليهم مرَّةً أُخرى لأرسم الصورة الواضحة لعمق العقيدة

↑صفحة ٧↑

المهدويَّة في الفكر الشيعي قبل ولادة متكلِّمي الشيعة - الذين اتُّهِمُوا باختلاق مفهوم الغيبة والغائب - بأكثر من مائة عام؛ ولهذا جاء البحث محصوراً بالغيبة والغائب عند الإمام الصادق (عليه السلام) وحده، فنقول:
عاش الإمام الصادق (عليه السلام) في عصرين مختلفين: عصر ضعف الدولة الأُمويَّة حتَّى آلت إلى السقوط سنة (١٣٢هـ) على أيدي العبَّاسيِّين، وعصر انشغال بني العبَّاس في تثبيت أقدامهم بالسلطة. ومعنى هذا أنَّ الدولة الأُمويَّة في عهد الإمام الصادق (عليه السلام) - الذي تولَّى الإمامة بعد وفاة أبيه الإمام الباقر (عليهما السلام) سنة (١١٤هـ) - لم تكن قادرة على ممارسة نفس دورها الإرهابي في الحدِّ من نشاط أهل البيت (عليهم السلام) كما كانت تمارسه في عهود آبائه.
كما أنَّ الدولة العبَّاسيَّة لم تُعلِن إرهابها على الإمام (عليه السلام) في بداية حكمها كما أعلنته عليه بعد حين وعلى الأئمَّة المعصومين من أولاده فيما بعد، وصولاً إلى دورهم البغيض في غيبة آخر الأئمَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
ومن هنا وجد الإمام (عليه السلام) الفرصة النسبيَّة سانحة للانطلاق في أرحب الميادين، ولهذا نجد اسمه الشريف يتردَّد على ألسنة المؤرِّخين والمحدِّثين والمفسِّرين والفلاسفة والمتكلِّمين أكثر من سائر الأئمَّة الآخرين، ولعلَّ خير ما يُعبِّر لنا عن هذه الحقيقة هو الإمام الصادق (عليه السلام) نفسه فيما رواه عنه أوثق تلامذته.
فَعَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «كَانَ أَبِي (عليه السلام) يُفْتِي فِي زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ أَنَّ مَا قَتَلَ البَازِي وَاَلصَّقْرُ فَهُوَ حَلَالٌ، وَكَانَ يَتَّقِيهِمْ، وَأَنَا لَا أَتَّقِيهِمْ، وَهُوَ حَرَامٌ مَا قَتَلَ»(١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الكافي (ج ٦/ ص ٢٠٨/ باب صيد البزاة والصقور وغير ذلك/ ح ٨)، من لا يحضره الفقيه (ج ٣/ ص ٣٢٠/ ح ٤١٤٢)، تهذيب الأحكام (ج ٩/ ص ٣٢/ ح ١٢٩١٢٩)، الاستبصار (ج ٤/ ص ٧٢/ ح ٢٦٥/٩).

↑صفحة ٨↑

ونحو هذا ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أيضاً(٢).
ونظيره ما رواه زرارة وأبو عمر الأعجمي عن الإمام الصادق (عليه السلام) من المنع عن مسح الخفَّين في الوضوء تقيَّةً، وكذلك في النبيذ، ومتعة الحجِّ(٣).
فهذه النصوص وأمثالها تُصوِّر لنا بوضوح حالة الانفراج السياسي النسبي الذي عاشه الإمام الصادق (عليه السلام) في ظلِّ الدولتين.
وقد كانت وظيفة الإمام الصادق (عليه السلام) صعبة للغاية، إذ شاهد خطورة الموقف الإسلامي، وعاصر تلوُّث المجتمع المسلم بالمفاهيم الدخيلة الوافدة إليه عن طريق الفلسفات الأجنبيَّة التي تسلَّلت رويداً إلى ساحته عبر القنوات الكثيرة التي شقَّتها حروب العصر الأُموي (٤٠ - ١٣٢هـ)، وبدايات العصر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ٦/ ص ٢٠٧/ باب صيد البزاة والصقور وغير ذلك/ ح ١) بسنده عَنِ الْحَلَبِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام): «كَانَ أَبِي (عليه السلام) يُفْتِي، وَكَانَ يَتَّقِي، وَنَحْنُ نَخَافُ فِي صَيْدِ الْبُزَاةِ وَالصُّقُورِ، وَأَمَّا الآنَ فَإِنَّا لَا نَخَافُ وَلَا نُحِلُّ صَيْدَهَا إِلَّا أَنْ تُدْرَكَ ذَكَاتُه، فَإِنَّه فِي كِتَابِ عَلِيٍّ (عليه السلام) أَنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) يَقُولُ: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] فِي الْكِلَابِ».
ورواه الطوسي (رحمه الله) في تهذيب الأحكام (ج ٩/ ص ٣٢ و٣٣/ ح ١٣٠/١٣٠)، وفي الاستبصار (ج ٤/ ص ٧٢ و٧٣/ ح ٢٦٦/١٠).
(٣) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ٣/ ص ٣٢/ باب مسح الخفِّ/ ح ٢) بسنده عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ قُلْتُ لَه: فِي مَسْحِ الْخُفَّيْنِ تَقِيَّةٌ؟ فَقَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا أَتَّقِي فِيهِنَّ أَحَداً: شُرْبُ المُسْكِرِ، وَمَسْحُ الْخُفَّيْنِ، وَمُتْعَةُ الْحَجِّ»، قَالَ زُرَارَةُ: وَلَمْ يَقُلْ: الْوَاجِبُ عَلَيْكُمْ أَلَّا تَتَّقُوا فِيهِنَّ أَحَداً.
ورواه الصدوق (رحمه الله) في من لا يحضره الفقيه (ج ١/ ص ٤٨/ ح ٩٥)، والطوسي (رحمه الله) في تهذيب الأحكام (ج ١/ ص ٣٦٢/ ح ١٠٩٣/٢٣)، وفي الاستبصار (ج ١/ ص ٧٦/ ح ٢٣٧/٢).
وروى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ٢/ ص ٢١٧/ باب التقيَّة/ ح ٢) بسنده عَنْ أَبِي عُمَرَ الأَعْجَمِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام): «يَا أَبَا عُمَرَ، إِنَّ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الدِّينِ فِي التَّقِيَّةِ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَه، وَالتَّقِيَّةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي النَّبِيذِ، وَالمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ».
ورواه البرقي (رحمه الله) في المحاسن (ص ٢٥٩/ ح ٣٠٩)، والصدوق (رحمه الله) في الخصال (ص ٢٢ و٢٣/ ح ٧٩).

↑صفحة ٩↑

العبَّاسي الأوَّل (١٣٢ - ٢٣٤هـ)، وما نتج عن هذا وذاك من نشوء التيَّارات الفكريَّة الخطيرة، وانقسام المسلمين إلى مذاهب وفِرَق عديدة، مع بروز حركة الزندقة والإلحاد بفعل تلك الرواسب الثقافيَّة المسمومة، فضلاً عن استشراء حالة الفساد الإداري والخُلقي في عاصمة الخلافة - دمشق أوَّلاً، وبغداد ثانياً - ومن ثَمَّ تصدير الانحراف إلى شرائح المجتمع من قصور الخلفاء أنفسهم.
ويشهد على كلِّ هذا ما وصل إلينا من أدب البلاطين في ذينك العصرين، وفي كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني أمثلة لا حصر لها تُصوِّر لنا حالة البذخ الاقتصادي، والترف الفكري، والتحلُّل الخُلقي الذي أصاب الأُمَّة على أيدي حُكَّامهم وأُمرائهم في الدولتين الأُمويَّة والعبَّاسيَّة.
فليس أمام الإمام الصادق (عليه السلام) إذن إلَّا إعادة تشكيل وعي الأُمَّة من جديد، وتعبئة أكبر ما يمكن من طاقات أفرادها للنهوض بمهمَّة التغيير الكبرى، وهو ما استطاع (عليه السلام) أنْ يُحقِّقه في تلك الفترة القصيرة؛ إذ استطاع وبكلِّ جدارة أنْ يعيد للإسلام قوَّته ونظارته، بعد أنْ أرسى قواعد الفكر الصحيح على أُسُسه. فوقف كالطود الأشمّ بوجه تلك العواصف الكثيرة التي أوشكت أنْ تعصف بكلِّ شيء من بقايا الحقِّ وأهله، وجاهد جهاداً علميًّا عظيماً، حتَّى تمكَّن بحكمته وعطائه وعلمه وإخلاصه لله (عزَّ شأنه) وتفانيه في دين جدِّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنْ يصبغ الساحة الفكريَّة والثقافية في عصره - بعد أنْ تدنَّت بها القِيَم والأخلاق - بمعارف الإسلام العظيم، ومفاهيمه الراقية، واستطاع تحويل تلك المفاهيم إلى غذاء روحي يومي، فنقلها من الواقع النظري إلى حيِّز التطبيق الفعلي، مبتدأً ذلك برُوَّاد مدرسته العظيمة التي كانت تضمُّ ما يزيد على أربعة آلاف رجل، وكلُّهم من تلامذته، حتَّى صاروا مشاعل نور أضاءت لكلِّ ذي عينين من أفراد الأُمَّة ما أظلمَّ عليه.

↑صفحة ١٠↑

وهكذا استمرَّت مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) في أداء رسالتها يُغذِّيها - من بعده - الأئمَّة من وُلده بفيض من علم النبوَّة ونور الولاية، ولم يخبُ ضوؤها بتعاقب الزمان وتجدُّد الملوان، ويشهد لخلودها واتِّساعها أنَّك واجد في كلِّ عصر قطباً من أقطابها يُشار له بالبنان، وتُشَدُّ إليه الرحال من كلِّ فجٍّ عميق.
وما كان هذا ليتمَّ بسهولة لولا الجهاد العلمي الحثيث المتواصل الذي بذله الإمام الصادق (عليه السلام) حتَّى اكتسب الواقع الثقافي الإسلامي بفضل مدرسته المباركة مناعة قويَّة ضدَّ وباء الانحراف، ذلك الوباء الذي كان ضارباً أطنابه على مرافق عديدة من الفكر الإسلامي، فضلاً عمَّا تركه من تشويش وتضادٍّ في جزئيَّات العقيدة، ناهيك عمَّا أصاب (الإمامة) من تداعيات خطيرة في المجتمع المسلم، حتَّى أُبيحت وضح النهار لكلِّ جبَّار عنيد، وصار كلُّ من غلب بحدِّ السيف أوصياءً مفروض الطاعة! هذا في الوقت الذي صحَّ فيه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) برواية الفريقين منه، قال: «اَلخُلَفَاءُ اثْنَا عَشَرَ كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»(٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) راجع: الغيبة للنعماني (ص ١٠٤ - ١١٠/ باب ٤/ فصل فيما روي أنَّ الأئمَّة انثا عشر من طريق العامَّة...)، وكمال الدِّين (ص ٦٨، وص ٢٧٢ - ٢٧٤/ باب ٢٤/ ح ١٩ و٢٠ و٢١ و٢٣ و٢٤)، والخصال (ص ٤٦٩ - ٤٧٣/ ح ١٢ - ٣٠، وص ٤٧٥/ ح ٣٦ و٣٧)، ومسند أحمد (ج ٣٤/ ص ٤٠٩ و٤١٠/ ح ٢٠٨١٤، وص ٤١٣/ ح ٢٠٨١٧، وص ٤٢١/ ح ٢٠٨٣٠، وص ٤٢٦/ ح ٢٠٨٣٦، وص ٤٢٧ و٤٢٨/ ح ٢٠٨٣٨، وص ٤٢٩/ ح ٢٠٨٤١، وص ٤٣٩ و٤٤٠/ ح ٢٠٨٦٠، وص ٤٤٠ و٤٤١/ ح ٢٠٨٦٢، وص ٤٤٥/ ح ٢٠٨٧٢، وص ٤٤٩/ ح ٢٠٨٧٩ و٢٠٨٨٠، وص ٤٥٤/ ح ٢٠٨٨٩، وص ٤٥٦ و٤٥٧/ ح ٢٠٨٩٦، وص ٤٦١/ ح ٢٠٩٠٥ و٢٠٩٠٦، وص ٤٦٨ - ٤٧٠ / ح ٢٠٩٢٢ - ٢٠٩٢٤، وص ٤٧١/ ح ٢٠٩٢٦، وص ٤٧٢/ ح ٢٠٩٢٧، وص ٤٧٦/ ح ٢٠٩٣٧، وص ٤٧٧ و٤٧٨/ ح ٢٠٩٤١، وص ٤٨٢ و٤٨٣/ ح ٢٠٩٥١، وص ٤٨٧/ ح ٢٠٩٦٢، وص ٤٩٠/ ح ٢٠٩٦٦، وص ٥١٧ و٥١٨/ ح ٢١٠٢٠، وص ٥٢٣/ ح ٢١٠٣٣، وص ٥٢٥/ ح ٢١٠٣٩، وص ٥٢٩/ ح ٢١٠٥٠)، وصحيح البخاري (ج ١١/ ص ٧٠/ ح ٦٤٥٧)، وصحيح مسلم (ج ٦/ ص ٣ و٤) أخرجه من تسعة طُرُق.

↑صفحة ١١↑

وصحَّ أيضاً قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»(٥).
كما تواتر عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حديث الثقلين الذي جعل الكتاب وعترته أهل بيته صنوين متلازمين ما بقيت الدنيا، وعاصمين من الضلالة لكلِّ من تمسَّك بهما، إنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا على النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الحوض(٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) الكافي (ج ١/ ص ٣٧١/ باب أنَّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر/ ح ٥، وص٣٧٦ و٣٧٧/ باب من مات وليس له إمام من أئمَّة الهدى/ ح ١ - ٣، وص ٣٧٨/ باب ما يجب على الناس عند مضيِّ الإمام/ ح ٢، وص ٣٩٧/ باب في الأئمَّة (عليهم السلام) أنَّهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود.../ ح ١، وج ٢/ ص ١٩ و٢٠ و٢١/ باب دعائم الإسلام/ ح ٦ و٩، وج ٨/ ص ١٤٦/ ح ١٢٣)، كمال الدِّين (ص ٣٣٦ و٣٣٧/ باب ٣٣/ ح ٩، وص ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٩، وص ٤١٢ - ٤١٤/ باب ٣٩/ ح ١٠ - ١٢ و١٥، وص ٦٦٨/ باب ٥٨/ ح ١١)، الإمامة والتبصرة (ص ٦٣/ ح ٥٠، وص ٨٢ و٨٣/ ح ٦٩ - ٧١)، قرب الإسناد (ص ٣٥١/ ح ١٢٦٠)، بصائر الدرجات (٢٧٩/ ج ٥/ باب ١٦/ ح ٥، وص ٥٢٩ و٥٣٠/ ج ١٠/ باب ١٨/ ح ١١ و١٥).
ونحوه في: صحيح البخاري (ج ١١/ص ٨ و٩/ح ٦٣٠٥ و٦٣٠٦)، صحيح مسلم (ج ٦/ص ٢١ و٢٢)، مسند أحمد (ج ٢٨/ ص ٨٨ و٨٩/ ح ١٦٨٧٩)، مسند أبي داود الطيالسي (ص ٢٥٩)، المعجم الكبير للطبراني (ج ١٢/ ص ٣٣٧، وج ١٩/ ص ٣٨٨، وج ٢٠/ ص ٨٦)، مستدرك الحاكم (ج ١/ ص ٧٧)، حلية الأولياء (ج ٣/ ص ٢٢٤)، الكنى والأسماء للدولابي (ج ٢/ ص ٦٣٥/ ح ١١٣٤)، سُنَن البيهقي (ج ٨/ ص ١٥٦و١٥٧)، جامع الأُصول (ج ٤/ ص ٦٩ و٧٠/ ح ٢٠٥٢ و٢٠٥٣)، شرح صحيح مسلم للنووي (ج ١٢/ ص ٢٣٨)، تلخيص المستدرك للذهبي (ج ١/ ص ٧٧ و١١٧)، مجمع الزوائد (ج ٥/ ص ٢١٨ و٢١٩ و٢٢٣ و٢٢٤ و٢٢٥)، تفسير ابن كثير (ج ١/ ص ٥٣٠). كما أخرجه الكشِّي في رجاله (ج ٢/ ص ٢٣٥/ ح ٤٢٨، وص ٧٢٣ و٧٢٤/ ح ٧٩٩، وص ٧٧١ و٧٧٢/ ح ٨٩٩).
(٦) سيأتي تخريج حديث الثقلين الشريف في الفصل الثاني من الباب الأوَّل، فانتظر.

↑صفحة ١٢↑

وهكذا تعيَّن المقصود بالاثني عشر، واتَّضح المعنى بإمام زمان كلِّ جيل من أجيال الأُمَّة بما لا يحتاج معه إلى مزيد تأمُّل أو تفكير.
وفي الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «سُئِلَ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِ) عَنِ مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اَلله، وَعِتْرَتِي، مَنِ العِتْرَةُ؟ فَقَالَ: أَنَا، وَالحَسَنُ، وَالحُسَيْنُ، وَالأَئِمَّةُ اَلتِّسْعَةُ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ، تَاسِعُهُمْ مَهْدِيُّهُمْ وَقَائِمُهُمْ، لَا يُفَارِقُونَ كِتَابَ اَلله وَلَا يُفَارِقُهُمْ حَتَّى يَرِدُوا عَلَى رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حَوْضَهُ»(٧).
ولو لم يكن الأمر كما قلناه لجعل (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مناط الاعتصام من الضلالة بطاعة من وصل إلى السلطة وقاد المسلمين طوعاً أو كرهاً. وأمَّا من تكون النجاة بالتمسُّك بالثقلين دون غيرهما بمنطوق الحديث ومفهومه، فالعقل يأبى أنْ يكون الإمام القدوة غير المنجي من الضلالة.
وفي هذا البحث مقطع قصير من مقاطع الإمامة، بل مفصل خطير من مفاصلها، وهو (غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عند الإمام الصادق (عليه السلام))، ونظراً لاتِّصال هذا الموضوع الحسَّاس اتِّصالاً وثيقاً بحياتنا المعاصرة فكراً وسلوكاً وعقيدةً، ارتأيت أنْ أبحث هذا الموضوع عند الإمام الصادق (عليه السلام)، لنرى كيف طرح الإمام الصادق (عليه السلام) موضوع غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه). وإذا كان هناك ما يُوضِّح لنا هويَّة الإمام الغائب المنتظَر بلا لبس أو إبهام، فهل وُجِدَ مثله في فكر الإمام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) رواه الفضل بن شاذان في إثبات الرجعة كما في مختصره (ص ٥٥/ ح ٦)، عن ابن أبي عمير، عن غياث بن إبراهيم، عن الإمام الصادق (عليه السلام). وأخرجه الصدوق (رحمه الله) بسند صحيح، عن ابن أبي عمير، عن غياث، عنه (عليه السلام) في كمال الدِّين (ص ٢٤٠ و٢٤١/ باب ٢٢/ ح ٦٤)، وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٦٠/ ح ٢٥)، وفي معاني الأخبار (ص ٩٠ و٩١/ باب معنى الثقلين والعترة/ ح ٤).

↑صفحة ١٣↑

الصادق (عليه السلام)؟ أو إنَّه طرح موضوع الغيبة مجرَّداً عن هويَّة الغائب وترك علامات استفهام حول اسمه ونسبه الشريف؟
لقد حرص الإمام الصادق (عليه السلام) على إشاعة مفهوم غيبة الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، وبثِّ الفكر المهدوي الأصيل في وجدان الأُمَّة التي اختلط عليها الحابل بالنابل، وامتزج عندها الحقُّ بأضغاث الباطل نتيجةً لما لحق هذا الفكر من تضادٍّ وتشويش أدَّيا إلى ظهور دعاوى المهدويَّة الباطلة التي حاولت الالتفاف على الحقيقة المهدويَّة الناصعة.
ومن هنا قام الإمام الصادق (عليه السلام) بتهيئة الأجواء العلميَّة لفهم الغيبة ومعرفة من هو المهدي الذي سيغيب، وذلك من خلال اتِّخاذ الخطوات الآتية:
١ - تتمثَّل الخطوة الأُولى بدعم العقيدة المهدويَّة، وإرجاعها إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي أكَّدها بأقوى ما يمكن حتَّى تواترت عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثمّ بيان الإمام (عليه السلام) حكم من أنكرها.
٢ - وتتمثَّل الخطوة الثانية بترسيخ القواعد الكاشفة عن هويَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من دون الخوض في تفاصيل الهويَّة الشريفة.
٣ - وانحصرت الخطوة الثالثة في مجال تشخيص هويَّة الإمام الغائب (عجَّل الله فرجه)، وكيفيَّة الانتفاع به في غيبته.
وهكذا يسَّر الإمام الصادق (عليه السلام) السُّبُل الكفيلة لمعرفة الإمام الغائب (عجَّل الله فرجه) قبل ولادته بعشرات السنين، وهو ما تكفَّل به الباب الأوَّل من البحث، وذلك في ثلاثة فصول عالجت الخطوات الثلاث المذكورة على الترتيب.
وأمَّا عن مفهوم الغيبة، فقد احتضنه الإمام الصادق (عليه السلام) وأولاه أهمّيَّة خاصَّة، وهو ما تكفَّل به الباب الثاني في فصول أربعة تناولت: العناية بالغيبة

↑صفحة ١٤↑

وبيان معطياتها، وتأكيد الإمام الصادق (عليه السلام) على وقوعها وطولها، وبيان ما مطلوب في زمانها، وأخيراً الكشف عن عِلَلها.
وعقدنا الباب الثالث لنرى من خلاله موقف الإمام الصادق (عليه السلام) من دعاوى المهدويَّة التي أدركها، وعاصر بعضها، أو التي نشأت باطلاً بعده، وذلك في خمسة فصول ردَّ فيها الإمام الصادق (عليه السلام) على دعاوى الكيسانيَّة والأُمويَّة والحسنيَّة والعبَّاسيَّة والناووسيَّة والواقفيَّة، مع إعطاء القواعد اللَّازمة والضوابط العامَّة المتقنة لمعرفة قيمة أيَّة دعوى من هذا القبيل.
ثمّ جاء الفصل السادس والأخير ليكشف عن أجوبة الإمام الصادق (عليه السلام) على الشُّبهات المثارة حول الموضوع، الأمر الذي أدَّى إلى تعرية جميع المزاعم التاريخيَّة التي حاولت الالتفاف على مفهوم الغيبة، أو هويَّة الإمام الغائب (عجَّل الله فرجه)، سواءً تلك التي ظهرت في زمان الإمام الصادق (عليه السلام)، أو قبله، أو التي نشأت بعد حين وتلاشت فجأةً حيث اتَّضح الصبح لذي عينين.
وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا وسيِّدنا محمّد، وآله الهداة الأطهار الميامين.

السيِّد ثامر هاشم العميدي

↑صفحة ١٥↑

الباب الأوَّل: في معرفة الإمام الغائب (عجَّل الله فرجه) قبل ولادته

الفصل الأوَّل: دعم الإمام الصادق (عليه السلام) للعقيدة المهدويَّة وبيان حكم من أنكرها
الفصل الثاني: ترسيخ الإمام الصادق (عليه السلام) للقواعد الكاشفة عن هويَّة الإمام الغائب
الفصل الثالث: تشخيص الإمام الصادق (عليه السلام) لهويَّة الغائب، وكيفيَّة الانتفاع به في غيبته

↑صفحة ١٧↑

الفصل الأوَّل: دعم الإمام الصادق (عليه السلام) للعقيدة المهدويَّة وبيان حكم من أنكرها

اتَّخذ الإمام الصادق (عليه السلام) جملة من الأُمور اللَّازمة في مجال التثقيف العقائدي والفكري الموصل تلقائيًّا إلى معرفة مفهوم الغيبة وصاحبها، وإدراك هويَّته من قبل أنْ يُولَد بعشرات السنين، وذلك من خلال تأكيده المباشر على أمرين، وهما:
الأمر الأوَّل: ثبوت أصل العقيدة المهدويَّة، ودعمها:
من الواضح أنَّ الحديث عن الغيبة والغائب ابتداءً، وبيان ما يجب فعله أو تركه في زمان الغيبة، ونحو هذا من الأُمور ذات الصلة المباشرة بهذا المفهوم، لا يجدي نفعاً ما لم يُعْلَم بأصل العقيدة المهدويَّة، ولهذا أراد الإمام الصادق (عليه السلام) تنبيه الأُمَّة على أصل هذه العقيدة، وذلك من خلال دعمها بما تواتر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بشأنها، حتَّى لا يكون هنالك شكٌّ في الأصل الثابت عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو ما اتَّفقت الأُمَّة على نقله.
فَعَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، عَنْ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قَالَ: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدَّهْرِ إِلَّا يَوْمٌ لَبَعَثَ اللهُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَمْلَؤهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً»(٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) سُنَن أبي داود (ج ٢/ ص ٣١٠/ ح ٤٢٨٣)، الملاحم لابن المنادي (ص ١٧٨/ ح ١١٩/٦)، مطالب السؤول (ص ٤٨٢)، البيان في أخبار صاحب الزمان (ص ٤٨٢)، عقد الدُّرَر (ص ١٨)، تاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٣١٣)، الفصول المهمَّة لابن الصبَّاغ (ج ٢/ ص ١١٠٧ و١١٠٨)، العرف الوردي (ص ٨٧/ ح ١٣)، القول المختصر (ص ١١٨)، كنز العُمَّال (ج ١٤/ ص ٢٦٧/ ح ٣٨٦٧٥).

↑صفحة ١٩↑

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: «إِنَّ اَلمَهْدِيَّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يَخْرُجُ فِي آخِرِ اَلزَّمَانِ، يُنَزِّلُ اَللهُ لَهُ مِنَ اَلسَّمَاءِ قَطْرَهَا، وَيُخْرِجُ لَهُ الأَرْضَ بَذْرَهَا، فَيَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مَلَأَهَا القَوْمُ ظُلْماً وَجَوْراً»(٩).
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَيْضاً، عَنِ اَلنَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «اَلمَهْدِيُّ مِنِّي، أَجْلَى الجَبْهَةِ، أَقْنَى الأَنْفِ، يَمْلَأُ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»(١٠).
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ: «اَلمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ»(١١).
وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَذَكَّرَنَا رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بِمَا هُوَ كَائِنٌ، ثُمَّ قَالَ: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ اَلدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ، لَطَوَّلَ اَللهُ (عزَّ وجلَّ)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩) الغيبة للطوسي (ص ١٨٠/ ح ١٣٨) بتفاوت يسير.
(١٠) سُنَن أبي داود (ج ٢/ ص ٣١٠/ ح ٤٢٨٥)، مطالب السؤول (ص ٤٨٢)، البيان في أخبار صاحب الزمان (ص ٥٠٠ و٥٠١)، التذكرة في أحوال الموتى وأُمور الآخرة (ج ٢/ ص ٣٢٩)، عقد الدُّرَر (ص ٣٣)، تاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٣١٤ و٣١٥)، الفصول المهمَّة لابن الصبَّاغ (ج ٢/ ص ١١٠٨)، العرف الوردي (ص ٧٩/ ح ٣)، القول المختصر (ص ١١٦).
(١١) الغيبة للطوسي (ص ١٨٥ و١٨٦/ ح ١٤٥، وص ١٨٧ و١٨٨/ ح ١٤٨)، عمدة عيون صحاح الأخبار (ص ٤٣٣/ ح ٩٠٩، وص ٤٣٦/ ح ٩٢٠)، سُنَن أبي داود (ج ٢/ ص ٣١٠/ ح ٤٢٨٤)، مطالب السؤول (ص ٤٨٢)، البيان في أخبار صاحب الزمان (ص ٤٨٦)، عقد الدُّرَر (ص ١٥)، ميزان الاعتدال (ج ٢/ ص ٨٧)، الفصول المهمَّة لابن الصبَّاغ (ج ٢/ ص ١١٠٩)، العرف الوردي (ص ٨١/ ح ٦)، القول المختصر (ص ١١٦)، كنز العُمَّال (ج ١٤/ ص ٢٦٤/ ح ٣٨٦٦٢).

↑صفحة ٢٠↑

ذَلِكَ اليَوْمَ حَتَّى يَبْعَثَ رَجُلاً مِنْ وُلْدِي اِسْمُهُ اِسْمِي»، فَقَامَ سَلْمَانُ الفَارسيُّ (رضي الله عنه)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَلله، مِنْ أَيِّ وُلْدِكَ؟ قَالَ: «مِنْ وَلَدِي هَذَا» وَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الحُسَيْنِ(١٢).
وغيرها من الأحاديث الكثيرة الأُخرى.
وممّا يُؤيِّد عمق الاعتقاد بالمهدي (عجَّل الله فرجه) في الوجود الإسلامي، هو أنَّه لا يكاد يخلو كتاب حديثي من كُتُب المسلمين إلَّا وقد صرَّح بهذه الحقيقة الثابتة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثبوتاً قطعيًّا، ويكفي في ذلك أنَّ من أخرج أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه) من محدِّثي العامَّة فقط بلغوا زهاء تسعين محدِّثاً، وقد أسندوها إلى أكثر من خمسين صحابيًّا(١٣)، وأمَّا من قال بصحَّتها أو تواترها فقد بلغوا ثمانية وخمسين عالماً من علمائهم فيما تتبَّعناه(١٤)، وإذا ما علمنا موقف أهل البيت (عليهم السلام) وعرفنا عقيدة شيعتهم بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، تيقَّنَّا من حصول إجماع الأُمَّة بكلِّ مذاهبها على ضرورة الاعتقاد بالمهدي (عجَّل الله فرجه).
وفي هذا الصدد توجد أحاديث كثيرة عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تثبيت أصل القضيَّة المهدويَّة، وهو ما اتَّفقت عليه كلمة المسلمين من ظهور رجل في آخر الزمان من ذرّيَّة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يُلقَّب بالمهدي، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً، وأنَّه يقتل الدجَّال، وينزل عيسى بن مريم (عليه السلام) لنصرته، ومأتمٌّ بصلاته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) عقد الدُّرَر (ص ٢٤)؛ وبتفاوت يسير في: ذخائر العقبى (ص ١٣٦ و١٣٧)، فضائل الثقلين (ص ٤٧٧/ ح ١٣١٣)، كشف الغمَّة (ج ٣/ ص ٢٦٨ و٢٦٩).
(١٣) راجع کتابنا: المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) في الفكر الإسلامي (ص ٢٨ - ٣٣).
(١٤) راجع كتابنا: دفاع عن الكافي (ج ١/ ص ٤٠٥ - ٤٣٤) تحت عنوان: (من قال بصحَّة أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه) أو تواترها من أهل السُّنَّة).

↑صفحة ٢١↑

ويدلُّ عليه:
١ - عن معمر بن راشد، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جاء فيه: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِيَ اَلمَهْدِيُّ، إِذَا خَرَجَ نَزَلَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ لِنُصْرَتِهِ، فَقَدَّمَهُ وَصَلَّى خَلْفَهُ»(١٥).
وفي هذا الحديث تثبيت واضح لأصل القضيَّة المهدويَّة، وإشارة مجملة إلى هويَّة الإمام المهدي بأنَّه من ذرّيَّة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، مع التنبيه على مقامه بأنَّ عيسى (عليه السلام) سيكون - بأمر الله - وزيراً للمهدي وناصراً له فيه آخر الزمان، وأنَّه يأتمُّ بصلاته.
وحديث نزول عيسى لنصرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أخرجه البخاري في (صحيحه) عن أبي هريرة(١٦).
وأخرجه مسلم في (صحيحه) من طُرُق شتَّى عن أبي هريرة أيضاً(١٧)، وجابر الأنصاري(١٨).
والترمذي عن أنس(١٩).
وأبو نعيم عن عبد الله بن عمرو(٢٠) وحذيفة(٢١).
وابن المنذر عن شهر ابن حوشب، عن أُمِّ سَلَمة(٢٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥) أمالي الصدوق (ص ٢٨٧ و٢٨٨/ ح ٣٢٠/٤).
(١٦) صحيح البخاري (ج ٥/ ص ٤٠٠ و٤٠١/ ح ٣٠٨٦ و٣٠٨٧).
(١٧) صحيح مسلم (ج ١/ ص ٩٣ - ٩٥).
(١٨) صحيح مسلم (ج ١/ ٩٥).
(١٩) سُنَن الترمذي (ج ٣/ ص ٣٤٤/ ح ٢٣٣٤) عن أبي هريرة.
(٢٠) حلية الأولياء (ج ٦/ ص ١٠٨) عن أبي أُمامة.
(٢١) معرفة الصحابة (ج ٢/ ص ٣٠/ ح ١٨٧٦).
(٢٢) تفسير القمِّي (ج ١/ ص ١٥٨)، وانظر: الدُّرّ المنثور (ج ٢/ ص ٢٤١).

↑صفحة ٢٢↑

وابن أبي شيبة عن ابن سيرين مرسَلاً(٢٣).
ولا يقال هنا: إنَّ تحديد هويَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من بين الذرّيَّة الطاهرة غير معلوم في حديث الإمام الصادق (عليه السلام)، لأنَّا لا زلنا في صدد تثبيت أصل القضيَّة المهدويَّة على لسان الإمام الصادق (عليه السلام)، وإثبات هذا الأصل لا يمكن إغفاله، خصوصاً وأنَّ في المسلمين من شكَّك فيه وأنكره جملةً وتفصيلاً، ومع هذا فإنَّ في مثبتات الأصل المذكور تشخيصاً أعلى لموضوع الهويَّة كما سيأتي.
جدير ذكره أنَّ كون المهدي من ذرّيَّة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يعني كونه من ذرّيَّة أمير المؤمنين (عليه السلام) من فاطمة (عليها السلام)، بمعنى أنَّه لابدَّ وأنْ يكون إمَّا من ذرّيَّة الإمام الحسن السبط، أو من ذرّيَّة الإمام الحسين السبط (عليهما السلام)، لانحصار ذرّيَّة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بهما وبأولادهما. ومن هنا جاءت الأحاديث الأُخرى المثبتة لأصل القضيَّة مصرِّحة بهذا المعنى.
٢ - عن أبان بن عثمان، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديث قاله لعليٍّ (عليه السلام): «... كَانَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) عِنْدِي آنِفاً، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ القَائِمَ اَلَّذِي يَخْرُجُ فِي آخِرِ اَلزَّمَانِ فَيَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً مِنْ ذُرِّيَّتِكَ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ»(٢٤).
٣ - وعن معاوية بن عمَّار، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديث آخر: «... إِنَّ جَبْرَئِيلَ أَتَانِي فَأَقْرَأَنِي مِنْ رَبِّيَ السَّلَامَ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) المصنَّف لابن أبي شيبة (ج ٨/ ص ٦٧٩/ ح ١٩٥)؛ ورواه نعيم بن حمَّاد في الفتن (ص ٢٣٠)، والمقدسي الشافعي في عقد الدُّرَر (ص ٢٣١)، والسيوطي في العرف الوردي (ص ١١٣/ ح ٧١)، وابن حجر الهيتثمي في القول المختصر (ص ١٢٩).
(٢٤) الغيبة للنعماني (ص ٢٥٥ و٢٥٦/ باب ١٤/ ح ١).

↑صفحة ٢٣↑

ومِنْكُمُ القَائِمُ يُصَلِّي عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ خَلْفَه إِذَا أَهْبَطَه اللهُ إِلَى الأَرْضِ، مِنْ ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ، مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ (عليه السلام)»(٢٥).
هذا، وأمَّا ما قد يقال: إنَّ في بعض الأحاديث ما يُثبِت كون المهدي (عجَّل الله فرجه) حسنيًّا لا حسينيًّا، فالجواب باختصار أنَّه لا يوجد حديث صحيح البتَّة يُثبِت هذا المعنى من طُرُق العامَّة، وإنَّما وُجِدَ ذلك في حديثين فقط، أرسل الطبري أحدهما(٢٦) ولا حجَّة في المرسَل، والآخر رواه أبو داود في سُنَنه، قال: حُدِّثْتُ عَنْ هَارُونَ بْنِ المُغِيرَةِ، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ (رضي الله عنه) - وَنَظَرَ إِلَى ابْنِهِ الحَسَنِ -، فَقَالَ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ كَمَا سَمَّاهُ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَسَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ رَجُلٌ يُسَمَّى بِاسْمِ نَبِيِّكُمْ، يُشْبِهُهُ فِي الخُلُقِ، وَلَا يُشْبِهُهُ فِي الخَلْقِ - ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةً -: يَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلاً»(٢٧)، انتهى.
وسند الحديث مجهول ومنقطع؛ لأنَّه قال: (حُدِّثْتُ) ولم يذكر اسم مَنْ حدَّثه، فهو مجهول إذن.
وهو منقطع أيضاً؛ لأنَّ أبا إسحاق - والمراد به: السبيعي - لم تثبت له رواية واحدة سماعاً عن أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) كما صرَّح بهذا المنذري في شرح حديث أبي داود(٢٨)، وقد كان عمره يوم شهادة أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) نحو سبع سنين؛ لأنَّه وُلِدَ لسنتين بقيتا من زمان عثمان(٢٩).
هذا فضلاً عن اختلاف النقل عن أبي داود، فمنهم من نقله من كتاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥) الكافي (ج ٨/ ص ٤٩ و٥٠/ ح ١٠).
(٢٦) عنه الحاوي للفتاوي (ج ٢/ ص ٦٦).
(٢٧) سُنَن أبي داود (ج ٢/ ص ٣١١/ ح ٤٢٩٠).
(٢٨) مختصر سُنَن أبي داود (ج ٣/ ص ١١٨).
(٢٩) تهذيب التهذيب (ج ٨/ ص ٥٦/ الرقم ١٠٠).

↑صفحة ٢٤↑

(السُّنَن)، وفيه لفظ (الحسين) بدلاً من لفظ (الحسن). وكذلك وجود أحاديث كثيرة أُخرى من طُرُق العامَّة تُثبِت أنَّه من ولد الحسين (عليه السلام)(٣٠).
وأمَّا الشيعة الإماميَّة فليس في تراثها المهدوي الزاخر بهويَّة المهدي (عجَّل الله فرجه) ما يشير - بأدنى عبارة من حديث أو أثر - إلى كون المهدي (عجَّل الله فرجه) من ولد الإمام الحسن السبط (عليه السلام).
الأمر الثاني: بيان حكم من أنكر أصل العقيدة المهدويَّة:
من خلال ما تبيَّن في الأمر الأوَّل يتَّضح جدًّا أنَّ إنكار أصل العقيدة المهدويَّة جملةً وتفصيلاً هو من قبيل الردِّ على الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومن قبيل الازدراء بإجماع هذه الأُمَّة بكلِّ فصائلها وتيَّاراتها على قبول أصل العقيدة المهدويَّة وإنِ اختلفوا في تفاصيلها.
وقد ورد في الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما يُبيِّن حكم من أنكر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
فعن جابر بن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «مَنْ كَذَّبَ بِالدَّجَّالِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ كَذَّبَ بِالمَهْدِيِّ فَقَدْ كَفَرَ»(٣١).
وهذا ما أكَّده علماء المذاهب الأربعة فيما حكاه لنا علاء الدِّين عليٌّ المتَّقي بن حسام الدِّين الشهير بالمتَّقي الهندي الحنفي (ت ٩٧٥هـ)، إذ قال تحت عنوان: (فتاوى علماء العرب من أهل مكَّة المشرَّفة في شأن المهدي الموعود في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠) اُنظر كتابنا: المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) في الفكر الإسلامي (ص ٧١ - ٧٣)، ففيه بطلان حديث أبي داود من سبعة وجوه.
(٣١) الروض الأُنُف (ج ٢/ ص ٤٣١)، عقد الدُّرَر (ص ١٥٧)، قال: (أخرجه أبوبكر الإسكاف في فوائد الأخبار)، تاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٣١٢)، العرف الوردي (ص ١٦٥/ ح ٢٢٩)، القول المختصر (ص ٣١ و١٥٦).

↑صفحة ٢٥↑

آخر الزمان)، إذ ورد عليهم سؤال بهذا الموضوع، قال المتَّقي: (وهذه صورة السؤال: اللَّهُمَّ أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. ما يقول السادة العلماء أئمَّة الدِّين وهداة المسلمين - أيَّدهم الله بروح القُدُس - في طائفة اعتقدوا شخصاً من بلاد الهند مات سنة عشر وتسعمائة(٣٢) ببلد من بلاد العجم، يُسمَّى: (فره) أنَّه المهدي الموعود به في آخر الزمان، وأنَّ من أنكر هذا المهدي فقد كفر؟ ثمّ حكم من أنكر المهدي الموعود؟ أفتونا رضي الله تعالى عنكم)، قال: (وكان هذا الاستفتاء في سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة)(٣٣).
وقد نقل المتَّقي الهندي ما أفتى به فقهاء مكَّة بشأن السؤال المذكور، مبيِّناً اسم كلِّ فقيه منهم، واسم مذهبه، كالآتي:
١ - فتوى ابن حجر الهيتمي الشافعي.
٢ - فتوى الشيخ أحمد أبي السرور بن الصبا الحنفي.
٣ - فتوى الشيخ محمّد بن محمّد الخطَّابي المالكي.
٤ - فتوى الشيخ يحيى بن محمّد الحنبلي.
وسنذكر خلاصة ما ذكر كلُّ واحدٍ منهم:
أمَّا الفقيه الشافعي، فقد نصَّ على تواتر أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه)، ذاكراً علامات خروجه المتواترة، ومحيلاً في ذلك إلى كتابه (القول المختصر في علامات المهدي المنتظَر).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢) ذكره في أوَّل كتاب البرهان، فقال في (ص ٦٧) منه: (ولقد كثرت طائفة في بلاد الهند يعتقدون شخصاً شريفاً وُلِدَ في الهند اسمه: السيِّد محمّد بن سيِّد خان الجونفوري، مات (رحمه الله) وله نحو أربعين سنة، أنَّه هو المهدي الموعود به في آخر الزمان)، وكتاب البرهان ألَّفه كردٍّ على ضلالة هذه الطائفة.
(٣٣) البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ص ١٧٧ و١٧٨).

↑صفحة ٢٦↑

وقد وضَّح أنَّ إنكار هذه الطائفة ظهور المهدي (عجَّل الله فرجه) إنْ كان إنكاراً للسُّنَّة رأسا فهم كُفَّار، ويجب قتلهم، وإنْ كان محضَ عنادٍ لأئمَّة الإسلام لا للسُّنَّة، قال: (فهو يقتضي تعزيرهم البليغ، وإهانتهم بما يراه الحاكم لائقاً بعظيم جريمتهم، وقبح طريقتهم، وفساد عقيدتهم من حبسٍ، وضرب، وصفع وغيرها ممَّا يزجرهم عن هذه القبائح، ويكفُّهم عن تلك الفضايح، ويُرجِعهم إلى الحقِّ رغماً على أُنوفهم، ويردُّهم إلى اعتقاد ما ورد به الشرع ردعاً عن كفرهم وإكفارهم...)(٣٤).
وأمَّا الفقيه الحنفي، فقد أفتى ببطلان هذه الدعوى، وقال بحقِّ أصحابها: (ويجب قمعهم أشدَّ القمع، وردعهم أشدَّ الردع؛ لمخالفة اعتقادهم ما وردت به النصوص الصحيحة والسُّنَن الصريحة التي تواترت الأخبار بها، واستفاضت بكثرة رواتها من أنَّ المهدي (رضي الله تعالى عنه) الموعود بظهوره في آخر الزمان يخرج مع سيِّدنا عيسى (على نبيِّنا وعليه السلام))(٣٥)، ثمّ حكم عليهم بالكفر أيضاً.
وأمَّا الفقيه المالكي، فقد أفتى ببطلان دعوى هذه الطائفة أيضاً، فقال: (اعتقاد هؤلاء الطائفة في الرجل الميِّت أنَّه المهدي الموعود بظهوره في آخر الزمان باطل، للأحاديث الصحيحة الدالَّة على صحَّة صفة المهدي، وصفة خروجه، وما يتقدَّم بين يدي ذلك من الفتن...)(٣٦)، ثمّ بيَّن أنَّ اعتقادهم بهذا الرجل بأنَّه هو المهدي وتكفير من خالفهم، هو الكفر بعينه، وأفتى بوجوب استتابتهم ورجوعهم إلى الاعتقاد الحقِّ، وإلَّا قُتِلُوا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤) البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ص ١٧٩).
(٣٥) البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ص ١٨٠).
(٣٦) البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ص ١٨١).

↑صفحة ٢٧↑

وأمَّا الفقيه الحنبلي، فقد قال: (لا ريبة في فساد هذا الاعتقاد، لما اشتمل عليه من مخالفة الأحاديث الصحيحة بالعناد، فقد صحَّ عنه (عليه الصلاة والسلام) كما رواه الثقات، عن الرواة الأثبات، أنَّه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، وذكر مقدَّمات لظهوره، وصفات في ذاته، وأُمور تقع في زمانه...)(٣٧).
وأخيراً طالب حاكم المسلمين (أنْ يخرج عليهم أحكام المرتدِّين باستتابتهم ثلاثاً، فإنْ تابوا وإلَّا يضرِبُ أعناقهم بالسيف كي يرتدع أمثالهم من المبتدعين، [و]يريح الله المسلمين منهم أجمعين)(٣٨).
وممَّا يُؤيِّد صحة تلك الفتاوى على لسان إمامنا الصادق (عليه السلام) الأحاديث الآتية:
١ - عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مِهْرَانَ الجَمَّالِ، عَنِ الإِمَامِ اَلصَّادِقِ (عليه السلام)، قَالَ: «مَنْ أَقَرَّ بِجَمِيعِ الأَئِمَّةِ وَجَحَدَ اَلمَهْدِيَّ كَانَ كَمَنْ أَقَرَّ بِجَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَجَحَدَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نُبُوَّتَهُ...»(٣٩).
وقد مرَّ عن الإمام الصادق (عليه السلام) في الإشارة إلى حديث الثقلين ما يُوضِّح المراد بالأئمَّة (عليهم السلام)، وسيأتي ذلك أيضاً.
٢ - وَعَنْ غِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الإِمَامِ اَلصَّادِقِ (عليه السلام)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام)، عَنْ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «مَنْ أَنْكَرَ القَائِمَ مِنْ وُلْدِي فَقَدْ أَنْكَرَنِي»(٤٠).
جدير بالذكر من لفظ (القائم) وإنْ كان وصفاً لجميع الأئمَّة (عليهم السلام)، إلَّا أنَّه ينصرف عند الإطلاق إلى الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، كما هو صريح جميع الروايات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧) البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ص ١٨٢).
(٣٨) البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ص ١٨٣).
(٣٩) كمال الدِّين (ص ٣٣٣/ باب ٣٣/ ح ١).
(٤٠) كمال الدِّين (ص ٤١٢/ باب ٣٩/ ح ٨).

↑صفحة ٢٨↑

وممَّا يُؤيِّد ذلك وعلى لسان الإمام الصادق (عليه السلام):
حديث عَبْدِ الله بْنِ سِنَانٍ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام): ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، قَالَ: «إِمَامِهِمُ الَّذِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وهُوَ قَائِمُ أَهْلِ زَمَانِه»(٤١).
وحديث أَبِي خَدِيجَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) أَنَّه سُئِلَ عَنِ القَائِمِ، فَقَالَ: «كُلُّنَا قَائِمٌ بِأَمْرِ الله وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُ السَّيْفِ، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُ السَّيْفِ جَاءَ بِأَمْرٍ غَيْرِ الَّذِي كَانَ»(٤٢).
وحديث مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَان، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)، قَالَ: «إِذَا قَامَ القَائِمُ (عليه السلام) دَعَا النَّاسَ إِلَى الإِسْلَامِ جَدِيداً، وَهَدَاهُمْ إِلَى أَمْرٍ قَدْ دُثِرَ فَضَلَّ عَنْهُ الجُمْهُورُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ القَائِمُ مَهْدِيًّا لِأَنَّهُ يَهْدِي إِلَى أَمْرٍ قَدْ ضَلُّوا عَنْهُ، وَسُمِّيَ بِالقَائِمِ لِقِيَامِهِ بِالحَقِّ»(٤٣).
هذا، وفي حديث الحَكَم بن أبي نُعَيم، عن الإمام الباقر (عليه السلام) ما يشير بكلِّ وضوح إلى اشتهار وصف الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بالقائم بين صفوف أصحاب الأئمَّة (عليهم السلام)(٤٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١) الكافي (ج ١/ ص ٥٣٦ و٥٣٧/ باب أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) كلَّهم قائمون بأمر الله تعالى.../ ح ٣).
(٤٢) الكافي (ج ١/ ص ٥٣٦/ باب أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) كلَّهم قائمون بأمر الله تعالى.../ ح ٢).
(٤٣) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٨٣)، روضة الواعظين (ص ٢٦٤ و٢٦٥)، إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٨٨)، كشف الغمَّة (ج ٣/ ص ٢٦٣).
(٤٤) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥٣٦/ باب أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) كلَّهم قائمون بأمر الله تعالى.../ ح ١) بسنده عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) وَهُوَ بِالمَدِينَةِ، فَقُلْتُ لَه: عَلَيَّ نَذْرٌ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ إِنْ أَنَا لَقِيتُكَ أَنْ لَا أَخْرُجَ مِنَ المَدِينَةِ حَتَّى أَعْلَمَ أَنَّكَ قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ أَمْ لَا، فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ، فَأَقَمْتُ ثَلَاثِينَ يَوْماً، ثُمَّ اسْتَقْبَلَنِي فِي طَرِيقٍ، فَقَالَ: «يَا حَكَمُ، وَإِنَّكَ لَهَاهُنَا بَعْدُ؟»، فَقُلْتُ: نَعَمْ، إِنِّي أَخْبَرْتُكَ بِمَا جَعَلْتُ لِله عَلَيَّ، فَلَمْ تَأْمُرْنِي، وَلَمْ تَنْهَنِي عَنْ شَيْءٍ، وَلَمْ تُجِبْنِي بِشَيْءٍ، فَقَالَ: «بَكِّرْ عَلَيَّ غُدْوَةً المَنْزِلَ»، فَغَدَوْتُ عَلَيْه، فَقَالَ (عليه السلام): «سَلْ عَنْ حَاجَتِكَ»، فَقُلْتُ: إِنِّي جَعَلْتُ لِله عَلَيَّ نَذْراً وَصِيَاماً وَصَدَقَةً بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ إِنْ أَنَا لَقِيتُكَ أَنْ لَا أَخْرُجَ مِنَ المَدِينَةِ حَتَّى أَعْلَمَ أَنَّكَ قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ أَمْ لَا، فَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ رَابَطْتُكَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَنْتَ سِرْتُ فِي الأَرْضِ فَطَلَبْتُ المَعَاشَ، فَقَالَ: «يَا حَكَمُ، كُلُّنَا قَائِمٌ بِأَمْرِ الله»، قُلْتُ: فَأَنْتَ المَهْدِيُّ؟ قَالَ: «كُلُّنَا نَهْدِي إِلَى الله»، قُلْتُ: فَأَنْتَ صَاحِبُ السَّيْفِ؟ قَالَ: «كُلُّنَا صَاحِبُ السَّيْفِ، وَوَارِثُ السَّيْفِ»، قُلْتُ: فَأَنْتَ الَّذِي تَقْتُلُ أَعْدَاءَ الله، وَيَعِزُّ بِكَ أَوْلِيَاءُ الله، وَيَظْهَرُ بِكَ دِينُ الله؟ فَقَالَ: «يَا حَكَمُ، كَيْفَ أَكُونُ أَنَا وَقَدْ بَلَغْتُ خَمْساً وَأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ وَإِنَّ صَاحِبَ هَذَا الأَمْرِ أَقْرَبُ عَهْداً بِاللَّبَنِ مِنِّي، وَأَخَفُّ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ».

↑صفحة ٢٩↑

٣ - وفي الصحيح عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اَلله (عزَّ وجلَّ): ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، فَقَالَ (عليه السلام): «الآيَاتُ هُمُ الأَئِمَّةُ، وَالآيَةُ اَلمُنْتَظَرَةُ القَائِمُ (عليه السلام)، فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلِ قِيَامِهِ بِالسَّيْفِ، وَإِنْ آمَنَتْ بِمَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ آبَائِهِ (عليهم السلام)»(٤٥).
وهذا الحديث الصحيح صريح بهلاك منكري الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في غيبته، ما لم يتداركوا أنفسهم ويتوبوا إلى الله (عزَّ وجلَّ) قبل انسداد باب التوبة بظهور الإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه). ومنه يُعلَم وهن اعتذار بعض مَنِ اتَّبعوا أهواءهم بأنَّهم لو أدركوا ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لآمنوا به وأسرعوا إلى مبايعته وتصديقه. الأمر الذي يشير إلى ضرورة التصدِّي إلى تلك الأعذار الواهية والذرائع الخاوية، واجتثاث جذورها من الأعماق، ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٤٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥) كمال الدِّين (ص ٣٣٦/ باب ٣٣/ ح ٨)، وأخرجه (رحمه الله) في (ص ١٨) من المقدَّمة، ومن طريق صحيح آخر عن عليِّ بن رئاب، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في (ص ٣٠)، من المقدَّمة أيضاً.
ورواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٠١ و١٠٢/ ح ٩١، وص ١٢٨/ ح ١٣٠).

↑صفحة ٣٠↑

٤ - وعن غياث أيضاً، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: «مَنْ أَنْكَرَ القَائِمَ مِنْ وُلْدِي فِي زَمَانِ غَيْبَتِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»(٤٦).
ويلحظ هنا ذكر الغيبة في تثبيت أصل القضيَّة وفي حكم من أنكرها معاً، ومنه يُكتشَف عمق مفهوم الغيبة المواكب لأصل القضيَّة.
ومن هنا كان الخطر الذي يكمن وراء إنكار الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عظيماً، والنتيجة التي تضمَّنتها الأحاديث الثلاثة تتماشى مع روح القرآن الكريم تماماً، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة: ٨٥)، فما دام الكلُّ من الله (عزَّ وجلَّ) فلا معنى للتبعيض فيه أصلاً، ولهذا فمن آمن بالقرآن الكريم وأنكر سورة واحدة من سوره القصار فقد كفر وخرج عن ملَّة الإسلام، فكذلك الحال هنا.
وقد يقال بأنَّ هذا قياس مع الفارق؛ إذ ليس في القرآن الكريم صحيح وضعيف، بل هو كلُّه من كلام الله (عزَّ وجلَّ) المنقول إلينا بالتواتر، والحديث ليس كذلك؛ إذ فيه الصحيح والضعيف والموضوع الذي لا أصل له، ومن ثَمَّ فإنَّ الوعيد الشديد المذكور واقع على من أنكر أصل القضيَّة المهدويَّة، كمن يقول مثلاً: (لا مهدي في آخر الزمان)! وحينئذٍ لا يضرُّ الوعيد المذكور بمن آمن بمهدي مجهول يخلقه الله في آخر الزمان؛ لأنَّه إيمان بالأصل المتَّفق عليه بين جميع فئات المسلمين وطوائفهم ومذاهبهم.
والجواب: أنَّ معرفة مقام أهل البيت (عليهم السلام) بأنَّهم الامتداد الطبيعي لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنَّهم خلفاؤه، وأوصياؤه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته، وحديثهم حديثه، وقول أيٍّ منهم حجَّة، وأنَّ من مات ولم يعرف إمام زمانه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦) كمال الدِّين (ص ٤١٢ و٤١٣/ باب ٣٩/ ح ١٢).

↑صفحة ٣١↑

منهم مات ميتةً جاهليَّة، كميتة أبي سفيان على الكفر والنفاق، كلُّ ذلك يدلُّ على أنَّهم (عليهم السلام) كالقرآن الكريم لا يجوز تبعيض الإيمان بهم مطلقاً.
ويُؤيِّد هذا من نجاة المسلمين من الضلالة مرهونة باتِّباع القرآن والعترة معاً؛ لأنَّهما صنوان لا يفترقان عمر الدنيا كما في حديث الثقلين الشريف، وهو حديث متواتر بلا أدنى شبهة، هذا فضلاً عن الأحاديث الكثيرة المتواترة في وجوب التمسُّك بهم، والردِّ إليهم، والكون معهم، فإنَّ ظاهرها أنَّ من لم يأخذ منهم أو عمَّن أخذ منهم لا يُعَدُّ في العرف طائعاً لهم، ولا رادًّا إليهم، ولا متمسِّكاً بهم، ولا كائناً معهم، وإذا لم يصدق عليه ذلك لم تصدق عليه صفة الإيمان وإنْ نطق بالشهادتين وصام وصلَّى وأدَّى فرائض الله كلَّها، بل في إسلامه خدش عظيم.
وأمَّا عن دعوى التحقيق في تلك الأحاديث لاحتمال أنْ تكون موضوعة أو ضعيفة، وبالتالي فلا يلزم منها الوعيد المذكور، فهي دعوى غير صحيحة أصلاً؛ إذ لا تحتاج المسألة إلى تحقيق ما ورد فيها من أحاديث، بل لو لم يوجد أيُّ حديث عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام) في مثل هذا الموضوع أصلاً، لكان الاعتقاد بهلاك منكر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هو المتعيَّن، لثبوت كونه خاتم الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) ثبوتاً متواتراً.
علماً أنَّ في هذا الكتاب وحده من الأحاديث المرويَّة عن الإمام الصادق (عليه السلام) وحده ما يكفي لإثبات هذه الحقيقة، فكيف الحال إذن لو أُضيف لها ما روي عن أهل البيت (عليهم السلام) كافَّة؟ لا شكَّ أنَّها ستفوق الحدَّ المطلوب في تحقُّق التواتر بدرجات.
ومن شاء فليرجع إلى أُمَّهات الكُتُب المعتمدة المعدَّة في هذا الغرض كـ(إكمال الدِّين) للشيخ الصدوق (رحمه الله)، وكتاب (الغيبة) للشيخ النعماني (رحمه الله)،

↑صفحة ٣٢↑

وكتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي (رحمه الله)، وغيرها من الكُتُب المعتبرة الأُخرى، التي اشتملت على مئات الأحاديث الواردة في هذا الموضوع.

* * *

↑صفحة ٣٣↑

الفصل الثاني: ترسيخ الإمام الصادق (عليه السلام) للقواعد الكاشفة عن هويَّة الإمام الغائب

هناك جملة وافرة من الأحاديث النبويَّة الشريفة التي يمكن عدُّها - وبكلِّ اطمئنان - من القواعد الأساسيَّة التي أصَّلتها الشريعة الإسلاميَّة في مقام بيان منزلة ومعرفة الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)، ابتداءً من أمير المؤمنين الإمام عليِّ بن أبي طالب، وانتهاءً بالإمام الحجَّة بن الحسن العسكري (عليهم السلام)، بحيث لو ضُمَّ بعضها إلى بعض لتكشَّفت من خلالها هويَّة الإمام الغائب (عجَّل الله فرجه)، وبصورة لا تحتاج معها إلى أيِّ دليل آخر في مسألة ولادته، وإمامته، وغيبته، وطول عمره، وظهوره في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعدما مُلِئَت ظلماً وجوراً، وهو ما اتَّضح لطلائع التشيُّع، وآمنوا به قبل ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بعشرات السنين، نتيجةً لتلك الأخبار التي أفصحت عن كلِّ هذا قبل زمان تحقُّقه.
ومن الطبيعي أنْ لا يتَّفق هذا المنهج القائم على الإيمان بالغيب مع معطيات الفلسفة المادّيَّة التي لا تؤمن بالغيب أصلاً، ومن هنا أصبح الدليل المادِّي في تلك الفلسفة هو الحاكم في مجال العقيدة عند من تأثَّر بتلك الفلسفة وروَّج لها من المستشرفين وغيرهم.
وأمَّا في المنظور الإسلامي فيكفي الاعتقاد بالغيب ثبوت الإخبار عنه بالطريق الشرعي، كوجوده في القرآن الكريم، أو في الصحيح من الحديث

↑صفحة ٣٥↑

النبوي الشريف، أو من حديث أهل البيت (عليهم السلام) الذين زكَّاهم الله تعالى، وأذهب عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً.
والحديث عن دور الإمام الصادق (عليه السلام) في موضوع الثقافة المهدويَّة بوجهٍ عامٍّ، والغيبة والغائب بوجهٍ خاصٍّ، ينبغي أنْ لا تغيب عنه المقدّمات التي اعتمدها الإمام الصادق (عليه السلام) في بناء تلك الثقافة بناءً محكماً، وذلك من خلال القيام بترسيخ القواعد اللَّازمة في ذهنيَّة الأُمَّة، والعمل الدؤوب على نشرها، حتَّى استطاع (عليه السلام) من خلال التأكيد عليها، وبيان مصداقها الخارجي أنْ يجعل العقيدة بالإمام المهدي وغيبته (عجَّل الله فرجه) - قبل أنْ يُولَد بأكثر من مائة عام - من القلاع الشامخة الحصينة التي لا يمكن لأحد تسلُّق أسوارها، فضلاً عن السطو عليها بهدف النيل منها أو تشويهها، ومن تلك القواعد:
القاعدة الأولى: قاعدة العصمة والمرجعيَّة العلميَّة والسياسيَّة لأهل البيت (عليهم السلام):
وهذه القاعدة كغيرها من القواعد الأُخرى الآتية كانت معروفة من قبل، بفضل ما ورد بشأنها في القرآن الكريم وأحاديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت من آباء الإمام الصادق (عليهم السلام)، ولكنَّها لم تصل مداها الأرحب كما ينبغي، بسبب الظرف السياسي الخانق الذي حال دون وصول أهل البيت (عليهم السلام) إلى الخلافة بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مباشرةً، وبالتالي حال دون أنْ تأخذ مفعولها في الوسط الإسلامي.
ومن هنا يبرز دور الإمام الصادق (عليه السلام) في ترسيخ تلك القواعد بناءً على ما ذكرناه سلفاً من توفُّر الانفراج السياسي النسبي الذي حصل له (عليه السلام) بعد انهيار دولة البغاة ونشأة إمبراطوريَّة الطغاة.

↑صفحة ٣٦↑

ولسعة ما اعتمده الإمام (عليه السلام) في التأكيد على هذه القاعدة، فسوف نكتفي بحدود اهتمامه (عليه السلام) بحديث الثقلين الشريف، الذي اعتنى به الإمام (عليه السلام) للغرض المذكور، بعد أنْ رأى محاولات الالتفاف على هذا الحديث الشريف من قِبَل السلطات الحاكمة حيث سخَّرت له من يصرفه عن مؤدَّاه من فقهاء ورواة السلطة وقضاتهم وولاتهم. الأمر الذي يكشف عن إدراكهم خطورة هذا الحديث على المستويين الثقافي والسياسي معاً. وسوف نتحدَّث عنه تحت عنوان:
حديث الثقلين وأثره في بلورة القاعدة:
أوَّلاً: صحَّة الحديث وبيان تواتره:
جرى الاستدلال على صحَّة هذه القاعدة ببيان أُصولها من القرآن الكريم والسُّنَّة النبويَّة الثابتة والسيرة الذاتيَّة لأهل البيت (عليهم السلام) مع الدليل العقلي، وسنقتصر - كما ذكرنا - على دليل واحد من السُّنَّة النبويَّة وهو حديث الثقلين الشريف، فنقول:
إنَّ النيل من صحَّة حديث الثقلين الشريف لا يجدي نفعاً بعد وروده عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من طُرُق كثيرة جدًّا وبألفاظ واحدة ومتقاربة، توجب تواتره بأبهى صورة.
فقد أخرج الترمذي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قوله الشريف: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي: كِتَابَ اَلله حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وَلَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ، فَانْظُروا كَيْفَ تُخَلِّفُونِي فِيهِمَا»(٤٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧) سُنَن الترمذي (ج ٥/ ص ٣٢٨ و٣٢٩/ ح ٣٨٧٦)، وفيه: (حدَّثنا عليُّ بن المنذر الكوفي، أخبرنا محمّد بن فضيل، أخبرنا الأعمش، عن عطيَّة، عن أبي سعيد. والأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)...).

↑صفحة ٣٧↑

وأخرجه عن أبي سعيد - من العامَّة -: أحمد بن حنبل، وابن أبي عاصم، وأبو يعلى الموصلي، وابن الجعد، وابن سعد، وابن أبي شيبة، والطبراني في معاجمه الثلاثة، والحمويني(٤٨).
كما أخرجه عن أبي سعيد - من الإماميَّة -: محمّد بن العبَّاس المفسِّر، والشيخ الصدوق، والشيخ المفيد، والشيخ الطوسي (رحمهم الله)(٤٩).
ولم تقتصر رواية حديث الثقلين على أبي سعيد الخدري فحسب، بل رواه آباء الإمام الصادق (عليهم السلام)، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهم:
- أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام)(٥٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨) مسند أحمد (ج ١٧/ ص ١٦٩ و١٧٠/ ح ١١١٠٤، وص ٣٠٨ و٣٠٩/ ح ١١٢١١، وج ١٨/ ص ١١٤/ ح ١١٥٦١)، فضائل الصحابة له أيضاً (ج ١/ ص ١٧١/ ح ١٧٠، وج ٢/ ص ٥٨٥/ ح ٩٩٠، وص ٦٠٣/ ح ١٠٣٢، وص ٧٧٩ ح ١٣٨٢ و١٣٨٣)، السُّنَّة لابن أبي عاصم (ص ٦٢٩ و٦٣٠/ ح ١٥٥٣ و١٥٥٤)، مسند أبي يعلى الموصلي (ج ٢/ ص ٢٩٧ و٢٩٨/ ح ٤٨/١٠٢١، وص ٣٠٣/ ح ٥٤/١٠٢٧، وص ٣٧٦/ ح ١٦٦/١١٤٠)، مسند ابن الجعد (ص ٣٩٧)، والطبقات الكبرى لابن سعد (ج ٢/ ص ١٩٤)، المصنَّف لابن أبي شيبة (ج ٧/ ص ١٧٦/ ح ٥)، ومعاجم الطبراني الثلاثة: الكبير (ج ٣/ ص ٦٥ و٦٦/ ح ٢٦٧٨ و٢٦٧٩)، والأوسط (ج ٣/ ص ٣٧٤، وج ٤/ ص ٣٣)، والصغير (ج ١/ ص ١٣١ و١٣٥)، فرائد السمطين (ج ٢/ ص ١٤٤ - ١٤٦/ ح ٤٣٨ و٤٣٩).
(٤٩) تأويل الآيات الظاهرة للأسترآبادي (ج ٢/ ص ٦٣٨/ ح ١٩)، وكمال الدِّين (ص ٢٣٥ و٢٣٦/ باب ٢٢/ ح ٤٦ و٤٨ و٥٠، وص ٢٣٧/ ذيل الحديث ٥٤، وص ٢٤٠/ ح ٦١)، معاني الأخبار (ص ٩٠/ باب معنى الثقلين/ ح ١ و٢)، والخصال (ص ٦٥/ ح ٩٧)، أمالي المفيد (ص ١٣٤ - ١٣٦/ ح ٣)، وأمالي الطوسي (ص ٢٥٥/ ح ٤٦٠/٥٢).
(٥٠) أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السُّنَّة (ص ٦٣٠ و٦٣١/ ح ١٥٥٨)، والبزَّار في مسنده (ج ٣/ ص ٨٩/ ح ٨٦٤)، والحمويني الشافعي في فرائد السمطين (ج ٢/ ص ١٤٧/ ح ٤٤١)، والهيثمي في مجمع الزوائد (ج ٩/ ص ١٦٣)، والسمهودي في جواهر العقدين (ج ٢/ ص ٨٦).
ورواه من الإماميَّة: الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ٢/ ص ٤١٤ و٤١٥/ باب أدنى ما يكون به العبد مؤمناً.../ ح ١)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٢٣٥ و٢٣٦/ باب ٢٢/ ح ٤٩، وص ٢٣٧/ ذيل الحديث ٥٤، وص ٢٣٩/ ح ٥٨)، وكذلك في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٦٠/ ح ٢٥، وج ٢/ ص ٣٤/ ح ٤٠، وص ٦٨/ ح ٢٥٩)، وفي معاني الأخبار (ص ٩٠ و٩١/ باب معنى الثقلين والعترة/ ح ٤ و٥)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٥٠/ باب ٢/ ح ٢).

↑صفحة ٣٨↑

- والإمام الحسن السبط (عليه السلام)(٥١).
- والإمام الباقر (عليه السلام)(٥٢).
كما ورد - فيما بعد - عن الإمامين: الكاظم(٥٣)، والرضا (عليهما السلام)(٥٤).
وأمَّا حديث الإمام الصادق (عليه السلام)، فسيأتي في ترسيخ هذه القاعدة.
كما روى حديث الثقلين الشريف عدد من الصحابة، وهم:
١ - جابر بن عبد الله الأنصاري(٥٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١) أخرجه المفيد (رحمه الله) في أماليه (ص ٣٤٨ - ٣٥٠/ مجلس ٤١/ ح ٤)، والطوسي (رحمه الله) في أماليه (ص ١٢١/ ح ١٨٨/١، وص ٦٩١ و٦٩٢/ ح ١٤٦٩/١٢)، والخزَّاز القمِّي (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ١٦٢ - ١٦٥)، وعماد الدِّين الطبري (رحمه الله) في بشارة المصطفى (ص ١٧٠ و١٧١/ ح ١٣٩، وص ٣٩٨/ ح ١٣).
(٥٢) أخرجه الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ٤٣٣ و٤٣٤/ ج ٨/ باب ١٧/ ح ٣ و٦)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ٣/ ص ٤٢٢ - ٤٢٤/ باب تهيئة الإمام للجمعة.../ ح ٦)، والكشَّي (رحمه الله) في رجاله (ج ٢/ ص ٤٨٣ - ٤٨٥/ ح ٣٩٤) في ترجمة ثوير بن أبي فاختة.
(٥٣) أخرجه الشريف الرضي (رحمه الله) في خصائص الأئمَّة (عليهم السلام) (ص ٧٢ - ٧٥).
(٥٤) أخرجه الشيخ الصدوق (رحمه الله) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٢٠٧ و٢٠٨/ باب ٢٣/ ح ١)، وفي الأمالي (ص ٦١٥ و٦١٦/ مجلس ٧٩/ ح ١).
(٥٥) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (ج ٣/ ص ٦٦/ ح ٢٦٨٠)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (ج ٧/ ص ١٧٥/ باب ٢٧/ ح ١)، واللالكائي في شرح أُصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة (ج ١/ ص ٩٠/ ح ٩٥).
وأخرجه من الإماميَّة: الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ٤٣٤/ ج ٨/ باب ١٧/ ح ٥)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٢٣٦ و٢٣٧/ باب ٢٢/ ح ٥٣)، والطوسي (رحمه الله) في أماليه (ص ٥١٦ و٥١٧/ ح ١١٣١/٣٨).

↑صفحة ٣٩↑

٢ - حذيفة بن أسيد(٥٦).
٣ - زيد بن أرقم(٥٧).
٤ - زيد بن ثابت الأنصاري(٥٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٦) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (ج ٣/ ص ١٨٠ و١٨١/ ح ٣٠٥٢)، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (ج ٨/ ص ٤٤٣/ الرقم ٤٥٥١) في ترجمة زيد بن الحسن الأنماطي، وأبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء (ج ١/ ص ٣٥٥/ الرقم ٥٧) في ترجمة حذيفة بن أسيد.
وأخرجه من الإماميَّة: الخزَّاز القمِّي (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ١٢٧ - ١٢٩)، والصدوق (رحمه الله) في الخصال (ص ٦٥ - ٦٧/ ح ٩٨) من أربعة طُرُق.
(٥٧) أخرجه مسلم في صحيحة (ج ٧/ ص ١٢٢ و١٢٣)، وابن خزيمة في صحيحة (ج ٤/ ص ٦٢ و٦٣)، والنسائي في خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) (ص ٩٣)، وأحمد بن حنبل في مسنده (ج ٣٢/ ص ٦٤/ ح ١٩٣١٣)، وفي فضائل الصحابة أيضاً (ج ٢/ ص ٥٧٢/ ح ٩٦٨)، والدارمي في سُنَنه (ج ٢/ ص٤٣١ و٤٣٢)، وابن أبي عاصم في السُّنَّة (ص ٦٢٩ و٦٣٠/ ح ١٥٥٢ و١٥٥٥)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (ج ٧/ ص ١٧٦/ باب ٢٧/ ح ٢)، والطبراني في المعجم الكبير (ج ٣/ ص ٦٦/ ح ٢٦٨١، وج ٥/ ١٦٥ - ١٦٧/ ح ٤٩٦٩ و٤٩٧١، وص ١٦٩ و١٧٠/ ح ٤٩٨٠ و٤٩٨١، وص ١٨٢ - ١٨٤/ ٥٠٢٥ و٥٠٢٧ و٥٠٢٨، وص ١٨٦/ ح ٥٠٤٠)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (ج ٣/ ص ١٠٩ و١٤٨)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (ج ٥/ ص ١٨/ ح ١٧٦٥، ج ٩/ ص ٨٨ و٨٩/ ح ٣٤٦٣ و٣٤٦٤)، والبيهقي في كتاب الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد (ص ٤٥١ و٤٥٢)، وفي سُنَنه أيضاً (ج ٧/ ص ٣٠ و٣١، وج ١٠/ ص ١١٣ و١١٤)، والخوارزمي الحنفي في المناقب (ص ١٥٤ و١٥٥/ ح ١٨٢)، والرافعي في التدوين في أخبار قزوين (ج ٣/ ص ٤٦٥).
وأخرجه من الإماميَّة: الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٢٣٤ و٢٣٥/ باب ٢٢/ ح ٤٤ و٤٥، وص ٢٣٧ - ٢٤٠/ ح ٥٤ - ٥٦ و٦٢) من ستَّة طُرُق.
(٥٨) أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده (ج ٣٥/ ص ٤٥٦/ ح ٢١٥٧٨، وص ٥١٢/ ح ٢١٦٥٤)، وفي فضائل الصحابة له أيضاً (ج ٢/ ص ٦٠٣/ ح ١٠٣٢، وص ٧٨٦/ ح ١٤٠٣)، وابن أبي عاصم في السُّنَّة (ص ٣٣٦ و٣٣٧/ ح ٧٥٤، وص ٦٢٨ و٦٢٩/ ح ١٥٤٨ و١٥٤٩)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (ج ٧/ ص ٤١٨/ ح ٤١)، والطبراني في المعجم الكبير (ج ٥/ ص ١٥٣ و١٥٤/ ح ٤٩٢١ - ٤٩٢٣)، والحمويني في فرائد السمطين (ج ٢/ ص ١٤٤/ ح ٤٣٧).
وأخرجه من الإماميَّة: ابن شاذان (رحمه الله) في مائة منقبة (ص ١٦١/ المنقبة ٨٦)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٢٣٦/ باب ٢٢/ ح ٥٢، وص ٢٣٩ و٢٤٠/ ح ٦٠)، وفي أماليه (ص ٥٠٠/ ح ٦٨٦/١٥).

↑صفحة ٤٠↑

٥ - جندب بن جنادة أبو ذرٍّ الغفاري(٥٩).
٦ - أبو هريرة(٦٠).
٧ - أُمُّ سَلَمة(٦١).
٨ - البراء بن عازب(٦٢).
٩ - حذيفة بن اليمان(٦٣).
١١ - عبد الله بن عبَّاس(٦٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٩) أخرجه عليُّ بن إبراهيم القمِّي (رحمه الله) في تفسيره (ج ١/ ص ١٠٩) في تفسير سورة آل عمران، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٢٣٩/ باب ٢٢/ ح ٥٩)، وفي الخصال (ص ٤٥٧ - ٤٦٠/ ح ٢).
(٦٠) أخرجه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٢٣٥/ باب ٢٢/ ح ٤٧)، والخزَّاز القمِّي (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٨٧).
(٦١) أخرجه الطوسي (رحمه الله) في أماليه (ص ٤٧٨ و٤٧٩/ ح ١٠٤٥/١٤).
(٦٢) أخرجه عماد الدِّين الطبري (رحمه الله) في بشارة المصطفى (ص ٢١٦ و٢١٧/ ح ٤٣).
(٦٣) أخرجه الخزَّاز القمِّي (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ١٣٦ - ١٣٨)، وابن طاووس (رحمه الله) في إقبال الأعمال (ج ٢/ ص ٢٤٠ - ٢٤٣).
(٦٤) أخرجه الخوارزمي الحنفي في المناقب (ص ٣٢٩ و٣٣٠/ ح ٣٤٩).
وأخرجه من الإماميَّة: الصدوق (رحمه الله) في أماليه (ص ١٢١ و١٢٢/ ح ١١٢/١١)، والمفيد (رحمه الله) في أماليه (ص ٤٥ - ٤٧/ المجلس ٦/ ح ٦)، وابن شاذان القمِّي (رحمه الله) في مائة منقبة (ص ١٤٣ و١٤٤/ المنقبة ٧٥).

↑صفحة ٤١↑

١٢ - عمر بن الخطَّاب(٦٥).
ثانياً: مَنْ صحَّح الحديث من العلماء:
من الواضح أنَّ اتِّفاق الصحابة - الذين سبق ذكرهم - على رواية حديث الثقلين الشريف بلفظ: «كِتَابَ الله وَعِتْرَتِي...»، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوجب تواتره، وإذا ما أُضيف إلى ذلك موقف أهل البيت (عليهم السلام) من هذا الحديث عُلِمَ تواتره بأبهى صورة. على أنَّهم صرَّحوا بحسن الكثير من طُرُقه تارةً، وصحَّتها أُخرى. ولو جُمِعَت طُرُق الحديث تلك لكانت وحدها دليلاً كافياً على تواتر الحديث. وإليك جملة يسيرة بأسماء من قال بحسن الحديث أو صحَّته، وهم:
١ - محمّد بن إسحاق (ت ١٥٠هـ)(٦٦).
٢ - محمّد بن عيسى الترمذي (ت ٢٩٧هـ)(٦٧).
٣ - يحيى بن زكريَّا الحافظ النيسابوري (ت ٣٠٧هـ)(٦٨).
٤ - محمّد بن جرير بن رستم الطبري المفسِّر العامِّي (ت ٣١٠هـ)(٦٩).
٥ - أبو بكر محمّد بن إسحاق السلمي المعروف بابن خزيمة (ت ٣١١هـ)(٧٠).
٦ - أحمد بن محمّد بن عقدة الزيدي الجارودي الحافظ (ت ٣٣٣هـ)، وهو من المعتقدين بتواتر الحديث؛ إذ أخرجه عن أكثر من مائة من الصحابة وبطُرُق شتَّى في كتاب (الولاية) كما صرَّح بهذا السيِّد ابن طاووس(٧١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٥) أخرجه الخزَّاز القمِّي (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٩١ و٩٢).
(٦٦) لسان العرب (ج ٤/ ص ٥٣٨/ مادَّة عتر).
(٦٧) سُنَن الترمذي (ج ٥/ ص ٣٢٨ و٣٢٩/ ح ٣٨٧٦).
(٦٨) الفوائد المنتقاة والغرائب الحسان عن الشيوخ الكوفيِّين (٧٣ و٧٤).
(٦٩) كنز العُمَّال (ج ١/ ص ٣٧٩ و٣٨٠/ ح ١٦٥٠).
(٧٠) راجع: صحيح ابن خزيمة (ج ١/ ص ٣) من المقدَّمة.
(٧١) اُنظر: إقبال الأعمال (ج ٢/ ص ٢٣٩ و٢٤٠).

↑صفحة ٤٢↑

٧ - الأزهري اللغوي المشهور (ت ٣٧٠هـ)(٧٢).
٨ - الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ)(٧٣).
٩ - أبو سعيد السجزِّي (ت ٤٧٧هـ)، وهو من المعتقدين بتواتر الحديث؛ إذ أخرجه من طُرُق شتَّى(٧٤).
١٠ - البغوي (ت ٥١٠هـ)(٧٥).
١١ - سبط ابن الجوزي (ت ٦٩٤هـ)(٧٦).
١٢ - ابن منظور (ت ٧١١هـ)(٧٧).
١٣ - المزِّي (ت ٧٤٢هـ)(٧٨).
١٤ - الذهبي (ت ٧٤٨هـ)(٧٩).
١٥ - ابن كثير الدمشقي (ت ٧٧٤هـ)(٨٠).
١٦ - المحاملي في (أماليه)، على ما سيأتي عن السيوطي.
١٧ - نور الدِّين الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ)(٨١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٢) تهذيب اللغة (ج ٢/ ص ١٥٧/ مادَّة عتر).
(٧٣) مستدرك الحاكم (ج ٣/ ص ١٠٩ و١٤٨).
(٧٤) إقبال الأعمال (ج ٢/ ص ٢٣٩/ فصل ٢).
(٧٥) مصابيح السُّنَّة (ج ٤/ ص ١٨٥/ ح ٤٨٠٠، وص ١٨٩ و١٩٠/ ح ٤٨١٥ و٤٨١٦)، وشرح السُّنَّة (ج ١٤/ ص ١١٧ - ١١٩/ ح ٣٩١٣ و٣٩١٤).
(٧٦) تذكرة الخواصِّ (ص ٢٩٠).
(٧٧) لسان العرب (ج ٤/ ص ٥٣٨/ مادَّة عتر).
(٧٨) تحفة الأشراف (ج ٣/ ص ١٩٢/ ح ٣٦٥٩).
(٧٩) تلخيص المستدرك (مطبوع بهامش مستدرك الحاكم) (ج ٣/ ص ٥٣٣).
(٨٠) السيرة النبويَّة لابن كثير (ج ٤/ ص ٤١٦)، وتفسير ابن كثير (ج ٧/ ص ١٨٥) في تفسير الآية (٢٣) من سورة الشورى، والبداية والنهاية (ج ٥/ ص ٢٢٨ و٢٢٩ و٢٣١).
(٨١) مجمع الزوائد (ج ١/ ص ١٧٠، وج ٩/ ص ١٦٢ و١٦٣).

↑صفحة ٤٣↑

١٨ - البوصيري (ت ٨٤٠ هـ)(٨٢).
١٩ - ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ)(٨٣).
٢٠ - السخاوي (ت ٩٠٢هـ)، وهو من المعتقدين بتواتر الحديث؛ إذ أخرجه من طُرُق كثيرة صحَّح الكثير منها(٨٤).
٢١ - السيوطي (ت ٩١١هـ)، وهو من المعتقدين بتواتره أيضاً، كما يظهر من كثرة طُرُقه، وقد صحَّح بعضها، وأشار إلى تصحيح من سبقه لها كالمحاملي وغيره(٨٥).
٢٢ - السمهودي (ت ٩١١هـ)، وهو من المعتقدين بتواتره أيضاً، كما يظهر بوضوح من طُرُقه لديه، مع تصحيحه لكثير من تلك الطُّرُق(٨٦).
٢٣ - محمّد بن يوسف الشامي (ت ٩٤٢هـ)(٨٧).
٢٤ - ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤هـ)، وهو من المعتقدين بتواتر الحديث، وله كلام طويل في تصحيح جملة وافرة من طُرُقه(٨٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٢) مختصر إتحاف السادة المهرة (ج ٨/ ص ٤٦١/ ح ٦٦٧٣، وج ٩/ ص ١٩٤/ ح ٧٤٨٣).
(٨٣) المطالب العالية (ج ١٦/ ص ١٤٢/ ح ٣٩٤٣).
(٨٤) استجلاب ارتقاء الغرف (ص ٣٣٦ - ٣٦٤).
(٨٥) مسند عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) (ص ١٩٢/ ح ٦٠٥)، وجامع الأحاديث (ج ٣/ ص ٢٣١ و٢٣٢ و٢٣٤ و٢٣٦ و٢٤١ و٢٤٢ و٢٥٥/ ح ٨٣٤١ و٨٣٤٥ و٨٣٤٦ و٨٣٥٤ و٨٣٦٥ و٨٣٩٦ و٨٤٧٣)، والخصائص الكبرى (ج ٢/ ص ٣٩)، والدُّرُّ المنثور (ج ٦/ ص ٧) في تفسير الآية (٢٣) من سورة الشورى.
(٨٦) جواهر العقدين (ج ٢/ ص ٧٢ - ٨٩ و٩٨)، وقال في هذا المورد الأخير: (وهو كثير الطُّرُق جدًّا، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان).
(٨٧) سُبُل الهدى والرشاد (ج ١١/ ص ٦).
(٨٨) الصواعق المحرقة (ص ٤٢ - ٤٤ و١٢٦ و١٤٥ و١٤٩ و١٥٠ و٢٢٨).

↑صفحة ٤٤↑

٢٥ - عبد الرؤوف محمّد بن عليٍّ المناوي (ت ١٠٣١هـ)(٨٩).
٢٦ - عليُّ بن برهان الدِّين الحلبي (ت ١٠٤٤هـ)(٩٠).
٢٧ - محمّد بن معتمد خان الحارثي المعروف بالبدخشاني (ت ١١٢٦هـ)(٩١).
٢٨ - محمّد بن محمّد بن معين المعروف بالسندي (ت ١١٦١هـ)(٩٢).
٢٩ - الزبيدي الحنفي (ت ١٢٠٥هـ)(٩٣).
٣٠ - الحسين بن أحمد الصنعاني (ت ١٢٢١هـ)(٩٤).
٣١ - القندوزي الحنفي (ت ١٢٧٠هـ)، وهو من المعتقدين بتواتر الحديث؛ إذ أخرجه من طُرُق كثيرة جدًّا صحَّح معظمها(٩٥).
٣٢ - الآلوسي المفسِّر الوهَّابي (ت ١٢٧٠هـ)، فقد صحَّح الحديث، وقال معقِّباً بعد التصحيح: إنَّه (يقتضي أنَّ النساء المطهَّرات غير داخلات في أهل البيت الذين هم أحد الثقلين)(٩٦).
٣٣ - وصحَّحه جمال الدِّين القاسمي (ت ١٣٣٢هـ)(٩٧).
٣٤ - وصحَّحه محمود شكري الآلوسي (ت ١٣٤٢هـ)، مصرِّحاً بأنَّ من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٩) فيض القدير (ج ٢/ ص ٢٢٠/ ح ١٦٠٨).
(٩٠) السيرة الحلبيَّة (ج ٣/ ص ٣٣٦).
(٩١) نُزُل الأبرار بما صحَّ من مناقب أهل البيت الأطهار (ص ٣٣).
(٩٢) دراسات اللبيب في الأُسوة الحسنة بالحبيب (٢٠٢).
(٩٣) إتحاف السادة المتَّقين (ج ١٤/ ص ٥٣٤).
(٩٤) الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير (ج ١/ ص ٣٩).
(٩٥) ينابيع المودَّة (ج ١/ ص ٩٥/ فصل حديث الثقلين وحديث الغدير).
(٩٦) تفسير الآلوسي الوهَّابي (ج ١١/ ص ١٩٧) في تفسير الآية (٣٣) من سورة الأحزاب.
(٩٧) تفسير القاسمي (ج ٨/ ص ٣٦٤).

↑صفحة ٤٥↑

خالف الثقلين فهو ضالٌّ، ومذهبه باطل وفاسد، لا يُعبَأ به، ومن جحد بهما فقد غوى، ووقع في مهاوي الردى(٩٨).
ولله دَرُّ القائل: والحقُّ ينطق منصفاً وعنيداً.
٣٥ - وصحَّحه - كذلك - المولوي حسن زمان (من أعلام القرن الرابع عشر الهجري)(٩٩).
٣٦ - والألباني الوهَّابي (ت ١٤١٣هـ)(١٠٠).
وإذا ما لوحظ بأنَّ مسلم بن الحجَّاج النيسابوري (ت ٢٦١هـ) قد أخرج الحديث في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري كما تقدَّم، وأنَّ علماء العامَّة مطبقون على صحَّة هذا الكتاب، فلا معنى إذن للإكثار من أسماء علمائهم الذين صحَّحوا الحديث.
ويدلُّ على ذلك أقوالهم الآتية:
١ - قال العيني في (عمدة القاري): (اتَّفق علماء الشرق والغرب على أنَّه ليس بعد كتاب الله تعالى أصحّ من صحيحي البخاري ومسلم)(١٠١).
٢ - وقال الكشميري الديوبندي في (فيض الباري): (واعلم أنَّه انعقد الإجماع على صحَّة البخاري ومسلم)(١٠٢).
٣ - وقال حاجُّ خليفة في (كشف الظنون): (إنَّ السلف والخلف قد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٨) مختصر التحفة الاثني عشريَّة (ص ٥٢).
(٩٩) القول المستحسن في فخر الحسن (ص ٥٩٤).
(١٠٠) صحيح الجامع الصغير (ج ١/ ص ٢٨٦ و٢٨٧/ ح ١٣٥١، وص ٤٨٢/ ح ٢٤٥٧ و٢٤٥٨)، سلسلة الأحاديث الصحيحة (ج ٤/ ص ٣٥٥/ ح ١٧٦١).
(١٠١) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (ج ١/ ص ٥).
(١٠٢) فيض الباري على صحيح البخاري (ج ١/ ص ٥٢).

↑صفحة ٤٦↑

أطبقوا على أنَّ أصحّ الكُتُب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى، صحيح البخاري ثمّ صحيح مسلم)(١٠٣).
٤ - وكان أبو عليٍّ النيسابوري يرى (أنَّه ما من شيء تحت أديم السماء إلَّا وصحيح مسلم أصحّ منه)(١٠٤).
٥ - وذهب الذهبي، والسرخسي، وابن تيميَّة، وعمر بن الصلاح الشهرزوري، والحميدي، وابن طاهر، وأبو إسحاق الشيرازي، والقاضي عبد الوهَّاب المالكي، إلى القول بأنَّ ما وُجِدَ في الصحيحين يفيد القطع! واحتجُّوا بالإجماع على قبوله، وجزم السيوطي بأنَّ القطع هو الصواب(١٠٥)!
هذه هي رتبة حديث الثقلين الشريف بلفظ: «كَتِابَ الله وَعِتْرَتِي...» عند علماء العامَّة، وبهذا تعلم قيمة إعراض البخاري في (صحيحه) عن رواية هذا الحديث، وقيمة الشُّبُهات التي أثارها ويثيرها بعض الجهلة من هنا وهناك بشأن صحَّة هذا الحديث تارةً أو دلالته تارةً أُخرى(١٠٦).
ثالثاً: علم الصحابة بالمعنيِّين بحديث الثقلين:
إنَّ العودة السريعة إلى أزمان صدور الحديث(١٠٧) تُؤكِّد لنا أهمّيَّة حديث

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٣) كشف الظنون (ج ١/ ص ٦٤١).
(١٠٤) راجع: وفيات الأعيان (ج ٥/ ص ١٩٤).
(١٠٥) شرح الزرقاني على المنظومة البيقونيَّة (ص ٥٧ - ٥٩/ القسم الأوَّل: الحديث الصحيح)، وفيض الباري (ج ١/ ص ٤١).
(١٠٦) راجع: حديث الثقلين (تواتره، فقهه) للسيِّد عليٍّ الحسيني الميلاني، كتبه ردًّا على بعض من تخرَّص باطلاً بشأن حديث الثقلين الشريف.
(١٠٧) الثابت هو أنَّ حديث الثقلين الشريف قد أكَّده رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على أُمَّته في أكثر من مكان وزمان؛ فمرَّةً في حجَّة الوداع كما في حديث جابر، وأُخرى عند منصرفه من الطائف كما في حديث عبد الرحمن بن عوف، وثالثة في الجحفة قرب غدير خمٍّ كما في حديث زيد بن أرقم وغيره، ورابعة في مرض موته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما في حديث أُمِّ سَلَمة وقد امتلأت الحجرة من أصحابه، وخامسة في المسجد النبوي الشريف قبل وفاته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بيومين أو ثلاثة، وغيرها كما يتَّضح من مراجعة مصادر الحديث السابقة.

↑صفحة ٤٧↑

الثقلين (القرآن والعترة)، وقيمة إرجاع الأُمَّة فيه إلى العترة لأخذ الدِّين الحقِّ عنهم، وتزداد أهمّيَّته كثيراً بالوقوف على أسباب التأكيد عليه في مناسبات مختلفة ونُوَب متفرِّقة؛ منها في يوم الغدير، وآخرها في مرضه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأخير.
هذا فضلاً عن تأكيده (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المستمرِّ على الاقتداء بعترته أهل بيته، والاهتداء بهديهم، والتحذير من مخالفتهم، وذلك بجعلهم تارةً كسُفُن للنجاة، وأُخرى أماناً للأُمَّة، وثالثة كباب حطَّة.
وفي الواقع لم يكن الصحابة بحاجة إلى سؤال واستفسار من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لتشخيص المراد بأهل البيت (عليهم السلام)، وهم يرونه وقد خرج للمباهلة وليس معه غير أصحاب الكساء وهو يقول: «اللَّهُمَّ هَؤلَاءِ أَهْلِي»، وهم من أكبر الناس معرفةً بخصائص هذا الكلام، وإدراكاً لما ينطوي عليه من قصر واختصاص.
خصوصاً وقد علموا كيف جذب (صلّى الله عليه وآله وسلّم) طرف الكساء من يد أُمِّ سَلَمة ومنعها من الدخول مع أهل بيته قائلاً لها: «إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ»(١٠٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٨) تفسير الطبري (ج ٢٢/ ص ١٠ - ١٣/ ح ٢١٧٣٢ و٢١٧٣٤ و٢١٧٣٦ و٢١٧٣٩)، تفسير ابن أبي حاتم (ج ٩/ ص ٣١٣٢ و٣١٣٣/ ح ١٧٦٧٩)، معاني القرآن للنحَّاس (ج ٥/ ص ٣٤٨)، تفسير الثعلبي (ج ٨/ ص ٤٢ و٤٣)، أسباب نزول الآيات للواحدي (ص ٢٣٩)، تفسير السمعاني (ج ٤/ ص ٢٨٠)، تفسير القرطبي (ج ١٤/ ص ١٨٣)، تفسير ابن كثير (ج ٣/ ص ٤٩٢ و٤٩٣)، الدُّرُّ المنثور (ج ٥/ ص ١٩٨)، وفتح القدير (ج ٤/ ص ٢٧٩)، كلُّهم في تفسير آية التطهير.
واُنظر: مسند أحمد (ج ٤٤/ ص ١١٨ و١١٩/ ح ٢٦٥٠٨، وص ٢١٧/ ح ٢٦٥٩٧)، وسُنَن الترمذي (ج ٥/ ص ٣٠ و٣١/ ح ٣٢٥٨، وص ٣٢٨/ ح ٣٨٧٥)، ومسند أبي يعلى (ج ١٢/ ص ٤٥١/ ح ٧٠٢١)، وفضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) لابن عقدة (ص ٢١٠)، والمعجم الكبير للطبراني (ج ٣/ ص ٥٢ - ٥٤/ ح ٢٦٦٢ و٢٦٦٦، وج ٢٣/ ص ٢٤٩ و٣٣٣)، ومستدرك الحاكم (ج ٢/ ص ٤١٦)، ومناقب عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) لابن مردويه (ص ٣٠١ - ٣٠٣/ ح ٤٧٨ - ٤٨٣)، وتيسير المطالب (ص ١٩٢ و١٩٣/ ح ١٣٤)، ومعرفة الصحابة (ج ٥/ ص ١٥٩ و١٦٠/ ح ٧٤٦١)، والنور المشتعل (ص ١٧٥ و١٧٦/ ح ٤٦)، وتاريخ بغداد (ج ٩/ ص ١٢٨، وج ١٠/ ص ٢٧٧)، ومناقب أهل البيت (عليهم السلام) لابن المغازلي (ص ٣٦٣ و٣٦٤/ ح ٣٥٤)، والأمالي الخميسيَّة (ج ١/ ص ١٩٨/ ح ٧٣٤)، وشواهد التنزيل للحسكاني (ج ٢/ ص ٣٨ و٣٩/ ح ٦٥٨ و٦٥٩، وص ٥٢ - ٥٤/ ح ٦٧٢ - ٦٧٤، وص ٦١ - ٦٣/ ح ٦٨٢ - ٦٨٥، وص ٨٥ - ٨٨/ ح ٧٠٦ - ٧١٣، وص ٩٥ و٩٧ و٩٨/ ح ٧٢٠ و٧٢٢ - ٧٢٤، وص ١٠٠ - ١٠٢/ ح ٧٢٦ - ٧٣١، وص ١٠٦ و١٠٧/ ح ٧٣٧ و٧٣٨، وص ١٠٨ - ١١٠/ ح ٧٤٠، وص ١١٥ و١١٦/ ح ٧٤٧ - ٧٤٩، وص ١١٧ - ١٣٠/ ح ٧٥٢ - ٧٦١، وص ١٣٣ و١٣٤/ ح ٧٦٥، وص ١٣٥/ ح ٧٦٨)، إلى غير ذلك.

↑صفحة ٤٨↑

وشاهدوه أيضاً وهو يقف (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على باب فاطمة (عليها السلام) صباح كلِّ يوم ولمدَّة تسعة أشهر، وهو يقرأ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الأحزاب: ٣٣)(١٠٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٩) راجع الأحاديث الواردة في وقوف النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على باب فاطمة (عليها السلام) وهو يقرأ آية التطهير في: مسند أبي داود (ص ٢٧٤)، ومسند أحمد (ج ٢١/ ص ٢٧٣ و٢٧٤/ ح ١٣٧٢٨، وص ٤٣٤/ ح ١٤٠٤٠)، وأنساب الأشراف (ج ٢/ ص ١٠٤/ ح ٣٨)، وسُنَن الترمذي (ج ٥/ ص ٣١/ ح ٣٢٥٩)، والآحاد والمثاني (ج ٥/ ص ٣٦٠/ ح ٢٩٥٣)، وتفسير الأوراسي (ج ٣/ ص ٣٢٣)، وتفسير الطبري (ج ٢٢/ ص ٩ و١٠/ ح ٢١٧٢٩ و٢١٧٣١)، وضعفاء العقيلي (ج ٣/ ص ١٣١)، وفضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) لابن عقدة (ص ١٩٧ ,٢١٢ و٢١٣)، والمعجم الكبير للطبراني (ج ٣/ ص ٥٦/ ح ٢٦٧١ و٢٦٧٢، وج ٩/ ص ٢٦، وج ٢٢/ ص ٢٠٠ و٤٠٢)، والمعجم الأوسط له أيضاً (ج ٨/ ص ١١٢)، والكامل لابن عدي (ج ٧/ ص ٦١ و١٧٤)، وطبقات المحدِّثين بأصبهان (ج ٤/ ص ١٤٩)، وفضائل فاطمة الزهراء (عليها السلام) (ص ٦٨ و٦٩/ ح ١٤)، والمؤتلف والمختلف (ج ٤/ ص ٢١٢١)، وتفسير ابن زمنين (ج ٣/ ص ٣٩٨ و٣٩٩)، ومستدرك الحاكم (ج ٣/ ص ١٥٨)، ومناحل الشفا (ج ٢/ ص ٤٤٥/ ح ٦٤٣، وج ٥/ ص ٣٦٥/ ح ٢٣٢٥)، ومناقب عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) لابن مردويه (ص ٢٧٨/ ح ٤٣٤، وص ٣٠٣ - ٣٠٥/ ح ٤٨٦ - ٤٩٢)، وتفسير الثعلبي (ج ٨/ ص ٤٤)، ومعرفة الصحابة (ج ٤/ ص ٤٥٨/ ح ٦٧٩٣)، والاستيعاب (ج ٤/ ص ١٥٤٢ و١٦٣٣)، وشواهد التنزيل للحسكاني (ج ١/ ص ٤٩٧/ ح ٥٢٦، وج ٢/ ص ١٨ - ٢٥/ ح ٦٣٧ - ٦٤٤، وص ٤٤ - ٤٧/ ح ٦٦٥ - ٦٦٨، وص ٧٤ - ٨٣/ ح ٦٩٤ - ٧٠٣، وص ١٣٤/ ح ٧٦٦، وص ١٣٨/ ح ٧٧١ - ٧٧٣)، إلى غير ذلك.

↑صفحة ٤٩↑

وکلُّ هذا يکفي لمن شاهد ذلك أو سمع به من الصحابة لأنْ يعرف مَنْ هم أهل البيت (عليهم السلام).
وأمَّا ما يقال بأنَّ معرفة الصحابة بأهل البيت (عليهم السلام) كانت مقتصرة على أصحاب الكساء (عليهم السلام)، في حين أشار الحديث إلى استمرار وجودهم مع القرآن ليكونا لمن تمسَّك بهما عاصمين من الضلالة إلى يوم القيامة، وهذا يُبرِّر لهم السؤال عمَّن سيأتي بعد أصحاب الكساء (عليهم السلام) من أهل البيت، لكي تعرف الأُمَّة أسماءهم ولا يشتبه أحد بهم.
والجواب: أنَّ حاجة الصحابة والأجيال اللَّاحقة فيما بعد ليس أكثر من تشخيص أوَّلهم ليكون المرجع للقيام بمهمَّته بعد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتَّى يأخذ دوره في عصمة الأُمَّة من الضلالة، وهو بدوره مسؤول عن تعيين من يليه في هذه المهمَّة، وهكذا حتَّى يرد آخر عاصم من الضلالة مع القرآن على النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الحوضَ.
وإذا علمت أنَّ عليًّا (عليه السلام) قد تعيَّن بنصوص لا تُحصى، ومنها في حديث الثقلين نفسه، فليس من الضروري إذن أنْ يتولَّى النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بنفسه تعيين من يلي أمر الأُمَّة باسمه في كلِّ عصر وجيل، إنْ لم نقل: إنَّه غير طبيعي لولا أنْ تقتضيه بعض الاعتبارات(١١٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٠) راجع: الأُصول العامَّة للفقه المقارن (ص ١٧٥).

↑صفحة ٥٠↑

فالمقياس إذن في معرفة إمام كلِّ عصر وجيل إمَّا أنْ يكون بتعيينهم دفعة واحدة، أو بنصِّ السابق على إمامة اللَّاحق، وهو المقياس الطبيعي المألوف الذي دأبت عليه الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، وعرفته البشريَّة في سياساتها منذ أقدم العصور وإلى يوم الناس هذا.
ومع هذا فإنَّ الصحابة لم يكونوا على جهلٍ تامٍّ بهويَّة من سيأتي بعد أصحاب الكساء (عليهم السلام)؛ إذ علموا مسبقاً بعدد الأئمَّة بعد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهم اثنا عشر على لسان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما سيأتي في القاعدة الرابعة، وفيهم من علم أسماءهم (عليهم السلام) من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مباشرةً كجابر بن عبد الله الأنصاري(١١١)، وابن عبَّاس(١١٢)، وسلمان الفارسي (رضي الله عنه)(١١٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١١) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥٣٢/ باب فيما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ٩) بسنده عَنْ أَبِي الْجَارُودِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ (عليها السلام) وَبَيْنَ يَدَيْهَا لَوْحٌ فِيه أَسْمَاءُ الأَوْصِيَاءِ مِنْ وُلْدِهَا، فَعَدَدْتُ اثْنَيْ عَشَرَ، آخِرُهُمُ الْقَائِمُ (عليه السلام)، ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ مُحَمَّدٌ، وَثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ عَلِيٌّ».
ورواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣١٣/ باب ٢٨/ ح ٤).
(١١٢) روى الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٢٨٠/ باب ٢٤/ ح ٢٨) بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ: «أَنَا وَعَلِيٌّ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَتِسْعَةٌ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ مُطَهَّرُونَ مَعْصُومُونَ»، وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٦٥ و٦٦/ ح ٣٠).
ورواه الخزَّاز القمِّي (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ١٩)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ١٨١)، وابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ١/ ص ٢٥٣ و٢٥٤)، والإربلي (رحمه الله) في كشف الغمَّة (ج ٣/ ص ٣١٤)، والجويني في فرائد السمطين (ج ٢/ ص ١٣٢ و١٣٣/ ح ٤٣٠، وص ٣١٣/ ح ٥٦٣)، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودَّة (ج ٢/ ص ٣١٦/ ح ٩١٠، وج ٣/ ص ٣٨٤/ ح ٤).
(١١٣) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥٢٥ و٥٢٦/ باب فيما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ١) بسنده عَنْ أَبِي هَاشِمٍ دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي (عليه السلام)، قَالَ: «أَقْبَلَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَمَعَه الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام) وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى يَدِ سَلْمَانَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ الْحَرَامَ فَجَلَسَ، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْأَةِ وَاللِّبَاسِ، فَسَلَّمَ عَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، فَرَدَّ عَلَيْه السَّلَامَ، فَجَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَسْأَلُكَ عَنْ ثَلَاثِ مَسَائِلَ إِنْ أَخْبَرْتَنِي بِهِنَّ عَلِمْتُ أَنَّ الْقَوْمَ رَكِبُوا مِنْ أَمْرِكَ مَا قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ لَيْسُوا بِمَأْمُونِينَ فِي دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ، وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى عَلِمْتُ أَنَّكَ وَهُمْ شَرَعٌ سَوَاءٌ، فَقَالَ لَه أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام): سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الرَّجُلِ إِذَا نَامَ أَيْنَ تَذْهَبُ رُوحُه؟ وَعَنِ الرَّجُلِ كَيْفَ يَذْكُرُ وَيَنْسَى، وَعَنِ الرَّجُلِ كَيْفَ يُشْبِه وَلَدُه الأَعْمَامَ وَالأَخْوَالَ؟ فَالْتَفَتَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِلَى الْحَسَنِ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَجِبْه»، قَالَ: «فَأَجَابَه الْحَسَنُ (عليه السلام)، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله، وَلَمْ أَزَلْ أَشْهَدُ بِهَا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، وَلَمْ أَزَلْ أَشْهَدُ بِذَلِكَ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ وَصِيُّ رَسُولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَالْقَائِمُ بِحُجَّتِه - وَأَشَارَ إِلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ -، وَلَمْ أَزَلْ أَشْهَدُ بِهَا، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ وَصِيُّه وَالْقَائِمُ بِحُجَّتِه - وَأَشَارَ إِلَى الْحَسَنِ (عليه السلام) -، وَأَشْهَدُ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ وَصِيُّ أَخِيه وَالْقَائِمُ بِحُجَّتِه بَعْدَه، وَأَشْهَدُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّه الْقَائِمُ بِأَمْرِ الْحُسَيْنِ بَعْدَه، وَأَشْهَدُ عَلَى مُحَمَّدِ ابْنِ عَلِيٍّ أَنَّه الْقَائِمُ بِأَمْرِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَأَشْهَدُ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِأَنَّه الْقَائِمُ بِأَمْرِ مُحَمَّدٍ، وَأَشْهَدُ عَلَى مُوسَى أَنَّه الْقَائِمُ بِأَمْرِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَشْهَدُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى أَنَّه الْقَائِمُ بِأَمْرِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَأَشْهَدُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّه الْقَائِمُ بِأَمْرِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى، وَأَشْهَدُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ بِأَنَّه الْقَائِمُ بِأَمْرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَشْهَدُ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بِأَنَّه الْقَائِمُ بِأَمْرِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَشْهَدُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ وُلْدِ الْحَسَنِ لَا يُكَنَّى وَلَا يُسَمَّى حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرُه، فَيَمْلأَهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُه، ثُمَّ قَامَ فَمَضَى، فَقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، اتْبَعْه فَانْظُرْ أَيْنَ يَقْصِدُ، فَخَرَجَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَقَالَ: مَا كَانَ إِلَّا أَنْ وَضَعَ رِجْلَه خَارِجاً مِنَ المَسْجِدِ فَمَا دَرَيْتُ أَيْنَ أَخَذَ مِنْ أَرْضِ الله، فَرَجَعْتُ إِلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَأَعْلَمْتُه، فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أتَعْرِفُه؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُه وَأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ، قَالَ: هُوَ الْخَضِرُ (عليه السلام)».
ورواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٠٦ - ١٠٨/ ح ٩٣)، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ١٦٠ - ١٦٢)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٦٦ - ٦٨/ باب ٤/ ح ٢)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣١٣ - ٣١٥/ باب ٢٩/ ح ١)، والطبري الشيعي (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ١٧٤ - ١٧٦/ ح ٩٥/٢٦)، والكراجكي (رحمه الله) في الاستنصار (ص ٣٢ و٣٣)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٥٤ و١٥٥/ ح ١١٤).

↑صفحة ٥١↑

هذا فضلاً عمَّن عَلِمَ منهم بانحدار بقيَّة أهل البيت (عليهم السلام) من صلب الإمام الحسين (عليه السلام)، وأنَّ عددهم لا يزيد ولا ينقص عن تسعة، وأنَّ تاسعهم

↑صفحة ٥٢↑

هو المهدي الموعود، ومن جملة مَنْ علم ذلك: أبو سعيد الخدري، وأبو أيُّوب الأنصاري، وعليٌّ الهلالي، وغيرهم كثير(١١٤).
وإذا ما عدنا إلى واقع أهل البيت (عليهم السلام) نجد النصَّ قد توفَّر على إمامتهم بكلا طريقيه: النصُّ المستطيل الشامل، وتعيين السابق للَّاحق، ومن سَبَر الواقع التاريخي لسلوكهم علم يقيناً بأنَّهم ادَّعوا لأنفسهم الإمامة في عرض السلطة الزمنيَّة، واتَّخذوا من أنفسهم كما اتَّخذهم الملايين من أتباعهم أئمَّةً وقادةً للمعارضة السلميَّة للحكم القائم في زمانهم، مع إرشاد كلِِّ إمام أتباعه على مَنْ يقوم بأمر الإمامة من بعده، وعلى هذا جرت سيرتهم، فكانوا عرضة للمراقبة والسجون والاستشهاد بالسمِّ تارةً، وفي سوح الجهاد تارةً أُخرى، وعلى أيدي القائمين بالحكم أنفسهم(١١٥).
ثمّ لو فُرِضَ أنَّ أحدهم لم يُعيِّن لأتباعه مَنْ يقوم بأمر الإمامة من بعده، مع فرض توقُّف النصِّ عليه، فإنَّ معنى ذلك بقاء ذلك الإمام خالداً مع القرآن في كلِّ عصر وجيل؛ لأنَّ دلالة «لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ» على استمرار وجود إمام من العترة في كلِّ عصر كاستمرار وجود القرآن الكريم ظاهرة واضحة، ولهذا ذهب ابن حجر إلى القول: (وفي أحاديث الحثِّ على التمسُّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهِّل منهم للتمسُّك به إلى يوم القيامة، كما أنَّ الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض، ويشهد لذلك الخبر: «فِي كُلِّ خَلَفٍ مِنْ أُمَّتِي عُدُولٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي»)(١١٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٤) اُنظر: البيان في أخبار صاحب الزمان (ص ٥٠١ - ٥٠٣)، والفصول المهمَّة لابن الصبَّاغ (ج ٢/ ص ١١١٣ و١١١٤)، وينابيع المودَّة (ج ٣/ ص ٣٩٤/ ح ٤٣)؛ وفي كفاية الأثر للخزَّاز القمِّي (رحمه الله) جمع غفير من الصحابة الذين وَعوا هذه الحقيقة ورووها لمن بعدهم.
(١١٥) راجع: الأُصول العامَّة للفقه المقارن (ص ١٨١).
(١١٦) الصواعق المحرقة (ص ١٥١).

↑صفحة ٥٣↑

رابعاً: تأكيد الإمام الصادق (عليه السلام) على حديث الثقلين:
لم يتولَّ الإمام الصادق (عليه السلام) مهمَّة الدفاع عن حديث الثقلين بنسبته إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فحسب، بل أكَّد على صلته المباشرة بالحديث باعتباره واحداً من أهل البيت (عليهم السلام)، واعتبره نصًّا في خلافتهم (عليهم السلام)، كما بيَّن صلة هذا الحديث بمعرفة المؤمنين وتمييزهم عن غيرهم، وأنَّه أمر صريح بوجوب اقتداء الأُمَّة بالمعنيِّين به، وبيان مَنْ هم المعنيُّون بالحديث الشريف، كما سيأتي.
١ - عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل، ذكر فيه الإمام الصادق (عليه السلام) ما يدلُّ على خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مباشرةً، من القرآن والسُّنَّة، وكان من جملة الأحاديث التي بيَّنها (عليه السلام) في مقام بيان النصِّ هو حديث الثقلين الشريف(١١٧).
٢ - وَعَنْ اَلمُحَارِبِي، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اَلله وَأَهْلَ بَيْتِي، فَنَحْنُ أَهْلُ بَيْتِهِ»(١١٨).
٣ - وسأل أبو بصير الإمام الصادق عن أهل البيت (عليهم السلام)، قائلاً: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ قَالَ (عليه السلام): «الأَئِمَّةُ الأَوْصِيَاءُ».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٧) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٢٩٣ - / باب الإشارة والنصِّ على أمير المؤمنين (عليه السلام)/ ح ٣) بسنده عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ أَبِي الدَّيْلَمِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)، قَالَ: «... ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ (جَلَّ ذِكْرُه) عَلَيْه أَنْ أَعْلِنْ فَضْلَ وَصِيِّكَ، فَقَالَ: رَبِّ إِنَّ الْعَرَبَ قَوْمٌ جُفَاةٌ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ كِتَابٌ، وَلَمْ يُبْعَثْ إِلَيْهِمْ نَبِيٌّ، وَلَا يَعْرِفُونَ فَضْلَ نُبُوَّاتِ الأَنْبِيَاءِ (عليهم السلام)، وَلَا شَرَفَهُمْ، ولَا يُؤْمِنُونَ بِي إِنْ أَنَا أَخْبَرْتُهُمْ بِفَضْلِ أَهْلِ بَيْتِي...» إلى أنْ قال: «وَقَالَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ الله (عزَّ وجلَّ) وَأَهْلَ بَيْتِي عِتْرَتِي، أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا وَقَدْ بَلَّغْتُ، إِنَّكُمْ سَتَرِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ فَأَسْأَلُكُمْ عَمَّا فَعَلْتُمْ فِي الثَّقَلَيْنِ، وَالثَّقَلَانِ كِتَابُ الله (جَلَّ ذِكْرُه) وَأَهْلُ بَيْتِي، فَلَا تَسْبِقُوهُمْ فَتَهْلِكُوا، وَلَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ...» الحديث.
(١١٨) بصائر الدرجات (ص ٤٣٤/ ج ٨/ باب ١٧/ ح ٤).

↑صفحة ٥٤↑

ثمّ سأله قائلاً: مَنْ أُمَّتُهُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ قَالَ: «اَلمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ صَدَّقُوا بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اَلله (عزَّ وجلَّ)، اَلمُتَمَسِّكُونَ بِالثَّقَلَيْنِ اَلَّذِينَ أُمِرُوا بِالتَّمَسُّكِ بِهِمَا: كِتَابِ اَلله وَعِتْرَتِهِ أَهْلِ بَيْتِهِ، اَلَّذِينَ أَذْهَبَ اَللهُ عَنْهُمُ اَلرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً، وَهُمَا الخَلِيفَتَانِ عَلَى الأُمَّةِ بَعْدَ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(١١٩).
٤ - وعَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «إِنَّ اَللهَ جَعَلَ وَلَايَتِنَا أَهْلَ البَيْتِ قُطْبَ القُرْآنِ، وَقُطْبَ جَمِيعِ الكُتُبِ، عَلَيْهَا يَسْتَدِيرُ مُحْكَمُ القُرْآنِ، وَبِهَا نَوَّهَتِ الكُتُبُ، وَيَسْتَبِينُ الإِيمَانُ، وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَنْ يُقْتَدَى بِالقُرْآنِ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ فِي آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ: اَلثَّقَلَ الأَكْبَرَ، وَاَلثَّقَلَ الأَصْغَرَ، فَأَمَّا الأَكْبَرُ فَكِتَابُ رَبِّي، وَأَمَّا الأَصْغَرُ فَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَاحْفَظُونِي فِيهِمَا، فَلَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا»(١٢٠).
٥ - وعَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بِنْ أَبِي نَجْرَان، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «... وَمَنْ أَرَادَ اَللهُ تَعَالَى بِهِ الخَيْرَ جَعَلَهُ مِنَ اَلمُصَدِّقِينَ اَلمُسَلِّمِينَ لِلْأَئِمَّةِ الهَادِينَ بِمَا مَنَحَهُمُ اَللهُ مِنْ كَرَامَتِهِ، وَخَصَّهُمْ بِهِ مِنْ خِيَرَتِهِ، وَحَبَاهُمْ بِهِ مِنْ خِلَافَتِهِ عَلَى جَمِيعِ بَرِيَّتِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ خَلْقِهِ، إِذْ جَعَلَ طَاعَتَهُمْ طَاعَتَهُ بِقَوْلِهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠]، فَنَدَبَ اَلرَّسُولُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الخَلْقَ إِلَى الأَئِمَّةِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ اَلَّذِينَ أَمَرَهُمُ اَللهُ تَعَالَى بِطَاعَتِهِمْ، وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِمْ، وَأَرْشَدَهُمْ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اَلله وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اَلله، مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا...»(١٢١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٩) أمالي الصدوق (ص ٣١٢/ ح ٣٦٢/١٠)؛ ورواه (رحمه الله) بتفاوت يسير في معاني الأخبار (ص ٩٤/ باب معنى الآل والأهل والعترة والأُمَّة/ ح ٣).
(١٢٠) تفسير العيَّاشي (ج ١/ ص ٥/ ح ٩) في فضل القرآن الكريم.
(١٢١) الغيبة للنعماني (ص ٦٢ و٦٣/ باب ٣/ ح ٧).

↑صفحة ٥٥↑

ومن الواضح من عناية إمامنا الصادق (عليه السلام) بحديث الثقلين، وبيان أغراضه، وتحديد المعنيِّين به، وهم الأئمَّة الاثنا عشر (عليهم السلام)، وأنَّهم أوصياء الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخلفاؤه، وأوَّلهم أمير المؤمنين (عليه السلام) وآخرهم المهدي (عجَّل الله فرجه)، وأنَّهم مطهَّرون، وطاعتهم مفروضة، ومرجعيَّتهم ثابتة، كلُّ ذلك لم ينطلق من فراغ، وإنَّما جاء كردِّ فعل معاكس للتيَّارات الفكريَّة والمذهبيَّة المختلفة التي أوجدها النظام السياسي المضادُّ، بغية تمكُّنها من جرف الحقيقة وتعميتها، ويكفي أنَّها - على صعيد حديث الثقلين - قد وسَّعت دائرة (أهل البيت) لتشمل بني العبَّاس وغيرهم ممَّن ليس لهم في هذا الأمر نصيب.
ولهذا اضطرَّ الإمام الصادق (عليه السلام) إلى تأكيد اختصاصهم بهذا الحديث الدالِّ على عصمتهم ومرجعيَّتهم (عليهم السلام) بكلِّ قوَّة.
خامساً: دلالة حديث الثقلين:
دلَّ حديث الثقلين الشريف على أُمور كثيرة، سنشير إلى أهمّها بالنقاط الآتية:
١ - أنَّه دلَّ على أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) أفضل الأُمَّة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قاطبةً؛ لأنَّهم قُرِنُوا بالكتاب العزيز، فكان فضلهم على سائر الناس بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كفضل القرآن الكريم على سائر الكُتُب.
٢ – أنَّهم (عليهم السلام) أنفس شيء تركه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع القرآن، كما يُفهَم من وصفهما بالثقلين، والثقل في اللغة هو الشيء النفيس الخطير.
٣ - دلَّ الحديث على إمامتهم وخلافتهم ووجوب تسليم الحكم وإدارة شؤون الدولة إليهم بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مباشرةً؛ لأنَّ وظيفة الحاكم الأعلى في الدولة الإسلاميَّة في المنظور القرآني والنبوي من يقود الرعيَّة إلى شاطئ الأمان لا أنْ يضلَّها ويحرفها عن دين الله وشرعه القويم إمَّا بتقصير أو قصور. ويكاد لفظ

↑صفحة ٥٦↑

الحديث أنْ يكون صريحاً بهذا؛ لأنَّ معنى نجاة الرعيَّة في الدولة الإسلاميَّة أنْ لا تضلَّ عن الطريق المستقيم، وقد حصر الحديث النجاة من الضلالة بالتمسُّك بالثقلين: كتاب الله، وعترته أهل بيته (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٤ - دلَّ أيضاً على أنَّ مقولة: (حسبنا كتاب الله)(١٢٢) مقولة شيطانيَّة، لا يُراد بها إلَّا إضلال الأُمَّة وهلاكها؛ لأنَّ الحديث حصر النجاة بالتمسُّك بالثقلين (كتاب الله والعترة)، وأين هذا من تلك المقولة؟!
٥ - دلَّ على أنَّ من تمسَّك بغيرهما يكون من الهالكين، ولابدَّ ومن باب أولى أنْ يكون ذلك الغير (المتمسَّك به) من الهالكين، لأنَّه سيكون من أئمَّة الضلال، ولا فرق في ذلك بين أنْ يكون خليفةً أو حاكماً أو قاضياً أو رئيساً أو أميراً أو سلطاناً؛ إذ خدع الناس بأخذ معالم دينهم منه فتمسَّكوا به لا بالثقلين.
وقد صرَّح محمود شكري الآلوسي بهذا، فقال عمَّن خالفهما وتمسَّك بغيرهما: (فهو ضالٌّ، ومذهبه باطل، وفاسد لا يُعبَأ به، ومن جحد بهما فقد غوى، ووقع في مهاوي الردى)(١٢٣).
٦ - دلَّ على مرجعيَّة أهل البيت (عليهم السلام) العلميَّة، وأنَّهم أعلم الناس بعد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٢) روى البخاري في صحيحه (ج ٩/ ص ١١٥/ ح ٤٩٩٤) بسنده عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَـمَّا حُضِرَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): «هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ»، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمْ الْقُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ الله، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَاخْتَصَمُوا، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ النَّبِيِّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، قَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): «قُومُوا»، قَالَ عُبَيْدُ الله: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ، مِنْ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ».
ورواه مسلم في صحيحه (ج ٥/ ص ٧٦).
(١٢٣) مختصر التحفة الاثني عشريَّة (ص ٥٢).

↑صفحة ٥٧↑

رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما في الكتاب والسُّنَّة المطهَّرة؛ إذ لا يُعقَل مطلقاً أنْ يكونوا أماناً للأُمَّة من الضلالة في حال تمسُّكها بهم وهناك من هو أعلم منهم بالكتاب والسُّنَّة، ولو وُجِدَ فرضا لعدَّه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمكان أهل البيت (عليهم السلام) أو لجعله ثقلاً ثالثاً مع الكتاب العزيز والعترة الطاهرة، وأمَّا أنْ يتركه - على تقدير وجوده - فهو محال، الأمر الذي يدلُّ على عدمه. ويُؤيِّده أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) لم يُذْهِب الرجس عن أحدٍ من الصحابة ويُطهِّره تطهيراً، وإنَّما انحصر ذلك بأهل البيت (عليهم السلام) دون غيرهم.
٧ - دلَّ الحديث على وجوب الأخذ منهم مباشرةً أو بالواسطة، وعلى محبَّتهم، وتوقيرهم، وطاعتهم المطلقة، وعدم الردِّ عليهم في شيءٍ البتَّة؛ لأنَّهم (عليهم السلام) مع القرآن صنوان لا يفترقان، كلٌّ منهما يشهد للآخر، فيكون الرادُّ عليهم كالجاحد بكتاب الله، وكالرادِّ على الله تعالى ورسوله.
٨ - دلَّ الحديث على حجّيَّة سُنَّتهم (عليهم السلام)، وأنَّ سُنَّة كلِّ واحدٍ منهم (عليهم السلام) هي سُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنَّ حديثهم حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، سواء رُفِعَ منهم إلى النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو لم يُرفَع، وأنَّ الحكم على حديثهم (عليهم السلام) بالإرسال لا يكون إلَّا من جاهل بحديث الثقلين، أو من معاند متعصِّب أو ناصب.
٩ - دلَّ الحديث الشريف على عصمة أهل البيت (عليهم السلام) من جهتين:
الأُولى: أنَّهم (عليهم السلام) مع القرآن والقرآن معهم لا يفترقان عمر الدنيا، فعصمتهم كعصمة الكتاب من هذه الجهة.
الثانية: أنَّ من لا يدلُّ على ضلالة أبداً ولو مرَّة واحدة في حياته عن سهو أو اشتباه لا يكون إلَّا معصوماً، وقد صرَّح الحديث بأنَّ من يتمسَّك بهما لا يضلُّ أبداً إلى يوم القيامة.
جدير بالذكر أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) قد صرَّح بعصمة الأنبياء

↑صفحة ٥٨↑

والأوصياء (عليهم السلام) جميعاً، فقال: «الأَنْبِيَاءُ وَالأَوْصِيَاءُ لَا ذُنُوبَ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مُطَهَّرُونَ»(١٢٤).
وقال (عليه السلام): «عَشْرُ خِصَالٍ مِنْ صِفَاتِ الإِمَامِ»، ثمّ عدَّ (عليه السلام) العصمة في أوَّل تلك الخصال(١٢٥).
وقد مرَّ عنه (عليه السلام) ما يشير إلى عصمتهم ومرجعيَّتهم (عليهم السلام) بأُسلوب المزاوجة بين الآيات الدالَّة على العصمة كآية التطهير، والطاعة كآية أُولي الأمر من جهة، وبين حديث الثقلين من جهة أُخرى، ليلتفت السامع والمتلقِّي إلى وحدة الموضوع والهدف والنتيجة.
القاعدة الثانية: قاعدة حصر الأئمَّة باثني عشر أوصياءً كلِّهم من عترة النبيِّ أهل بيته (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
وهذه القاعدة تكشف للعيان بأنَّ الثقل الذي أوصى به الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع القرآن ليكونا للمتمسِّك بهما عاصماً من الضلالة، إنَّما هو الثقل المتمثِّل بهذا العدد من الأئمَّة لا غير، وأنَّه ليس للأُمَّة أنْ تزيد عليهم أوصياءً، ولا تُنقِص منهم واحداً. وهذه القاعدة مستفادة من الحديث الصحيح الثابت عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقد أخرج البخاري بسنده عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَة، قَالَ: سَمِعْتُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٤) رواه الصدوق (رحمه الله) في الخصال (ص ٦٠٨/ ح ٩) عن أحمد بن محمّد بن الهيثم العجلي وأحمد بن الحسن القطَّان ومحمّد بن أحمد السناني والحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكتّب وعبد الله بن محمّد الصائغ وعليِّ بن عبد الله الورَّاق، عن أبي العباس أحمد بن يحيى بن زكريَّا القطَّان، عن بكر بن عبد الله بن حبيب، عن تميم بن بهلول، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي عبد الله (عليه السلام).
(١٢٥) رواه الصدوق (رحمه الله) في الخصال (ص ٤٢٨/ ح ٥) عن أحمد بن محمّد بن الهيثم العجلي، عن أحمد ابن يحيى بن زكريَّا القطَّان، عن بكر بن عبد الله بن حبيب، عن تميم بن بهلول، عن أبي معاوية، عن سليمان بن مهران، عن أبي عبد الله (عليه السلام).

↑صفحة ٥٩↑

النَّبِيَّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يَقُولُ: «يَكُونُ اثْنَا عَشَرَ أَمِيراً»، فَقَالَ كَلِمَةً لَمْ أَسْمَعْهَا، فَقَالَ أَبِي: إِنَّهُ قَالَ: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»(١٢٦).
وفي (صحيح مسلم): «لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِماً حَتَّى يَكُونَ عَلَيْكُمْ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً، كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»(١٢٧).
وفي (مسند أحمد) بسنده عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ يُقْرِئُنَا القُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هَلْ سَالتُمْ رَسُولَ اللهِ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، كَمْ تَمْلِكُ هَذِهِ الأُمَّةُ مِنْ خَلِيفَةٍ؟ فَقَالَ عَبْدُ الله: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ قَدِمْتُ العِرَاقَ قَبْلَكَ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، وَلَقَدْ سَالنَا رَسُولَ الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، فَقَالَ: «اثْنَا عَشَرَ، كَعِدَّةِ نُقَبَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ»(١٢٨).
وقد جاء في الصحيح عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ (رضي الله عنه)، قَالَ: سَالتُ رَسُولَ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حِينَ حَضَرَتْهُ وَفَاتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اَلله، إِذَا كَانَ مَا نَعُوذُ بِالله مِنْهُ فَإِلَى مَنْ؟ فَأَشَارَ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَقَالَ: «إِلَى هَذَا، فَإِنَّهُ مَعَ الحَقِّ وَالحَقُّ مَعَهُ، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِهِ أَحَدَ عَشَرَ إِمَاماً مُفْتَرَضَةً طَاعَتُهُمْ كِطَاعَتِهِ»(١٢٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٦) صحيح البخاري (ج ١١/ ص ٧٠/ ح ٦٤٥٧)؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) عن جابر بن سمرة أيضاً في كمال الدِّين (ص ٢٧٢/ باب ٢٤/ ح ١٩)، والخزَّاز القمِّي (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٤٩)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ١٥٨ و١٥٩)، وابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ١/ ص ٢٤٨).
(١٢٧) صحيح مسلم (ج ٦/ ص ٤/ كتاب الإمارة/ باب الناس تبع لقريش، والخلافة في قريش)، أخرجه من تسعة طُرُق.
(١٢٨) مسند أحمد (ج ٦/ ص ٣٢١/ ح ٣٧٨١)؛ ورواه النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١١٨/ باب ٦/ ح ٤)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٢٧١ و٢٧٢/ باب ٢٤/ ح ١٨)، والخزَّاز القمِّي (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٣ - ٢٧).
(١٢٩) إعلام الورى (ج ٢/ ص ١٦٣ و١٦٤)، أخرجه عن الدوريستي، عن أبيه، عن الصدوق، عن ماجيلويه، عن عمِّه، عن البرقي، عن أبيه، عن خلف بن حمَّاد، عن الأعمش، عن عباية بن ربعي، عن ابن عبَّاس. وهؤلاء كلُّهم من مشاهير الرواة، ولم يُتَّهم أحدهم بكذب، وكلُّهم ما بين ثقة مشهور، أو حسن معتمد.

↑صفحة ٦٠↑

وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ: «... مَعَاشِرَ اَلنَّاسِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَوَلَّى اَللهَ وَرَسُولَهُ فَلْيَقْتَدِ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بَعْدِي، وَالأَئِمَّةِ مِنْ ذُرِّيَّتِي، فَإِنَّهُمْ خُزَّانُ عِلْمِي»، فَقَامَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اَلله الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَلله، وَمَا عِدَّةُ الأَئِمَّةِ؟ فَقَالَ: «يَا جَابِرُ، سَألتَنِي رَحِمَكَ اَللهُ عَنِ الإِسْلَامِ بِأَجْمَعِهِ، عِدَّتُهُمْ عِدَّةُ اَلشُّهُورِ، وَهِيَ ﴿عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [التوبة: ٣٦]، وَعِدَّتُهُمْ عِدَّةُ العُيُونِ اَلَّتِي اِنْفَجَرَتْ لِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (عليه السلام) حِينَ ضَرَبَ بِعَصَاهُ الحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً، وَعِدَّتُهُمْ عِدَّةُ نُقَبَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ اَللهُ تَعَالَى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ [المائدة: ١٢]، فَالأَئِمَّةُ يَا جَابِرُ اِثْنَا عَشَرَ إِمَاماً، أَوَّلُهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، وَآخِرُهُمُ القَائِمُ اَلمَهْدِيُّ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِمْ)»(١٣٠).
وقد جاء إمامنا الإمام الصادق (عليه السلام) ليُؤكِّد هذه القاعدة بكلِّ قوَّة:
١ - فَعَنْ عَبْدِ العَزِيزِ القَرَاطِيسِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «الأَئِمَّةُ بَعْدَ نَبِيِّنَا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اِثْنَا عَشَرَ نُجَبَاءُ مُفَهَّمُونَ، مَنْ نَقَصَ مِنْهُمْ وَاحِداً أَوْ زَادَ فِيهِمْ وَاحِداً خَرَجَ مِنْ دِينِ اَلله، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ وَلَايَتِنَا عَلَى شَيْءٍ»(١٣١).
٢ - وفي الصحيح عَنْ الحَلَبِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله، عَنْ آبَائِهِ، عَنِ الحَسَنِ اَلسِّبْطِ (عليه السلام)، قَالَ: «سَألتُ جَدِّي رَسُولَ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَنِ الأَئِمَّةِ بَعْدَهُ، فَقَالَ: الأَئِمَّةُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٠) مائة منقبة لابن شاذان (ص ٧١ و٧٢/ المنقبة ٤١).
(١٣١) الاختصاص (ص ٢٣٣).

↑صفحة ٦١↑

بَعْدِي بِعَدَدِ نُقْبَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ اِثْنَا عَشَرَ، أَعْطَاهُمْ اَللهُ عِلْمِي وَفَهْمِي، وَأَنْتَ مِنْهُمْ يَا حَسَنُ»(١٣٢).
٣ - وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِهْزَمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ عَلِيٍّ (عليهم السلام)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «الأَئِمَّةُ اِثْنَا عَشَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، أَعْطَاهُمُ اَللهُ تَعَالَى فَهْمِي وَعِلْمِي وَحُكْمِي، وَخَلَقَهُمْ مِنْ طِينَتِي، فَوَيْلٌ لِلْمُتَكَبِّرِينَ عَلَيْهِم بَعْدِي، القَاطِعِينَ فِيهِمْ صِلَتِي...» الحديث(١٣٣).
٤ - وَعَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَبُو بَصِيرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ مَوْلَى أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي مَنْزِلٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «نَحْنُ اِثْنَا عَشَرَ مَهْدِيًّا»، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَصِيرٍ: تَالله لَقَدْ سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)؟ فَحَلَفَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: لَكِنِّي سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)(١٣٤).
ويُستفاد من مجمل هذه الأحاديث أُمور، وهي:
الأوَّل: أنَّ عدد الخلفاء أو الأُمراء أو الأئمَّة لا يتجاوز الاثني عشر، وكلُّهم من قريش بلا خلاف بين الفريقين. وهذا العدد منطبق مع ما تعتقده الشيعة الإماميَّة بعدد الأئمَّة، وهم كلُّهم من قريش.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٢) إثبات الهداة (ج ٢/ ص ٢٣٣ و٢٣٤/ باب ٩/ فصل ٦٠/ ح ٨١٠)، عن إثبات الرجعة للفضل بن شاذان.
(١٣٣) كمال الدِّين (ص ٢٨١/ باب ٢٤/ ح ٣٣)؛ ورواه (رحمه الله) بتفاوت يسير في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٦٦/ باب النصوص على الرضا (عليه السلام) بالإمامة في جملة الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)/ ح ٣٢).
(١٣٤) كمال الدِّين (ص ٣٣٥/ باب ٣٣/ ح ٦)؛ ورواه الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ٣٣٩/ ج ٧/ باب ٥/ ح ٢)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥٣٤ و٥٣٥/ باب فيما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ٢٠)، وفيهما: (نحن اثنا عشر محدَّثاً).

↑صفحة ٦٢↑

وأمَّا التعبير بـ(الأُمراء) أو (الخلفاء) فهو وإنْ لم ينطبق في الظاهر على مقولة الإماميَّة إلَّا أنَّ المقصود بذلك ليس الإمرة القسريَّة أو الاستخلاف بالقوَّة، وإنَّما المراد بذلك هو من يستمدُّ سلطته من الشارع المقدَّس، ولا ينافي ذهاب السلطة عن أهل البيت (عليهم السلام) في واقعها الخارجي؛ لتسلُّط الآخرين عليهم. وفي كلام التوربشتي ما يشير إلى هذه الحقيقة، قال: (السبيل في هذا الحديث وما يتعقَّبه في هذا المعنى أنَّه يُحمَل على المقسطين منهم، فإنَّهم هم المستحقُّون لاسم الخليفة على الحقيقة...)(١٣٥).
الثاني: أنَّ هؤلاء الاثني عشر معنيُّون بالنصِّ كما هو مقتضى تشبيههم بنقباء بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ (المائدة: ١٢).
الثالث: أنَّ هذه الأحاديث تفترض عدم خلوِّ الزمان من الاثني عشر جميعاً، وأنَّه لابدَّ من وجود أحدهم ما بقي الدِّين إلى أنْ تقوم الساعة.
ويُؤيِّده ما أخرجه البخاري بسنده، عن عبد الله بن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): «لَا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ اثْنَانِ»(١٣٦).
وأخرجه مسلم في (صحيحه) أيضاً وبلفظ: «لَا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ»(١٣٧).
وهو كما ترى ينطبق تمام الانطباق على ما تقوله الشيعة الإماميَّة بأنَّ الإمام الثاني عشر (المهدي (عجَّل الله فرجه)) حيٌّ كسائر الأحياء، وأنَّه لابدَّ من ظهوره في آخر الزمان، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً، على وفق ما بشَّر به جدُّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآباؤه الأطهار (عليهم السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٥) عون المعبود (ج ١١/ ص ٢٤٥).
(١٣٦) صحيح البخاري (ج ٦/ ص ٧/ ح ٣١٣١، وج ١١/ ص ٣٥/ ح ٦٣٨٢).
(١٣٧) صحيح مسلم (ج ٦/ ص ٣).

↑صفحة ٦٣↑

ومن الواضح أنَّ جميع علماء العامَّة لم يتَّفقوا على تسمية الاثني عشر خليفة كما نطقت بذلك أحاديثهم! حتَّى إنَّ بعضهم اضطرَّ إلى إدخال يزيد بن معاوية (لعنه الله) وأمثاله من حثالات التاريخ كمروان وعبد المَلِك ونظرائهم من العتاة المردة وصولاً إلى عمر بن عبد العزيز! كلُّ ذلك لأجل اكتمال نصاب الاثني عشر!
وهذا تفسير خاطئ سقيم لا يسمن ولا يغني من جوع، وغير منسجم مع نصِّ الحديث من كلِّ وجه؛ إذ يلزم منه خلوّ جميع عصور الإسلام بعد عصر عمر ابن عبد العزيز الأُموي من الخليفة، بينما المفروض أنَّ الدِّين لا يزال قائماً بوجودهم إلى قيام الساعة.
إنَّ أحاديث الخلفاء اثنا عشر تبقى بلا تفسير لو تخلَّينا عن حملها على هذا المعنى، لبداهة أنَّ السلطة الظاهريَّة قد تولَّاها من قريش أضعاف العدد المنصوص عليه في هذه الأحاديث، فضلاً عن انقراضهم أجمع، وعدم النصِّ على أحد منهم - أُمويِّين أو عبَّاسيِّين - باتِّفاق جميع المسلمين.
وبهذا الصدد يقول القندوزي الحنفي: (قال بعض المحقِّقين: إنَّ الأحاديث الدالَّة على كون الخلفاء بعده (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اثنا عشر قد اشتهرت من طُرُق كثيرة، فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان عُلِمَ أنَّ مراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من حديثه هذا الأئمَّة اثنا عشر من أهل بيته وعترته، إذ لايمكن أنْ يُحْمَل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه لقلَّتهم عن اثني عشر، ولا يمكن أنْ نحمله على الملوك الأُمويَّة لزيادتهم على اثني عشر، ولظلمهم الفاحش إلَّا عمر ابن عبد العزيز، ولكونهم غير بني هاشم؛ لأنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «كُلُّهُمْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» في رواية عبد المَلِك، عن جابر، وإخفاء صوته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في هذا القول يُرجِّح هذه الرواية؛ لأنَّهم لا يُحسنون خلافة بني هاشم. ولا يمكن أنْ يُحمَل على الملوك العبَّاسية؛ لزيادتهم على العدد المذكور، ولقلَّة رعايتهم...، ويُؤيِّد

↑صفحة ٦٤↑

هذا المعنى - أي: أنَّ مراد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأئمَّة الاثنا عشر من أهل بيته - ويشهده ويُرجِّحه حديث الثقلين)(١٣٨).
ولا يخفى أنَّ حديث (الخلفاء اثنا عشر) قد سبق التسلسل التاريخي للأئمَّة الاثني عشر، وضُبِطَ في كُتُب الصحاح وغيرها قبل تكامل الواقع الإمامي، فهو ليس انعكاساً لواقع، وإنَّما هو تعبير عن حقيقة ربَّانيَّة نطق بها من لا ينطق عن الهوى، فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «الخُلَفَاءُ بَعْدِي اثْنَا عَشَرَ» ليكون ذلك شاهداً ومصدقاً لهذا الواقع المبتدئ بأمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام)، والمنتهي بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وهو التطبيق الوحيد المعقول لذلك الحديث(١٣٩).
فالصحيح إذن أنْ يُعتبَر الحديث من دلائل النبوَّة في صدقها عن الإخبار بالمغيَّبات، أمَّا محاولات تطبيقه على من عُرِفُوا بنفاقهم وجرائمهم وسفكهم للدماء من الأُمويِّين والعبَّاسيِّين وغيرهم، فهو يخالف الحديث مفهوماً ومنطوقاً، على الرغم ممَّا في ذلك من إساءة بالغة إلى مقام النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ إذ يعني ذلك أنَّه أخبر ببقاء الدِّين إلى زمان عمر بن عبد العزيز مثلاً، لا إلى أنْ تقوم الساعة!
وقد علمتَ أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) قد قطع الطريق أمام كلِّ التفسيرات المنحرفة لحديث (الخلفاء اثني عشر...)، مبيِّناً المراد بمصاديق هذا الحديث واقعاً كما تقدَّم.
القاعدة الثالثة: قاعدة التسلسل العمودي للإمامة بعد الإمام الحسين (عليه السلام):
تهدف هذه القاعدة إلى الإطاحة بجميع الدعاوى الباطلة التي زعمتها بعض الفِرَق المندرسة التي أتت عليها حملة التثقيف الواسعة التي قادها الإمام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٨) ينابيع المودَّة (ج ٣/ص ٢٩٢ و٢٩٣/باب ٧٧) في تحقيق حديث «بعدي اثنا عشر خليفة».
(١٣٩) بحث حول المهدي (عجَّل الله فرجه) (ص ١٠٧).

↑صفحة ٦٥↑

الصادق (عليه السلام)، وجعلتها هشيماً تذروه الرياح؛ إذ نسفت تلك القاعدة ما زعمه الكيسانيَّة من إمامة محمّد بن الحنفيَّة (رضي الله عنه)، كما نسفت مزاعم الفطحيَّة بإمامة عبد الله الأفطح، وبدَّدت طموح من قال بإمامة السيِّد محمّد بن الإمام الهادي (عليه السلام)، وكذلك من قال بإمامة جعفر الكذَّاب، وزيادةً على ذلك فإنَّها حصرت الإمامة بذرّيَّة الحسين (عليه السلام) كما سنرى.
وعليه، لابدَّ وأنْ يكتمل عدد الأئمَّة الاثني عشر، خصوصاً وإنَّ هذه القاعدة الشريفة قد عُرِفَت قبل اكتمال التسلسل التاريخي للأئمَّة (عليهم السلام)، كما عُرِفَ حديث الخلفاء أو الأئمَّة اثنا عشر كلُّهم من قريش قبل اكتمال التسلسل التاريخي للأئمَّة (عليهم السلام) أيضاً.
ومن هنا ركَّز الإمام الصادق (عليه السلام) على هذه القاعدة، وممَّا يُؤيِّد ذلك على لسانه الشريف أحاديث شتَّى نكتفي ببعضها، وهي:
١ - في الصحيح عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)، قَالَ: «لَا تَعُودُ الإِمَامَةُ فِي أَخَوَيْنِ بَعْدَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ أَبَداً، إِنَّمَا جَرَتْ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَأُولُوا الأَرحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، فَلَا تَكُونُ بَعْدَ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ (عليه السلام) إِلَّا فِي الأَعْقَابِ وَأَعْقَابِ الأَعْقَابِ»(١٤٠).
٢ - وفي الصحيح عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) أَنَّه قَالَ: «لَا تَجْتَمِعُ الإِمَامَةُ فِي أَخَوَيْنِ بَعْدَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ، إِنَّمَا هِيَ فِي الأَعْقَابِ وَأَعْقَابِ الأَعْقَابِ»(١٤١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٠) الكافي (ج ١/ ص ٢٨٥ و٢٨٦/ باب ثبات الإمامة في الأعقاب.../ ح ١)؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٤١٤/ باب ٤٠/ ح ١)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٢٦/ ح ١٩٢).
(١٤١) الكافي (ج ١/ ص ٢٨٦/ باب ثبات الإمامة في الأعقاب.../ ح ٤)؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٤١٤/ باب ٤٠/ ح ٢)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٢٦/ ح ١٩١).

↑صفحة ٦٦↑

٣ - وفي الصحيح عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)، قَالَ: قُلْتُ لَه: إِنْ كَانَ كَوْنٌ - وَلَا أَرَانِي اللهُ - فَبِمَنْ أَئْتَمُّ؟ فَأَوْمَأَ إِلَى ابْنِه مُوسَى، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ حَدَثَ بِمُوسَى حَدَثٌ فَبِمَنْ أَئْتَمُّ؟ قَالَ: «بِوَلَدِه»، قُلْتُ: فَإِنْ حَدَثَ بِوَلَدِه حَدَثٌ وَتَرَكَ أَخاً كَبِيراً وَابْناً صَغِيراً فَبِمَنْ أَئْتَمُّ؟ قَالَ: «بِوَلَدِه، ثُمَّ وَاحِداً فَوَاحِداً»(١٤٢).
ومن روائع ترسيخ هذه القاعدة في نفوس الشيعة ما ورد في الصحيح عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ، عَنْ أَبِي الحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام) أَنَّه سُئِلَ: أتَكُونُ الإِمَامَةُ فِي عَمٍّ أَوْ خَالٍ؟ فَقَالَ: «لَا»، فَقُلْتُ: فَفِي أَخٍ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَفِي مَنْ؟ قَالَ: «فِي وَلَدِي»، وَهُوَ - يَوْمَئِذٍ - لَا وَلَدَ لَه(١٤٣).
القاعدة الرابعة: عدم خلوِّ الأرض من إمام من الأئمّة الاثني عشر مطلقاً:
وهذه القاعدة الشريفة تُعَدُّ في طليعة القواعد التي أرستها الشريعة الإسلاميَّة، وقد جاء تأكيد الإمام الصادق (عليه السلام) على هذه القاعدة باعتبار أنَّ فهم الأُمَّة لحديث الثقلين ودلالاته، ومعرفتها بالاثني عشر أوصياءً من أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم خلفاء النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، مع التسلسل العمودي للأئمَّة بعد الحسين (عليه السلام) بموجب القاعدة الثالثة، يعني - مع هذه القاعدة - بأنَّ زماننا هذا إلى ما شاء الله تعالى لابدَّ وأنْ يكون فيه إمام من الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) حيًّا كسائر الأحياء، والثابت لدى جميع الأُمَّة هو مضيُّ أحد عشر أوصياءً من الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)، وهم:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٢) الكافي (ج ١/ ص ٢٨٦/ باب ثبات الإمامة في الأعقاب.../ ح ٥)؛ ورواه المفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٢١٨).
(١٤٣) الكافي (ج ١/ ص ٢٨٦/ باب ثبات الإمامة في الأعقاب.../ ح ٣).

↑صفحة ٦٧↑

١ - أمير المؤمنين الإمام عليٌّ (عليه السلام)، استُشهِدَ بالكوفة سنة (٤٠هـ)، عن (٦٣) سنة.
٢ - الإمام الحسن السبط (عليه السلام)، استُشهِدَ مسموماً في المدينة سنة (٥٠هـ)، عن (٤٨) سنة.
٣ - الإمام الحسين السبط (عليه السلام)، استُشهِدَ في كربلاء سنة (٦٠هـ)، عن (٥٧) سنة وخمسة أشهر.
٤ - الإمام عليُّ بن الحسين السجَّاد (عليه السلام)، استُشهِدَ مسموماً في المدينة سنة (٩٥هـ)، عن (٥٧) سنة، سمَّه الوليد بن عبد المَلِك.
٥ - الإمام محمّد بن عليٍّ الباقر (عليه السلام)، استُشهِدَ مسموماً في المدينة سنة (١١٤هـ)، عن (٥٧) سنة، سمَّه إبراهيم بن الوليد.
٦ - الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)، استُشهِدَ مسموماً بالمدينة سنة (١٤٨هـ)، عن (٦٥) سنة، سمَّه المنصور العبَّاسي بالعنب.
٧ - الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، استُشهِدَ مسموماً ببغداد سنة (١٨٣هـ) في حبس هارون، عن (٥٥) سنة، سمَّه هارون.
٨ - الإمام عليُّ بن موسى الرضا (عليه السلام)، استُشهِدَ مسموماً بخراسان سنة (٢٠٣هـ)، عن (٥٥) سنة، سمَّه المأمون بالعنب.
٩ - الإمام محمّد بن عليٍّ الجواد (عليه السلام)، استُشهِدَ مسموماً ببغداد سنة (٢٢٠هـ)، عن (٢٥) سنة، سمَّه المعتصم.
١٠ - الإمام عليُّ بن محمّد الهادي (عليه السلام)، استُشهِدَ مسموماً بسامرَّاء سنة (٢٥٤هـ)، عن (٤١) سنة، سمَّه المعتزُّ.
١١ - الإمام الحسن بن عليٍّ العسكري (عليه السلام)، استُشهِدَ مسموماً بسامرَّاء سنة (٢٦٠هـ)، عن (٢٨) سنة، سمَّه المعتمد.

↑صفحة ٦٨↑

وقاعدة عدم خلوِّ الأرض من إمام حجَّة إمَّا ظاهراً مشهوراً أو غائباً مستوراً قد عرفتها الشيعة منذ عهد أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولعلَّه (عليه السلام) هو أوَّل من أشاعها في حديثه (عليه السلام) لكميل بن زياد النخعي الثقة، ذلك الحديث الذي وصفه ابن قيِّم بقوله: (وهو حديث مشهور عند أهل العلم، يستغني عن الإسناد لشهرته عندهم)(١٤٤).
وهذا الحديث رواه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) كميل بن زياد النخعي الثقة كما في (نهج البلاغة)(١٤٥)، وقد رواه عنه الجمُّ الغفير من المحدِّثين(١٤٦).
وفي (الكافي) وحده ثلاثة عشر حديثاً في خصوص هذه القاعدة(١٤٧).
وفي (إكمال الدِّين) للشيخ الصدوق (رحمه الله) خمسة وستِّين حديثاً في خصوص هذه القاعدة أيضاً(١٤٨).
فأصالة هذه القاعدة وعمقها التاريخي في الفكر الدِّيني ممَّا لا نقاش فيه أصلاً.
واللسان العربي الأصيل ذو ذائقة خاصَّة في تذوُّق معنى هذه القواعد الشريفة وفهم دلالتها، ولهذا فهو لا يُعذَر على سوء فهمه لدلالتها، بخلاف من لم يتأدَّب بآدابها ويتمرَّس على فنونها ولم يعمِ الله بصيرته، ولم يطبع على قلبه.
ويبقى السؤال هنا بعد أنْ عرفت مضيَّ أحد عشر أوصياءً، هو: أين الإمام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٤) أعلام الموقِّعين (ج ٣/ ص ٢٦) تحت عنوان: (مضارّ زلَّة العلم).
(١٤٥) نهج البلاغة (ص ٤٩٥ - ٤٩٧/ ح ١٤٧).
(١٤٦) راجع تخريجه في كتابنا: دفاع عن الكافي (ج ١/ ص ٤٧٩ و٤٨٠)، وفي كتابنا: المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) في الفكر الإسلامي (ص ٨٧ و٨٨).
(١٤٧) الكافي (ج ١/ ص ١٧٨ و١٧٩/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة).
(١٤٨) كمال الدِّين (ص ٢١١ - ٢٤١/ باب اتِّصال الوصيَّة من لدن آدم (عليه السلام)، وأنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة لله (عزَّ وجلَّ) على خلقه إلى يوم القيامة).

↑صفحة ٦٩↑

الثاني عشر (عجَّل الله فرجه)؟ ومن عساه سيكون غير ابن الإمام الحادي عشر الحسن العسكري (عليه السلام) الذي راح شهيداً على يد عُتاة بني العبَّاس؟
إنَّ القواعد التي عرفتها طلائع التشيُّع قبل ولادة الإمام العسكري (عليه السلام) بعشرات السنين تأبى من قبول أيِّ تسويف أو تأويل متعسِّف حيال هويَّة ابنه الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه).
نعم، قد يقال بأنَّ هذا من الناحية النظريَّة مقبول إلى حدٍّ ما، ولكن يجب تحقُّقه في مساحة الواقع التاريخي بولادة الحجَّة بن العسكري (عجَّل الله فرجه)، حتَّى تكون النظريَّة قابلة للتطبيق!
وللإجابة على هذا التساؤل نحتاج إلى بسط عريض يبعدنا عن أصل الموضوع، ومع هذا فلن نهمله دون الإشارة السريعة إلى ما يُثبِت ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فنقول باختصار شديد:
بلغ مجموع من اعترف بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من علماء العامَّة فقط، وبحسب ما قمنا به من إحصاء سابق مائة وثمانية وعشرين عالماً(١٤٩)، وقد ذكرنا في ذيل كلِّ اسم ما يدلُّ على اعترافه بكلِّ دقَّة وتفصيل. وهم لم يعترفوا بولادة ابن الحسن العسكري (عجَّل الله فرجه) بناءً على تلك القواعد، وإنَّما اعترفوا بذلك على أساس متين من الواقع التاريخي لحدث الولادة المباركة.
وأمَّا مجموع من رأى الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في حياة أبيه الإمام العسكري (عليه السلام)، فقد بلغ بإحصائنا تسعة وسبعين نفراً(١٥٠)، وذكرنا من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٩) راجع كتابنا: دفاع عن الكافي (ج ١/ ص ٥٦٨ - ٥٩٢) تحت عنوان: (الدليل السادس: اعترافات أهل السُّنَّة)، وراجع كتابنا: المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) في الفكر الإسلامي (ص ١٤٦ - ١٥١).
(١٥٠) راجع كتابنا: دفاع عن الكافي (ج ١/ ص ٥٤٨ - ٥٦٢) تحت عنوان: (الدليل الثالث: من شهد برؤية الإمام المهدي (عليه السلام))، وراجع كتابنا: المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) في الفكر الإسلامي (ص ١١٨ - ١٣٢).

↑صفحة ٧٠↑

وكلائه (عجَّل الله فرجه) من أهل آذربيجان، والأهواز، وبغداد، والكوفة، وقم، ونيسابور، وهمدان زهاء ثلاثة عشر شخصاً(١٥١).
هذا فضلاً عمَّا خرج من توقيعات عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في زمان السفراء الأربعة، مجموع الصحيح الثابت منها على نحو القطع يوجب تواتر ولادته وحياته الشريفة.
وأمَّا الأحاديث الصحيحة المثبتة لإقرار الإمام العسكري (عليه السلام) بولادة ابنه الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وشهادة الأصحاب بذلك، فضلاً عن الخدم والجواري فتحتاج إلى كتابٍ مستقلٍّ، كما أثبتنا في بحث آخر اتِّفاق ثمانية من علماء الأنساب على ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وتثبيت نسبه الشريف، وفيهم المعاصر للغيبة الصغرى(١٥٢).
الأمر الذي يشير إلى انطباق تلك القواعد الشريفة على الواقع التاريخي بأبهى صورة، وأقوى دليل، وأمتن برهان.
ثمّ كيف لا تجد تلك القواعد مصداقها الخارجي وهي صادرة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومؤكَّدة على لسان العروة الوثقى في الدِّين الهداة الميامين من آل طه وياسين؟
إنَّ الذين أطاعوا الله ورسوله في آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما كان التصديق بأنباء الغيب عندهم موقوفاً على تحقُّقها، ولهذا فهم آمنوا بها ورووها وكانوا على ثقة من تحقُّقها ولو بعد حين، ﴿الم * ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (البقرة: ١ - ٣)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥١) راجع كتابنا: دفاع عن الكافي (ج ١/ ص ٥٦٢ و٥٦٣)، وراجع كتابنا: المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) في الفكر الإسلامي (ص ١٣٣).
(١٥٢) راجع كتابنا: المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) في الفكر الإسلامي (ص ١٣٨ - ١٤١).

↑صفحة ٧١↑

ولهذا لم يناقشوا في تلك الأخبار، ولا وقفوا حيالها موقف الرافض المشكِّك، بل كانوا يعدُّون العدَّة لانتظار ذلك اليوم الموعود، ويتحرَّقون شوقاً إلى ساعة الخلاص على يد المنتظَر (أرواحنا فداه)، وبقيت أجيالهم هكذا إلى حين ولادته (عجَّل الله فرجه) وغيبته، ولا زال خلفهم الصالح على ذات الطريق، وقد كان من ثواب انتظارهم ما أخرجوه عن الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: «مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ وَهُوَ مُنْتَظِرٌ لِهَذَا الأَمْرِ كَمَنْ هُوَ مَعَ القَائِمِ فِي فُسْطَاطِهِ...، لَا بَلْ كَمَنْ قَارَعَ مَعَهُ بِسَيْفِهِ...، لَا وَاَلله إِلَّا كَمَنِ اُسْتُشْهِدَ مَعَ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(١٥٣).
هذا، وأمَّا عن دور الإمام الصادق (عليه السلام) في ترسيخ هذه القاعدة، فيمكن الإشارة إليه بالأحاديث الآتية:
١ - عن الوشَّاء، عن الإمام الرضا (عليه السلام)، قال: «إِنَّ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ الحُجَّةَ لَا تَقُومُ لِله (عزَّ وجلَّ) عَلَى خَلْقِه إِلَّا بِإِمَامٍ حَتَّى يُعْرَفَ»(١٥٤).
وقد عرفت أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة، وفي هذا الحديث حصر للحجَّة بالإمام، لئلَّا يتوهَّم أحد فيزعم أنَّه فلان أو فلان أو فلان أو معاوية بن أبي سفيان!
٢ - وَعَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ الله (جَلَّ وَعَزَّ) أَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَتْرُكَ الأَرْضَ بِغَيْرِ إِمَامٍ»(١٥٥).
٣ - وَعَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ خِدَاشٍ البَصْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: سَأَلَهُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٣) المحاسن (ج ١/ ص ١٧٤/ باب من مات على هذا الأمر كان كمن استُشهد مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)/ ح ١٥١)، وفي الباب أحاديث كثيرة بهذا اللفظ تارةً، وبمعناه أُخرى.
(١٥٤) الكافي (ج ١/ ص ١٧٧/ باب أنَّ الحجَّة لا تقوم لله على خلقه إلَّا بإمام/ ح ٢).
(١٥٥) بصائر الدرجات (ص ٥٠٥/ ج ١٠/ باب ١٠/ ح ٣)، الكافي (ج ١/ ص ١٧٨/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة/ ح ٦)، كمال الِّدين (ص ٢٣٤/ باب ٢٢/ ح ٤٣).

↑صفحة ٧٢↑

رَجُلٌ فَقَالَ: تَخْلُو الأَرْضُ سَاعَةً لَا يَكُونُ فِيهَا إِمَامٌ؟ قَالَ: «لَا تَخْلُو الأَرْضُ مِنَ الحَقِّ»(١٥٦).
٤ - وَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ اَلثُّمَالِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام): تَبْقَى الأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ؟ قَالَ: «لَوْ بَقِيَتِ الأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ لَسَاخَتْ»(١٥٧).
٥ - وَعَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «لَوْ لَمْ تَكُنْ فِي اَلدُّنْيَا إِلَّا اِثْنَانِ لَكَانَ الإِمَامُ أَحَدَهُمَا»(١٥٨).
وروى حمزة بن الطيَّار، عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، نحوه(١٥٩).
٦ - وَعَنْ ذَرِيحٍ اَلمُحَارِبِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «مِنَّا الإِمَامُ اَلمَفْرُوضُ طَاعَتُهُ، مَنْ جَحَدَهُ مَاتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَاَلله مَا تَرَكَ اَللهُ الأَرْضَ مُنْذُ قَبَضَ اَللهُ آدَمَ إِلَّا وَفِيهَا إِمَامٌ يُهْتَدَى بِهِ إِلَى اَلله، حُجَّةً عَلَى العِبَادِ، مَنْ تَرَكَهُ هَلَكَ، وَمَنْ لَزِمَهُ نَجَا، حَقًّا عَلَى اَلله»(١٦٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٦) كمال الدِّين (ص ٢٣٣/ باب ٢٢/ ح ٤٠).
(١٥٧) بصائر الدرجات (ص ٥٠٨/ ج ١٠/ باب ١٢/ ح ٢)، الكافي (ج ١/ ص ١٧٩/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة/ ح ١٠)، الإمامة والتبصرة (ص ٣٠/ ح ١٢)، الغيبة للنعماني (ص ١٣٩/ باب ٨/ ح ٨)، كمال الدِّين (ص ٢٠١/ باب ٢١/ ح ١)، علل الشرائع (ج ١/ ص ١٩٦/ باب ١٥٣/ ح ٥، وص ١٩٨/ باب ١٥٣/ ح ١٦ و١٨)، الغيبة للطوسي (ص ٢٢٠/ ح ١٨٢).
(١٥٨) بصائر الدرجات (ص ٥٠٧/ ج ١٠/ باب ١١/ ح ٢)، الكافي (ج ١/ ص ١٨٠/ باب أنَّه لو لم يبقَ في الأرض إلَّا رجلان لكان أحدهما الحجَّة/ ح ٥).
(١٥٩) بصائر الدرجات (ص ٥٠٧ و٥٠٨/ ج ١٠/ باب ١١/ ح ٣)، الكافي (ج ١/ ص ١٨٠/ باب أنَّه لو لم يبقَ في الأرض إلَّا رجلان لكان أحدهما الحجَّة/ ح ٤)، والإمامة والتبصرة (ص ٢٨/ ح ٩)، الغيبة للنعماني (ص ١٤١/ باب ٩/ ح ١)، كمال الدِّين (ص ٢٠٣/ باب ٢١/ ح ١٠)، علل الشرائع (ج ١/ ص ١٩٧/ باب ١٥٣/ ح ١٠).
(١٦٠) المحاسن (ج ١/ ص ٩٢/ ح ٤٥) عن ذريح المحاربي عن أبي حمزة، الإمامة والتبصرة (ص ٣١/ ح ١٥)، كمال الدِّين (ص ٢٣٠/ باب ٢٢/ ح ٢٨)، علل الشرائع (ج ١/ ص ١٩٧/ باب ١٥٣/ ح ١٣)، اختيار معرفة الرجال (ج ٢/ ص ٦٧٠ و٦٧١/ ح ٦٩٨) في ترجمة ذريح المحاربي.

↑صفحة ٧٣↑

وإلى هنا قد تبيَّن لنا أنَّ قاعدة العصمة والمرجعيَّة السياسية العلميَّة قد حصرها حديث الثقلين الشريف بعد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالقرآن الكريم وأهل البيت (عليهم السلام)، وأنَّ أهل البيت (عليهم السلام) قد حصرتهم القاعدة الثانية باثني عشر أوصياءً: أمير المؤمنين والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين (عليهم السلام)، وأنَّ الإمامة لا تكون إلَّا في عقب الإمام الحسين (عليه السلام) كما وضَّحته القاعدة الثالثة.
ثمّ جاءت القاعدة الرابعة لتُبيِّن لنا أنَّ أُولئك الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) لا تخلو الأرض من واحد منهم على الإطلاق؛ لأنَّهم حُجَج الله في بلاده على عباده منذ وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإلى قيام الساعة، وقد ثبت مضيُّ أحد عشر إماماً منهم (عليهم السلام)، وبقي الموعود المنتظَر الثاني عشر ابن الإمام العسكري (عجَّل الله فرجه).
وأنَّ الأُمَّة ملزمة بمعرفته باسمه ونسبه كما هو صريح القاعدة الخامسة التي اشتهرت عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) برواية الفريقين، كما صحَّت روايتها عن أهل البيت (عليهم السلام)، لاسيّما الإمام الصادق (عليه السلام) ومن طُرُق شتَّى، وهي:
القاعدة الخامسة: قاعدة وجوب معرفة إمام الزمان من أهل البيت (عليهم السلام):
ويدلُّ على ترسيخ الإمام الصادق (عليه السلام) لهذه القاعدة والتثقيف الواسع عليها أحاديثه الشريفة الكثيرة في خصوص وجوب معرفة إمام الزمان، وسنكتفي في حدود تأكيده على حديث: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»، كالآتي:

↑صفحة ٧٤↑

١ - عَنْ بَشِيرٍ اَلدَّهَّانِ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «قَالَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): مَنْ مَاتَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ إِمَامَهُ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، فَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، قَدْ رَأَيْتُمْ أَصْحَابَ عَلِيٍّ، وَأَنْتُمْ تَأْتَمُّونَ بِمَنْ لَا يُعْذَرُ اَلنَّاسُ بِجَهَالَتِهِ، لَنَا كَرَائِمُ القُرْآنِ، وَنَحْنُ أَقْوَامٌ اِفْتَرَضَ اَللهُ طَاعَتَنَا، وَلَنَا الأَنْفَالُ، وَلَنَا صَفْوُ اَلمَالِ»(١٦١).
٢ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «قَالَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): مَنْ مَاتَ لَا يَعْرِفُ إِمَامَهُ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»(١٦٢).
وبهذا اللفظ وما قاربه ما رواه عيسى بن السَّرِي(١٦٣)، والحسين بن أبي العلاء(١٦٤)، وعبد الأعلى(١٦٥)، وأيُّوب بن الحرِّ(١٦٦)، وأبو بكر الحضرمي(١٦٧)، وعبد الله ابن أبي يعفور(١٦٨)، كلُّهم عن الإمام الصادق (عليه السلام).
٣ - وَعَنِ الفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: ابْتَدَأَنَا أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام) يَوْماً وَقَالَ: «قَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ عَلَيْه إِمَامٌ فَمِيتَتُه مِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ»، فَقُلْتُ: قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ فَقَالَ: «إِي وَالله قَدْ قَالَ»، قُلْتُ: فَكُلُّ مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ لَه إِمَامٌ فَمِيتَتُه مِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ»(١٦٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦١) المحاسن (ج ١/ ص ٢٥١ و٢٥٢/ ح ٧٨)؛ وبتفاوت في: تفسير العيَّاشي (ج ٢/ ص ٤٨ و٤٩/ ح ١٩)، والكافي (ج ٨/ ص ١٤٦ و١٤٧/ ح ١٢٣).
(١٦٢) الغيبة للنعماني (ص ١٢٨ و١٢٩/ باب ٧/ ح ٦).
(١٦٣) المحاسن (ج ١/ ص ١٥٤/ ح ٧٩)، الكافي (ج ٢/ ص ١٩ - ٢١/ باب دعائم الإسلام/ ح ٦ و٩)، تفسير العيَّاشي (ج ١/ ص ٢٥٢ و٢٥٣/ ح ١٧٥) في تفسير سورة النساء، اختيار معرفة الرجال (ج ٢/ ص ٧٢٣ و٧٢٤/ ح ٧٩٩).
(١٦٤) المحاسن (ج ١/ ص ١٥٤/ ح ٨٠).
(١٦٥) الكافي (ج ١/ ص ٣٧٨ و٣٧٩/ باب ما يجب على الناس عند مضيِّ الإمام (عليه السلام)/ ح ٢).
(١٦٦) المحاسن (ج ١/ ص ١٥٥/ ح ٨١).
(١٦٧) الإمامة والتبصرة (ص ٨٢ و٨٣/ ح ٧٠).
(١٦٨) الكافي (ج ١/ ص ٣٧٦/ باب من مات وليس له إمام من أئمَّة الهدى/ ح ٢).
(١٦٩) الكافي (ج ١/ ص ٣٧٦/ باب من مات وليس له إمام من أئمَّة الهدى/ ح ١).

↑صفحة ٧٥↑

٤ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ إِمَامٌ مَاتَ مِيتَة جَاهِلِيَّةِ كُفْرٍ وَشِرْكٍ وَضَلَالٍ»(١٧٠).
وفي رواية أُخرى عنه (عليه السلام): «مِيِتَة كُفْرٍ وَنِفَاقٍ وَضَلَالٍ»(١٧١).
وللشيخ المفيد (رضي الله عنه) كلام مهمٌّ حول هذا الحديث، قال: (عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»)، ثمّ قال: (وهذا صريح بأنَّ الجهل بالإمام يُخرج صاحبه عن الإسلام)(١٧٢).
وقال (رحمه الله) في الرسالة الأُولى في الغيبة: (سأل سائل فقال: أخبروني عمَّا روي عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»، هل هو ثابت صحيح؟ أم هو معتلٌّ سقيم؟).
فأجاب الشيخ المفيد (رحمه الله) قائلاً: (بل هو خبر صحيح يشهد له إجماع أهل الآثار، ويُقوِّي معناه صريح القرآن، حيث يقول (جلَّ اسمه): ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [الإسراء: ٧١]، وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤُلَاءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١]، وأي كثيرة من القرآن)(١٧٣).
وفي الصحيح عن الإمام الصادق (عليه السلام) ما يُوضِّح أهمّيَّة هذه القاعدة، وصلتها بمقام أهل البيت (عليهم السلام).
فقد روى ثقة الإسلام الكليني (رضي الله عنه)، عن عليِّ بن إبراهيم الفقيه المفسِّر الثبت الثقة، عن محمّد بن عيسى الفقيه الجليل الثبت الثقة، عن يونس بن عبد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٠) الإمامة والتبصرة (ص ٨٣/ ح ٧١)، ومثله في: كمال الدِّين (ص ٤١٢/ باب ٣٩/ ح ١١).
(١٧١) الكافي (ج ١/ ص ٣٧٦/ باب من مات وليس له إمام من أئمَّة الهدى/ ح ٣).
(١٧٢) الإفصاح في الإمامة (ص ٢٨ و٢٩).
(١٧٣) رسائل في الغيبة (ج ١/ ص ١١ و١٢).

↑صفحة ٧٦↑

الرحمن الفقيه العظيم الجليل الثبت الثقة، عن حمَّاد بن عثمان الثبت الثقة، عن عيسى بن السَّرِي الثبت الثقة، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام): حَدِّثْنِي عَمَّا بُنِيَتْ عَلَيْه دَعَائِمُ الإِسْلَامِ إِذَا أَنَا أَخَذْتُ بِهَا زَكَى عَمَلِي وَلَمْ يَضُرَّنِي جَهْلُ مَا جَهِلْتُ بَعْدَه، فَقَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَالإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ بِه مِنْ عِنْدِ الله، وَحَقٌّ فِي الأَمْوَالِ مِنَ الزَّكَاةِ، وَالوَلَايَةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) بِهَا، وَلَايَةُ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَإِنَّ رَسُولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ: مَنْ مَاتَ وَلَا يَعْرِفُ إِمَامَه مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، قَالَ اللهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، فَكَانَ عَلِيٌّ (عليه السلام)، ثُمَّ صَارَ مِنْ بَعْدِه الحَسَنُ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِه الحُسَيْنُ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِه عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِه مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، ثُمَّ هَكَذَا يَكُونُ الأَمْرُ، إِنَّ الأَرْضَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا بِإِمَامٍ، وَمَنْ مَاتَ لَا يَعْرِفُ إِمَامَه مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَأَحْوَجُ مَا يَكُونُ أَحَدُكُمْ إِلَى مَعْرِفَتِه إِذَا بَلَغَتْ نَفْسُه هَاهُنَا - قَالَ: وَأَهْوَى بِيَدِه إِلَى صَدْرِه -، يَقُولُ - حِينَئِذٍ -: لَقَدْ كُنْتُ عَلَى أَمْرٍ حَسَنٍ»(١٧٤).
وقد روى هذه الرواية صفوان بن يحيى الثقة، عن عيسى بن السَّرِي أيضاً(١٧٥)، الأمر الذي يُعزِّز من صدقها، ويُؤكِّد سماعها من الإمام الصادق (عليه السلام) حقًّا.
ونظير الرواية المذكورة في الصحَّة ما أخرجه ثقة الإسلام الكليني (رحمه الله) بسند صحيح عَنْ بَشِيرٍ الكُنَاسِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) يَقُولُ: «وَصَلْتُمْ وَقَطَعَ النَّاسُ، وأَحْبَبْتُمْ وَأَبْغَضَ النَّاسُ، وَعَرَفْتُمْ وَأَنْكَرَ النَّاسُ، وَهُوَ الحَقُّ، إِنَّ اللهَ اتَّخَذَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَه نَبِيًّا، وَإِنَّ عَلِيًّا (عليه السلام) كَانَ عَبْداً نَاصِحاً لِله (عزَّ وجلَّ)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٤) الكافي (ج ٢/ ص ٢١/ باب دعائم الإسلام/ ح ٩).
(١٧٥) اختيار معرفة الرجال (ج ٢/ ص ٧٢٣ و٧٢٤/ ح ٧٩٩) في ترجمة أبي اليسع عيسى بن السَّرِي.

↑صفحة ٧٧↑

فَنَصَحَه، وَأَحَبَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) فَأَحَبَّه، إِنَّ حَقَّنَا فِي كِتَابِ الله بَيِّنٌ، لَنَا صَفْوُ الأَمْوَالِ، وَلَنَا الأَنْفَالُ، وَإِنَّا قَوْمٌ فَرَضَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) طَاعَتَنَا، وَإِنَّكُمْ تَأْتَمُّونَ بِمَنْ لَا يُعْذَرُ النَّاسُ بِجَهَالَتِه، وَقَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ لَه إِمَامٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، عَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ...»(١٧٦).
هذا، وأمَّا من ادَّعى أنَّ المراد بالإمام الذي من لا يعرفه سيموت ميتةً جاهليَّة هو السلطان أو الحاكم أو المَلِك ونحو ذلك وإنْ كان فاسقاً ظالماً كما هو حال سلاطين بني أُميَّة وبني العبَّاس، أو طاغية مستبدًّا كما هو عليه واقعنا المعاصر، فعليه أنْ يُثبِت بالدليل أنَّ معرفة هذه النماذج القذرة من الدِّين أوَّلاً، ثمّ يُبيِّن للعقلاء الثمرة المترتِّبة على وجوب معرفة الظالم الفاسق الطاغية المستبدِّ بحيث يكون من مات ولم يعرفه مات ميتةً جاهليَّة.
ومن عظيم ما يُروى فيمن ادَّعى ذلك الصحيح الوارد عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُه يَقُولُ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: مَنِ ادَّعَى إِمَامَةً مِنَ الله لَيْسَتْ لَه، وَمَنْ جَحَدَ إِمَاماً مِنَ الله، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُمَا فِي الإِسْلَامِ نَصِيباً»(١٧٧).
إنَّ دلالة ما مرَّ على ضرورة معرفة الإمام الحقِّ الذي أمر الله تعالى بطاعته، لا تتمُّ في زماننا هذا إلَّا مع القول بولادة الإمام المهدي الحجَّة ابن الحسن العسكري (عجَّل الله فرجه)، وغيبته، واعتقاد ظهوره في آخر الزمان ليملأ الدنيا قسطاً وعدلاً بعدما مُلِئَت ظلماً وجوراً.
ولا يخفى أنَّ المراد من هذه القاعدة ليس مجرَّد معرفة الإمام باسمه ونسبه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٦) الكافي (ج ٨/ ص ١٤٦ و١٤٧/ ح ١٢٣).
(١٧٧) الكافي (ج ١/ ص ٣٧٣/ باب من ادَّعى الإمامة وليس لها بأهل.../ ح ٤)؛ ورواه النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١١٢/ باب ٥/ ح ٣).

↑صفحة ٧٨↑

مثلاً، وإنَّما المطلوب إلى جانب المعرفة تلك: طاعة الإمام، وعدم مخالفته بشيء، والردُّ إليه، والتسليم له.
وفي الصحيح الثابت ما قاله إمامنا الصادق (عليه السلام) لزيد الشحَّام: «تَدْرِي بِمَا أُمِرُوا؟ أُمِرُوا بِمَعْرِفَتِنَا، وَاَلرَّدِّ إِلَيْنَا، وَاَلتَّسْلِيمِ لَنَا»(١٧٨).
وفي الصحيح عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام): أَرَأَيْتَ اَلرَّادَّ عَلَيَّ هَذَا الأَمْرَ كَالرَّادِّ عَلَيْكُمْ؟ فَقَالَ: «يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ هَذَا الأَمْرَ فَهُوَ كَالرَّادِّ عَلَى رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(١٧٩).
وكلُّ هذا يُعزِّز ما ذكرناه سابقاً في حكم مَنْ أنكر الإمام المهدي ابن الإمام الحسن العسكري (عليهما السلام).

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٨) بصائر الدرجات (ص٥٤٦ و٥٤٦/ ج ١٠/ باب ٢٠/ ح ٣٢).
(١٧٩) المحاسن (ج ١/ ص ١٨٥/ ح ١٩٤)، الكافي (ج ٨/ ص ١٤٦/ ح ١٢٠).

↑صفحة ٧٩↑

الفصل الثالث: تشخيص الإمام الصادق (عليه السلام) لهويَّة الغائب، وكيفيَّة الانتفاع به في غيبته

أوَّلاً: منهج الإمام الصادق (عليه السلام) في تشخيص هويَّة الإمام الغائب (عجَّل الله فرجه):
يرجع الفضل في معرفتنا بذلك المنهج المحكم إلى محدِّثي الإماميَّة الذين عاشوا في الغيبة الصغرى (٢٦٠ - ٣٢٩هـ) أو بعدها، كالبرقي (ت ٢٧٤هـ، وقيل: سنة ٢٨٠هـ)، والصفَّار (ت ٢٩٠هـ)، وثقة الإسلام الكليني (ت ٣٢٩هـ)، والصدوق الأوَّل (ت ٣٢٩هـ)، والنعماني (ت بعد سنة ٣٤٢هـ)، والشيخ الصدوق (ت ٣٨١هـ)، والشيخ المفيد (ت ٤١٣هـ)، والشيخ الطوسي (ت ٤٦٠هـ)، وغيرهم من أعلام الإماميَّة المتقدِّمين الذين استفرغوا الوسع في جمع الحديث الشريف وتحقيقه وتدوينه، باعتمادهم على مصنَّفات الشيعة في القرون الثلاثة الأُولى، لاسيّما الكُتُب المعروفة بـ(الأُصول الأربعمائة)، وغيرها من المصنَّفات المعتمدة المؤلَّفة في عصور الأئمَّة التي شاع اعتمادها، حتَّى صار مرجعهم إليها ومعوَّلهم عليها، وأودعوا ما جمعوا منها في مؤلَّفاتهم المعروفة، مع حسن تبويبها وتصنيفها، الأمر الذي ساعد على استخراج المادَّة المطلوبة منها بيسر وسهولة، هذا فضلاً عن الكُتُب الأُخرى المصنَّفة في خصوص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وغيبته.
ولا شكَّ بأنَّ الرجوع إلى تلك الكُتُب - بصنفيها - سوف يكشف بالتأكيد عن غيبة الإمام المهدي عند جدِّه الإمام الصادق (عليهما السلام) بكلِّ وضوح،

↑صفحة ٨١↑

ولا يضرُّ وجود الإجمال في بعضها مع وجود التفصيل، كما لا يقدح الإبهام في دلالاتها مع توفُّر البسط والتوضيح؛ إذ لم يقتصر إمامنا الصادق (عليه السلام) على إخبار شيعته بمجرَّد غيبة إمام من أهل البيت (عليهم السلام) حتَّى يمكن القول بعدم دلالة ما أخبر به على غياب شخص معيَّن، وإنَّما أخبرهم كذلك بشخص من سيغيب، وحدَّد رقمه من بين الأئمَّة الاثني عشر، وذكر اسمه وكنيته، وسلَّط الضوء على كامل هويَّته، وما يقوله المبطلون في ولادته، وطول أمد غيبته، وما يجب على المؤمنين من انتظار فرجه، مع تبيين واسع لعلامات ظهوره، ومكان الظهور، وعدد أنصاره، ومدَّة حكمه بعد ظهوره، وقوَّة دولته، وسعة العدل فيها، والرخاء العميم في جنباتها، وسيطرة دين الإسلام في ظلالها على سائر الأديان كلِّها في مشارق الأرض ومغاربها، بما لا يبقى مع تلك الأخبار أدنى مجال للقول بمهدي مجهول يخلقه الله تعالى في آخر الزمان.
وهكذا حكم الإمام الصادق (عليه السلام) من خلال ما وصلنا من أحاديثه الشريفة بزيف دعاوى المهدويَّة السابقة على عصره، والمعاصرة له، واللَّاحقة به، وبيَّن كذبها جميعاً، كمهدويَّة محمّد بن الحنفيَّة (ت ٧٣هـ، وقيل غيرها)، ومهدويَّة عمر بن عبد العزيز الأُموي (ت ١٠١هـ)، ومهدويَّة محمّد بن عبد الله ابن الحسن الذي قتله المنصور الدوانيقي سنة (١٤٥هـ)، ومهدويَّة الملقَّب زوراً بالمهدي العبَّاسي (ت ١٦٩هـ).
ولم يكتفِ الإمام الصادق (عليه السلام) بهذا كلِّه، وإنَّما حاول تنبيه الشيعة إلى ما سيحصل بعده من قول الناووسيَّة بمهدويَّته (عليه السلام)، وقول الواقفيَّة بمهدويَّة ابنه الإمام الكاظم بعد وفاته (عليه السلام).
ومن هنا نفى الإمام الصادق (عليه السلام) المهدويَّة عن نفسه، وعن ولده الإمام الكاظم (عليه السلام) بوضوح وصراحة تامَّين؛ لكي لا يغترّ أحد بمقولة الناووسيَّة،

↑صفحة ٨٢↑

ولا يعبأ بمقولة الواقفيَّة، ولا يصغي لغيرهما كالفطحيَّة وأمثالها، ممَّا نتج عن ذلك التنبيه الواعي المدروس أنْ تبخَّرت تلك المزاعم الباطلة وذهبت أدراج الرياح، واضمحلَّت فِرَقها الفاسدة بعد ظهورها على مسرح الأحداث، وزالت بأسرها عن صفحة الوجود كلمح في البصر، وعاد مثلها كمثل الفقاعات التي تظهر على سطح الماء الساخن فجأةً، ثمّ سرعان ما تنفجر وتتلاشى، بحيث لا ترى لها رسماً ولا طللاً، وهكذا كانت تلك الفِرَق! محا الله تعالى آثارها ودثر أخبارها، حتَّى صارت أثراً بعد عين، وذهبت جفاءً كالزبد الذي لا يمكث في الأرض إلَّا قليلاً.
وفي مقام بيان منهج الإمام الصادق (عليه السلام) في تشخيص هويَّة المهدي الموعود بظهوره في آخر الزمان (عجَّل الله فرجه)، نقف على أُسلوبين في هذا المهنج الشريف، وهما:
الأُسلوب الأوَّل: أُسلوب التمثيل والتشبيه لتقريب الهويَّة:
وخير ما يدلُّ على هذا الأُسلوب أحاديث الإمام الصادق (عليه السلام) التي بيَّنت أوجه الشبه بين الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وبين بعض الأنبياء (عليهم السلام)، ومن مراجعة ما حكاه القرآن الكريم في قَصصهم (عليهم السلام)، وما بيَّنته الأحاديث النبويَّة الشريفة في هذا المجال، يُعلَم بأنَّ هدف الإمام الصادق (عليه السلام) في تبيان أوجه الشَّبَه تلك إنَّما هو بهدف التوعية المطلوبة، وذلك على مستويين:
المستوى الأوَّل: مستوى من لم يعاصر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
ويضمُّ هذا المستوى جميع من ماتوا قبل ولادته (عجَّل الله فرجه) من أصحاب الإمام الصادق وأصحاب ولده (عليهم السلام) وصولاً إلى الإمام العسكري (عليه السلام)؛ إذ بإمكان هذه الطبقة أنْ تستحضر هذا الأُسلوب لكي تعرف قيمة ما يظهر بزمانها من دعاوى المهدويَّة، ويتأكَّد لها - حينئذٍ - بطلان تلك الدعاوى؛ لعدم انطباق التشبيه والتمثيل الواردين في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عليها.
وما قد يقال بأنَّ هذه الطبقة من الأصحاب لا تحتاج في الواقع إلى كلِّ ذلك؛

↑صفحة ٨٣↑

إذ يكفيها معرفة إمام زمانها فحسب، وعلى أبعد تقدير معرفة من سيليه على أمر الإمامة، وأمَّا معرفة هويَّة من سيأتي بعد ذلك من الأئمَّة (عليهم السلام) فهي غير مسؤولة عنها ولا ملزمة بها. وأمَّا عن دعاوى المهدويَّة التي عاصرتها، فبإمكانها السؤال من إمام زمانها نفسه عن مدى مصداقيَّتها، وحينئذٍ ستنتفي حاجتها إلى هذا الأُسلوب، خصوصاً وأنَّ في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) ما يدلُّ على ذلك. ويكفي في هذا ما ذكره ثقة الإسلام الكليني (رحمه الله) في (باب أنَّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر)، حيث ضمَّ سبعة أحاديث بهذا المعنى، وهذا نموذج منها:
١ - عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام): «اعْرِفْ إِمَامَكَ، فَإِنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ لَمْ يَضُرَّكَ تَقَدَّمَ هَذَا الأَمْرُ أَوْ تَأَخَّرَ»(١٨٠).
٢ - وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ الخُزَاعِيِّ، قَالَ: سَأَلَ أَبُو بَصِيرٍ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) وَأَنَا أَسْمَعُ، فَقَالَ: تَرَانِي أُدْرِكُ القَائِمَ (عليه السلام)؟ فَقَالَ: «يَا أَبَا بَصِيرٍ، أَلَسْتَ تَعْرِفُ إِمَامَكَ؟»، فَقَالَ: إِي وَالله، وَأَنْتَ هُوَ، وَتَنَاوَلَ يَدَه، فَقَالَ: «وَالله مَا تُبَالِي يَا أَبَا بَصِيرٍ أَلَّا تَكُونَ مُحْتَبِياً بِسَيْفِكَ فِي ظِلِّ رِوَاقِ القَائِمِ (صَلَوَاتُ الله عَلَيْه)»(١٨١).
٣ - وَعَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ لَه إِمَامٌ فَمِيتَتُه مِيتَةُ جَاهِلِيَّةٍ، وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ عَارِفٌ لإِمَامِه لَمْ يَضُرَّه تَقَدَّمَ هَذَا الأَمْرُ أَوْ تَأَخَّرَ، وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ عَارِفٌ لإِمَامِه كَانَ كَمَنْ هُوَ مَعَ القَائِمِ فِي فُسْطَاطِه»(١٨٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٠) الكافي (ج ١/ ص ٣٧١/ باب أنَّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر/ ح ١)؛ ورواه النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٥٠/ باب ٢٥/ ح ١).
(١٨١) الكافي (ج ١/ ص ٣٧١/ باب أنَّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر/ ح ٤)؛ ورواه النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٥١/ باب ٢٥/ ح ٤).
(١٨٢) الكافي (ج ١/ ص ٣٧١ و٣٧٢/ باب أنَّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر/ ح ٥)؛ ورواه النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٥١ و٣٥٢/ باب ٢٥/ ح ٥).

↑صفحة ٨٤↑

وكلُّ هذا يدلُّ على انتفاء حاجة الأصحاب إلى التوعية المطلوبة على المستوى الأوَّل في تبيان أوجه الشَّبَه بين المهدي الموعود (عليه السلام) وبين الأنبياء السابقين (عليهم السلام).
فكيف تكون تلك التوعية إذن هدفاً من أهداف الإمام الصادق (عليه السلام) مع انتفاء حاجة الأصحاب إليها؟
والجواب باختصار هو: أنَّ أحاديث الاكتفاء بمعرفة إمام الزمان (عجَّل الله فرجه) إنَّما جاء التأكيد عليها في مقابل استعجال بعض أصحاب الأئمَّة (عليهم السلام) في مسألة ظهور الفرج على يد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؛ إذ سبق إلى أذهانهم دوره الشريف في إنشاء دولة آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، دولة الحقِّ الشامل، وذلك من خلال ما بشَّر به النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآله الأطهار (عليهم السلام)، والمعروف من انتظار الفرج في ظلِّ الاستبداد والعنف السياسي المقيت المتواصل، عادةً ما يكون مدعاة للسأم والضجر، وقد ينتج عنه اليأس من الظهور، والشكُّ في أصل القضيَّة، ولهذا حاول الإمام الصادق (عليه السلام) تنبيه هذه الشريحة على القاعدة القرآنية القائلة: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ (الإسراء: ٧١)، وذلك من خلال أحاديثه الشريفة المصرِّحة بوجوب معرفة إمام الزمان الحقِّ.
وإذا ما أُضيف هذا إلى تنبيهه (عليه السلام) على مسألة عدم التوقيت، مع ضرورة البقاء في حالة تأهُّب وانتظار، مع بيان فضل الانتظار بأنَّه من أنواع العبادة، عُلِمَ أنَّ الهدف من وراء ذلك إنَّما هو لأجل تثبيت القلوب، والقضاء على عوامل اليأس التي قد تنشأ نتيجة الانتظار الطويل، وهذا لا يعارض أيَّة خطوة من خطوات كشف الطريق، كبيان مستقبل الأُمَّة على يد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وتشخيص هويَّته (عليه السلام) بالتلميح تارةً، وبالتصريح تارةً أُخرى.
وأمَّا عن حاجتهم إلى هذا على الرغم من معرفتهم إمام زمانهم، فهي

↑صفحة ٨٥↑

حاجة كلِّ إنسان إلى معرفة ما في المستقبل؛ إذ المطلوب أنْ لا يعيش الإنسان يومه فحسب، بل لابدَّ وأنْ تكون عنده نبوءات عن مستقبله، وإلَّا كان فاشلاً، ولهذا نجد في عالمنا المعاصر مؤسَّسات علميَّة وثقافيَّة كثيرة تُعنى بشؤون المستقبل، فضلاً عن وجود مجلَّات علميَّة متخصِّصة بالدراسات المستقبليَّة.
ومن هنا صار التنبُّؤ بالشيء قبل وقوعه من الأُمور الاحترازيَّة المهمَّة لكلِّ مجتمع، وعلى هذا جرى أُسلوب الإمام الصادق (عليه السلام) في خصوص مسألة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فأخبر عنه وفصَّل هويَّته الشريفة قبل ولادته بعشرات السنين.
كما لا يمكن إغفال دور هذا المستوى من التوعية في حمل الأمانة ونقلها إلى الأجيال اللَّاحقة، خصوصاً أجيال الغيبة الكبرى لإمام العصر والزمان (عجَّل الله فرجه) التي لم تشاهد الإمام ولم ترَه، ولكنَّها آمنت به واستيقنت أنفسهم وجوده، ولولا تلك الأخبار وغيرها لشكَّت حتَّى في أخبار ولادته (عجَّل الله فرجه)، نظراً لما أحاطها من سرّيَّة وتكتُّم كانا مقصودين من أبيه الإمام العسكري (عليه السلام) مباشرةً إلَّا للخاصَّة فالخاصَّة كوكلاء الإمام، وأعمدة التشيُّع يوم ذاك من الثقات الأجلَّاء المعروفين، ومَنْ لابدَّ من اطِّلاعه كالخدم والجواري ونحوهم.
المستوى الثاني: [مستوى من عاش حدث الولادة للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)]:
مستوى من عاش حدث الولادة المباركة للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ورآه في زمان أبيه، أو في زمان غيبته الصغرى، أو سمع بذلك ممَّن علم بالحدث، أو شاهد الإمام مباشرةً، وهم جلُّ الشيعة في ذلك الوقت.
وبإمكان هذه الطبقة أنْ تلاحظ قوَّة انطباق تلك الأخبار على الواقع التاريخي بعد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام)، وحينئذٍ تزداد يقيناً على يقين، ولن تُضعِف من بصيرتها كثرة المهرِّجين والمشعوذين.

↑صفحة ٨٦↑

ويدلُّ على هذا الأُسلوب الشريف:
١ - عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «إِنَّ فِي صَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ سُنَنٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ (عليهم السلام)، سُنَّةً مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَسُنَّةً مِنْ عِيسَى، وَسُنَّةً مِنْ يُوسُفَ، وَسُنَّةً مِنْ مُحَمَّدٍ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِمْ)، فَأَمَّا سُنَّتُهُ مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَخَائِفٌ يَتَرَقَّبُ، وَأَمَّا سُنَّتُهُ مِنْ عِيسَى فَيُقَالُ فِيهِ مَا قِيلَ فِي عِيسَى، وَأَمَّا سُنَّتُهُ مِنْ يُوسُفَ فَالسِّتْرُ، يَجْعَلُ اَللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الخَلْقِ حِجَاباً يَرَوْنَهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ، وَأَمَّا سُنَّتُهُ مِنْ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَيَهْتَدِي بِهُدَاهُ، وَيَسِيرُ بِسِيرَتِهِ»(١٨٣).
٢ - وَعَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «فِي القَائِمِ (عليه السلام) سُنَّةٌ مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (عليه السلام)»، فَقُلْتُ: وَمَا سُنَّتُهُ مِنْ مُوسَى اِبْنِ عِمْرَانَ؟ فَقَالَ: «خَفَاءُ مَوْلِدِهِ، وَغَيْبَتُهُ عَنْ قَوْمِهِ...»(١٨٤).
٣ - وفي حديث آخر عنه (عليه السلام) أنَّ في المهدي الغائب (عليه السلام) «سُنَّةٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَنْبِيَاءَ: سُنَّةٌ مِنْ مُوسَى (عليه السلام)، خَائِفٌ يَتَرَقَّبُ؛ وَسُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ (عليه السلام)، يَعْرِفْهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ؛ وَسُنَّةٌ مِنْ عِيسَى (عليه السلام)، وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ؛ وَسُنَّةٌ مِنْ مُحَمَّدِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يَقُومُ بِالسَّيْفِ»(١٨٥).
٤ - وفي حديث آخر عنه (عليه السلام) أنَّ فيه «سُنَّةً مِنْ نُوحٍ، وَهُوَ طُولُ عُمُرِهِ، وَظُهُورُ دَوْلَتِهِ، وَبَسْطُ يَدِهِ فِي هَلَاكِ أَعْدَائِهِ...، يَخْرُجُ بِالسَّيْفِ كَمَا خَرَجَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَسُنَّةً مِنْ دَاوُدَ، وَهُوَ حُكْمُهُ بِالإلهَامِ»(١٨٦).
٥ - وعن زيد الشحَّام، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث طويل جاء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٣) كمال الدِّين (ص ٣٥٠ و٣٥١/ باب ٣٣/ ح ٤٦).
(١٨٤) الإمامة والتبصرة (ص ١٠٩/ ح ٩٥)، كمال الدِّين (ص ١٥٢/ باب ٦/ ح ١٤).
(١٨٥) دلائل الإمامة (ص ٤٧٠/ ح ٤٦٠/٦٤).
(١٨٦) الخرائج والجرائح (ج ٢/ ص ٩٣٦ و٩٣٧).

↑صفحة ٨٧↑

فيه: «إِنَّ صَالِحاً (عليه السلام) غَابَ عَنْ قَوْمِهِ زَمَاناً...»، إلى أنْ قال (عليه السلام): «وَإِنَّمَا مَثَلُ القَائِمِ (عليه السلام) مَثَلُ صَالِحٍ»(١٨٧).
٦ - وفي الصحيح عَنْ سَدِيرٍ الصَّيْرَفِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ فِي صَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ شَبَهاً مِنْ يُوسُفَ (عليه السلام)»، قَالَ: قُلْتُ لَه: كَأَنَّكَ تَذْكُرُه حَيَاتَه أَوْ غَيْبَتَه، قَالَ: فَقَالَ لِي: «وَمَا يُنْكَرُ مِنْ ذَلِكَ هَذِه الأُمَّةُ أَشْبَاه الخَنَازِيرِ؟ إِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ (عليه السلام) كَانُوا أَسْبَاطاً أَوْلَادَ الأَنْبِيَاءِ، تَاجَرُوا يُوسُفَ وَبَايَعُوه، وَخَاطَبُوه وَهُمْ إِخْوَتُه وَهُوَ أَخُوهُمْ فَلَمْ يَعْرِفُوه حَتَّى قَالَ: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾، فَمَا تُنْكِرُ هَذِه الأُمَّةُ المَلْعُونَةُ أَنْ يَفْعَلَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) بِحُجَّتِه فِي وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ كَمَا فَعَلَ بِيُوسُفَ؟ إِنَّ يُوسُفَ (عليه السلام) كَانَ إِلَيْه مُلْكُ مِصْرَ، وَكَانَ بَيْنَه وَبَيْنَ وَالِدِه مَسِيرَةُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْماً، فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُعْلِمَه لَقَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، لَقَدْ سَارَ يَعْقُوبُ (عليه السلام) وَوُلْدُه عِنْدَ البِشَارَةِ تِسْعَةَ أَيَّامٍ مِنْ بَدْوِهِمْ إِلَى مِصْرَ، فَمَا تُنْكِرُ هَذِه الأُمَّةُ أَنْ يَفْعَلَ اللهُ (جَلَّ وَعَزَّ) بِحُجَّتِه كَمَا فَعَلَ بِيُوسُفَ أَنْ يَمْشِيَ فِي أَسْوَاقِهِمْ، وَيَطَأَ بُسُطَهُمْ حَتَّى يَأْذَنَ اللهُ فِي ذَلِكَ لَه كَمَا أَذِنَ لِيُوسُفَ، ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٩٠]»(١٨٨).
وفيه إشارة واضحة إلى غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه)، وما فعله جعفر الكذَّاب - وهو عمُّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) - شبيه بما فعله أولاد يعقوب (عليه السلام) بأخيهم يوسف!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٧) كمال الدِّين (ص ١٣٦ و١٣٧/ باب ٣/ ح ٦)؛ ورواه بتفاوت يسير الراوندي (رحمه الله) في قَصص الأنبياء (ص ١٠٣ و١٠٤/ ح ٩١).
(١٨٨) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٦ و٣٣٧/ باب في الغيبة/ ح ٤)؛ ورواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٢١ و١٢٢/ ح ١١٧)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٦٦ و١٦٧/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ٤)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٤١/ باب ٣٣/ ح ٢١)، والطبري الشيعي (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٥٣١ و٥٣٢/ ح ٥١٠/١١٤).

↑صفحة ٨٨↑

وفي حديث سدير هذا ما يدلُّ على شيوع مفهوم غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بين أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) بفضل ما وصل إليهم من أحاديث آبائه الأطهار (عليهم السلام)، فضلاً عمَّا قام به الإمام الصادق (عليه السلام) من إيضاح كلِّ ما يحيط بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تفصيلاً.
وخير ما يدلُّ على سبق مفهوم الغيبة إلى علم الأصحاب، هو استفسار سدير الصيرفي - في هذا الحديث - من الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: (كَأَنَّكَ تَذْكُرُ حَيَاتَهُ أَوْ غَيْبَتَهُ)!
ويدلُّ عليه أيضاً ما رواه مُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) وَعِنْدَه فِي البَيْتِ أُنَاسٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّه إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ غَيْرِي، فَقَالَ: «أَمَا وَالله لَيَغِيبَنَّ عَنْكُمْ صَاحِبُ هَذَا الأَمْرِ...» الحديث(١٨٩).
فقول المفضَّل: (فَظَنَنْتُ أَنَّه إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ غَيْرِي) يدلُّ بوضوح على علم المفضَّل بالغيبة، لسماعه أخبارها قبل زمان صدور هذا الحديث.
٧ - وعن عبد الرحمن بن الحجَّاج، عن الإمام الصادق، عن آبائه، عن الإمام الحسين (عليهم السلام)، قال: «فِي اَلتَّاسِعِ مِنْ وُلْدِي سُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ، وَسُنَّةٌ مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (عليهما السلام)، وَهُوَ قَائِمُنَا أَهْلَ البَيْتِ، يُصْلِحُ اَللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَمْرَهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ»(١٩٠).
٨ - وَعَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ سُنَنَ الأَنْبِيَاءِ (عليهم السلام) بِمَا وَقَعَ بِهِمْ مِنَ الغَيْبَاتِ حَادِثَةٌ فِي القَائِمِ مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ حَذْوَ اَلنَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَالقُذَّةِ بِالقُذَّةِ»، قَالَ أَبُو بَصِيرٍ: فَقُلْتُ: يَا بْنَ رَسُولِ اَلله، وَمَنِ القَائِمُ مِنْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ؟ فَقَالَ: «يَا أَبَا بَصِيرٍ، هُوَ الخَامِسُ مِنْ وُلْدِ اِبْنِي مُوسَى، ذَلِكَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٩) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٨ و٣٣٩/ باب في الغيبة/ ح ١١).
(١٩٠) كمال الدِّين (ص ٣١٦ و٣١٧ / باب ٣٠/ ح ١).

↑صفحة ٨٩↑

اِبْنُ سَيِّدَةِ الإِمَاءِ، يَغِيبُ غَيْبَةً يَرْتَابُ فِيهَا اَلمُبْطِلُونَ، ثُمَّ يُظْهِرُهُ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) فَيَفْتَحُ اَللهُ عَلَى يَدِهِ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَيَنْزِلُ رُوحُ اَلله عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام) فَيُصَلِّي خَلْفَهُ، وَتُشْرِقُ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا، وَلَا تَبْقَى فِي الأَرْضِ بُقْعَةٌ عُبِدَ فِيهَا غَيْرُ اَلله (عزَّ وجلَّ) إِلَّا عُبِدَ اَللهُ فِيهَا، وَيَكُونُ اَلدِّينُ كُلُّهُ لله وَلَوْ كَرِهَ اَلمُشْرِكُونَ»(١٩١).
الأُسلوب الثاني: أُسلوب التصريح في بيان الهويَّة:
لقد مرَّت شذرات متفرِّقة تشير إلى هذا الأُسلوب أيضاً، والمراد به: التصريح بالهويَّة بحسب ما يقتضيه مقام السائل وعقليَّة المستمع يومذاك، وما يحيط بالإمام من ظروف يُترَك تقديرها للإمام نفسه (عليه السلام)، فضلاً عمَّا تقتضيه المصلحة التي ينظرها الإمام، أو يتوخَّاها من خلال هذا الأُسلوب.
ولهذه الاعتبارات المتعدِّدة لم يجرِ التصريح بهويَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) على نسق واحد، إذ تارةً يكون بتحديد الهويَّة من طرفها البعيد، وتارةً أُخرى يُقرِّب التحديد، وثالثة يشتدُّ قرباً والتصاقاً بالهويَّة الشخصيَّة للإمام الموعود (عجَّل الله فرجه).
وبعبارة أُخرى: إنَّ هناك جملة وافرة من أحاديث الإمام الصادق (عليه السلام) الواردة في مقام التصريح بالهويَّة، ومع هذا فلم ينفكّ عن بعضها الإجمال، بل انحصرت في دائرته؛ إذ لم تُشخِّص غائباً بالتحديد وإنْ صرَّحت بشيء من هويَّته. ومع هذا فإنَّ الإجمال المذكور لا يضرُّ حتَّى مع فرض عدم وجود التفصيل، لأنَّه إجمال منحصر بعصور الأئمَّة قبل اكتمال تسلسلهم التاريخي.
أو بعبارة أُخرى: إنَّ الإجمال المذكور قد اختزن في داخله نوعاً من التفصيل، ولكنَّه لم يتَّضح إلَّا بعد حين، حتَّى عاد الإجمال نفسه في غنى عمَّا يُوضِّحه من خارجه، خصوصاً إذا ما لوحظ الأُسلوب الأوَّل من التشخيص، وضُمَّ إلى هذا الإجمال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩١) كمال الدِّين (ص ٣٤٥ و٣٤٦/ باب ٣٣/ ح ٣١).

↑صفحة ٩٠↑

فتشبيه ظرف الغائب بظرف يوسف (عليه السلام) كما مرَّ في الأُسلوب الأوَّل وإنْ لم يُشخِّص لنا من هو الغائب بالتحديد، إلَّا أنَّه بيَّن لنا بعد حين مراد الإمام بهذا لتشبيه؛ إذ كما فعل إخوة يوسف بأخيهم، فعل جعفر الكذَّاب بابن أخيه العسكري (عليه السلام)، خصوصاً مع تأكيد الإمام الصادق (عليه السلام) على أنَّ سُنَن الأنبياء حاصلة في الغائب المنتظَر (عجَّل الله فرجه) حذو القذَّة، وفيها الكثير ممَّا يُعيِّن لنا الغائب بدقَّة.
وهكذا الحال في المكوِّنات الأُخرى للوحدة الموضوعيَّة للغيبة، كذكر الغيبتين ونحو ذلك ممَّا سيأتي في الباب الثاني، وإذا ما حصل الربط بين أجزاء تلك المكوِّنات، من قبيل كون الغائب هو الثاني عشر، وأنَّه التاسع من ولد الحسين (عليه السلام)، تبدَّد الإجمال المذكور كلّيًّا؛ لوجود المصداق الواقعي الذي انطبقت عليه جميع تلك الأخبار، ولم يتخلَّف عنها خبر واحد.
ومع هذا، فلم يكتفِ إمامنا الصادق (عليه السلام) بحدود هذه الأُمور، وإنَّما ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير في تشخيص هويَّة الإمام المهدي الغائب (عجَّل الله فرجه)، متدرِّجاً في بيانه انطلاقاً من كون الغائب المنتظَر هو من ولد الحسين (عليه السلام)، مع نفي المهدويَّة عن نفسه الشريفة، وعن ولده الكاظم (عليهما السلام)؛ لئلَّا يدَّعي مدَّعٍ بانطباقها على غير المراد، مروراً بكون من سيغيب هو الثاني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) وآخرهم، وأنَّه السادس من ولده، ومن ذرّيَّة الإمام الكاظم (عليه السلام)، وتحديداً: أنَّه الخامس من ولد السابع، وأنَّه خفي الولادة، مع تسمية أُمِّه (عجَّل الله فرجه)، وهكذا إلى أنْ يصل إلى القمَّة في البيان بذكر اسمه، واسم أبيه، وكامل نسبه الشريف كما سنرى، وعلى النحو الآتي:
١ - عن معاوية بن عمَّار، عن أبي عبد الله، عن آبائه (عليهم السلام)، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديث قدسي شريف جاء فيه: «... وَمِنْكُمُ القَائِمُ، يُصَلِّي عِيسَى بْنُ

↑صفحة ٩١↑

مَرْيَمَ خَلْفَه إِذَا أَهْبَطَه اللهُ إِلَى الأَرْضِ، مِنْ ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ، مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ (عليهم السلام)»(١٩٢).
٢ - عن عبيد الله بن العلاء، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث طويل عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، جاء فيه قوله للإمام الحسين (عليه السلام): «ثُمَّ يَقُومُ القَائِمُ اَلمَأْمُولُ، وَالإِمَامُ اَلمَجْهُولُ، لَهُ اَلشَّرَفُ وَالفَضْلُ، وَهُوَ مِنْ وُلْدِكَ يَا حُسَيْنُ...، طُوبَى لِمَنْ أَدْرَكَ زَمَانَهُ، وَلَحِقَ أَوَانَهُ، وَشَهِدَ أَيَّامَهُ»(١٩٣).
٣ - وقال أبو بصير للإمام الصادق (عليه السلام) وقد دخل عليه: ... إِنِّي أُرِيدُ أَنْ المِسَ صَدْرَكَ، فَقَالَ: «اِفْعَلْ»، فَمَسِسْتُ صَدْرَهُ وَمَنَاكِبَهُ، فَقَالَ: «وَلِمَ، يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟»، فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنِّي سَمِعْتُ أَبَاكَ وَهُوَ يَقُولُ: «إِنَّ القَائِمَ وَاسِعُ اَلصَّدْرِ، مُسْتَرْسِلُ اَلمَنْكِبَيْنِ، عَرِيضٌ مَا بَيْنَهُمَا»، فَقَالَ: «يَا [أَبَا] مُحَمَّدُ، إِنَّ أَبِي لَبِسَ دِرْعَ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَكَانَتْ تَسْتَخِبُ عَلَى الأَرْضِ، وَأَنَا لَبِسْتُهَا فَكَانَتْ وَكَانَتْ، وَإِنَّهَا تَكُونُ مِنَ القَائِمِ كَمَا كَانَتْ مِنْ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مُشَمَّرَةً كَأَنَّهُ تَرْفَعُ نِطَاقهَا بِحَلَقَتْيِن، وَلَيْسَ صَاحِبُ هَذَا الأَمْرِ مَنْ جَازَ أَرْبَعِينَ»(١٩٤)، يعني نفسه الشريفة.
وفي هذا الحديث نفي صريح للمهدويَّة عن نفسه الشريفة، حيث توهَّمت شرذمة قليلة بأنَّه (عليه السلام) هو المهدي، وهو قول يُنسَب إلى الناووسيَّة.
ويُؤيِّده أيضاً ما أورده المتَّقي الهندي في (البرهان)، قائلاً: (وأخرج المحاملي في أمالية، عن جعفر بن محمّد بن عليِّ بن حسين، قال: «يَزْعَمُونَ أَنِّي أَنَا اَلمَهْدِيُّ! وَإنِّي إِلَى أَجَلِي أَدْنَى مِنِّي إِلَى مَا يَدَّعُونَ»)(١٩٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٢) الكافي (ج ٨/ ص ٤٩ و٥٠/ ح ١٠).
(١٩٣) الغيبة للنعماني (ص ٢٨٣ و٢٨٤/ باب ١٤/ ح ٥٥).
(١٩٤) بصائر الدرجات (ص ٢٠٨ و٢٠٩/ ج ٤/ باب ٤/ ح ٥٦)، الخرائج والجرائح (ج ٢/ ص ٦٩١/ ح ٢) مختصراً.
(١٩٥) البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ص ١٧٤/ باب ١٢/ ح ١٢).
ورواه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (ج ٥٤/ ص ٢٩١)، والذهبي في سِيَر أعلام النبلاء (ج ٤/ ص ٤٠٧)، والسيوطي في العرف الوردي (ص ١٦٠/ ح ٢١٧)، وابن حجر الهيتمي في القول المختصر (ص ١٥٣)، كلُّهم عن أبي جعفر محمّد بن عليٍّ الباقر (عليه السلام).

↑صفحة ٩٢↑

وما رواه خَلَّادُ بْنُ اَلصَّفَّارِ، قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): هَلْ وُلِدَ القَائِمُ، فَقَالَ: «لَا، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَخَدَمْتُهُ أَيَّامَ حَيَاتِي»(١٩٦).
وفي هذا الحديث نفي صريح لمهدويَّة محمّد بن الحنفيَّة (رضي الله عنه)، ومهدويَّة عمر بن عبد العزيز الأُموي، ومهدويَّة محمّد بن عبد الله بن الحسن الحسني، ومهدويَّة محمّد بن عبد الله العبَّاسي الملقَّب كذباً على الله ورسوله بالمهدي!
وفيه أيضاً ما يكشف عن عظمة ومقام الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، بحيث تمنَّى إمام الخلق في زمانه، وحجَّة الله البالغة على عباده أنْ يقوم بخدمته لو أدركه (عليهما السلام).
٤ - وَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)، فَقُلْتُ لَه: أَنْتَ صَاحِبُ هَذَا الأَمْرِ؟ فَقَالَ: «لَا»، فَقُلْتُ: فَوَلَدُكَ؟ فَقَالَ: «لَا»، فَقُلْتُ: فَوَلَدُ وَلَدِكَ هُوَ؟ قَالَ: «لَا»، فَقُلْتُ: فَوَلَدُ وَلَدِ وَلَدِكَ؟ فَقَالَ: «لَا»، قُلْتُ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: «الَّذِي يَمْلَأُهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الأَئِمَّةِ، كَمَا أَنَّ رَسُولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بُعِثَ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ»(١٩٧).
ولو استرسل أبو حمزة (رضي الله عنه) في سؤاله لحدَّد الإمام الصادق (عليه السلام) من هو المهدي بالضبط؛ نظراً لما سيأتي في تشخيص الإمام الصادق (عليه السلام) لاسم المهدي وحسبه بدقَّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٦) الغيبة للنعماني (ص ٢٥٢/ باب ١٣/ ح ٤٦).
(١٩٧) الكافي (ج ١/ ص ٣٤١/ باب في الغيبة/ ح ٢١)، الغيبة للنعماني (ص ١٩٢ و١٩٣/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٣٨)، عقد الدُّرَر (ص ١٥٨ و١٥٩/ باب ٧).

↑صفحة ٩٣↑

٥ - وَعَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مِنَّا اِثْنَا عَشَرَ مَهْدِيًّا، مَضَى سِتَّةٌ وَبَقِيَ سِتَّةٌ، يَصْنَعُ اَللهُ بِالسَّادِسِ مَا أَحَبَّ»(١٩٨).
٦ - وقال السيِّد الحميري بعد توبته ورجوعه إلى الحقِّ إلى الإمام الصادق (عليه السلام): يَا بْنَ رَسُولِ اَلله، قَدْ رُوِيَ لَنَا أَخْبَارٌ عَنْ آبَائِكَ (عليهم السلام) فِي الغَيْبَةِ وَصِحَّةِ كَوْنِهَا، فَأَخْبِرْنِي بِمَنْ تَقَعُ؟ فَقَالَ (عليه السلام): «إِنَّ الغَيْبَةَ سَتَقَعُ بِالسَّادِسِ مِنْ وُلْدِي، وَهُوَ اَلثَّانِي عَشَرَ مِنَ الأَئِمَّةِ الهُدَاةِ بَعْدَ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أَوَّلُهُمْ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَآخِرُهُمُ القَائِمُ بِالحَقِّ، بَقِيَّةُ اَلله فِي الأَرْضِ، وَصَاحِبُ اَلزَّمَانِ، وَاَلله لَوْ بَقِيَ فِي غَيْبَتِهِ مَا بَقِيَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ اَلدُّنْيَا حَتَّى يَظْهَرَ، فَيَمْلَأَ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»(١٩٩).
وهذا الخبر يُؤكِّد إسهام جميع أهل البيت (عليهم السلام) في تنبيه الشيعة إلى غيبة قائمهم المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، وفيه تفسير للعدد المذكور في الحديث الخامس المتقدِّم، زيادةً على ما فيه من تأكيد بقاء الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) حيًّا في غيبته.
ويُؤيِّده قول الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث آخر: «مَا تُنْكِرُونَ أَنْ يَمُدَّ اَللهُ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ فِي العُمُرِ كَمَا مُدَّ لِنُوحٍ (عليه السلام) فِي العُمُرِ؟»(٢٠٠).
٧ - وفي حديث طويل عن الصادق (عليه السلام) جاء فيه: «يَظْهَرُ صَاحِبُنَا، وَهُوَ مِنْ صُلْبِ هَذَا - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليه السلام) -، فَيَمْلَأُهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً، وَتَصْفُو لَهُ اَلدُّنْيَا»(٢٠١).
٨ - وَعَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «صَاحِبُ هَذَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٨) كمال الدِّين (ص ٣٣٨/ باب ٣٣/ ح ١٣).
(١٩٩) كمال الدِّين (ص ٣٤٢/ باب ٣٣/ ح ٢٣).
(٢٠٠) الغيبة للطوسي (ص ٤٢١/ ح ٤٠٠).
(٢٠١) الغيبة للطوسي (ص ٤٢/ ح ٢٣).

↑صفحة ٩٤↑

الأَمْرِ تَعْمَى وِلَادَتُهُ عَلَى هَذَا الخَلْقِ، لِئَلَّا يَكُونَ لِأَحَدٍ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ إِذَا خَرَجَ»(٢٠٢).
ولا يعرف التاريخ أحداً من أهل البيت (عليهم السلام) قد خفيت ولادته على الخلق سوى إمامنا ابن العسكري (عليهما السلام).
هذا، وفي الصحيح عَنْ اِبْنِ فَضَّالٍ، عَنْ الإِمَامِ اَلرِّضَا (عليه السلام)، قَالَ: «كَأَنِّي بِالشِّيعَةِ عِنْدَ فَقْدِهِمُ اَلثَّالِثَ مِنْ وُلْدِي - أي: الإمام العسكري (عليه السلام) - كَالنَّعَمِ يَطْلُبُونَ اَلمَرْعَى فَلَا يَجِدُونَهُ»، قُلْتُ لَهُ: وَلِمَ ذَاكَ، يَا بْنَ رَسُولِ اَلله؟ قَالَ: «لِأَنَّ إِمَامَهُمْ يَغِيبُ عَنْهُمْ»، فَقُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: «لِئَلَّا يَكُونَ لِأَحَدٍ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ إِذَا قَامَ بِالسَّيْفِ»(٢٠٣).
٩ - وعن أبي بصير، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث جاء فيه: ... فَقُلْتُ: يَا بْنَ رَسُولِ اَلله، وَمَنِ القَائِمُ مِنْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ؟ فَقَالَ: «يَا أَبَا بَصِيرٍ، هُوَ الخَامِسُ مِنْ وُلْدِ اِبْنِي مُوسَى، ذَلِكَ اِبْنُ سَيِّدَةِ الإِمَاءِ، يَغِيبُ غَيْبَةً يَرْتَابُ فِيهَا اَلمُبْطِلُونَ، ثُمَّ يُظْهِرُهُ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) فَيَفْتَحُ اَللهُ عَلَى يَدِهِ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَيَنْزِلُ رُوحُ اَلله عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام) فَيُصَلِّي خَلْفَهُ، وَتُشْرِقُ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا، وَلَا تَبْقَى فِي الأَرْضِ بُقْعَةٌ عُبِدَ فِيهَا غَيْرُ اَلله (عزَّ وجلَّ) إِلَّا عُبِدَ اَللهُ فِيهَا، وَيَكُونُ اَلدِّينُ كُلُّهُ لله وَلَوْ كَرِهَ اَلمُشْرِكُونَ»(٢٠٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٢) كمال الدِّين (ص ٤٧٩/ باب ٤٤/ ح ١)، وأخرجه الصدوق (رحمه الله) من طريق آخر عن أبي بصير، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في: كمال الدِّين (ص ٤٨٠/ باب ٤٤/ ح ٥)؛ وقد ورد نحوه من طُرُق أُخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام)، كرواية هشام بن سالم في: الكافي (ج ١/ ص ٣٤٢/ باب في الغيبة/ ح ٢٧)، ورواية إبراهيم بن عمر اليماني في: الغيبة للنعماني (ص ١٩٦/ باب ١٠/ فصل ٤/ح ٤٥)، ورواية جميل بن صالح في: كمال الدِّين (ص ٤٧٩ و٤٨٠/ باب ٤٤/ح ٢).
(٢٠٣) كمال الدِّين (ص ٤٨٠/ باب ٤٤/ ح ٤).
(٢٠٤) كمال الدِّين (ص ٣٤٥ و٣٤٦/ باب ٣٣/ ح ٣١).

↑صفحة ٩٥↑

١٠ - وعن المفضَّل بن عمر، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث جاء فيه: «... وَالأَئِمَّةُ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ، آخِرُهُمُ القَائِمُ اَلَّذِي يَقُومُ بَعْدَ غَيْبَتِهِ، فَيَقْتُلُ اَلدَّجَّالَ، وَيُطَهِّرُ الأَرْضَ مِنْ كُلِّ جَوْرٍ وَظُلْمٍ»(٢٠٥).
١١ - وَعَنْ هَارُونَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «قَالَ سَيِّدِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: الخَلَفُ اَلصَّالِحُ مِنْ وُلْدِي، وَهُوَ اَلمَهْدِيُّ، اِسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو القَاسِمِ، يَخْرُجُ فِي آخِرِ اَلزَّمَانِ، يُقَالُ لِأُمِّهِ: صَقِيلٌ»(٢٠٦).
أقول: صقيل، ونرجس، وسوسن، كلُّها أسماء لمسمَّى واحد، وهو أُمُّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وقد ورد الأثر الصحيح في ذلك، وهذا الحديث نقله الإربلي (رحمه الله) من كتاب ابن الخشَّاب المسمَّى (تاريخ مواليد ووفيَّات أهل البيت (عليهم السلام))، وابن الخشَّاب من معاصري الإمام العسكري (عليه السلام)، ويروي الكليني (رحمه الله) عنه بالواسطة، وهو من مشايخ عليِّ بن إبراهيم بن هاشم القمِّي المتوفَّى في الغيبة الصغرى.
١٢ - عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ اَلصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَقَرَّ بِجَمِيعِ الأَئِمَّةِ وَجَحَدَ اَلمَهْدِيَّ كَانَ كَمَنْ أَقَرَّ بِجَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَجَحَدَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نُبُوَّتَهُ»، فَقِيلَ لَهُ: يَا بْنَ رَسُولِ اَلله، فَمَنِ اَلمَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِكَ؟ قَالَ: الخَامِسُ مِنْ وُلْدِ اَلسَّابِعِ، يَغِيبُ عَنْكُمْ شَخْصُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ تَسْمِيَتُهُ»(٢٠٧).
والنهي عن التسمية معلَّل بالخوف من الطلب، فيكون مقيَّداً بزمان مخصوص، كما يُعلَم من أخبار أُخَر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٥) كمال الدِّين (ص ٣٣٥ و٣٣٦/ باب ٣٣/ ح ٧).
(٢٠٦) كشف الغمَّة (ج ٣/ ص ٢٧٥).
(٢٠٧) كمال الدِّين (ص ٣٣٣/ باب ٣٣/ ح ١)، وأخرجه (رحمه الله) في (ص ٣٣٨/ باب ٣٣/ ح ١٢) من طريق آخر عن عبد الله بن أبي يعفور.

↑صفحة ٩٦↑

وفي هذا الحديث وغيره ممَّا مرَّ ويأتي إبطال لقول الواقفيَّة بمهدويَّة الإمام الكاظم (عليه السلام)، وقوله (عليه السلام): «الخَامِسُ مِنْ وُلْدِ اَلسَّابِعِ، يَغِيبُ عَنْكُمْ شَخْصُهُ...» تعريض بقول الواقفيَّة بأنَّ المهدي صاحب الغيبة هو الإمام السابع، أي: الكاظم (عليه السلام)! في حين أنَّه الخامس من ولد السابع (عليهم السلام).
١٣ - وسمع الحسين بن علوان الكلبي - وهو من رواة العامَّة - حديثاً من طُرُقهم في خصوص علم النبيِّ موسى (عليه السلام) بأوصياء النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الاثني عشر من بعده، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فقال: «حَقٌّ ذَلِكَ، هُمُ اِثْنَا عَشَرَ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، عَلِيٌّ وَالحَسَنُ وَالحُسَيْنُ (عليهم السلام)، وَعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وَمُحَمَّدُ اِبْنُ عَلِيٍّ، وَمَنْ شَاءَ اَللهُ»، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّمَا أَسْأَلُكَ لِتُفْتِيَنِي بِالحَقِّ، قَالَ: «أَنَا، وَاِبْنِي هَذَا - وَأَوْمَأَ إِلَى اِبْنِهِ مُوسَى (عليه السلام) -، وَالخَامِسُ مِنْ وُلْدِهِ يَغِيبُ شَخْصُهُ، وَلَا يَحِلُّ ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ»(٢٠٨).
١٤ - وَعَنِ اَلمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِي جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام)، فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، لَوْ عَهِدْتَ إِلَيْنَا فِي الخَلَفِ مِنْ بَعْدِكَ، فَقَالَ لِي: «يَا مُفَضَّلُ، الإِمَامُ مِنْ بَعْدِي اِبْنِي مُوسَى، وَالخَلَفُ اَلمَأْمُولُ اَلمُنْتَظَرُ (م ح م د) بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى»(٢٠٩).
١٥ - وفي الصحيح عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَة، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ اَلصَّادِقِ (عليه السلام) إِذْ أَتَاهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدِ اِنْحَنَا مُتَّكِئاً عَلَى عَصَاهُ، فَسَلَّمَ، فَرَدَّ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام) الجَوَابَ، ثُمَّ قَالَ: يَا بْنَ رَسُولِ اَلله، نَاوِلْنِي يَدَكَ أُقَبِّلْهَا، فَأَعْطَاهُ يَدَهُ، فَقَبَّلَهَا، ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «مَا يُبْكِيكَ، يَا شَيْخُ؟»، قَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، أَقَمْتُ عَلَى قَائِمِكُمْ مُنْذُ مِائَةِ سَنَةٍ، أَقُولُ: هَذَا اَلشَّهْرَ، وَهَذِهِ اَلسَّنَةَ، وَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٨) مقتضب الأثر (ص ٤١).
(٢٠٩) كمال الدِّين (ص ٣٣٤/ باب ٣٣/ ح ٤).

↑صفحة ٩٧↑

وَدَقَّ عَظْمِي، وَاِقْتَرَبَ أَجَلِي، وَلَا أَرَى مَا أُحِبُّ، أَرَاكُمْ مُعْتَلِّيِنَ مُشَرَدِّينَ، وَأَرَى عَدُوَّكُمْ يَطِيرُونَ بِالأَجْنِحَةِ، فَكَيْفَ لَا أَبْكِي؟ فَدَمَعَتْ عَيْنَا أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، ثُمَّ قَالَ: «يَا شَيْخُ، إِنْ أَبْقَاكَ اَللهُ حَتَّى تَرَى قَائِمَنَا كُنْتَ مَعَنَا فِي اَلسَّنَامِ الأَعْلَى، وَإِنْ حَلَّتْ بِكَ اَلمَنِيَّةُ جِئْتَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ ثَقَلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَنَحْنُ ثَقَلُهُ، فَقَالَ (عليه السلام): إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ، فَتَمَسَّكُوا بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا، كِتَابَ اَلله وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»، فَقَالَ اَلشَّيْخُ: لَا أُبَالِي بَعْدَ مَا سَمِعْتُ هَذَا الخَبَرَ، قَالَ: «يَا شَيْخُ، إِنَّ قَائِمَنَا يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ الحَسَنِ، وَالحَسَنُ يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ عَلِيٍّ، وَعَلِيٌّ يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ مُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدٌ يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ عَلِيٍّ، وَعَلِيٌّ يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ اِبْنِي هَذَا - وَأَشَارَ إِلَى مُوسَى (عليه السلام) -، وَهَذَا خَرَجَ مِنْ صُلْبِي، نَحْنُ اِثْنَا عَشَرَ كُلُّنَا مَعْصُومُونَ مُطَهَّرُونَ...، يَا شَيْخٌ، وَاَلله لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ اَلدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ اَللهُ ذَلِكَ اليَوْمَ حَتَّى يَخْرُجَ قَائِمُنَا أَهْلَ البَيْتِ، أَلَا وَإِنَّ شِيعَتَنَا يَقَعُونَ فِي فِتْنَةٍ وَحَيْرَةٍ فِي غَيْبَتِهِ، هُنَاكَ يُثْبِّتُ اَللهُ عَلَى هُدَاهُ اَلمُخْلَصِينَ، اَللَّهُمَّ أَعِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ»(٢١٠).
١٦ - وَعَنْ أَبِي الهَيْثَمِ بْنِ أَبِي حَيَّةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «إِذَا اِجْتَمَعَتْ ثَلَاثَةُ أَسْمَاءَ مُتَوَالِيَةً: مُحَمَّدٌ، وَعَلِيٌّ، وَالحَسَنُ، فَالرَّابِعُ القَائِمُ»(٢١١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٠) كفاية الأثر (ص ٢٦٤ - ٢٦٦)؛ وأخرجه عماد الدِّين الطبري في بشارة المصطفى (ص ٤٢٥ و٤٢٦/ ح ٢)، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) إِذْ جَاءَ شَيْخٌ قَدِ اِنْحَنَى مِنَ اَلْكِبَرِ، فَقَالَ: اَلسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اَلله وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اَلله: «وَعَلَيْكَ اَلسَّلَامُ وَرَحْمَةُ اَلله، يَا شَيْخُ اُدْنُ مِنِّي»، فَدَنَا مِنْهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ وَبَكَى... الحديث.
ورواه الطوسي (رحمه الله) في أماليه (ص ١٦١ و١٦٢/ ح ٢٦٨/٢٠).
(٢١١) الإمامة والتبصرة (ص ١١٣ و١١٤/ ح ١٠١)، كمال الدِّين (ص ٣٣٣ و٣٣٤/ باب ٣٣/ ح ٢)؛ وبتفاوت يسير في: الغيبة للنعماني (ص ١٨٥/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٢٦)، إثبات الوصيَّة (ص ٢٦٨)، كفاية الأثر (ص ٢٨٤ و٢٨٥)، الغيبة للطوسي (ص ٢٣٣/ح ٢٠١).

↑صفحة ٩٨↑

وقوله (عليه السلام): «إِذَا اِجْتَمَعَتْ ثَلَاثَةُ أَسْمَاءَ...»، أي: من الأئمَّة بعده، الذين هم من وُلْدِه (عليهم السلام).
ومن الواضح أنَّ هذه الأسماء الثلاثة الشريفة قد اجتمعت متوالية حقًّا، وشكَّلت الحلقة الأخيرة من أسماء الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) قبل القائم المهدي (عجَّل الله فرجه) كالآتي:
١ - (محمّد): وهو اسم الإمام التاسع، المعروف بالجواد (عليه السلام).
٢ - (عليٌّ): وهو اسم الإمام العاشر، المعروف بالهادي (عليه السلام).
٣ - (الحسن): وهو اسم الإمام الحادي عشر، المعروف بالعسكري (عليه السلام) ابن الإمام عليٍّ الهادي ابن الإمام محمّد الجواد، وهو والد الإمام القائم (عليهم السلام).
ثانياً: بيان الإمام الصادق (عليه السلام) لكيفيَّة الانتفاع بالحجَّة الغائب (عجَّل الله فرجه):
نطقت أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) وبصورة متواترة بأنَّ الله تعالى لا يُخلي أرضه من حجَّة على عباده منذ أنْ خلق الله آدم وإلى قيام الساعة، ولا فرق في ذلك بين أنْ يكون الحجَّة ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مستوراً كما مرَّ في القاعدة الرابعة من قواعد الفصل السابق.
والتسليم بهذه القاعدة يعني الاعتقاد بوجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في أرض الله (عزَّ وجلَّ) وإنْ لم يرَه أحد، وهو بحدِّ ذاته كافٍ لنموِّ الفضيلة، وخلق جوٍّ من التآلف والمودَّة بين المؤمنين الذين يعيشون في حالة انتظار دائم وترقُّب شديد لظهوره (عجَّل الله فرجه)، الأمر الذي يُؤدِّي إلى حفظ المجتمع المسلم من التشتُّت والضياع، ومنعه من الانحدار وراء الشهوات، وصونه من كلِّ انحراف.
كما أنَّ نفس وجود الإمام (عليه السلام) فيه منافع كثيرة ترتبط بحياة الناس جميعاً، من نزول بركات السماء، وعدم المؤاخذة بالعقاب العاجل ونحوها، وقد أشار

↑صفحة ٩٩↑

القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة مبيِّناً أهمّيَّة الحجَّة، وهي في زمن نزوله منحصرة برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال: ٣٣)، وأمَّا بعده (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلا شكَّ في أنَّها بآله الكرام (عليهم السلام).
لقد حاول الإمام الصادق (عليه السلام) تقريب صورة الانتفاع بالإمام الحجَّة الغائب (عجَّل الله فرجه) بمثال مادِّي محسوس، ليكون ذلك أدعى إلى الإذعان والتصديق.
فعن سليمان بن مهران الأعمش، عن الإمام الصادق، عن أبيه الإمام الباقر، عن أبيه الإمام عليِّ بن الحسين (عليهم السلام)، قَالَ: «نَحْنُ أَئِمَّةُ اَلمُسْلِمِينَ، وَحُجَجُ اَلله عَلَى العَالَمِينَ...، وَلَمْ تَخْلُ الأَرْضُ مُنْذُ خَلَقَ اَللهُ آدَمَ مِنْ حُجَّةٍ لِله فِيهَا، ظَاهِرٍ مَشْهُورٍ أَوْ غَائِبٍ مَسْتُورٍ، وَلَا تَخْلُو إِلَى أَنْ تَقُومَ اَلسَّاعَةُ مِنْ حُجَّةٍ لِله فِيهَا، وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يُعْبَدِ اَللهُ»، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَقُلْتُ لِلصَّادِقِ (عليه السلام): فَكَيْفَ يَنْتَفِعُ اَلنَّاسُ بِالحُجَّةِ الغَائِبِ اَلمَسْتُورِ؟ قَالَ: «كَمَا يَنْتَفِعُونَ بِالشَّمْسِ إِذَا سَتَرَهَا اَلسَّحَابُ»(٢١٢).
وكما أنَّ السحاب لا يمنع من فوائد الشمس الكثيرة، ولولاها لانعدمت الحياة، فكذلك لا تمنع الغيبة من الفوائد العظيمة المترتِّبة على وجود الإمام (عجَّل الله فرجه)، وهذا ما يُفسِّر لنا معنى قول الإمام الصادق (عليه السلام): «لَوْ بَقِيَتِ الأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ لَسَاخَتْ»(٢١٣).
جدير بالذكر أنَّ حديث الإمام الصادق (عليه السلام) المتقدِّم برواية الأعمش هو جزء من حديث عظيم لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) برواية جابر بن عبد الله الأنصاري،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٢) كمال الدِّين (ص ٢٠٧/ باب ٢١/ ح ٢٢)، أمالي الصدوق (ص ٢٥٢ و٢٥٣/ ح ٢٧٧/١٥)، روضة الواعظين (ص ١٩٩)، الاحتجاج (ج ٢/ ص ٤٨)، فرائد السمطين (ج ١/ ص ٤٥ و٤٦/ ح ١١).
(٢١٣) قد تقدَّم في (ص ٧٣)، فراجع.

↑صفحة ١٠٠↑

 قال (رضي الله عنه): لَـمَّا أَنْزَلَ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَلله، عَرَفْنَا اَللهَ وَرَسُولَهُ، فَمَنْ أُولُو الأَمْرِ اَلَّذِينَ قَرَنَ اَللهُ طَاعَتَهُمْ بِطَاعَتِكَ؟ فَقَالَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «هُمْ خُلَفَائِي يَا جَابِرُ، وَأَئِمَّةُ اَلمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدِي، أَوَّلُهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ اَلمَعْرُوفُ فِي اَلتَّوْرَاةِ بِالبَاقِرِ، وَسَتُدْرِكُهُ يَا جَابِرُ، فَإِذَا لَقِيتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي اَلسَّلَامَ، ثُمَّ اَلصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى، ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ الحَسَنُ اِبْنُ عَلِيٍّ، ثُمَّ سَمِيِّي وَكَنِيِّي، حُجَّةُ اَلله فِي أَرْضِهِ، وَبَقِيَّتُهُ فِي عِبَادِهِ، اِبْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، ذَاكَ اَلَّذِي يَفْتَحُ اَللهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَى يَدَيْهِ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، ذَاكَ اَلَّذِي يَغِيبُ عَنْ شِيعَتِهِ وَأَوْلِيَائِهِ غَيْبَةً لَا يَثْبُتُ فِيهَا عَلَى القَوْلِ بِإِمَامَتِهِ إِلَّا مَنِ اِمْتَحَنَ اَللهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ»، قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اَلله، فَهَلْ يَقَعُ لِشِيعَتِهِ اَلاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي غَيْبَتِهِ؟ فَقَالَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إِي وَاَلَّذِي بَعَثَنِي بِالنُّبُوَّةِ، إِنَّهُمْ يَسْتَضِيئُونَ بِنُورِهِ، وَيَنْتَفِعُونَ بِوَلَايَتِهِ فِي غَيْبَتِهِ كَانْتِفَاعِ اَلنَّاسِ بِالشَّمْسِ وَإِنْ تَجَلَّلَهَا سَحَابٌ. يَا جَابِرُ، هَذَا مِنْ مَكْنُونِ سِرِّ اَلله، وَمَخْزُونِ عِلْمِهِ، فَاكْتُمْهُ إِلَّا عَنْ أَهْلِهِ»(٢١٤).
وتشبيه فائدة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في غيبته بفوائد الشمس المجلَّلة بالسحاب يُوحي إلى أُمور، قد تعرَّض لها العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في ذيل هذا الخبر، ولا بأس بنقلها كما هي لفائدتها.
قال (رحمه الله): (بيان: التشبيه بالشمس المجلَّلة بالسحاب يومي إلى أُمور:
الأوَّل: أنَّ نور الوجود والعلم والهداية يصل إلى الخلق بتوسُّطه (عليه السلام)؛ إذ ثبت بالأخبار المستفيضة أنَّهم العلل الغائيَّة لإيجاد الخلق، فلولاهم لم يصل نور الوجود إلى غيرهم، وببركتهم والاستشفاع بهم والتوسُّل إليهم يظهر العلوم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٤) كمال الدِّين (ص ٢٥٣ و٢٥٤/ باب ٢٣/ ح ٣)، كفاية الأثر (ص ٥٣ - ٥٦).

↑صفحة ١٠١↑

والمعارف على الخلق، ويكشف البلايا عنهم، فلولاهم لاستحقَّ الخلق بقبائح أعمالهم أنواع العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، ولقد جرَّبنا مراراً لا نُحصيها أنَّ عند انغلاق الأُمور، وإعضال المسائل، والبُعد عن جناب الحقِّ تعالى، وانسداد أبواب الفيض، لـمَّا استشفعنا بهم، وتوسَّلنا بأنوارهم، فبقدر ما يحصل الارتباط المعنوي بهم في ذلك الوقت، تنكشف تلك الأُمور الصعبة، وهذا معاين لمن أكحل الله عين قلبه بنور الإيمان، وقد مضى توضيح ذلك في كتاب الإمامة.
الثاني: كما أنَّ الشمس المحجوبة بالسحاب مع انتفاع الناس بها ينتظرون في كلِّ آنٍ انكشاف السحاب عنها وظهورها ليكون انتفاعهم بها أكثر، فكذلك في أيَّام غيبته (عليه السلام) ينتظر المخلصون من شيعته خروجه وظهوره في كلِّ وقتٍ وزمانٍ، ولا ييأسون منه.
الثالث: أنَّ منكر وجوده (عليه السلام) مع وفور ظهور آثاره كمنكر وجود الشمس إذا غيَّبها السحاب عن الأبصار.
الرابع: أنَّ الشمس قد تكون غيبتها في السحاب أصلح للعباد من ظهورها لهم بغير حجاب، فكذلك غيبته (عليه السلام) أصلح لهم في تلك الأزمان، فلذا غاب عنهم.
الخامس: أنَّ الناظر إلى الشمس لا يمكنه النظر إليها بارزة عن السحاب، وربَّما عمي بالنظر إليها لضعف الباصرة عن الإحاطة بها، فكذلك شمس ذاته المقدَّسة وبما يكون ظهوره أضرُّ لبصائرهم، ويكون سبباً لعماهم عن الحقِّ، وتحتمل بصائرهم الإيمان به في غيبته، كما ينظر الإنسان إلى الشمس من تحت السحاب ولا يتضرَّر بذلك.
السادس: أنَّ الشمس قد يخرج من السحاب وينظر إليه واحد دون واحد، فكذلك يمكن أنْ يظهر (عليه السلام) في أيَّام غيبته لبعض الخلق دون بعض.

↑صفحة ١٠٢↑

السابع: أنَّهم (عليهم السلام) كالشمس في عموم النفع، وإنَّما لا ينتفع بهم من كان أعمى كما فُسِّر به في الأخبار قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٢].
الثامن: أنَّ الشمس كما أنَّ شعاعها تدخل البيوت بقدر ما فيها من الروازن والشبابيك وبقدر ما يرتفع عنها من الموانع، فكذلك إنَّما ينتفعون بأنوار هدايتهم بقدر ما يرفعون الموانع عن حواسِّهم ومشاعرهم التي هي روازن قلوبهم من الشهوات النفسانيَّة والعلائق الجسمانيَّة، وبقدر ما يدفعون عن قلوبهم من الغواشي الكثيفة الهيولانيَّة إلى أنْ ينتهي الأمر إلى حيث يكون بمنزلة من هو تحت السماء يحيط به شعاع الشمس من جميع جوابنه بغير حجاب)(٢١٥).

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٥) بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٩٣ و٩٤/ باب علَّة الغيبة وكيفيَّة انتفاع الناس به في غيبته (عليه السلام)/ ذيل الحديث ٨).

↑صفحة ١٠٣↑

الباب الثاني: غيبة الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) قبل حدوثها

الفصل الأوَّل: عناية الإمام الصادق (عليه السلام) بالغيبة، وبيان معطياتها.
الفصل الثاني: تأكيد الإمام الصادق (عليه السلام) على غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وطولها.
الفصل الثالث: في بيان الإمام الصادق (عليه السلام) ما مطلوب في زمان الغيبة.
الفصل الرابع: في بيان الإمام الصادق (عليه السلام) عِلَل الغيبة

↑صفحة ١٠٥↑

الفصل الأوَّل: في العناية بالغيبة وبيان معطياتها

أوَّلاً: أسرار العناية بالغيبة في الحديث الشريف:
شغلت غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) قبل وبعد حلولها سنة (٢٦٠هـ) مكاناً واسعاً في الفكر الشيعي، وأخذت حيِّزاً كبيراً في تراثهم الروائي والكلامي، وامتدَّت آثارها بعد وفاة آخر السفراء الأربعة عليِّ بن محمّد السمري (رضي الله عنه) (ت ٣٢٩هـ)، لتشمل الفقه السياسي الروائي والمستنبط معاً، ولعلَّ في ما صنَّفه محدِّثوهم وأعلامهم قبل عصر الغيبة الصغرى وفي أثنائها أو بعدها، خير دليل على مدى العناية الفائقة التي أولاها سائر أهل البيت (عليهم السلام) بهذا الموضوع الخطير؛ لأنَّهم (عليهم السلام) أدركوا أنَّ معنى غياب القائد هو تشتُّت القاعدة ما لم يتمّ التمهيد لغيبته (عجَّل الله فرجه) بشكل مكثَّف حتَّى يتمَّ استقبالها من قِبَل القاعدة وهضمهم لها بشكل تدريجي وكأنَّها حدث طبيعي، بحيث لا ينتج عنها شرخ في المذهب قد يُؤدِّي إلى اهتزاز عقيدة أتباعه في ما لو سُكِتَ عن هذا الأمر وواجهه الشيعة فجأةً، ومن هنا تمَّ ترويض الشيعة على قبول غيبة القائد كحقيقة آتية ولابدَّ منها، وكان لكلِّ إمام دوره الخاصُّ في التمهيد لتلك الحقيقة الكبرى في تاريخ التشيُّع لاسيمّا الإمام الصادق (عليه السلام) الذي كان دوره مميَّزاً في ذلك، تبعاً لما ذكرناه في ديباجة البحث من الفرصة التي سنحت له أكثر من غيره للتحليق عالياً في سماء الفكر والعقيدة حتَّى اصطبغ مذهب الإماميَّة الواسع باسمه الشريف.

↑صفحة ١٠٧↑

وقد انعكست أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) في غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) على الفكر الشيعي بصورة واضحة جليَّة، وذلك من جهة عناية هذا الفكر بتلك الأحاديث عناية فائقة، فأفردوا لها مؤلَّفات عديدة ورسائل كثيرة كوَّنت بمجموعها رؤية واضحة لطلائع التشيُّع حول غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) قبل ولادته بعشرات السنين.
وما مزاعم الفِرَق الشيعيَّة - التي نشأت في إطار التشيُّع فجأةً واندرست بعيد نشأتها بسرعة - بغيبة من ادَّعيت له الإمامة زوراً، كقول الكيسانيَّة بغيبة محمّد بن الحنفيَّة في جبل رضوى، وقول الواقفيَّة بغيبة الإمام الكاظم (عليه السلام)، إلَّا صورة معبِّرة عن انتشار مفهوم الغيبة في الوسط الشيعي انتشاراً واسعاً، لدرجة توفَّرت معها للوجود الشيعي الإمامي الاثني عشري حصانة رائعة ضدَّ كلِّ الدعاوى المنحرفة التي برزت في إطاره، حتَّى استطاع بفضل فلسفة الإخبار بالغيبة وتشخيص صاحبها قبل ولادته بعشرات السنين، أنْ يشقَّ طريقه بأمان رغم كلِّ العواصف التي اعترضت سبيله.
ثانياً: الغيبة في مؤلَّفات الشيعة:
إنَّ كُتُب الغيبة شاهدة على عناية الفكر الشيعي بها منذ أقدم العصور وإلى يومنا هذا، من أمثال:
١ - كتاب (الغيبة) لإبراهيم بن صالح الأنماطي الكوفي(٢١٦).
٢ - كتاب (ترتيب الأدلَّة فيما يلزم خصوم الإماميَّة دفعه عن الغيبة والغائب) لأحمد بن الحسين الآبي(٢١٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٦) رجال النجاشي (ص ١٥/ الرقم ١٣)، الفهرست (ص ٣٤ و٣٥/ الرقم ٢/٢)، معالم العلماء (ص ٤١/ الرقم ٥).
(٢١٧) معالم العلماء (ص ٦٠/ الرقم ١١٣).

↑صفحة ١٠٨↑

٣ - كتاب (الشفاء والجلاء في الغيبة) لأحمد بن عليٍّ الرازي(٢١٨).
٤ - كتاب (الغيبة) لأحمد بن محمّد بن عمران المعروف بابن الجندي أحد مشايخ النجاشي (رحمه الله)(٢١٩).
٥ - كتاب (الغيبة) للسيِّد الحسن بن حمزة المعروف بالطبري المرعش (ت ٣٥٨هـ)(٢٢٠).
٦ - كتاب (الغيبة وذكر القائم (عليه السلام)) للحسن بن محمّد بن يحيى العلوي (ت ٣٥٨هـ)(٢٢١).
٧ - كتاب (الغيبة والحيرة) لعبد الله بن جعفر الحميري من أصحاب الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام)(٢٢٢).
٨ - كتاب (الغيبة وكشف الحيرة) لأبي الحسن سلامة بن محمّد بن إسماعيل (ت ٣٣٩هـ)(٢٢٣).
٩ - كتاب (الغيبة) لأبي الفضل العبَّاس بن هشام الناشري الأسدي أحد أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام)، ومات في إمامة الإمام الجواد (عليه السلام) سنة (٢٢٠هـ) أو قبلها بسنة واحدة(٢٢٤).
١٠ - كتاب (الإمامة والتبصرة من الحيرة) للصدوق الأوَّل أحد معاصري الغيبة الصغرى كلِّها (ت ٣٢٩هـ)، وهو (مطبوع).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٨) رجال النجاشي (ص ٩٧/ الرقم ٢٤٠)، الفهرست (ص ٧٦/ الرقم ٩١/٢٩)، معالم العلماء (ص ٥٤/ الرقم ٨٢).
(٢١٩) رجال النجاشي (ص ٨٥/ الرقم ٢٠٦).
(٢٢٠) رجال النجاشي (ص ٦٤/ الرقم ١٥٠).
(٢٢١) رجال النجاشي (ص ٦٤/ الرقم ١٤٩).
(٢٢٢) رجال النجاشي (ص ٢١٩/ الرقم ٥٧٣)، الفهرست (ص ١٦٧ و١٦٨/ الرقم ٤٣٩/٧).
(٢٢٣) رجال النجاشي (ص ١٩٢/ الرقم ٥١٤).
(٢٢٤) رجال النجاشي (ص ٢٨٠/ الرقم ٧٤١).

↑صفحة ١٠٩↑

١١ - كتاب (الغيبة) لأبي محمّد عبد الوهَّاب المادرائي(٢٢٥).
١٢ - كتاب (أخبار القائم (عليه السلام)) للشيخ عليِّ بن محمّد بن إبراهيم المعروف بعلَّان الكليني الرازي(٢٢٦)، من معاصري الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وهو خال ثقة الإسلام الكليني (رحمه الله) الذي روى عن كتابه هذا معظم أحاديث باب مولد الحجَّة (عليه السلام) في (أُصول الكافي).
١٣ - كتاب (الغيبة) للشيخ النعماني تلميذ الكليني (رحمهما الله)، وهو (مطبوع).
١٤ - كتاب (الغيبة) لعليِّ بن محمّد بن عليٍّ أبي الحسن القلَّاء(٢٢٧).
١٥ - كتاب (إزالة الران عن قلوب الإخوان في الغيبة) للفقيه أبي عليٍّ محمّد بن أحمد المشهور بابن الجنيد(٢٢٨).
١٦ - كتاب (الغيبة وكشف الحيرة) لمحمّد بن أحمد الصفواني البغدادي من مشاهير تلامذة الكليني (رحمه الله)(٢٢٩).
١٧ - كتاب (الغيبة) لأبي النظر محمّد بن مسعود العيَّاشي المفسِّر المشهور (ت ٣٢٠هـ)(٢٣٠).
١٨ - كتاب (الغيبة) لإبراهيم بن إسحاق النهاوندي(٢٣١).
١٩ - كتاب (أخبار المهدي (عليه السلام)) لعبَّاد بن يعقوب الرواجني(٢٣٢)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٥) رجال النجاشي (ص ٢٤٧/ الرقم ٦٥٢).
(٢٢٦) رجال النجاشي (ص ٢٦٠ و٢٦١/ الرقم ٦٨٢).
(٢٢٧) رجال النجاشي (ص ٢٥٩ و٢٦٠/ الرقم ٦٧٩).
(٢٢٨) رجال النجاشي (ص ٣٩٣/ الرقم ١٠٥٠)، معالم العلماء (ص ١٣٢ و١٣٣/ الرقم ٦٦٥).
(٢٢٩) معالم العلماء (ص ١٣١ و١٣٢/ الرقم ٦٦٣).
(٢٣٠) رجال النجاشي (ص ٣٥٠ - ٣٥٣/الرقم ٩٤٤)، الفهرست (ص ٢١٢ - ٢١٥/ الرقم ٦٠٤)، معالم العلماء (ص ١٣٤ و١٣٥/ الرقم ٦٦٨).
(٢٣١) رجال النجاشي (ص ١٩/ الرقم ٢١)، الفهرست (ص ٣٩ و٤٠/ الرقم ٩/٩).
(٢٣٢) معالم العلماء (ص ١٢٣/ الرقم ٦١٢).

↑صفحة ١١٠↑

مات (رحمه الله) سنة (٢٥٠هـ)(٢٣٣)، أي: قبل حلول ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بخمس سنين.
٢٠ - مصنَّفات الشيخ المفيد (رحمه الله) في الغيبة كـ: كتاب (الغيبة)، وكتاب (جوابات الفارقيِّين في الغيبة)، و(الرسائل العشر في الغيبة)، وهو (مطبوع)، و(النقض على الطلحي في الغيبة)، و(مختصر في الغيبة) كما صرَّح بذلك النجاشي (رحمه الله)(٢٣٤).
٢١ - كتاب (إكمال الدِّين وإتمام النعمة) للشيخ الصدوق (ت ٣٨١هـ)، وهو (مطبوع)، وفيه من أحاديث الغيبة الكثير جدًّا. وله ثلاث رسائل في الغيبة(٢٣٥).
٢٢ - كتاب (المقنع في الغيبة) للسيِّد المرتضى علم الهدى (ت ٤٣٦هـ)، وهو (مطبوع).
٢٣ - كتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي (ت ٤٦٠هـ)، وهو (مطبوع).
٢٤ - كتاب (البرهان على طول عمر صاحب الزمان (عليه السلام)) للكراجكي (ت ٤٤٩هـ)(٢٣٦).
٢٥ - كتاب (الغيبة) لأبي الفرج المظفَّر بن عليِّ بن الحسين الحمداني(٢٣٧).
٢٦ - كتاب (الغيبة) لمحمّد بن زيد بن عليٍّ الفارسي(٢٣٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٣) وصفه أهل السُّنَّة بالرفض، وادَّعى بعض الشيعة عامّيَّته! وهو ثقة إمامي كما حقَّقنا ذلك في محلِّه.
(٢٣٤) رجال النجاشي (ص ٣٩٩ - ٤٠٣/ الرقم ١٠٦٧).
(٢٣٥) رجال النجاشي (ص ٣٨٩ - ٣٩٢/ الرقم ١٠٤٩).
(٢٣٦) الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج ٣/ ص ٩٢/ الرقم ٢٩٢).
(٢٣٧) الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج ١٦/ ص ٨٢/ الرقم ٤٠٦).
(٢٣٨) الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج ١٦/ ص ٧٩ و٨٠/ الرقم ٤٠٠).

↑صفحة ١١١↑

٢٧ - كتاب (الغيبة وما جاء فيها عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة (عليهم السلام)) لتاج العلى العلوي (ت ٦١٠هـ)(٢٣٩).
٢٨ - كتاب (الغيبة) لأبي بكر محمّد بن القاسم البغدادي(٢٤٠).
وغيرها ممَّا لا وسع في تتبُّعها.
وهذه الكُتُب وإنْ ضاع أكثرها - لاسيّما المُؤَلَّف منها قبل ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) - إلَّا أنَّ فيما وصل منها كفاية في الكشف عن الحقيقة التامَّة لمن أرادها.
ثالثاً: علم الشيعة بالغيبة قبل حدوثها:
اتَّضح ممَّا تقدَّم أنَّ غيبة الإمام المهدي بن الإمام العسكري (عليهما السلام) كانت معلومة في الوسط الشيعي قبل حدوثها بعشرات السنين، وذلك من خلال ما سمعوه من أهل البيت (عليهم السلام) مباشرةً، ولهذا ألَّفوا فيما سمعوه بهذا الخصوص كُتُباً عديدة، وقد شهد غير واحد من أعلام الإماميَّة وأجلَّائهم المشهورين على هذه الحقيقة.
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): (إنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) قد أخبروا بغيبته (عليه السلام)، ووصفوا كونها لشيعتهم فيما نُقِلَ عنهم، واستُحفِظَ في الصُّحُف، ودُوِّن في الكُتُب المؤلَّفة من قبل أنْ تقع الغيبة بمائتي سنة أو أقلّ أو أكثر، فليس أحد من أتباع الأئمَّة (عليهم السلام) إلَّا وقد ذكر ذلك في كثير من كُتُبه ورواياته، ودوَّنه في مصنَّفاته، وهي الكُتُب التي تُعرَف بالأُصول، مدوَّنة مستحفظة عند شيعة آل محمّد (عليهم السلام) من قبل الغيبة بما ذكرنا من السنين...)(٢٤١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٩) الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج ١٦/ ص ٧٥/ الرقم ٣٧٥).
(٢٤٠) الذريعة إلى تصانيف الشيعة (ج ١٦/ ص ٨٠/ الرقم ٤٠٣).
(٢٤١) كمال الدِّين (ص ١٩) من المقدَّمة.

↑صفحة ١١٢↑

وإلى هذا أشار الشيخ الطوسي (رحمه الله) في كتابه (الغيبة)، فقال بعد استدلاله بجملة من الأخبار الموجودة في الكُتُب المؤلَّفة قبل زمان الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ما هذا لفظه: (موضع الاستدلال من هذه الأخبار ما تضمَّن الخبر بالشيء قبل كونه فكان كما تضمَّنه)(٢٤٢).
كما شهد بهذا أيضاً ابن قبة الرازي (رحمه الله)، وهو من فحول متكلِّمي الإماميَّة في عصره، فقد نقل الشيخ الصدوق (رحمه الله) عنه قوله في هذا الخصوص: (وهذه كُتُبهم فمن شاء أنْ ينظر فيها فلينظر)(٢٤٣).
كما شهد الإربلي (رحمه الله) في (كشف الغمَّة)، والطبري الإمامي (رحمه الله) في (دلائل الإمامة) بعد نقل حديث عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) صريح بغيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، بأنَّهما نقلاه من كتاب (المشيخة) للحسن بن محبوب الزرَّاد(٢٤٤). والحسن بن محبوب مات (رحمه الله) سنة (٢٢٤هـ)، أي قبل زمان ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بإحدى وثلاثين سنة.
وغير ذلك من الأحاديث الأُخرى التي صرَّحت بغيبة الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) قبل حدوثها على أرض الواقع بعشرات السنين، وستأتي الإشارة إلى بعضها في مكان آخر.
على أنَّ الاتِّساع الأُفُقي الحاصل في كلِّ طبقة من طبقات الرواة في بعض أحاديث الغيبة حتَّى ينتهي الأمر هكذا إلى أحد المتقدِّمين من أصحاب الأئمَّة (عليهم السلام) أو إلى من مات قبل زمان الغيبة بآماد كثيرة، قرينة شاهدة على سماع أحاديث غيبة الإمام الثاني عشر من رواة ماتوا قبل حلولها بأزمان كثيرة، وإلَّا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٢) الغيبة للطوسي (ص ١٧٣).
(٢٤٣) كمال الدِّين (ص ١٠٧) من المقدَّمة.
(٢٤٤) كشف الغمَّة (ج ٣/ ص ٣٣٧)، ودلائل الإمامة (ص ٥٣٥/ ح ٥٢٠/١٢٤).

↑صفحة ١١٣↑

فماذا يُفهَم من هذا الاتِّساع الأُفُقي في كلِّ طبقة غير صحَّة ما شهد به الصدوق (رحمه الله) وغيره من وجود تلك الأخبار في الكُتُب المؤلَّفة قبل زمان الغيبة بكثير؟
وسوف يأتي ما يدلُّ على وجود مثل هذه القرينة في أحاديث الغيبتين وغيرهما، ومن ثَمَّ فإنَّ ما في موضوع كتابنا هذا أقوى من كلِّ شهادة على علم الشيعة بالغيبة قبل حدوثها.
رابعاً: إخبار الإمام الصادق (عليه السلام) بالشيء قبل وقوعه، وعلم الغيب:
إنَّ ظاهرة الإخبار بالشيء قبل وقوعه كانت ظاهرة معروفة في حياة الأئمَّة (عليهم السلام)، وقد أذعن لها الشيعة برمَّتهم، واعترف بهذا غيرهم أيضاً.
قال ابن خلدون (ت ٨٠٨هـ) في تاريخه في الفصل الثالث والخمسين عن الإمام الصادق (عليه السلام) ما هذا لفظه: (وقد صحَّ عنه أنَّه كان يُحذِّر بعض قرابته بوقائع تكون لهم فتصحُّ كما يقول، وقد حذَّر يحيى ابن عمِّه زيد من مصرعه وعصاه، فخرج وقُتِلَ بالجوزجان كما هو معروف، وإذا كانت الكرامة تقع لغيرهم فما ظنُّك بهم علماً وديناً وآثاراً من النبوَّة، وعناية من الله بالأصل الكريم تشهد لفروعه الطيِّبة)(٢٤٥).
وقال أيضاً: (ووقع لجعفر وأمثاله من أهل البيت كثير من ذلك، مستندهم فيه - والله أعلم - الكشف بما كانوا عليه من الولاية، وإذا كان مثله لا يُنكر من غيرهم من الأولياء في ذويهم وأعقابهم، وقد قال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): «إِنَّ فِيكُمْ مُحَدَّثِينَ»، فهم أولى الناس بهذه الرُّتَب الشريفة، والكرامات الموهوبة)(٢٤٦).
وقال عليُّ بن محمّد الجرجاني (ت ٨١٦هـ) في (شرح المواقف) لعضد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٥) تاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٣٣٤/ فصل ٥٣).
(٢٤٦) تاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٣٣١/ فصل ٥٣).

↑صفحة ١١٤↑

الدِّين الإيجي (ت ٧٥٦هـ) في المقصد الثاني: مبحث العلم الواحد الحادث هل يجوز تعلُّقه بمعلومين؟ ما هذا نصُّه: (وفي كتاب قبول العهد الذي كتبه عليُّ بن موسى (رضي الله عنهما) إلى المأمون: «إنَّك قد عرفت من حقوقنا ما لم يعرفه آباؤك، فقبلت منك عهدك، إلَّا أنَّ الجَفْرَ والجامعة يدلَّان على أنَّه لا يتمُّ»)(٢٤٧).
وقد نقل هذا الكلام بعينه الكاتب الحلبي المعروف بحاجي خليفه (ت ١٠٦٧هـ)، وأضاف عليه قوله: (وكان كما قال؛ لأنَّ المأمون استشعر فتنة من بني هاشم فسمَّه، كذا في (مفتاح السعادة))(٢٤٨).
وقد زعم بعض خصوم الشيعة بأنَّ أخبار أهل البيت (عليهم السلام) عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) التي يدَّعي الشيعة وجودها في الكُتُب المؤلَّفة في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) أخبار مكذوبة، نظراً لما تضمَّنته من علم الغيب، وهو منفيٌّ عن غير الله (عزَّ وجلَّ)!
وهذا جهل فظيع، لأنَّ العلم المنفي عن غيره تعالى هو ما كان للشخص لذاته بلا واسطة في ثبوته له، لمكان الإمكان فيه ذاتاً وصفةً، وكلُّ ممكن لا يثبت له شيء من هذا العلم بلا واسطة، وما وقع لأهل البيت (عليهم السلام) فهو ليس من العلم المنفي في شيء؛ لأنَّه متلقَّى عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، عن الوحي، عن الله (عزَّ وجلَّ)، ولا مانع أيضاً من أنْ يفيضه الله تعالى عليهم؛ لأنَّهم (عليهم السلام) (محدَّثون) كما مرَّ في كلام ابن خلدون ما يشير إلى هذا، وفي الصحيح عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «نَحْنُ اثْنَا عَشَرَ مُحَدَّثاً»(٢٤٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٧) شرح المواقف (ج ٦/ ص ٢٢).
(٢٤٨) كشف الظنون (ج ١/ ٥٩١) تحت عنوان: (علم الجفر والجامعة). ومفتاح السعادة كتاب ألَّفه طاش كبرى زاده (ت ٩٦٨هـ).
(٢٤٩) بصائر الدرجات (ص ٣٣٩/ ج ٧/ باب ٥/ ح ٢)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥٣٤ و٥٣٥/ باب فيما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ٢٠)، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ٢/ ص ٥٩ و٦٠/ باب ٦/ ح ٢٣).

↑صفحة ١١٥↑

ولا مانع أيضاً من القول بقول الآلوسي (ت ١٢٧٠هـ) بشأن علم الخواصِّ، قال: (إنَّهم أُظْهِرُوا أو أُطلِعُوا - بالبناء للمفعول - على الغيب، أو نحو ذلك ممَّا يُفهَم الواسطة في ثبوت العلم لهم)(٢٥٠).
ومن هنا يظهر بوضوح وجه المغالطة في نسبة إخبار أولياء الله بالشيء قبل حدوثه إلى علم الغيب المنفي عن غير الله (عزَّ وجلَّ)، هذا فضلاً عمَّا في تلك المغالطة من إنكار لشيء مادِّي ملموس! أعني المصنَّفات الكثيرة المؤلَّفة في غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) قبل ولادته، وفيها من الأخبار الكثيرة المتواترة ما يكشف عن غائب بالتحديد وشخص معيَّن لا مجال للاشتباه فيه أو الترديد، وهو ما شهد به غير واحدٍ ممَّن ذكرناه.
خامساً: مكوِّنات الوحدة الموضوعيَّة للغيبة عند الإمام الصادق (عليه السلام):
نعني بمكوِّنات الوحدة الموضوعيَّة للغيبة عند الإمام الصادق (عليه السلام): المفردات التي اشتملت عليها أحاديث الإمام الصادق (عليه السلام) في موضوع الغيبة في معزل عمَّا تقدَّم من أحاديثه في تشخيص هويَّة الإمام الغائب، لنرى هل كوَّنت فيما بينها نسيجاً موحَّداً، أو كانت مجرَّد أحاديث متفرِّقة لا يمكن صياغة عقد منها بعد ترتيبها في نظام واحد؟
ثمّ لو أمكن لها ذلك، فهل استطاعت تلك الأحاديث أنْ تتَّسم بالعمق والشمول والسعة، أم أنَّها انتظمت في سلكها لا غير؟
وبعبارة أُخرى: هل استطاعت أحاديث الإمام الصادق (عليه السلام) - كما ندَّعيه نحن في هذه الدراسة - من تكوين وحدة موضوعيَّة متجانسة كافية في مقام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٠) تفسير الآلوسي (ج ١٠/ ص ٢٢٢) مبحث في: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ﴾ (النمل: ٦٥).

↑صفحة ١١٦↑

معرفة مَنْ هو الإمام الغائب على وجه التحديد، وبلا أدنى حاجة إلى التماس أحاديث أُخرى عن أهل البيت (عليهم السلام) للكشف عن هويَّة الإمام الغائب، أو أنَّها وقفت في سياقها التاريخي ولم تستوعب الإجابة على ما يحيط بغيبة الإمام الغائب من تساؤلات؟
ونودُّ قبل بيان مكوِّنات تلك الوحدة التوقُّف على مسألة مهمَّة تتَّصل اتِّصالاً مباشراً بعلم الحديث الشريف، فنقول:
اتَّسم أكثر الحديث الصحيح الوارد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام) بمعارف غنيَّة كثيرة، وذات دلالات متنوِّعة على الرغم من مركزيَّة الدلالة الأُمِّ في تلك الأحاديث وظهورها بشكل واضح.
ومن هنا نجد في أغلب كُتُب الحديث اضطرار المحدِّث إلى إعادة الحديث الواحد في أبواب متعدِّدة من كتابه، وما ذاك إلَّا علامة على ذلك الغنى المطَّرد في دلالة الحديث الواحد على أكثر من موضوع.
ولم تخرج أحاديث الإمام الصادق (عليه السلام) في موضوع الغيبة عن هذه القاعدة، إذ عادةً ما نجد فيها ما يشير إلى أُمور أُخرى مهمَّة ذات صلة وثيقة بالغيبة أو بالكشف عن صاحبها الموعود (عجَّل الله فرجه)، ومن هنا جرى تصنيفها على أساس مركزيَّة الدلالة لا على أساس ما تضمَّنته من عناوين أُخرى هي صالحة بالتأكيد للانطباق على عناوين أُخرى من هذا البحث.
وبهذا نعود إلى مكوِّنات الوحدة الموضوعيَّة للغيبة عند إمامنا الصادق (عليه السلام) لنبحثها في الفصول الثلاثة المتبقّية من هذا الباب، كالآتي.

* * *

↑صفحة ١١٧↑

الفصل الثاني: تأكيد الإمام الصادق (عليه السلام) على غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وطولها

كان الإمام الصادق (عليه السلام) مدركاً تماماً ما للغيبة من معنى، إنَّه اختفاء القائد فجأةً، الأمر الذي يحتاج معه إلى ترويض العقل الشيعي لقبول هذا الغياب المفاجئ الذي لم تشهد مثله الشيعة في تاريخها من قبل، إنَّها غيبة طويلة، لابدَّ من التركيز عليها وبيان إرهاصاتها التاريخيَّة، وما سيرافقها من أحداث، وما يتزامن معها من فتن، وهو ما وضَّحه الإمام الصادق (عليه السلام) بكلِّ دقَّة وتفصيل.
أوَّلاً: تأكيد الإمام الصادق (عليه السلام) على غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
ويدلُّ على ذلك أحاديث كثيرة، نذكر منها:
١ - عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِلْقَائِمِ (عليه السلام) غَيْبَةً قَبْلَ أَنْ يَقُومَ»، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: «إِنَّه يَخَافُ»، وَأَوْمَأَ بِيَدِه إِلَى بَطْنِه، يَعْنِي القَتْلَ(٢٥١).
تضمَّن هذا الحديث الصحيح الإشارة إلى بعض عِلَل الغيبة، أعني: الخوف من القتل، وهي العلَّة الظاهرة على مسرح الأحداث التاريخيَّة التي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥١) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٨ و٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح ٩ و١٨)، الغيبة للنعماني (ص ١٨٣/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٢١).

↑صفحة ١١٩↑

أعقبت وفاة الإمام الحسن العسكري والد الإمام المهدي (عليهما السلام)، وإلَّا فهناك عِلَل أُخرى وردت عن الإمام الصادق (عليه السلام) أيضاً، من قبيل أنْ لا يكون في عنق الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) نوع التزام للحاكم قبيل الظهور من عهد أو بيعة، وجريان السُّنَن السابقة في غيبات الأنبياء (عليهم السلام) في غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ونحو ذلك من العِلَل غير المنظورة في ابتداء زمن الغيبة، كما سيأتي في بيان عِلَل الغيبة.
وفي الحديث أيضاً إخبار بشيئين قبل أوان حدوثهما:
أحدهما: غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وقد وردت في الحديث نصًّا، ولم تتحقَّق إلَّا في شخص الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه)، لثبوت بطلان من ادُّعيت غيبته بوفاته وتغسيله، وكفنه، والصلاة على جنازته، ودفنه كما هو حال دعوى الكيسانيَّة بغيبة محمّد بن الحنفيَّة (رضي الله عنه)، ودعوى الواقفيَّة بغيبة الإمام الكاظم (عليه السلام)، ونحو ذلك من الدعاوى الأُخرى الباطلة.
الآخر: وهو لا يقلُّ أهمّيَّةً عن الأخبار الأُوَل، وقد تحقَّق على طبق ما أخبر به (عليه السلام)، وهو الإشارة إلى أنَّ الأُمَّة سوف لن تنصف آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنَّها ستبقى على حالها ببخس حقِّهم من السلطة، وإبعادهم عمَّا جعله الله تعالى لهم من الخلافة، وأنَّ القائمين على السلطة سيتمادون بغيِّهم، ويضاعفون تعسُّفهم على أهل بيت نبيِّهم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لدرجة يضطرُّ معها الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) إلى الاختفاء عنهم.
وقد تحقَّق هذا في سنة (٢٦٠هـ) بغيبة إمامنا الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
٢ - وعن المفضَّل بن عمر، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «أَمَا وَاَلله لَيَغِيبَنَّ إِمَامُكُمْ سِنِيناً مِنْ دَهْرِكُمْ، وَلَتُمَحَّصُنَّ حَتَّى يُقَالَ: مَاتَ أَوْ هَلَكَ، بِأَيِّ وَادٍ سَلَكَ؟ وَلَتَدْمَعَنَّ عَلَيْهِ عُيُونُ اَلمُؤْمِنِينَ، وَلَتُكْفَؤُنَّ كَمَا تُكْفَأُ اَلسُّفُنُ فِي أَمْوَاجِ البَحْرِ، وَلَا يَنْجُو إِلَّا مَنْ أَخَذَ اَللهُ مِيثَاقَهُ، وَكَتَبَ فِي قَلْبِهِ الإِيمَانَ، وَأَيَّدَهُ بِرُوحٍ مِنْهُ،

↑صفحة ١٢٠↑

وَلَتُرْفَعَنَّ اِثْنَتَا عَشْرَةَ رَايَةً مُشْتَبِهَةً لَا يُدْرَى أَيٌّ مِنْ أَيٍّ»، قَالَ: فَبَكَيْتُ، فَقَالَ لِي: «مَا يُبْكِيكَ، يَا أَبَا عَبْدِ اَلله؟»، فَقُلْتُ: وَكَيْفَ لَا أَبْكِي وَأَنْتَ تَقُولُ: «اِثْنَتَا عَشْرَةَ رَايَةً مُشْتَبِهَةً لَا يُدْرَى أَيٌّ مِنْ أَيٍّ»؟ فَكَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَى شَمْسٍ دَاخِلَةٍ فِي اَلصُّفَّةِ، فَقَالَ: «يَا أَبَا عَبْدِ اَلله، تَرَى هَذِهِ اَلشَّمْسَ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «وَاَلله لَأَمْرُنَا أَبْيَنُ مِنْ هَذِهِ اَلشَّمْسِ»(٢٥٢).

وفي حديث المفضَّل هذا تأكيد لما سيكون في زمان الغيبة من تمحيص واختبار، حتَّى يقال ما يقال حينئذٍ، ويُفهَم من الحديث أنَّ القائل بهذا هم من الشيعة أنفسهم، نتيجة الدعاية الواسعة التي يشنُّها الطرف الآخر المتمثِّل بالسلطة وأعوانها وبعض عملائها كجعفر الكذَّاب عمِّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، زيادةً على شدَّة البليَّة، وطول المحنة، وكثرة الفتن، كلُّ ذلك عوامل مباشرة في حصول الاضطراب عند ذوي النفوس الضعيفة من الشيعة، وتزلزل عقيدتهم، كالذي حصل لدى شرذمة منهم في تأييد بعض المقولات الفاسدة التي ظهرت بعد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام)، من قبيل مدَّعيات جعفر الكذَّاب ونظرائه. وفي مقابل هذا تجد في صفوفهم المصداق الواقعي لقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (المجادلة: ٢٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٢) كمال الدِّين (ص ٣٤٧/ باب ٣٣/ ح ٣٥)؛ وبتفاوت يسير في: الإمامة والتبصرة (ص ١٢٥ و١٢٦/ ح ١٢٥)، الكافي (ج ١/ ص ٣٣٦ و٣٣٨ و٣٣٩/ باب في الغيبة/ ح ٣ و١١)، الغيبة للنعماني (ص ١٥٣ و١٥٤/ باب ١٠/ ح ٩ و١٠)، دلائل الإمامة (ص ٥٣٢ و٥٣٣/ ح ٥١٢/١١٦)، الغيبة للطوسي (ص ٣٣٧ و٣٣٨/ ح ٢٨٥). والتنوين في (سنين) على لغة بني عامر، فلاحظ.

↑صفحة ١٢١↑

وقوله (عليه السلام): «وَلَتُرْفَعَنَّ اِثْنَتَا عَشْرَةَ رَايَةً مُشْتَبِهَةً...» إشارة إلى تشتُّت الآراء، واختلاف النوازع، وتعدُّد الأهواء، وكثرة أتباع الدنيا، ودعواتهم الباطلة، وغير ذلك من صور الظلم ومستلزماته، وقد كان هذا وما زال موجوداً بين الناس على المستوى المذهبي الإسلامي، وعلى المستوى السياسي والاقتصادي، وغير ذلك من حقول الحياة المختلفة؛ لأنَّ الحقَّ والباطل في صراع دائم، وإذا ما غَلَبَ الباطلُ انحرف المجتمع وانقسم على ذاته، وتناحر في داخله على طول خطِّ انحرافه. وأمَّا عن دعاة السوء والأئمَّة المضلِّين، فما أكثرهم في التاريخ، فقد كانوا ولا زالوا يتمثَّلون بالعلماء المزيَّفين الضالعين مع الأجهزة الحاكمة المتعسِّفة الظالمة عبر التاريخ.
وهذا هو ما أشار إليه الإمام الصادق (عليه السلام) بعبارة: «وَلَا يَنْجُو إِلَّا مَنْ أَخَذَ اَللهُ مِيثَاقَهُ، وَكَتَبَ فِي قَلْبِهِ الإِيمَانَ، وَأَيَّدَهُ بِرُوحٍ مِنْهُ».
ولـمَّا كانت علامات الحقِّ واضحة لائحة، وأنَّها أبين من ضوء الشمس الداخل من الكوَّة الصغيرة، فضلاً عمَّا يحيط بالمهدي (عجَّل الله فرجه) من التأييد الإلهي، وما يتلطَّف عليه الله (عزَّ وجلَّ) بالآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة، مع علومه وأخلاقه وكمالاته (عجَّل الله فرجه)، فلا خوف إذن على المؤمنين من رايات الضلال التي ستُرفَع بوجوههم على أمل صرفهم عن المنقذ العظيم؛ لأنَّهم أبعد ما يكون عن الاشتباه بها، وإنَّما الذي سيقع في حضيضها هو ليس إلَّا من لا يطلب الحقَّ ويريد الشبهة في الدِّين ابتغاء الفتنة.
وهكذا حاول الإمام الصادق (عليه السلام) بهذا الحديث وأمثاله أنْ يكشف للأُمَّة المعالم الصحيحة لمعرفة الحقِّ والحقيقة.
وإذا كان المفضَّل قد أرسل دمعة حرَّى لسماعه نبأ الغيبة وحيرة الناس يومئذٍ، فقد كان الإمام الصادق (عليه السلام) غزير الدمعة على ولده المهدي (عجَّل الله فرجه)، بالغ

↑صفحة ١٢٢↑

التوجُّع، شديد الحسرة، وكم رُؤي (عليه السلام) مهموماً مغموماً وهو يُخبِر الشيعة بغيبة المؤمَّل المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، وكأنَّه (عليه السلام) كان يعيش حالة الأُمَّة، وهي واقفة مكتوفة الأيدي على ما يصنعه العبَّاسيُّون، وقضاتهم، وشَرَطَتهم ببيت النبوَّة ومهبط الوحي والتنزيل، بالبحث والتنقيب عن خاتم الأئمَّة (عليهم السلام)، ومصادرة ميراثه من أبيه (عليهما السلام)، وتمزُّق قلوب أتباعه، ولكنَّه التمحيص والبلاء الذي لابدَّ منه.
ويدلُّ على ذلك ما في الحديث المؤلم الآتي:
٣ - عن سدير الصيرفي، والمفضَّل بن عمر، وأبي بصير, وأبان بن تغلب، كلّهم عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث طويل جاء فيه قوله (عليه السلام): «... سَيِّدِي غَيْبَتُكَ نَفَتْ رُقَادِي، وَضَيَّقَتْ عَلَيَّ مِهَادِي، وَاِبْتَزَّتْ مِنِّي رَاحَةَ فُؤَادِي، سَيِّدِي غَيْبَتُكَ أَوْصَلَتْ مُصَابِي بِفَجَائِعِ الأَبَدِ...»، وحين سألوه (عليه السلام) عن سرِّ توجُّعه، قال (عليه السلام): «نَظَرْتُ فِي كِتَابِ الجَفْرِ صَبِيحَةَ هَذَا اليَوْمِ...، وَتَأَمَّلْتُ مِنْهُ مَوْلِدَ غَائِبِنَا، وَغِيبَتَهُ، وَإِبْطَاءَهُ، وَطُولَ عُمُرِهِ، وَبَلْوَى اَلمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ اَلزَّمَانِ، وَتَوَلُّدَ اَلشُّكُوكِ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ طُولِ غَيْبَتِهِ...»(٢٥٣).
هذا وقد مرَّ الكلام عن الجَفْر واعتراف ابن خلدون، والجرجاني، وصاحب (كشف الظنون) بصحَّة كتاب الجفر، وأكَّدوا صراحةً على إخبار الصادق والرضا (عليهما السلام) من هذا الكتاب بحوادث مستقبلة وقعت على طبق ما أخبرا به.
وهذا الحديث قد تضمَّن من الآيات الدالَّة على الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) الكثير الذي لا ينطبق إلَّا عليه (عجَّل الله فرجه).
ومن خلال معرفتنا بوفيات رواة الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) مباشرةً يتَّضح لنا أنَّهم أدركوا الإمام الكاظم (عليه السلام) وبعضهم عاصره، وعليه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٣) كمال الدِّين (ص ٣٥٢ - ٣٥٧/ باب ٣٣/ ح ٥٠)، الغيبة للطوسي (ص ١٦٧ - ١٧٣/ ح ١٢٩)، ينابيع المودَّة (ج ٣/ ص ٣١٠ - ٣١٢/ باب ٨٠/ ح ٢).

↑صفحة ١٢٣↑

لابدَّ وأنْ يكون الحديث هذا بعد ولادة الإمام الكاظم (عليه السلام) بسنين كثيرة، الأمر الذي يدلُّ قوله (عليه السلام): «وَتَأَمَّلْتُ مِنْهُ مَوْلِدَ غَائِبِنَا» أنَّه لا مجال للتصديق بدعوى مهدويَّة الإمام الكاظم (عليه السلام) التي تزعَّمتها رؤوس الواقفيَّة طمعاً في أمواله (عليه السلام) بعد وفاته؛ لأنَّه كان (عليه السلام) مولوداً في ذلك الحين.
ويزيد هذا الأمر وضوحاً أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) لم يكتفِ بالتصريح بطول الغيبة وتولُّد الشكوك في القلوب من طولها، لئلَّا يكون هذا إغراءً بمقولة الواقفيَّة الذين قالوا بأنَّ الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام) قد غاب في حبس هارون (لعنه الله)، وإنَّما صرَّح الإمام الصادق (عليه السلام) بطول العمر، الأمر الذي زيَّف قولهم وأبطله قبل انطلاقه. وممَّا زاده زيفاً ودحضته الأيَّام وكذَّبه التاريخ هو عُمْرُ الإمام الكاظم (عليه السلام) حيث استُشهِدَ وهو في سنِّ الخامسة والخمسين، فأين طول العمر إذن؟!
وقد جاءت هذه الفوائد في غمرة التأكيد على حصول الغيبة بالإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه)، وإلَّا فسيأتي ما يدلُّ على طولها صراحةً في العنوان الآتي.
ثانياً: تصريح الإمام الصادق (عليه السلام) بطول غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
١ - عن محمّد بن حمران، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «إِنَّ القَائِمَ مِنَّا مَنْصُورٌ بِالرُّعْبِ، مُؤَيَّدٌ بِالنَّصْرِ، تُطْوَى لَهُ الأَرْضُ، وَتَظْهَرُ لَهُ الكُنُوزُ كُلُّهَا، وَيُظْهِرُ اَللهُ تَعَالَى بِهِ دِينَهُ عَلَى اَلدِّيِنِ كُلِّهِ وَلَوُ كَرِهَ اَلمُشْرِكُونَ، وَيَبْلُغُ سُلْطَانُهُ اَلمَشْرِقَ وَاَلمَغْرِبَ، وَلاَ يَبْقَى فِي الأَرْضِ خَرَابٌ إِلَّا عُمِرَ، وَيَنْزِلُ رُوحُ اَلله عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام) فَيُصَلِّي خَلْفَهُ»، قَالَ اِبْنُ حَمْرَان: قِيلَ لَهُ: يَا بْنَ رَسُولِ اَلله، مَتَى يَخْرُجُ قَائِمُكُمْ؟ قَالَ: «إِذَا تَشَبَّهَ اَلرِّجَالُ بِالنِّسَاءِ، وَاَلنِّسَاءُ بِالرِّجَالِ...»، ثمّ ذكر (عليه السلام) جملة من علامات الظهور، إلى أنْ قال: «وَذَلِكَ بَعْدَ غَيْبَةٍ طَوِيِلَةٍ»(٢٥٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٤) مختصر إثبات الرجعة (ص ٦٥ و٦٦/ ح ١٨)؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٣٠ و٣٣١/ باب ٣٢/ ح ١٦) عن أبي جعفر محمّد بن عليٍّ الباقر (عليه السلام).

↑صفحة ١٢٤↑

٢ - وعن سدير الصيرفي، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «إِنَّ لِلْقَائِمِ مِنَّا غَيْبَةً يَطُولُ أَمَدُهَا»، فَقُلْتُ لَهُ: يَا بْنَ رَسُولِ اَلله، وَلِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: «لِأَنَّ اَللهَ (عزَّ وجلَّ) أَبَى إِلَّا أَنْ تَجْرِيَ فِيهِ سُنَنُ الأَنْبِيَاءِ (عليهم السلام) فِي غَيْبَاتِهِمْ، وَإِنَّهُ لَابُدَّ لَهُ يَا سَدِيرُ مِنِ اِسْتِيفَاءِ مُدَدِ غَيْبَاتِهِمْ، قَالَ اَللهُ تَعَالَى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]، أَيْ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»(٢٥٥).
٣ - وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ عَبْدِ الكَرِيمِ الجَلَّابِ، قَالَ: ذُكِرَ القَائِمُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّهُ لَوْ قَدْ قَامَ لَقَالَ اَلنَّاسُ: أَنَّى يَكُونُ هَذَا وَقَدْ بَلِيَتْ عِظَامُهُ مُذْ كَذَا وَكَذَا؟»(٢٥٦).
٤ - وعن سليمان بن خالد، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «قَالَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا اِسْتَيْأَسْتُمْ مِنَ اَلمَهْدِيِّ، فَيَطْلُعُ عَلَيْكُمْ صَاحِبُكُمْ مِثْلَ قَرْنِ اَلشَّمْسِ، يَفْرَحُ بِهِ أَهْلُ اَلسَّمَاءِ وَالأَرْضِ؟ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اَلله، وَأَنَّى يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: إِذَا غَابَ عَنْهُمْ اَلمَهْدِيُّ، وَأَيِسُوا مِنْهُ»(٢٥٧)، كناية عن طول غيبته (عجَّل الله فرجه).
ثالثاً: تصريح الإمام الصادق (عليه السلام) بأنَّ للمهدي (عجَّل الله فرجه) غيبتين (صغرى وكبرى):
روى حديث الغيبتين عن الإمام الصادق (عليه السلام) كلٌّ من: أبو بصير، وزرارة، وإسحاق بن عمَّار، وحازم بن حبيب، وعبيد بن زرارة، والمفضَّل بن عمر. كما ورد حديث الغيبتين على لسان إمامنا الباقر (عليه السلام) في ما رواه عنه:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٥) كمال الدِّين (ص ٤٨٠ و٤٨١/باب ٤٤/ح ٦)، علل الشرائع (ج ١/ص ٢٤٥/باب ١٧٩/ح ٧).
(٢٥٦) الغيبة للنعماني (ص ١٥٧/ باب ١٠/ فصل ١/ ح ١٤)، وأخرجه قبل هذا عن زائدة بن قدامة، عن بعض رجاله، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في الحديث رقم (١٣) من الباب المذكور.
ورواه بتفاوت يسير الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٤٢٣/ ح ٤٠٦).
(٢٥٧) دلائل الإمامة (ص ٤٦٨/ ح ٤٥٥/٥٩).

↑صفحة ١٢٥↑

إبراهيم بن عمر اليماني، ومحمّد بن مسلم الثقفي. وكذلك ورد حديث الغيبتين على لسان الإمام زين العابدين (عليه السلام)، كما سيأتي مفصَّلاً بعد قليل.
والمراد بالغيبتين: الغيبة الصغرى التي حصلت بعد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) مباشرةً، وتمتدُّ هذه الغيبة من زمان وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) في الثاني والعشرين من شهر ربيع الأوَّل سنة (٢٦٠هـ) إلى وقت وفاة رابع السفراء أبي الحسن عليِّ بن محمّد السمري (رضي الله عنه)، وذلك في النصف من شعبان سنة (٣٢٩هـ)، فتكون مدَّة الغيبة الصغرى ثمان وستِّين سنة، وأربعة أشهر، وثلاثة وعشرين يوماً.
وقد كان للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في تلك الغيبة أكثر من عشرين وكيلاً موزَّعين على شتَّى المُدُن والأمصار الإسلاميَّة، لكنَّ الثقل الأعظم في إيصال تعاليم الإمام إلى قواعده الشعبيَّة كان على كاهل السفراء الأربعة (قدَّس الله أرواحهم الزكيَّة)، وهم:
١ - أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري الأسدي، وبقي في السفارة بحدود خمس سنين.
٢ - ثمّ جاء من بعد وفاته (رضي الله عنه) سنة (٢٦٥هـ تقريباً) ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان، فقام مقام أبيه، وتُوفّي (رضي الله عنه) سنة (٣٠٤هـ)، وقيل: سنة (٣٠٥هـ)، وبقي في السفارة زهاء أربعين سنة.
٣ - ثمّ جاء بعد وفاته السفير الثالث أبو القاسم الحسين بن روح (طاب ثراه)، وبقي في السفارة إلى حين وفاته (رضي الله عنه) في شهر شعبان سنة (٣٢٦هـ).
٤ - ثمّ تلاه على ذلك السفير الرابع أبو الحسن عليُّ بن محمّد السمري، وبموت السمري (رضي الله عنه) في النصف من شهر شعبان سنة (٣٢٩هـ) انتهت مدَّة الغيبة الصغرى.

↑صفحة ١٢٦↑

ثمّ حلَّت بعدها الغيبة الكبرى لإمام العصر والزمان (أرواحنا فداه)، ولا يعلم أحدٌ بأمدها ومدَّتها إلَّا الله (عزَّ وجلَّ)، وفيها انقطعت السفارة ليتولَّى مراجع الدِّين من الشيعة دور النيابة عن الإمام (عجَّل الله فرجه) وفقاً للقواعد الشرعيَّة التي وردت على لسان أهل البيت (عليهم السلام) بما في ذلك إمامنا المهدي (عجَّل الله فرجه).
وهكذا عرف الشيعة الإماميَّة دسائس الكذَّابين والمهرِّجين الذين حاولوا صرف أخبار الغيبتين إلى مدَّعيات الواقفيَّة وقولهم بغيبة الإمام الكاظم (عليه السلام)، متناسين التاريخ الذي نطق بشهادة الإمام الكاظم (عليه السلام)، كما نطق بصاحب الغيبتين (عجَّل الله فرجه) إجمالاً وتفصيلاً.
١ - عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام): كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «لِلِقَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام) غَيْبَتَانِ، وَاحِدَةٌ طَوِيلَةٌ، وَالأُخْرَى قَصِيرَةٌ»، قَالَ: فَقَالَ لِي: نَعَمْ يَا أَبَا بَصِيرٍ، إِحْدَاهُمَا أَطْوَلُ مِنَ الأُخْرَى...»(٢٥٨).
وهذا الحديث أخرجه النعماني (رحمه الله) عن الحسن بن محبوب، ونقله الطبري الإمامي (رحمه الله) في (دلائل الإمامة)، والإربلي (رحمه الله) في (كشف الغمَّة)، كلاهما من كتاب (المشيخة) للحسن بن محبوب مع التصريح بهذا. ورواه الفضل بن شاذان المتوفَّى في حياة الإمام العسكري (عليه السلام) ولم يشهد أيًّا من الغيبتين عن شيخه الحسن ابن محبوب مباشرةً، والحسن بن محبوب مات سنة (٢٢٤هـ).
جدير بالذكر أنَّه قد ثبت عن الإمام الباقر (عليه السلام) ما قاله أبو بصير في هذا الحديث، ففي الصحيح عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ اليَمَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ غَيْبَتَيْنِ»(٢٥٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٨) الغيبة للنعماني (ص ١٧٧/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٧)، دلائل الإمامة (ص ٥٣٥/ ح ٥٢٠/١٢٤)، كشف الغمَّة (ج ٣/ ص ٣٣٧)، تقريب المعارف (ص ٤٢٨ و٤٢٩)، إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٥٩)، ولم نجده في مختصر إثبات الرجعة المطبوع.
(٢٥٩) الغيبة للنعماني (ص ١٧٥ و١٧٦/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٣).

↑صفحة ١٢٧↑

كما سمعه محمّد بن مسلم الثقفي يقول (عليه السلام): «إِنَّ لِلْقَائِمِ غَيْبَتَيْنِ، يُقَالُ لَهُ فِي إِحْدَاهُمَا: هَلَكَ، وَلَا يُدْرَى فِي أَيِّ وَادٍ سَلَكَ»(٢٦٠).
وفي حديث ثابت الثمالي، عن الإمام زين العابدين عليِّ بن الحسين (عليهما السلام)، قال: «... وَإِنَّ لِلْقَائِمِ مِنَّا غَيْبَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا أَطْوَلُ مِنَ الأُخْرَى»(٢٦١).
وقد صحَّ حديث الغيبتين عن الإمام الصادق (عليه السلام) من طُرُق شتَّى.
٢ - ففي الصحيح عن زرارة، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «لِلْقَائِمِ غَيْبَتَانِ، إِحْدَاهُمَا أَطْوَلُ مِنَ الأُخْرَى»(٢٦٢).
٣ - وعنه أيضاً، قال: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِلْقَائِمِ غَيْبَتَيْنِ يَرْجِعُ فِي إِحْدَاهُمَا، وَفِي الأُخْرَى لَا يُدْرَى أَيْنَ هُوَ، يَشْهَدُ اَلمَوَاسِمَ، يَرَى اَلنَّاسَ وَلَا يَرَوْنَهُ»(٢٦٣).
٤ - وعن عبيد بن زرارة، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «لِلْقَائِمِ غَيْبَتَانِ، يَشْهَدُ فِي إِحْدَاهُمَا المَوَاسِمَ، يَرَى النَّاسَ وَلَا يَرَوْنَه»(٢٦٤).
٥ - وفي الصحيح عن إسحاق بن عمَّار، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «لِلْقَائِمِ غَيْبَتَانِ، إِحْدَاهُمَا قَصِيرَةٌ وَالأُخْرَى طَوِيلَةٌ، الغَيْبَةُ الأُولَى لَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٠) الغيبة للنعماني (ص ١٧٨/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٨).
(٢٦١) كمال الدِّين (ص ٣٢٣/ باب ٣١/ ح ٨).
(٢٦٢) دلائل الإمامة (ص ٥٣٠/ ح ٥٠٦/١١٠).
(٢٦٣) الغيبة للنعماني (ص ١٨١/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ١٥).
(٢٦٤) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٩/ باب في الغيبة/ ح ١٢)، الغيبة للنعماني (ص ١٨١/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ١٦)؛ ونحوه في الكافي (ج ١/ ص ٣٣٧ و٣٣٨/ باب في الغيبة/ ح ٦)، الغيبة للنعماني (ص ١٧٩ و١٨٠/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ١٣ و١٤)، كمال الدِّين (ص ٣٤٦ و٣٥١/ باب ٣٣/ ح ٣٣ و٤٩، وص ٤٤٠/ باب ٤٣/ ح ٧)، دلائل الإمامة (ص ٤٨٢ و٥٣١/ ح ٤٧٧/٨١ و٥٠٩/١١٣)، الغيبة للطوسي (ص ١٦١/ ح ١١٩).

↑صفحة ١٢٨↑

يَعْلَمُ بِمَكَانِه فِيهَا إِلَّا خَاصَّةُ شِيعَتِه، وَالأُخْرَى لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِه فِيهَا إِلَّا خَاصَّةُ مَوَالِيه»(٢٦٥).
٦ - وفي الصحيح عن حازم بن حبيب، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «يَا حَازِمُ، إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ غَيْبَتَيْنِ يَظْهَرُ فِي اَلثَّانِيَةِ، فَمَنْ جَاءَكَ يَقُولُ: إِنَّهُ نَفَضَ يَدَهُ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ فَلَا تُصَدِّقْهُ».
وهذا الحديث سمعه أبو محمّد عليُّ بن محمّد العلوي من عبد الله بن جبلَّة، وقد نقله الشيخ الطوسي (رحمه الله) من كتاب العلوي هذا مباشرةً(٢٦٦)، كما نقله الفضل ابن شاذان (ت ٢٦٠هـ) عن عبد الله بن جبلَّة أيضاً(٢٦٧)، وسمعه عبيس بن هشام (ت ٢٢٠هـ، أو قبلها بسنة) من عبد الله بن جبلَّة(٢٦٨)، وعبد الله بن جبلَّة هذا مات سنة (٢١٩هـ) بلا خلاف.
ومع هذا، فلم ينحصر الطريق إلى حازم بن حبيب به؛ إذ أخرج النعماني (رحمه الله) حديث حازم بن حبيب بطريق ثانٍ ليس فيه ابن جبلَّة(٢٦٩)، الأمر الذي يُؤكِّد صحَّة ما سبق ذكره من شهادات أعلام الطائفة بوجود هذه الأحاديث في الكُتُب المؤلَّفة قبل الغيبة بعشرات السنين.
وبنفس هذه الطريقة يمكن الاستدلال على إثبات وجود معظم الأحاديث السابقة كذلك بغضِّ النظر عن الشهادات المتقدِّمة، ولولا خشية الإطالة لبيَّنَّا ذلك مفصَّلاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٥) الكافي (ج ١/ ص ٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح ١٩)، الغيبة للنعماني (ص ١٧٥/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ١ و٢) من طريقين.
(٢٦٦) الغيبة للطوسي (ص ٥٤/ ح ٤٦)، وفيه: (قال: وحدَّثني عبد الله بن جبلَّة...) إلخ، والقائل هو العلوي المذكور؛ إذ صرَّح الشيخ - قبل ذلك - بالنقل من كتابه، راجع كتاب الغيبة (ص ٤٣).
(٢٦٧) الغيبة للطوسي (ص ٤٢٣ و٤٢٤/ ح ٤٠٧).
(٢٦٨) الغيبة للنعماني (ص ١٧٦ و١٧٧/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٦).
(٢٦٩) الغيبة للنعماني (ص ١٧٧/ باب ١٠/ فصل ٤/ ذيل الحديث ٦).

↑صفحة ١٢٩↑

٧ - وعن المفضَّل بن عمر، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) يَقُولُ: «لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ غَيْبَتَانِ، إِحْدَاهُمَا يَرْجِعُ مِنْهَا إِلَى أَهْلِه، وَالأُخْرَى يُقَالُ: هَلَكَ، فِي أَيِّ وَادٍ سَلَكَ؟...»(٢٧٠).
٨ - وعن المفضَّل بن عمر أيضاً، عن الصادق (عليه السلام)، قال: «إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ غَيْبَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا تَطُولُ حَتَّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ: مَاتَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: قُتِلَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: ذَهَبَ...» الحديث(٢٧١).
والذي ينبغي التنبيه عليه في هذه الأحاديث الشريفة توضيح ما جاء فيها من أنَّ الإمام المهدي في غيبته (عجَّل الله فرجه) يرى الناس ولا يرونه، بمعنى أنَّه يختفي جسمه الشريف عن الأنظار في الوقت الذي يكون فيه موجوداً في مكانٍ ما مع الناس - في الموسم أو غيره - ولكن الناس لا ترى في ذلك المكان شيئاً.
وهناك أحاديث كثيرة عن أهل البيت (عليهم السلام) بهذا المعنى المعبِّر عن الأُسلوب الوقائي الذي يستخدمه الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في كيفيَّة احتجابه عن الناس، ونجاته من براثن الظلم؛ لأنَّه في اختفائه بهذا الأُسلوب يكون في مأمنٍ قطعيٍّ حقيقيٍّ من أيَّة مطاردة، أو تنكيل، أو خوف حيثما كان على وجه الأرض.
وربَّما قد يستكثر بعضهم تزويد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بمثل هذه القدرة على الاختفاء! وهو استكثار في غير محلِّه؛ لأنَّ توقُّف وجود وسلامة الأهداف الإلهيَّة الكبرى على المعجزة - وطول عمر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) واختفاؤه منها - يعني حتميَّة التدخُّل الإلهي في إيجاد تلك المعجزة من أجل تحقيق الهدف المطلوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٠) الكافي (ج ١/ ص ٣٤٠ / باب في الغيبة/ ح ٢٠).
(٢٧١) الغيبة للنعماني (ص ١٧٦/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٥)، الغيبة للطوسي (ص ١٦١ و١٦٢/ ح ١٢٠)، وقريباً منه في (ص ٦١/ ح ٦٠)، عقد الدُّرَر (ص ١٣٤/ باب ٥)، البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ص ١٧١ و١٧٢/ ح ٤).

↑صفحة ١٣٠↑

فالقدرة على الاختفاء مع طول العمر أمران لابدَّ منهما في حفظ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وإلَّا كيف يتسنَّى له القيام بالمسؤوليَّة الإسلاميَّة الكبرى في آخر الزمان لو كان ظاهراً للعيان، غير مكترث بالمخاطر التي تحفُّه من كلِّ مكان؟
إنَّ أهمّيَّة ذلك اليوم الموعود الذي سيعمُّ فيه الإسلام أقطار الأرض، وينتشر العدل في ربوع المعمورة كلِّها، أهمّيَّة عظيمة عند الله تعالى، وعند رسوله الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ إذ ستتحقَّق من خلاله الأغراض الأساسيَّة من خلق البشريَّة، كما ستتحقَّق به آمال الأنبياء والمرسَلين (عليهم السلام)، وتتكلَّل جهودهم بوجود ذلك المجتمع العادل، وظهور دولة الحقِّ.
ومن ثَمَّ فإنَّ ولادة الإمام المهدي ابن الإمام العسكري (عليهما السلام) التي ثبتت ثبوتاً قطعيًّا لا ريب فيه، تُقرِّب من حقيقة تلك الأحاديث وتحكم على صحَّتها؛ لأنَّها عبَّرت وبكلِّ وضوح عن تعلُّق الغرض الإلهي بحفظ المهدي (عجَّل الله فرجه) وصيانته عن الأعداء بالاختفاء، وعن بقاء وجوده الشريف بطول العمر، وذلك عن طريق الإعجاز الإلهي وفاءً بالغرض الكبير.
هذا، ويُعلَم من أحاديث كثيرة أُخرى أنَّ أُسلوب الاختفاء المذكور ليس هو الأُسلوب الوحيد الذي يكتنف حياة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وإنَّما له (عجَّل الله فرجه) أنْ يخرج عن هذا النمط من الاختفاء إلى الظهور المؤقَّت في زمان الغيبة كلَّما اقتضت المصلحة ذلك، ولكن بصورة لا يستشعر من خلالها كلُّ من يراه بأنَّه المهدي الموعود (عجَّل الله فرجه).

* * *

↑صفحة ١٣١↑

الفصل الثالث: في بيان ما مطلوب في زمان الغيبة

بعد تأكيد الإمام الصادق (عليه السلام) على ثبوت أصل العقيدة المهدويَّة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتنبيه الأُمَّة على حكم من أنكرها، وإخباره - كما مرَّ - (عليه السلام) بهويَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وغيبته وما سيجري عليه بعد ولادته، فلابدَّ من اتِّخاذ الاحتياطات اللَّازمة لإنقاذ الأُمَّة وإرشادها إلى ما يعصمها من الضلالة، وهو ما قام به (عليه السلام) خير قيام، حيث اضطلع (عليه السلام) بمهمَّة التوعية والتثقيف الإسلامي بما هو مطلوب في مرحلة غياب الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، كما سيتَّضح من العناوين الآتية:
أوَّلاً: الوصيَّة بعدم إنكار الغيبة، والنهي عن الانحراف، ولزوم التصديق:
إنَّ معنى إنكار الغيبة هو إنكار وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وبالتالي هو عين الانحراف وعدم التصديق، وقد مرَّ ما يغني عن إعادته في خصوص من أنكر وجود الإمام، ومن ردَّ على آل البيت (عليهم السلام) كمن ركب رأسه واتَّبع هواه.
ومن هنا حاول الإمام الصادق (عليه السلام) التركيز على هذه المفاصل الأساسيَّة، لتتَّخذ الأُمَّة حذرها، وتكون في يقظة دائمة ممَّا يحاول أعداء الحقِّ إثارته من خرافات وشُبُهات حول خاتم الأئمَّة الإمام المهدي (أرواحنا فداه).
ويدلُّ على ذلك أحاديث لا حصر لها، نذكر منها:

↑صفحة ١٣٣↑

١ - عن هشام بن سالم، عن الإمام الصادق، عن آبائه (عليهم السلام)، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: «القَائِمُ مِنْ وُلْدِي، اِسْمُهُ اِسْمِي، وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتِي، وَشَمَائِلُهُ شَمَائِلِي، وَسُنَّتُهُ سُنَّتِي، يُقِيمُ اَلنَّاسَ عَلَى مِلَّتِي وَشَرِيعَتِي، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى كِتَابِ رَبِّي (عزَّ وجلَّ)، مَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ عَصَانِي، وَمَنْ أَنْكَرَهُ فِي غَيْبَتِهِ فَقَدْ أَنْكَرَنِي، وَمَنْ كَذَّبَهُ فَقَدْ كَذَّبَنِي، وَمَنْ صَدَّقَهُ فَقَدْ صَدَّقَنِي، إِلَى اَلله أَشْكُو اَلمُكَذِّبِينَ لِي فِي أَمْرِهِ، وَالجَاحِدِينَ لِقَوْلِي فِي شَأْنِهِ، وَاَلمُضِلِّينَ لِأُمَّتِي عَنْ طَرِيقَتِهِ، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]»(٢٧٢).
٢ - وعن محمّد بن مسلم، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «إِنْ بَلَغَكُمْ عَنْ صَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ غَيْبَةٌ فَلَا تُنْكِرُوهَا»(٢٧٣).
ويُستفاد من هذين الحديثين لاسيّما الأوَّل جملة من الأُمور لا بأس بالإشارة السريعة إليها، وهي:
١ - وجوب معرفة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) باسمه وكنيته وأصله الشريف.
٢ - أنَّه متَّبِع لسُنَّة جدِّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٣ - وجوب طاعته مطلقاً، كما وجبت طاعة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مطلقاً.
ومن جملة طاعة المهدي (عجَّل الله فرجه) ما أوصى به (عجَّل الله فرجه) - في تواقيع مشهورة عنه (عجَّل الله فرجه) - من الورع والتقوى، ووجوب الانتظار، والرجوع في أخذ معالم الدِّين الحنيف من الفقيه الصائن لنفسه، المتَّبع آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أخلاقهم وهديهم وحلالهم وحرامهم (عليهم السلام).
٤ - أنَّ له (عجَّل الله فرجه) غيبةً لابدَّ منها، مع التحذير والوعيد الشديد لمن أنكرها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٢) كمال الدِّين (ص ٤١١/ باب ٣٩/ ح ٦)، إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٢٧).
(٢٧٣) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٨ و٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح ١٠ و١٥)، الغيبة للنعماني (ص ١٩٤/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٤٢)، الغيبة للطوسي (ص ١٦٠ و١٦١/ ح ١١٨).

↑صفحة ١٣٤↑

٥ - ضرورة الابتعاد التامِّ عن المعاندين في أمر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، لما ورد فيهم من أوصاف أقلّها إضلال الأُمَّة عن الحقِّ وأهله، والواجب بغضهم وعدم مجالستهم أو التقرُّب أو التودُّد إليهم، أو سماع كلامهم، اللَّهُمَّ إلَّا من قبيل العمل لهدايتهم، وإلَّا فلا؛ لأنَّهم اتَّبعوا شهواتهم فضلُّوا وأضلُّوا.
ومن ضمِّ هذين الحديثين إلى ما تقدَّم، تتَّضح سخافة القول بنجاة من يعتقد بمهدي مجهول يخلقه الله تعالى من سلالة الإمام الحسن السبط (عليه السلام) في آخر الزمان! لما في تلك الأحاديث الشريفة من دلالة واضحة على ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وهويَّته، وإلَّا كيف يأتي الأمر بتصديقه، وطاعته، وهو لم يُعرَف بعد؟! بل كيف يتواتر النهي عن آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كلِّهم في عدم إنكار غيبته، وهو لم يُولَد بعد؟!
ثانياً: وجوب الثبات على الولاية في زمن الغيبة:
قام أهل البيت (عليهم السلام) بتأسيس القواعد المتينة في علاج ما يعترض الأُمَّة من عقبات تقف حيال المبادئ الإسلاميَّة التي آمنوا بها وضحُّوا من أجلها.
وقد كان إمامنا الصادق (عليه السلام) حريصاً على مستقبل التشيُّع بإزاء ما يراه من تلبُّد الأُفُق الإسلامي بالرياح الصفراء التي تحاول العبث بكلِّ شيء لتُغطِّيه بغبارها الكثيف، ذلك المستقبل الذي يُمثِّل إرادة السماء، وطموح الرسالة، في بقاء ثلَّة على الحقِّ لا يضرُّها من ناوأها حتَّى يأتي الله بأمره، ثلَّة خيِّرة تُكمِّل مسيرة طلائع التشيُّع الذين لم تثنهم عن الحقِّ أعتى العواصف وأقسى همجيَّة الجاهليَّة الأُولى، من أمثال: سلمان، وعمَّار، وأبي ذرٍّ، وأضرابهم (رضي الله عنهم).
مستقبل لا حياة فيه بغير التمسُّك بعرى آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والاستماتة من أجل بقاء نهجهم محفوراً في قلوب الأتباع، خالداً في ضمير الزمن.
وفي هذه الفقرة ما يشير إلى الخطوات التي أمر الإمام الصادق (عليه السلام)

↑صفحة ١٣٥↑

باتِّخاذها كضمانات أكيدة في ديمومة مستقبل التشيُّع بعده، خصوصاً في صورة اختفاء الإمام (عليه السلام)، سواء كان ذلك بحبس من السلطات الغاشمة كما حصل مع ولده الإمام الكاظم (عليه السلام)، أو بغير ذلك من وسائل الضغط والتعسُّف كما حصل لبقية الأئمَّة (عليهم السلام)، أو بغيبة كما هو الحال مع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
فالأحاديث الآتية إذن هي أعمّ من اختصاصها بإمام معيَّن، وإنَّما هي قاعدة عامَّة يمكن للقواعد الشيعيَّة تطبيقها على موردها كلَّما ضاق الخناق في زمانهم على واحد من الأئمَّة الستَّة من ولد الإمام الصادق (عليه السلام)، وإنْ كان بعضها صريحاً في خصوص الإمام السادس من ولد الإمام الصادق (عليه السلام) ثاني عشر الأئمَّة الهداة الميامين (عليهم السلام) المهدي (أرواحنا فداه).
ومن تلك الأحاديث الشريفة:
١ - عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ سِنَانٍ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، فَقَالَ: «فَكَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا صِرْتُمْ فِي حَالٍ لَا تَرَوْنَ فِيهَا إِمَامَ هُدًى، وَلَا عَلَماً يُرَى، وَلَا يَنْجُو مِنْهَا إِلَّا مَنْ دَعَا دُعَاءَ الغَرِيقِ؟»، فَقَالَ لَهُ أَبِي: إِذَا وَقَعَ هَذَا لَيْلاً فَكَيْفَ نَصْنَعُ؟ فَقَالَ: «أَمَّا أَنْتَ فَلَا تُدْرِكُهُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ، فَتَمَسَّكُوا بِمَا فِي أَيْدِيكُمْ، حَتَّى يَتَّضِحَ لَكُمُ الأَمْرُ»(٢٧٤).
٢ - وَعَنْ مَنْصُورٍ اَلصَّيْقَلِ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «إِذَا أَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ يَوْماً لَا تَرَى فِيهِ إِمَاماً مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ فَأَحْبِبْ مَنْ كُنْتَ تُحِبُّ، وَأَبْغِضْ مَنْ كُنْتَ تُبْغِضُ، وَوَالِ مَنْ كُنْتَ تُوَالِي، وَاِنْتَظِرِ الفَرَجَ صَبَاحاً وَمَسَاءً»(٢٧٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٤) الإمامة والتبصرة (ص ١٢٧/ ح ١٢٩)، كمال الدِّين (ص ٣٤٨ و٣٤٩/باب ٣٣/ ح ٤٠)؛ ورواه بتفاوت يسير النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٦١ و١٦٢/باب ١٠/ فصل ٢/ ح ٤).
(٢٧٥) الغيبة للنعماني (ص ١٦١/ باب ١٠/ فصل ٢/ ح ٣)؛ ونحوه في: الإمامة والتبصرة (ص ١٢٧/ ح ١٢٨)، الكافي (ج ١/ ص ٣٤٢/ باب في الغيبة/ ح ٢٨)، كمال الدِّين (ص ٣٤٨/ باب ٣٣/ ح ٣٧).

↑صفحة ١٣٦↑

٣ - وعَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «يَأْتِي عَلَى اَلنَّاسِ زَمَانٌ يُصِيبُهُمْ فِيهِ سَبْطَةٌ، يَأْرِزُ العِلْمُ فِيهَا بَيْنَ اَلمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا - يَعْنِي بَيْنَ مَكَّةَ وَاَلمَدِينَةِ -، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَطْلَعَ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) لَهُمْ نَجْمَهُمْ»، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا اَلسَّبْطَةُ؟ قَالَ: «الفَتْرَةُ وَالغَيْبَةُ لِإِمَامِكُمْ»، قَالَ: قُلْتُ: فَكَيْفَ نَصْنَعُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: «كُونُوا عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يُطْلِعَ اَللهُ لَكُمْ نَجْمَكُمْ»(٢٧٦).
٤ - وَعَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «يَأْتِي عَلَى اَلنَّاسِ زَمَانٌ يَغِيبُ عَنْهُمْ إِمَامُهُمْ»، فَقُلْتُ لَهُ: مَا يَصْنَعُ اَلنَّاسُ فِي ذَلِكَ اَلزَّمَانِ؟ قَالَ: «يَتَمَسَّكُونَ بِالأَمْرِ اَلَّذِي هُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ»(٢٧٧).
٥ - وعن أبي بصير، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «طُوبَى لِمَنْ تَمَسَّكَ بِأَمْرِنَا فِي غَيْبَةِ قَائِمِنَا فَلَمْ يَزِغْ قَلْبُهُ بَعْدَ الهِدَايَةِ»(٢٧٨).
٦ - وَعَنْ يَمَانٍ التَّمَّارِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) جُلُوساً، فَقَالَ لَنَا: «إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ غَيْبَةً المُتَمَسِّكُ فِيهَا بِدِينِه كَالخَارِطِ لِلْقَتَادِ - ثُمَّ قَالَ هَكَذَا بِيَدِه -، فَأَيُّكُمْ يُمْسِكُ شَوْكَ القَتَادِ بِيَدِه»، ثُمَّ أَطْرَقَ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: «لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ غَيْبَةً، فَلْيَتَّقِ اللهَ عَبْدٌ وَلْيَتَمَسَّكْ بِدِينِه»(٢٧٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٦) كمال الدِّين (ص ٣٤٩/ باب ٣١/ ح ٤١)؛ وقريباً منه في: الغيبة للنعماني (ص ١٦٢ و١٦٣/ باب ١٠/ فصل ٢/ ح ٦ - ٨).
(٢٧٧) الإمامة والتبصرة (ص ١٢٥/ ح ١٢٣)، كمال الدِّين (ص ٣٥٠/ باب ٣٣/ ح ٤٤).
(٢٧٨) كمال الدِّين (ص ٣٥٨/باب ٣٣/ح ٥٥)، معاني الأخبار (ص ١١٢/باب معنى طوبى/ح ١).
(٢٧٩) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٥ و٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ١)، الإمامة والتبصرة (ص ١٢٦ و١٢٧/ ح ١٢٧)، إثبات الوصيَّة (ص ٢٦٧)، الغيبة للنعماني (ص ١٧٣ و١٧٤/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ١١)، كمال الدِّين (ص ٣٤٦ و٣٤٧/ باب ٣٣/ ح ٣٤)، تقريب المعارف (ص ٤٣٢)، الغيبة للطوسي (ص ٤٥٥/ ح ٤٦٥).
والقتاد: شجر صلب، شوكه كالإبر. وخرط القتاد: مثل يُضرَب عند ارتكاب صعائب الأُمور.

↑صفحة ١٣٧↑

ثالثاً: التأكيد على انتظار الإمام الغائب (عجَّل الله فرجه) في غيبته:
يُعَدُّ الانتظار في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) من الوظائف الأساسيَّة في عصر الغيبة، وقد نبَّه الإمام الصادق (عليه السلام) على هذه الوظيفة الكفيلة ببناء الفرد بناءً إسلاميًّا صحيحاً، فضلاً عن كونها عبادة.
فقد أخرج الترمذي والطبراني عن عبد الله، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «سَلُوا اَللهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ اَللهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ، وَأَفْضَلُ العِبَادَةِ اِنْتِظَارُ الفَرَجِ»(٢٨٠).
وهناك أحاديث كثيرة بهذا المعنى، عن أمير المؤمنين الإمام عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)(٢٨١)، وزين العابدين (عليه السلام)(٢٨٢)، وكذلك عن ابن مسعود(٢٨٣)، وأنس(٢٨٤)، وابن عبَّاس(٢٨٥)، وابن عمر(٢٨٦).
ومن هنا قام الإمام الصادق (عليه السلام) ببيان صفات وواجبات المنتظِر للإمام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٠) سُنَن الترمذي (ج ٥/ ص ٢٢٥/ ح ٣٦٤٢)، المعجم الكبير للطبراني (ج ١٠/ ص ١٠١/ ح ١٠٠٨٨)، الكامل لابن عدي (ج ٢/ ص ٢٤٨)، شُعَب الإيمان (ج ٢/ ص ٤٣/ ح ١١٢٤، وج ٧/ ص ٢٠٥/ ح ١٠٠٠٧)، تفسير الواحدي (ج ٢/ ص ٢٠١)، إحياء علوم الدِّين (ج ٣/ ص ٥٥١)، التدوين في أخبار قزوين (ج ٢/ ص ١١٧ و١١٨)، الترغيب والترهيب (ج ٢/ ص ٤٨٢/ ح ٢٥٣٣)، تفسير القرطبي (ج ٥/ ص ١٦٤)، الآداب الشرعيَّة (ج ١/ ص ١٢١)، تهذيب الكمال (ج ٧/ ص ٢٩١ و٢٩٢)، تفسير القاشي (ص ٢٠٢)، اللباب في علوم الكتاب (ج ٦/ ص ٣٥٣)، الجامع الصغير (ص ٢٨٩/ ح ٤٧٠١)، تفسير أبي السعود (ج ٢/ ص ١٧٢)، مفتاح السعادة (ج ٣/ ص ١٥٧)، كنز العُمَّال (ج ٢/ ص ٧٩/ ح ٣٢٢٥).
(٢٨١) كمال الدِّين (ص ٢٨٧/ باب ٢٥/ ح ٦)، الجامع الصغير (ص ١٦٢/ ح ٢٧١٩) عن ابن عساكر وابن أبي الدنيا.
(٢٨٢) أمالي الطوسي (ص ٤٠٥/ ح ٩٠٧/٥٥).
(٢٨٣) مجمع البيان (ج ٣/ ص ٧٤).
(٢٨٤) تاريخ بغداد (ج ٢/ ص ١٥٢ و١٥٣).
(٢٨٥) تلخيص المتشابه بالرسم (ج ١/ ص ٢٢٨)، ومسند الشهاب (ج ١/ ص ٦٣/ ح ٤٧).
(٢٨٦) الأمالي الخميسيَّة (ج ١/ ص ٣٠٢/ ح ١٠٥٣)، مسند الشهاب (ج ١/ ص ٦٢/ ح ٤٦.

↑صفحة ١٣٨↑

المهدي (عجَّل الله فرجه)، مسلِّطاً الضوء على آثار الانتظار وفوائده، محثًّا عليه، مبشِّراً المنتظِرين لظهوره (عجَّل الله فرجه) بأنَّهم من الأولياء الصالحين، والقدوة الربَّانيِّين، ونحو هذا من الأُمور الأُخرى التي يمكن عرضها - من خلال أحاديثه (عليه السلام) - بالصورة الآتية:
١ - توقُّف قبول العمل على الانتظار:
عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا لَا يَقْبَلُ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) مِنَ العِبَادِ عَمَلاً إِلَّا بِهِ؟»، فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ [وَرَسُولُهُ]، وَالإِقْرَارُ بِمَا أَمَرَ اَللهُ، وَالوَلَايَةُ لَنَا، وَالبَرَاءَةُ مِنْ أَعْدَائِنَا - يَعْنِي الأَئِمَّةَ خَاصَّةً -، وَاَلتَّسْلِيمَ لَهُمْ، وَالوَرَعُ، وَاَلاِجْتِهَادُ، وَاَلطُّمَأْنِينَةُ، وَاَلاِنْتِظَارُ لِلْقَائِمِ (عليه السلام)...»(٢٨٧).
ويمكن التماس الدليل على صحَّة توقُّف العمل على انتظار الفرج من القرآن الكريم في عَدِّهِ اليأس من رَوْح الله صفة للكافرين، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا القَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ (يوسف: ٨٧)، وقال بشأن الكافرين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ (الفرقان: ٢٣).
٢ - وصف المنتظِرين بأنَّهم من الأولياء:
عن أبي بصير، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ (الأنعام: ١٥٨)، قَالَ (عليه السلام): «يَعْنِي خُرُوجَ القَائِمِ اَلمُنْتَظَرِ مِنَّا»، ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): «يَا أَبَا بَصِيرٍ، طُوبَى لِشِيعَةِ قَائِمِنَا، اَلمُنْتَظِرِينَ لِظُهُورِهِ فِي غَيْبَتِهِ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٧) الغيبة للنعماني (ص ٢٠٧/ باب ١١/ ح ١٦).

↑صفحة ١٣٩↑

وَاَلمُطِيعِينَ لَهُ فِي ظُهُورِهِ، أُولَئِكَ أَوْلِيَاءُ اَلله اَلَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ»(٢٨٨).
٣ - منزلة المنتظِر لإمام الزمان (عجَّل الله فرجه):
عَنِ العَلَاءِ بْنِ سَيَابَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى هَذَا الأَمْرِ مُنْتَظِراً كَانَ كَمَنْ هُوَ فِي الفُسْطَاطِ اَلَّذِي لِلْقَائِمِ (عليه السلام)»(٢٨٩).
وَعَنِ الفَيْضِ بْنِ مُخْتَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ وَهُوَ مُنْتَظِرٌ لِهَذَا الأَمْرِ كَمَنْ هُوَ مَعَ القَائِمِ فِي فُسْطَاطِهِ»، قَالَ: ثُمَّ مَكَثَ هُنَيْئَةً، ثُمَّ قَالَ: «لَا بَلْ كَمَنْ قَارَعَ مَعَهُ بِسَيْفِهِ»، ثُمَّ قَالَ: «لَا وَاَلله إِلَّا كَمَنِ اُسْتُشْهِدَ مَعَ رَسُولِ اَلله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(٢٩٠).
وعن إبراهيم الكوفي، عن الصادق (عليه السلام): «... اَلمُنْتَظِرُ لِلثَّانِي عَشَرَ كَالشَّاهِرِ سَيْفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَذُبُّ عَنْهُ»(٢٩١).
٤ - ما يجب أنْ يتحلَّى به المنتظِر، وبيان أجر انتظاره:
عن أبي بصير، عن الإمام الصادق، قال (عليه السلام): «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ القَائِمِ فَلْيَنْتَظِرْ، وَلْيَعْمَلْ بِالوَرَعِ وَمَحَاسِنِ الأَخْلَاقِ وَهُوَ مُنْتَظِرٌ، فَإِنْ مَاتَ وَقَامَ القَائِمُ بَعْدَهُ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ أَدْرَكَهُ، فَجِدُّوا وَاِنْتَظِرُوا...»(٢٩٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٨) كمال الدِّين (ص ٣٥٧/باب ٣٣/ح ٥٤)، ينابيع المودَّة (ج ٣/ص ٢٣٨/باب ٧١/ح ١٠).
(٢٨٩) الغيبة للنعماني (ص ٢٠٦ و٢٠٧/ باب ١١/ ح ١٥)؛ وبتفاوت يسير في: المحاسن (ج ١/ ص ١٧٣/ ح ١٤٧)، كمال الدِّين (ص ٦٤٤/ باب ٥٥/ ح ١).
(٢٩٠) المحاسن (ج ١/ ص ١٧٤/ ح ١٥١).
(٢٩١) كمال الدِّين (ص ٦٤٧/ باب ٥٥/ ح ٨).
(٢٩٢) الغيبة للنعماني (ص ٢٠٧/ باب ١١/ ح ١٦).

↑صفحة ١٤٠↑

ومن الصفات الأُخرى التي ينبغي على المنتظِر التحلِّي بها، صفة التديُّن، والابتعاد عن المعاصي والآثام بحيث يُراعي تقوى الله تعالى دائماً، ويرشدنا إلى هذا حديث الإمام الصادق (عليه السلام): «لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ غَيْبَةً، فَلْيَتَّقِ اللهَ عَبْدٌ وَلْيَتَمَسَّكْ بِدِينِه»(٢٩٣).
٥ - توجُّع المنتظِر وحزنه وبكاؤه على المهدي (عجَّل الله فرجه) في غيبته:
عَنْ سَدِيرٍ اَلصَّيْرَفِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا، وَاَلمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ، وَأَبُو بَصِيرٍ، وَأَبَانُ اِبْنُ تَغْلِبَ عَلَى مَوْلَانَا أَبِي عَبْدِ اَلله اَلصَّادِقِ (عليه السلام)، فَرَأَيْنَاهُ جَالِساً عَلَى اَلتُّرَابِ، وَعَلَيْهِ مِسْحٌ خَيْبَرِيٌّ، مُطَوَّقٌ بِلَا جَيْبٍ، مُقَصَّرُ الكُمَّيْنِ، وَهُوَ يَبْكِي بُكَاءَ الوَالِهِ اَلثَّكْلَى، ذَاتِ الكَبِدِ الحَرَّى، قَدْ نَالَ الحُزْنُ مِنْ وَجْنَتَيْهِ، وَشَاعَ اَلتَّغْيِيرُ فِي عَارِضَيْهِ، وَأَبْلَى اَلدُّمُوعُ مَحْجِرَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: سَيِّدِي غَيْبَتُكَ نَفَتْ رُقَادِي، وَضَيَّقَتْ عَلَيَّ مِهَادِي، وَاِبْتَزَّتْ مِنِّي رَاحَةَ فُؤَادِي، سَيِّدِي غَيْبَتُكَ أَوْصَلَتْ مُصَابِي بِفَجَائِعِ الأَبَدِ...»(٢٩٤).
٦ - النهي عن قسوة القلوب في فترة الانتظار:
أخرج الصدوق (رحمه الله) عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي القَائِمِ (عليه السلام): ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦]»(٢٩٥).
ويُوضِّح المعنى المذكور ما أخرجه النعماني (رحمه الله) في كتاب (الغيبة)، عَنْ أَحْمَدَ اِبْنِ الحَسَنِ المِيثَمِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اَلله جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) أَنَّهُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٣) قد تقدَّم في (ص ١٣٧)، فراجع.
(٢٩٤) كمال الدِّين (ص ٣٥٢ - ٣٥٧/ باب ٣٣/ ح ٥٠)، الغيبة للطوسي (ص ١٦٧ - ١٧٣/ ح ١٢٩)، ينابيع المودَّة (ج ٣/ ص ٣١٠ - ٣١٢/ باب ٨٠/ ح ٢).
(٢٩٥) كمال الدِّين (ص ٦٦٨/ باب ٥٨/ ح ١٢).

↑صفحة ١٤١↑

قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اَلَّتِي فِي سُورَةِ الحَدِيدِ ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ فِي أَهْلِ زَمَانِ الغِيبَةِ، ثُمَّ قَالَ (عزَّ وجلَّ): ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٧]»، وَقَالَ: «إِنَّمَا الأَمَدُ أَمَدُ الغِيبَةِ»(٢٩٦).
ثمّ قال الشيخ النعماني (رحمه الله) معلِّقاً على هذا الحديث: (فإنَّه أراد (عزَّ وجلَّ): يا أُمَّة محمّد، أو يا معشر الشيعة، لا تكونوا كالذين أُوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد. فتأويل هذه الآية جاء في أهل زمان الغيبة وأيَّامها دون غيرهم من أهل الأزمنة)(٢٩٧).
٧ - تهيئة وسائل القوَّة في فترة الانتظار:
والمطلوب من المنتظِر أنْ يعيش حالة التأهُّب التامِّ والاستعداد الكامل لنصرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وما يتطلَّب ذلك من الإعداد النفسي والمادِّي معاً بحيث يكون كالجندي الذي ينتظر قائده لخوض معركة حاسمة فاصلة. وإلى هذا المعنى يشير حديث الإمام الصادق (عليه السلام): «لَيُعِدَّنَّ أَحَدُكُمْ لِخُرُوجِ القَائِمِ وَلَوْ سَهْماً...»(٢٩٨).
٨ - ضرورة إعطاء العهد والبيعة للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في غيبته:
ويدلُّ عليه دعاء العهد المرويِّ عن الإمام الصادق (عليه السلام)، وهو دعاء عظيم في بابه، وقد جاء فيه قوله (عليه السلام): «اللَّهُمَّ إِنِّي أُجَدِّدُ لَهُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِي هَذَا، وَمَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٦) الغيبة للنعماني (ص ٣١) من مقدَّمة المؤلِّف، تأويل الآيات الظاهرة (ج ٢/ ص ٦٦٢/ ح ١٤) عن الشيخ المفيد (رحمه الله).
(٢٩٧) الغيبة للنعماني (ص ٣١ و٣٢) ذيل الحديث المذكور.
(٢٩٨) الغيبة للنعماني (ص ٣٣٥/ باب ٢١/ ح ١٠).

↑صفحة ١٤٢↑

عِشْتُ مِنْ أَيَّامِي، عَهْداً وَعَقْداً وَبَيْعَةً لَهُ فِي عُنُقِي، لَا أَحُولُ عَنْهَا وَلَا أَزُولُ أَبَداً...»(٢٩٩).
٩ - طلب الرجعة في الدعاء في حال الموت قبل ظهوره (عجَّل الله فرجه):
كما في دعاء العهد أيضاً، من قوله (عليه السلام): «اللَّهُمَّ إِنْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ المَوْتُ الَّذِي جَعَلْتَهُ عَلَى عِبَادِكَ حَتْماً، فَأَخْرِجْنِي مِنْ قَبْرِي، مُؤْتَزِراً كَفَنِي، شَاهِراً سَيْفِي، مُجَرِّداً قَنَاتِي، مُلَبِّياً دَعْوَةَ الدَّاعِي فِي الحَاضِرِ وَالبَادِي...».
١٠ - الإكثار من الدعاء في فترة الانتظار:
والأدعية الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) في هذا كثيرة جدًّا، وفيها تنوُّع رائع من الدعاء يطلُّ الداعي من خلاله على عالم فسيح، وينفتح على حياة أُخرى ملؤها التوحيد، والعبوديَّة الخالصة لله، والذوبان في مناجاته سبحانه، والإخلاص لدينه، والمحبَّة والانقياد لرُسُله وأوليائه (عليهم السلام).
وفي أدعية الإمام الصادق (عليه السلام) تجسيد حيٌّ لهذه المعاني كلِّها، وفيما يأتي صورة مختصرة لما تضمَّنته بعض أدعيته الشريفة في هذا الخصوص:
أ - الدعاء بالثبات على الدِّين في زمان الغيبة:
عن عبد الله بن سنان، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «سَتُصِيبُكُمْ شُبْهَةٌ فَتَبْقَوْنَ بِلَا عَلَمٍ يُرَى، وَلَا إِمَامٍ هُدًى، وَلَا يَنْجُو مِنْهَا إِلَّا مَنْ دَعَا بِدُعَاءِ الغَرِيقِ»، قُلْتُ: كَيْفَ دُعَاءُ الغَرِيقِ؟ قَالَ: «يَقُولُ: يَا اَللهُ، يَا رَحْمَنُ، يَا رَحِيمُ، يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ...»(٣٠٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٩) زاد المعاد (ص ٣٠٢ و٣٠٣)؛ وراجع: المزار لابن المشهدي (ص ٦٦٣ - ٦٦٦)، ومصباح الزائر (ص ٤٥٥ و٤٥٦)، والمصباح للكفعمي (ص ٥٥٠ - ٥٥٢)، والبلد الأمين (ص ٨٢ و٨٣).
(٣٠٠) كمال الدِّين (ص ٣٥١ و٣٥٢/ باب ٣٣/ ح ٤٩).

↑صفحة ١٤٣

ومن الواضح أنَّ هذا الدعاء أعمّ من حصره بزمان حبس الإمام الكاظم (عليه السلام) وانقطاعه عن قواعده الشعبيَّة، بل يشمل أهل زمان الغيبة أيضاً.
ب - الدعاء بطلب المعرفة المنجية من الضلال:
ويدلُّ عليه حديث زرارة، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، وفيه: ... فَقُلْتُ: وَمَا تَأْمُرُنِي لَوْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ الزَّمَانَ؟ قَالَ: «ادْعُ اللهَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْكَ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَبِيَّكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَبِيَّكَ لَمْ أَعْرِفْه قَطُّ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي»(٣٠١).
ج - الدعاء المعبِّر عن الشوق والمحبَّة للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
ومن آداب دعاء المنتظِر للفرج في زمان الغيبة من يجعل من الدعاء وسيلة معبِّرة عن حبِّه وشوقه للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وذلك بإهداء التحيَّة والسلام العاطر له (عجَّل الله فرجه)، كما في دعاء الإمام الصادق (عليه السلام): «بِسْمِ اَلله اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ، اَللَّهُمَّ بَلِّغْ مَوْلَانَا صَاحِبَ اَلزَّمَانِ، أَيْنَمَا كَانَ، وَحَيْثُمَا كَانَ مِنْ مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، سَهْلِهَا وَجَبَلِهَا، عَنِّي وَعَنْ وَالِدَيَّ وَعَنْ وُلْدِي وَإِخْوَانِي اَلتَّحِيَّةَ وَاَلسَّلَامَ عَدَدَ خَلْقِ اَلله، وَزِنَةَ عَرْشِ اَلله، وَمَا أَحْصَاهُ كِتَابُهُ وَأَحَاطَ عِلْمُهُ...»(٣٠٢).
وهذا الدعاء هو مقطع من دعاء العهد المرويِّ عن الإمام الصادق (عليه السلام)(٣٠٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠١) الكافي (ج ١/ ص ٣٤٢/ باب في الغيبة/ ح ٢٩)؛ وبتفاوت يسير في: الكافي (ج ١/ ص ٣٣٧/ باب في الغيبة/ ح ٥)، الغيبة للنعماني (ص ١٧٠ و١٧١/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٦)، كمال الدِّين (ص ٣٤٢ و٣٤٣/ باب ٣٣/ ح ٢٤)، الغيبة للطوسي (ص ٣٣٣ و٣٣٤/ ح ٢٧٩).
(٣٠٢) بحار الأنوار (ج ٨٣/ ص ٦١/ ح ٦٩)، نقله من كتاب (اختيار المصباح) لابن باقي.
(٣٠٣) راجع ما مرَّ في (ص ١٤٢ و١٤٣).

↑صفحة ١٤٤↑

د - الدعاء للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بتعجيل الفرج:
ويدلُّ عليه ما رواه عبَّاد بن محمّد المدائني، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في دعاء جاء فيه: «... وَأَنْجِزْ لِوَلِيِّكَ، وَاِبْنِ نَبِيِّكَ اَلدَّاعِي إِلَيْكَ بِإِذْنِكَ، وَأَمِينِكَ فِي خَلْقِكَ، وَعَيْنِكَ فِي عِبَادِكَ، وَحُجَّتِكَ عَلَى خَلْقِكَ، عَلَيْهِ صَلَوَاتُكَ وَبَرَكَاتُكَ وَعْدَهُ، اَللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِنَصْرِكَ، وَاُنْصُرْ عَبْدَكَ، وَقَوِّ أَصْحَابَهُ، وَصَبِّرْهُمْ، وَاِفْتَحْ لَهُمْ مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً، وَعَجِّلْ فَرَجَهُ، وَأَمْكِنْهُ مِنْ أَعْدَائِكَ وَأَعْدَاءِ رَسُولِكَ، يَا أَرْحَمَ اَلرَّاحِمِينَ»، قُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ دَعَوْتَ لِنَفْسِكَ، جُعِلْتُ فِدَاكَ؟ قَالَ: «دَعَوْتُ لِنُورِ آلِ مُحَمَّدٍ، وَسَائِقِهِمْ، وَاَلمُنْتَقِمِ بِأَمْرِ اَلله مِنْ أَعْدَائِهِمْ...»(٣٠٤).
ومنه أيضاً ما رواه حمَّاد بن عثمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وقد دخل عليه في الليلة الحادية والعشرون من شهر رمضان المبارك.
وقد روى لنا حمَّاد ما فعله الإمام الصادق (عليه السلام) من عبادات في تلك الليلة الشريفة، ومنها دعاء الإمام (عليه السلام) في سجوده: «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ مُقَلِّبَ القُلُوبِ وَالأَبْصَارِ...»، إلى أنْ قال (عليه السلام): «وَأَسْأَلُكَ بِجَمِيعِ مَا سَألتُكَ وَمَا لَمْ أَسْألكَ مِنْ عَظِيمِ جَلَالِكَ مَا لَوْ عَلِمْتُهُ لَسَألتُكَ بِهِ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَأَنْ تَأْذَنَ لِفَرَجِ مَنْ بِفَرَجِهِ فَرَجُ أَوْلِيَائِكَ وَأَصْفِيَائِكَ مِنْ خَلْقِكَ، وَبِهِ تُبِيدُ الظَّالِمِينَ وَتُهْلِكُهُمْ، عَجِّلْ ذَلِكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ...»، فَلَمَّا فَرَغَ رَفَعَ رَأْسَهُ، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، سَمِعْتُكَ وَأَنْتَ تَدْعُو بِفَرَجِ مَنْ بِفَرَجِهِ فَرَجُ أَصْفِيَاءِ الله وَأَوْلِيَائِهِ، أَوَلَسْتَ أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: «لَا، ذَاكَ قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام)»(٣٠٥).
هـ - الدعاء للمهدي بكلِّ خير، وتمنِّي رؤيته (عجَّل الله فرجه):
كما في دعاء العهد، من قول الإمام الصادق (عليه السلام): «اللَّهُمَّ أَرِنِي الطَّلْعَةَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠٤) فلاح السائل (ص ١٧١).
(٣٠٥) إقبال الأعمال (ج ١/ص ٣٦٦ - ٣٦٨) في أدعية اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان.

↑صفحة ١٤٥↑

الرَّشِيدَةَ، وَالغُرَّةَ الحَمِيدَةَ، وَاكْحُلْ نَاظِرِي بِنَظِرَةٍ مِنِّي إِلَيْهِ، وَعَجِّلْ فَرَجَهُ، وَسَهِّلْ مَخْرَجَهُ، وَأَوْسِعْ مَنْهَجَهُ، وَاسْلُكْ بِي مَحَجَّتَهُ، وَأَنْفِذْ أَمْرَهُ، وَاشْدُدْ أَزْرَهُ، وَاعْمُرِ اللَّهُمَّ بِهِ بِلَادَكَ، وَأَحْيِ بِهِ عِبَادَكَ، فَإِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الحَقُّ: ﴿ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، فَأَظْهِرِ اللَّهُمَّ لَنَا وَلِيَّكَ، وَابْنَ بِنْتِ نَبِيِّكَ، المُسَمَّى بِاسْمِ رَسُولِكَ، حَتَّى لَا يَظْفَرَ بِشَيْءٍ مِنَ البَاطِلِ إِلَّا مَزَّقَهُ، وَيُحِقَّ الحَقَّ وَيُحَقِّقَهُ. وَاجْعَلْهُ اللَّهُمَّ مَفْزَعاً لِمَظْلُومِ عِبَادِكَ، وَنَاصِراً لِمَنْ لَا يَجِدُ لَهُ نَاصِراً غَيْرَكَ، وَمُجَدِّداً لِمَا عُطِّلَ مِنْ أَحْكَامِ كِتَابِكَ، وَمُشَيِّداً لِمَا وَرَدَ مِنْ أَعْلَامِ دِينِكَ، وَسُنَنِ نَبِيِّكَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَاجْعَلْهُ مِمَّنْ حَصَّنْتَهُ مِنْ بَأْسِ المُعْتَدِينَ. اللَّهُمَّ وَسُرَّ نَبِيَّكَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بِرُؤْيَتِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى دَعْوَتِهِ، وَارْحَمِ اسْتِكَانَتَنَا بَعْدَهُ. اللَّهُمَّ وَاكْشِفْ هَذِهِ الغُمَّةَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ بِحُضُورِهِ، وَعَجِّلْ لَنَا فَرَجَهُ وَظُهُورَهُ، إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ»(٣٠٦).
و - الدعاء لنيل شرف خدمة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ونصرته:
كما في دعاء العهد الشريف المرويِّ عن الصادق (عليه السلام): «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَنْصَارِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَالذَّابِّينَ عَنْهُ، وَالمُسَارِعِينَ إِلَيْهِ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ، وَالمُحَامِينَ عَنْهُ، وَالسَّابِقِينَ إِلَى إِرَادَتِهِ، وَالمُسْتَشْهَدِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ...».
ومن الواضح أنَّ ما يعنيه التأكيد والحثُّ على انتظار الغائب، هو بقاء الإمام الغائب حيًّا في غيبته كسائر الأحياء، وفي هذا ما يتضمَّن الردُّ على من قال - كما مرَّ في فصول البحث -: مات، أو هلك، في أيِّ وادٍ سلك؟!
رابعاً: الكشف عن حال الناس في زمان الغيبة لأخذ العِظة والعبرة:
حاول الإمام الصادق (عليه السلام) إزاحة الستار عن الغيب؛ ليُنبئ عمَّا سيكون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠٦) راجع ما مرَّ في (ص ١٤٢ و١٤٣).

↑صفحة ١٤٦↑

بعد أكثر من مائة عام، وحينئذٍ لابدَّ وأنْ يذكر (عليه السلام) شيئاً يتَّصل بهويَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؛ لارتباط الأحداث المقبلة بولادته وغيبته (عجَّل الله فرجه)، نظير ضلال أكثر الخلق بغيبته، وارتياب المبطلين فيها، وتمييز أهل الضلالة في ذلك الحين لتجنُّبهم، وما سيقوم الجهلاء حينئذٍ لكي لا يُصغى إليهم، وتأكيد شكِّ المغرضين وأمثالهم بولادته وغيبته؛ لئلَّا تتأثَّر الأُمَّة بمدَّعياتهم، مع بيان الوسيلة المثلى التي ينبغي مراعاتها بغية الخلاص ممَّا سيقع فيه الكثيرون، وهي الدعاء الذي ما عُبِدَ الله بمثله.
١ - عن أبي بصير، عن الإمام الصادق، عن آبائه (عليهم السلام)، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: «اَلمَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِي، اِسْمُهُ اِسْمِي، وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتِي، أَشْبَهُ اَلنَّاسِ بِي خَلْقاً وَخُلْقاً، تَكُونُ لَهُ غَيْبَةٌ وَحَيْرَةٌ حَتَّى تَضِلَّ الخَلْقُ عَنْ أَدْيَانِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُقْبِلُ كَالشِّهَابِ اَلثَّاقِبِ، فَيَمْلَؤُهَا قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً»(٣٠٧).
٢ - وَعَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ الفَضْلِ الهَاشِمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ اَلصَّادِقَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ غَيْبَةً لاَبُدَّ مِنْهَا، يَرْتَابُ فِيهَا كُلُّ مُبْطِلٍ...»(٣٠٨).
٣ - وعن فرات بن أحنف، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) جاء فيه: «... وَلَيَبْعَثَنَّ اَللهُ رَجُلاً مِنْ وُلْدِي فِي آخِرِ اَلزَّمَانِ يُطَالِبُ بِدِمَائِنَا، وَلَيَغِيبَنَّ عَنْهُمْ تَمْيِيزاً لِأَهْلِ اَلضَّلَالَةِ حَتَّى يَقُولَ الجَاهِلُ: مَا لِله فِي آلِ مُحَمَّدٍ مِنْ حَاجَةٍ»(٣٠٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠٧) الإمامة والتبصرة (ص ١١٩ و١٢٠/ ح ١١٤)، كمال الدِّين (ص ٢٨٧/ باب ٢٥/ ح ٤)، إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٢٦)، ينابيع المودَّة (ج ٣/ ص ٣٩٦ و٣٩٧/ باب ٩٤/ ح ٤٩).
(٣٠٨) كمال الدِّين (ص ٤٨١ و٤٨٢/ باب ٤٤/ ح ١١)، علل الشرائع (ج ١/ ص ٢٤٥ و٢٤٦/ باب ١٧٩/ ح ٨)، الاحتجاج (ج ٢/ ص ١٤٤٠)، الصراط المستقيم (ج ٢/ ص ٢٣٧).
(٣٠٩) الغيبة للنعماني (ص ١٤٣/ باب ١٠/ ح ١).

↑صفحة ١٤٧↑

٤ - وعن زرارة، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «لَابُدَّ لِلْغُلَامِ مِنْ غَيْبَةٍ»، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: «يَخَافُ - وَأَوْمَأَ بِيَدِه إِلَى بَطْنِه -، وَهُوَ المُنْتَظَرُ، وَهُوَ الَّذِي يَشُكُّ النَّاسُ فِي وِلَادَتِه، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: حَمْلٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَاتَ أَبُوه وَلَمْ يُخَلِّفْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: وُلِدَ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيه بِسَنَتَيْنِ»، قَالَ زُرَارَةُ: فَقُلْتُ: وَمَا تَأْمُرُنِي لَوْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ الزَّمَانَ؟ قَالَ: ادْعُ اللهَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْكَ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَبِيَّكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَبِيَّكَ لَمْ أَعْرِفْه قَطُّ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي».
وقد سُمِعَ هذا الحديث قبل حلول الغيبة الصغرى بنحو خمسين عاماً، وقد جاء التصريح بهذا في ذيل الحديث من (الكافي)(٣١٠).
وقد تحقَّق هذا الحديث بعد وفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)؛ إذ جاء في الخبر الصحيح الثابت من طُرُق عديدة ما فعله الحاكم العبَّاسي، وما تنطَّع به جلاوزته وأعوانه.
وفي الحديث تكذيب صريح لجميع تلك الأقوال حيث لم يكن المهدي (عجَّل الله فرجه) في ذلك الوقت (حَمْلاً)، بل كان ابن خمس سنين، كما هو الثابت من تاريخ ولادته المشرَّفة.
وفي هذا الحديث أيضاً ردٌّ لمن قال بأنَّه وُلِدَ قبل موت أبيه بسنتين.
وجواب شافٍ على مزاعم المتخرِّصين الذين أنكروا ولادته وغيبته وإمامته (عجَّل الله فرجه).
وتعريف بالمبطلين الذين ارتابوا، فاتَّبعوا الشُّبُهات الواهية، ولم يتمسَّكوا بعرى الدِّين الوثيقة.

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٠) الكافي (ج ١/ ص ٣٤٢/ باب في الغيبة/ ح ٢٩).

↑صفحة ١٤٨↑

الفصل الرابع: في بيان الإمام الصادق (عليه السلام) عِلَل الغيبة وما يرافقها من تمحيص واختبار

أوَّلاً: عِلَل الغيبة:
تضمَّنت الأحاديث الواردة عن الإمام الصادق (عليه السلام) في ولده الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) سؤال بعض الأصحاب عن أسباب الغيبة وعِلَلها. ومن خلال الإجابة على أسئلتهم يتَّضح أنَّ للغيبة عِلَلاً ظاهرة وأُخرى لم ينكشف وجهها. وبالرجوع إلى ما وقفنا عليه من تلك الأحاديث سواء التي سُئِلَ فيها الإمام عن علَّة الغيبة، أو التي جاءت على لسانه الشريف من غير سؤال، وجدنا العِلَل الآتية:
العلَّة الأُولى: الخوف من القتل:
وهذه هي العلَّة الظاهرة التي أيَّدتها الأحاديث التاريخيَّة بكلِّ قوَّة؛ إذ تواترت الأخبار على معنى واحد، خلاصته معرفة السلطة العبَّاسيَّة بأنَّ الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) يُمثِّل الخطر الأكيد على وجودهم، ومن هنا كانوا يترقَّبون انتظار ولادته على حذر شديد، الأمر الذي يُفسِّر لنا محاولة الإمام العسكري (عليه السلام) إخفاء ولادة ولده المهدي الموعود (عليه السلام) عن عامَّة الناس إلَّا الأقرب فالأقرب.
وقد صحَّ الخبر - ومن طُرُق شتَّى - بما فعله الحاكم العبَّاسي بعد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام)، ورواه الشيعة كلُّهم، ويكفي أنَّه وكَّل القوابل على نساء الإمام العسكري (عليه السلام) وإمائه بعد وفاته ليُفتِّشهنَّ، كلُّ ذلك لأجل الفتك بالإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) وإنْ كان حملاً!

↑صفحة ١٤٩↑

فالخوف من القتل كسبب من أسباب الغيبة لا نقاش فيه أصلاً من الناحية التاريخيَّة، ومع هذا فقد جاء الخبر عن إمامنا الصادق (عليه السلام) بذلك قبل حدوثه.
١ - عن أبان بن عثمان وغيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «قَالَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): لَابُدَّ لِلْغُلَامِ مِنْ غَيْبَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: وَلِمَ، يَا رَسُولَ اَلله؟ قَالَ: يَخَافُ القَتْلَ»(٣١١).
٢ - وَعَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِلْقَائِمِ (عليه السلام) غَيْبَةً قَبْلَ أَنْ يَقُومَ»، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: «إِنَّه يَخَافُ»، وَأَوْمَأَ بِيَدِه إِلَى بَطْنِه، يَعْنِي القَتْلَ(٣١٢).
وسيأتي عن الإمام الصادق (عليه السلام) ما يُبيِّن هذه العلَّة في الغيبة، وذلك من خلال تأكيده على أنَّ في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) سُنَّة من الأنبياء السابقين، ومن جملتها: سُنَّة من موسى خائفاً يترقَّب، والذي حكاه القرآن الكريم على لسان موسى (عليه السلام) أنَّه حينما فرَّ من قومه وغاب عنهم زماناً، ثمّ عاد - بعد حين - إليهم، خاطبهم قائلاً: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: ٢١).
فكذلك حال إمامنا المهدي (أرواحنا فداه) فيما سيخاطب به الناس بعد انتهاء أمد غيبته موضِّحاً لهم علَّتها، وقد جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) ما هو صريح بورود هذه العلَّة على لسان الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في ما سيتلوه من كتاب الله تعالى عند ظهوره الشريف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١١) علل الشرائع (ج ١/ ص ٢٤٣/ باب ١٧٩/ ح ١).
(٣١٢) قد تقدَّم في (ص ١١٩)، فراجع.

↑صفحة ١٥٠↑

عَنِ اَلمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا قَامَ القَائِمُ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾»(٣١٣).
العلَّة الثانية: لكي لا تكون في عنق المهدي (عجَّل الله فرجه) بيعة لأحد:
وهي ما رواه أبو بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) وغيره، قال: «صَاحِبُ هَذَا الأَمْرِ تَعْمَى وِلَادَتُهُ عَلَى هَذَا الخَلْقِ، لِئَلَّا يَكُونَ لِأَحَدٍ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ إِذَا خَرَجَ»(٣١٤).
ففي هذا الحديث الصريح بخفاء الولادة إشارة إلى أنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) سوف لن يكون متعبِّداً بالتقيَّة، وإنَّما الفرض عليه إقامة دولة الحقِّ بالسيف، في حين أنَّ فرض الجهاد ومنابذة الأعداء والخروج بالسيف على الظالم والقيام بالحرب لم يكن فرض أكثر الأئمَّة الأطهار من آباء المهدي (عليهم السلام)، ولهذا ورد بسندٍ صحيح عن الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) قوله - جواباً على ما سأله أحمد بن إسحاق -: «... وَأَمَّا عِلَّةُ مَا وَقَعَ مِنَ الغَيْبَةِ، فَإِنَّ اَللهَ (عزَّ وجلَّ) يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ آبَائِي (عليهم السلام) إِلَّا وَقَدْ وَقَعَتْ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ لِطَاغِيَةِ زَمَانِهِ، وَإِنِّي أَخْرُجُ حِينَ أَخْرُجُ وَلَا بَيْعَةَ لِأَحَدٍ مِنَ اَلطَّوَاغِيتِ فِي عُنُقِي»(٣١٥).
وهذا يعني انتفاء أيِّ التزام بعهد أو ميثاق أو بيعة للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) مع الحاكم المستبدِّ، وإلَّا رجع الأمر إلى مواجهة الطغاة، والعودة إلى علَّة الخوف من القتل، حيث لم يكن فرض الإمام المنقذ هو التقيَّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٣) الغيبة للنعماني (ص ١٧٩ و١٨٠/ باب ١٠/ فصل٤/ ح ١١).
(٣١٤) قد تقدَّم في (ص ٩٤ و٩٥)، فراجع.
(٣١٥) كمال الدِّين (ص ٤٨٥/ باب ٤٥/ ح ٤)، الغيبة للطوسي (ص ٢٩٢/ ح ٢٤٧)، إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٧١ و٢٧٢)، الخرائج والجرائح (ج ٣/ ص ١١١٥/ ح ٣٠)، الاحتجاج (ج ٢/ ص ٢٨٤)، كلُّهم في ذكر التوقيعات الواردة من جهته (عجَّل الله فرجه).

↑صفحة ١٥١↑

ويُؤيِّده ما رواه سورة بن كليب، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث جاء فيه: «... فَإِذَا قَامَ قَائِمُنَا سَقَطَتْ اَلتَّقِيَّةُ، وَجَرَّدَ اَلسَّيْفَ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنَ اَلنَّاسِ، وَلَمْ يُعْطِهِمْ إِلَّا بِالسَّيْفِ»(٣١٦).
العلَّة الثالثة: السُّنَن التاريخيَّة:
ويُراد بتلك السُّنَن أنَّ ما جرى على الأُمَم السابقة لابدَّ وأنْ يجري على هذه الأُمَّة أيضاً، وقد حفلت كُتُب الصحاح الستَّة عند العامَّة وغيرها بأحاديث كثيرة في هذا المعنى لا حاجة لنا بها، وأمَّا في خصوص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) فقد مرَّ أنَّ فيه سُنَناً من الأنبياء (عليهم السلام) في غيباتهم، وهي لابدَّ وأنْ تتحقَّق فيه (عجَّل الله فرجه).
ويدلُّ على ما قلناه ما رواه سدير الصيرفي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «إِنَّ لِلْقَائِمِ مِنَّا غَيْبَةً يَطُولُ أَمَدُهَا»، فَقُلْتُ لَهُ: يَا بْنَ رَسُولِ اَلله، وَلِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: «لِأَنَّ اَللهَ (عزَّ وجلَّ) أَبَى إِلَّا أَنْ تَجْرِيَ فِيهِ سُنَنُ الأَنْبِيَاءِ (عليهم السلام) فِي غَيْبَاتِهِمْ، وَإِنَّهُ لَابُدَّ لَهُ يَا سَدِيرُ مِنِ اِسْتِيفَاءِ مُدَدِ غَيْبَاتِهِمْ، قَالَ اَللهُ تَعَالَى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]، أَيْ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»(٣١٧).
وأمَّا عن سبب جريان تلك السُّنَن في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فعلمه عند الله (عزَّ وجلَّ).
العلَّة الرابعة: وهي علَّة خافية لم يُؤذَن بكشفها:
ويُؤيِّد ذلك ما رواه عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ غَيْبَةً لاَبُدَّ مِنْهَا، يَرْتَابُ فِيهَا كُلُّ مُبْطِلٍ»، فَقُلْتُ: وَلِمَ، جُعِلْتُ فِدَاكَ؟ قَالَ: «لِأَمْرٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَنَا فِي كَشْفِهِ لَكُمْ»، قُلْتُ:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٦) تأويل الآيات الظاهرة (ج ٢/ ص ٥٣٩ و٥٤٠/ ح ١٣) في تأويل الآية (٣٤) من سورة فُصِّلت الشريفة.
(٣١٧) قد تقدَّم في (ص ١٢٥)، فراجع.

↑صفحة ١٥٢↑

فَمَا وَجْهُ الحِكْمَةِ فِي غَيْبَتِهِ؟ قَالَ: «وَجْهُ الحِكْمَةِ فِي غَيْبَتِهِ وَجْهُ الحِكْمَةِ فِي غَيْبَاتِ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ حُجَجِ اَلله تَعَالَى ذِكْرُهُ، إِنَّ وَجْهَ الحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ لَا يَنْكَشِفُ إِلَّا بَعْدَ ظُهُورِهِ، كَمَا لَمْ يَنْكَشِفْ وَجْهُ الحِكْمَةِ فِيمَا أَتَاهُ الخَضِرُ (عليه السلام) مِنْ خَرْقِ اَلسَّفِينَةِ، وَقَتْلِ الغُلَامِ، وَإِقَامَةِ الجِدَارِ لِمُوسَى (عليه السلام) إِلَى وَقْتِ اِفْتِرَاقِهِمَا. يَا بْنَ الفَضْلِ، إِنَّ هَذَا الأَمْرَ أَمْرٌ مِنْ (أَمْرِ) اَلله تَعَالَى، وَسِرٌّ مِنْ سِرِّ اَلله، وَغَيْبٌ مِنْ غَيْبِ اَلله، وَمَتَى عَلِمْنَا أَنَّهُ (عزَّ وجلَّ) حَكِيمٌ صَدَّقْنَا بِأَنَّ أَفْعَالَهُ كُلَّهَا حِكْمَةٌ وَإِنْ كَانَ وَجْهُهَا غَيْرَ مُنْكَشِفٍ»(٣١٨).
لقد فرَّق هذا الحديث بين علَّة الغيبة، ووجه الحكمة في غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه)، أمَّا العلَّة فقد علَّمها الله تعالى لأوليائه، غير أنَّه (عزَّ وجلَّ) لم يُؤذَن لهم في كشفها، وبهذا يتبيَّن اشتباه بعضهم في جعل تلك العلَّة الخافية علينا من أسرار الله (عزَّ وجلَّ) التي لم يُطلِع عليها أحداً من أوليائه (عليهم السلام)! والصحيح أنَّه سبحانه استأثر بوجه الحكمة في غيبة الإمام، ولم يستأثر بالعلَّة نفسها كما هو صريح هذا الحديث الشريف.
ثانياً: أحاديث التمحيص والاختبار، وبيان فلسفتها:
أحاديث التمحيص والاختبار:
تُعَدُّ مسألة تمحيص الناس واختبارهم في زمان الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) مسألة متواترة عن الإمام الصادق (عليه السلام) فحسب، فقد رواها عنه أبان بن تغلب، وأبو بصير، والربيع بن محمّد المسلِّي، وزرارة، وسدير الصيرفي، وعبد الله بن الفضل الهاشمي، وعبد الله بن يعفور، وعبد الرحمن بن سيابة، وفرات بن الأحنف، والمفضَّل بن عمر، ومهزم بن أبي بردة الأسدي. وأخرجها محدِّثو الشيعة، عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٨) كمال الدِّين (ص ٤٨١ و٤٨٢/ باب ٤٤/ ح ١١)، علل الشرائع (ج ١/ ص ٢٤٥ و٢٤٦/ باب ١٧٩/ ح ٨)، الاحتجاج (ج ٢/ ص ١٤٤٠)، الصراط المستقيم (ج ٢/ ص ٢٣٧).

↑صفحة ١٥٣↑

هؤلاء، عن الإمام (عليه السلام) من طُرُق شتَّى فيما تتبَّعناه، وسنكتفي ببعض منها، كالآتي:
١ - عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «مَعَ القَائِمِ (عليه السلام) مِنَ العَرَبِ شَيْءٌ يَسِيرٌ»، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ مَنْ يَصِفُ هَذَا الأَمْرَ مِنْهُمْ لَكَثِيرٌ، قَالَ: «لَابُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْ يُمَحَّصُوا وَيُمَيَّزُوا وَيُغَرْبَلُوا، وَسَيَخْرُجُ مِنَ الغِرْبَالِ خَلْقٌ كَثِيرٌ»(٣١٩).
والذي قال للإمام (عليه السلام) ذلك هو عبد الله بن يعفور، كما هو صريح روايات أُخرى(٣٢٠).
٢ - وَعَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ سَيَابَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا بَقِيتُمْ بِلَا إِمَامٍ هُدًى، وَلَا عَلَمٍ [يُرَى]، يَتَبَرَّأُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ تُمَيَّزُونَ وَتُمَحَّصُونَ وَتُغَرْبَلُونَ...»(٣٢١).
٣ - وَعَنْ مِهْزَمِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ الأَسَدِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «وَاَلله لَتُكْسَرُنَّ تَكَسُّرَ اَلزُّجَاجِ، وَإِنَّ اَلزُّجَاجَ لَيُعَادُ فَيَعُودُ كَمَا كَانَ، وَاَلله لَتُكْسَرُنَّ تَكَسُّرَ الفَخَّارِ، فَإِنَّ الفَخَّارَ لَيَتَكَسَّرُ فَلَا يَعُودُ كَمَا كَانَ، وَوَاَلله لَتُغَرْبَلُنَّ، وَوَاَلله لَتُمَيَّزُنَّ، وَوَاَلله لَتُمَحَّصُنَّ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا الأَقَلُّ»، وَصَعَّرَ كَفَّهُ(٣٢٢).
وأخرج الشيخ الطوسي (رحمه الله) عن الربيع بن محمّد المسلِّي، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، نحوه(٣٢٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٩) الغيبة للنعماني (ص ٢١٢/ باب ١٢/ ح ٦).
(٣٢٠) الكافي (ج ١/ ص ٣٧٠/ باب التمحيص والامتحان/ ح ٢)، الغيبة للنعماني (ص ٢١٢ و٢١٣/ باب ١٢/ ح ٧)، دلائل الإمامة (ص ٤٥٦ و٤٥٧/ ح ٤٣٦/٤٠).
(٣٢١) الإمامة والتبصرة (ص ١٣٠ و١٣١/ ح ١٣٦)، كمال الدِّين (ص ٣٤٧ و٣٤٨ / باب ٣٣/ ح ٣٦).
(٣٢٢) الغيبة للنعماني (ص ٢١٥/ باب ١٢/ ح ١٣).
(٣٢٣) الغيبة للطوسي (ص ٣٤٠/ ح ٢٨٩).

↑صفحة ١٥٤↑

٤ - وعن المفضَّل بن عمر، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «أَمَا وَاَلله لَيَغِيبَنَّ إِمَامُكُمْ سِنِيناً مِنْ دَهْرِكُمْ، وَلَتُمَحَّصُنَّ حَتَّى يُقَالَ: مَاتَ أَوْ هَلَكَ، بِأَيِّ وَادٍ سَلَكَ؟...»(٣٢٤).
فلسفة التمحيص والاختبار:
تكشف الأحاديث الأربعة المتقدِّمة وغيرها من الأحاديث الأُخرى الواردة في موضوعها عن التخطيط الإلهي المقتضي لامتحان المسلمين واختبارهم في غيبة إمام الزمان (عجَّل الله فرجه)؛ لأنَّ الغيبة لاسيّما إذا كانت طويلة وزائدة على عمر الإنسان الطبيعي بعشرات المرَّات، ستورث الشكَّ في النفوس الضعيفة في بقاء صاحب الغيبة حيًّا طوال تلك الفترة، وقد يؤول هذا الشكُّ إلى الطعن باستمرار وجوده الشريف!
والمراد بالتمحيص: التنقية بأخذ الشيء الجيِّد وإبعاد الشيء الردي.
وبالتمييز: التفرقة بين شيئين بموجب خصائص معيَّنة، والمراد هنا معرفة الناس على حقيقتها بالاختبار.
وبالغربلة: نخل الشيء بالغربال.
وفي حديث الإمام الباقر (عليه السلام): «وَاَلله لَتُمَيَّزُنَّ، وَاَلله لَتُمَحَّصُنَّ، وَاَلله لَتُغَرْبَلُنَّ كَمَا يُغَرْبَلُ اَلزُّؤَانُ مِنَ القَمْحِ»(٣٢٥).
والزؤان: حبوب صغيرة تختلط بالحنطة وتكون على شكلها، ولكنَّها ليست منها، فانظر إلى دقَّة التمثيل وروعته، فكما تخرج الزؤان عن القمح بالغربال، فكذلك يخرج ضعفاء الإيمان بقانون التمحيص، وغربالهم ليس إلَّا الظروف الصعبة التي يمرُّ بها الإنسان في حياته، وما تحيط بتلك الحياة من مصالح ضيِّقة وشهوات ومغريات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٤) قد تقدَّم في (ص ١٢٠ و١٢١)، فراجع.
(٣٢٥) الغيبة للنعماني (ص ٢١٣/ باب ١٢/ ح ٨).

↑صفحة ١٥٥↑

وقول الإمام الصادق (عليه السلام): «وَسَيَخْرُجُ مِنَ الغِرْبَالِ خَلْقٌ كَثِيرٌ» ليس اعتباطاً إذن، وإنَّما هو يحكي عن حقيقة ثابتة نطق بها القرآن الكريم بذمِّ الكثرة ومدح القلَّة في كثير من الآيات البيِّنات: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: ١٦)، ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود: ٤٠).
وكلُّ هذا يشير إلى أنَّ أكثر البشر يتَّبعون الباطل، وينحرفون مع الشهوات، ويندفعون تجاه مصالحهم، حتَّى ليكونوا عوناً للظالمين، ويداً لهم، وفي مقابل هذا تبقى في نتيجة الامتحان والتمييز والتمحيص الطويل ثلَّة لا يضرُّها من ناوأها حتَّى يقاتل آخرها الدجَّال؛ لأنَّهم يُمثِّلون الحقَّ صرفاً الذي لا باطل معه أصلاً.
ونظرة واحدة إلى القرآن الكريم تكشف أنَّ قانون التمحيص الإلهي لم يختصّ بفئة أو أُمَّة من الناس، بل هو قانون عامٌّ للبشريَّة في جميع مراحل تاريخها، ويدلُّنا على ذلك:
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (آل عمران: ١٧٩).
وقوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ (الأنفال: ٣٧).
وقوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٤١ و١٤٢).
ومن غير شكٍّ أنَّ قانون التمحيص لابدَّ وأنْ يكون أشدّ وآكد إذا ما اقترن أمره بإعداد النخبة الصالحة التي ينبغي أنْ تعيش الاستعداد الكامل لنصرة الحقِّ وأهله من خلال انتظارها لدولة الحقِّ المرتقبة على يد المنقذ العظيم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).

↑صفحة ١٥٦↑

لقد أراد الله (عزَّ وجلَّ) أنْ يكون التمحيص في الغيبة الكبرى لإمام العصر والزمان عظيماً؛ ليتَّضح من خلاله ما إذا كانت تصرُّفات الإنسان وأقواله منسجمة مع الدِّين أو لا. ولا شكَّ أنَّ من يعبر الاختبار الصعب سوف لن يهمل وظيفته الاجتماعيَّة الكبرى: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باعتبارهما من أبرز وظائف عصر الانتظار المتقوِّم بالإيمان، والتضحية، والصمود.
ولا يخفى بأنَّ الغرض من أحاديث التمحيص والاختبار كلِّها إنَّما هو يصبُّ في خدمة أجيال الغيبة؛ لكي ينتبهوا من غفلتهم ويلحظوا ما ينبغي ملاحظته من أُمور:
كعدم الاغترار بلمع السراب من كلام المشعوذين الكاذبين.
ومعرفة مكائد السفهاء وأعداء الحقِّ، من الذين في قلوبهم مرض والمفتونين.
والتعوُّذ من زخارف إبليس وأشياعه في كلِّ زمانٍ ومكانٍ.
والتمسُّك بالثقلين: كتاب الله، والعترة الطاهرة (عليهم السلام).
وعدم استطالة المدى في غيبة المولى (عجَّل الله فرجه)؛ لأنَّ الظهور الشريف آتٍ لا محالة، ومثله مثل الساعة ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ (الأعراف: ١٨٧).
والتدرُّع بالصبر على انتظار الحبيب صاحب الطلعة الرشيدة والغرَّة الحميدة.
وارتقابه ببصيرة لا حيرة فيها، ويقيناً لا شكَّ معه.
والاعتقاد الحازم بأنَّ الله تعالى سيُصلِح له أمره في ليلة واحدة، وحينئذٍ سيقبل كالشهاب الثاقب.

* * *

↑صفحة ١٥٧↑

الباب الثالث: دور الإمام الصادق (عليه السلام) في ردِّ الشُّبُهات المثارة حول الغيبة والغائب

الفصل الأوَّل: شبهة الكيسانيَّة بمهدويَّة محمّد بن الحنفيَّة (رضي الله عنه).
الفصل الثاني: شبهة مهدويَّة عمر بن عبد العزيز الأُموي المرواني.
الفصل الثالث: شبهة مهدويَّة محمّد بن عبد الله الحسني.
الفصل الرابع: دعوى مهدويَّة المهدي العبَّاسي.
الفصل الخامس: موقف الإمام الصادق (عليه السلام) من المهدويَّات الأُخرى.
الفصل السادس: دور الإمام الصادق (عليه السلام) في ردِّ الشُّبُهات الأُخرى. 

↑صفحة ١٩٥↑

تمهيد:
على الرغم من كثرة الكُتُب المؤلَّفة في غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) قبل حصولها، وكثرة الأحاديث الواردة في بيان هويَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وغيبته، وطول عمره الشريف قبل ولادته بعشرات السنين، وانتشار العقيدة المهدويَّة في الوسط الإسلامي في القرون الثلاثة الأُولى انتشاراً واسعاً. على الرغم من كلِّ ذلك بقي علم الكلام الإسلامي في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) بكلِّ اتِّجاهاته خالياً تماماً من أيَّة إثارة بخصوص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، هذا في الوقت الذي تناول فيه شتَّى المباحث الكلاميَّة في التوحيد، والعدل، والنبوَّة، والإمامة، والمعاد، وغيرها.
والسرُّ في ذلك أنَّه لم تكن هناك ثَمَّة شُبُهات كبيرة تُذكر في زمان الإمام الصادق (عليه السلام) بشأن الغيبة والغائب، خصوصاً وأنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لم يكن مولوداً في ذلك الحين، ولم تبتلِ الأُمَّة بغيبته الطويلة التي صارت فيما بعد مثاراً للجدل. هذا إذا ما استثنينا بعض المحاولات المنحرفة التي كانت تستهدف استغلال عقيدة الأُمَّة بمهديِّها فادَّعت المهدويَّة زوراً وبطلاناً، وتصدَّى لها الإمام الصادق (عليه السلام) بكلِّ قوَّة حتَّى قبرت وهي في مهدها.
ويبدو أنَّ متكلِّمي المعتزلة والزيديَّة وغيرهم من خصوم الإماميَّة الذين ماتوا قبل ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) كانوا في حرج شديد إزاء أخبار الإمام الصادق (عليه السلام) وأهل البيت (عليهم السلام) كافَّة بخصوص ولدهم المهدي (عجَّل الله فرجه)؛ إذ شكَّلت بمجموعها تحدّياً صارخاً لهم، ولم يجدوا وسيلةً في ردِّ أخبار أهل البيت (عليهم السلام)

↑صفحة ١٦١↑

تلك حتَّى وإنْ لم يعتقدوا بإمامتهم؛ إذ تكفيهم بذلك سائر موجبات قبول الخبر من الوثاقة والضبط والصدق والحفظ والحريجة في الدِّين، سيّما وأنَّ تلك الأخبار أنبأت عن مستقبل قد يكون بعيداً على أُولئك المتكلِّمين، وبالتالي هم ليسوا من أهله(٣٢٦)، ولهذا نراهم قد خفَّفوا من غلوائهم تجاه هذه المسألة، وأهملوها تماماً، ولم يتصدَّ أحد منهم قطُّ إلى تكذيب أخبارها على الرغم من كونها بين أيديهم، وكأنَّهم - بهذا - قد تحفَّظوا على أنفسهم فلم يرموا بها شططاً في كلِّ اتِّجاه.
وما أنِ انقضى عصر أُولئك المتكلِّمين إلَّا وقد اصطدم خَلَفَهُم بالواقع، خصوصاً وقد شاهدوا رجوع القواعد الشيعيَّة برمَّتها - في كلِّ صغيرة وكبيرة - إلى سفراء الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ووكلائه المنبثِّين في طول بلاد الإسلام وعرضها.
ومن هنا لم يشأ بعضهم ترك الحبل على غاربه، فحاول عبثاً إثارة بعض الشُّبُهات والإشكالات، حتَّى اضطرَّ أخيراً إلى تكذيب تلك الأخبار التي كانت مدوَّنة في عهد أسلافهم الذين عجزوا عن تكذيبها.
وما إنْ دخلت العقيدة المهدويَّة في علم الكلام وأخذت حيِّزها الواسع فيه، وذلك بعد تحقُّقها على أرض الواقع بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وغيبته سنة (٢٦٠هـ)، إلَّا وقد تصدَّى طلائع المتكلِّمين من الإماميَّة في عصر الغيبة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٦) بحث المتكلِّمون في مسائل كثيرة لم يكونوا من أهلها في ذلك الحين، وكانت تمسُّ مستقبل الإنسان ومصيره في الصميم، كما هو الحال في بحثهم مسألة البرزخ، والصراط، والميزان، ونحوها كثير.
والأمر هنا مختلف تماماً؛ إذ لا يقبل جدلاً ولا تأويلاً، فالإخبار عن شخص بذكر اسمه ونسبه وحسبه وكنيته ولقبه وسيرته وحليته وأخلاقه وأوصافه بأنَّه هو المهدي الموعود به في آخر الزمان، لا يدع مجالاً للمتكلِّمين في تأويل ذلك أو صرفه عن مدلوله، اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يضطرَّهم اعتقادهم الفاسد إلى تكذيب مثل هذا الإخبار، وهو ما لم يحصل من المتكلِّمين في زمان الإمام الصادق (عليه السلام).

↑صفحة ١٦٢↑

الصغرى كابن قبة الرازي والنوبختيِّين وغيرهم إلى بيان زيف تلك الشُّبُهات، وأذاقوها ألواناً من مرارة التفنيد، كما نجده في كثير من نقولات الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن أُولئك المتكلِّمين في ردِّ شُبُهات الزيديَّة والمعتزلة وغيرهم في هذا الخصوص(٣٢٧).
والطريف في تلك الشُّبُهات أنَّها كانت تعتمد على أشياء قد سبق وأنْ تعرَّض لها الإمام الصادق (عليه السلام)، نظير تمسُّكهم بدعاوى المهدويَّة، وطول عمر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، والفائدة من غيبته، ونحو هذا من الأُمور التي لم تزل تثار إلى وقتنا هذا. بما يمكن معه القول بأنَّ سائر الإشكالات التي يثيرها بعض الكُتَّاب لم تكن جديدة أصلاً؛ إذ مضى عليها أكثر من ألف عام، بل حتَّى أجوبتها ليست جديدة هي الأُخرى، وعمر معظمها أطول من عمر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، كما سنرى بعد قليل.
ومن هنا يتبيَّن لنا وبكلِّ وضوح أنَّ دور الإمام الصادق (عليه السلام) في صيانة الفكر المهدوي الأصيل كان دوراً سابقاً لزمانه بقرون عديدة، إلَّا ما كان بصدد ردِّ بعض دعاوى المهدويَّة المعاصرة له (عليه السلام)؛ إذ كان (عليه السلام) يتعمَّد إلى إثارة ما يمكن أنْ يقال عاجلاً أو آجلاً، ثمّ يتعرَّض - بذات الوقت - إلى الإجابة الشافية المختصرة.
وكثيراً ما يكون في حديثه (عليه السلام) جواب لشبهة مقدَّرة من دون إثارة صريحة لها، وربَّما قد يكون الجواب - أحياناً - ردًّا على سؤال في هويَّة الإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، أو ولادته، أو غيبته، ونحو ذلك من أُمور أُخرى، صارت إجاباتها ردوداً لما أُثير بعد ذلك من شُبُهات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٧) راجع ما كتبه الشيخ الصدوق (رحمه الله) في مقدَّمة كتابه (كمال الدِّين وتمام النعمة)، ستجد فيها ردًّا واسعاً على شُبُهات الزيديَّة والمعتزلة وغيرهم في العقيدة المهدويَّة.

↑صفحة ١٦٣↑

وفي ما يلي دراسة لأهمّ الشُّبُهات المثارة حول العقيدة المهدويَّة، وموقف الإمام الصادق (عليه السلام) منها، وذلك في فصول.

* * *

↑صفحة ١٦٤↑

الفصل الأوَّل: شبهة الكيسانيَّة بمهدويَّة محمّد بن الحنفيَّة (رضي الله عنه)

أوَّلاً: أسباب ظاهرة ادِّعاء المهدويَّة في التاريخ:
تُمثِّل ظاهرة ادِّعاء المهدويَّة في التاريخ الإسلامي عنصر الفساد والانحراف الذي يقف دائماً - وباسم الدِّين - في الصفِّ المناوئ للأهداف الكبرى في الشريعة، وذلك باستغلال إيمان الأُمَّة بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) الذي بشَّر به النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بشكل تخطَّى مضمونه سائر الحدود المطلوبة في تحقُّق التواتر وعلى جميع الأُصول المحرَّرة في معرفته.
وقد يسأل بعضهم فيقول: كيف استطاعت إذن أنْ تشقَّ تلك الظواهر طريقها في المجتمع الإسلامي وبهذا الوقت المبكّر من تاريخه؟
والجواب منوط بمعرفة الأسباب المؤدّية إلى استغلال الدِّين باسمه وعلى أكثر من صعيد، ويأتي في طليعتها:
١ - عدم تحصُّن الأُمَّة بالثقلين (كتاب الله، والعترة الطاهرة (عليهم السلام)) كما ينبغي.
٢ - ضعف الوازع الدِّيني عند أدعياء المهدويَّة على مرِّ التاريخ، ممَّا هوَّن عليهم ذلك ارتكاب مثل هذا الأمر الخطير.
٣ - تشرذم الأُمَّة إلى فئات متناحرة، ومحاولة كلٍّ منها كسب الأنصار والمؤيِّدين بشتَّى الطُّرُق الملتوية، من بذل المال، أو الالتفاف على الدِّين.

↑صفحة ١٦٥↑

٤ - قلَّة الثقافة المهدويَّة في نفوس بعض القواعد الشعبيَّة التي روَّجت لمهدويَّة هذا الشخص أو ذاك، كما نجده عند الكيسانيَّة في إشاعتهم مهدويَّة محمّد ابن الحنفيَّة (رضي الله عنه).
٥ - الافتتان ببعض الشخصيَّات، ومحاولة رفعها فوق قدرها وإعطائها من الألقاب والصفات ما لا تستحقُّ، كما هو الحال في وصف عمر بن عبد العزيز الأُموي المرواني بـ(المهدي) مثلاً.
وممَّا زاد الطين بلَّة: ثقافة الاستبداد السياسي التي ورثتها الأُمَّة وتربَّت عليها بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مباشرةً، فهي في الوقت الذي تجاهلت فيه مبدأ النصِّ والتعيين، لم تراعِ حرّيَّة الاختيار، واختفت الشورى تماماً بحيث لم تتحقَّق ولو مرَّة واحدة - سهواً أو اشتباهاً - في حياتها، ثمّ تطوَّر الأمر سوءاً حتَّى أُبيح للسلطان أنْ يتَّخذ الدِّين مطيَّة لتحقيق مآربه وأهدافه السياسيَّة، ولو بعبور الخطوط الحمراء في الشريعة واستغلالها لصالحه كما هو الحال في الدولتين الأُمويَّة والعبَّاسيَّة، وخير مثال على ما نحن فيه محاولة التفاف أبي جعفر الدوانيقي عبد الله المنصور الخليفة العبَّاسي (١٣٦ - ١٥٨هـ) على العقيدة المهدويَّة، وانتزاعها من محمّد بن عبد الله بن الحسن المثنَّى (المهدي الحسني) الذي ادَّعاها بدوره طمعاً بالسلطة، فأطاح المنصور العبَّاسي بثورته وقتله وأخاه إبراهيم سنة (١٤٥هـ)، ثمّ أقدم سنة (١٤٧هـ) على تعيين ابنه محمّد (١٥٩ - ١٦٩هـ) وليًّا للعهد ولقَّبه بالمهدي(٣٢٨)!
وغيرها من الأسباب الأُخرى التي أفضت بطبيعتها إلى ولادة خطِّ الانحراف العقائدي، وتمكين ظواهره السلبيَّة في المجتمع، في حين صمد الخطُّ الملتزم بمبادئه الإسلاميَّة الثابتة، وتصدَّت قيادته الواعية إلى كلِّ انحراف؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٨) راجع: تاريخ الخلفاء (ص ٢٨٥).

↑صفحة ١٦٦↑

لتصون العقيدة المهدويَّة من العابثين والطامعين، كما نجد ذلك واضحاً في موقف الإمام الصادق (عليه السلام) من أُولى تلك الدعاوى المزعومة والشُّبُهات الفاسدة التي ظهرت في مقولة الكيسانيَّة، فنقول:
ثانياً: براءة ابن الحنفيَّة (رضي الله عنه) من القول بمهدويَّته:
مات السيِّد محمّد بن أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) المعروف بمحمّد بن الحنفيَّة (رضي الله عنه) سنة (٧٣هـ)، وقيل غيرها(٣٢٩)، وهو لا يعرف عن دعوى الكيسانيَّة في إمامته ومهدويَّته وغيبته شيئاً يُذكر، حيث روَّجت الكيسانيَّة له ذلك جهلاً - بعد وفاته -؛ تأثُّراً بسموِّ أخلاقه ونبله وعلمه، زيادةً على كونه أخاً للسبطين وابناً لأمير المؤمنين (عليهم السلام)، مع عناد بعضهم على القول بإمامته ومهدويَّته وغيبته حتَّى بعد وفاته ودفنه!
وكان محمّد بن الحنفيَّة (رضي الله عنه) قد سمع بعضهم وهم يُسلِّمون عليه بالمهدويَّة، ولكنَّه لم يحمل تحيَّتهم على معنى مهدي آخر الزمان (عجَّل الله فرجه)، بل على كونه من جملة العباد الصالحين الذين يهدون إلى الحقِّ وبه يعملون، وقد نبَّههم على ذلك في وقته.
ويدلُّ عليه ما أخرجه ابن سعد في (طبقاته) بسنده عن أبي حمزة، قال: (كانوا يُسلِّمون على محمّد بن عليٍّ: سلام عليك يا مهدي، فقال: أجل، أنا مهدي أهدي إلى الرشد والخير، اسمي اسم نبيِّ الله، وكنيتي كنية نبيِّ الله، فإذا سلَّم أحدكم فليقل: سلام عليك يا محمّد، [أو] السلام عليك يا أبا القاسم)(٣٣٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٩) اختلفت الروايات في وفاة السيِّد محمّد بن الحنفيَّة (رضي الله عنه) ما بين سنة (٧٣ و٨٠ و٨١ و٨٢ و٩٢ و٩٣هـ)، راجع: تهذيب الكمال (ج ٢٦/ ص ١٥٢/ الرقم ٥٤٨٤).
(٣٣٠) طبقات ابن سعد (ج ٥/ ص ٩٤) في ترجمة محمّد بن الحنفيَّة، تاريخ مدينة دمشق (ج ٥٤/ ص ٣٤٧/ الرقم ٦٧٩٧)، تاريخ الإسلام (ج ٦/ ص ١٨٨/ الرقم ١٣٨) في وفيات سنة (٨١ - ١٠٠هـ)، سِيَر أعلام النبلاء (ج ٤/ ص ١٢٣/ الرقم ٣٦) في ترجمة محمّد بن الحنفيَّة.

↑صفحة ١٦٧↑

ولم أجد في جميع المصادر أكثر صراحةً من هذه الرواية في الدلالة على وصفه بالمهدويَّة في حياته. في حين أنَّها لا تدلُّ على إرادة المهدي الموعود به في آخر الزمان، كما لا تدلُّ على رضاه، ولا تبنِّيه ذلك كما يظهر من كلامه المتقدِّم.
ثالثاً: اعتراف ابن الحنفيَّة بإمامة السجَّاد (عليه السلام)، ونفي الإمامة عن نفسه:
كان السيِّد محمّد بن الحنفيَّة (رضي الله عنه) عالماً بإمام زمانه، ولم يدَّعِ الإمامة ولا المهدويَّة لنفسه، كما لم يقبل بمقولة من ادَّعاها له من أصحابه؛ ولهذا أمر بالسلام عليه - كما مرَّ - إمَّا باسمه، أو بكنيته.
ويدلُّ على ما ذكرناه ما جاء عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: كَانَ أَبُو خَالِدٍ الكَابُلِيُّ يَخْدُمُ مُحَمَّداً اِبْنَ الحَنَفِيَّةِ دَهْراً، وَمَا كَانَ يَشُكُّ فِي أَنَّهُ إِمَامٌ، حَتَّى أَتَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّ لِي حُرْمَةً وَمَوَدَّةً وَاِنْقِطَاعاً، فَأَسْأَلُكَ بِحُرْمَةِ رَسُولِ اَلله وَأَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ إِلَّا أَخْبَرْتَنِي أَنْتَ الإِمَامُ اَلَّذِي فَرَضَ اَللهُ طَاعَتَهُ عَلَى خَلْقِهِ؟»، قَالَ: «فَقَالَ: يَا أَبَا خَالِدٍ، حَلَفْتَنِي بِالعَظِيمِ، الإِمَامُ عَلِيُّ اِبْنُ الحُسَيْنِ (عليه السلام) عَلَيَّ وَعَلَيْكَ وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. فَأَقْبَلَ أَبُو خَالِدٍ لَـمَّا أَنْ سَمِعَ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ بْنُ الحَنَفِيَّةِ جَاءَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ (عليه السلام)، فَلَمَّا اِسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأُخْبِرَ أَنَّ أَبَا خَالِدٍ بِالبَابِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ دَنَا مِنْهُ، قَالَ: مَرْحَباً بِكَ يَا كَنْكَرُ، مَا كُنْتَ لَنَا بِزَائِرٍ، مَا بَدَا لَكَ فِينَا؟ فَخَرَّ أَبُو خَالِدٍ سَاجِداً شَاكِراً لِله تَعَالَى مِمَّا سَمِعَ مِنْ عَلِيِّ اِبْنِ الحُسَيْنِ (عليه السلام)، فَقَالَ: الحَمْدُ لِله اَلَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى عَرَفْتُ إِمَامِي، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَكَيْفَ عَرَفْتَ إِمَامَكَ، يَا أَبَا خَالِدٍ؟ قَالَ: إِنَّكَ دَعَوْتَنِي بِاسْمِيَ اَلَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي اَلَّتِي وَلَدَتْنِي، وَقَدْ كُنْتُ فِي عَمْيَاءَ مِنْ أَمْرِي، وَلَقَدْ خَدَمْتُ مُحَمَّداً اِبْنَ الحَنَفِيَّةِ عُمُراً مِنْ عُمُرِي وَلَا أَشُكُّ إِلَّا وَأَنَّهُ إِمَامٌ، حَتَّى إِذَا كَانَ قَرِيباً سَألتُهُ بِحُرْمَةِ

↑صفحة ١٦٨↑

اَلله وَبِحُرْمَةِ رَسُولِهِ وَبِحُرْمَةِ أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ، فَأَرْشَدَنِي إِلَيْكَ وَقَالَ: هُوَ الإِمَامُ عَلَيَّ وَعَلَيْكَ وَعَلَى خَلْقِ اَلله كُلِّهِمْ...»(٣٣١).
فكيف يدَّعي الكيسانيَّة إذن إمامته ومهدويَّته وغيبته، وهذه هي أقواله(رضي الله عنه)؟!
رابعاً: من روَّج له المهدويَّة والإمامة بعد وفاته:
ظهر القول بإمامة ومهدويَّة وغيبة ابن الحنفيَّة (رضي الله عنه) بعد وفاته على يد الكيسانيَّة التي زعمت باطلاً بكلِّ هذه الأقاويل التي ما أنزل الله بها من سلطان.
وكان من رؤوسهم الذين تعصَّبوا لمحمّد بن الحنفيَّة وقالوا بإمامته ومهدويَّته وغيبته وإنَّه حيٌّ لم يمت، حيَّان السرَّاج كما سيأتي في بيان موقف الإمام الصادق (عليه السلام) من هذه الدعوى.
ومن مشاهيرهم الذين لعبوا دوراً إعلاميًّا كبيراً في إشاعة هذه الدعوة، كثير عزَّة الشاعر المعروف، وقد ضمَّ ديوانه جملة من القصائد الشعريَّة التي تعرب عن عقيدته تلك، يقول في بعضها:

ألَا إنَّ الأئمَّة من قريش * * * ولاة الحقِّ أربعة سواءُ
عليٌّ والثلاثة من بنيه * * * هم أسباطُهُ والأوصياءُ
فسبط سبط إيمانٍ وحلمٍ * * * وسبط غيَّبته كربلاءُ
وسبط لا يذوق الموت حتَّى * * * يقود الخيل يقدمها اللواءُ
تغيَّب لا يُرى عنهم زماناً * * * برضوى عنده عسل وماءُ(٣٣٢)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣١) اختيار معرفة الرجال (ج ١/ ص ٣٣٦ و٣٣٧/ ح ١٩٢) في ترجمة أبي خالد الكابلي؛ ورواه بتفاوت الخصيبي (رحمه الله) في الهداية الكبرى (ص ٢٢١ و٢٢٢)، والرواندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ١/ ص ٢٦١ و٢٦٢/ ح ٦).
(٣٣٢) شرح ديوان كثير عزَّة (ج ٢/ ص ١٨٦ - ١٨٨)، مروج الذهب (ج ٣/ ص ٧٨)، الأغاني (ج ٩/ ص ١٢) في ذكر أخبار كثير ونسبه، عيون الأخبار (ج ٢/ ص ١٦٠) من كتاب العلم والبيان.

↑صفحة ١٦٩↑

ويقول في أُخرى:

هو المهدي خَبَّرناه كعب * * * أخو الأحبار في الحِقَب الخوالي(٣٣٣)

ومن جميل ما يُروى هو ما قاله مصعب بن عبد الله، قال: (قيل لكثير: لقيت كعب الأحبار؟ فقال: لا، قيل: فلِمَ قلت: خَبَّرناه كعبُ؟ قال: بالوهم)(٣٣٤)!
ومن جملتهم أيضاً السيِّد الحميري، وهو من مشاهير الكيسانيَّة قبل لقائه بالإمام الصادق (عليه السلام) ومعرفة الحقيقة منه، وقد كانت له قصائد كثيرة يذكر فيها مهدويَّة ابن الحنفيَّة، منها ما ذكره المسعودي:

يا شعب رضوى ما لمن بك لا يُرى * * * وبنا إليك من الصبابة أولقُ(٣٣٥)
حتَّى متى؟ وإلى متى؟ وكم المدى؟ * * * يا بن الوصيِّ وأنت حيٌّ تُرزَقُ(٣٣٦)

لقاء السيِّد الحميري الكيساني بالإمام الصادق (عليه السلام):
شاءت الأقدار أنْ يلتقي السيِّد الحميري بالإمام الصادق (عليه السلام)، ممَّا كان لهذا اللقاء أثره الفعَّال في تغيير السيِّد الحميري عقيدته الكيسانيَّة ورجوعه من القول بإمامة ومهدويَّة محمّد بن الحنفيَّة (رضي الله عنه) إلى الحقِّ، واعتقاده مذهب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٣) شرح ديوان كثير عزَّة (ج ١/ ص ٢٧٥)، مروج الذهب (ج ٣/ ص ٧٨)، الأغاني (ج ٩/ ص ١٣ و١٤).
(٣٣٤) الحدُّ الفاصل (ص ٥٢١ و٥٢٢/ ح ٦٥٧)، تاريخ مدينة دمشق (ج ٥٤/ ص ٣٢١ و٣٢٢)، تهذيب الكمال (ج ٢٦/ ص ١٤٩ و١٥٠/ الرقم ٥٤٨٤).
(٣٣٥) في الصحاح للجوهري (ج ٤/ ص ١٤٤٧/ مادَّة ألق): (الأولق: الجنون).
(٣٣٦) ديوان السيِّد الحميري (ص ١٤٤)، أنساب الأشراف (ج ٢/ ص ٢٠٣)، مروج الذهب (ج ٣/ ص ٧٩)، أخبار السيِّد الحميري (ص ١٦٤)، إعلام الورى (ج ١/ ص ٥٤١)، تاريخ مدينة دمشق (ج ٥٤/ ص ٣٢٢)، تذكرة الخواصِّ (ص ٢٦٤).

↑صفحة ١٧٠↑

الإماميَّة، وهو ما صرَّح به ابن المعتزِّ في (طبقات الشعراء)(٣٣٧)، والمرزباني في (أخبار السيِّد)(٣٣٨)، والشيخ الصدوق (رحمه الله)(٣٣٩)، والشيخ المفيد (رحمه الله)(٣٤٠)، والشيخ الطوسي (رحمه الله)(٣٤١)، وابن شهر آشوب (رحمه الله)(٣٤٢)، والإربلي (رحمه الله)(٣٤٣)، وغيرهم ممَّن ترجم للسيِّد الحميري (رضي الله عنه).
وهكذا أصبح السيِّد - بفضل هدايته على يد الإمام الصادق (عليه السلام) - من شعراء أهل البيت (عليهم السلام) المجاهرين بولايتهم من الطبقة الأُولى، حتَّى وصفه علماء الشيعة بالمعظَّم(٣٤٤)، ولهذا قال ابن عبد ربِّه الأندلسي الأُموي: (ومن الروافض، السيِّد الحميري، وكان يُلقى له وسائد في مسجد الكوفة يجلس عليها، وكان يؤمن بالرجعة)(٣٤٥).
السيِّد الحميري يُودِّع كيسانيَّته ويتعرَّف على هويَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
لقد اعترف السيِّد الحميري بدور الإمام الصادق (عليه السلام) وفضله في إزاحة شبهة الكيسانيَّة عنه، وهو ما حكاه لنا الشيخ الصدوق (رحمه الله) بقوله: (فلم يزل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٧) طبقات شعراء المحدِثين (ص ٥٥/ الرقم ٣).
(٣٣٨) أخبار السيِّد الحميري (ص ١٦٥).
(٣٣٩) كمال الدِّين (ص ٣٣) من المقدَّمة.
(٣٤٠) الفصول المختارة (ص ٢٩٨)، الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٠٦).
(٣٤١) أمالي الطوسي (ص ٦٢٧ و٦٢٨/ ح ١٢٩٣/٦).
(٣٤٢) مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٢٢ و٢٣).
(٣٤٣) كشف الغمَّة (ج ٢/ ص ٤٠).
(٣٤٤) وصفه بهذا الوصف ابن داود الحلِّي في رجاله (ص ٥١/ الرقم ١٩٦)؛ وقال العلَّامة في خلاصة الأقوال (ص ٥٧ و٥٨/ الرقم ٢٢): (إسماعيل بن محمّد الحميري، ثقة، جليل القدر، عظيم الشأن والمنزلة، رحمه الله).
(٣٤٥) العقد الفريد (ج ٢/ ص ٢٤٧).

↑صفحة ١٧١↑

السيِّد ضالًّا في أمر الغيبة يعتقدها في محمّد بن الحنفيَّة حتَّى لقى الصادق جعفر ابن محمّد (عليهما السلام)، ورأى منه علامات الإمامة، وشاهد فيه دلالات الوصيَّة، فسأله عن الغيبة، فذكر له أنَّها حقٌّ، ولكنَّها تقع في الثاني عشر من الأئمَّة (عليهم السلام)، وأخبره بموت محمّد بن الحنفيَّة، وأنَّ أباه - يعني: الإمام الباقر (عليه السلام) - شاهد دفنه، فرجع السيِّد عن مقالته واستغفر من اعتقاده، ورجع إلى الحقِّ عند اتِّضاحه له، ودان بالإمامة).
ثمّ أخرج الصدوق (رحمه الله) - بعد كلامه هذا - بسنده عن السيِّد الحميري قوله: كُنْتُ أَقُولُ بِالغُلُوِّ، وَأَعْتَقِدُ غَيْبَةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ - اِبْنِ الحَنَفِيَّةِ -، قَدْ ضَلَلْتُ فِي ذَلِكَ زَمَاناً، فَمَنَّ اَللهُ عَلَيَّ بِالصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام)، وَأَنْقَذَنِي بِهِ مِنَ اَلنَّارِ، وَهَدَانِي إِلى سَوَاءِ اَلصِّرَاطِ، فَسَالتُهُ بَعْدَ مَا صَحَّ عِنْدِي بِالدَّلَائِلِ اَلَّتِي شَاهَدْتُهَا مِنْهُ أَنَّهُ حُجَّةُ اَلله عَلَيَّ وَعَلَى جَمِيعِ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَأَنَّهُ الإِمَامُ اَلَّذِي فَرَضَ اَللهُ طَاعَتَهُ، وَأَوْجَبَ اَلاِقْتِدَاءَ بِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا بْنَ رَسُولِ اَلله، قَدْ رُوِيَ لَنَا أَخْبَارٌ عَنْ آبَائِكَ (عليهم السلام) فِي الغَيْبَةِ وَصِحَّةِ كَوْنِهَا، فَأَخْبِرْنِي بِمَنْ تَقَعُ؟ فَقَالَ (عليه السلام): «إِنَّ الغَيْبَةَ سَتَقَعُ بِالسَّادِسِ مِنْ وُلْدِي، وَهُوَ اَلثَّانِي عَشَرَ مِنَ الأَئِمَّةِ الهُدَاةِ بَعْدَ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أَوَّلُهُمْ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَآخِرُهُمُ القَائِمُ بِالحَقِّ بَقِيَّةُ اَلله فِي الأَرْضِ وَصَاحِبُ اَلزَّمَانِ، وَاَلله لَوْ بَقِيَ فِي غَيْبَتِهِ مَا بَقِيَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ اَلدُّنْيَا حَتَّى يَظْهَرَ فَيَمْلَأَ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً».
قَالَ اَلسَّيِّدُ: فَلَمَّا سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ مَوْلَايَ اَلصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) تُبْتُ إِلَى اَلله تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَى يَدَيْهِ.
مع قصيدة السيِّد الحميري التي سجَّل فيها اعترافه بالحقِّ:
قال السيِّد (رحمه الله) بعد كلامه السابق مباشرةً وبلا فصل - وهو من تتمَّة رواية الشيخ الصدوق (رحمه الله) - ما لفظه: وَقُلْتُ قَصِيدَتِيَ اَلَّتِي أَوَّلُهَا:

↑صفحة ١٧٢↑

فَلَمَّا رَأَيْتُ اَلنَّاسَ فِي اَلدِّينِ قَدْ غَوَوْا * * * تَجَعْفَرْتُ بِاسْمِ اَلله فِيمَنْ تَجَعْفَرُوا

إلى أنْ قال: إِلَى آخِرِ القَصِيدَةِ، وَقُلْتُ بَعْدَ ذَلِكَ قَصِيدَةً أُخْرَى:

١ - أَيَا رَاكِباً نَحْوَ اَلمَدِينَةِ جَسْرَةً * * * عُذَافِرَةً يُطْوَى بِهَا كُلَّ سَبْسَبٍ
٢ - إِذَا مَا هَدَاكَ اَللهُ عَايَنْتَ جَعْفَراً * * * فَقُلْ لِوَلِيِّ اَلله وَاِبْنِ اَلمُهَذَّبِ
٣ - أَلاَ يَا أَمِينَ اَلله وَاِبْنَ أَمِينِهِ * * * أَتُوبُ إِلَى اَلرَّحْمَنِ ثُمَّ تَأَوُّبِي
٤ - إِلَيْكَ مِنَ الأَمْرِ اَلَّذِي كُنْتُ مُطْنِباً * * * أُحَارِبُ فِيهِ جَاهِداً كُلَّ مُعْرِبٍ
٥ - وَمَا كَانَ قَوْلِي فِي اِبْنِ خَوْلَةَ مُطْنَباً * * * مُعَانَدَةً مِنِّي لِنَسْلِ اَلمُطَيَّبِ
٦ - وَلَكِنْ رُوِينَا عَنْ وَصِيِّ مُحَمَّدٍ * * * وَمَا كَانَ فِيمَا قَالَ بِالمُتَكَذِّبِ
٧ - بِأَنَّ وَلِيَّ الأَمْرِ يُفْقَدُ لَا يُرَى * * * سَتِيراً كَفِعْلِ الخَائِفِ اَلمُتَرَقِّبِ
٨ - فَتُقْسَمُ أَمْوَالُ الفَقِيدِ كَأَنَّمَا * * * تَغَيَّبَهُ بَيْنَ اَلصَّفِيحِ اَلمُنَصَّبِ
٩ - فَيَمْكُثُ حِيناً ثُمَّ يَنْبَعُ نَبْعَةً * * * كَنَبْعَةِ جَدْيٍ مِنَ الأُفُقِ كَوْكَبٍ
١٠ - يَسِيرُ بِنَصْرِ اَلله مِنْ بَيْتِ رَبِّهِ * * * عَلَى سُؤْدَدٍ مِنْهُ وَأَمْرٍ مُسَبَّبٍ
١١ - يَسِيرُ إِلَى أَعْدَائِهِ بِلِوَائِهِ * * * فَيَقْتُلُهُمْ قَتْلاً كَحَرَّانَ مُغْضَبٍ
١٢ - فَلَمَّا رَوَى أَنَّ اِبْنَ خَوْلَةَ غَائِبٌ * * * صَرَفْنَا إِلَيْهِ قَوْلَنَا لَمْ نُكَذَّبِ
١٣ - وَقُلْنَا هُوَ اَلمَهْدِيُّ وَالقَائِمُ اَلَّذِي * * * يَعِيشُ بِهِ مِنْ عَدْلِهِ كُلُّ مُجْدِبٍ
١٤ - فَإِنْ قُلْتَ لَا فَالحَقُّ قَوْلُكَ وَاَلَّذِي * * * أُمِرْتَ فَحَتْمٌ غَيْرَ مَا مُتَعَصِّبٍ
١٥ - وَأُشْهِدُ رَبِّي أَنَّ قَوْلَكَ حُجَّةٌ * * * عَلَى اَلنَّاسِ طُرًّا مِنْ مُطِيعٍ وَمُذْنِبٍ
١٦ - بِأَنَّ وَلِيَّ الأَمْرِ وَالقَائِمَ اَلَّذِي * * * تَطَلَّعُ نَفْسِي نَحْوَهُ بِتَطَرُّبٍ

↑صفحة ١٧٣↑

١٧ - لَهُ غَيْبَةٌ لَابُدَّ مِنْ أَنْ يَغِيبَهَا * * * فَصَلَّى عَلَيْهِ اَللهُ مِنْ مُتَغَيَّبٍ
١٨ - فَيَمْكُثُ حِيناً ثُمَّ يَظْهَرُ حِينَهُ * * * فَيَمْلِكُ مَنْ فِي شَرْقِهَا وَاَلمُغَرَّب
١٩ - بِذَاكَ أَدِينُ اَللهَ سِرًّا وَجَهْرَةً * * * وَلَسْتُ وَإِنْ عُوتِبْتُ فِيهِ بِمُعْتِبٍ(٣٤٦)

الكشف عمَّا في قصيدة السيِّد الحميري من دلالات:
لا بأس بمتابعة قصيدته والكشف - باختصار - عمَّا في أبياتها من دلالة، كالآتي:
البيت الثاني والثالث فيهما تصريح باعتقاد السيِّد الحميري بأنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) هو وليُّ الله في زمانه، وأمين الله على وحيه، وابن أمينه.
الرابع والخامس فيهما تصريح بالتوبة من الاعتقاد القديم بمهدويَّة ابن الحنفيَّة.
السادس في بيان سبب اعتقاده القديم الفاسد، وهو تطبيق الروايات الواردة في المهدي (عجَّل الله فرجه) وغيبته عن الوصيِّ - ويعني به أمير المؤمنين (عليه السلام) - على غير موردها الحقيقي ومصداقها الواقعي.
السابع يدلُّ على أنَّ المرويَّ عن الوصيِّ (عليه السلام) بشأن المهدي هو غيبته (يُفْقَدُ لَا يُرَى) وأنَّ سببها الخوف (سَتِيراً كَفِعْلِ الخَائِفِ اَلمُتَرَقِّبِ)، وهذا هو المؤيَّد بروايات كثيرة عن الإمام الصادق (عليه السلام)، كما مرَّ مفصَّلاً في هذا البحث.
الثامن يشير إلى أنَّ المرويَّ عن الوصيِّ (عليه السلام) صريح بتقسيم أموال الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وهو حيٌّ (فَتُقْسَمُ أَمْوَالُ الفَقِيدِ)، أي الغائب الحيُّ الموجود، وهو ما حصل فعلاً لإمامنا المهدي (عجَّل الله فرجه) من أزلام السلطة العبَّاسيَّة وأذنابها في حديث طويل رواه الشيعة برمَّتهم وصحَّ لديهم من عدَّة طُرُق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤٦) كمال الدِّين (ص ٣٣ - ٣٥) من المقدَّمة.

↑صفحة ١٧٤↑

التاسع والعاشر والحادي عشر في خصوص كون المرويِّ عن الوصيِّ في المهدي (عجَّل الله فرجه)، هو أنَّه لابدَّ وأنْ يغيب حيناً من الدهر، ثمّ يكون ظهوره في مكَّة المكرَّمة، وأنَّ الله تعالى سيُمكِّنه من أعدائه جميعاً، وهذا هو ما نقوله ونعتقده طبقاً للمتواتر من الأخبار.
الثاني عشر إلى الخامس عشر في الكشف عن عقيدته السابقة بمهدويَّة ابن الحنفيَّة (رضي الله عنه)، وإعلان رجوعه عنها، واعتقاده الحقَّ بفضل الإمام الصادق (عليه السلام). ويتضمَّن الأخير اعتقاده بأنَّ إمامة الإمام الصادق (عليه السلام) من الله تعالى ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنَّه معصوم من الخطأ والزلل، وإلَّا فما معنى أنْ يُشهِد الله تعالى على أنَّ الصادق (عليه السلام) حجَّة الله على سائر الخلق؟ وكيف يختار الله تعالى حجَّته على عباده ولا يكون معصوماً؟
وما يقال بأنَّ الشعر عامَّةً ليس حجَّة، فهو كذلك، ولكن الأمر مختلف هاهنا، فالأبيات تُتلى على مسامع الإمام (عليه السلام)، ولو كان فيها أدنى زلل لنبَّه عليه الإمام الصادق (عليه السلام).
السادس عشر إلى التاسع عشر صريحة بلابدّيَّة غيبة وليِّ الأمر الإمام القائم المهدي (عجَّل الله فرجه)، وأنَّه لابدَّ من ظهوره (عجَّل الله فرجه) بعد انتهاء أمد غيبته، وحينئذٍ سيتحقَّق حلم الأنبياء (عليهم السلام) جميعاً بإقامة دولة الحقِّ العظمى في جميع الأرض على يده الشريفة. وفي الأخير إعلان بتمسُّك السيِّد الحميري بهذا الدِّين الحقِّ، وأنَّه لا يخشى فيه لومة لائم.
كما أنَّ أجواء القصيدة وأبياتها تكشف عن أنَّ أحاديث غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) الواصلة إلينا لم تكن قطُّ من صنع أيَّة حركة أو طائفة، ولا هي من صنع متكلِّمي الشيعة في القرنين الثالث والرابع الهجريَّين كما يفتري بذلك بعض المهرِّجين، وإنَّما هي - في حدود أجواء القصيدة فقط - من أخبار أهل

↑صفحة ١٧٥↑

البيت (عليهم السلام) منذ عهد أمير المؤمنين الإمام عليٍّ (عليه السلام) وصولاً إلى الإمام الصادق (عليه السلام)، فضلاً عمَّا في غيرها، وهو كثير.
كما تكشف أجواء القصيدة أيضاً عن دور الإمام الصادق (عليه السلام) في التصدِّي الحازم لمزاعم المهدويَّة كالكيسانيَّة، وبثِّه الوعي اللَّازم تجاه العقيدة المهدويَّة الصحيحة، مع استغلال كلِّ فرصة سانحة لغرس مبادئ الدِّين النقيَّة التي تقوم عليها نظريَّة الحكم في الإسلام كما يُفهَم من تقرير الإمام (عليه السلام) لمفردات تلك القصيدة الرائعة التي جاءت زاخرة بفكر الإمامة ومفعمة بعقيدة النصِّ والتعيين.
وأمَّا عن خلوِّ الأبيات الشعريَّة من التصريح بهويَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فلا يدلُّ على عدم تحديد الهويَّة للسيِّد الحميري من قِبَل الإمام الصادق (عليه السلام)، خصوصاً وقد مرَّ في كلامه المنثور ما هو صريح بهذا التحديد. وربَّما قد يكون التحديد مذكوراً في رائيَّته المتقدِّمة حيث اقتصر على بعض أبياتها، ولو وصلت إلينا كاملة فربَّما وجدنا بها أسماء أهل البيت (عليهم السلام) جميعاً.
والمهمُّ هو أنَّ رجوع مثل السيِّد الحميري عن عقيدة الكيسانيَّة واعتناق المذهب الإمامي الاثني عشري يُعبِّر عن دور الإمام الصادق (عليه السلام) في معالجة دعاوى المهدويَّة في زمانه، ممَّا كان له أكبر الأثر في هدم تلك الدعاوى الباطلة وتلاشيها واحدة بعد أُخرى.
خامساً: ملاحقة الإمام الصادق (عليه السلام) لحُجَج الكيسانيَّة ونسفها:
لم يتوقَّف الإمام الصادق (عليه السلام) في إبطال دعوى الكيسانيَّة على صعيد هذا اللقاء بالسيِّد الحميري، وإنَّما راح أبعد من ذلك بكثير يوم بيَّن لبعض رؤوس الكيسانيَّة زيف عقيدتهم، ولكنَّهم ركبوا رؤوسهم عناداً وصلفاً، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ (النساء: ٨٨).

↑صفحة ١٧٦↑

ومن أُولئك: حيَّان السرَّاج.
عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ الحَجَّاجِ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «أَتَانِي اِبْنُ عَمٍّ لِي يَسْأَلُنِي أَنْ آذَنَ لِحَيَّانَ اَلسَّرَّاجِ، فَأَذِنْتُ لَهُ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا عَبْدِ اَلله، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ شَيْءٍ أَنَا بِهِ عَالِمٌ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْهُ، أَخْبِرْنِي عَنْ عَمِّكَ مُحَمَّدِ ابْنِ عَلِيٍّ مَاتَ؟»، قَالَ: «قُلْتُ أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُ كَانَ فِي ضَيْعَةٍ لَهُ، فَأُتِي، فَقِيلَ لَهُ: أَدْرِكْ عَمَّكَ! قَالَ: فَأَتَيْتُهُ وَقَدْ كَانَتْ أَصَابَتْهُ غَشْيَةٌ، فَأَفَاقَ، فَقَالَ لِيَ: اِرْجِعْ إِلَى ضَيْعَتِكَ، قَالَ: فَأَبَيْتُ، فَقَالَ: لَتَرْجِعَنَّ، قَالَ: فَانْصَرَفْتُ، فَمَا بَلَغْتُ اَلضَّيْعَةَ حَتَّى أَتَوْنِي فَقَالُوا: أَدْرِكْهُ! فَأَتَيْتُهُ، فَوَجَدْتُهُ قَدِ اُعْتُقِلَ لِسَانُهُ، فَدَعَا بِطَسْتٍ، وَجَعَلَ يَكْتُبُ وَصِيَّتَهُ، فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى غَمَّضْتُهُ وَغَسَلْتُهُ وَكَفَّنْتُهُ وَصَلَّيْتُ عَلَيْهِ وَدَفَنْتُهُ، فَإِنْ كَانَ هَذَا مَوْتاً فَقَدْ وَاَلله مَاتَ»، قَالَ: «فَقَالَ لِي: رَحِمَكَ اَللهُ، شُبِّهَ عَلَى أَبِيكَ»، قَالَ: «قُلْتُ: يَا سُبْحَانَ اَلله، أَنْتَ تَصْدِفُ عَلَى قَلْبِكَ!»، قَالَ: «فَقَالَ لِي: وَمَا اَلصَّدْفُ عَلَى القَلْبِ؟»، قَالَ: «قُلْتُ: الكَذِبُ»(٣٤٧).
وَعَنْ بُرَيْدٍ العِجْلِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اَلله(عليه السلام)، فَقَالَ لِي: «لَوْ كُنْتَ سَبَقْتَ قَلِيلاً أَدْرَكْتَ حَيَّانَ اَلسَّرَّاجِ»، قَالَ: وَأَشَارَ إِلَى مَوْضِعٍ فِي البَيْتِ، فَقَالَ: «وَكَانَ هَاهُنَا جَالِساً، فَذَكَرَ مُحَمَّدَ بْنَ الحَنَفِيَّةَ، وَذَكَرَ حَيَاتَهُ، وَجَعَلَ يُطْرِيهِ وَيُقْرِظُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا حَيَّانُ، أَلَيْسَ تَزْعُمُ وَيَزْعُمُونَ وَتَرْوِي وَيَرْوُونَ لَمْ يَكُنْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ مِثْلُهُ؟ قَالَ: بَلَى»، قَالَ: «فَقُلْتُ: فَهَلْ رَأَيْنَا وَرَأَيْتُمْ أَوْ سَمِعْنَا وَسَمِعْتُمْ بِعَالِمٍ مَاتَ عَلَى أَعْيُنِ اَلنَّاسِ فَنَكَحَ نِسَاؤُهُ وَقُسِمَتْ أَمْوَالُهُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ؟ فَقَامَ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئاً»(٣٤٨).
وَعَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ مُسْكَانَ، قَالَ: دَخَلَ حَيَّانُ اَلسَّرَّاجُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤٧) اختيار معرفة الرجال (ج ٢/ ص ٦٠٢/ ح ٥٦٩).
(٣٤٨) اختيار معرفة الرجال (ج ٢/ ص ٦٠١ و٦٠٢/ ح ٥٦٨).

↑صفحة ١٧٧↑

فَقَالَ لَهُ: «يَا حَيَّانُ، مَا يَقُولُ أَصْحَابُكَ فِي مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الحَنَفِيَّةِ؟»، قَالَ: يَقُولُونَ: هُوَ حَيٌّ يُرْزَقُ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ عَادَهُ فِي مَرَضِهِ، وَفِيمَنْ أَغْمَضَهُ، وَفِيمَنْ أَدْخَلَهُ حُفْرَتَهُ، وَزُوِّجَ نِسَاؤُهُ، وَقُسِمَ مِيرَاثُهُ»، قَالَ: فَقَالَ حَيَّانُ: إِنَّمَا مَثَلُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ مَثَلُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، فَقَالَ: «وَيْحَكَ يَا حَيَّانُ شُبِّهَ عَلَى أَعْدَائِهِ؟»، فَقَالَ: بَلَى شُبِّهَ عَلَى أَعْدَائِهِ، قَالَ: «فَتَزْعُمُ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ عَدُوُّ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ؟! لَا وَلَكِنَّكَ تَصْدِفُ يَا حَيَّانُ...»(٣٤٩).
وبهذا ونظائره استطاع الإمام الصادق (عليه السلام) أنْ يُبيِّن للناس جميعاً تهافت مقولة الكيسانيَّة وكذبها، ممَّا أدَّى بالنتيجة إلى تبخُّر تلك المزاعم وإزالتها من صفحة الوجود بعد انقراض المتعصِّبين لها، وبصورة لم تترك معها أدنى تأثير - ولو طفيف - على خطِّ الإمامة العريض الواضح، كما لم تُؤثِّر شيئاً على علم القواعد الشيعيَّة بمن سيغيب من أئمَّة الهدى (عليهم السلام).

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤٩) اختيار معرفة الرجال (ج ٢/ ص ٦٠٣ و٦٠٤/ ح ٥٧٠).

↑صفحة ١٧٨↑

الفصل الثاني: شبهة مهدويَّة عمر بن عبد العزيز الأموي المرواني

أوَّلاً: الآثار الموضوعة في مهدويَّته:
وضع المغرمون بعمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحَكَم بن أبي العاص الأُموي المرواني (ت ١٠١هـ) ما شاء لهم أنْ يضعوا من الأقوال على لسان عمر وابنه عبد الله، وهي وإنْ كانت كلُّها آثاراً موقوفة لا حجَّة بها، ولكن لا بأس بذكرها لتستشعر من خلالها ذلك الكذب المفضوح.
١ - أخرج البيهقي عن عبد الله بن دينار، عن عمر، قال: (يا عجباً! يزعم الناس أنَّ الدنيا لن تنقضي حتَّى يلي رجل من آل عمر يعمل بمثل عمل عمر)، قال: فكانوا يرونه بلال بن عبد الله بن عمر، قال: وكان بوجهه أثر، قال: فلم يكن هو، وإذا هو عمر بن عبد العزيز، وأُمُّه ابنة عاصم بن عمر بن الخطَّاب(٣٥٠).
وفي هذا الأثر اللَّاحجَّة، محمّد بن عليٍّ المقري الضعيف عندهم بلا خلاف، زيادةً على عدم دلالته على المهدويَّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥٠) دلائل النبوَّة (ج ٦/ ص ٤٩٢/ باب ما جاء في إخباره (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالشرِّ الذي يكون بعد الخير الذي جاء به)؛ ورواه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (ج ٤٥/ ص ١٥٥/ الرقم ٥٢٤٢)، وابن كثير في البداية والنهاية (ج ٩/ ص ٢٢١)، والمقريزي في إمتاع الأسماع (ج ١٢/ ص ٢٨٣)، والسيوطي في الخصائص الكبرى (ج ٢/ ص ١١٧)، والصالحي الشامي في سُبُل الهدى والرشاد (ج ١٠/ ص ١١٥ و١١٦).

↑صفحة ١٧٩↑

ولعلَّ أطرف ما في هذا الأثر وروده في (باب ما جاء في إخباره (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالشرِّ الذي يكون بعد الخير الذي جاء به) من كتاب (دلائل النبوَّة) للبيهقي!
٢ - وأخرج ابن حمَّاد بسنده عن نافع، عن عمر: (يكون رجل من ولدي بوجهه شين يلي، فيملأها عدلاً)، قال نافع: لا أحسبنَّه إلَّا عمر بن عبد العزيز(٣٥١).
وهذا الأثر كسابقه، وفيه عثمان بن عبد الحميد بن لاحق مجهول، ونافع مولى ابن عمر كذَّاب مشهور. وكان يقول له مولاه: (لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عبَّاس)(٣٥٢).
٣ - وأخرج ابن سعد في (طبقاته) عن نافع أيضاً، عن ابن عمر، قال: كنت أسمع ابن عمر كثيراً يقول: (ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر في وجهه علامة، يملأ الأرض عدلاً)(٣٥٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥١) الفتن لنعيم بن حمَّاد (٦٧)؛ ورواه البيهقي في دلائل النبوَّة (ج ٦/ ص ٤٩٢)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (ج ٤٥/ ص ١٥٥/ الرقم ٥٢٤٢)، والذهبي في سِيَر أعلام النبلاء (ج ٥/ ص ١٢٢/ الرقم ٤٨)، وفي تاريخ الإسلام (ج ٧/ ص ١٩١/ الرقم ١٩٦)، والصفدي في الوافي بالوفيات (ج ٢٢/ ص ٣١٣)، وابن كثير في البداية والنهاية (ج ٦/ ص ٢٦٨)، والمقريزي في إمتاع الأسماع (ج ١٢/ ص ٢٨٢)، وابن تغري في مورد اللطافة (ج ١/ ص ٩٠)، والسيوطي في الخصائص الكبرى (ج ٢/ ص ١١٧)، والصالحي الشامي في سُبُل الهدى والرشاد (ج ١٠/ ص ١١٥)، والرياربكري في تاريخ الخميس (ج ٢/ ص ٣١٦).
(٣٥٢) العلل لأحمد بن حنبل (ج ٢/ ص ٧٠ و٧١/ ح ١٥٨٢)، تفسير الماتريدي (ج ١/ ص ٢٤٦)، المؤتلف والمختلف (ج ١/ ص ١٨٦)، الاستذكار لابن عبد البرِّ (ج ٣/ ص ٢٧٦)، التعديل والتجريح للباجي (ج ٣/ ص ١١٥٠)، تاريخ مدينة دمشق (ج ٤١/ ص ١٠٧ و١٠٨)، معجم الأُدباء (ج ١٢/ ص ١٨٩)، تهذيب الكمال (ج ٢٠/ ص ٢٧٩ و٢٨٠)، سِيَر أعلام النبلاء (ج ٥/ ص ٢٢ و٢٣)، الجوهر النقي (ج ٨/ ص ٢٣٤)، الوافي بالوفيات (ج ٢٠/ ص ٣٩ و٤٠/ الرقم ٤٩)، تهذيب التهذيب (ج ٧/ ص ٢٣٧/ الرقم ٤٧٦).
(٣٥٣) طبقات ابن سعد (ج ٥/ ص ٣٣١)، الزهد لأحمد بن حنبل (ص ٢٣٥/ ح ١٦٧٧)، غريب الحديث للحربي (ج ١/ ص ٣١)، تاريخ الطبري (ج ٥/ ص ٣١٩)، حلية الأولياء (ج ٥/ ص ٢٥٤/ الرقم ٣٣١)، ودلائل النبوَّة (ج ٦/ ص ٤٩٢)، تاريخ مدينة دمشق (ج ٤٥/ ص ١٥٥)، الكامل في التاريخ (ج ٥/ ص ٥٩)، وفيات الأعيان (ج ٦/ ص ٣٠٢)، نهاية الأرب (ج ٢١/ ص ٣٦٦)، تاريخ الإسلام (ج ٧/ ص ١٩١)، إلى غير ذلك.

↑صفحة ١٨٠↑

وهذا الأثر كسابقه، وفيه نافع الكذَّاب أيضاً.
ثانياً: كذبهم على الإمام الباقر (عليه السلام) في دعم تلك المهدويَّة:
لأجل تمرير مهدويَّة عمر بن عبد العزيز وإضفاء طابع القداسة عليه حاول أنصاره تشويش هذه العقيدة في نفوس المسلمين وتقريبهم نحو الخطِّ الأُموي المقيت، ولو بالكذب الفاضح على أهل البيت (عليهم السلام) في نصرة الأُمويِّين ومهدويَّة عمرهم.
ومن هنا وضعوا على لسان الإمام الباقر (عليه السلام) ما أخرجه ابن سعد في (الطبقات الكبرى)، عن مسلمة أبي سعيد في حديث رواح، عن العرزمي، قال: سمعت محمّد بن عليٍّ يقول: «النبيُّ منَّا، والمهدي من بني عبد شمس، ولا نعلمه إلَّا عمر بن عبد العزيز»، قال: وهذا في خلافة عمر بن عبد العزيز(٣٥٤)!
ومثله ما أخرجه ابن عساكر في (تاريخه)، وأبو عمرو الداني، عن مولى لهند بنت أسماء، قال لمحمّد بن عليٍّ: إنَّ الناس يزعمون أنَّ فيكم مهديًّا، فقال: «إنَّ ذاك كذاك، ولكنَّه من بني عبد شمس»، قال: كأنَّه عنى عمر بن عبد العزيز(٣٥٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥٤) طبقات ابن سعد (ج ٥/ص ٣٣٣)، تاريخ مدينة دمشق (ج ٤٥/ص ١٨٧/الرقم ٥٢٤٢).
(٣٥٥) تاريخ مدينة دمشق (ج ٤٥/ ص ١٨٧ و١٨٨/ الرقم ٥٢٤٢)، والسُّنَن الواردة في الفتن (ج ٥/ ص ١٠٧٣/ ح ٥٨٧/ باب من قال: إنَّ المهدي عمر بن عبد العزيز)، وقد جعل هذا الحديث المكذوب في أوَّل الباب.
ورواه أيضاً ابن سعد في طبقاته (ج ٥/ ص ٣٣٣).

↑صفحة ١٨١↑

ثالثاً: ردُّ أُكذوبتهم على الإمام الباقر (عليه السلام):
إنَّ ما ذكره ابن سعد وابن عساكر من أوضح الكذب وأسخفه، وما أحاديث الإمام الصادق في كتابنا هذا إلَّا هي أحاديث أبيه الباقر (عليهما السلام)، نظراً لما قاله الإمام الصادق (عليه السلام) لابن درَّاج: «مَا سَمِعْتَ مِنِّي فَارْوِه عَنْ أَبِي».
وقوله لجملة من أصحابه: «حَدِيثِي حَدِيثُ أَبِي...».
وقوله لأبي بصير حين قال له: الحَدِيثُ أَسْمَعُه مِنْكَ أَرْوِيه عَنْ أَبِيكَ أَوْ أَسْمَعُه مِنْ أَبِيكَ أَرْوِيه عَنْكَ؟ قَالَ: «سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّكَ تَرْوِيه عَنْ أَبِي أَحَبُّ إِلَيَّ»(٣٥٦).
على أنَّ مذهب الإمام الباقر (عليه السلام) في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) كنار على علم، وإليك صورة واضحة عمَّا نطقت به أحاديثه الشريفة في المهدي (عجَّل الله فرجه)، من قبيل:
أنَّ الله تعالى أخذ الميثاق للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من الأنبياء (عليهم السلام) كلِّهم(٣٥٧).
وفيه (عجَّل الله فرجه) شَبَه من بعضهم كغيبة موسى عن قومه، وطول عمر نوح، ومحنة يوسف (عليهم السلام)(٣٥٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥٦) راجع هذه الأقوال في: الكافي (ج ١/ص ٥١ - ٥٣/باب رواية الكُتُب والحديث.../ح ٤ و١٤).
(٣٥٧) روى الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ٩٣/ ج ٢/ باب ٨/ ح ٤) بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ اَللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَخَذَ مِيثَاقَ اَلنَّبِيِّينَ عَلَى وَلَايَةِ عَلِيٍّ، وَأَخَذَ عَهْدَ اَلنَّبِيِّينَ بِوَلَايَةِ عَلِيٍّ (عليه السلام)».
(٣٥٨) روى ابن بابويه في الإمامة والتبصرة (ص ٩٣ و٩٤/ ح ٨٤) بسنده عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «فِي صَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ أَرْبَعَةُ سُنَنٍ مِنْ أَرْبَعَةِ أَنْبِيَاءَ: سُنَّةٌ مِنْ مُوسَى، وَسُنَّةٌ مِنْ عِيسَى، وَسُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ، وَسُنَّةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَأَمَّا مِنْ مُوسَى فَخَائِفٌ يَتَرَقَّبُ، وَأَمَّا مِنْ يُوسُفَ فَالسِّجْنُ، وَأَمَّا مِنْ عِيسَى فَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ، وَلَمْ يَمُتْ، وَأَمَّا مِنْ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَالسَّيْفُ»؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ١٥٢ و١٥٣/ باب ٦/ ح ١٦، وص ٣٢٦ و٣٢٧/ باب ٣٢/ ح ٦).
وراجع: الغيبة للنعماني (ص ١٦٦ - ١٦٨/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ٣ و٥، وص ٢٣٣/ باب ١٣/ ح ٨)، وإثبات الوصيَّة (ص ٢٦٧)، وكمال الدِّين (ص ٣٢٩/ باب ٣٢/ ح ١٢، وص ٥٢٤/ باب ٤٦/ ح ٥)، والغيبة للطوسي (ص ٦٠ و٤٢٤/ ح ٥٧ و٤٠٨).

↑صفحة ١٨٢↑

وقد أغبطه موسى (عليه السلام) لـمَّا رآه مكتوباً في أسفاره(٣٥٩).
ليس من بني أُميَّة، ولا من آل مروان الملعونين قاطبةً(٣٦٠)، وإنَّما من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٣٦١).
اسمه اسم نبيٍّ(٣٦٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥٩) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٤٦ و٢٤٧/ باب ١٣/ ح ٣٤) بسنده عَنْ سَالِمٍ اَلْأَشَلِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ اَلْبَاقِرَ (عليه السلام) يَقُولُ: «نَظَرَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي اَلسِّفْرِ اَلْأَوَّلِ إِلَى مَا يُعْطَى قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ مِنَ اَلتَّمْكِينِ وَاَلْفَضْلِ، فَقَالَ مُوسَى: رَبِّ اِجْعَلْنِي قَائِمَ آلِ مُحَمَّدٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ ذَاكَ مِنْ ذُرِّيَّةِ أَحْمَدَ، ثُمَّ نَظَرَ فِي اَلسِّفْرِ اَلثَّانِي فَوَجَدَ فِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ مِثْلَهُ، فَقِيلَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ نَظَرَ فِي اَلسِّفْرِ اَلثَّالِثِ، فَرَأَى مِثْلَهُ، فَقَالَ مِثْلَهُ، فَقِيلَ لَهُ مِثْلُهُ».
ورواه المقدسي الشافي في عقد الدُّرَر (ص ٢٦ و١٦٠).
(٣٦٠) روى ابن قولويه (رحمه الله) في كامل الزيارات (ص ٣٢٥ - ٣٣٣/ ح ٥٥٦/٩) بسنده عَنْ مَالِكٍ اَلْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ اَلْبَاقِرِ (عليه السلام)، قَالَ: «مَنْ زَارَ اَلْحُسَيْنَ (عليه السلام) يَوْمَ عَاشُورَاءَ...»، إلى أنْ قال: «اَللَّهُمَّ اِلْعَنْ يَزِيدَ وَأَبَاهُ، وَاِلْعَنْ عُبَيْدَ اَلله بْنَ زِيَادٍ، وَآلَ مَرْوَانَ، وَبَنِي أُمَيَّةَ قَاطِبَةً إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ...».
(٣٦١) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٣٩ و٢٤٠/ باب ١٣/ ح ٢٢) بسنده عَنْ أَبِي حَمْزَةَ اَلثُّمَالِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ (عليه السلام) يَقُولُ: «لَوْ قَدْ خَرَجَ قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لَنَصَرَهُ اَللهُ بِالمَلَائِكَةِ اَلمُسَوِّمِينَ وَاَلمُرْدِفِينَ وَاَلمُنْزَلِينَ وَاَلْكَرُوبِيِّينَ، يَكُونُ جَبْرَئِيلُ أَمَامَهُ، وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَمِينِهِ، وَإِسْرَافِيلُ عَنْ يَسَارِهِ، وَاَلرُّعْبُ يَسِيرُ مَسِيرَةَ شَهْرٍ أَمَامَهُ وَخَلْفَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَاَلمَلَائِكَةُ اَلمُقَرَّبُونَ حِذَاهُ...».
وراجع: تفسير العيَّاشي (ج ٢/ ص ٥٦ - ٦١/ ح ٤٩)، والكافي (ج ١/ ص ٥٣٦/ باب أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) كلَّهم قائمون بأمر الله تعالى هادون إليه/ ح ١، وج ٨/ ص ٨٠ و٨١/ ح ٣٧)، والهداية الكبرى (ص ٢٤٢ و٢٤٣)، وإثبات الوصيَّة (ص ١٧٨ و٢٦٧)، والغيبة للنعماني (ص ٢٤٦ و٢٤٧/ باب ١٣/ ح ٣٤)، وكمال الدِّين (ص ٦٤٤/ باب ٥٥/ ح ٢)، والإرشاد (ج ٢/ ص ٣٨٦)، والغيبة للطوسي (ص ٤٦/ ح ٢٩).
(٣٦٢) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٨٤/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٢٤) بسنده عَنْ أَبِي اَلْجَارُودِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) أَنَّهُ قَالَ: «صَاحِبُ هَذَا اَلْأَمْرِ هُوَ اَلطَّرِيدُ اَلشَّرِيدُ، اَلمَوْتُورُ بِأَبِيهِ، اَلمُكَنَّى بِعَمِّهِ، اَلمُفْرَدُ مِنْ أَهْلِهِ، اِسْمُهُ اِسْمُ نَبِيٍّ».
ورواه الطبري الشيعي (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٤٨٦/ ح ٤٨٤/٨٨).

↑صفحة ١٨٣↑

بل سميِّي(٣٦٣)، من أهل البيت (عليهم السلام)(٣٦٤).
وإنَّه لمهديُّنا(٣٦٥)، وقائمنا(٣٦٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦٣) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٣٦ و٢٣٧/ باب ١٣/ ح ١٤) بسنده عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: صَالِحٌ مِنَ اَلصَّالِحِينَ سَمِّهِ لِي - أُرِيدُ اَلْقَائِمَ (عليه السلام) -، فَقَالَ: «اِسْمُهُ اِسْمِي...».
(٣٦٤) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ٨/ ص ٣٩٦/ ح ٥٩٧) بسنده عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): «... إِنَّ الدُّنْيَا لَا تَذْهَبُ حَتَّى يَبْعَثَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) رَجُلاً مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ يَعْمَلُ بِكِتَابِ الله، لَا يَرَى فِيكُمْ مُنْكَراً إِلَّا أَنْكَرَه».
وراجع: الأُصول الستَّة عشر (ص ٢١٨/ ح ٢٢٠/١٦)، وقرب الإسناد (ص ٣٥٠/ ح ١٢٦٠)، وتفسير القمِّي (ج ٢/ ص ٤٢٥)، والغيبة للنعماني (ص ٢٠٦/ باب ١١/ ح ١٤، وص ٢٤٥/ باب ١٣/ ح ٣٠).
(٣٦٥) روى الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ٤٤/ ج ١/ باب ١١/ ح ١٧) بسنده عَنْ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «حَدِيثُنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، أَوْ مُؤْمِنٌ مُمْتَحَنٌ، أَوْ مَدِينَةٌ حَصِينَةٌ، فَإِذَا وَقَعَ أَمْرُنَا وَجَاءَ مَهْدِيُّنَا كَانَ اَلرَّجُلُ مِنْ شِيعَتِنَا أَجْرَى مِنْ لَيْثٍ، وَأَمْضَى مِنْ سِنَانٍ، يَطَأُ عَدُوَّنَا بِرِجْلَيْهِ، وَيَضْرِبُهُ بِكَفَّيْهِ، وَذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ رَحْمَةِ اَلله وَفَرَجِهِ عَلَى اَلْعِبَادِ».
وراجع: كمال الدِّين (ص ٦٥٣/ باب ٥٧/ ح ١٨)، وسُنَن الدارقطني (ج ٢/ ص ٥١/ ح ١٧٧٧)، عنه التذكرة في أحوال الموتى وأُمور الآخرة (ج ٢/ ص ٣٣٣).
(٣٦٦) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٢٥/ كتاب العقل والجهل/ ح ٢١) بسنده عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ مَوْلًى لِبَنِي شَيْبَانَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «إِذَا قَامَ قَائِمُنَا وَضَعَ الله يَدَه عَلَى رُؤُوسِ الْعِبَادِ، فَجَمَعَ بِهَا عُقُولَهُمْ، وَكَمَلَتْ بِه أَحْلَامُهُمْ»؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٦٧٥/ باب ٥٨/ ح ٣٠).
وراجع: الكافي (ج ١/ ص ٤٦٠/ باب مولد الزهراء (عليها السلام)/ ح ٧)، والغيبة للنعماني (ص ٨٨ و٨٩/ باب ٤/ ح ١٧، وص ٢٩٣ و٢٩٤/ باب ١٥/ ح ١، وص ٣٣٦/ باب ٢٢/ ح ١)، وكمال الدِّين (ص ٣٣٠ و٣٣١/ باب ٣٢/ ح ١٦)، وعلل الشرائع (ج ١/ ص ١٦١/ باب ١٢٩/ ح ٣)، ودلائل الإمامة (ص ٤٦٦ و٤٦٧/ ح ٤٥٢/٥٦)، والغيبة للطوسي (ص ٤٧١ و٤٧٢/ ح ٤٩٠).

↑صفحة ١٨٤↑

 ومعنى المهدي(٣٦٧)، والقائم(٣٦٨).
من ولد أُمِّي الزهراء البتول (عليها السلام)(٣٦٩)، ومن صلب جدِّي الحسين (عليه السلام)(٣٧٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦٧) روى الطبري الشيعي (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٤٦٦/ ح ٤٥١/٥٥) بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ اَلسُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّمَا سُمِّيَ اَلمَهْدِيُّ مَهْدِيًّا لِأَنَّهُ يَهْدِي لِأَمْرٍ خَفِيٍّ...».
وراجع: الغيبة للنعماني (ص ٢٤٢ و٢٤٣/ باب ١٣/ ح ٢٦).

(٣٦٨) روى الصدوق (رحمه الله) في علل الشرائع (ج ١/ ص ١٦٠/ باب ١٢٩/ ح ١) بسنده عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ثَابِتِ بْنِ دِينَارٍ اَلثُّمَالِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ اَلْبَاقِرِ (عليه السلام): ... يَا بْنَ رَسُولِ اَلله، فَلَسْتُمْ كُلُّكُمْ قَائِمِينَ بِالْحَقِّ؟ قَالَ: «بَلَى»، قُلْتُ: فَلِمَ سُمِّيَ اَلْقَائِمُ قَائِماً؟ قَالَ: «لَـمَّا قُتِلَ جَدِّيَ اَلْحُسَيْنُ (عليه السلام) ضَجَّتْ عَلَيْهِ اَلمَلاَئِكَةُ إِلَى اَلله تَعَالَى بِالْبُكَاءِ وَاَلنَّحِيبِ، وَقَالُوا: إِلَهَنَا وَسَيِّدَنَا، أَتَغْفَلُ عَمَّنْ قَتَلَ صَفْوَتَكَ وَاِبْنَ صَفْوَتِكَ وَخِيَرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ؟ فَأَوْحَى اَللهُ (عزَّ وجلَّ) إِلَيْهِمْ: قَرُّوا مَلَائِكَتِي، فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْتَقِمَنَّ مِنْهُمْ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ، ثُمَّ كَشَفَ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) عَنِ اَلْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِ اَلْحُسَيْنِ (عليه السلام) لِلْمَلَائِكَةِ، فَسُرَّتِ اَلمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ، فَإِذَا أَحَدُهُمْ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَقَالَ اَللهُ (عزَّ وجلَّ): بِذَلِكَ اَلْقَائِمُ أَنْتَقِمُ مِنْهُمْ»؛ ورواه الطبري الشيعي (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٤٥١ و٤٥٢/ ح ٤٢٧/٣١).
(٣٦٩) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ٨/ ص ٢٠٩ و٢١٠/ ح ٢٥٥) بسنده عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي الدَّوَانِيقِ، فَسَمِعْتُه يَقُولُ ابْتِدَاءً مِنْ نَفْسِه: يَا سَيْفَ بْنَ عَمِيرَةَ، لَابُدَّ مِنْ مُنَادٍ يُنَادِي بِاسْمِ رَجُلٍ مِنْ وُلْدِ أَبِي طَالِبٍ...، إلى أنْ قال: فَقَالَ لِي: يَا سَيْفُ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يُجِيبُه، أَمَا إِنَّه أَحَدُ بَنِي عَمِّنَا، قُلْتُ: أَيُّ بَنِي عَمِّكُمْ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ (عليها السلام)، ثُمَّ قَالَ: يَا سَيْفُ، لَوْ لَا أَنِّي سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُه ثُمَّ حَدَّثَنِي بِه أَهْلُ الأَرْضِ مَا قَبِلْتُه مِنْهُمْ، وَلَكِنَّه مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام).
ورواه المفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٧٠ و٣٧١)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٤٣٣ و٤٣٤/ ح ٤٢٣)، والمقدسي الشافعي في عقد الدُّرَر (ص ١١٠ و١١١/ باب ٤/ فصل ٣).
وراجع: الغيبة للطوسي (ص ١٨٧/ ح ١٤٧).
(٣٧٠) جاء في الأُصول الستَّة عشر (ص ٢٤٨/ ح ٣١٦/١١٢) عَنْ جَابِرٍ اَلْجُعْفِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ اِبْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام): «يَا جَابِرُ، إِنَّ لِبَنِي اَلْعَبَّاسِ رَايَةً وَلِغَيْرِهِمْ رَايَاتٍ، فَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ - ثَلَاثاً - حَتَّى تَرَى رَجُلاً مِنْ وُلْدِ اَلْحُسَيْنِ يُبَايَعُ لَهُ بَيْنَ اَلرُّكْنِ وَاَلمَقَامِ...».
وراجع: تفسير العيَّاشي (ج ١/ ص ٦٤ - ٦٦/ ح ١١٧)، والغيبة للنعماني (ص ٢٨٨ - ٢٩١/ باب ١٤/ ح ٦٧).

↑صفحة ١٨٥↑

أصغرنا سنًّا، وأخملنا شخصاً(٣٧١).
وابن أَمَة(٣٧٢)، تخفى على الناس ولادته(٣٧٣)، وتُمتحَن بذلك شيعته(٣٧٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧١) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٩٠/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٣٥) بسنده عَنْ يَحْيَى بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ اَلْبَاقِرِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «صَاحِبُ هَذَا اَلْأَمْرِ أَصْغَرُنَا سِنًّا، وَأَخْمَلُنَا شَخْصاً...»؛ ورواه الطبري الشيعي (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٤٨١/ ح ٤٧٤/٧٨).
وراجع: الغيبة للنعماني (ص ٣٣٩/ باب ٢٣/ ح ١).
(٣٧٢) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٣٣ و٢٣٤/ باب ١٣/ ح ٩) بسنده عَنْ عَبْدِ اَلرَّحِيمِ اَلْقَصِيرِ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): قَوْلُ أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): «بِأَبِي اِبْنُ خِيَرَةِ اَلْإِمَاءِ»، أَهِيَ فَاطِمَةُ (عليها السلام)؟ فَقَالَ: «إِنَّ فَاطِمَةَ (عليها السلام) خِيَرَةُ اَلْحَرَائِرِ، ذَاكَ اَلمُبْدَحُ بَطْنُهُ، اَلمُشْرَبُ حُمْرَةً، رَحِمَ اَللهُ فُلَاناً».
وراجع: الغيبة للنعماني (ص ١٦٦/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ٣، وص ٢٣٣/ باب ١٣/ ح ٨)، وكمال الدِّين (ص ٣٢٩/ باب ٣٢/ ح ١٢)، والإرشاد (ج ٢/ ص ٣٨٢)، والغيبة للطوسي (ص ٤٧٠/ ح ٤٨٧).
(٣٧٣) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٤٢/ باب في الغيبة/ ح ٢٦) بسنده عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: قُلْتُ لَه: إِنَّ شِيعَتَكَ بِالْعِرَاقِ كَثِيرَةٌ، وَالله مَا فِي أَهْلِ بَيْتِكَ مِثْلُكَ، فَكَيْفَ لَا تَخْرُجُ؟ قَالَ: فَقَالَ: «يَا عَبْدَ الله بْنَ عَطَاءٍ، قَدْ أَخَذْتَ تَفْرُشُ أُذُنَيْكَ لِلنَّوْكَى، إِي وَالله مَا أَنَا بِصَاحِبِكُمْ»، قَالَ: قُلْتُ لَه: فَمَنْ صَاحِبُنَا؟ قَالَ: «اُنْظُرُوا مَنْ عَمِيَ عَلَى النَّاسِ وِلَادَتُه فَذَاكَ صَاحِبُكُمْ، إِنَّه لَيْسَ مِنَّا أَحَدٌ يُشَارُ إِلَيْه بِالإِصْبَعِ، وَيُمْضَغُ بِالأَلْسُنِ إِلَّا مَاتَ غَيْظاً أَوْ رَغِمَ أَنْفُه»؛ ورواه بتفاوت يسير النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٧١ و١٧٢/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ٧)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٢٥/ باب ٣٢/ ح ٢).
وراجع: إثبات الوصيَّة (ص ٢٦٢)، والغيبة للنعماني (ص ١٧٣/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ١٠).
(٣٧٤) روى الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ٤٣/ ج ١/ باب ١١/ ح ١٤) بسنده عَنْ سُلَيْمَانَ اِبْنِ صَالِحٍ رَفَعَه إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ حَدِيثَنَا هَذَا تَشْمَئِزُّ مِنْه قُلُوبُ الرِّجَالِ، فَمَنْ أَقَرَّ بِه فَزِيدُوه، وَمَنْ أَنْكَرَه فَذَرُوه، إِنَّه لَابُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِتْنَةٌ يَسْقُطُ فِيهَا كُلُّ بِطَانَةٍ وَوَلِيجَةٍ حَتَّى يَسْقُطَ فِيهَا مَنْ كَانَ يَشُقُّ الشَّعْرَ بِشَعْرَتَيْنِ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا نَحْنُ وَشِيعَتُنَا»؛ ورواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٧٠/ باب التمحيص والامتحان/ ح ٥).
وراجع: الغيبة للنعماني (ص ٢١٣ و٢١٤/ باب ١٢/ ح ٨ و١٦)، والغيبة للطوسي (ص ٣٣٩ و٣٤٠/ ح ٢٨٨).

↑صفحة ١٨٦↑

ومن الناس مَنْ يُنكِر ولادته(٣٧٥)، ومنهم من يقول: مات، أو هلك، في أيِّ وادٍ سلك(٣٧٦)؟
وإنَّه لمن أهل بيتي(٣٧٧)، وهو السابع من ولدي(٣٧٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٥) روى الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٢٧ و٣٢٨/ باب ٣٢/ ح ٧) بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ اَلثَّقَفِيِّ اَلطَّحَّانِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ اَلْبَاقِرِ (عليه السلام) وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنِ اَلْقَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَقَالَ لِي مُبْتَدِئاً: «يَا مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ، إِنَّ فِي اَلْقَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) شَبَهاً مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ اَلرُّسُلِ: يُونُسَ بْنِ مَتَّى، وَيُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَمُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَأَمَّا شَبَهُهُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَرُجُوعُهُ مِنْ غَيْبَتِهِ وَهُوَ شَابٌّ بَعْدَ كِبَرِ اَلسِّنِّ، وَأَمَّا شَبَهُهُ مِنْ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ (عليهما السلام) فَالْغَيْبَةُ مِنْ خَاصَّتِهِ وَعَامَّتِهِ، وَاِخْتِفَاؤُهُ مِنْ إِخْوَتِهِ، وَإِشْكَالُ أَمْرِهِ عَلَى أَبِيهِ يَعْقُوبَ (عليه السلام) مَعَ قُرْبِ اَلمَسَافَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ وَأَهْلِهِ وَشِيعَتِهِ، وَأَمَّا شَبَهُهُ مِنْ مُوسَى (عليه السلام) فَدَوَامُ خَوْفِهِ، وَطُولُ غَيْبَتِهِ، وَخَفَاءُ وِلَادَتِهِ، وَتَعَبُ شِيعَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِمَّا لَقُوا مِنَ اَلْأَذَى وَاَلْهَوَانِ إِلَى أَنْ أَذِنَ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) فِي ظُهُورِهِ وَنَصَرَهُ وَأَيَّدَهُ عَلَى عَدُوِّهِ...».
(٣٧٦) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٥٦/ باب ١٠/ فصل ١/ ح ١٢) بسنده عَنْ أَبِي اَلْجَارُودِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ لِي: «يَا أَبَا اَلْجَارُودِ، إِذَا دَارَ اَلْفَلَكُ، وَقَالُوا: مَاتَ أَوْ هَلَكَ، وَبِأَيِّ وَادٍ سَلَكَ؟ وَقَالَ اَلطَّالِبُ لَهُ: أَنَّى يَكُونُ ذَلِكَ وَقَدْ بَلِيَتْ عِظَامُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ فَارْتَجُوهُ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فَأْتُوهُ وَلَوْ حَبْواً عَلَى اَلثَّلْجِ»؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٢٦/ باب ٣٢/ ح ٥).
(٣٧٧) روى العيَّاشي (رحمه الله) في تفسيره (ج ١/ ص ١٠٣/ ح ٣٠٢) عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ: «يَا أَبَا حَمْزَةَ كَأَنِّي بِقَائِمِ أَهْلِ بَيْتِي قَدْ عَلَا نَجَفَكُمْ، فَإِذَا عَلَا فَوْقَ نَجَفِكُمْ نَشَرَ رَايَةَ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَإِذَا نَشَرَهَا اِنْحَطَّتْ عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ بَدْرٍ»؛ ورواه النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٢١/ باب ١٩/ ح ٣).
(٣٧٨) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٩٧/ باب ٤/ ح ٢٨) بسنده عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بَصِيرٍ وَمَعَنَا مَوْلًى لِأَبِي جَعْفَرٍ اَلْبَاقِرِ (عليه السلام)، فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «مِنَّا اِثْنَا عَشَرَ مُحَدَّثاً، اَلسَّابِعُ مِنْ وَلَدِيَ اَلْقَائِمُ»، فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو بَصِيرٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُهُ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
وراجع: كفاية الأثر (ص ٢٥٠ - ٢٥٣).

↑صفحة ١٨٧↑

نحن الأئمَّة الأوصياء(٣٧٩)، كعدَّة نقباء بني إسرائيل، اثني عشر أوصياء، تسعة من ولد الحسين (عليه السلام)، تاسعهم قائمهم(٣٨٠)، مع تفصيل أسمائهم (عليهم السلام)(٣٨١)، ولعن أوَّل من ظلم حقَّهم وآخر تابع له على ذلك(٣٨٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٩) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥٣٢/ باب فيما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ١٠) بسنده عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ اللهَ أَرْسَلَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إِلَى الْجِنِّ وَالإِنْسِ، وَجَعَلَ مِنْ بَعْدِه اثْنَيْ عَشَرَ وَصِيًّا، مِنْهُمْ مَنْ سَبَقَ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَقِيَ، وَكُلُّ وَصِيٍّ جَرَتْ بِه سُنَّةٌ، وَالأَوْصِيَاءُ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَلَى سُنَّةِ أَوْصِيَاءِ عِيسَى، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وَكَانَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عَلَى سُنَّةِ المَسِيحِ»؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في الخصال (ص ٤٧٨/ ح ٤٣)، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٥).
وراجع: كمال الدِّين (ص ٣٢٨/ باب ٣٢/ ح ٨).
(٣٨٠) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥٣٣/ باب فيما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ١٥) بسنده عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «يَكُونُ تِسْعَةُ أَئِمَّةٍ بَعْدَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، تَاسِعُهُمْ قَائِمُهُمْ»؛ ورواه المسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٦٨)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٩٥/ باب ٤/ ح ٢٥)، والصدوق (رحمه الله) في الخصال (ص ٤٨٠/ ح ٥٠)، والطبري الشيعي (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٤٥٣/ ح ٤٣١/٣٥)، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٧)، وأبو صلاح الحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٢٥)، والكراجكي (رحمه الله) في الاستنصار (ص ١٧)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٤٠/ ح ١٠٤).
(٣٨١) روى ابن طاووس (رحمه الله) في جمال الأُسبوع (ص ٢٨٠ - ٢٨٤) بسنده عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ عَطَا، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): «... وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالحَسَنَ وَالحُسَيْنَ وَعَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وَجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَمُوسى بْنَ جَعْفَرٍ وَعَلِيَّ بْنَ مُوسى وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وَعَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ وَالحَسَنَ اِبْنَ عَلِيٍّ وَاَلْخَلَفَ اَلصَّالِحَ اَلحُجَّةَ اَلْقَائِمَ اَلمُنْتَظَرَ، صَلَواتُكَ يَا رَبِّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ اَلسَّلَامُ أَجْمَعِينَ هُمُ اَلْأَئِمَةُ اَلهُدَاةُ اَلمَهْدِيُّونَ...».
(٣٨٢) روى ابن قولويه (رحمه الله) في كامل الزيارات (ص ٣٢٥ - ٣٣٣/ ح ٥٥٦/٩) بسنده عَنْ مَالِكٍ اَلْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ اَلْبَاقِرِ (عليه السلام)، قَالَ: «مَنْ زَارَ اَلْحُسَيْنَ (عليه السلام) يَوْمَ عَاشُورَاءَ...»، إلى أنْ قال: «ثُمَّ تَقُولُ مِائَةَ مَرَّةٍ: اَللَّهُمَّ اِلْعَنْ أَوَّلَ ظَالِمٍ ظَلَمَ حَقَّ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَآخِرَ تَابِعٍ لَهُ عَلَى ذَلِكَ...».

↑صفحة ١٨٨↑

وأنَّه لابدَّ من غيبته(٣٨٣)، في سنة مائتين وستِّين(٣٨٤)، استبقاءً على مهجته(٣٨٥).
لهفي عليه من شريد طريد، وفريد وحيد، موتور بأبيه(٣٨٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨٣) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٧٨/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٨) بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ اَلثَّقَفِيِّ، عَنِ اَلْبَاقِرِ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: «إِنَّ لِلْقَائِمِ غَيْبَتَيْنِ، يُقَالُ لَهُ فِي إِحْدَاهُمَا: هَلَكَ، وَلَا يُدْرَى فِي أَيِّ وَادٍ سَلَكَ».
وراجع: الكافي (ج ١/ ص ٣٣٨/ باب في الغيبة/ ح ٨)، والغيبة للنعماني (ص ١٥٨/ باب ١٠/ فصل ١/ ح ١٧، وص ١٨٢ و١٨٣/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ١٨ و٢٠)، وكمال الدِّين (ص ٣٣٠ / باب ٣٢/ ح ١٥).
(٣٨٤) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٤١/ باب في الغيبة/ ح ٢٢) بسنده عَنْ أُمِّ هَانِئٍ، قَالَتْ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥ و١٦]، قَالَتْ: فَقَالَ: «إِمَامٌ يَخْنِسُ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، ثُمَّ يَظْهَرُ كَالشِّهَابِ يَتَوَقَّدُ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، فَإِنْ أَدْرَكْتِ زَمَانَهُ قَرَّتْ عَيْنُكِ»، وبتفاوت يسير في (ج ١/ ص ٣٤١/ باب في الغيبة/ ح ٢٣).
ورواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١١٩/ ح ١١٣)، والخصيبي (رحمه الله) في الهداية الكبرى (ص ٣٦٢)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٥١ و١٥٢/ باب ١٠/ ح ٦ و٧)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٢٤ و٣٢٥/باب ٣٢/ح ١)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٥٩/ح ١١٦).
(٣٨٥) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٨٢/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ١٨) بسنده عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِلْقَائِمِ (عليه السلام) غَيْبَةً، وَيَجْحَدُهُ أَهْلُهُ»، قُلْتُ: وَلِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: «يَخَافُ» وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى بَطْنِهِ.
وروى (رحمه الله) قريباً منه في (ص ١٨٢ و١٨٣/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ١٩ - ٢١).
ورواه بتفاوت يسير الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٤٨١/ باب ٤٤/ ح ٧ و٨).
(٣٨٦) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٨٣ و١٨٤/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٢٢) بسنده عَنْ عَبْدِ اَلْأَعْلَى بْنِ حُصَيْنٍ اَلثَّعْلَبِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ (عليهما السلام) فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَقُلْتُ لَهُ: كَبِرَتْ سِنِّي، وَدَقَّ عَظْمِي، فَلَسْتُ أَدْرِي يَقْضِي لِي لِقَاؤُكَ أَمْ لَا، فَاعْهَدْ إِلَيَّ عَهْداً، وَأَخْبِرْنِي مَتَى اَلْفَرَجُ، فَقَالَ: «إِنَّ اَلشَّرِيدَ اَلطَّرِيدَ اَلْفَرِيدَ اَلْوَحِيدَ اَلمُفْرِدَ مِنْ أَهْلِهِ اَلمَوْتُورَ بِوَالِدِهِ اَلمُكَنَّى بِعَمِّهِ، هُوَ صَاحِبُ اَلرَّايَاتِ، وَاِسْمُهُ اِسْمُ نَبِيٍّ»، فَقُلْتُ: أَعِدْ عَلَيَّ، فَدَعَا بِكِتَابٍ أَدِيمٍ أَوْ صَحِيفَةٍ فَكَتَبَ لِي فِيهَا.

↑صفحة ١٨٩↑

ومطلوب تراثه(٣٨٧).
له غيبتان تطول الثانية منهما(٣٨٨)، طوبى للمنتظِرين له في غيبته(٣٨٩)، والمتأهِّبين لنصرته(٣٩٠)، الذين وثقوا بأنَّه لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد، لطوَّله الله تعالى، حتَّى ترى - في آخر الزمان - طلعته(٣٩١)، بعد فتن وعلامات كثيرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨٧) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٨٢ و١٨٣/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٢٠) بسنده عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ اَلْبَاقِرَ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِلْغُلَامِ غَيْبَةً قَبْلَ أَنْ يَقُومَ، وَهُوَ اَلمَطْلُوبُ تُرَاثُهُ»، قُلْتُ: وَلِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: «يَخَافُ»، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى بَطْنِهِ، يَعْنِي اَلْقَتْلَ.
(٣٨٨) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٧٧/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٧) بسنده عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام): كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «لِقَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام) غَيْبَتَانِ، وَاحِدَةٌ طَوِيلَةٌ، وَاَلْأُخْرَى قَصِيرَةٌ»، قَالَ: فَقَالَ لِي: نَعَمْ يَا أَبَا بَصِيرٍ، إِحْدَاهُمَا أَطْوَلُ مِنَ اَلْأُخْرَى...»؛ ورواه الطبري الشيعي (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٥٣٥/ ح ٥٢٠/١٢٤).
(٣٨٩) روى الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٣٠/ باب ٣٢/ ح ١٥) بسنده عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ اَلْبَاقِرِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «يَأْتِي عَلَى اَلنَّاسِ زَمَانٌ يَغِيبُ عَنْهُمْ إِمَامُهُمْ، فَيَا طُوبَى لِلثَّابِتِينَ عَلَى أَمْرِنَا فِي ذَلِكَ اَلزَّمَانِ...».
(٣٩٠) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ٨/ ص ٨٠ و٨١/ ح ٣٧) بسنده عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «... إِنَّ الْقَائِلَ مِنْكُمْ إِذَا قَالَ: إِنْ أَدْرَكْتُ قَائِمَ آلِ مُحَمَّدٍ نَصَرْتُه، كَالمُقَارِعِ مَعَه بِسَيْفِه...»؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٦٤٤/ باب ٥٥/ ح ٢).
(٣٩١) روى الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٤٦/ ح ٣٠) بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّهُمْ يَرْوُونَ أَنَّ أَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَالَ بِالْكُوفَةِ عَلَى اَلْمِنْبَرِ: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ اَلدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اَللهُ ذَلِكَ اَلْيَوْمَ حَتَّى يَبْعَثَ اَللهُ رَجُلاً مِنِّي يَمْلَأُهَا قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً»، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): «نَعَمْ...».
وراجع: السُّنَن الواردة في الفتن (ج ٢/ ص ٣٦٩/ ح ١٢٢)، وعقد الدُّرَر (ص ٦١/ باب ٤/ فصل ١)، والعرف الوردي (ص ١٦١/ ح ٢٢١)، والقول المختصر (ص ١٥٤)، والبرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ص ١٠٤/ باب ٤/ فصل ١/ ح ٧).

↑صفحة ١٩٠↑

ككسوف الشمس، وخسوف القمر(٣٩٢)، وخسف بالبيداء(٣٩٣)، والصيحة في شهر رمضان(٣٩٤)، وفتنة السفياني(٣٩٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩٢) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ٨/ ص ٢١٢/ ح ٢٥٧) بسنده عَنْ بَدْرِ بْنِ الْخَلِيلِ الأَزْدِيِّ، قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: «آيَتَانِ تَكُونَانِ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لَمْ تَكُونَا مُنْذُ هَبَطَ آدَمُ إِلَى الأَرْضِ، تَنْكَسِفُ الشَّمْسُ فِي النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْقَمَرُ فِي آخِرِه»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا بْنَ رَسُولِ الله، تَنْكَسِفُ الشَّمْسُ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، وَالْقَمَرُ فِي النِّصْفِ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): «إِنِّي أَعْلَمُ مَا تَقُولُ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ لَمْ تَكُونَا مُنْذُ هَبَطَ آدَمُ (عليه السلام)»؛ ورواه النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٧٩ و٢٨٠/ باب ١٤/ ح ٤٥)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٦٥٥/ باب ٥٧/ ح ٢٥)، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٧٤)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٤٤٤ و٤٤٥/ ح ٤٣٩).
(٣٩٣) روى الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٣٠ و٣٣١/ باب ٣٢/ ح ١٦) بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ اَلثَّقَفِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ اَلْبَاقِرَ (عليهما السلام) يَقُولُ: «اَلْقَائِمُ مِنَّا مَنْصُورٌ بِالرُّعْبِ، مُؤَيَّدٌ بِالنَّصْرِ...» إلى أنْ قال: قُلْتُ: يَا بْنَ رَسُولِ اَلله، مَتَى يَخْرُجُ قَائِمُكُمْ؟ قَالَ: «... وَخُرُوجُ اَلسُّفْيَانِيِّ مِنَ اَلشَّامِ، وَاَلْيَمَانِيِّ مِنَ اَلْيَمَنِ، وَخَسْفٌ بِالْبَيْدَاءِ...».
وراجع: تفسير العيَّاشي (ج ١/ ص ٦٤ - ٦٦ و٢٤٤ و٢٤٥/ ح ١١٧ و١٤٧، وج ٢/ ص ٢٦١/ ح ٣٤)، وتفسير القمِّي (ج ٢/ ص ٢٠٥ و٢٠٦)، والغيبة للنعماني (ص ٢٨٨ - ٢٩١/ باب ١٤/ ح ٦٧)، والاختصاص (ص ٢٥٥ - ٢٥٧)، وسرور أهل الإيمان (ص ٨٨ - ٩٠).
(٣٩٤) روى الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٢٧ و٣٢٨/ باب ٣٢/ ح ٧) بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ اَلثَّقَفِيِّ اَلطَّحَّانِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ اَلْبَاقِرِ (عليهما السلام) وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنِ اَلْقَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَقَالَ لِي مُبْتَدِئاً: «... وَإِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ خُرُوجِهِ: خُرُوجَ اَلسُّفْيَانِيِّ مِنَ اَلشَّامِ، وَخُرُوجَ اَلْيَمَانِيِّ مِنَ اَلْيَمَنِ، وَصَيْحَةً مِنَ اَلسَّمَاءِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَمُنَادٍ يُنَادِي مِنَ اَلسَّمَاءِ بِاسْمِهِ وَاِسْمِ أَبِيهِ».
وراجع: الغبية للنعماني (ص ٢٦٢ - ٢٦٥/ باب ١٤/ ح ١٣).
(٣٩٥) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣١٣/ باب ١٨/ ح ٦) بسنده عَنِ اَلْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ مِنَ اَلْأُمُورِ أُمُوراً مَوْقُوفَةً، وَأُمُوراً مَحْتُومَةً، وَإِنَّ اَلسُّفْيَانِيَّ مِنَ اَلمَحْتُومِ اَلَّذِي لَابُدَّ مِنْهُ».
وراجع: الغيبة للنعماني (ص ٢٦٢ - ٢٦٥ و٢٧٥/ باب ١٤/ ح ١٣ و٣٦، وص ٣١٣ و٣١٤/ باب ١٨/ ح ٦ و٨)، والإرشاد (ج ٢/ ص ٣٧١ - ٣٧٣)، والغيبة للطوسي (ص ٤٦٢/ ح ٤٧٧).

↑صفحة ١٩١↑

وقتل النفس الزكيَّة(٣٩٦)، وخروج الدجَّال(٣٩٧)، ومدد المشرق المُوَطِّئ لدولته(٣٩٨)، وهتاف السماء: أنَّ الحقَّ مع آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٣٩٩)، وندائها باسم المهدي واسم أبيه(٤٠٠)، وحتَّى يسمعه أهل المشرق والمغرب(٤٠١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩٦) روى المفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٧١ و٣٧٢) بسنده عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): خُرُوجُ اَلسُّفْيَانِيِّ مِنَ اَلمَحْتُومِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَاَلنِّدَاءُ مِنَ اَلمَحْتُومِ، وَطُلُوعُ اَلشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا مَحْتُومٌ، وَاِخْتِلَافُ بَنِي اَلْعَبَّاسِ فِي اَلدَّوْلَةِ مَحْتُومٌ، وَقَتْلُ اَلنَّفْسِ اَلزَّكِيَّةِ مَحْتُومٌ...».
وراجع: كمال الدِّين (ص ٣٣٠ و٣٣١/ باب ٣٢/ ح ١٦)، والإرشاد (ج ٢/ ص ٣٧٤).
(٣٩٧) بصائر الدرجات (ص ١٦١/ ج ٣/ باب ١١/ ح ٧) بسنده عَنْ شُعَيْبِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَلْخٍ، [فَقَالَ لَهُ]: «يَا خُرَاسَانِيُّ، تَعْرِفُ وَادِي كَذَا وَكَذَا؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ لَهُ: «تَعْرِفُ صَدْعاً فِي اَلْوَادِي مِنْ صِفَتِهِ كَذَا وَكَذَا»، قَالَ: نَعَمْ، [قَالَ]: «مِنْ ذَلِكَ يَخْرُجُ اَلدَّجَّالُ...».
وراجع: الكافي (ج ٨/ ص ٢٩٦ و٢٩٧/ ح ٤٥٦).
(٣٩٨) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٦٢ - ٢٦٥/ باب ١٤/ ح ١٣) بسنده عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) أَنَّهُ قَالَ: «... لَابُدَّ مِنْ رَحًى تَطْحَنُ، فَإذَا قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا وَثَبَتَتْ عَلَى سَاقِهَا بَعَثَ اللهُ عَلَيْهَا عَبْداً عَنِيفاً خَامِلاً أَصْلُهُ، يَكُونُ النَّصْرُ مَعَهُ، أَصْحَابُهُ الطَّويلَةُ شُعُورُهُمْ، أَصْحَابُ السِّبَال، سُودٌ ثِيَابُهُمْ، أَصْحَابُ رَايَاتٍ سُودٍ، وَيْلٌ لِمَنْ نَاوَاهُمْ، يَقْتُلُونَهُمْ هَرْجاً...».
(٣٩٩) روى نعيم بن حمَّاد في كتابه الفتن (ص ٢٠٨) بسنده عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ مِنَ اَلسَّمَاءِ: أَلَا إِنَّ الحقَّ فِي آلِ مُحَمَّدٍ...»، عنه الملاحم والفتن لابن طاووس (ص ١٣٠/ ح ١٤٠)، والعرف الوردي (ص ١٤٣/ ح ١٦٠)، والقول المختصر (ص ١٤٥).
(٤٠٠) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٧٢/ باب ١٤/ ح ٢٧) بسنده عَنْ نَاجِيَةَ اَلْقَطَّانِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ اَلمُنَادِيَ يُنَادِي: إِنَّ اَلمَهْدِيَّ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِاسْمِهِ وَاِسْمِ أَبِيهِ، فَيُنَادِي اَلشَّيْطَانُ: إِنَّ فُلَاناً وَشِيعَتَهُ عَلَى اَلْحَقِّ - يَعْنِي رَجُلاً مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ -».
وراجع: الغيبة للنعماني (ص ٢٦٢ - ٢٦٥، و٢٨٨ - ٢٩١/ باب ١٤/ ح ١٣ و٦٧)، وكمال الدِّين (ص ٣٢٧ و٣٢٨/ باب ٣٢/ ح ٧).
(٤٠١) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٦٥/ باب ١٤/ ح ١٤) بسنده عَنْ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) وَقَدْ سَأَلْتُهُ عَنِ اَلْقَائِمِ (عليه السلام)، فَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَكُونُ حَتَّى يُنَادِيَ مُنَادٍ مِنَ اَلسَّمَاءِ يَسْمَعُ أَهْلُ اَلمَشْرِقِ وَاَلمَغْرِبِ، حَتَّى تَسْمَعَهُ اَلْفَتَاةُ فِي خِدْرِهَا».

↑صفحة ١٩٢↑

وهكذا إلى أنْ يَمُنَّ الله تعالى بظهوره، وتكون في البيت العتيق - بين الركن والمقام - بيعته(٤٠٢)، وسيخطب في كعبته(٤٠٣)، معه عدَّة أهل بدر من أصحابه(٤٠٤)، ما أجلّ صفاتهم(٤٠٥)، وأعظم شجاعتهم(٤٠٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠٢) جاء في الأُصول الستَّة عشر (ص ٢٤٨/ ح ٣١٦/١١٢) عَنْ جَابِرٍ اَلْجُعْفِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ اِبْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام): «يَا جَابِرُ، إِنَّ لِبَنِي اَلْعَبَّاسِ رَايَةً وَلِغَيْرِهِمْ رَايَاتٍ، فَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ - ثَلَاثاً - حَتَّى تَرَى رَجُلاً مِنْ وُلْدِ اَلْحُسَيْنِ يُبَايَعُ لَهُ بَيْنَ اَلرُّكْنِ وَاَلمَقَامِ...». وراجع: تفسير العيَّاشي (ج ١/ ص ٦٤ - ٦٦/ ح ١١٧)، والغيبة للنعماني (ص ٢٧٠ و٢٧١ و٢٨٨ - ٢٩١/ باب ١٤/ ح ٢٢ و٢٤ و٦٧)، والاختصاص (ص ٢٥٥ - ٢٥٧)، والغيبة للطوسي (ص ٤٧٦ و٤٧٧/ ح ٥٠٢).
(٤٠٣) روى نعيم بن حمَّاد في كتابه الفتن (ص ٢١٣) بسنده عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: «ثُمَّ يَظْهَرُ اَلمَهْدِيُّ بِمَكَّةَ عِنْدَ اَلْعِشَاءِ، وَمَعَهُ رَايَةُ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، وَقَمِيصُهُ وَسَيْفُهُ وَعَلَامَاتٌ وَنُورٌ وَبَيَانٌ، فَإِذَا صَلَّى اَلْعِشَاءَ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَقُولُ: أُذَكِّرُكُمُ اَللهَ أَيُّهَا اَلنَّاسُ وَمَقَامُكُمْ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكُمْ...»، عنه الملاحم والفتن لابن طاووس (ص ١٣٧/ ح ١٥٧)، وعقد الدُّرَر (ص ١٤٥/ باب ٧)، والعرف الوردي (ص ١٣١/ ح ١٢٥)، والقول المختصر (ص ١٣٩).
(٤٠٤) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٢٩/ باب ٢٠/ ح ٩) بسنده عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ اَلْبَاقِرِ (عليه السلام): «إِنَّ اَلْقَائِمَ يَهْبِطُ مِنْ ثَنِيَّةِ ذِي طُوًى فِي عِدَّةِ أَهْلِ بَدْرٍ ثَلَاثِمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً، حَتَّى يُسْنِدَ ظَهْرَهُ إِلَى اَلْحَجَرِ اَلْأَسْوَدِ، وَيَهُزَّ اَلرَّايَةَ اَلْغَالِبَةَ...».
وراجع: الغيبة للطوسي (ص ٤٧٦ و٤٧٧/ ح ٥٠٢).
(٤٠٥) روى ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٣١/ ح ١٣٨) بسنده عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «كَأَنِّي بِأَصْحَابِ اَلْقَائِمِ (عليه السلام) وَقَدْ أَحَاطُوا بِمَا بَيْنَ اَلْخَافِقَيْنِ، فَلَيْسَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ مُطِيعٌ لَهُمْ حَتَّى سِبَاعُ اَلْأَرْضِ وَسِبَاعُ اَلطَّيْرِ، يَطْلُبُ رِضَاهُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى تَفْخَرَ اَلْأَرْضُ عَلَى اَلْأَرْضِ وَتَقُولَ: مَرَّ بِيَ اَلْيَوْمَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ اَلْقَائِمِ (عليه السلام)»؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٦٧٣/ باب ٥٨/ ح ٢٥).
(٤٠٦) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ٨/ ص ٢٩٤/ ح ٤٤٩) بسنده عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: قُمْتُ مِنْ عِنْدِ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، فَاعْتَمَدْتُ عَلَى يَدِي، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: «مَا لَكَ؟»، فَقُلْتُ: كُنْتُ أَرْجُو أَنْ أُدْرِكَ هَذَا الأَمْرَ وَبِيَ قُوَّةٌ، فَقَالَ: «أَمَا تَرْضَوْنَ أَنَّ عَدُوَّكُمْ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَأَنْتُمْ آمِنُونَ فِي بُيُوتِكُمْ؟ إِنَّه لَوْ قَدْ كَانَ ذَلِكَ أُعْطِيَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلاً، وَجُعِلَتْ قُلُوبُكُمْ كَزُبَرِ الْحَدِيدِ لَوْ قُذِفَ بِهَا الْجِبَالَ لَقَلَعَتْهَا، وَكُنْتُمْ قِوَامَ الأَرْضِ وَخُزَّانَهَا». وراجع: الاختصاص (ص ٢٦).

↑صفحة ١٩٣↑

عنده عصا موسى لتلقف ما يأفكون(٤٠٧)، وحجره المبارك الميمون(٤٠٨)، وخاتم سليمان(٤٠٩)، وسلاح النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٤١٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠٧) روى الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ٢٠٣ و٢٠٤/ ج ٤/ باب ٤/ ح ٣٦) بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَيْضِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام)، قَالَ: «كَانَ عَصَا مُوسَى لآِدَمَ فَصَارَتْ إِلَى شُعَيْبٍ، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَإِنَّهَا لَعِنْدَنَا، وَإِنَّ عَهْدِي بِهَا آنِفاً وَهِيَ خَضْرَاءُ كَهَيْأَتِهَا حِينَ اُنْتُزِعَتْ مِنْ شَجَرِهَا، وَإِنَّهَا لَتَنْطِقُ إِذَا اُسْتُنْطِقَتْ، أُعِدَّتْ لِقَائِمِنَا لِيَصْنَعَ كَمَا كَانَ مُوسَى يَصْنَعُ بِهَا، وَإِنَّهَا لَتَرُوعُ وَتَلْقَفُ...»؛ ورواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١١٦/ ح ١٠٨)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٢٣١/ باب ما عند الأئمَّة من آيات الأنبياء (عليهم السلام)/ ح ١)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٦٧٣ و٦٧٤/ باب ٥٨/ ح ٢٧)، والمفيد (رحمه الله) في الاختصاص (ص ٢٦٩ و٢٧٠).
(٤٠٨) روى الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ٢٠٨/ ج ٤/ باب ٤/ ح ٥٤) بسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله، قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): «إِذَا قَامَ اَلْقَائِمُ بِمَكَّةَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى اَلْكُوفَةِ نَادَى مُنَادِيهِ: أَلَا لَا يَحْمِلُ أَحَدٌ مِنْكُمْ طَعَاماً وَلَا شَرَاباً، وَيَحْمِلُ حَجَرَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَهُوَ وِقْرُ بَعِيرٍ، وَلَا يَنْزِلُ مَنْزِلاً إِلَّا اِنْبَعَثَ عَيْنٌ مِنْهُ، فَمَنْ كَانَ جَائِعاً شَبِعَ، وَمَنْ كَانَ ظَمْآناً رُوِيَ، فَهُوَ زَادُهُمْ حَتَّى نَزَلُوا اَلنَّجَفَ مِنْ ظَهْرِ اَلْكُوفَةِ»؛ ورواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٢٣١/ باب ما عند الأئمَّة من آيات الأنبياء (عليهم السلام)/ ح ٣)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٤٤/ باب ١٣/ ح ٢٩)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٦٧٠ و٦٧١/ باب ٥٨/ ح ١٧).
(٤٠٩) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٤٤/ باب ١٣/ ح ٢٨) بسنده عن أَبِي اَلْجَارُودِ زِيَادِ بْنِ اَلمُنْذِرِ، قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام): «إِذَا ظَهَرَ اَلْقَائِمُ (عليه السلام) ظَهَرَ بِرَايَةِ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَخَاتَمِ سُلَيْمَانَ، وَحَجَرِ مُوسَى وَعَصَاهُ...».
(٤١٠) جاء في الأُصول الستَّة عشر (ص ٢٤٨/ ح ٣١٦/١١٢) عَنْ جَابِرٍ اَلْجُعْفِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ اِبْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام): «يَا جَابِرُ، إِنَّ لِبَنِي اَلْعَبَّاسِ رَايَةً وَلِغَيْرِهِمْ رَايَاتٍ، فَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ - ثَلَاثاً - حَتَّى تَرَى رَجُلاً مِنْ وُلْدِ اَلْحُسَيْنِ يُبَايَعُ لَهُ بَيْنَ اَلرُّكْنِ وَاَلمَقَامِ، مَعَهُ سِلَاحُ رَسُولِ اَلله [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)]، وَمِغْفَرُ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَدِرْعُ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَسَيْفُ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)».
وراجع: تفسير العيَّاشي (ج ١/ ص ٦٤ - ٦٦/ ح ١١٧).

↑صفحة ١٩٤↑

ورايته(٤١١)، وعهده(٤١٢)، ومواريثه(٤١٣)، وكُتُب سيِّد الأوصياء أمير المؤمنين(عليه السلام)(٤١٤).
تنصره ملائكة بدر الكبرى في حروبه(٤١٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١١) روى العيَّاشي (رحمه الله) في تفسيره (ج ١/ ص ١٠٣/ ح ٣٠٢) عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ: «يَا أَبَا حَمْزَةَ، كَأَنِّي بِقَائِمِ أَهْلِ بَيْتِي قَدْ عَلَا نَجَفَكُمْ، فَإِذَا عَلاَ نَجَفِكُمْ نَشَرَ رَايَةَ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَإِذَا نَشَرَهَا اِنْحَطَّتْ عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ بَدْرٍ»؛ ورواه بتفاوت النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٢١/ باب ٢٠/ ح ٣)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٦٧٢/ باب ٥٨/ ح ٢٣).
وراجع: تفسير العيَّاشي (ج ١/ ص ٦٤ - ٦٦/ ح ١١٧، وج ٢/ ص ٢٦١/ ح ٣٤).
(٤١٢) روى العيَّاشي (رحمه الله) في تفسيره (ج ١/ ص ٦٤ - ٦٦/ ح ١١٧) عَنْ جَابِرٍ اَلْجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «... ثُمَّ يَخْرُجُ - أي الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) - مِنْ مَكَّةَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ اَلثَّلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ يُبَايِعُونَهُ بَيْنَ اَلرُّكْنِ وَاَلمَقَامِ، وَمَعَهُ عَهْدُ نَبِيِّ اَلله وَرَايَتُهُ وَسِلَاحُهُ، وَوَزِيرُهُ مَعَهُ، فَيُنَادِي اَلمُنَادِي بِمَكَّةَ بِاسْمِهِ وَأَمْرِهِ مِنَ اَلسَّمَاءِ حَتَّى يُسْمِعَهُ أَهْلَ اَلْأَرْضِ كُلَّهُمْ، اِسْمُهُ اِسْمُ نَبِيٍّ، مَا أَشْكَلَ عَلَيْكُمْ فَلَمْ يُشْكِلْ عَلَيْكُمْ عَهْدُ نَبِيِّ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَرَايَتُهُ وَسِلَاحُهُ، وَاَلنَّفْسُ اَلزَّكِيَّةُ مِنْ وُلْدِ اَلْحُسَيْنِ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكُمْ هَذَا فَلَا يُشْكِلُ عَلَيْكُمْ اَلصَّوْتُ مِنَ اَلسَّمَاءِ بِاسْمِهِ وَأَمْرِهِ، وَإِيَّاكَ وَشُذَّاذاً مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، فَإِنَّ لِآلِ مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ رَايَةً وَلِغَيْرِهِمْ رَايَاتٌ، فَالْزَمِ اَلْأَرْضَ وَلَا تَتْبَعْ مِنْهُمْ رَجُلاً أَبَداً حَتَّى تَرَى رَجُلاً مِنْ وُلْدِ اَلْحُسَيْنِ مَعَهُ عَهْدُ نَبِيِّ اَلله وَرَايَتُهُ وَسِلَاحُهُ، فَإِنَّ عَهْدَ نَبِيِّ اَلله صَارَ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ، ثُمَّ صَارَ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَيَفْعَلُ اَللهُ مَا يَشَاءُ...».
(٤١٣) جاء في الأُصول الستَّة عشر (ص ٢٤٨/ ح ٣١٦/١١٢) عَنْ جَابِرٍ اَلْجُعْفِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ اِبْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام): «يَا جَابِرُ، إِنَّ لِبَنِي اَلْعَبَّاسِ رَايَةً وَلِغَيْرِهِمْ رَايَاتٍ، فَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ - ثَلَاثاً - حَتَّى تَرَى رَجُلاً مِنْ وُلْدِ اَلْحُسَيْنِ يُبَايَعُ لَهُ بَيْنَ اَلرُّكْنِ وَاَلمَقَامِ، مَعَهُ سِلَاحُ رَسُولِ اَلله [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)]، وَمِغْفَرُ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَدِرْعُ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَسَيْفُ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)».
(٤١٤) روى الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ١٨٢/ ج ٤/ باب ١/ ح ٢) بسنده عَنْ عَبْدِ اَلمَلِكِ اِبْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: أَرَانِي أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) بَعْضَ كُتُبِ عَلِيٍّ، ثُمَّ قَالَ لِي: «لِأَيِّ شَيْءٍ كُتِبَتْ هَذِهِ اَلْكُتُبُ؟»، قُلْتُ: مَا أَبْيَنَ اَلرَّأْيَ فِيهَا، قَالَ: هَاتِ، قُلْتُ: عَلِمَ أَنَّ قَائِمَكُمْ يَقُومُ يَوْماً، فَأَحَبَّ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا فِيهَا، قَالَ: «صَدَقْتَ».
(٤١٥) روى العيَّاشي (رحمه الله) في تفسيره (ج ١/ ص ١٩٧/ ح ١٣٨) عَنْ ضُرَيْسِ بْنِ عَبْدِ اَلمَلِكِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ اَلمَلَائِكَةَ اَلَّذِينَ نَصَرُوا مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَوْمَ بَدْرٍ فِي اَلْأَرْضِ، مَا صَعِدُوا بَعْدُ وَلَا يَصْعَدُونَ حَتَّى يَنْصُرُوا صَاحِبَ هَذَا اَلْأَمْرِ، وَهُمْ خَمْسَةُ آلَافٍ».
وراجع: تفسير العيَّاشي (ج ١/ ص ١٠٣/ ح ٣٠٢)، والغيبة للنعماني (ص ٣٢١/ باب ٢٠/ ح ٣).

↑صفحة ١٩٥↑

وينزل عيسى بن مريم (عليه السلام) فيُصلِّي خلفه(٤١٦)، ويفتح الله على يده مشارق الأرض ومغاربها، فيملأها عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً(٤١٧).
لا يرحم في سيرته أعداءَه(٤١٨)، ولكن ما أجمل عدله(٤١٩)، وقضائه(٤٢٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١٦) روى الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٣١ و٣٣٢/ باب ٣٢/ ح ١٧) بسنده عَنْ أَبِي أَيُّوبَ اَلمَخْزُومِيِّ، قَالَ: ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ اَلْبَاقِرُ (عليه السلام) سَيْرَ اَلْخُلَفَاءِ اَلاِثْنَيْ عَشَرَ اَلرَّاشِدِينَ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِم)، فَلَمَّا بَلَغَ آخِرَهُمْ قَالَ: «اَلثَّانِي عَشَرَ اَلَّذِي يُصَلِّي عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام) خَلْفَهُ، عَلَيْكَ بِسُنَّتِهِ وَاَلْقُرْآنِ اَلْكَرِيمِ».
(٤١٧) روى الطبري الشيعي (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٤٥٥ و٤٥٦/ ح ٤٣٥/٣٩) بسنده عَنْ أَبِي اَلْجَارُودِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «... إِنَّ اَلْقَائِمَ (عليه السلام) لَيَمْلِكُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَتِسْعَ سِنِينَ، كَمَا لَبِثَ أَصْحَابُ اَلْكَهْفِ فِي كَهْفِهِمْ، يَمْلَأُ اَلْأَرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً، وَيَفْتَحُ اَللهُ عَلَيْهِ شَرْقَ اَلْأَرْضِ وَغَرْبَهَا...»؛ ورواه الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٤٧٤/ ح ٤٩٦) مختصراً.
(٤١٨) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٣٦ و٢٣٧/ باب ١٣/ ح ١٤) بسنده عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: صَالِحٌ مِنَ اَلصَّالِحِينَ سَمِّهِ لِي - أُرِيدُ اَلْقَائِمَ (عليه السلام) -، فَقَالَ: «اِسْمُهُ اِسْمِي»، قُلْتُ: أَيَسِيرُ بِسِيرَةِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ قَالَ: «هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ يَا زُرَارَةُ، مَا يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ»، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، لِمَ؟ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سَارَ فِي أُمَّتِهِ بِالمَنِّ، كَانَ يَتَأَلَّفُ اَلنَّاسَ، وَاَلْقَائِمُ يَسِيرُ بِالْقَتْلِ، بِذَاكَ أُمِرَ فِي اَلْكِتَابِ اَلَّذِي مَعَهُ أَنْ يَسِيرَ بِالْقَتْلِ، وَلَا يَسْتَتِيبَ أَحَداً، وَيْلٌ لِمَنْ نَاوَاهُ».
وراجع: الغيبة للنعماني (ص ٢٣٨/ باب ١٣/ ح ١٨).
(٤١٩) روى الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٤٧٢ و٤٧٣/ ح ٤٩٣) بسنده عَنْ أَبِي صَادِقٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «دَوْلَتُنَا آخِرُ اَلدُّوَلِ، وَلَنْ يَبْقَ أَهْلُ بَيْتٍ لَهُمْ دَوْلَةٌ إِلَّا مُلِّكُوا قَبْلَنَا، لِئَلَّا يَقُولُوا إِذَا رَأَوْا سِيرَتَنَا: إِذَا مُلِّكْنَا سِرْنَا مِثْلَ سِيرَةِ هَؤُلَاءِ...»؛ ورواه المفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٨٤ و٣٨٥).
(٤٢٠) روى السيِّد عليِّ بن عبد الحميد النيلي في سرور أهل الإيمان (ص ١٠٧) بسنده عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «يَقْضِي اَلْقَائِمُ بِقَضِيَّةٍ يُنْكِرُهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ مِمَّنْ قَدْ ضَرَبَ قُدَّامَهُ بِالسَّيْفِ، وَهُوَ قَضَاءُ آدَمَ، فَيُقَدِّمُهُمْ فَيَضْرِبُ أَعْنَاقَهُمْ، ثُمَّ يَقْضِي اَلثَّانِيَةَ بِقَضِيَّةٍ يُنْكِرُهَا قَوْمٌ آخَرُونَ مِمَّنْ قَدْ ضَرَبَ قُدَّامَهُ بِالسَّيْفِ، وَهُوَ قَضَاءُ إِبْرَاهِيمَ، فَيُقَدِّمُهُمْ فَيَضْرِبُ أَعْنَاقَهُمْ، ثُمَّ يَقْضِي اَلثَّالِثَةَ بِقَضِيَّةٍ فَيُنْكِرُهَا عَلَيْهِ بَعْضٌ مِمَّنْ قَدْ ضَرَبَ قُدَّامَهُ بِالسَّيْفِ، وَهُوَ قَضَاءُ دَاوُدَ، فَيُقَدِّمُهُمْ فَيَضْرِبُ أَعْنَاقَهُمْ، ثُمَّ يَقْضِي اَلرَّابِعَةَ بِقَضِيَّةٍ، وَهُوَ قَضَاءُ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَلاَ يُنْكِرُ ذَلِكَ أَحَدٌ عَلَيْهِ».

↑صفحة ١٩٦↑

وما أكثر عطائه(٤٢١)، لا تخشى رعيَّته فقراً، والرخاء العميم في دولته(٤٢٢)، ولا كفراً؛ إذ سيُجدِّد الإسلام بعد غربته(٤٢٣)، وينشره حتَّى لا يُرى - على وجه الأرض - دين غيره(٤٢٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٢١) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٤٢ و٢٤٣/ باب ١٣/ ح ١٦) بسنده عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ اَلْبَاقِرِ (عليه السلام)، فَقَالَ لَهُ: عَافَاكَ اَللهُ، اِقْبِضْ مِنِّي هَذِهِ اَلْخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَإِنَّهَا زَكَاةُ مَالِي، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): «خُذْهَا أَنْتَ فَضَعْهَا فِي جِيرَانِكَ مِنْ أَهْلِ اَلْإِسْلاَمِ، وَاَلمَسَاكِينِ مِنْ إِخْوَانِكَ اَلمُسْلِمِينَ»، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا قَامَ قَائِمُ أَهْلِ اَلْبَيْتِ قَسَمَ بِالسَّوِيَّةِ، وَعَدَلَ فِي اَلرَّعِيَّةِ...»، إلى أنْ قال: «وَتُجْمَعُ إِلَيْهِ أَمْوَالُ اَلدُّنْيَا مِنْ بَطْنِ اَلْأَرْضِ وَظَهْرِهَا، فَيَقُولُ لِلنَّاسِ: تَعَالَوْا إِلَى مَا قَطَعْتُمْ فِيهِ اَلْأَرْحَامَ، وَسَفَكْتُمْ فِيهِ اَلدِّمَاءَ اَلْحَرَامَ، وَرَكِبْتُمْ فِيهِ مَا حَرَّمَ اَللهُ (عزَّ وجلَّ)، فَيُعْطِي شَيْئاً لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ كَانَ قَبْلَهُ، وَيَمْلَأُ اَلْأَرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً وَنُوراً، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً وَشَرًّا»؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في علل الشرائع (ج ١/ ص ١٦١/ باب ١٢٩/ ح ٣).
(٤٢٢) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٤٥/ باب ١٣/ ح ٣٠) بسنده عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «كَأَنَّنِي بِدِينِكُمْ هَذَا لَا يَزَالُ مُتَخَضْخِضاً يَفْحَصُ بِدَمِهِ، ثُمَّ لَا يَرُدُّهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا رَجُلٌ مِنَّا أَهْلَ اَلْبَيْتِ، فَيُعْطِيكُمْ فِي اَلسَّنَةِ عَطَاءَيْنِ، وَيَرْزُقُكُمْ فِي اَلشَّهْرِ رِزْقَيْنِ...».
(٤٢٣) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٣٧ و٢٣٨/ باب ١٣/ ح ١٧) بسنده عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ اَلْبَاقِرَ (عليه السلام)، فَقُلْتُ: إِذَا قَامَ اَلْقَائِمُ (عليه السلام) بِأَيِّ سِيرَةٍ يَسِيرُ فِي اَلنَّاسِ؟ فَقَالَ: «يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَيَسْتَأْنِفُ اَلْإِسْلَامَ جَدِيداً».
(٤٢٤) روى الطبري الشيعي (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٤٥٥ و٤٥٦/ ح ٤٣٥/٣٩) بسنده عَنْ أَبِي اَلْجَارُودِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «... إِنَّ اَلْقَائِمَ (عليه السلام) لَيَمْلِكُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَتِسْعَ سِنِينَ، كَمَا لَبِثَ أَصْحَابُ اَلْكَهْفِ فِي كَهْفِهِمْ، يَمْلَأُ اَلْأَرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً، وَيَفْتَحُ اَللهُ عَلَيْهِ شَرْقَ اَلْأَرْضِ وَغَرْبَهَا، يَقْتُلُ اَلنَّاسَ حَتَّى لَا يُرَى إِلَّا دَيْنُ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)...»؛ ورواه الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٤٧٤/ ح ٤٩٦) مختصراً.

↑صفحة ١٩٧↑

وسيدعو الخلق إلى كتاب الله، وسُنَّة رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والولاية لأمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) والبراءة من أعدائه(٤٢٥).
وأوَّل ما يزور من العراق النجف(٤٢٦)، ثمّ يجعل الكوفة عاصمته، ويختار فيها منزله(٤٢٧).
ومن أدركه فليُسلِّم عليه بقوله: «اَلسَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ بَيْتِ اَلنُّبُوَّةِ، وَمَعْدِنَ العِلْمِ، وَمَوْضِعَ اَلرِّسَالَةِ»(٤٢٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٢٥) روى العيَّاشي (رحمه الله) في تفسيره (ج ٢/ ص ٥٦ - ٦١/ ح ٤٩) عَنْ عَبْدِ اَلْأَعْلَى اَلْحَلَبِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): ««ثُمَّ يَنْطَلِقُ - أي الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) - فَيَدْعُو اَلنَّاسَ إِلَى كِتَابِ اَلله وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (عَلَيْهِ وَآلِهِ اَلسَّلَامُ)، وَاَلْوَلَايَةِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، وَاَلْبَرَاءَةِ مِنْ عَدُوِّهِ، وَلَا يُسَمِّي أَحَداً حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى اَلْبَيْدَاءِ...»، إلى أنْ قال: «ثُمَّ يَنْطَلِقُ يَدْعُو اَلنَّاسَ إِلَى كِتَابِ اَلله وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَاَلْوَلَايَةِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَاَلْبَرَاءَةِ مِنْ عَدُوِّهِ...».
(٤٢٦) بصائر الدرجات (ص ٢٠٨/ ج ٤/ باب ٤/ ح ٥٤) بسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله، قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): «إِذَا قَامَ اَلْقَائِمُ بِمَكَّةَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى اَلْكُوفَةِ نَادَى مُنَادِيهِ: أَلَا لَا يَحْمِلُ أَحَدٌ مِنْكُمْ طَعَاماً وَلَا شَرَاباً، وَيَحْمِلُ حَجَرَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَهُوَ وِقْرُ بَعِيرٍ، وَلَا يَنْزِلُ مَنْزِلاً إِلَّا اِنْبَعَثَ عَيْنٌ مِنْهُ، فَمَنْ كَانَ جَائِعاً شَبِعَ، وَمَنْ كَانَ ظَمْآناً رُوِيَ، فَهُوَ زَادُهُمْ حَتَّى نَزَلُوا اَلنَّجَفَ مِنْ ظَهْرِ اَلْكُوفَةِ»؛ ورواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٢٣١/ باب ما عند الأئمَّة من آيات الأنبياء (عليهم السلام)/ ح ٣)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٤٤/ باب ١٣/ ح ٢٨)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٦٧٠ و٦٧١/ باب ٥٨/ ح ١٧). وراجع: تفسير العيَّاشي (ج ١/ ص ١٠٣/ ح ٣٠٢)، والغيبة للنعماني (ص ٣٢١/ باب ١٩/ ح ٣)، والإرشاد (ج ٢/ ص ٣٧٩ و٣٨٠).
(٤٢٧) روى الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٤٧٥/ ح ٤٩٨) بسنده عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: «إِذَا قَامَ اَلْقَائِمُ (عليه السلام) دَخَلَ اَلْكُوفَةَ...»، إلى أنْ قال: «ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إِلَى اَلْكُوفَةِ فَيَنْزِلُهَا، وَتَكُونُ دَارُهُ...».
وراجع: كامل الزيارات (ص ٧٦/ ح ٦٩/١٢)، والإرشاد (ج ٢/ ص ٣٨٠)، وتهذيب الأحكام (ج ٦/ ص ٣١/ ح ٥٧/١).
(٤٢٨) روى الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٤٧١ و٤٧٢/ ح ٤٩٠) بسنده عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ قَائِمَنَا فَلْيَقُلْ حِينَ يَرَاهُ: اَلسَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ بَيْتِ اَلنُّبُوَّةِ...»؛ وروى بتفاوت يسير الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٦٥٣/ باب ٥٧/ ح ١٨).

↑صفحة ١٩٨↑

وهذا غيض من فيض، اغترفتاه على عجل من بحر الإمام الباقر (عليه السلام) وحده، لخَّصنا فيه مضامين بعض أحاديثه الشريفة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وما تركناه أكثر وأكثر.
وقد توزَّع ما ذكرناه على خمسين رجلاً من أصحابه (عليه السلام)، وهم:
١ - أبو أيُّوب المخزومي.
٢ - أبو بصير.
٣ - أبو بكر الحضرمي.
٤ - أبو الجارود.
٥ - أبو حمزة الثمالي.
٦ - أبو خالد الكابلي.
٧ - أبو عبيدة الحذَّاء.
٨ - أبو مريم عبد الغفَّار بن القاسم.
٩ - أحمد بن عمر.
١٠ - إسماعيل الجعفي.
١١ - بدر بن الخليل الأزدي.
١٢ - بريد العجلي.
١٣ - بشير بن أبي أراكة النبَّال.
١٤ - بكير بن أعين.
١٥ - ثابت بن عمرو.
١٦ - جابر الجعفي.
١٧ - حصين الثعلبي.
١٨ - حمران بن أعين.
١٩ - زرارة بن أعين.
٢٠ - زيد الكناسي.
٢١ - سالم الأشلّ.
٢٢ - سلام ابن أبي عميرة.
٢٣ - سلام بن المستنير.
٢٤ - سليمان بن الحسن.
٢٥ - سليمان بن خالد.
٢٦ - سيف بن عميرة.
٢٧ - شرحبيل.
٢٨ - صالح بن ميثم.
٢٩ - ضريس بن عبد المَلِك الكناسي.

↑صفحة ١٩٩↑

٣٠ - عبد الله بن أبي يعفور.
٣١ - عبد الله بن حمَّاد الأنصاري.
٣٢ - عبد الله بن عطاء.
٣٣ - عبد الحميد الواسطي.
٣٤ - عبد الرحيم القصير.
٣٥ - عبد المَلِك بن أعين.
٣٦ - علقمة بن محمّد الحضرمي.
٣٧ - عمَّار الدهني.
٣٨ - عمرو بن عبد الله بن هند الجملي.
٣٩ - مالك الجهني.
٤٠ - محمّد بن عليٍّ السلمي.
٤١ - محمّد بن فضل.
٤٢ - محمّد بن مسلم الثقفي.
٤٣ - معروف بن خرَّبوذ.
٤٤ - منصور الصيقل.
٤٥ - ميمون البان.
٤٦ - ناجية القطَّان.
٤٧ - هارون بن هلال.
٤٨ - يحيى بن أبي العلاء.
٤٩ - يحيى بن سابق.
٥٠ - يحيى بن سالم.
وبهذا يتبيَّن لك مذهب الإمام الباقر (عليه السلام) في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وبه تتَّضح قيمة ما رواه ابن سعد في (طبقاته) أوَّلاً، وما أخرجه ابن عساكر ثانياً، من أُكذوبتين ما أنزل الله بهما من سلطان.
على أنَّ مسلمة بن أبي سعيد الذي روى عنه ابن سعد، لا خير فيه عندهم، وأهمله أكثرهم.
ومولى هند بنت أسماء الذي أخرج له ابن عساكر، لا عين له ولا أثر في مصادرهم، فهو نكرة مهمل غارق في الإهمال.
ونكتفي بهذا القدر في إبطال ما نسبوه إلى الإمام الباقر (عليه السلام)، لنرى الأقوال الواردة في تعزيز القول بمهدويَّة عمر بن عبد العزيز، وقد نُسِبَت إلى بعض التابعين وغيرهم، ولم يثبت معظمها، لضعف رواتها:

↑صفحة ٢٠٠↑

رابعاً: الأقوال الواردة في مهدويَّة عمر بن عبد العزيز:
ومن الأقوال الواردة في مهدويَّة عمر بن العزيز الأُموي المرواني:
١ - قول الحسن البصري: (ما أرى مهديًّا، فهو عمر بن عبد العزيز)(٤٢٩).
وقوله: (إنْ كان مهديٌّ فعمر بن عبد العزيز، وإلَّا فلا مهدي إلَّا عيسى ابن مريم (عليه السلام))(٤٣٠).
٢ - قول أبي قلابة: (عمر بن عبد العزيز هو المهديُّ حقًّا)(٤٣١).
٣ - قول قتادة: (كان يُقال: المهديُّ ابن أربعين سنة، يعمل بأعمال بني إسرائيل، فإنْ لم يكن عمر فلا أدري من هو)(٤٣٢).
٤ - قول وهب بن منبِّه: (إنْ كان في هذه الأُمَّة مهديٌّ فهو عمر بن عبد العزيز)(٤٣٣).
وقال ابن كثير في (البداية والنهاية) بعدما أورد قول وهب بن منبِّه: (ونحو هذا قال قتادة وسعيد بن المسيّب وغير واحد)(٤٣٤).
٥ - قول سعيد بن المسيّب لرجل سأله: من المهديُّ؟ فقال: (عمر بن عبد العزيز هو المهدي)(٤٣٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٢٩) الفتن لنعيم بن حمَّاد (ص ٢٣٠).
(٤٣٠) حلية الأولياء (ج ٥/ ص ٢٥٧)، تاريخ مدينة دمشق (ج ٤٥/ ص ١٨٦/ الرقم ٥٢٤٢)، تاريخ الخلفاء (ص ٢٥٤).
(٤٣١) الفتن لنعيم بن حمَّاد (ص ٢٣٠).
(٤٣٢) السُّنَن الواردة في الفتن (ج ٥/ ص ١٠٧٤/ ح ٥٨٨)، تاريخ مدينة دمشق (ج ٤٥/ ص ١٨٧/ الرقم ٥٢٤٢).
(٤٣٣) حلية الأولياء (ج ٥/ ص ٢٥٤)، تاريخ مدينة دمشق (ج ٤٥/ ص ١٨٧/ الرقم ٥٢٤٢)، تاريخ الخلفاء (ص ٢٥٣).
(٤٣٤) البداية والنهاية (ج ٩/ ص ٢٢٥)، في حوادث سنة (١٠١هـ)، في ترجمة عمر بن عبد العزيز، فصل: (وقد كان منتظَراً فيما يُؤثَر من الأخبار)!
(٤٣٥) طبقات ابن سعد (ج ٥/ص ٣٣٣)، تاريخ مدينة دمشق (ج ٤٥/ص ١٨٨/الرقم ٥٢٤٢).

↑صفحة ٢٠١↑

خامساً: من ردَّ هذه الأقوال ورفضها من العامَّة:
رفض طاووس كلَّ هذه الأقوال حين سأله إبراهيم بن ميسرة، قال: قلت لطاووس: عمر بن عبد العزيز المهدي؟ قال: (قد كان مهديًّا وليس به، إنَّ المهدي إذا كان زيد المحسن في إحسانه، وتيب عن المسيء من إساءته، وهو يبذل المال، ويشتدُّ على العُمَّال، ويرحم المساكين)(٤٣٦).
ورواه ابن حمَّاد من طريق آخر بلفظ: قلت لطاووس: عمر بن عبد العزيز المهديُّ؟ قال: (لا إنَّه لم يستكمل العدل كلَّه)(٤٣٧).
وعلَّق عليه السمهودي بقوله: (أي: بل هو مهديٌّ من جملة المهديِّين غير الموعود به في آخر الزمان...، قال أحمد - في إحدى الروايتين عنه - وغيره: عمر ابن عبد العزيز منهم)(٤٣٨).
ومن الواضح إمكان إضافة العشرات من علماء العامَّة إلى قائمة تكذيب القول بمهدويَّة عمر بن عبد العزيز، وهم مَنْ رووا أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه) في تلك الفترة، وما أكثرهم، بل لا يوجد من العامَّة ولا من غيرهم - اليوم - من يقول البتَّة بتلك المهدويَّة الزائفة التي انتهت بموته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣٦) المصنَّف لابن أبي شيبة (ج ٨/ ص ٦٧٩/ ح ١٩٨)، عنه العرف الوردي (ص ١٥٩/ ح ٢١٥)، والقول المختصر (ص ١٥٣)؛ ورواه بتفاوت يسير نعيم بن حمَّاد في الفتن: (ص ٢٣٠).
(٤٣٧) الفتن لنعيم بن حمَّاد (ص ٢٢٢)؛ ورواه بتفاوت يسير الأزرقي في أخبار مكَّة (ج ١/ ص ٣١٦)، والبلخي في البدء والتاريخ (ج ٢/ ص ١٨٢)، والمقدسي الشافعي في عقد الدُّرَر (ص ٣٤)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (ج ٤٥/ ص ١٨٩/ الرقم ٥٢٤٢)، والذهبي في تاريخ الإسلام (ج ٧/ ص ١٩٧)، وفي سِيَر أعلام النبلاء (ج ٥/ ص ١٣٠)، وابن كثير في البداية والنهاية (ج ٩/ ص ٢٢٥)، والسيوطي في تاريخ الخلفاء (ص ٢٥٦)، وفي العرف الوردي (ص ١٥٩/ ح ٢١٦)، وابن حجر الهيتمي في القول المختصر (ص ١٥٣)، وفي الصواعق المحرقة (ص ١٦٥).
(٤٣٨) جواهر العقدين (ج ٢/ ص ٢٠٠/ القسم الثاني من الفصل الثالث).

↑صفحة ٢٠٢↑

سادساً: المهدويَّة الأمويَّة المروانيَّة في الميزان:
إنَّا لا نحتاج - في الواقع - إلى ما قاله طاووس وغيره في الردِّ على مهدويَّة عمر بن عبد العزيز؛ إذ لم تكن الأُمَّة الإسلاميَّة - في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) (١١٤ - ١٤٨هـ) - بحاجة إلى مَنْ يُبيِّن لها زيف تلك الأقوال ووهنها؛ لعلم الأُمَّة - حينئذٍ - بأنَّ عمر بن عبد العزيز الأُموي قد تولَّى السلطة سنة (٩٩هـ)، ومات سنة (١٠١هـ)، وأنَّه جاء إليها بعهد من سليمان بن عبد المَلِك الأُموي (٩٦ - ٩٩هـ)، وقد بايع الأُمويُّون لمن في كتاب العهد الذي كتبه سليمان بيده ثمّ ختمه، ولم يفضّه أحد إلى أنْ هلك هذا الطاغية سنة (٩٩هـ) باتِّفاق المؤرِّخين.
ومع أنَّ الأُمويِّين ليسوا من أهل الحلِّ والعقد، فهم لم يعرفوا لمن بايعوا إلَّا بعد هلاك سليمان!
وقد كان (المهدي الأُموي) يعتقد بأنَّ سليمان بن عبد المَلِك إمام مفروض الطاعة(٤٣٩)! في الوقت الذي وصفه الحديث بأنَّه ثاني الجبَّارين(٤٤٠) الأربعة من ولد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣٩) منع عمر بن عبد العزيز مروان بن عبد المَلِك من الردِّ على أخيه سليمان بن عبد المَلِك في كلام وقع بينهما، قائلاً له: (أنشدك الله، إمامك وأخوك، وله السنُّ)! راجع: تاريخ الإسلام (ج ٦/ ص ٤٧٤/ ح ٤٠٤)، وتاريخ الخلفاء (ص ٢٤٨).
(٤٤٠) سليمان هذا أحد الجبابرة الأربعة من ولد عبد المَلِك بن مروان، وهم: (الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشام)، وقد وصفهم الحديث بـ (الجبابرة الأربعة)، أخرجه نعيم بن حمَّاد في الفتن (ص ٧٣)، والطبراني في المعجم الكبير (ج ١٢/ ص ١٨٢ و١٨٣، وج ١٩/ ص ٣٨٢ و٣٨٣)، والبيهقي في دلائل النبوَّة (ج ٦/ ص ٥٠٧ و٥٠٨)، والخوارزمي في مقتل الحسين (عليه السلام) (ج ١/ ص ٢٥٣ و٢٥٤/ ح ٣)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (ج ٣٧/ ص ١٢٦ و١٢٧، وج ٥٧/ ص ٢٥٢)، وابن كثير في البداية والنهاية (ج ٦/ ص ٢٧٢، وج ٨/ ص ٢٨٤، وج ١٠/ ص ٥٢)، والهيثمي في مجمع الزوائد (ج ٥/ ص ٢٤٣)، والمقريزي في إمتاع الأسماع (ج ١٢/ ص ٢٧٨ و٢٧٩)، وفي النزاع والتخاصم (ص ٨٤)، والسيوطي في الخصائص الكبرى (ج ٢/ ص ١١٧ و١١٨)، والصالحي الشامي في سُبُل الهدى والرشاد (ج ١٠/ ص ٩٠)، والمتَّقي الهندي في كنز العُمَّال (ج ١١/ ص ٣٦١/ ح ٣١٧٤٥)، فراجع.

↑صفحة ٢٠٣↑

عبد المَلِك بن مروان، وأنَّ معاوية الوغد كان كذلك في عقيدته، حتَّى إنَّه ما ضرب أحداً في سلطانه غير رجل واحد تناول من معاوية، فضربه هذا (المهديُّ) ثلاثة أسواط(٤٤١)!
ومن ثَمَّ سلَّمها (مهدي الأُمويِّين) - عند احتضاره - إلى الجبَّار الثالث يزيد بن عبد المَلِك (١٠١ - ١٠٥هـ)، وعلى وفق ما رسم له من قِبَل الجبَّار الثاني سليمان، وهكذا أبقاها عمر بن عبد العزيز في الشجرة الملعونة كعلامة فارقة من علامات (عدله) الذي اغترَّ به الكثيرون.
نعم، لم تكن الأُمَّة بحاجة إلى مَنْ يدلُّها على زيف التاريخ الأُموي، وانحراف صانعيه وعتوِّهم وكفرهم ونفاقهم واستسلامهم لا إسلامهم منذ أنْ بزغ نجمهم على يد باغيتهم، وانتهاءً بقتل حمارهم وانقضاء دولتهم التي مزَّقت مُثُل الإسلام أيَّ ممزَّق، وعادت بالمجتمع الإسلامي إلى حضيض الجاهليَّة، ونقضت الإسلام عروة فعروة، حتَّى صارت كلمة (أُموي) وحدها كافية على انحراف من تُطلَق عليه واستهتاره بكلِّ القِيَم إلَّا من خرج بدليل منهم، وقليل ما هم. فلا غرو إذن في أنْ تشمئزَّ من ذكرها النفوس، وتقشعرَّ الأبدان.
والنبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي بشَّر بمهدي أهل البيت (عليهم السلام) حذَّر أُمَّته من الأُمويِّين، بأنَّهم ليسوا من خلفاء هذه الأُمَّة، وإنَّما هم من الملوك، وأنَّ ملكهم عضوض كسروي(٤٤٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤١) طبقات ابن سعد (ج ٥/ ص ٣٨٤)، تاريخ مدينة دمشق (ج ٧/ ص ٢٣١)، إكمال تهذيب الكمال (ج ١/ ص ٣٠٣)، تاريخ الخلفاء (ص ٢٥٨).
(٤٤٢) كما في حديث سفينة عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المرويِّ في: مسند أبي داود الطيالسي (ص ١٥١)، والفتن لنعيم بن حمَّاد (ص ٤١٨ و٤١٩)، ومسند ابن الجعد (ص ٤٧٩)، ومسند ابن راهويه (ج ٤/ ص ١٦٣ و١٦٤/ ح ١٣٢/١٩٤٤)، ومسند أحمد (ج ٣٦/ ص ٢٤٨ و٢٥٢ و٢٥٦/ ح ٢١٩١٩ و٢١٩٢٣ و٢١٩٢٨)، وسُنَن أبي داود (ج ٢/ ص ٤٠١/ ح ٤٦٤٦ و٤٦٤٧)، وسُنَن الترمذي (ج ٣/ ص ٣٤١/ ح ٢٣٢٦)، والسُّنة لابن أبي عاصم (ص ٥٤٨ و٥٤٩ و٥٥٠/ ح ١١٨١ و١١٨٥)، والآحاد والمثاني (ج ١/ ص ١١٦ و١٢٩/ ح ١١٣ و١٣٩ و١٤٠)، وسُنَن النسائي (ج ٥/ ص ٤٧/ ح ٨١٥٥)، وصحيح ابن حبَّان (ج ١٥/ ص ٣٥)، والمعجم الكبير للطبراني (ج ١/ ص ٥٥)، ومستدرك الحاكم (ج ٣/ ص ١٤٥).
وحديث أبي هريرة المرويِّ في: الفتن لنعيم بن حمَّاد (ص ٥٧)، ومستدرك الحاكم (ج ٣/ ص ٧٢)، ودلائل النبوَّة (ج ٦/ ص ٤٤٧)، وجامع بيان العلم (ج ٢/ ص ١٨٦)، وتاريخ مدينة دمشق (ج ١/ ص ١٨٣ و١٨٤)، والبداية والنهاية (ج ٦/ ص ٢٤٦ و٢٤٧، وج ٨/ ص ٢٢)، وإمتاع الأسماع (ج ١٢/ ص ٢٠٩)، والخصائص الكبرى (ج ٢/ ص ١١٦)، وكنز العُمَّال (ج ٦/ ص ٨٨/ ح ١٤٩٦٦).

↑صفحة ٢٠٤↑

وقد رآهم النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في منامه، وهم ينزون على منبره الشريف نزو القردة، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكاً حتَّى فارق الحياة (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ﴾ (الإسراء: ٦٠)، أي: بنو أُميَّة(٤٤٣).
وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بني أُميَّة: إنَّهم «يَرُدُّونَ النَّاسَ عَنِ الإِسْلَامِ القَهْقَرَى»(٤٤٤)، أو: «يَرُدُّونَ النَّاسَ عَلَى أَعْقَابِهِم القَهْقَرَى»(٤٤٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤٣) راجع: تفسير الطبري (ج ١٥/ ص ١٤١/ ح ١٦٩٣٠)، وتفسير الثعلبي (ج ٦/ ص ١١١)، والمحرَّر الوجيز (ج ٣/ ص ٤٦٨)، وتفسير الرازي (ج ٢٠/ ص ٢٣٦)، وتفسير القرطبي (ج ١٠/ ص ٢٨٣)، وتفسير نظَّام الأعرج (ج ٤/ ص ٣٦١)، وتفسير البحر المحيط (ج ٦/ ص ٥٣)، وتفسير ابن كثير (ج ٣/ ص ٥٢)، والدُّرّ المنثور (ج ٤/ ص ١٩١). وكذلك: تفسير العيَّاشي (ج ٢/ ص ٢٩٧ و٢٩٨/ ح ٩٣ - ١٠١)، وتفسير القمِّي (ج ٢/ ص ٢١)، وتفسير التبيان (ج ٦/ ص ٤٩٤)، ومجمع البيان (ج ٦/ ص ٢٦٦)؛ كلُّهم في تفسير الآية (٦٠) من سورة الإسراء.
وقد روى ذلك الحاكم النيسابوري في مستدركه بسنده عن أبي هريرة مرفوعاً، وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرِّجاه)، واعترف الذهبي في خلاصة المستدرك بأنَّه صحيح على شرط مسلم)، راجع: مستدرك الحاكم (ج ٤/ ص ٤٨٠).
(٤٤٤) الكافي (ج ٨/ ص ٣٤٥/ ٥٤٣).
(٤٤٥) تفسير العيَّاشي (ج ٢/ ص ٢٩٨).

↑صفحة ٢٠٥↑

وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إِذَا بَلَغَتْ بَنُو أُمَيَّةَ أَرْبَعِينَ [رَجُلاً] اِتَّخَذُوا عِبَادَ اَلله خِوَلاً، وَمَالَ اَلله نَحْلاً، وَكِتَابَ اَلله دَغَلاً»(٤٤٦).
وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «هَلَاكُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى يَدَيْ أُغَيْلِمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ»(٤٤٧)، أخرجه الحاكم ثمّ قال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرِّجاه.
ولهذا الحديث توابع وشواهد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وصحابته الطاهرين والأئمَّة من التابعين لم يسعني إلَّا ذكرها، فذكرت بعض ما حضرني منها)(٤٤٨).
ثمّ ذكر جملة من تلك الأحاديث، ولا بأس بالإشارة السريعة إليها، وهي:
١ - حديث عبد الرحمن بن عوف، قال: كان لا يُولَد لأحد مولود إلَّا أتى به النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فدعا له، فأُدخل عليه مروان بن الحَكَم - جدُّ عمر بن عبد العزيز -، فقال [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)]: «هُوَ الوَزَغُ اِبْنُ الوَزَغِ، اَلمَلْعُونُ اِبْنُ اَلمَلْعُونِ».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤٦) مستدرك الحاكم (ج ٤/ ص ٤٧٩)؛ ورواه نعيم بن حمَّاد في الفتن (ص ٧٢)، والطبراني في مسند الشاميِّين (ج ٢/ ص ٣٣٨/ ح ١٤٥١)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (ج ٥٧/ ص ٢٥٣)، والذهبي في تاريخ الإسلام (ج ٥/ ص ٢٣٣)، وابن كثير في البداية والنهاية (ج ٦/ ص ٢٧١)، والمقريزي في إمتاع الأسماع (ج ١٢/ ص ٢٧٥)، والسيوطي في الخصائص الكبرى (ج ٢/ ص ١١٨)، والصالحي الشامي في سُبُل الهدى والرشاد (ج ١٠/ ص ٩٠)، والمتَّقي الهندي في كنز العُمَّال (ج ١١/ ص ١٦٥/ ح ٣١٠٥٨).
(٤٤٧) مسند أبي داود الطيالسي (ص ٣٢٧)، الفتن لنعيم بن حمَّاد (ص ٧٣)، مسند ابن راهويه (ج ١/ ص ٣٥٩/ ح ٣٦٣)، مسند أحمد (ج ١٦/ ص ٤٣٠ و٤٣١/ ح ١٠٧٣٧)، صحيح البخاري (ج ٦/ ص ٥٢/ ح ٣٢٢٥)، التاريخ الكبير للبخاري (ج ٣/ ص ٤٩٩/ ح ١٦٦٢، وج ٧/ ص ٣٠٩/ ح ١٣١٥)، صحيح ابن حبَّان (ج ١٥/ ص ١٠٧)، المعجم الكبير للطبراني (ج ١/ ص ٢٠٠)، العسل المصفَّى (ج ١/ ص ١٢٠ و١٢١/ ح ٢٥)، مستدرك الحاكم (ج ٤/ ص ٤٧٠ و٤٧٩ و٥٢٧)، دلائل النبوَّة (ج ٦/ ص ٤٦٤)، كشف المشكل (ج ٣/ ص ٤٧١/ ح ١٩٤١/٢٣٩٢)، بألفاظ متقاربة.
(٤٤٨) مستدرك الحاكم (ج ٤/ ص ٤٧٩).

↑صفحة ٢٠٦↑

قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرِّجاه)(٤٤٩).
٢ - وحديث أبي ذرٍّ، قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «إِذَا بَلَغَ بَنُو أَبِي العَاصِ ثَلَاثِينَ رَجُلاً اِتَّخَذُوا مَالَ اَلله دُوَلاً، وعِبَادَ اَلله خِوَلاً، وَدِينَ اَلله دَغَلاً».
قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرِّجاه)(٤٥٠).
وقد أخرج له الحاكم شاهداً من رواية أبي سعيد(٤٥١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤٩) مستدرك الحاكم (ج ٤/ ص ٤٧٩)؛ ورواه نعيم بن حمَّاد في الفتن (ص ٧٣)، والعاصمي في العسل المصفَّى (ج ٢/ ص ١٥٨ - ١٦٤/ ح ٤٠١)، والدميري في حياة الحيوان (ج ١/ ص ٩٥، وج ٢/ ص ٥٤٥)، والمقريزي في إمتاع الأسماع (ج ١٢/ ص ٢٧٥)، والباعوني في جواهر المطالب (ج ٢/ ص ١٩١)، وابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة (ص ١٨١)، والمناوي في فيض القدير (ج ٢/ ص ٧٦).
(٤٥٠) مستدرك الحاكم (ج ٤/ ص ٤٧٩ و٤٨٠)، وقد اعترف الذهبي بصحَّته على شرط مسلم.
ورواه ابن أعثم في الفتوح (ج ٢/ ص ٣٧٤)، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (ج ٣/ ص ٥٦، وج ٨/ ص ٢٥٨)، والمحبُّ الطبري في الرياض النضرة (ج ٣/ ص ٨٣ و٨٤)، والمقريزي في إمتاع الأسماع (ج ١٢/ ص ٢٧٦)، والرياربكري في تاريخ الخميس (ج ٢/ ص ٢٦٩).
ورواه عن أبي هريرة: أبو يعلى في مسنده (ج ١١/ ص ٤٠٢/ ح ٦٥٢٣)، والزمخشري في الفائق (ج ١/ ص ٣٦٤)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (ج ٥٧/ ص ٢٥٤)، ومجد الدِّين ابن الأثير في النهاية (ج ٢/ ص ٨٨ و١٠٨، وج ٥/ ص ٢٩)، وابن منظور في لسان العرب (ج ١١/ ص ٢٢٥ و٢٤١ و٦٥٠)، والذهبي في سِيَر أعلام النبلاء (ج ٣/ ص ٤٧٨)، وابن كثير في البداية والنهاية (ج ٨/ ص ٢٨٤)، والمتَّقي الهندي في كنز العُمَّال (ج ١١/ ص ١٦٥/ ح ٣١٠٥٥).
ورواه عن خبيب: ابن الجوزي في المنتظم في تاريخ الأُمَم والملوك (ج ٦/ ص ٣٠٩).
(٤٥١) مستدرك الحاكم (ج ٤/ ص ٤٨٠)؛ ورواه الطبراني في المعجم الصغير (ج ٢/ ص ١٣٥)، والبيهقي في دلائل النبوَّة (ج ٦/ ص ٥٠٧)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (ج ٥٧/ ص ٢٥٢)، والذهبي في تاريخ الإسلام (ج ٥/ ص ٢٣٢)، وابن كثير في البداية والنهاية (ج ٦/ ص ٢٧١، وج ٨/ ص ٢٨٤)، والمقريزي في إمتاع الأسماع (ج ١٢/ ص ٢٧٦)، والسيوطي في الخصائص الكبرى (ج ٢/ ص ١١٧)، والمتَّقي الهندي في كنز العُمَّال (ج ١١/ ص ١١٧ و١٦٥/ ح ٣٠٨٤٦ و٣١٠٥٧).

↑صفحة ٢٠٧↑

٣ - وحديث أبي برزة، قال: (كان أبغض الأحياء إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): بنو أُميَّة، وبنو حنيفة، وثقيف).
قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرِّجاه)(٤٥٢).
٤ - وحديث محمّد بن زياد، قال: (لـمَّا بايع معاوية لابنه يزيد، قال مروان: سُنَّة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سُنَّة هرقل وقيصر، [فقال مروان]: أنزل ألله فيك: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ [الأحقاف: ١٧])، قال: (فبلغ عائشة، فقالت: كذب والله، ما هو به، ولكن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعن أبا مروان ومروان في صلبه، فمروان قصص من لعنة الله (عزَّ وجلَّ)).
قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرِّجاه)(٤٥٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥٢) مستدرك الحاكم (ج ٤/ ص ٤٨٠ و٤٨١)، وقد اعترف الذهبي بصحَّته على شرط البخاري ومسلم معاً.
ورواه أبو يعلى في مسنده (ج ١٣/ ص ٤١٧/ ح ٧٤٢١)، وابن قانع البغدادي في معجم الصحابة (ج ٩/ ص ٣٣٤٠/ ح ١٠٤٤)، والمقريزي في إمتاع الأسماع (ج ١٢/ ص ٢٧٣).
هذا، وقد رواه أحمد بن حنبل في مسنده (ج ٣٣/ ص ١٩/ ح ١٩٧٧٥)، والهيثمي في مجمع الزوائد (ج ١٠/ ص ٧١)، بحذف لفظ: (بنو أُميَّة)، والبخاري في التاريخ الكبير (ج ٥/ ص ٣١٧/ ح ١٠٠٤) بحذف لفظ: (بنو أُميَّة وثقيف).
(٤٥٣) مستدرك الحاكم (ج ٤/ ص ٤٨١)؛ ورواه النسائي في تفسيره (ج ٢/ ص ٢٩٠/ ح ٥١١)، والزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (ج ٣/ ص ٢٨١ و٢٨٢/ ح ١١٨٨)، وابن كثير في تفسيره (ج ٤/ ص ١٧١ و١٧٢)، والدميري في حياة الحيوان (ج ٢/ ص ٥٤٥)، والمقريزي في إمتاع الأسماع (ج ١٢/ ص ٢٧٧)، وابن حجر العسقلاني في فتح الباري (ج ٨/ ص ٤٤٣)، والعيني في عمدة القاري (ج ١٩/ ص ١٦٩)، والباعوني في جواهر المطالب (ج ٢/ ص ١٩١ و١٩٢)، والإيجي الشيرازي في تفسيره (ج ١/ ص ١٢٨)، والسيوطي في تاريخ الخلفاء (ص ٢٢١ و٢٢٢)، وفي الدُّرِّ المنثور (ج ٦/ ص ٤١)، وابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة (ص ١٨١).

↑صفحة ٢٠٨↑

وقد أخرج الطبراني عن الإمام الحسن السبط (عليه السلام) قوله لمروان: «فَوَاَلله لَقَدْ لَعَنَكَ اَللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَأَنْتَ فِي صُلْبِ أَبِيكَ»(٤٥٤).
٥ - وحديث عمرو بن مرَّة الجهني، قال: إنَّ الحَكَم بن أبي العاص استأذن على النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فعرف النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صوته وكلامه، فقال: «اِئْذَنُوا لَهُ، عَلَيْهِ لَعْنَةُ اَلله وَعَلَى مَنْ يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ إِلَّا اَلمُؤْمِنَ مِنْهُمْ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، يُشَرَّفُونَ فِي اَلدُّنْيَا وَيَضَعُونَ في الآخرة، ذَوو مَكْرٍ وَخَدِيِعَةٍ، يُعْطَوْنَ فِي اَلدُّنْيَا، وَمَا لَهُمْ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ».
قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرِّجاه. وشاهده حديث عبد الله بن الزبير)، ثمّ أورد حديث ابن الزبير، وفيه: (إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعن الحَكَم وولده)، وقال: (هذا الحديث صحيح الإسناد، ولم يُخرِّجاه)(٤٥٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥٤) المعجم الكبير للطبراني (ج ٣/ ص ٨٥/ ح ٢٧٤٠)؛ ورواه أبو يعلى في مسنده (ج ١٢/ ص ١٣٥/ ح ٦٧٦٤)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (ج ٥٧/ ص ٢٤٥)، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب (ص ٣٧٥)، والهيثمي في مجمع الزوائد (ج ٥/ ص ٢٤٠، وج ١٠/ ص ٧٢)، والمتَّقي الهندي في كنز العُمَّال (ج ١١/ ص ٣٥٧/ ح ٣١٧٣٠).
(٤٥٥) مستدرك الحاكم (ج ٤/ ص ٤٨١ و٤٨٢)، وقال الحاكم في ذيل الحديث: (ليعلم طالب العلم أنَّ هذا باب لم أذكر فيه ثلث ما روي، وأنَّ أوَّل الفتن في هذه الأُمَّة فتنتهم، ولم يسعني فيما بيني وبين الله تعالى أنْ أُخلي الكتاب من ذكرهم).
وروى حديث عمرو بن مرَّة الجهني: البلاذري في أنساب الأشراف (ج ٦/ ص ٢٥٦)، والبيهقي في دلائل النبوَّة (ج ٦/ ص ٥١٢)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (ج ٥٧/ ص ٢٦٨)، وابن كثير في البداية والنهاية (ج ٦/ ص ٢٧٢)، والهيثمي في مجمع الزوائد (ج ٥/ ص ٢٤٢ و٢٤٣)، والدميري في حياة الحيوان (ج ١/ ص ٩٥، وج ٢/ ص ٥٤٦)، والمقريزي في إمتاع الأسماع (ج ١٢/ ص ٢٧٧)، والباعوني في جواهر المطالب (ج ٢/ ص ١٩٢)، والسيوطي في الخصائص الكبرى (ج ٢/ ص ١١٨)، وابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة (ص ١٨١)، والمتَّقي الهندي في كنز العُمَّال (ج ١١/ ص ٣٥٧/ ح ٣١٧٢٩).
وروى حديث عبد الله بن الزبير: المقريزي في إمتاع الأسماع (ج ١٢/ ص ٢٧٨).

↑صفحة ٢٠٩↑

ومن مقارنة هذا الشاهد بحديث عمرو بن مرَّة الجهني، يتقوَّى احتمال زيادة عبارة: «إِلَّا اَلمُؤْمِنَ مِنْهُمْ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» على حديث الجهني، خصوصاً وأنَّ لعن بني أُميَّة قاطبةً قد صحَّ من طُرُقنا، فلاحظ.
هذا، وقد روى الحاكم - في مكان آخر - عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إِنَّ أَهْلَ بَيْتِي سَيَلْقَوْنَ مِنْ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي قَتْلاً وَتَشْرِيداً، وَإِنَّ أَشَدَّ قَوْمِنَا لَنَا بُغْضاً: بَنُو أُمَيَّة، وَبَنُو اَلمُغَيْرَةِ، وَبَنُو مَخْزُومٍ».
قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرِّجاه)(٤٥٦).
وحين أُخِذَ مروان بن الحَكَم أسيراً يوم الجمل، وخلَّى سبيله أمير المؤمنين عليٌّ (عليه السلام)، فقيل له: يُبَايِعُكَ، يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ (عليه السلام): «أَوَلَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ؟ لَا حَاجَةَ لِي فِي بَيْعَتِه، إِنَّهَا كَفٌّ يَهُودِيَّةٌ، لَوْ بَايَعَنِي بِكَفِّه لَغَدَرَ بِسَبَّتِه، أَمَا إِنَّ لَه إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الكَلْبِ أَنْفَه، وَهُوَ أَبُو الأَكْبُشِ الأَرْبَعَةِ - يعني: الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشام -، وَسَتَلْقَى الأُمَّةُ مِنْه وَمِنْ وَلَدِه يَوْماً أَحْمَرَ»(٤٥٧).
وقد وصف أمير المؤمنين عليٌّ (عليه السلام) فتنتهم بقوله (عليه السلام): «... أَلَا وَإِنَّ أَخْوَفَ الفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي أُمَيَّةَ، فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ...، وَأَيْمُ الله لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ أَرْبَابَ سُوءٍ بَعْدِي كَالنَّابِ الضَّرُوسِ...، لَا يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لَا يَتْرُكُوا مِنْكُمْ إِلَّا نَافِعاً لَهُمْ أَوْ غَيْرَ ضَائِرٍ بِهِمْ، وَلَا يَزَالُ بَلَاؤُهُمْ عَنْكُمْ حَتَّى لَا يَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ إِلَّا كَانْتِصَارِ العَبْدِ مِنْ رَبِّه، وَالصَّاحِبِ مِنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥٦) مستدرك الحاكم (ج ٤/ ص ٤٨٧)؛ ورواه نعيم بن حمَّاد في الفتن (ص ٧٣)، والمقريزي في إمتاع الأسماع (ج ١٢/ ص ٣٠١)، والصالحي الشامي في سُبُل الهدى والرشاد (ج ١٠/ ص ١٥٢)، وابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة (ص ١٨١ و٢٤١)، والمتَّقي الهندي في كنز العُمَّال (ج ١١/ ص ١٦٩/ ح ٣١٠٧٤).
٤٥٧) نهج البلاغة (ص ١٠٢/ ح ٧٣) من كلام له (عليه السلام) قاله لمروان بن الحَكَم بالبصرة.

↑صفحة ٢١٠↑

مُسْتَصْحِبِه، تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ مَخْشِيَّةً، وَقِطَعاً جَاهِلِيَّةً، لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدًى، وَلَا عَلَمٌ يُرَى»(٤٥٨).
ونتيجةً لهذه الأحاديث وغيرها ممَّا لم نذكره - وهو كثير جدًّا في مثالب بني أُميَّة جميعاً -، صار العالمون بها، والمطَّلعون على سيرة بني أُميَّة أوَّل كافر بمهدويَّة عمر بن العزيز عند لحظة انطلاقتها من على أفواه الكذَّابين والمجرمين.
جدير بالذكر أنَّ ابن المبارك (ت ١٨١هـ) - وهو كما يقول المزِّي: (أحد الأئمَّة الأعلام، وحُفَّاظ الإسلام)(٤٥٩) - يرى أنَّ معاوية - على جرائمه الكبرى، وموبقاته التي لا أوَّل لها ولا آخر - أفضل من عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحَكَم بن أبي العاص الأُموي المرواني(٤٦٠).
وكان هناك مَنْ (يُفسِّق عمر بن عبد العزيز، ويستهزئ به، ويُكفِّره)(٤٦١).
فيكون عمر مع هذا هو المهديُّ؟!
سابعاً: موقف الإمام الصادق (عليه السلام) من تلك المهدويَّة:
بعد اتِّضاح موقف القرآن الكريم، والسُّنَّة النبويَّة المطهَّرة من الأُمويِّين والمروانيِّين، ودولتهم (الشجرة الملعونة)، وما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) في فتنتهم وانحرافهم، فماذا يتوقَّع بعد هذا إذن أنْ يقوله الإمام الصادق (عليه السلام) في تلك الدولة الخبيثة المنحرفة من رأسها إلى أساسها؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥٨) نهج البلاغة (ص ١٣٧ و١٣٨/ الخطبة ٩٣) في التنبيه على فضله وعلمه (عليه السلام)، مع بيان فتنة بني أُميَّة وانحراف دولتهم.
(٤٥٩) تهذيب الكمال (ج ١٦/ ص ٦/ الرقم ٣٥٢٠).
(٤٦٠) راجع: الصواعق المحرقة (ص ٢١٣)، والدُّرَر المكنونات (ج ١/ ص ١٠١ و١١٢).
(٤٦١) راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (ج ٢٠/ ص ٣٢).

↑صفحة ٢١١↑

روى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) بأَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَمْ يُطْلِقُوا تَعْلِيمَ الشِّرْكِ لِلنَّاسِ؛ لِكَيْ إِذَا حَمَلُوهُمْ عَلَيْه لَمْ يَعْرِفُوه(٤٦٢).
وروى الحَكَمُ بْنُ سَالِمٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّا وَآلُ أَبِي سُفْيَانَ أَهْلُ بَيْتَيْنِ تَعَادَيْنَا فِي اَلل، قُلْنَا: صَدَقَ اَللهُ، وَقَالُوا: كَذَبَ اَللهُ، قَاتَلَ أَبُو سُفْيَانَ رَسُولَ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَقَاتَلَ مُعَاوِيَةُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، وَقَاتَلَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، وَاَلسُّفْيَانِيُّ يُقَاتِلُ القَائِمَ (عليه السلام)»(٤٦٣).
وأمَّا من اغترَّ بما ورد في سيرة عمر بن عبد العزيز من ردِّ المظالم وأشباهها كإرجاع فدك إلى بني فاطمة (عليها السلام) ووصفهم له بالعدالة!
فجوابه ما ذكرناه في أوَّل ردِّ هذه المقولة، بأنَّه استلم السلطة من الشجرة الملعونة، ومقتضى العدل أنْ يتنحَّى عنها ولا يتقدَّم - بنصِّ الحديث الصحيح - على قوم نُهِيَ من التقدُّم عليهم، أو على الأقلّ أنْ يُرجعها إليهم بعد وفاته، لا أنْ يُرجِعها إلى تلك الشجرة الخبيثة التي اجتُثَّت فما لها من قرار.
وما قيمة ردِّ المظالم في قبال اغتصاب الحقِّ الأكبر؟!
سأل عبد الأعلى مولى آل سام أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) بقوله: قُلْتُ لَه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، ألَيْسَ قَدْ آتَى اللهُ (عزَّ وجلَّ) بَنِي أُمَيَّةَ المُلْكَ؟ قَالَ: «لَيْسَ حَيْثُ تَذْهَبُ إِلَيْه، إِنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) آتَانَا المُلْكَ وَأَخَذَتْه بَنُو أُمَيَّةَ، بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَكُونُ لَه الثَّوْبُ فَيَأْخُذُه الآخَرُ، فَلَيْسَ هُوَ لِلَّذِي أَخَذَه»(٤٦٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦٢) الكافي (ج ٢/ ص ٤١٥ و٤١٦ / كتاب الإيمان والكفر/ باب نادر/ ح ١).
(٤٦٣) معاني الأخبار (ص ٣٤٦/ باب معنى قول الصادق (عليه السلام): «إنَّا وآل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في الله (عزَّ وجلَّ)/ ح ١).
(٤٦٤) الكافي (ج ٨/ ص ٢٦٦/ ح ٣٨٩).

↑صفحة ٢١٢↑

ومن هنا لم يتعرَّض إمامنا الصادق (عليه السلام) إلى إبطال مهدويَّة عمر بن عبد العزيز بصورة مباشرة، لعلم الأُمَّة كلِّها بذلك، وإنَّما نبَّه الأُمَّة على جرائم بني أُميَّة، ولم يستثنِ أحداً منهم قطُّ، كما هو شأن الأحاديث السابقة في مثالبهم، مبيِّناً (عليه السلام) ما يكفي لدحض كلِّ دعوى زائفة بهذا الشأن، سواء التي عاصرها أو التي جاءت بعد حين، وذلك عن طريق تصريحه تارةً بأنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) لم يُولَد بعد، وأُخرى بأنَّه من ذرّيَّة الحسين (عليه السلام)، وثالثة ببيان هويَّته الكاملة كما لاحظنا ذلك في الفصول السابقة، ممَّا لم يبقِ - بهذا - مجالاً لاستمرار أيَّة حجَّة للتمسُّك بأمثال تلك الدعاوى الباطلة، وغيرها من دعاوى المهدويَّة الزائفة، كما سنرى.

* * *

↑صفحة ٢١٣↑

الفصل الثالث: شبهة مهدويَّة محمّد بن عبد الله الحسني

أوَّلاً: منشأ هذه الشبهة وتداعياتها:
اختلطت الأهداف الجهاديَّة بالسياسة المحضة وراء انطلاق إشاعة مهدويَّة محمّد بن عبد الله بن الحسن المحض بن الحسن السبط (عليه السلام)، وذلك في اجتماع الأبواء في أواخر العصر الأُموي، والذي ضمَّ وجوه بني هاشم من الحسنيِّين والزيديِّين وبني العبَّاس، بهدف تنظيم صفوفهم، والبيعة إلى واحد منهم، ودعوة الناس إلى نصرته؛ للإطاحة بالحكم الأُموي الذي أهلك الحرث والنسل، وعاث في الأرض فساداً.
وقد شجَّعهم على ذلك الثورات العلويَّة السابقة المتلاحقة التي أنهكت حكم الطاغوت، ولاح لهم في الأُفُق أنَّه بات يعدُّ أيَّامه الأخيرة؛ ليذهب وشيكاً في مزابل التاريخ بلا رجعة.
وقد تمخَّض اجتماع الهاشميِّين عن بيعتهم لمحمّد بن عبد الله بن الحسن المحض، ولُقِّب بالمهدي؛ ليقوم بدور القائد الملبِّي لطموح الأُمَّة في القضاء على البغي والعدوان، وإشاعة العدل والمساواة بين الناس. وقد اختاروا شعار: (الرضا من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)) لانطلاق دعوتهم؛ لأنَّه الشعار الذي يضمن عدم استبداد أيٍّ من الهاشميِّين على حساب بني عمومتهم، ويُمثِّل المساواة بين الأطراف المتنازعة على السلطة المرتقبة ممَّن حضر اجتماع الأبواء.

↑صفحة ٢١٥↑

ولكن سرعان ما التفَّ العبَّاسيُّون بدهاء على ثمار تلك الدعوة التي أتت أُكُلها بقتل مروان الحمار آخر طغاة الأُمويِّين سنة (١٣٢هـ)، فاستفردوا بالسلطة، وصاروا حرباً شعواء على العلويِّين بأشدّ ممَّا كان عليه حالهم أيَّام دولة الطلقاء.
وهكذا تحقَّقت نبوءة الإمام الصادق (عليه السلام) بشأن بني الحسن في ذلك الاجتماع كما سنرى، إلَّا أنَّ القائد المنكوب محمّد بن عبد الله لم يقدر على تحمُّل الصدمة، فأخذ يعدُّ العدَّة في الخفاء للثأر من العبَّاسيِّين الذين استحوذوا على السلطة ونكثوا بيعته، وبقي هكذا إلى أنِ استخلف المنصور الدوانيقي بعد هلاك أخيه السفَّاح (١٣٢ - ١٣٦هـ)، فكان همُّه معرفة أمر محمّد وأخيه إبراهيم ابني عبد الله بن الحسن اللذين اختفيا عنه، ولم يقف أحد من عيونه على أثر لهما في أيِّ مكانٍ، وزاد من تخوُّفه أنَّ ابن عمِّهما الحسن بن زيد بن الحسن قد حرَّضه على محمّد قائلاً: (والله ما آمن وثوبه عليك، فإنَّه لا ينام عنك)، ولهذا كان موسى بن عبد الله بن الحسن يقول بعد ذلك: (اللَّهُمَّ اُطلب الحسن بن زيد بدمائنا)(٤٦٥)، الأمر الذي حمل المنصور على سجن أبيه عبد الله بن الحسن وإخوته وأعمامه وبني عمومته في المدينة المنوَّرة عند مروره بها حاجًّا سنة (١٤٤هـ)، ثمّ ساقهم عند عودته من المدينة إلى الربذة مصفَّدين بالأغلال، ومنها إلى طوامير العراق في الهاشميَّة عاصمة أخيه السفَّاح. وهنا اضطرَّ القائد المنكوب إلى إرسال أخيه إبراهيم إلى البصرة، وعجَّل هو بظهوره في المدينة ليختار الموت على الحياة، ويلحق بموكب الشهداء من بني الحسن السبط (عليه السلام)(٤٦٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦٥) تاريخ الطبري (ج ٦/ ص ١٥٦)، الكامل في التاريخ (ج ٥/ ص ٥١٤)، تاريخ ابن خلدون (ج ٣/ ص ١٨٧).
(٤٦٦) لنا أنْ نتحفَّظ على ما تفضَّل به الدكتور المؤلِّف (حفظه الله) على وصف محمّد بن عبد الله بالشهادة، فإنَّ الرجل وأباه ادَّعيا منصباً إلهيًّا بغير حقِّ، فغاية ما يُقال عنه: إنَّه قُتِلاً ظلماً. (المركز).

↑صفحة ٢١٦↑

وبهذا كانت نهايته صريعاً على أحجار الزيت، كما كانت نهاية أخيه إبراهيم بباخمرا، وحينما أدركت فلول أنصارهما المنهزمة زيف تلك المهدويَّة، وعلمت البقيَّة الباقية من بني الحسن وغيرهم صدق ما قاله الإمام (عليه السلام) من قبل في اجتماع الأبواء وغيره.
ترى، فمن كان وراء إشاعة مهدويَّة محمّد بن عبد الله الحسني التي جرَّت الويلات على الحسنيِّين؟ حتَّى حمَّ لنكبتهم الإمام الصادق (عليه السلام) زهاء عشرين يوماً، وخيف عليه(٤٦٧).
لا شكَّ أنَّ وراءها أصناف من الناس اشتركت كلُّها في تلك الإشاعة، ويأتي في طليعتهم عبد الله بن الحسن؛ إذ كان يشيع بين آونة وأُخرى أنَّ ابنه محمّد هو المهدي المبشَّر بظهوره في آخر الزمان، وهو الرجل الوحيد الذي جاءت به الرواية، وكان يحلف بالله تعالى على ذلك!
قال ابن أخي الزهري: (تجالسنا بالمدينة أنا وعبد الله بن حسن، فتذاكرنا المهدي، فقال عبد الله بن حسن: المهدي من ولد الحسن بن عليٍّ [(عليهما السلام)]، فقلت: يأبى ذلك علماء أهل بيتك، فقال عبد الله: المهدي والله من ولد الحسن بن عليٍّ [(عليهما السلام)]، ثمّ من ولدي خاصَّة)(٤٦٨).
هذا فضلاً عن أقواله الكثيرة الأُخرى في مهدويَّة ابنه محمّد(٤٦٩).
وهكذا اغترَّت العامَّة بكلامه، وخُدِعَ حتَّى الفقهاء بها لمنزلة قائلها، وفضله، وشرفه، ونسبه الكريم، من أمثال الفقيه عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسوَّر بن مخرمة الزهري، الذي ندم على اعتقاده بمهدويَّة محمّد هذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦٧) الكافي (ج ١/ ص ٣٥٨ - ٣٦٦/ باب ما يُفصَل به بين دعوى المُحِقِّ والمُبطل.../ ح ١٧).
(٤٦٨) تهذيب الكمال (ج ٢٥/ص ٤٦٧ و٤٦٨/الرقم ٥٣٣٨) في ترجمة محمّد بن عبد الله بن الحسن المثنَّى.
(٤٦٩) سنشير لها لاحقاً في بيان دور الإمام الصادق (عليه السلام) في إبطال تلك المهدويَّة، فلاحظ.

↑صفحة ٢١٧↑

بعد مقتله، حيث استدعاه جعفر بن سليمان العبَّاسي والي المدينة وقال له: (ما حملك على الخروج مع محمّد على ما أنت عليه من العلم والفقه؟ قال: ما خرجت معه وأنا أشكُّ في أنَّه المهدي؛ لما روي لنا في أمره، فما زلت أرى أنَّه هو حتَّى رأيته مقتولاً، ولا اغتررت بأحد بعده)(٤٧٠).
ولهذا قال الذهبي في ترجمة هذا الرجل: (له فضل، وشرف، ومروءة، وله هفوة. نهض مع محمّد بن عبد الله بن حسن، وظنَّه المهدي، ثمّ إنَّه ندم فيما بعد، وقال: لا غرَّني أحد بعده)(٤٧١).
وكذلك الحال مع الفقيه المدني محمّد بن عجلان الذي (شُبِّه عليه، وظنَّ أنَّه المهدي الذي جاءت به الرواية)(٤٧٢).
كما خرج مع محمّد: عبد الله بن يزيد بن هرمز الفقيه المدني المشهور(٤٧٣).
وعبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحَكَم الأنصاري، قال الذهبي: (وكان سفيان الثوري ينقم عليه خروجه مع محمّد بن عبد الله بن الحسن. وكان من فقهاء المدينة)(٤٧٤).
كما أنَّ مالك بن أنس حين استُفتي في الخروج مع محمّد بن عبد الله، وقيل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧٠) مقاتل الطالبيِّين (ص ١٩٥).
(٤٧١) سِيَر أعلام النبلاء (ج ٧/ ص ٣٢٩/ الرقم ١١٤).
(٤٧٢) مقاتل الطالبيِّين (ص ١٩٣)، المنتظم في تاريخ الأُمَم والملوك (ج ٨/ ص ١١٥)، تاريخ الإسلام (ج ٩/ ص ٢٢)، العرف الوردي (ص ١٦٩/ ح ٢٤٢)، القول المختصر (ص ١٥٨)؛ وانظر: تاريخ الطبري (ج ٦/ ص ٢٢١) في حوادث سنة (١٤٥هـ)، وتهذيب الكمال (ج ٢٥/ ص ٤٦٩/ الرقم ٥٣٣٨).
(٤٧٣) تاريخ الطبري (ج ٦/ ص ٢٢١)، تهذيب الكمال (ج ٢٥/ ص ٤٦٩/ الرقم ٥٣٣٨).
(٤٧٤) سِيَر أعلام النبلاء (ج ٧/ ص ٢١/ الرقم ٤)، تاريخ الإسلام (ج ٩/ ص ٤٧٦) في ترجمة عبد الحميد بن جعفر.

↑صفحة ٢١٨↑

له: إنَّ في أعناقنا بيعة لأبي جعفر؟ فقال: (إنَّما بايعتم مكرَهين، وليس على كلِّ مكرَه يمين، فأسرع الناس إلى محمّد ولزم مالك بيته)(٤٧٥).
كما كان أبو حنيفة يجاهر في أمر إبراهيم، ويأمر بالخروج معه(٤٧٦).
وكان شعبة بن الحجَّاج كذلك(٤٧٧).
وهؤلاء الثلاثة: مالك، وأبو حنيفة، وشعبة لم يعتقدوا بمهدويَّة محمّد، وإلَّا لما اكتفوا بحدود الإفتاء كما هو ظاهر.
ومهما يكن، فإنَّ اعتقاد بعض الفقهاء بمهدويَّته، وخروج بعضهم معه، وإفتاء آخرين لصالح دعوته، كلُّ ذلك أدَّى إلى شيوع القول بمهدويَّته بين عامَّة الناس من أهل المدينة، ويكفي أنِ انخدع أهل بيته الحسنيُّون، قال أبو الفرج: (وكان أهل بيته يُسَمُّونه المهدي، ويُقدِّرون أنَّه الذي جاءت فيه الرواية)(٤٧٨).
وأمَّا عن أنصاره ومؤيِّديه الذين لا حريجة لهم في الدِّين، فقد ارتكبوا جريمة وضع الحديث في مهدويَّته!
ولـمَّا كان محمّد بن عبد الله الحسني تمتاماً(٤٧٩)، فقد وضعوا الحديث في اسمه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧٥) تاريخ الطبري (ج ٦/ ص ١٩٠)، المنتظم في تاريخ الأُمَم والملوك (ج ٨/ ص ٦٤)، الكامل في التاريخ (ج ٥/ ص ٥٣٢)، تاريخ الإسلام (ج ٩/ ص ٢٣)، البداية والنهاية (ج ١٠/ ص ٩٠) كلُّهم في حوادث سنة (١٤٥هـ)؛ تذكرة الخواصِّ (ص ٢٠٠)، نهاية الأرب (ج ٢٥/ ص ٢٧)، تاريخ ابن خلدون (ج ٣/ ص ١٩٠)، عمدة الطالب (ص ١٠٥)، كلُّهم في أخبار محمّد ذي النفس الزكيَّة.
(٤٧٦) تاريخ الموصل (ج ١/ ص ٣٩٤)، العِبَر في أخبار من غبر (ج ١/ ص ٢٠٣)، تاريخ الإسلام (ج ٩/ ص ٤٣)، مرآة الجنان (ج ١/ ص ٢٣٥)، كلُّهم في حوادث سنة (١٤٥هـ).
(٤٧٧) راجع: المصابيح لأبي العبَّاس الحسني (ص ٤٥٣/ ح ٢٤)، عنه تيسير المطالب (ص ١٨٢ و١٨٣)، والحدائق الورديَّة (ج ١/ ص ٣٠٤)، وشذرات الذهب (ج ١/ ص ٢١٤).
(٤٧٨) مقاتل الطالبيِّين (ص ١٥٧)؛ وراجع: المصابيح لأبي العبَّاس الحسني (ص ٤٢٧/ ح ٩).
(٤٧٩) تاريخ الطبري (ج ٦/ ص ١٩٢)، مقاتل الطالبيِّين (ص ١٦٤)، المجدي في أنساب الطالبيِّين للعمري (ص ٣٨)، عمدة الطالب (ص ١٠٣).

↑صفحة ٢١٩↑

واسم أبيه وصفته، ورفعوه إلى أبي هريرة بأنَّه قال: (إنَّ المهديَّ اسمه محمّد بن عبد الله، في لسانه رتَّةٌ)(٤٨٠).
كما كان للشعراء الدور البارز في إشاعة مهدويَّة محمّد بن عبد الله الحسني، نظراً لدور الشعر الإعلامي البارز في ذلك الحين، حيث اغتنموا الفرصة، وأدلوا دلوهم، وأشادوا بمهدويَّته، وفي هذا الصدد قال مسلمة بن عليٍّ:

إنَّ الذي يروي الرواةُ لبيِّنٌ * * * إذا ما ابن عبد الله فيهم تجرَّدا
له خاتم لم يُعطِه اللهُ غيرَه * * * وفيه علامات من البِرِّ والهُدى(٤٨١)

يشير بهذا البيت إلى أنَّ في كتف محمّد بن عبد الله خالاً، وقد جاءت الرواية في صفة المهدي بأنَّ له خالاً، فوافقت الصفة الموصوف!
وقال شاعر آخر:

إنْ كان في الناس لنا مهديٌّ * * * يقيم فينا سيرة النبيِّ
فإنَّه محمّد التقيِّ(٤٨٢)

والعجيب من أمر أُولئك الشعراء المضلِّين أنَّهم حتَّى بعد مصرع محمّد بن عبد الله بن الحسن، وفصل رأسه عن جسده، وحمله إلى العراق، لم يتركوا القول بمهدويَّته، كما نجده في قصيدة لعبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير يرثي فيها محمّداً، يقول فيها:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨٠) مقاتل الطالبيِّين (ص ١٦٤).
(٤٨١) المصابيح لأبي العبَّاس الحسني (ص ٤٣٧/ ح ١٣) بتفاوت يسير؛ وقد نسب أبو الفرج في مقاتل الطالبيِّين (ص ١٦٤) هذين البيتين إلى سَلَمة بن أسلم الجهني. وذكرهما حميد بن أحمد المحلي في الحدائق الورديَّة (ج ١/ ص ٢٧٤)، وابن الطقطقي في الأصيلي في أنساب الطالبيِّين (ص ٧٢)، من دون نسبة.
(٤٨٢) مقاتل الطالبيِّين (ص ١٦٤).

↑صفحة ٢٢٠↑

هلَّا على المهديِّ وابني مصعب * * * أذريت دمعك ساكباً تهتانا(٤٨٣)

ونتيجةً لهذه الدعاية الواسعة في شخص محمّد بن عبد الله بن الحسن، مع قربه القريب من أهل البيت (عليهم السلام)، وتأكيد هذه الدعاية من قِبَل أبيه الذي كان - كما يقول ابن الأثير -: (لا يُحدِّث أحداً قطُّ إلَّا قلبه عن رأيه)(٤٨٤)، نتيجةً لهذا وغيره كما مرَّ فقد (لهجت العوام بمحمّد بن عبد الله تُسمِّيه المهدي، حتَّى كان يقال: محمّد بن عبد الله المهدي عليه ثياب يمنيَّة وقبطيَّة)(٤٨٥)، وكان الناس إذا رأوه في أزقَّة المدينة صاحوا: (يا أهل المدينة، المهدي، المهدي)(٤٨٦).
ولم يقف الأمر عند هذا الحدِّ؛ إذ كان محمّد بن عبد الله نفسه يدَّعي بأنَّه المهدي (طمعاً أنْ يكون هو المذكور في الأحاديث)(٤٨٧)، ويغري الناس بالدعوة إلى نفسه على أنَّه المهدي الموعود، قال ابن دأب: (لم يزل محمّد بن عبد الله بن الحسن منذ كان صبيًّا يتوارى ويراسل الناس بالدعوة إلى نفسه، ويُسمَّى بالمهدي)(٤٨٨).
وكان يخاطب الناس وهو على المنبر بقوله: (إنَّكم لا تشكُّون أنِّي أنا المهدي، وأنا هو)(٤٨٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨٣) تاريخ الطبري (ج ٦/ ص ٢٢٣)، مقاتل الطابيِّين (ص ٢٠٤)، الحدائق الورديَّة (ج ١/ ص ٢٩٨)، المجدي في أنساب الطالبيِّين للعمري (ص ٣٤٨).
(٤٨٤) الكامل في التاريخ (ج ٥/ ص ٥٢٤) في حوادث سنة (١٤٤هـ)؛ وراجع: نهاية الأرب (ج ٢٥/ ص ١٩).
(٤٨٥) مقاتل الطالبيِّين (ص ١٤٠ و١٦٥).
(٤٨٦) الكامل في التاريخ (ج ٥/ ص ٥١٨ و٥١٩) في حوادث سنة (١٤٤هـ)، نهاية الأرب (ج ٢٥/ ص ١٤)؛ وقريباً منه في تاريخ الطبري (ج ٦/ ص ١٦٥).
(٤٨٧) البداية والنهاية (ج ١٠/ ص ٩٠) في حوادث سنة (١٤٥هـ).
(٤٨٨) مقاتل الطالبيِّين (ص ١٦٢).
(٤٨٩) المصدر السابق.

↑صفحة ٢٢١↑

وأمَّا مكاتباته التي جرت بينه وبين عبد الله بن محمّد المنصور العبَّاسي، فقد كان يبدؤها بالبسملة، ويكتب بعدها: (من عبد الله المهدي محمّد بن عبد الله، إلى عبد الله بن محمّد...)(٤٩٠).
وفي هذا إشارة ذكيَّة إلى غدر المنصور بمحمّد وتذكيره بما كان يقوله له في أواخر العصر الأُموي، حيث كان يقول أبو الدوانيق في محمّد هذا: (هذا محمّد ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن مهديُّنا أهل البيت)(٤٩١).
وقال عبد الله في سعد الجهني: (بايع أبو جعفر - يعني المنصور - محمّداً مرَّتين، أنا حاضر إحداهما بمكَّة في المسجد الحرام، فلمَّا خرج أمسك له بالركاب، ثمّ قال: أمَا إنَّه إنْ أفضى إليكما الأمر نسيت لي هذا الموقف)(٤٩٢).
ويدلُّ على ذلك، أنَّ عثمان بن محمّد بن خالد الذي خرج مع محمّد قد أُتِيَ به إلى المنصور، فقال له: (هيه يا عثمان، أنت الخارج عليَّ مع محمّد؟ قال: بايعته أنا وأنت بمكَّة، فوفيت ببيعتي، وغَدَرْتَ بيعتك...، فأمر به فَقُتِلَ)(٤٩٣).
وكلُّ هذا يشير إلى أنَّ للعبَّاسيِّين سهماً في إشاعة مهدويَّة الحسني التي وصلت إلى أسماع الأُمويِّين أنفسهم قبل سقوط دولتهم، فقد روى أبو الفرج أنَّ مروان الحمار آخر طغاة الأُمويِّين قال لعبد الله - وقد دخل عليه ذات يوم -: (ما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩٠) تاريخ الطبري (ج ٦/ ص ١٩٥)، تاريخ الموصل (ج ١/ ص ٣٨٥)، تجارب الأُمَم (ج ٣/ ص ٣٩٥)، المنتظم في تاريخ الأُمَم والملوك (ج ٨/ ص ٦٥).
(٤٩١) مقاتل الطالبيِّين (ص ١٦٢)، تيسير المطالب (ص ١٩٧)، الحدائق الورديَّة (ج ١/ ص ٢٧٧ و٢٧٨).
(٤٩٢) مقاتل الطالبيِّين (ص ١٤٢ و١٤٣).
(٤٩٣) الكامل في التاريخ (ج ٥/ ص ٥٥٣)، نهاية الأرب (ج ٢٥/ ص ٥١)، كلاهما في ذكر بعض المشهورين ممَّن كان مع محمّد بن عبد الله الحسني؛ وقريباً منه في: التاريخ الطبري (ج ٦/ ص ٢٢٩).

↑صفحة ٢٢٢↑

فعل مهديُّكم؟ قال: لا تقل ذلك...، فليس كما يبلغك، فقال: بلى، ولكن يصلحه الله ويرشده)(٤٩٤).
هذا، وأمَّا ما ذكره النوبختي (رحمه الله) بشأن محمّد هذا بقوله: (فلمَّا تُوفّي أبو جعفر - يعني الإمام الباقر - (عليه السلام) افترقت أصحابه فرقتين، فرقة منها قالت بإمامة محمّد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب الخارج بالمدينة المقتول بها، وزعموا أنَّه القائم، وأنَّه الإمام المهدي، وأنَّه لم يُقتَل، وقالوا: إنَّه حيٌّ لم يمت، مقيم بجبل يقال له: العلميَّة، وهو الجبل الذي في طريق مكَّة ونجد...، وهو عنده مقيم فيه حتَّى يخرج؛ لأنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال - بزعمهم -: «القَائِمُ اَلمَهْدِيُّ اسْمُهُ اسْمِي وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمُ أَبِي»...، وكان المغيرة بن سعيد قال بهذا القول لـمَّا تُوفّي أبو جعفر محمّد بن عليٍّ [(عليه السلام)]، وأظهر المقالة بذلك، فبرئت منه الشيعة أصحاب أبي عبد الله جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، ورفضوه)(٤٩٥).
فهو غريب جدًّا، فضلاً عمَّا فيه من خلط وتهافت؛ لأنَّ القول بمهدويَّة محمّد ابن عبد الله بن الحسن لم يُعْرَف إلَّا في زمان مروان الحمار آخر ملوك الأُمويِّين (ت ١٣٢هـ)، ولم يشتهر إلَّا في أواخر إمامة الإمام الصادق (عليه السلام)، أي قبل خروج محمّد وقتله سنة (١٤٥هـ) بمدَّة قصيرة، نتيجةً لما قدَّمناه من موقف الفقهاء والشعراء ودور الإعلام الحسني في إشاعة مهدويَّته بين الناس، في حين يدلُّ كلام النوبختي (رحمه الله) على حصول هذه المقالة بعد وفاة الإمام الباقر (عليه السلام) سنة (١١٤هـ) مباشرةً، ومحمّد بن عبد الله لم يُعْرَف بما ذُكِرَ في ذلك الوقت. ثمّ لا معنى لأنْ ينفي المغيرة قتله وادِّعاء غيبته وإمامته في حياته؛ إذ لم يدَّعِ أحد اغتياله مثلاً في فترة اختفائه عن المنصور حتَّى ينفي المغيرة ذلك، فكيف بإظهارها بعد وفاة الإمام الباقر (عليه السلام) إذن؟!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩٤) مقاتل الطالبيِّين (ص ١٧٥).
(٤٩٥) فِرَق الشيعة (ص ٦٢ و٦٣).

↑صفحة ٢٢٣↑

ولأجل تصحيح تلك المقالة وقبولها، لابدَّ من افتراض صدورها بعد قتل محمّد بن عبد الله الحسني، أو على الأقلّ في زمان اختفائه وخوفه من المنصور.
ولكن إذا ما علمنا أنَّ صاحبها - وهو المغيرة - قد قُتِلَ بسبب شعوذته وسحره وكفره سنة (١١٩هـ)، في زمان هشام بن عبد المَلِك(٤٩٦)، ومحمّد بن عبد الله في ريعان شبابه! اتَّضح ما في الكلام المذكور من خلط وتهافت.
والصحيح هو براءة سائر القواعد الشعبيَّة الشيعيَّة القائلة بإمامة الصادق (عليه السلام) من القول بمهدويَّة محمّد بن عبد الله بن الحسن المثنَّى، أيًّا كان مروِّجها وقائلها، أخذاً بما لديهم من أحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام)، وتمسُّكاً بما كان يقوله الإمام الصادق (عليه السلام) للحسنيِّين وأنصارهم، وما كان يُحذِّرهم به، وينهاهم لا عن دعوى المهدويَّة فحسب، بل عن الخروج على المنصور وهو في أوج قوَّة دولته، استبقاءً على مُهَجهم؛ لأنَّهم عضده وبنو عمومته.
ومن هنا كان (عليه السلام) غزير الدمعة عليهم في حياتهم وبعد نكبتهم؛ إذ كان يعلم بما لم يُحيطوا به خبراً. وهو ما اعترف به سائر المؤرِّخين، وصرَّح به ابن خلدون وغيره فيما تقدَّم، من أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) كان يُحذِّر بني عمومته بأشياء تقع لهم في المستقبل، وكانت تقع على طبق ما أخبر.
ثانياً: موقف الإمام الصادق (عليه السلام) من مهدويَّة الحسني:
إنَّ ما يعنينا هنا هو موقف الإمام الصادق (عليه السلام) من تلقيب محمّد بن عبد الله بن الحسن بالمهدي، وإشاعة ذلك بنحو أدَّى إلى الالتفاف على إيمان الأُمَّة بما بشَّر به النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالمهدي الموعود المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، وأمَّا عن ثورتهم فلا يعنينا أمرها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩٦) تاريخ الطبري (ج ٥/ ص ٤٥٦) في حوادث سنة (١١٩هـ).

↑صفحة ٢٢٤↑

في بحثنا هذا بقدر ما يعنينا التركيز على موقف الإمام الصادق (عليه السلام) المؤيِّد والمساند لكلِّ الانتفاضات العلويَّة ضدَّ الحكم الجائر المتمثِّل بالسلطتين الأُمويَّة والعبَّاسيَّة، ولكنَّه في ذا الوقت كان (عليه السلام) حريصاً على أنْ تتهيَّأ الأجواء المناسبة لنجاح هذه الانتفاضة أو تلك؛ لكي تؤتي ثمارها في القضاء على الظلم والفساد وإفشاء العدل والمساواة بين الناس.
وهذا القدر لابدَّ منه لكي لا يُفهَم بأنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) كان يقف - وحاشاه من ذلك - أمام الرغبة الصادقة في نيل شرف الشهادة بكلِّ غالٍ ونفيس من أجل إعلاء كلمة الله في أرضه، ومقارعة الباطل بكلِّ قوَّة وصلابة.
وقد كان أبو جعفر المنصور يعلم هذا جيِّداً، ولهذا كان يصف الإمام الصادق (عليه السلام) بأنَّه الشجا المعترض في حلقه(٤٩٧).
نعم، كان يعلم بأنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) سوف ينهى محمّد النفس الزكيَّة من ادِّعاء المهدويَّة، ولكنَّه لا يمنعه من إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا ما استطاع إليه سبيلاً.
ولا شكَّ أنَّه يتذكَّر كلام الإمام الصادق (عليه السلام) يوم كتب المنصور نفسه إليه (عليه السلام) قائلاً: لِمَ لَا تَغْشَانَا كَمَا يَغْشَانَا سَائِرُ اَلنَّاسِ؟ فَأَجَابَهُ [(عليه السلام)]: «لَيْسَ لَنَا مَا نَخَافُكَ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَا عِنْدَكَ مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ مَا نَرْجُوكَ لَهُ، وَلَا أَنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَنُهَنِّئَكَ، وَلَا تَرَاهَا نَقِمَةً فَنُعَزِّيَكَ بِهَا، فَمَا نَصْنَعُ عِنْدَكَ؟»، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ: تَصْحَبُنَا لِتَنْصَحَنَا، فَأَجَابَهُ [(عليه السلام)]: «مَنْ أَرَادَ اَلدُّنْيَا لَا يَنْصَحُكَ، وَمَنْ أَرَادَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩٧) إثبات الوصيَّة (ص ١٨٨)، دلائل الإمامة (ص ٢٩٧ و٢٩٨/ ح ٢٥٣/٨٩)، عيون المعجزات (ص ٧٩)، الخرائج والجرائح (ج ٢/ ص ٦٤٠ و٦٤١/ ح ٤٧)، الدُّرُّ النظيم (ص ٦٢٧)، كشف الغمَّة (ج ٢/ ص ٤١٣).

↑صفحة ٢٢٥↑

الآخِرَةَ لَا يَصْحَبُكَ»، فَقَالَ اَلمَنْصُورُ: وَاَلله لَقَدْ مَيَّزَ عِنْدِي مَنَازِلَ اَلنَّاسِ، مَنْ يُرِيدُ اَلدُّنْيَا مِمَّنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ، وَإِنَّهُ مِمَّنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ لَا اَلدُّنْيَا(٤٩٨).
ولهذا نجد أوَّل عمل قام به المنصور بعد قتله محمّد بن عبد الله أنَّه استدعى الإمام الصادق (عليه السلام)، وغلَّظ عليه الكلام، ثمّ قال: (يا جعفر، قد علمت بفعل محمّد بن عبد الله الذي يُسَمُّونه النفس الزكيَّة، وما نزل به، وإنَّما أنتظر الآن أنْ يتحرَّك منكم أحد فأُلحق الصغير بالكبير)(٤٩٩).
إنَّ علم الإمام الصادق (عليه السلام) بعد تحقُّق الحدِّ الأدنى المطلوب من ثورة محمّد النفس الزكيَّة قبل إعلانها، وفشل حركته المحتَّم، وما سيلحق ذلك من نتائج سياسيَّة خطيرة على البيت العلوي عموماً، وعلى الإمام الصادق (عليه السلام) خاصَّة، كان محفِّزاً للإمام (عليه السلام) أنْ يُبيِّن ما بيَّنه لقادة الثورة وللمجتمع المدني يومذاك، لعلَّهم يتريَّثوا إلى حين تهيئة المستلزمات المطلوبة لنجاح الثورة.
ونكتفي بهذا القدر لنعود إلى معالجة القضيَّة الأكبر التي لا زالت عند بعض المتخرِّصين مادَّة للهجوم على الحقيقة المهدويَّة بحجَّة وجود أدعيائها الكثيرين في التاريخ الشيعي كما هو الحال في مهدويَّة محمّد بن عبد الله بن الحسن، لنرى كيف عالج إمامنا الصادق (عليه السلام) تلك الدعوى وبيَّن زيفها، فنقول:
عبَّر موقف الإمام الصادق (عليه السلام) في ردوده على دعوى مهدويَّة محمّد بن عبد الله بن الحسن تعبيراً رائعاً عن إمامته هو (عليه السلام) أوَّلاً، وعن زيف تلك الدعوى ثانياً، وعلى أكثر من صعيد، كالآتي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩٨) التذكرة الحمدونيَّة (ج ١/ ص ١١٣ و١١٤/ ح ٢٣٠)، عنه كشف الغمَّة (ج ٢/ ص ٤٢٧) في مواعظ الإمام الصادق (عليه السلام).
(٤٩٩) الفصول المهمَّة لابن الصبَّاغ (ج ٢/ ص ٩٢١).

↑صفحة ٢٢٦↑

إخباره (عليه السلام) القيادة الحسنيَّة بنتائج تلك الدعوى وقتل صاحبها:
١ - فقد روى أبو الفرج الأصبهاني، والشيخ المفيد، وابن شهرآشوب (رحمهما الله)، أنَّه اجتمع العبَّاسيُّون والحسنيُّون بالأبواء، وذلك في أواخر زمان الحكم الأُموي، فقام صالح بن عليٍّ يحضُّهم على أنْ يعقدوا البيعة لرجل منهم، فعندها حمد الله عبد الله بن الحسن، وأثنى عليه، ثمّ قال: قد علمتم من ابني هذا هو المهدي، فهلمُّوا فلنبايعه، فبايعوه جميعاً، وفيهم أبو جعفر المنصور.
ولـمَّا علم الإمام الصادق (عليه السلام) باجتماعهم هذا أرسل محمّد بن عبد الله الأرقط بن عليِّ بن الحسين (عليه السلام)، فسألهم: لأيِّ شيء اجتمعتم؟
فقال عبد الله: اجتمعنا لنبايع المهدي محمّد بن عبد الله.
ثمّ جاء الإمام الصادق (عليه السلام)، فأوسع له عبد الله بن الحسن إلى جنبه، فتكلَّم بمثل كلامه، فقال الإمام: «لَا تَفْعَلُوا، فَإِنَّ هَذَا الأَمْرَ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ إِنْ كُنْتَ تَرَى أَنَّ اِبْنَكَ هَذَا هُوَ اَلمَهْدِيُّ! فَلَيْسَ بِهِ، وَلَا هَذَا أَوَانُهُ».
فغضب عبد الله وقال: لقد علمت خلاف ما تقول، والله ما أطلعك الله على غيبه، ولكن يحملك على هذا الحسد لابني.
فقال (عليه السلام): «وَاَلله مَا ذَاكَ يَحْمِلُنِي، وَلَكِنَّ هَذَا وَإِخْوَتِهِ وَأَبْنَاؤُهُمْ دُونَكُمْ»، وضرب بيده على ظهر أبي العبَّاس، ثمّ ضرب بيده على كتف عبد الله بن الحسن، وقال: «إِنَّهَا وَاَلله مَا هِي إِلَيْكَ وَلَا إِلَى اِبْنَيْكَ، وَلَكِنَّهَا لَهُمْ، وَإِنَّ اِبْنَيْكَ لَمقْتُولَانِ»، ثمّ نهض وتوكَّأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري، فقال: «أَرَأَيْتَ صَاحِبَ اَلرِّدَاءِ الأَصْفَرِ - يعني أبا جعفر المنصور -؟».
قال: نعم.
قال: «فِإِنَّا وَاَلله نَجِدُهُ يَقْتُلُهُ».
قال له عبد العزيز: أيَقْتُلُ محمّداً؟

↑صفحة ٢٢٧↑

قال: «نَعَمْ».
قال: فقلت في نفسي: حسده، وربِّ الكعبة.
قال: ثمّ والله ما خرجت من الدنيا حتَّى رأيته قتلهما.
قال: لـمَّا قال جعفر ذلك، انفضَّ القوم، فافترقوا ولم يجتمعوا بعدها، وتبعه عبد الصمد وأبو جعفر المنصور، فقالا: يا أبا عبد الله، أتقول هذا؟
قال: «نَعَمْ، أَقُولُهُ وَاَلله، وَأَعْلَمُهُ»(٥٠٠).
٢ - وفي (المناقب) لابن شهرآشوب أَنَّهُ لَـمَّا بُويِعَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ الحَسَنِ عَلَى أَنَّهُ مَهْدِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ جَاءَ أَبُوهُ عَبْدُ الله إِلَى الصَّادِقِ (عليه السلام) وَقَدْ كَانَ يَنْهَاهُ، وَزَعَمَ أَنَّهُ يَحْسُدُهُ، فَضَرَبَ الصَّادِقُ يَدَهُ عَلَى كَتِفِ عَبْدِ الله، وَقَالَ: «إِيهاً، وَالله مَا هِيَ إِلَيْكَ وَلَا إِلَى ابْنِكَ، وَإِنَّمَا هِيَ لِهَذَا - يَعْنِي السِّفَاحَ -، ثُمَّ لِهَذَا - يَعْنِي المَنْصُورَ -، يَقْتُلُهُ عَلَى أَحْجَارٍ الزَّيْتِ، ثُمَّ يَقْتُلُ أَخَاهُ بِالطُّفُوفِ، وَقَوَائِمُ فَرَسِهِ فِي المَاءِ»، فَتَبِعَهُ المَنْصُورُ، فَقَالَ: مَا قُلْتَ، يَا أَبَا عَبْدِ الله؟ فَقَالَ: «مَا سَمِعْتَهُ، وَإِنَّهُ لَكَائِنٌ»، قَالَ: فَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ المَنْصُورَ أَنَّهُ قَالَ: انْصَرَفْتُ مِنْ وَقْتِي، فَهَيَّأْتُ أَمْرِي، فَكَانَ كَمَا قَالَ(٥٠١).
٣ - وفي رواية المسعودي، قال: ... فجمع عبد الله - أي ابن الحسن - أهل بيته، وهمَّ بالأمر، ودعا أبا عبد الله (عليه السلام) للمشاورة، فحضر، فجلس بين المنصور وبين السفَّاح [و]عبد الله ابني محمّد بن عليِّ بن عبد الله بن العبَّاس،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠٠) مقاتل الطالبيِّين (ص ١٤١ و١٤٢، و١٧١ و١٧٢)، الإرشاد (ج ٢/ ص ١٩٠ - ١٩٣)، ومناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٣٥٥ و٣٥٦)، في معرفته (عليه السلام) باللغات وإخباراته بالغيب. ورواه الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ١/ ص ٥٢٦ - ٥٢٨)، والإربلي (رحمه الله) في كشف الغمَّة (ج ٢/ ص ٣٨٥ - ٣٨٧).
(٥٠١) مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٣٥٥).

↑صفحة ٢٢٨↑

ووقعت المشاورة، فضرب أبو عبد الله (عليه السلام) يده على منكب أبي العبَّاس عبد الله السفَّاح، فقال: «لَا وَاَلله، إِمَّا أَنْ يَمْلِكَهَا هَذَا أَوَّلاً»، ثمّ ضرب بيده الأُخرى على منكب أبي جعفر عبد الله المنصور، وقال: «وَتَتَلَاعَبُ بِهَا اَلصِّبْيَانُ مِنْ وُلْدِ هَذَا»...(٥٠٢).
٤ - وأخرج ثقة الإسلام الكليني (رحمه الله) عن موسى بن عبد الله بن الحسن، عن أبيه في حديث طويل جاء فيه قوله (عليه السلام) لعبد الله: «يَا بْنَ عَمِّ، إِنِّي أُعِيذُكَ بِالله مِنَ التَّعَرُّضِ لِهَذَا الأَمْرِ الَّذِي أَمْسَيْتَ فِيه، وَإِنِّي لَخَائِفٌ عَلَيْكَ أَنْ يَكْسِبَكَ شَرًّا».
وقوله (عليه السلام) في ابنه أنَّه «المَقْتُولُ بِسُدَّةِ أَشْجَعَ عِنْدَ بَطْنِ مَسِيلِهَا...، لَا وَالله لَا يَمْلِكُ أَكْثَرَ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ...، فَاتَّقِ اللهَ وَارْحَمْ نَفْسَكَ وَبَنِي أَبِيكَ...، وَالله لَكَأَنِّي بِه صَرِيعاً مَسْلُوباً بِزَّتُه، بَيْنَ رِجْلَيْه لَبِنَةٌ».
وخرج عبد الله مغضباً، فلحقة أبو عبد الله (عليه السلام)، وأخبره بأنَّه وبني أبيه سيُقتَلون، ثمّ قال: «فَإِنْ أَطَعْتَنِي وَرَأَيْتَ أَنْ تَدْفَعَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَافْعَلْ، فَوَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الكَبِيرُ المُتَعَالِ عَلَى خَلْقِه لَوَدِدْتُ أَنِّي فَدَيْتُكَ بِوُلْدِي وَبِأَحَبِّهِمْ إِلَيَّ وَبِأَحَبِّ أَهْلِ بَيْتِي إِلَيَّ وَمَا يَعْدِلُكَ عِنْدِي شَيْءٌ، فَلَا تَرَى أَنِّي غَشَشْتُكَ».
قال موسى بن عبد الله بن الحسن: (فَمَا أَقَمْنَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا قَلِيلاً عِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ نَحْوَهَا حَتَّى قَدِمَتْ رُسُلُ أَبِي جَعْفَرٍ فَأَخَذُوا أَبِي وَعُمُومَتِي سُلَيْمَانَ بْنَ حَسَنٍ وَحَسَنَ بْنَ حَسَنٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ حَسَنٍ وَدَاوُدَ بْنَ حَسَنٍ وَعَلِيَّ بْنَ حَسَنٍ وَسُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ بْنِ حَسَنٍ وَعَلِيَّ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَسَنٍ وَحَسَنَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ حَسَنٍ وَطَبَاطَبَا إِبْرَاهِيمَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَسَنٍ وَعَبْدَ الله بْنَ دَاوُدَ...، فَصُفِّدُوا فِي الحَدِيدِ).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠٢) إثبات الوصيَّة (ص ١٨٦ و١٨٧).

↑صفحة ٢٢٩↑

وأطلع عليهم أبو عبد الله (عليه السلام) وهم في تلك الحال، وكان عامَّة ردائه مطروح بالأرض، وحمَّ عشرين ليلة لم يزل باكياً فيها الليل والنهار حتَّى خيف عليه.
ثمّ ظهر بعد هذا محمّد بن عبد الله ودعا الناس لبيعته، وأحضروا الإمام الصادق (عليه السلام) لمبايعتهم بالقوَّة، وامتنع قائلاً لمحمّد: «وَالله لَكَأَنِّي بِكَ خَارِجاً مِنْ سُدَّةِ أَشْجَعَ إِلَى بَطْنِ الوَادِي وَقَدْ حَمَلَ عَلَيْكَ فَارِسٌ مُعْلَمٌ فِي يَدِه طِرَادَةٌ نِصْفُهَا أَبْيَضُ وَنِصْفُهَا أَسْوَدُ عَلَى فَرَسٍ كُمَيْتٍ أَقْرَحَ فَطَعَنَكَ، فَلَمْ يَصْنَعْ فِيكَ شَيْئاً، وَضَرَبْتَ خَيْشُومَ فَرَسِه فَطَرَحْتَه، وَحَمَلَ عَلَيْكَ آخَرُ خَارِجٌ مِنْ زُقَاقِ آلِ أَبِي عَمَّارٍ الدُّئلِيِّينَ، عَلَيْه غَدِيرَتَانِ مَضْفُورَتَانِ، وَقَدْ خَرَجَتَا مِنْ تَحْتِ بَيْضَةٍ، كَثِيرُ شَعْرِ الشَّارِبَيْنِ، فَهُوَ وَالله صَاحِبُكَ، فَلَا رَحِمَ الله رِمَّتَه(٥٠٣)».
ثمّ شهد بعد ذلك موسى بن عبد الله بن الحسن - راوي الخبر - على حصول كلِّ ما أخبر به الإمام الصادق (عليه السلام)، حتَّى لكأنَّه (عليه السلام) كان يُخبِر عن معاينة(٥٠٤).
تفهيم الناس بمصير المهدي الحسني ومهدويَّته:
بعد فراغ الإمام الصادق (عليه السلام) من مواجهة بني الحسن، وبالحقيقة المرَّة، والمصير المحتوم الذي ينتظرهم على يد الجلَّاد العبَّاسي أبي الدوانيق، اتَّجه كلامه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠٣) واسم هذا الرجل (لعنه الله) حميد بن قحطبة، فهو الذي احتزَّ رأس محمّد عند أحجار الزيت المكان الذي ذكره الإمام الصادق (عليه السلام)، وذلك بعد عصر يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة (١٤٥هـ)، كما في: تاريخ الطبري (ج ٦/ ص ٢١٨)، والكامل في التاريخ (ج ٥/ ص ٥٤٩)، والبداية والنهاية (ج ١٠/ ص ٩٦)، كلُّهم في حوادث سنة (١٤٥هـ).
(٥٠٤) الكافي (ج ١/ ص ٣٥٨ - ٣٦٦/ باب ما يُفصَل به بين دعوى المحقِّ والمبطل في أمر الإمامة/ ح ١٧)، وبعضه في الكامل في التاريخ (ج ٥/ ص ٥٢١) في حوادث سنة (١٤٤هـ).

↑صفحة ٢٣٠↑

- هذه المرَّة - إلى الناس، لاسيّما أصحابه، ليكونوا دعاة خير لمن لهج بمهدويَّة ابن عبد الله ولم يصله موقف الإمام المعلن أمام القيادة الحسنيَّة وجهاً لوجه، وفي أكثر من مكان.
١ - عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ بِجَادٍ العَابِدِ، قَالَ: كَانَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) إِذَا رَأَى مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اَلله بْنِ حَسَنٍ تَغَرْغَرَتْ عَيْنَاهُ، ثُمَّ يَقُولُ: «بِنَفْسِي هُوَ، إِنَّ اَلنَّاسَ لَيَقُولُونَ فِيهِ، وَإِنَّهُ لَمَقْتُولٌ، لَيْسَ هُوَ فِي كِتَابِ عَلِيٍّ مِنْ خُلَفَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ»(٥٠٥).
٢ - وَعَنْ مُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)، إِذْ أَقْبَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله، فَسَلَّمَ، ثُمَّ ذَهَبَ، فَرَقَّ لَه أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام)، وَدَمَعَتْ عَيْنَاه، فَقُلْتُ لَه: لَقَدْ رَأَيْتُكَ صَنَعْتَ بِه مَا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُ، فَقَالَ [(عليه السلام)]: «رَقَقْتُ لَه؛ لأَنَّه يُنْسَبُ إِلَى أَمْرٍ لَيْسَ لَه، لَمْ أَجِدْه فِي كِتَابِ عَلِيٍّ (عليه السلام) مِنْ خُلَفَاءِ هَذِه الأُمَّةِ، وَلَا مِنْ مُلُوكِهَا»(٥٠٦).
٣ - وعن عيسى بن عبد الله، قال: حدَّثتني أُمِّي أُمُّ حسين بنت عبد الله بن محمّد بن عليِّ بن الحسين، قالت: قلت لعمِّي جعفر بن محمّد [(عليهما السلام)]: إنِّي فديتك، ما أمر محمّد بن عبد الله؟ قال: «فِتْنَةٌ، يُقْتَلُ فِيهَا مُحَمَّدٌ عِنْدَ بَيْتٍ رُومَيٍّ، وَيُقْتَلُ أَخُوهُ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ بِالعِرَاقِ وَحَوَافِرُ فَرَسِهِ فِي مَاءٍ»(٥٠٧).
٤ - وفي الصحيح عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام): إِنَّ الزَّيْدِيَّةَ وَالمُعْتَزِلَةَ قَدْ أَطَافُوا بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله، فَهَلْ لَه سُلْطَانٌ؟ فَقَالَ (عليه السلام):

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠٥) الإرشاد (ج ٢/ ص ١٩٣)، عن مقاتل الطالبيِّين (ص ١٤٢)، وفيه: (إنَّ الناس ليقولون فيه: إنَّه المهدي).
(٥٠٦) الكافي (ج ٨/ ص ٣٩٥/ ح ٥٩٤).
(٥٠٧) تاريخ الطبري (ج ٦/ ص ٢٢٣)، مقاتل الطالبيِّين (ص ١٦٨)، تجارب الأُمَم (ج ٣/ ص ٤٠٨)، الكامل في التاريخ (ج ٥/ ص ٥٥٣)، نهاية الأرب (ج ٢٥/ ص ٤٩)، في حوادث سنة (١٤٥هـ).

↑صفحة ٢٣١↑

«وَالله إِنَّ عِنْدِي لَكِتَابَيْنِ فِيهِمَا تَسْمِيَةُ كُلِّ نَبِيٍّ، وَكُلِّ مَلِكٍ يَمْلِكُ الأَرْضَ، لَا وَالله مَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا»(٥٠٨).
٥ - وفي رواية للطبري، قال: خرج مع محمّد، حمزة بن عبد الله بن محمّد ابن عليٍّ، وكان - أي حمزة - من أشدّ الناس مع محمّد، قال: فكان جعفر [(عليه السلام)] يقول له: «هُوَ وَاَلله مَقْتُولٌ»(٥٠٩).
٦ - وفي الصحيح عَنْ فُضَيْلِ بْنِ سُكَّرَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)، فَقَالَ: «يَا فُضَيْلُ، أتَدْرِي فِي أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُ أَنْظُرُ قُبَيْلُ؟»، قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: «كُنْتُ أَنْظُرُ فِي كِتَابِ فَاطِمَةَ (عليها السلام)، لَيْسَ مِنْ مَلِكٍ يَمْلِكُ الأَرْضَ إِلَّا وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِيه بِاسْمِه وَاسْمِ أَبِيه، وَمَا وَجَدْتُ لِوُلْدِ الحَسَنِ فِيه شَيْئاً»(٥١٠).

جدير بالذكر أنَّ آباء الإمام الصادق (عليه السلام) قد أخبروا بهذا أيضاً، ففي الصحيح عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ رَوْحٍ القَصِيرِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِ الله (عزَّ وجلَّ): ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُوا الأَرحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ [الأحزاب: ٦]، فِيمَنْ نَزَلَتْ؟ فَقَالَ: «نَزَلَتْ فِي الإِمْرَةِ، إِنَّ هَذِه الآيَةَ جَرَتْ فِي وُلْدِ الحُسَيْنِ (عليه السلام) مِنْ بَعْدِه، فَنَحْنُ أَوْلَى بِالأَمْرِ وَبِرَسُولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ»، قُلْتُ فَوُلْدُ جَعْفَرٍ - ابن أبي طالب - لَهُمْ فِيهَا نَصِيبٌ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَلِوُلْدِ العَبَّاسِ فِيهَا نَصِيبٌ؟ فَقَالَ: «لَا»، فَعَدَدْتُ عَلَيْه بُطُونَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لَا»، قَالَ: وَنَسِيتُ وُلْدَ الحَسَنِ (عليه السلام)، فَدَخَلْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْه، فَقُلْتُ لَه: هَلْ لِوُلْدِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠٨) الكافي (ج ١/ ص ٢٤٢/ باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة.../ ح ٧).
(٥٠٩) تاريخ الطبري (ج ٦/ ص ٢٢٣) في حوادث سنة (١٤٥هـ).
(٥١٠) الكافي (ج ١/ ص ٢٤٢/ باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة.../ ح ٨).

↑صفحة ٢٣٢↑

الحَسَنِ (عليه السلام) فِيهَا نَصِيبٌ؟ فَقَالَ: «لَا وَالله يَا عَبْدَ الرَّحِيمِ، مَا لِمُحَمَّدِيٍّ فِيهَا نَصِيبٌ غَيْرَنَا»(٥١١).
كما أخبر أمير المؤمنين عليٌّ (عليه السلام) بمصير محمّد بن عبد الله الحسني، فقد أورد الثقفي، وابن أبي الحديد المعتزلي، جملة من إخباراته (عليه السلام) الغيبيَّة، ومنها قوله في محمّد هذا: «إِنَّهُ يُقْتَلُ عِنْدَ أَحْجَارِ اَلزَّيْتِ»(٥١٢)، وكقوله (عليه السلام) فيه أيضاً: «يَأْتِيهِ سَهْمٌ غَرْبٌ يَكُونُ فِيهِ مَنِيَّتُهُ، فَيَا بُؤْساً لِلرَّامِي، شُلَّتْ يَدُهُ، وَوَهُنَ عَضُدُهُ»(٥١٣).
تأكيده (عليه السلام) على سبق دعوى المهدويَّة لزمان المهدي (عجَّل الله فرجه):
أراد الإمام الصادق (عليه السلام) - بعد أنْ أخذ دوره المطلوب في نصح وتحذير القيادة الحسنيَّة وقاعدتها بوجوب الكفِّ عن إشاعة مهدويَّة ابن عبد الله - أنْ يكون تطلُّع الأُمَّة إلى الله تعالى من خلال عقيدتها بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) المبشَّر بظهوره في آخر الزمان، تطلُّعاً صحيحاً وموجَّهاً، الأمر الذي يقتضي تزويدها بما يمكن معه أنْ تُقيِّم كلَّ دعوى من هذا القبيل؛ ولهذا جاء التأكيد على سبق دعوى المهدويَّة لزمان ظهور المهدي (عجَّل الله فرجه).
ويدلُّ عليه ما مرَّ بنا من قوله - في اجتماع الأبواء - لعبد الله بن الحسن: «... إِنْ كُنْتَ تَرَى أَنَّ اِبْنَكَ هَذَا هُوَ اَلمَهْدِيُّ! فَلَيْسَ بِهِ، وَلَا هَذَا أَوَانُهُ».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١١) الكافي (ج ١/ ص ٢٨٨/ باب ما نصَّ الله (عزَّ وجلَّ) ورسوله على الأئمَّة (عليهم السلام) واحداً فواحداً/ ح ٢)؛ ورواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ٤٨/ ح ٣٠)، والصدوق (رحمه الله) في علل الشرائع (ج ١/ ص ٢٠٦ و٢٠٧/ باب ١٥٦/ ح ٤).
(٥١٢) الغارات (ج ٢/ ص ٦٨٠)، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (ج ٧/ ص ٤٨) في شرح الخطبة (٩٢).
(٥١٣) المصدر السابق.

↑صفحة ٢٣٣↑

فقوله (عليه السلام): «فَلَيْسَ بِهِ» صريح بأنَّ المهدي الموعود (عجَّل الله فرجه) ليس هو محمّد ابن عبد الله الحسني؛ إذ لم يُولَد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بعد، ولا أقلّ من حديث كون الأئمَّة اثنا عشر آخرهم المهدي، وهو الحديث الذي عرفته الأُمَّة كلُّها، فأين الأحد عشر الذين سبقوا ابن عبد الله حتَّى يكون هو خاتمتهم؟!
وقوله (عليه السلام): «وَلَا هَذَا أَوَانُهُ» ناظر إلى الأُمور التي تسبق الظهور، وجاء بها الحديث الشريف على لسان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام)، وهو ما سنُوضِّحه في ردِّ مهدويَّة (المهدي العبَّاسي).
بيان الاختلاف بين هويَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وهويَّة المهدي الحسني:
بيَّن الإمام الصادق (عليه السلام) الاختلاف الحاصل بين هويَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وهويَّة (المهدي الحسني)، في اسم الأب، والكنية، والنسب، مع الاختلاف في اسم الأُمِّ، وأصلها.
والمعروف في اسم الحسني مدَّعي المهدويَّة، أنَّه محمّد بن عبد الله بن الحسن المثنَّى، ابن الإمام الحسن السبط، ابن أمير المؤمنين الإمام عليِّ بن أبي طالب (عليهما السلام).
ويُكنَّى: أبا عبد الله.
وأُمُّه: هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن ربيعة بن الأسود بن المطَّلب بن أسد بن عبد العزَّى بن قصي بن كلاب(٥١٤).
وبناءً على ذلك:
فإنَّ اسم أبيه: (عبد الله).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١٤) عمدة الطالب (ص ١٠٣)؛ كتاب نسب قريش (ص ٥٣)، طبقات خليفة (ص ٤٦٩)، أنساب الأشراف (ج ٣/ ص ٧٥/ الرقم ٨٧)، فِرَق الشيعة (ص ٥٩)، سرُّ السلسلة العلويَّة (ص ٧)، مقاتل الطالبيِّين (ص ١٥٧)، وذكروا جميعاً في نسب الأُمِّ مكان (ربيعة): (زمعة)، وكذلك في طبعة ثانية من عمدة الطالب أيضاً (زمعة) بدل (ربيعة).

↑صفحة ٢٣٤↑

وكنيته: (أبو عبد الله).
وأصله: (حسني).
واسم أُمِّه: (هند)، وهي امرأة عربيَّة، قرشيَّة، حرَّة.
وقد بيَّن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّ هذه الأُمور الأربعة في هويَّة (المهدي الحسني)، تخالف تماماً هويَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، كالآتي:
١ - الاختلاف في اسم الأب، والكنية:
وقد كانت حجَّة الحسنيِّين في مهدويَّة محمّد النفس الزكيَّة حديث «اسْمُهُ اسْمِي وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمُ أَبِي»، وقد وافق اسمه اسم النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واسم أبيه لاسم أبي النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وهذا الحديث على فرض صحَّته ليس بدليل، وإلَّا لاقتضى أنْ يكون في الأُمَّة آلاف المهديِّين - بقطع النظر عن غيره من أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه) -؛ إذ ما أكثر من تسمَّى بـ(محمّد بن عبد الله) في هذه الأُمَّة، فكيف الحال لو كان الحديث موضوعاً لا أصل له؟!
وقد مرَّ عليك دور أنصار المهدي الحسني في وضع هذا الحديث نصرةً لمهديِّهم، وأمَّا وروده بعد قتل الحسني على ألسنة الرواة وكبار المحدِّثين من العامَّة، فمآله السلطة العبَّاسيَّة التي سخَّرت من يضع لها في مهدويَّة محمّد بن عبد الله المنصور العبَّاسي، كما سنُبيِّنه في محلِّه.
وقد ردَّ الإمام الصادق (عليه السلام) على هذا الحديث المزعوم، بقوله الشريف في المهدي: «اِسْمُهُ اِسْمُ نَبِيٍّ، وَاِسْمُ أَبِيهِ اِسْمُ وَصِيٍّ»(٥١٥).
ولم يعترف الإمام الصادق (عليه السلام) ولا أحد من أهل البيت (عليهم السلام) قطُّ بهذه العبارة: (اسم أبيه اسم أبي)، ولم تُروَ عنهم، ولا من طُرُقهم البتَّة. الأمر الذي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١٥) الغيبة للنعماني (ص ١٨٦ و١٨٧/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٢٩).

↑صفحة ٢٣٥↑

يكشف عن كونها مزيدة - فيما بعد - على أصل الحديث، وقد اعترف أحد كبار علماء الحديث من العامَّة وهو أبو الحسن الآبري (ت ٣٦٣هـ) في كتابه (مناقب الشافعي) بأنَّ الأصل في هذه الزيادة هو أبو الصلت زائدة بن قدامة(٥١٦)، وزائدة هذا ضعيف في الحديث، وكان مولعاً بزيادة ما يراه مناسباً على أصل الحديث، الأمر ال