فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 كتب أخرى

الكتب مهديُّ الأُمم

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ عبد الله حسن آل درويش تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/٢٠ المشاهدات المشاهدات: ٤٩٧٦٤ التعليقات التعليقات: ١

مهديُّ الأُمم

تأليف: الشيخ عبد الله حسن آل درويش

الطبعة الأولى ١٤٣٢هـ - ٢٠١١م

الفهرس

مقدمة الكتاب..................٩
الفصل الأول: الإمامة والإمام المهدي في عقيدة الشيعة الإمامية..................١٣
الإمامة في الأدلة العقلية والشرعية..................١٥
الأول: الدليل العقلي (ضرورة وجود إمام في كل زمان)..................١٥
مزيد بيان وتوضيح..................١٦
اللطف قسمان..................١٧
الثاني: الدليل الشرعي (الإمامة في القرآن والسنة الشريفة)..................٢١
حديث رزية الخميس في مصادر السنة..................٢٩
إمامة أهل البيت (عليهم السلام) في الأحاديث الشريفة..................٣٣
١ - حديث الثقلين..................٣٣
معنى الحديث..................٣٧
اقترانهم بالقرآن الكريم..................٤٠
دلالة حديث الثقلين على وجود الإمام المهدي (عليه السلام)..................٤٢
٢ - حديث (يكون بعدي اثنا عشر خليفة)..................٤٣
تحير السنة في معنى الحديث وأقوالهم فيه..................٤٩
لماذ خفي صوت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على الراوي..................٥١
قول بعض المحققين: (لأنهم لا يحسّنون خلافة بني هاشم)..................٥٧
هل بيّن النبي (صلّى الله عليه وآله) أسماء الخلفاء الاثني عشر أم لا؟..................٦٣
الحديث في ميزان الدلالة..................٦٦
الأمر الأول: دلالة الحديث على تولي الخلفاء مباشرة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله)..................٦٦
الأمر الثاني: دلالة الحديث على إمامة الأئمة الاثني عشر من أهل البيت..................٦٧
الإمام المهدي (عليه السلام) أحد الخلفاء الاثني عشر..................٧٩
الأمر الثالث: إن الأرض لا تخلو منهم أبداً..................٨٣
الأمر الرابع: انتهاء العالم بذهابهم جميعاً..................٨٥
ردود ونقود:..................٨٦
دعوى أن الخلفاء الاثني عشر قد انتهوا بنهاية خلافة هشام بن عبد الملك..................٨٦
دعوى أن هؤلاء الخلفاء ليسوا على التوالي..................٨٧
زعمهم أنا نقول: إن الدين لم يظهر بالخلفاء الاثني عشر..................٩٠
ظهور الدين بالأئمة (عليهم السلام)..................٩٩
زعمهم أن الخلفاء الاثني عشر لم يُستخلفوا فلا يشملهم الحديث..................١٠٥
٣ - حديث (وأهل بيتي أمان لأمتي)..................١٠٩
كلمات بعض أعلام السنة في معنى الحديث الشريف..................١١١
المراد بأهل البيت (عليهم السلام)..................١١٢
دلالة الحديث على إمامة أهل البيت وأن الأرض لا تخلو منهم أبدا..................١١٣
الإمام المهدي إمام أهل هذا الزمان..................١١٧
زعم بعضهم أن المراد من (أهل البيت) هم أهل التقوى وأبدال الأنبياء وجوابه..................١١٨
٤ - حديث السفينة..................١٢٢
معنى الحديث..................١٢٤
خلاصة الكلام في حديث السفينة..................١٢٧
الأول: وجوب اتباعهم..................١٢٧
الثاني: اتباعهم يوجب النجاة..................١٢٧
الثالث: دلالته على أفضليتهم..................١٢٨
الرابع: دلالته على وجوب محبتهم..................١٢٨
الخامس: دلالته على عصمتهم..................١٢٩
السادس: من تخلف عنهم ضل..................١٢٩
السابع: هم الميزان لمعرفة المؤمن والكافر..................١٢٩
دلالة الحديث على وجود إمام في كل عصر..................١٢٩
٥ حديث (من مات وليس له إمام..)..................١٣٠
أولاً: قوله: (من مات وليس له إمام)..................١٣٧
ثانياً: قوله: (مات ميتة جاهلية)..................١٣٩
انطباق الحديث على الإمام المهدي (عليه السلام)..................١٤٣
الأدلة الأخرى على إمامة أهل البيت (عليهم السلام)..................١٤٦
خلاصة البحث..................١٥١
الإمام المهدي المنتظر في مؤلفات الشيعة الإمامية..................١٥٢
الفصل الثاني: الإمام المهدي (عليه السلام) في عقيدة السنة..................١٥٧
هل الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر عقيدة شيعية؟..................١٦٠
الإيمان بظهور الإمام المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان..................١٦٣
ردود السنة على من أنكر الإمام المهدي (عليه السلام)..................١٦٨
١ - الرد على من زعم (لا مهدي إلا عيسى بن مريم)..................١٦٨
٢ - الردود على كتاب (لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر (صلّى الله عليه وآله))..................١٧٠
الرد الأول: كتاب (الاحتجاج بالأثر في الرد على من أنكر المهدي المنتظر)..................١٧٠
دعوى أن المهدي ليس له ذكر في القرآن..................١٧١
الرد الثاني: كتاب (الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي (عليه السلام)، ويليه عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر)..................١٧٢
٣ - رد الشيخ الألباني على السيد رشيد رضا صاحب تفسير المنار..................١٧٣
٤ - رد الشبهات حول المهدي..................١٧٤
٥ - الردود على ابن خلدون (ت ٨٠٨ هـ)..................١٧٤
الرد الأول: رد الحافظ أبي العلاء المباركفوري (ت ١٣٥٣ ه)..................١٧٤
الرد الثاني: إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون:..................١٧٥
الرد الثالث: رد الشيخ ناصر الدين الألباني الشامي..................١٧٧
الرد الرابع: رد الأستاذ أحمد محمد شاكر..................١٧٧
الرد الخامس: رد الشيخ عبد المحسن بن محمد العباد..................١٧٨
الرد السادس: رد الدكتور عبد العليم البستوي..................١٧٨
الإمام المهدي (عليه السلام) في أحاديث الصحابة عند السنة..................١٨١
ممن خرّج أحاديث الصحابة حول المهدي من الحفاظ والعلماء..................١٨٢
شهرة أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) عند الصحابة والتابعين..................١٨٣
صحة أحاديث الإمام المهدي عند أعلام السنة..................١٨٥
١ - الترمذي (ت ٢٩٧ ه)..................١٨٥
٢ - الحافظ أبو جعفر العقيلي (ت ٣٢٣ ه)..................١٨٥
٣ - أبو حاتم ابن حبان البستي (ت ٣٥٤ ه)..................١٨٦
٤ - البيهقي (ت ٤٥٨ ه)..................١٨٦
٥ - ابن تيمية الحراني (ت ٧٢٨ ه)..................١٨٦
٦ - القرطبي (ت ٧٦١ ه)..................١٨٦
٧ - سعد الدين التفتازاني (ت ٧٩٣ ه)..................١٨٧
٨ - الشيخ علي المتقي الهندي (ت ٩٧٥ ه)..................١٨٧
٩ - الشيخ ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠ ه)..................١٨٧
تواتر أحاديث الإمام المهدي عند أعلام السنة..................١٨٨
١ - الحافظ أبو الحسن محمد بن الحسين الآبري السجزي (ت ٣٦٣ ه)..................١٨٩
٢ - الحافظ أبو عبد الله الكنجي الشافعي (ت ٦٥٨ ه)..................١٨٩
٣ - ابن خلدون (ت ٨٠٨ ه)..................١٩٠
٤ - محمد بن رسول الحسيني البرزنجي (ت ١١٠٣ ه)..................١٩٠
٥ - الشيخ محمد السفاريني (ت ١١٨٨ ه)..................١٩١
٦ - القاضي محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ ه)..................١٩١
٧ - النواب صديق حسن خان القنوجي (ت ١٣٠٧ ه)..................١٩٢
٨ - الشيخ محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني (ت ١٣٤٥ ه)..................١٩٢
٩ - المباركفوري (ت ١٣٥٣ ه)..................١٩٥
١٠ - الشريف أبو الفيض الغماري الحسيني المغربي (ت ١٣٨٠ ه)..................١٩٦
١١ - الشيخ عبد العزيز بن باز..................١٩٧
الحفاظ والمحدثون والمؤرخون الذين ذكروا أخبار المهدي (عليه السلام)..................١٩٩
لماذا لم يصرح البخاري باسم المهدي في صحيحه..................٢٠٨
الإمام المهدي من أهل البيت (عليهم السلام)..................٢١٥
حديث بنا فتح الله وبنا يختم..................٢٢٠
الإمام المهدي من ولد فاطمة (عليها السلام)..................٢٢٣
الإمام المهدي من ولد الحسين (عليه السلام)..................٢٢٧
علماء السنة الذين ذكروا ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)..................٢٣٤
١ - أبو نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ ه)..................٢٣٧
٢ - أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨ ه)..................٢٣٧
٣ - أبو محمد عبد الله بن الخشاب (ت ٥٦٧ ه)..................٢٣٧
٤ - ابن الأزرق المؤرخ (ت ٥٩٠ ه)..................٢٣٧
٥ - ابن الأثير عز الدين الجزري (ت ٦٣٠ ه)..................٢٣٧
٦ - محيي الدين بن العربي الأندلسي (ت ٦٣٨ ه)..................٢٣٨
٧ - كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي (ت ٦٥٢ ه)..................٢٣٩
٨ - شمس الدين أبو المظفر، يوسف بن فزاعلي سبط ابن الجوزي الحنبلي (ت ٦٥٤ ه)..................٢٤٠
٩ - محمد بن يوسف أبو عبد الله الكنجي الشافعي (المقتول سنة ٦٥٨ ه)..................٢٤٠
١٠ - ابن خلكان (ت ٦٨١ ه)..................٢٤١
١١ - الجويني الحموئي الشافعي (ت ٧٣٢ ه)..................٢٤١
١٢ - الذهبي(ت ٧٤٨ ه)..................٢٤١
١٣ - عمر بن الوردي (ت ٧٤٩ ه)..................٢٤١
١٤ - نور الدين علي بن محمد بن الصباغ المالكي (ت ٨٥٥ ه)..................٢٤٢
١٥ - الفضل بن روزبهان (ت بعد ٩٠٩ ه)..................٢٤٢
١٦ - جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ ه)..................٢٤٣
١٧ - شمس الدين محمد بن طولون الحنفي مؤرخ دمشق (ت ٩٥٣ ه)..................٢٤٣
١٨ - عبد الوهاب بن أحمد الشعراني الشافعي (ت ٩٧٣ ه)..................٢٤٤
١٩ - أحمد بن حجر المكي الهيتمي الشافعي (ت ٩٧٤ ه)..................٢٤٤
٢٠ - أحمد بن يوسف أبو العباس القرماني الحنفي (ت ١٠١٩ ه)..................٢٤٥
٢١ - الشيخ عبد الله الشبراوي الشافعي (ت ١١٧١ ه)..................٢٤٥
٢٢ - الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي الحنفي (ت ١١٧٦ ه)..................٢٤٥
٢٣ - سليمان بن إبراهيم المعروف بالقندوزي الحنفي (ت ١٢٩٤ ه)..................٢٤٦
٢٤ - مؤمن بن حسن الشبلنجي (ت ١٣٠٨ ه)..................٢٤٦
٢٥ - خير الدين الزركلي (ت ١٣٩٦ ه)..................٢٤٦
التعريف بجملة من مؤلفات السنة حول الإمام المهدي (عليه السلام)..................٢٤٨
تعتيم وتجاهل بعض السنة ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)..................٢٥٧
الفصل الثالث: البشارة بالإمام المهدي (عليه السلام) وولادته ونشأته في حياة أبيه والنص عليه بالإمامة وخصاله وخصائصه الشريفة..................٢٦٩
البشارات بالإمام المهدي (عليه السلام)..................٢٧١

بشارة النبي (صلّى الله عليه وآله) بالإمام المهدي (عليه السلام)..................٢٧١
بشارة الإمام الصادق (عليه السلام) بالإمام المهدي (عليه السلام)..................٢٧٥
بشارة الإمام الرضا بالإمام المهدي (عليهما السلام) وقصيدة دعبل..................٢٧٦
قيام الإمام الرضا (عليه السلام) عند ذكر الحجة (عليه السلام)..................٢٧٨
ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)..................٢٧٩
كلام بعض الأعلام في ولادة الإمام (عليه السلام)..................٢٧٩
بركة الليلة التي ولد فيها الإمام (عليه السلام)..................٢٨٠
أمّ الإمام (عليه السلام)..................٢٨٠
ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) برواية حكيمة (عليها السلام)..................٢٨١
عقيقة الإمام (عليه السلام)..................٢٨٦
الأدلة على ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)..................٢٨٧
أسماء الإمام وألقابه الشريفة..................٢٩٠
١ - المهدي..................٢٩٠
٢ - القائم..................٢٩١
٣ - المنتظر..................٢٩٢
٤ - المنصور..................٢٩٣
كنيته (عليه السلام)..................٢٩٣
صفات الإمام (عليه السلام) وشمائله الشريفة..................٢٩٥
١ - أشبه الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله)..................٢٩٥
٢ - وجهه كالكوكب الدري..................٢٩٥
٣ - شاب مربوع حسن الوجه، حسن الشعر، لا يهرم..................٢٩٦
٤ - واسع الصدر، مسترسل المنكبين..................٢٩٧
٥ - أبيض اللون، مشرّب بالحمرة وفيه علامتان..................٢٩٧
٦ - عريض مابين المنكبين..................٢٩٨
الإمام المهدي (عليه السلام) في حياة أبيه (عليه السلام)..................٢٩٩
مع أبيه (عليه السلام) في مرضه ووفاته ونصه عليه..................٢٩٩
النص عليه بالإمامة..................٣٠٣
من خصائص الإمام (عليه السلام) وماحباه الله تعالى به..................٣٠٨
الأول: خفاء ولادته على الناس..................٣٠٨
الثاني: طول عمر الإمام المهدي (عليه السلام)..................٣٠٩
الثالث: عنده مواريث الأنبياء (عليهم السلام)..................٣١٤
١ درع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)..................٣١٤
٢ عنده عصا موسى وخاتم سليمان (عليهما السلام)..................٣١٥
٣ - قميص يوسف (عليه السلام)..................٣١٥
الرابع: فيه سنن الأنبياء (عليهم السلام)..................٣١٦
الخامس: قوة الإمام (عليه السلام)..................٣١٧
السادس: مثله مثل الخضر..................٣١٧
السابع: يصلح الله أمره في ليلة واحدة..................٣١٨
الثامن: معه راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله)..................٣١٨
التاسع: راية المهدي (عليه السلام) تضيء بين المشرق والمغرب..................٣١٩
العاشر: ما هو مكتوب في راية المهدي (عليه السلام)..................٣١٩
الحادي عشر: يطهر الله به الأرض من الكفر ويذل له كلّ صعب..................٣٢٠
الثاني عشر: يصلي خلفه عيسى بن مريم (عليه السلام)..................٣٢٠
كلام الإربلي في صلاة عيسى (عليه السلام) خلف المهدي (عليه السلام)..................٣٢٤
كلام سبط ابن الجوزي في صلاة عيسى خلف المهدي..................٣٢٦
الثالث عشر: أجر الشهادة بين يديه (عليه السلام)..................٣٢٧
الرابع عشر: يُكبر عليه سبعاً في الصلاة عليه..................٣٢٧
الخامس عشر: الإمام المهدي (عليه السلام) في القرآن الكريم..................٣٢٨
الفصل الرابع: غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)..................٣٤٣
الأمر الأول: إعلام أئمة أهل البيت شيعتهم بأمر الغيبة..................٣٤٥
الأمر الثاني: الغيبة غيبتان صغرى وكبرى..................٣٤٦
الغيبة الصغرى..................٣٤٩
سفراء الإمام (عليه السلام) في الغيبة الصغرى..................٣٤٩
الأول: أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عمرو العمري (ت ٢٦٥)..................٣٥٠
الثاني: ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري (ت ٣٠٥)..................٣٥١
الثالث: أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحير النوبختي (ت ٣٢٦)..................٣٥٤
الرابع: أبو الحسن علي بن محمد السمري (ت ٣٢٨)..................٣٥٧
الغيبة الكبرى..................٣٥٨
الأمر الثالث: الحكمة من الغيبة..................٣٥٩
الحكمة من الغيبة في الروايات الشريفة..................٣٦٨
١ - لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا قام بالسيف..................٣٦٩
٢ - لعدم الأمن على نفسه..................٣٧٠
٣ - حتى تظهر ودائع الله (عزَّ وجلَّ)..................٣٧٠
٤ - حتى يجتمع للإمام (عليه السلام) عدة أهل بدر..................٣٧١
٥ - لتجري فيه سنن الأنبياء وغيباتهم..................٣٧١
الأمر الرابع: انتفاع الناس من وجود الإمام (عليه السلام)..................٣٧٢
الأمر الخامس: يشهد موسم الحج كل عام..................٣٧٣
الأمر السادس: التقية في زمن الغيبة..................٣٧٣
الأمر السابع: انتظار الفرج في زمن الغيبة وفضله..................٣٧٤
الأمر الثامن: من حقوق الإمام علينا في زمن الغيبة..................٣٧٧
زيارة الإمام المهدي (عليه السلام) والدعاء له..................٣٨٦
تعّهد زيارة الإمام المهدي (عليه السلام)..................٣٨٦
زيارة: السلام على الحق الجديد..................٣٨٦
الاستغاثة بالإمام المهدي (عليه السلام)..................٣٨٧
زيارة آل يس..................٣٨٩
كيفية التسليم عليه (عليه السلام) إذا خرج..................٣٩١
الصلاة على الحجة وعلى آبائه وأجداده الطاهرين (عليهم السلام)..................٣٩٢
صلوات أخرى..................٣٩٣
٢ الدعاء للإمام المهدي (عليه السلام)..................٣٩٣
الدعاء للإمام (عليه السلام) في الخطبة..................٣٩٧
الدعاء للإمام (عليه السلام) في يوم عرفة..................٣٩٧
الدعاء للإمام (عليه السلام) في يوم العيد..................٣٩٨
الدعاء للإمام (عليه السلام) في يوم الجمعة..................٣٩٨
الدعاء للإمام (عليه السلام) بعد كلّ صلاة..................٣٩٩
الدعاء للإمام (عليه السلام) بعد صلاة الفجر وبعد صلاة الظهر..................٤٠٠
دعاء الإمام الكاظم (عليه السلام) بعد صلاة العصر..................٤٠٠
الدعاء له في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان وفي كلّ وقت..................٤٠٠
دعاء العهد الشريف يدعى به أربعين صباحاً..................٤٠١
الدعاء في غيبة القائم (عليه السلام)..................٤٠٣
دعاء الإمام الرضا (عليه السلام) للإمام المهدي (عليه السلام)..................٤٠٦
من أدعية الإمام المهدي (عليه السلام)..................٤٠٩
دعاء علّمه لبعضهم ففرج الله عنه..................٤٠٩
دعاؤه (عليه السلام) في مطالب الدنيا والآخرة..................٤١٠
دعاؤه (عليه السلام) في صلاة الحاجة والاستخارة..................٤١٠
دعاؤه (عليه السلام) للخلاص من الشدائد..................٤١١
دعاؤه (عليه السلام) لتفريج الهموم والغموم..................٤١١
دعاؤه (عليه السلام) لتفريج الهموم..................٤١١
دعاؤه (عليه السلام) لقضاء الحوائج، المسمى بسهم الليل..................٤١٢
دعاؤه (عليه السلام) لقضاء الحوائج في ليلة الجمعة..................٤١٣
دعاؤه (عليه السلام) في الاحتراز..................٤١٤
الفصل الخامس: علامات الظهور والرجعة..................٤١٥
خروج السفياني..................٤١٨
خروج الدجال وفتنته..................٤١٩
كسوف الشمس..................٤٢٥
طلوع الشمس من المغرب..................٤٢٥
ظهور النار بالحجاز..................٤٢٧
ظهور صحيفة مكتوب عليها طاعة معروفة..................٤٢٧
نداء: ألا إن الحق في آل محمد..................٤٢٨
مطر الناس في جمادى الآخرة..................٤٢٨
الإياس والقنوط، والاختلاف الشديد بين الناس..................٤٢٩
علامات أخرى..................٤٢٩
الرجعة عند ظهور الإمام الحجة (عليه السلام)..................٤٣٠
كلام الشريف المرتضى (رحمه الله تعالى) في الرجعة..................٤٣٣
الفصل السادس: أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام) خصائصهم وأحوالهم..................٤٣٥
أسماؤهم مكتوبة في صحيفة عند الإمام (عليه السلام)..................٤٣٧
يخرج معه جماعة من قوم موسى (عليه السلام) وأصحاب الكهف وغيرهم..................٤٣٧
عدتهم كعدة بدر وهم أصحاب الألوية..................٤٣٨
يجمعهم الله في يوم واحد..................٤٣٩
افتخار الأرض بأصحاب الإمام (عليه السلام)..................٤٣٩
أصحاب المهدي (عليه السلام) شباب لا كهول فيهم إلا قليلاً..................٤٤٠
من طالقان..................٤٤٠

مساكن أصحاب الإمام (عليه السلام)..................٤٤٠
الفصل السابع: ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) وما جاء فيه من الأخبار الشريفة ومسيره من مكة إلى الكوفة..................٤٤٣
ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)..................٤٤٣
١ - حتمية الظهور..................٤٤٣
٢ - ظهور الإمام (عليه السلام) عند بيت الله الحرام بين الركن والمقام يوم عاشوراء..................٤٤٤
٣ - النداء من السماء باسمه، يسمعه جميع أهل الأرض..................٤٤٤
٤ - نداء الملك على رأسه الشريف..................٤٤٥
٥ - إذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة وأول ما ينطق به الآية الشريفة..................٤٤٦
٦ - تضرع الإمام (عليه السلام) عند المقام..................٤٤٦
٧ - خطبة الإمام (عليه السلام) في مكة وبعثه الجنود في الآفاق..................٤٤٧
٨ - صعوده (عليه السلام) المنبر وبيعة جبرئيل له ومجيء أصحابه إليه..................٤٤٨
٩ - إن الله تعالى ينصره بالملائكة المسومين..................٤٤٨
١٠ - بيعة الأصحاب للإمام (عليه السلام) بين الركن والمقام..................٤٤٨
١١ - إذا كمل له عشرة آلاف رجل خرج..................٤٤٩
خروج الإمام (عليه السلام) من مكة إلى الكوفة ومسيره إلى الكوفة وما يقوم به..................٤٥١
خروج الإمام (عليه السلام) من مكة إلى الكوفة..................٤٥١
أهل الكوفة أسعد الناس بالإمام (عليه السلام)..................٤٥٢
سبعون ألف صدّيق يكونون في أصحابه (عليه السلام)..................٤٥٢
دخوله (عليه السلام) الكوفة ويقتل كلّ منافق مرتاب..................٤٥٢
ظهوره في الكوفة وينشر راية جده رسول الله (صلّى الله عليه وآله)..................٤٥٣
خطبته على منبر الكوفة وخروجه إلى الغري..................٤٥٥
أصحاب القائم (عليه السلام) يضربون فساطيطهم في مسجد الكوفة..................٤٥٥
بناء مسجد له ألف باب..................٤٥٦
يستخرج من الكوفة اثني عشر ألف درع..................٤٥٧
تخفق على رأسه الأعلام البيض في نجف الكوفة..................٤٥٧
نزول الإمام (عليه السلام) في مسجد السهلة..................٤٥٨
يرسل أصحابه إلى الآفاق كلها..................٤٥٩
صلاة الإمام الصادق (عليه السلام) عند موضع منبر القائم (عليه السلام)..................٤٥٩
الفصل الثامن: ملامح دولة الإمام المهدي (عليه السلام) وكيفية حكمه الشريف..................٤٥٩
ملامح من سيرة الإمام (عليه السلام) وحكمه وقضائه..................٤٦٣
لباس الإمام وطعامه..................٤٦٣
خضوع الأشياء إليه..................٤٦٥
معرفته بكل إنسان صالح هو أم طالح؟..................٤٦٥
دولة الإمام آخر الدول..................٤٦٦
القصاص والانتقام من الظلمة والعمل بما في الجفر الأحمر..................٤٦٦
أ - بنو شيبة..................٤٦٨
ب - فئة من قريش..................٤٦٨
ج - ينتقم لجدته فاطمة (عليها السلام)..................٤٦٨
د - ذراري قتلة الحسين (عليه السلام)..................٤٦٨
ه - النواصب..................٤٧٠
قتاله اليهود والنصارى والزنادقة والكفار..................٤٧٠
لا يأخذ جزية من أحد ويأتي بملوك الروم مصفّدين..................٤٧١
يحكم بحكم داود ولايسأل الناس بينة..................٤٧٢
يقوم بأمر جديد، وسنة جديدة، وقضاء جديد..................٤٧٣
وقفة قصيرة مع النص الشريف..................٤٧٤
قوله (عليه السلام): (يقوم بأمر جديد)..................٤٧٤
قوله (عليه السلام): (وسنة جديدة)..................٤٧٤
إنكار أنس بن مالك على تضييعهم الفرائض والسنن..................٤٧٥
إنكار ابن عباس على تركهم السنة..................٤٧٥
تصريح عمران بن الحصين..................٤٧٦
قوله (عليه السلام): (على العرب شديد)..................٤٧٧
قوله (عليه السلام): (وليس شأنه إلا القتل)..................٤٧٨
قوله (عليه السلام): (ولا يستتيب أحداً)..................٤٧٨
ينقض البدع ويحيي سنة النبي (صلّى الله عليه وآله)..................٤٧٩
الفتوحات في عصره الشريف..................٤٨١
يستخرج من أنطاكية التوراة وعصا موسى وخاتم سليمان (عليهما السلام)..................٤٨٣
حال العالم والناس في دولته المباركة..................٤٨٦
١ - الوضع الديني للعالم في دولة الإمام (عليه السلام)..................٤٨٧
لا يبقى أحد إلا وحّد الله وأقرّ بالنبي (صلّى الله عليه وآله)..................٤٨٧
يبلغ سلطانه المشرق والمغرب، وظهور الدين..................٤٨٩
٢ - صحة المؤمن ومناعته..................٤٩٠
٣ - قوة المؤمن الروحية والبدنية..................٤٩٠
استبشار الأموات وفرحتهم بظهوره (عليه السلام)..................٤٩٢
٤ - تطور وسائل الاتصال..................٤٩٣
٥ - التطور الاقتصادي والاكتفاء الذاتي..................٤٩٣
٦ - النهضة الصناعية واستخراج كنوز الأرض..................٤٩٩
٧ - الثروة الزراعية..................٥٠٠
٨ - الثروة الحيوانية..................٥٠٣
٩ - النهضة العمرانية..................٥٠٤
١٠ - الوضع الاجتماعي لعامة الناس..................٥٠٥
١١ - الوضع الأمني في دولة الإمام (عليه السلام)..................٥٠٧
١٢ - مدة حكم الإمام (عليه السلام) وحركة الفلك في زمانه..................٥٠٨
الدعائم التي يرسيها الإمام (عليه السلام) في دولته والإصلاحات..................٥٠٩
١ - تعليم الناس القرآن..................٥٠٩
٢ - بث العلم في الناس والتطور العلمي والمعرفي عند الناس..................٥١٠
٣ - الناس سواء أمام القانون وردّ الحقوق إلى أهلها..................٥١٢
٤ - تقسيم المال بالتساوي ووفرته..................٥١٢
٥ - يعطي الناس عطايا مرتين في الشهر وفي السنة..................٥١٤
٦ - إصلاح المساجد والطرقات..................٥١٤
الفصل التاسع: ألطاف الإمام المهدي (عليه السلام) ورعايته لأوليائه..................٥١٩
ألطاف الإمام (عليه السلام) ورعايته لأوليائه..................٥٢١
١ - تأبين الشيخ المفيد (رحمه الله تعالى)..................٥٢١
٢ - الشيخ الصدوق (رحمه الله) - ولد بدعاء الإمام - (عليه السلام)..................٥٢٢
٣ - نجاة أحد الصالحين ببركة الإمام (عليه السلام)..................٥٢٤
٤ - إستغاثة أبي الوفاء الشيرازي بالإمام (عليه السلام) وخروجه من السجن..................٥٢٦
٥ - لطفه مع العلامة الحلي..................٥٢٧
٦ - لطفه بزائريه في سرداب سامراء..................٥٢٨
٧ - رؤيا السيد باقر الهندي الإمام (عليه السلام) في المنام..................٥٢٩
٨ - نجاة قافلة تاهت في الصحراء بعدما كادت أن تموت من العطش..................٥٣٠
الفصل العاشر: شذرات من القصائد والأشعار في مدح وندبة الإمام المهدي (عليه السلام)..................٥٣٣
السيد الحميري..................٥٣٦
دعبل بن علي الخزاعي..................٥٣٨
أبو الحسن الشفهيني..................٥٣٩
رضي الدين رجب البرسي..................٥٣٩
رباعيات الشيخ البهائي العاملي..................٥٤١
وسيلة الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان..................٥٤٣
الشيخ عبد الحسين الأعسم النجفي..................٥٤٧
الشيخ محمد جواد البلاغي..................٥٤٨
السيد حيدر الحلي..................٥٤٩
السيد جعفر الحلي..................٥٥١
الشيخ محمد حسين الأصفهاني..................٥٥٢
الإمام العسكري..................٥٥٤
انهض على اسم الله..................٥٥٥
ألا ترى قد هتكوا أستاره..................٥٥٥
انشر لواك..................٥٥٦
يا لثارات النبي الهادي (صلّى الله عليه وآله وسلم)..................٥٥٦
السيد رضا الهندي..................٥٥٧
الشيخ عبد الله بن معتوق..................٥٥٩
السيد محمد جمال الهاشمي..................٥٦٠
يا صاحب الأمر..................٥٦٠
الشيخ فرج بن حسن آل عمران..................٥٦٢
ميلاد الإمام المنتظر (عجل الله فرجه الشريف)..................٥٦٢
الشاعر محمد سعيد الجشي..................٥٦٣
يا مطلع الفجر..................٥٦٣
الدكتور الشيخ محمد حسين علي الصغير..................٥٦٤
الشيخ محسن المعلم..................٥٦٦
الشيخ عبد الكريم الزرع..................٥٦٧
يا منقذ الإسلام..................٥٦٧
وله أيضاً: يا أملاً..................٥٧٠
الشيخ مهدي المصلي..................٥٧٢
يا باسط العدل..................٥٧٢
الشاعر معتوق المعتوق..................٥٧٤
نجوى مع الفجر..................٥٧٤
وله أيضاً: الأمَلُ المُرَجَّى..................٥٧٦
مصادر الكتاب..................٥٨٠

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمّ كُن لوليّك الحجّة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كلّ ساعة ولياً وحافظاً، وقائداً وناصراً، ودليلاً وعيناً حتّى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتّعه فيها طويلاً.
اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا صلواتك عليه وآله وغيبة ولينا، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، وشدة الفتن بنا، وتظاهر الزمان علينا، وصل على محمد واله، وأعنا على ذلك بفتح منك تعجله، وبضر تكشفه، ونصر تعزه، وسلطان حق تظهره، ورحمة منك تجللناها، وعافية منك تلبسناها، برحمتك يا أرحم الراحمين.

↑صفحة ٥↑

الإهداء

إليك أيها المرتجى لإزالة الجور والعدوان، والمدخر لتجديد الفرائض والسنن.
إليك يا صاحب يوم الفتح، وناشر راية الهدى.. ومؤلف شمل الصلاح والرضا.. والطالب بدم المقتول بكربلاء.
إليك أيها الإمام المنتظر المصلح الذي تملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
إليك سيدي هذا المجهود القليل..أهدي هذا الكتاب فعسى أن ينال رضاك.
(يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ) (يوسف: ٨٨).

أهدي لمجلسه الكريم وإنما * * * أهدي له ما حزتُ من نعمائه
كالبحر يمطره السحابُ ومالهُ * * * منٌّ عليه لأنه من مائه

↑صفحة ٧↑

مقدمة الكتاب

الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين, واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

إلى الحشر حتى يبعث اللهُ قائماً * * * يفرج عنّا الهم والكرباتِ

إن الحديث حول الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) مما تتوق إليه النفس، فهو الذي سوف يتحقق على يديه العدل، وتبديد الجور والظلم، وبه يفرّج الله تعالى عن المؤمنين، فهو أمل المستضعفين والمحرومين، وهو الذي سوف ينعم في دولته الأنام، وبفضله يعمّ الأمن والسلام.
وكم نحن بأمس الحاجة في أن نتعرف على هذا التأريخ المشرق، ونتزود من هذا النور الذي ستضيء به الدنيا في نهاية المطاف بعد صراع دام طويلاً بين الحق والباطل، فلابد أن تأتي شمس العدل والحرية لتشرق على آفاق هذه الأرض التي عانت ما عانت من ظلم وجور.
وهذا الكتاب أخي الكريم يستهدف التعريف على نحو الإجمال للسيرة

↑صفحة ٩↑

العطرة لمولانا الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، من خلال ما جاء فيه من الأخبار والأحاديث الشريفة، وما يرتبط بخصائصه وخصاله، وما حباه الله تعالى من كرامات ونفحات، وما يتعلق بغيبته وظهوره الشريف، وتأريخ سفرائه وأصحابه، وخصائص دولته المباركة.. وحقوقه على الأمة.
ونشير هنا إلى أن هذا الكتاب قد صدر في عام ١٤٢٦ باسم (المختصر في حياة الإمام المنتظر (عليه السلام)) وكان عدد صفحاته في حدود ٢٢٠ صفحة، وقد وزّع منه نسخ محدودة إلى أن اطلع عليه سماحة العلامة الأستاذ الشيخ محسن المعلم أيده الله تعالى، والذي لا يزال يرفدنا بتوجيهاته النافعة جزاه الله تعالى خير جزاء المحسنين، فاقترح علينا إضافة بعض البحوث المهمة إلى هذا الكتاب ليخرج بصورة أكمل مما كان عليه سابقاً، وأكثر نفعاً للقارئ، فحفزني دام فضله على الإسراع في إنجاز هذا الكتاب، فالفضل يعود إليه، فقمت بعون الله تعالى وتوفيقه ممتثلاً لهذا الواجب الولائي.
ويتلخص عملي الجديد في هذا الكتاب في ما يلي:
١ - قمت بتنسيق الكتاب من جديد، مع إضافة بعض البحوث المهمة، منها: الإمامة والإمام المهدي (عليه السلام) عند الشيعة الإمامية، وسرد بعض الأدلة على إمامة أهل البيت (عليهم السلام) بنحو الإجمال، والإشارة إلى بعض مصادر الإمامية التي تناولت موضوع الإمامة وأدلتها.
٢ - تناولت ملامح من عقيدة السنة حول الإمام المهدي (عليه السلام)، مع ذكر بعض الجهات المشتركة بيننا وبينهم في ذلك، والإشارة إلى جملة من مصادرهم التي روت أخبار ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، ليرى الباحث الكم الهائل المتنوع عند الفرق الإسلامية في هذا الأمر، كما أشرنا أيضاً إلى جملة من حفاظهم ومحدثيهم الذين دونوا أحاديث المهدي (عليه السلام) وأثبتوها في مصنفاتهم، وذكرنا أيضاً جملة ممن نصّ منهم على صحتها وتواترها، كما ذكرنا أيضاً ردود بعض أعلام السنة على من أنكر أو ضعّف أخبار المهدي (عليه السلام).

↑صفحة ١٠↑

٣ - ذكرت جملة من حقوق الإمام المهدي (عليه السلام) علينا، وما ينبغي علينا تجاهه، وفضل انتظار الفرج في زمن الغيبة، كما ذكرت بعض الأدعية المروية عن الإمام (عليه السلام).
وأخيراً أرجو أن يكون هذا الكتاب قد ساهم في إثراء المكتبة الإسلامية في ما يرتبط بتأريخ وحياة مولانا الإمام المهدي (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف)، وأنَّى لنا أن نفي بحقه، أو نعرّفه بأكثر مما أفصحت به الأحاديث الشريفة التي جاءت من المنبع الصافي، والنمير الذي لا ينضب، فنحن قاصرون في بيان ذلك.

فيمَ الكلام لسابقٍ في غايةٍ * * * والناس بين مقصّر ومبلدِ
إن الذي يجري ليدرك شأوه * * * يُنمى بغير مسودٍ ومسدّدِ
بل كيف يدرك نور بدر ساطع * * * خير الأنام وفرع آل محمدِ(١)

وأسأل الله العلي القدير أن ينفع بهذا الكتاب إخواني المؤمنين، وأخص بالذكر أيضاً طلاب الحقيقة الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يتقبل مني هذا المجهود القليل في حقِّ مولانا صاحب العصر والزمان أرواحنا له الفداء إنه سميع الدعاء، والحمد لله ربِّ العالمين.

عبد الله حسن آل درويش
حُرر في مدينة مشهد المقدسة
الجمعة ١١ شعبان المعظم سنة ١٤٣١

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الأبيات لذكوان مولى الإمام الحسين (عليه السلام) قالها فيه.

↑صفحة ١١↑

الفصل الأول: الإمامة والإمام المهدي في عقيدة الشيعة الإمامية

↑صفحة ١٣↑

الإمامة في الأدلة العقلية والشرعية
الأول: الدليل العقلي (ضرورة وجود إمام في كل زمان)
تستدل الشيعة الإمامية على وجوب تنصيب الإمام بعد النبي (صلّى الله عليه وآله)، وعدم خلو الزمان منه، بالأدلة العقلية والشرعية.
أما الأدلة العقلية، فمنها ما يسمى بقاعدة اللطف الإلهي(٢)، ولبيان هذه القاعدة، نقول:
تقتضي قاعدة اللطف إعلام العباد بما فيه صلاحهم وما فيه فسادهم لطفاً بهم، فكلُّ شيء يترتب عليه صلاحهم يرشدهم إليه، وكلُّ شيء فيه فسادهم ينهاهم عنه، ومن هنا اقتضت قاعدة اللطف بعث الرسل والأنبياء ليتم البلاغ على أيديهم، فيبشرون الناس وينذرونهم، ويبلغون لهم الأحكام، فوجود الأنبياء في الأرض يمثل اللطف الإلهي، فعلى هذا يكون كلُّ لطف واجباً فعله.
وبنفس هذا المناط أيضاً نقول: بعد الأنبياء لا يمكن أن تخلو الأرض من حجة لله تعالى في كلّ زمان، ومما لا نقاش فيه أن صلاح البشر يتوقف على وجود

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) راجع أيضاً فيما يرتبط بالأدلة العقلية على وجوب الإمامة كتاب الألفين للعلامة الحلي (رحمه الله تعالى) فقد سرد فيه أكثر من ألف دليل من الأدلة العقلية وغيرها على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام).

↑صفحة ١٥↑

إمام يرعاهم في كلّ زمان، عالم بأمورهم، خبير بما يصلحهم وما يفسدهم، وما يقرّبهم إلى الله تعالى، فيتمّ بوجود الإمام نظم أمور الناس، وصلاح شأنهم في الدين والدنيا، فمن هنا قالوا: إن وجود الإمام بين الناس من اللطف الإلهي، فوجوده إذن أمر ضروري، وهذا ما تقتضيه قاعدة اللطف.
وأما كون الإمامة من اللطف الواجب فلا إشكال فيه، لأن الإمام يقرِّب الناس إلى طاعة الله، ويبعدهم عن معصيته بلا إلجاء، ويقيم عليهم الحجة، ويعرفهم التكاليف الشرعية، وهذا ما يفعله الله تعالى بعباده من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وقد اعترف بهذه القاعدة أيضاً الرازي، فقد قال: إن كلّ ما في مقدور الله تعالى من الألطاف في حقّ الكل فقد فعله.. وفعل اللطف واجب...(٣)
مزيد بيان وتوضيح
ولتوضيح استدلال الشيعة الإمامية بقاعدة اللطف الإلهي على ضرورة نصب الإمام بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) لا بأس أن نورد هنا بعض كلمات الأعلام في بيان هذه القاعدة المهمة وحدودها ومواردها ليقف القارئ الكريم على حقيقة هذه القاعدة.
قال الشيخ المفيد (رحمه الله تعالى): اللطف هو ما يقرّب المكلف معه من الطاعة ويبعده عن المعصية، ولاحظ له في التمكين ولم يبلغ الإلجاء، فإن قيل: ما الدليل على أن اللطف واجب في الحكمة؟ فالجواب: الدليل على وجوبه توقف غرض المكلف عليه، فيكون واجباً في الحكمة، وهو المطلوب.(٤)
وقال أيضاً في مبحث الإمامة: فإن قيل: حكمة الله تعالى تقتضي نصب الإمام وتوجبه أم لا؟ فالجواب: الحكمة تقتضي ذلك وتوجبه، فإن قيل: ما حد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣) راجع التفسير الكبير، الرازي: ٤/ ١١٠، والمحصول، الرازي: ٤/ ١٠٢ - ١٠٣.
(٤) النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد: ٣٥.

↑صفحة ١٦↑

الإمام؟ فالجواب: الإمام هو الإنسان الذي له رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي (عليه السلام).
فإن قيل: ما الدليل على أن الإمامة واجبة في الحكمة؟ فالجواب: الدليل على ذلك أنها لطف، واللطف واجب في الحكمة على الله تعالى فالإمامة واجبة في الحكمة.(٥)
اللطف قسمان:
على ضوء تعريف الشيخ المفيد (رحمه الله تعالى) السابق للطف نلاحظ أمراً مهماً في التعريف هو: أن شرط اللطف أن لا يبلغ حدّ الإلجاء، لأنه خلاف التكليف.
ويقول الشيخ الميرزا أبو الحسن الشعراني في بيان هذه المسألة: إن كلَّ مقرب إلى الطاعة ومبعد عن المعصية يجب على الله تعالى إن لم يوجب الجبر والقهر.(٦)
وقال الشيخ محمد صالح المازندراني: واعتقادنا أن التكليف من الشارع حسن، إذ خلق الشهوة والميل إلى القبيح، والتكليف زاجر عنه، وكلُّ شيء يقرّب العبد إلى ارتكاب المحاسن ويبعده عن المكاره كبعث الأنبياء، وتأييدهم بالمعجزات، والأمر والنهي، والتخويف من العقاب، والترغيب في الثواب لطف، كما قيل: التكاليف الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية.
واعتقادنا أن اللطف واجب في حكمته ورحمته كما قال: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)(٧) وشرط اللطف أن لا يبلغ الإلجاء بأن يسبب الأسباب بحيث لا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) نفس المصدر: ٣٩.
(٦) راجع: شرح أصول الكافي، محمد صالح المازندراني: ج ٥ هامش: ص ٢٢٦ - ٢٢٩.
(٧) سورة الأنعام، الآية: ٥٤.

↑صفحة ١٧↑

يتمكن العبد من المعصية، مثلاً لا يجب على الله أن لا يخلق الخمر حتى لا يشربها أحد، أو لا يخلق فيه الشهوة حتى لا يزني، فإن ذلك وإن كان يقرب العبد إلى الطاعة لكن يبلغ حدّ الإلجاء، وهو ينافي التكليف كما قال: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا)(٨) يعني بالإلجاء، لكن خيّرهم ولم يجبرهم، (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ).(٩)
ويجب أيضاً عليه إقدار العبد وتمكينه من الفعل المكلف به، وهذا شرط التكليف، ولا يسمى لطفاً، فإن قيل: نرى كثيراً مما يقرب العبد إلى الطاعة يقيناً لم يحصل، مثلاً لو رأى الفاسق في كلّ يوم معجزة من وليٍّ ربما يرتدع، ولو ابتلى كلُّ فاسق ببلاء بعد عمله ربما انزجر، وأمثال ذلك.
قلنا: جميع ما يتوهم من ذلك، إما أمور غير ممكنة في حكمة الله تعالى، وإما يصير إلى حدّ الإلجاء، وإن لم نعلم تفصيله...(١٠)
وقال ابن جبر أيضاً في بيان حدّ اللطف في جهة أخرى غير ما ذكر: إن اللطف واجب على الله تعالى من حيث الحكمة وعدله يقتضي ذلك، ولا يماري في ذلك من يقول بالعدل، ولأن اللطف أيضاً لطفان: لطف يؤدي تركه إلى فساد، وذلك يجب فعله على الله تعالى كنصب النبيِّ أو الإمام للخلق يهتدون به، ولطف لا يؤدي تركه إلى فساد، كترك زيد أن يدخله الله الجنة تفضلاً منه وتلطفاً بزيد.(١١)
ويقول الشيخ الأميني (رحمه الله تعالى) في بيان هذه القاعدة، وعقيدتنا في الإمامة: الذي نرتأيه في الخلافة أنها إمرة إلهية كالنبوة، وإن كان الرسول خص بالتشريع والوحي الإلهي، وشأن الخليفة التبليغ والبيان، وتفصيل المجمل،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) سورة يونس، الآية: ٩٩.
(٩) سورة الأنفال، الآية: ٤٢.
(١٠) نفس المصدر السابق: ١/ ١٢.
(١١) نهج الإيمان، ابن جبر: ٣٧.

↑صفحة ١٨↑

وتفسير المعضل، وتطبيق الكلمات بمصاديقها، والقتال دون التأويل كما يقاتل النبيُّ دون التنزيل، وإظهار ما لم يتسن للنبيِّ الإشادة به إما لتأخر ظرفه، أو لعدم تهيأ النفوس له، أو لغير ذلك من العلل، فكل منهما داخل في اللطف الإلهي الواجب عليه، بمعنى تقريب العباد إلى الطاعة وتبعيدهم عن المعصية، ولذلك خلقهم واستعبدهم وعلّمهم ما لم يعلموا، فلم يدع البشر كالبهائم ليأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل، ولكن خلقهم ليعرفوه، وليمكنهم من الحصول على مرضاته، وسهّل لهم الطريق إلى ذلك ببعث الرسل، وإنزال الكتب، وتواصل الوحي في الفينة بعد الفينة، وبما أن أيّ نبيّ لم ينط عمره بمنصرم الدنيا، ولا قدّر له البقاء مع الأبد، وللشرايع ظروف مديدة، كما أن للشريعة الخاتمة أمداً لا منتهى له، فإذا مات الرسول ولشريعته إحدى المدتين وفي كلّ منهما نفوس لم تكمل بعد، وأحكام لم تبلغ وإن كانت مشرعة، وأخرى لم تأت ظروفها، ومواليد قدر تأخير تكوينها، ليس من المعقول بعد أن تترك الأمة سدى والحالة هذه، والناس كلهم في شمول ذلك اللطف، والواجب عليه سبحانه شرع سواء، فيجب عليه جلّت عظمته أن يقيض لهم من يكمل الشريعة ببيانه، ويزيح شبه الملحدين ببرهانه، ويجلو ظلم الجهل بعرفانه، ويدرأ عن الدين عادية أعدائه بسيفه وسنانه، ويقيم الأمت والعوج بيده ولسانه.
ومهما كان للمولى جلّت مننه عناية بعبيده، وقد ألزم نفسه بإسداء البر إليهم، وأن لا يوليهم إلا الخير والسعادة، فعليه أن يختار لهم من ينوء بذلك العبء الثقيل، ويمثل مخلفه الرسول في الوظايف كلها، فينص عليه بلسان ذلك النبيّ المبعوث، ولا يجوز أن يخلي سربهم، ويتركهم سدى، ألا ترى أن عبد الله بن عمر قال لأبيه: إن الناس يتحدثون أنك غير مستخلف، ولو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاء وترك رعيته رأيت أن قد فرّط - لرأيت أن قد ضيّع - ورعاية الناس أشد من رعاية الإبل والغنم، ماذا تقول لله (عزَّ وجلَّ) إذا لقيته ولم تستخلف على عباده؟!.(١٢)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) صحيح مسلم: ٦/ ٥، السنن الكبرى، البيهقي: ٨/ ١٤٩، سيرة عمر، ابن الجوزي: ١٩٠، المصنف، الصنعاني: ٥/ ٤٤٩، فتح الباري، ابن حجر: ١٣/ ١٧٧.

↑صفحة ١٩↑

وقالت عائشة لابن عمر: يا بني أبلغ عمر سلامي وقل له: لا تدع أمة محمد بلا راعٍ، استخلف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملاً، فإني أخشى عليهم الفتنة.(١٣)
فترك الناس مهملين فيه خشية الفتنة عليهم، وقال عبد الله بن عمر لأبيه: لو استخلفت؟ قال: من؟ قال: تجتهد فإنك لست لهم برب، تجتهد، أرأيت لو أنك بعثت إلى قيّم أرضك ألم تكن تحب أن يستخلف مكانه حتى يرجع إلى الأرض؟ قال: بلى. قال: أرأيت لو بعثت إلى راعي غنمك ألم تكن تحب أن يستخلف رجلاً حتى يرجع؟.(١٤)
وهذا معاوية بن أبي سفيان يتمسك بهذا الحكم العقلي المسلم في استخلاف يزيد، ويقول: إني أرهب أن أدع أمة محمد بعدي كالضأن لا راعي لها!.(١٥)
ليت شعري هذا الدليل العقلي المتسالم عليه لِمَ أهملته الأمة في استخلاف النبيّ الأعظم واتهمته بالصفح عنه؟ أنا لا أدري، ولا يجوز أيضاً توكيل الأمر إلى أفراد الأمة، أو إلى أهل الحل والعقد منهم، لأن مما أوجبه العقل السليم أن يكون الإمام مكتنفاً بشرايط بعضها من النفسيات الخفية، والملكات التي لا يعلمها إلا العالم بالسرائر كالعصمة والقداسة الروحية، والنزاهة النفسية لتبعده عن الأهواء والشهوات، والعلم الذي لا يضل معه في شيء من الأحكام إلى كثير من الأوصاف التي تقوم بها النفس، ولا يظهر في الخارج منها إلا جزئيات من المستصعب الحكم باستقرائها على ثبوت كلياتها، (وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ)(١٦) والله يعلم حيث يجعل رسالته.(١٧)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣) الإمامة والسياسة، ابن قتيبة: ١/ ٢٨.
(١٤) الطبقات الكبرى، ابن سعد: ٣ / ٣٤٣، المعجم الأوسط، الطبراني: ٢/ ٨٤.
(١٥) تاريخ الطبري: ٤/ ٢٢٦، الإمامة والسياسة، ابن قتيبة: ١/ ١٥٩.
(١٦) سورة القصص، الآية: ٦٩.
(١٧) الغدير، الشيخ الأميني: ٧ / ١٣١ - ١٣٣.

↑صفحة ٢٠↑

إذن فمن هذا المنطلق تحكم الضرورة العقلية بعدم جواز إهمال أمر الإمامة عند الشارع المقدس، فإن الشريعة التي بينت الكثير من المستحبات والآداب، وهي أمور دون الواجبات، وكذلك بينت الكثير من المكروهات وهي دون المحرمات، إذن لا يمكن أن تغفل أهم بند من بنود الشريعة، والتي يتوقف عليه نظام البشر وصلاحهم، وهي الإمامة، كما تبانت على ذلك أيضاً سيرة العقلاء المستمرة إلى يومنا هذا في جميع أمورهم الضرورية، فقد دأبوا في سيرتهم على تنصيب من يتولى الأمور عنهم في حال غيابهم حفظاً لها من الضياع والإهمال.
الثاني: الدليل الشرعي (الإمامة في القرآن والسنة الشريفة)
تناول القرآن الكريم موضوع الإمامة في عدة من الآيات الشريفة، وقد أشبع علماء الطائفة البحث فيها وبينوا دلالتها على إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بما لا مزيد عليه، فراجع على سبيل المثال: كتاب الشافي للشريف المرتضى، وكتاب نهج الحق وكشف الصدق للعلامة الحلي، وكتاب المراجعات للسيد شرف الدين العاملي، وكتاب دلائل الصدق للشيخ المظفر، وكتاب إحقاق الحق وملحقاته للسيد المرعشي، وغيرها الكثير جداً.
وأما السنة الشريفة فقد بينت بما لا مزيد عليه، وقد تضافرت في ذلك النصوص الشريفة في مواطن عديدة أن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يمت حتى نصّ على الخليفة من بعده، وهو علي أمير المؤمنين (عليه السلام) إماماً للأمة من بعده(١٨) في عدة مواطن، ابتداءً من يوم الدار لما نزل قوله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)(١٩)...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨) راجع: نفس المصادر التي ذكرناها آنفاً.
(١٩) سورة الشعراء، الآية: ٢١٤. وممن روى ذلك تاريخ الطبري: ٢/ ٦٢ - ٦٣، بالإسناد عن عبد الله بن عباس، عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) دعاني رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) فقال لي: يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين إلى أن ذكر دعوته لبني عبد المطلب وهم أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب.. وساق الحديث إلى أن قال: ثم تكلم رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) فقال: يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه فأيكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت وإني لأحدثهم سناً، وأرمصهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثم قال: إن هذا أخي ووصيي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع.

↑صفحة ٢١↑

ومروراً بيوم خروجه إلى تبوك(٢٠) ويوم الغدير بعد حجة الوداع حينما خطب فيهم في مكان يقال له: غدير خمّ(٢١) وقال لهم وقد أخذ بيد أمير المؤمنين (عليه السلام): من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله(٢٢)، وانتهاءً بأيام مرضه في آخر أيام حياته، وهو لا يزال يذكّرهم بخليفته عليهم، قائلاً لهم: ائتوني بكتاب أكتب لكم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) وذلك حينما قال له (صلّى الله عليه وآله): (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي). راجع: صحيح البخاري: ٥/ ١٢٩، صحيح مسلم: ٧/ ١٢٠ - ١٢١، وجاء في رواية الحاكم مثله بزيادة.. فإن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. راجع: المستدرك، الحاكم: ٢/ ٣٣٧ و٣ / ١٠٩ و١٣٣.
(٢١) راجع: كتاب الغدير للعلامة الأميني فقد أشبع البحث في حديث الغدير سنداً ودلالة من طرق جمهور المسلمين، كما تناول شعراء الغدير من القرن الأول حتى نهاية القرن الثاني عشر.
(٢٢) راجع: مسند أحمد بن حنبل: ١/ ١١٨ - ١١٩، المعجم الكبير، الطبراني: ٤/ ١٧، و٥/ ١٩٢، المستدرك، الحاكم النيسابوري: ٣/ ١٠٩، ذكره مختصراً وصححه، وص١١٦، تأريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ٤٢/ ٢٠٧ - ٢١٢، مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩/ ١٠٤، شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني: ١/ ٢٠١ ح٢١١.

↑صفحة ٢٢↑

كتاباً لن تضلوا بعده أبداً...(٢٣)
فأراد للأمة أن يعصمها من الضلال إلى الأبد بهذا الكتاب ليكون دستوراً شرعياً لجميع الأمة، وللأجيال القادمة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولكن جرى ما لم يكن في الحسبان (رزية يوم الخميس) كما يسميها ابن عباس، نعم رزية خلّفت في قلب النبي (صلّى الله عليه وآله) أسى وكمداً على هذه الأمة التي يريد لها خير الدنيا والآخرة، ولكن عارضه بعضهم فحال بينه وبين كتابة الكتاب، بطريقته الخاصة، واختصر ذلك كله بعبارة واحدة.. (إنه يهجر) وهي كفيلة لأن تغيِّر مجرى التأريخ كله، وبذلك يكونون قد قرَّروا مصير أمة كاملة، وبجميع أجيالها السابقة واللاحقة، فرسموا لها خطة تسير عليها أحقاب الزمان، شعارها (حسبنا كتاب الله) أفترى بعد هذا المجلس يوصيهم بوصية، وقد قالوا ما قالوا حتى رفضوا كتابة الكتاب!!
ومن هنا أصبح ابن عباس يتأسف ويتأوه لذلك حتى بلّت دموعه الحصى، قائلاً: الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.(٢٤)
فالعجب كلّ العجب حينما يهمُّ النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) بالوصية بالخلفاء من بعده، يحصل ما يحصل من النزاع والاختلاف بمحضره الشريف حتى تتعالى الأصوات بين يديه، وقد نهاهم القرآن عن ذلك، وقد حكم بحبط عمل من يرفع صوته فوق صوت النبي (صلّى الله عليه وآله)، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ).(٢٥)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) صحيح البخاري: ٤/ ٣١، و٥ / ١٣٧.
(٢٤) صحيح البخاري: ٧/ ٩، و٨/ ١٦١.
(٢٥) سورة الحجرات، الآية: ٢.

↑صفحة ٢٣↑

فكيف إذن بمخالفته وأذيته، هذا وقد حذّرهم القرآن من ذلك، وتوعدهم، قال تعالى: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(٢٦) وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).(٢٧)
إلى غير ذلك من الآيات الشريفة التي جاءت تحذرهم من مخالفته، وترغّب إليهم في اتباعه، وتأمرهم بالتأدب بين يديه، وإظهار الإحترام والتعظيم له، وغير ذلك مما أوجبه الله له من الحقوق، ليكونوا من المؤمنين المفلحين قال تعالى: (فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(٢٨) فقد جاء في التفسير: (وَعَزَّرُوهُ) أي: عظّموه، ووقّروه، ومنعوا عنه أعداءه...(٢٩)
فما جرى بمحضر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أمر لا يليق بشأنه العظيم عند الله تعالى، ويخالف ما افترضه عليهم من الطاعة والمودة، والتسليم له والانقياد التام، وهذا أمر غير قابل للاجتهاد في قباله أو إنكاره! كما لا يسوغ على الإطلاق تبرئة من تسبب في حصول ذلك النزاع الذي لا مبرر له فحدث ما حدث بسببه، فهو الذي يتحمل المسؤولية الكاملة فيما جرى وترتب عليه من أمور لم تُحمد عقباها!!.
قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)(٣٠) وقال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦) سورة النور، الآية: ٦٣.
(٢٧) سورة آل عمران، الآية: ٣١.
(٢٨) سورة الأعراف، الآية: ١٥٧.
(٢٩) مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: ٤/ ٣٧٤، تفسير القرطبي: ٧/ ٣٠١.
(٣٠) سورة الأحزاب، الآية: ٣٦.

↑صفحة ٢٤↑

تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)(٣١) وقال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا).(٣٢)
ولكن جرى ما جرى وحصل ما حصل بمحضر النبي (صلّى الله عليه وآله) في أيامه الأخيرة مع ما هو فيه من ألم المرض وثقله، فرفعوا الأصوات بمحضره، وتنازعوا فيما بينهم، حتى حيل بينه وبين كتابة الكتاب، فكانت الرزية العظمى، والمصيبة الكبرى.
ومتى كان لأحد الحق في أن يفرض على الأمة شيئاً بمحضر النبي (صلّى الله عليه وآله)، وينهاهم عن الرجوع إليه ويقول: (حسبنا كتاب الله)؟!
ويذكرنا هذا اللغط وهذا الاختلاف أيضاً بما حصل في حجة الوداع في قصة حديث (يكون بعدي اثنا عشر خليفة) فقد حدث أيضاً لغط وضجة من بعضهم، حينما أخذ النبي (صلّى الله عليه وآله) يتلو عليهم هذا الحديث فتعالت أصوات بعضهم وحدث ما حدث حتى خفي صوت النبي (صلّى الله عليه وآله) على الراوي، فلم يسمع تتمة الحديث، وسوف تأتي الإشارة إلى هذا الأمر في محله إن شاء الله تعالى، فإذن هذا اللغط الذي حصل بين يديه ليس هو الأول من نوعه!
ولعل قوله تعالى: (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)(٣٣) إشارة إلى هؤلاء الناس - كما في بعض الروايات - الذين أخذوا على أنفسهم معارضة النبي (صلّى الله عليه وآله) كلما أراد أن ينص على الخليفة من بعده انبروا له بالمعارضة والمقاطعة!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١) سورة النساء، الآية: ٦٥.
(٣٢) سورة النساء، الآية: ٦٩.
(٣٣) سورة المائدة، الآية: ٦٧.

↑صفحة ٢٥↑

فإن هذه الآية نزلت في غدير خم في علي أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد روى ذلك أيضاً جملة من أعلام السنة.(٣٤)
فما هو هذا الأمر العظيم والخطير الذي يريد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) تبليغه للناس؟ فجاء الوحي يبلغه بأن الله تعالى سوف يحميه ويعصمه من هؤلاء الناس، فلا يخاف تدبيرهم! إنه إذن أمر استخلاف علي (عليه السلام) على الناس، ووجدنا من ناحية أخرى يحذره قائلاً: (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) وقد وقال السيوطي في الدر المنثور: ٢/ ٦٠: وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) يوم غدير خم في علي بن أبي طالب (رضي الله عنه).
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) إن عليًّا مولى المؤمنين (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).
وممن روى ذلك أيضاً أبو إسحاق الثعلبي النيسابوري (المتوفى سنة ٤٢٧) في تفسيره الكشف والبيان: ٤/ ٩٢، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني (المتوفى سنة ٤٣٠) في كتابه ما نزل من القرآن في علي (عليه السلام)، والحافظ أبو القاسم ابن عساكر الشافعي (المتوفى سنة ٥٧١) في تأريخ مدينة دمشق: ٤٢/ ٢٣٧، وغيرهم، راجع كتاب الغدير للعلامة الأميني: ١/ ٢١٤ - ٢٢٤.
مضى على التبليغ نحو ثلاث وعشرين سنة؟!
وفي الروايات ما يشير لهؤلاء الناس الذين تخوف النبي (صلّى الله عليه وآله) من ردود فعلهم، فممن روى ذلك الحافظ الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل لقواعد التفضيل بإسناده عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس وجابر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤) فقد روى أبو الحسن الواحدي النيسابوري (ت ٤٦٨) في أسباب النزول: ١٣٥: عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية يوم غدير خم في علي بن أبي طالب (رضي الله عنه).

↑صفحة ٢٦↑

الأنصاري قالا: أمر الله محمداً أن ينصب علياً للناس ليخبرهم بولايته، فتخوَّف رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) أن يقولوا: حابى ابن عمه، وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى الله إليه: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) الآية، فقام رسول الله بولايته يوم غدير خم.(٣٥)
ومن ذلك أيضاً ما روي عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) في هذه الآية، وساق الحديث إلى أن قال: ثم هبط - أي جبرئيل (عليه السلام) - فقال: إن الله يأمرك أن تدل أمتك على وليّهم على مثل ما دللتهم عليه من صلاتهم وزكاتهم وصيامهم وحجهم ليلزمهم الحجة في جميع ذلك، فقال رسول الله: يا ربّ إن قومي قريبو عهد بالجاهلية وفيهم تنافس وفخر، وما منهم رجل إلا وقد وتره وليهم وإني أخاف! فأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) يريد: فما بلغتها تامة (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فلما ضمن الله له بالعصمة وخوفه أخذ بيد علي بن أبي طالب ثم قال: يا أيها الناس من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه...(٣٦)
قال العلامة الأميني (رحمه الله تعالى): وعن قتادة: أنه سيكفيه الناس ويعصمه منهم وأمره بالبلاغ، وهو أيضاً غير مضاد لما نقوله إذ ليس فيه غير أن الله سبحانه ضمن له العصمة والكفاية في تبليغ أمر كان يحاذر فيه اختلاف أمته ومناكرتهم له، ولا يمتنع أن يكون ذلك الأمر هو نص الغدير، ويتعين ذلك بنص هذه الأحاديث..
وروى الطبري عن ابن جريج: أن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) كان يهاب قريشاً، فلما نزلت: (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) استلقى ثم قال: من شاء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥) شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني: ١/ ٢٥٥ - ٢٥٦ ح٢٤٩.
(٣٦) شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني: ١/ ٢٥٣ح٢٤٨.

↑صفحة ٢٧↑

فليخذلني، مرتين أو ثلاثاً.(٣٧)
وأي وازع من أن يكون الأمر الذي كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) يهاب قريشاً لأجله هو نص الخلافة؟ كما فصَّلته الأحاديث الآنفة، فليس هو بمضاد لما نقوله!.(٣٨)
أقول: وقد روي في الأحاديث أيضاً أن النبي (صلّى الله عليه وآله) لما نصّب علياً إماماً يوم غدير خمّ عارضه بعضهم لما بلغه ذلك! فقد روى الثعلبي في التفسير، قال: سئل سفيان بن عيينة عن قول الله سبحانه: (سَأَلَ سَائِلٌ)(٣٩) فيمن نزلت؟ فقال: لقد سألتني عن مسألة ما سألني أحد قبلك، حدثني أبي، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، فقال: لما كان رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) بغدير خم، نادى بالناس فاجتمعوا، فأخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه.
فشاع ذلك وطار في البلاد، فبلغ ذلك الحرث بن النعمان الفهري، فأتى رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) على ناقة له حتى أتى الأبطح، فنزل عن ناقته وأناخها وعقلها، ثم أتى النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) وهو في ملأ من أصحابه فقال: يا محمد، أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصلي خمساً فقبلناه منك، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا، وأمرتنا بالحج فقبلنا، وأمرتنا أن نصوم شهراً فقبلنا، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك ففضلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أم من الله تعالى؟! فقال: والذي لا إله إلا هو هذا من الله، فولى الحرث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقوله حقاً فأمطر علينا حجارة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧) جامع البيان، ابن جرير الطبري: ٦/ ٤١٦، الدر المنثور، السيوطي: ٢/ ٢٩٩.
(٣٨) الغدير، الأميني: ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥.
(٣٩) سورة المعارج، الآية: ١.

↑صفحة ٢٨↑

من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته، وخرج من دبره فقتله، وأنزل الله سبحانه: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ، لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ).(٤٠)
حديث رزية الخميس في مصادر السنة
وإليك هنا حديث النبي (صلّى الله عليه وآله) في مرضه، والذي أمرهم فيه بكتابة الكتاب العاصم للأمة من الضلال كما جاء في مصادر السنة لكي ترى صحة ما قدّمناه، واحكم بنفسك:
روى البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتى خضّب دمعُه الحصباء فقال: اشتدّ برسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) وجعُه يوم الخميس، فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) قال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه.(٤١)
وعن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: لما حضر رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠) تفسير الثعلبي: ١٠/ ٣٥، تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٧٨ - ٢٧٩، نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي: ٩٣، تفسير أبي السعود: ٩/ ٢٩, تفسير الآلوسي: ٢٩/٥٥، فيض القدير، المناوي: ٦/ ٢٨٢، رقم: ٩٠٠٠.
(٤١) صحيح البخاري: ٤/ ٣١، و٥/ ١٣٧.

↑صفحة ٢٩↑

يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): قوموا.(٤٢)
قال عبيد الله: وكان ابن عباس يقول: إن الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.(٤٣)
وجاء أيضاً في صحيح مسلم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): ائتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فقالوا: إن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يهجر.(٤٤)
وفي رواية ابن سعد في الطبقات: عن ابن عباس قال: اشتكى النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يوم الخميس فجعل يعني ابن عباس يبكي ويقول: يوم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٢) ربما يقال: من المفترض أن القوم أذعنوا لأمر النبي (صلّى الله عليه وآله) لما أمرهم بالخروج من عنده لما حدث ما حدث! فقال لهم: قوموا عني..، ومن الواضح أن القوم حملوا كلام النبي (صلّى الله عليه وآله) هنا على الجد فسارعوا للخروج من داره امتثالاً لأمره، خصوصاً وقد حقّقوا ما يريدونه من عدم كتابة الكتاب، فمن غير المناسب لهم أن يصرّوا على مخالفته والجلوس عنده وهو كاره لبقائهم، فإذا افترضنا هذا! فهو إذن من المفارقات عند القوم إذ كيف حمل هؤلاء كلام النبي (صلّى الله عليه وآله) حينما أمرهم بالخروج من عنده، على الوعي التام والجد والإدراك فقاموا من عنده وتركوه، بينما حملوا كلامه الأول حينما قال لهم: (هلم أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده) على الهجر وغلبة الوجع الذي هو الهذيان! ألا تجد في ذلك مفارقة؟! مع أن المتكلم واحد في مجلس واحد وفي وقت واحد!!. وعليك تفسير ذلك..
(٤٣) صحيح البخاري: ٧/ ٩، و٨/ ١٦١.
(٤٤) صحيح مسلم: ٥ /٧٦.

↑صفحة ٣٠↑

الخميس وما يوم الخميس! اشتدّ بالنبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) وجعه، فقال: ائتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً، قال: فقال بعض من كان عنده: إنَّ نبي الله ليهجر، قال: فقيل له: ألا نأتيك بما طلبت؟ قال: أو بعد ماذا! قال: فلم يدع به.(٤٥)
وجاء في رواية أحمد: عن أبي الزبير، عن جابر أن النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتاباً لا يضلون بعده، قال: فخالف عليها عمر بن الخطاب حتى رفضها.(٤٦)
فقوله: (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً) فيه دلالة واضحة على أن المراد بالكتاب هو النص على خلافة أهل بيته وعترته (عليهم السلام)، وأولهم علي بن أبي طالب (عليه السلام).(٤٧)
ويؤيد ذلك: أولاً: ما ظهر من معارضته الشديدة، فإنه يكشف عن فهمهم هذا الأمر جيداً، وإلا لماذا إذن عارضوا النبيَّ (صلّى الله عليه وآله) وأصرّوا على مخالفة أمره حتى ترك الكتاب، فما هو هذا الشيء الذي دعاهم لمخالفته، وقد أمرهم الله تعالى باتباعه وطاعته؟
ثانياً: إن التعبير بهذا اللفظ (لا تضلوا بعده أبداً) ليس هو الأول من نوعه، بل جاء مثله مراراً على لسان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومن سياق هذا الحديث نفهم أنه يريد بذلك أهل بيته (عليهم السلام)، إذ لم يعهد منه (صلى الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥) الطبقات الكبرى، ابن سعد: ٢/ ٢٤٢.
(٤٦) مسند أحمد بن حنبل: ٣/ ٣٤٦.
(٤٧) هذا وقد فهم أيضاً سفيان بن عيينة أن هذا الكتاب يرمي إلى النص على أسماء الخلفاء من بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، كما جاء في كتاب فتح الباري، لابن حجر: ١/ ١٨٦، قال: وقيل: بل أراد أن ينص على أسامي الخلفاء بعده حتى لا يقع بينهم الاختلاف، قاله سفيان بن عيينة.

↑صفحة ٣١↑

عليه وآله) قط أنه ذكر هذه الألفاظ بهذا النحو في غير أهل بيته (عليهم السلام)، فقد نص على أن التمسك بهم عاصم للأمة من الضلال، ولم يذكر غيرهم في ذلك أبداً.
فقد جاء في حديث الثقلين(٤٨)، كلمة (لن تضلوا) وذلك حينما أمر بالتمسك بأهل بيته (عليهم السلام) الذين هم أحد الثقلين، فقال: (يا أيها الناس إني تركت فيكم من [ما] إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي).(٤٩)
ولكي تقف على هذه الحقيقة عليك بمراجعة هذا الحديث بمختلف ألفاظه، وقارن بينه وبين الحديث الأول الذي ذكرناه سابقاً، وستقف على حقيقة الأمر، وأنهما من واد واحد، ومن هنا فهم هذا المعنى من عارض كتابة الكتاب، وأصر على منع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من ذلك، فإن هذا الحديث وأمثاله سمعوه منه مراراً.
والجدير بالذكر أيضاً أنه جاء في بعض روايات حديث الثقلين، التصريح بذكر علي (عليه السلام)، كما في رواية الحاكم في المستدرك: إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله تعالى وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، ثم قال: إن الله (عزَّ وجلَّ) مولاي، وأنا مولى كلّ مؤمن، ثم أخذ بيد علي (رضي الله عنه) فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه.
قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.(٥٠)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨) وسوف يأتي في محله قريباً.
(٤٩) سنن الترمذي: ٥ / ٣٢٧ - ٣٢٨ ح٣٨٧٤.
(٥٠) المستدرك، الحاكم النيسابوري: ٣/ ١٠٩.

↑صفحة ٣٢↑

إمامة أهل البيت (عليهم السلام) في الأحاديث الشريفة
الأدلة على إمامة أهل البيت (عليهم السلام) من الأحاديث الشريفة كثيرة جداً، وسوف نذكر جملة منها من كتب ومصادر السنة، وإليك هنا ما يلي:
١ - حديث الثقلين:
حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة، وقد جاء بأسانيد وطرق كثيرة جداً في كتب الحديث عند جمهور المسلمين، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وقد اعترف بذلك ابن حجر الهيتمي، قال بعدما أورد حديث الثقلين: ثم اعلم أن لحديث التمسك طرقاً كثيرة، وردت عن نيف وعشرين صحابياً، ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه، وفي بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة، وفي أخرى أنه قاله بالمدينة في مرضه، وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أخرى أنه قال ذلك بغدير خم، وفي أخرى أنه قال ذلك لما قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف كما مر، ولا تنافي إذ لا مانع من أنه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها، اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة.(٥١)
وقال المناوي بعدما أورد الحديث عن مسند أحمد بن حنبل، والطبراني: عن زيد بن ثابت، قال الهيثمي: رجاله موثقون، ورواه أيضاً أبو يعلى بسند لا بأس به، والحافظ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١) الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي: ١٥٠، أواخر الفصل الأول من الباب الحادي عشر (الآية الرابعة).

↑صفحة ٣٣↑

عبد العزيز بن الأخضر وزاد أنه قال في حجة الوداع، ووهم من زعم وضعه كابن الجوزي، قال السمهودي: وفي الباب ما يزيد على عشرين من الصحابة.(٥٢)
وإليك هنا بعض ألفاظ الحديث الشريف:
روى أحمد في مسنده: عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): إني تارك فيكم خليفتين، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، أو ما بين السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض.(٥٣)
قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد وإسناده جيد.(٥٤)
ورواه الطبراني أيضاً عن زيد بن ثابت مثله(٥٥) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات.(٥٦)
وجاء في رواية الطبراني: عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): إني تارك فيكم الثقلين من بعدي كتاب الله (عزَّ وجلَّ)، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض.(٥٧)
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): إني خلّفت فيكم اثنين لن تضلوا بعدهما أبداً، كتاب الله ونسبي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض. رواه البزار.(٥٨)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٢) فيض القدير، المناوي: ٣/ ٢٠.
(٥٣) مسند أحمد بن حنبل: ٥ / ١٨١ - ١٨٢.
(٥٤) مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩ /١٦٢ - ١٦٣.
(٥٥) المعجم الكبير، الطبراني: ٥ / ١٥٣ - ١٥٤ ح٤٩٢١ وح ٤٩٢٢.
(٥٦) مجمع الزوائد، الهيثمي: ١/١٧٠.
(٥٧) المعجم الكبير، الطبراني: ٥ / ١٥٤ ح٤٩٢٣.
(٥٨) مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩ /١٦٣.

↑صفحة ٣٤↑

ورواه الترمذي بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي.
قال: وفي الباب عن أبي ذر، وأبي سعيد، وزيد بن أرقم، وحذيفة بن أسيد. هذا حديث غريب حسن من هذا الوجه.(٥٩)
وروى الترمذي أيضاً عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي; أحدهما أعظم من الآخر ; كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما.
قال: هذا حديث حسن غريب.(٦٠)
وروى الحاكم النيسابوري أيضاً بإسناده عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم قال: لما رجع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن، فقال: كأني قد دعيت فأجبت إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله تعالى وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، ثم قال: إن الله (عزَّ وجلَّ) مولاي، وأنا مولى كلّ مؤمن، ثم أخذ بيد علي (رضي الله عنه) فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.. وذكر الحديث بطوله.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله.
(شاهده) حديث سلمة بن كهيل، عن أبي الطفيل أيضاً صحيح على شرطهما.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٩) سنن الترمذي: ٥ / ٣٢٧ - ٣٢٨ ح٣٨٧٤.
(٦٠) سنن الترمذي: ٥/ ٣٢٨ - ٣٢٩ ح٣٨٧٦.

↑صفحة ٣٥↑

ورواه أيضاً عن ابن واثلة أنه سمع زيد بن أرقم يقول: نزل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بين مكة والمدينة عند شجرات خمس دوحات عظام، فكنس الناس ما تحت الشجرات، ثم راح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عشية فصلى، ثم قام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، وذكَّر ووعظ، فقال ما شاء الله أن يقول، ثم قال: أيها الناس، إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن اتبعتموهما، وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي، ثم قال: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ ثلاث مرات، قالوا: نعم، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): من كنت مولاه فعليٌّ مولاه.
قال: وحديث بريدة الأسلمي صحيح على شرط الشيخين.(٦١)
وروى الطبراني بإسناده عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): إني لكم فرط، وإنكم واردون عليَّ الحوض، عرضه ما بين صنعاء إلى بصرى، فيه عدد الكواكب من قدحان الذهب والفضة، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين، فقام رجل فقال: يا رسول الله وما الثقلان؟ فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): الأكبر كتاب الله سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به لن تزالوا ولا تضلوا، والأصغر عترتي، وإنهم لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، وسألت لهما ذاك ربي، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تعلِّموهما فإنهما أعلم منكم.(٦٢)
وجاء في لفظ آخر عن الطبراني عن زيد بن أرقم: وإن اللطيف الخبير نبّأني أنهما لن يتفرّقا حتى يردا عليَّ الحوض، وسألت ذلك لهما ربي، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، ثم أخذ بيد علي (رضي الله عنه) فقال: من كنت أولى به من نفسي فعليٌ وليّهُ، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه.(٦٣)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦١) المستدرك، الحاكم النيسابوري: ٣/ ١٠٩ - ١١٠، وراجع أيضاً: ص٥٣٣.
(٦٢) المعجم الكبير، الطبراني: ٣/ ٦٦ ح٢٦٨١، الدر المنثور، السيوطي: ٢/ ٦٠.
(٦٣) المعجم الكبير، الطبراني: ٥/١٦٦ - ١٦٧، كنز العمال، المتقي الهندي: ١/ ١٨٨ ح٩٥٧، مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩/ ١٦٣ - ١٦٤.

↑صفحة ٣٦↑

وقال السيوطي: وأخرج ابن سعد وأحمد والطبراني عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): أيها الناس إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي، أمرين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يتفرَّقا حتى يردا عليَّ الحوض.(٦٤)
إلى غير ذلك من ألفاظ هذا الحديث المتواتر الذي لا يمكن لأحد أن ينكره أو يرده!.
معنى الحديث
أقول: هل تجد أصرح وأبلغ من هذا الحديث المتواتر، الذي هو نص صريح في إمامة عترة النبي (صلّى الله عليه وآله)، وأولهم سيد العترة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقد نصّ على أنّ التمسك بالكتاب والعترة عاصمان من الضلال، ومن لم يتمسك بهما وقع في الضلال.
قال السيد شرف الدين في كتابه المراجعات(٦٥): على أن المفهوم من قوله: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي، إنما هو ضلال من لم يستمسك بهما معاً كما لا يخفى، ويؤيد ذلك قوله (صلّى الله عليه وآله) في حديث الثقلين عند الطبراني: فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم.(٦٦)
وقال ابن حجر: وفي قوله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): (لا تقدموهم فتهلكوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم) دليل على أن من تأهل منهم للمراتب العلية، والوظائف الدينية، كان مقدماً على غيره.. إلى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٤) الدر المنثور، السيوطي: ٢/ ٦٠.
(٦٥) المراجعات، السيد شرف الدين العاملي: ٧٥.
(٦٦) المعجم الكبير، الطبراني: ٥/ ١٦٧.

↑صفحة ٣٧↑

آخر كلامه.(٦٧)
وقال ابن حجر أيضاً في معنى حديث الثقلين: (تنبيه) سمى رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) القرآن وعترته، وهي بالمثناة الفوقية، الأهل والنسل والرهط الأدنون ثقلين، لأن الثقل كلّ نفيس خطير مصون، وهذان كذلك إذ كلّ منهما معدن للعلوم اللدنية، والأسرار والحكم العلية، والأحكام الشرعية، ولذا حث (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) على الاقتداء والتمسك بهم والتعلم منهم، وقال: الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت.
وقيل: سميا ثقلين، لثقل وجوب رعاية حقوقهما، ثم الذين وقع الحث عليهم منهم إنما هم العارفون بكتاب الله وسنة رسوله، إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب إلى الحوض، ويؤيده الخبر السابق: (ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم) وتميزوا بذلك عن بقية العلماء، لأن الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وشرفهم بالكرامات الباهرة، والمزايا المتكاثرة، وقد مر بعضها.(٦٨)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٧) الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي: ٢٢٩.
جاء في هامش المراجعات: فراجعه في باب وصية النبي بهم ص ٢٢٧ من الصواعق، ثم سله لماذا قدم الأشعري عليهم في أصول الدين، والفقهاء الأربعة في الفروع، وكيف قدم في الحديث عليهم عمران بن حطان وأمثاله من الخوارج، وقدّم في التفسير عليهم مقاتل بن سليمان المرجئ المجسم، وقدم في علم الأخلاق والسلوك وأدواء النفس وعلاجها معروفاً وأضرابه، وكيف أخّر في الخلافة العامة والنيابة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أخاه، ووليه الذي لا يؤدي عنه سواه، ثم قدّم فيها أبناء الوزغ على أبناء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ومن أعرض عن العترة الطاهرة في كل ما ذكرناه من المراتب العلية، والوظائف الدينية، واقتفى فيها مخالفيهم فما عسى أن يصنع بصحاح الثقلين وأمثالها، وكيف يتسنى له القول بأنه متمسك بالعترة، وراكب سفينتها، وداخل باب حطتها!!.
(٦٨) الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي: ١٥١، الفصل الأول في الآيات الواردة فيهم (عليهم السلام)، الآية الرابعة).

↑صفحة ٣٨↑

وقال المناوي من أعلام السنة في شرح الحديث في كتابه فيض القدير: (إني تارك فيكم) بعد وفاتي (خليفتين) زاد في رواية أحدهما أكبر من الآخر، وفي رواية بدل خليفتين (ثقلين)، سماهما به لعظم شأنهما (كتاب الله) القرآن (حبل) أي هو حبل (ممدود ما بين السماء والأرض) قيل: أراد به عهده، وقيل السبب الموصل إلى رضاه (وعترتي) بمثناة فوقية (أهل بيتي) تفصيل بعد إجمال بدلاً أو بياناً، وهم أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
وقيل: من حرمت عليه الزكاة ورجحه القرطبي، يعني إن ائتمرتم بأوامر كتابه، وانتهيتم بنواهيه، واهتديتم بهدي عترتي، واقتديتم بسيرتهم اهتديتم فلم تضلوا.
قال القرطبي: وهذه الوصية، وهذا التأكيد العظيم يقتضي وجوب احترام أهله، وإبرارهم، وتوقيرهم، ومحبتهم، ووجوب الفروض المؤكدة التي لا عذر لأحد في التخلف عنها، هذا مع ما علم من خصوصيتهم بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبأنهم جزء منه، فإنهم أصوله التي نشأ عنها، وفروعه التي نشأوا عنه، كما قال: فاطمة بضعة مني، ومع ذلك فقابل بنو أمية عظيم هذه الحقوق بالمخالفة والعقوق، فسفكوا من أهل البيت دماءهم، وسبوا نساءهم، وأسروا صغارهم، وخرّبوا ديارهم، وجحدوا شرفهم وفضلهم، واستباحوا سبهم ولعنهم، فخالفوا المصطفى (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) في وصيته، وقابلوه بنقيض مقصوده وأمنيته، فواخجلهم إذا وقفوا بين يديه، ويا فضيحتهم يوم يعرضون عليه!!
(وإنهما) أي والحال أنهما، وفي رواية: أن اللطيف أخبرني أنهما (لن يفترقا) أي الكتاب والعترة أي يستمرا متلازمين (حتى يردا على الحوض) أي الكوثر يوم القيامة، زاد في رواية: كهاتين، وأشار بأصبعيه، وفي هذا مع قوله
أولا: إني تارك فيكم، تلويح بل تصريح بأنهما كتوأمين، خلفهما ووصى أمته بحسن معاملتهما، وإيثار حقهما على أنفسهما واستمساك بهما في الدين.

↑صفحة ٣٩↑

أما الكتاب: فلأنه معدن العلوم الدينية، والأسرار والحكم الشرعية، وكنوز الحقائق، وخفايا الدقائق.
وأما العترة: فلأن العنصر إذا طاب أعان على فهم الدين، فطيب العنصر يؤدي إلى حسن الأخلاق، ومحاسنها تؤدي إلى صفاء القلب ونزاهته وطهارته....(٦٩)
ونعم ما قيل:

إليكم وإلا لا تشد الركائبُ * * * ومنكم وإلا لا تنال الرغائبُ
وعنكم وإلا فالحديثُ مزخرفٌ * * * وفيكم وإلا فالمحدثُ كاذبُ

اقترانهم بالقرآن الكريم
ومن الحجج الدامغة التي ينص عليها حديث الثقلين، هو: اقترانهم بالقرآن الكريم الدستور السماوي الذي جعله الله تعالى مصدراً للتشريع الإسلامي، ولو لم يكن أهل البيت (عليهم السلام) حجة على البشر كالقرآن لما قرنهم النبي (صلّى الله عليه وآله) به، وجعلهم عدله وفي عرض واحد، فعلى هذا لا يسوغ الاستغناء عن العترة بحال، وكذلك لو كان الكتاب وحده يغني عن العترة في الدين لما قرنه النبي (صلّى الله عليه وآله) بهم، ومن هنا نقول: أن الأمر بهما معاً فيه دلالة واضحة على حجيتهما، وعدم الاستغناء بأحدهما عن الآخر، ولذا أخبر أنهما عاصمان من الضلال حين التمسك بهما، وإلا لاستلزم لغوية اقترانهم بالقرآن الكريم، وقول النبي (صلّى الله عليه وآله) في ذلك حقٌّ لا ريب فيه، قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)(٧٠) فبعد هذا البرهان الواضح، والدليل الناصع هل تسوغ مخالفة النبي (صلّى الله عليه وآله) فيما أمر به وحكم، ويقال له: (حسبنا كتاب الله)؟!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٩) فيض القدير، المناوي: ٣/ ١٩ - ٢٠ ح٢٦٣١.
(٧٠) سورة النجم، الآية: ٣و٤.

↑صفحة ٤٠↑

يقول السيد محمد تقي الحكيم في أصول الفقه المقارن: لزوم التمسك بهما معاً لا بواحد منهما منعاً من الضلالة، لقوله (صلّى الله عليه وآله) فيه: ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، ولقوله: فانظروا كيف تخلفونني فيهما، وأوضح من ذلك دلالة ما ورد في رواية الطبراني في تتمتها: (فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم).
وبالطبع أن معنى التمسك بالقرآن، هو الأخذ بتعاليمه، والسير على وفقها، وهو نفسه معنى التمسك بأهل البيت عدل القرآن.
ومن هذا الحديث يتضح أن التمسك بأحدهما لا يغني عن الآخر (ما إن تمسكتم بهما)، (ولا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا) ولم يقل: ما إن تمسكتم بأحدهما، أو تقدمتم أحدهما! وسيأتي السّر في ذلك من أنهما معاً يشكلان وحدة يتمثل بها الإسلام على واقعه، وبكامل أحكامه ووظائفه.(٧١)
ويقول العلامة السيد علي الميلاني: ومن أقوى الأدلة من الأحاديث في هذا الباب، حديث الثقلين المشهور المتواتر القطعي الذي اتفقت الأمة على روايته.. فإنه يدل على وجوب اتباع الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) كوجوب اتباع القرآن، وهذا يستلزم العصمة، وعلى أنهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، ولا يغني أحدهما عن الآخر، وعلى أن الأئمة باقون ما بقي القرآن، وعلى أنه كما لا يسقط وجوب اتباع القرآن بالإعراض عنه وعدم العمل به، فكذلك الأئمة لا تسقط إمامتهم بإعراض الناس عنهم! وعلى أنه من لم يتبعهم ضل! ولذلك قال (صلّى الله عليه وآله) في حديث آخر متفق عليه مشهور:
(من مات ولم يعرف إمام زمانه فقد مات ميتة جاهلية)(٧٢) وهو يدل - هو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧١) الأصول العامة للفقه المقارن، السيد محمد تقي الحكيم: ١٦٧ - ١٦٨.
(٧٢) سوف يأتي تخريج هذا الحديث.

↑صفحة ٤١↑

الآخر - على وجود الإمام في كلّ زمان، وعلى وجوب اتباعه.(٧٣)
دلالة حديث الثقلين على وجود الإمام المهدي (عليه السلام)
مما لا شك فيه أن حديث الثقلين يدل دلالة واضحة لا نقاش فيها على بقاء العترة مع القرآن إلى يوم القيامة، ويفهم هذا من قوله: (لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض) فيستفاد منه: وجود إمام من أهل البيت (عليهم السلام) في كلّ عصر إلى جنب القرآن الكريم إلى يوم القيامة، فلا يفترقان أبداً، وهذا مايفرضه ظاهر نص الحديث، وهذا المعنى يفهمه كلُّ من له أدنى مسكة من الفهم.
يقول السيد محمد تقي الحكيم: بقاء العترة إلى جنب الكتاب إلى يوم القيامة، أي لا يخلو منهما زمان من الأزمنة ما داما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، وهي كناية عن بقائهما إلى يوم القيامة.(٧٤)
هذا وقد اعترف بعض أعلام السنة بوجوب الرجوع إلى المتأهل من أهل البيت (عليهم السلام) بمقتضى هذا الحديث، وأن الزمان لا يخلو منهم إلى يوم القيامة، حكى الإمام الزرقاني المالكي في شرح المواهب عن العلامة السمهودي أنه قال: هذا الخبر يفهم منه وجود من يكون أهلاً للتمسك به من عترته في كل زمن إلى قيام الساعة حتى يتوجه الحث المذكور على التمسك به كما أن الكتاب كذلك، فلذا كانوا أماناً لأهل الأرض فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض.(٧٥)
وقد اعترف بهذا المعنى أيضاً ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة قال: وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة، كما أن الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض كما يأتي،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٣) الإمام الثاني عشر (عليه السلام)، السيد محمد سعيد الموسوي، هامش: ص ٩٤.
(٧٤) الأصول العامة للفقه المقارن، السيد محمد تقي الحكيم: ١٦٧ - ١٦٨.
(٧٥) شرح المواهب: ٨، فيض القدير، المناوي: ٣/ ٢٠ ح٢٦٣١.

↑صفحة ٤٢↑

ويشهد لذلك الخبر السابق: في كلّ خلف من أمتي عدول من أهل بيتي.(٧٦)
ويقول الأستاذ مروان خليفات الأردني أحد المستبصرين الذين اهتدوا بهدي أهل البيت (عليهم السلام)، وأخذوا بمنهجهم، حينما استوقفه نص حديث الثقلين قال: على أن حديث الثقلين ينص على وجود إمام من أئمة آل البيت في كلّ زمان، عدلاً للقرآن لا يفترق عنه، وإذا قلنا بعدم ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) فمعنى ذلك أن هناك افتراقاً بين آل البيت والقرآن، وهذا خلاف الحديث فيلزمنا إثبات ولادة المهدي (عليه السلام)! وقد كان أئمة آل البيت يبشرون بالمهدي، ويقولون إنه ابن الحسن العسكري (عليه السلام) حتى ساد هذا الاعتقاد بين الشعراء...(٧٧)
٢ - حديث (يكون بعدي اثنا عشر خليفة)
يعد هذا الحديث من الأحاديث القطعية الصحيحة، وقد أورده كلٌّ من صحيح البخاري وصحيح مسلم والترمذي وأحمد بن حنبل والطبراني والحاكم في مستدركه وغيرهم، وقد ورد هذا الحديث بألفاظ عديدة، ومعناه واحد، عن جابر بن سمرة وعن أبي جحيفة، وعن أنس بن مالك وحديث النقباء عن عبد الله بن مسعود.
وإليك ما يلي:
روى أحمد بن حنبل: عن الشعبي، عن مسروق قال: كنا جلوساً عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) كم تملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما سألني عنها أحدٌ منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم، ولقد سألنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٦) الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي: ١٥١، ذكره في (الفصل الأول، في الآية الرابعة من الآيات الواردة فيهم (عليهم السلام)).
(٧٧) وركبت السفينة، مروان خليفات: ٥٦٩ - ٥٧٠.

↑صفحة ٤٣↑

رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) فقال: اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل.(٧٨)
قال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، وفيه مجالد بن سعيد وثقه النسائي وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات.(٧٩)
وفي لفظ آخر عن مسروق، قال: سأل رجل عبد الله بن مسعود هل حدثكم نبيكم (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) بعدة الخلفاء من بعده؟ قال: نعم، وما سألني عنها أحدٌ قبلك! قال: إن عدة الخلفاء بعدي عدة نقباء موسى (عليه السلام).(٨٠)
ومن ذلك أيضاً ما جاء في صحيح البخاري: عن عبد الملك قال: سمعت جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يقول: يكون اثنا عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها! فقال أبي: أنه قال: كلهم من قريش.(٨١)
وفي مسند أحمد عن عامر يعني الشعبي، عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يقول: لا يزال هذا الأمر عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، فكبر الناس وضجوا!(٨٢) وقال كلمة خفية؟ قلت لأبي: يا أبت ما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٨) مسند أحمد بن حنبل: ١/ ٣٩٨، المستدرك، الحاكم النيسابوري: ٤/ ٥٠١، مسند أبي يعلى: ٨/ ٤٤٣ - ٤٤٤ ح٥٠٣١، و٩/ ٢٢٢ ح٥٣٢٢، المعجم الكبير، الطبراني: ١٠/ ١٥٧ - ١٥٨ ح١٠٣١٠، كنز العمال، المتقي الهندي: ١٢/ ٣٣ ح٣٣٨٥٧.
(٧٩) مجمع الزوائد، الهيثمي: ٥/ ١٩٠.
(٨٠) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ١٦/ ٢٨٦، الكامل، عبد الله بن عدي: ٣/ ١٥، فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي: ٢/٥٨٢ ح٢٢٩٧، كنز العمال، المتقي الهندي: ٦/ ٨٩ ح١٤٩٧١، الجامع الصغير، جلال الدين السيوطي: ١/ ٣٥٠ ح٢٢٩٧.
(٨١) صحيح البخاري: ٨/ ١٢٧.
(٨٢) وفي بعض الروايات عن أحمد: (ثم تكلم بكلمة لم أفهمها وضج الناس).

↑صفحة ٤٤↑

قال؟ قال: كلهم من قريش.(٨٣)
وروى أيضاً عن ابن عون، عن الشعبي قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً، ينصرون على من ناواهم عليه إلى اثني عشر خليفة، قال: فجعل الناس يقومون ويقعدون!.(٨٤)
وفي رواية عنه أيضاً عن الشعبي، عن جابر بن سمرة قال: خطبنا رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) بعرفات، فقال: لا يزال هذا الأمر عزيزاً منيعاً ظاهراً على من ناواه حتى يملك اثنا عشر كلهم...(٨٥)
وروى مسلم في صحيحه: عن حصين، عن جابر بن سمرة، قال: دخلت مع أبي على النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) فسمعته يقول: إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضى فيهم اثنا عشر خليفة، قال: ثم تكلم بكلام خفي عليّ! قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش.
وعن جابر بن سمرة أيضاً جاء بلفظ: لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً.. الخ.
وفي لفظ آخر، قال: لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، ثم قال كلمة لم أفهمها! فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: كلهم من قريش.
وفي لفظ أيضاً: لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة، فقال كلمة صمنيها الناس! فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٣) مسند أحمد بن حنبل: ٥/ ٩٨، سنن أبي داود: ٢/ ٣٠٩ ح٤٢٨٠، تأريخ بغداد، الخطيب البغدادي: ٢/ ١٢٤، رقم: ٥١٦، فتح الباري، ابن حجر: ١٣/ ١٨١.
(٨٤) مسند أحمد بن حنبل: ٥/ ٩٩.
(٨٥) مسند أحمد بن حنبل: ٥/ ٩٣.

↑صفحة ٤٥↑

وفي لفظ أيضاً: لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش.(٨٦)
وفي صحيح ابن حبان أيضاً: عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يقول: يكون بعدي اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش، فلما رجع إلى منزله أتته قريش قالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يكون الهرج.(٨٧)
وعن سماك بن حرب، قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، قال: فقال كلمة لم أفهمها! قلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش.(٨٨)
وروى الطبراني: عن عامر بن سعد، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): لا يزال الدين قائماً حتى يكون اثنا عشر خليفة من قريش، ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة.(٨٩)
وروى أيضاً عن أبي خالد، قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): لا يضر هذا الدين من ناوأه حتى يقوم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش.(٩٠)
وعن جابر بن سمرة قال: كنت مع أبي ورسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يخطب فقال: لا تبرحون بخير ما قام عليكم اثنا عشر أميراً، قلت لأبي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٦) صحيح مسلم: ٦ / ٣ - ٥.
(٨٧) صحيح ابن حبان: ١٥/ ٤٣ - ٤٤، مسند أحمد بن حنبل: ٥/ ٩٢، سنن أبي داود: ٢/ ٣٠٩ ح٤٢٨١، المعجم الأوسط، الطبراني: ٦/ ٢٦٨، المعجم الكبير، الطبراني: ٢/ ٢٥٣.
(٨٨) صحيح ابن حبان: ١٥/ ٤٣ - ٤٤.
(٨٩) المعجم الكبير، الطبراني: ٢/ ١٩٩و ٢٠٨.
(٩٠) المعجم الكبير، الطبراني: ٢/ ٢٠٨.

↑صفحة ٤٦↑

سمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يقول آنفاً كذلك، قال أبي: قد قال: كلهم من قريش.(٩١)
وعن الشعبي عن جابر قال: خطبنا رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يوماً فسمعته يقول: لن يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً ظاهراً على من ناوأه حتى يملك اثنا عشر كلهم، ثم لغط الناس، وتكلموا! فلم أفهم قوله بعد كلهم، فقلت لأبي: يا أبتاه ما بعد قوله كلهم؟ قال: كلهم من قريش.
وعن الشعبي عن جابر قال: سمعت النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) في حجة الوداع يقول: لا يزال هذا الأمر ظاهراً على من ناوأه، لا يضره مخالف ولا مفارق حتى يمضي اثنا عشر خليفة من قريش.(٩٢)
وعن الشعبي أيضاً عن جابر بن سمرة، قال: كنت مع أبي عند النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) فقال: يكون لهذه الأمة اثنا عشر قيماً لا يضرهم من خذلهم، ثم همس رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) بكلمة لم أسمعها! فقلت لأبي: ما الكلمة التي همس بها النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم)؟ قال: كلهم من قريش.(٩٣)
وعن عطاء بن أبي ميمونة، عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) وهو يخطب على المنبر ويقول: اثنا عشر قيماً من قريش لا يضرهم عداوة من عاداهم، قال: فالتفت خلفي فإذا أنا بعمر بن الخطاب، وأبي في ناس فأثبتوا لي الحديث كما سمعت.(٩٤)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩١) المعجم الكبير، الطبراني: ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
(٩٢) المعجم الكبير، الطبراني: ٢/ ١٩٦.
(٩٣) المعجم الكبير، الطبراني: ٢/ ١٩٦، و٣/ ٢٠١، كنز العمال، المتقي الهندي:١٢/ ٣٣ ح٣٣٨٥٨.
(٩٤) المعجم الكبير، الطبراني: ٢/ ٢٥٦، مجمع الزوائد، الهيثمي: ٥/ ١٩١.

↑صفحة ٤٧↑

وفي ينابيع المودة: عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، قال: كنت مع أبي عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) فسمعته يقول: بعدي إثنا عشر خليفة، ثم أخفى صوته! فقلت لأبي: ما الذي أخفى صوته؟ قال: قال: كلهم من بني هاشم.(٩٥)
وروى الطبراني: عن أبي جحيفة، قال: كنت مع عمي عند النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) وهو يخطب، فقال: لا يزال أمر أمتي صالحاً حتى يمض اثنا عشر خليفة، وخفض بها صوته! فقلت لعمي وكان أمامي: ما قال يا عم؟ قال: كلهم من قريش.(٩٦)
قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والكبير والبزار، ورجال الطبراني رجال الصحيح.(٩٧)
وروى المتقي الهندي: عن ابن النجار، عن أنس، عن رسول الله صلى الله (صلّى الله عليه وآله): لن يزال هذا الدين قائماً إلى اثني عشر من قريش، فإذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها.(٩٨)
وعن ابن نجران أن أبا الخالد حدثه وحلف له عليه: ألا تهلك هذه الأمة حتى يكون فيها اثنا عشر خليفة، كلهم يعمل بالهدى ودين الحق.(٩٩)
إلى غير ذلك من ألفاظ الحديث الذي ورد بألفاظ عديدة في معنى واحد،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٥) ينابيع المودة، القندوزي: ٢/ ٣١٥ح٩٠٨.
(٩٦) المعجم الكبير، الطبراني: ٢٢/ ١٢٠، المعجم الأوسط، الطبراني: ٦/ ٢٠٩، المستدرك، الحاكم النيسابوري: ٣/ ٦١٨.
(٩٧) مجمع الزوائد، الهيثمي: ٥/ ١٩٠ - ١٩١.
(٩٨) كنز العمال، المتقي الهندي: ١٢/ ٣٣ - ٣٤ ح٣٣٨٦١.
(٩٩) الخصال، الشيخ الصدوق: ٤٧٤ ح٣٢، تأريخ دمشق، ابن عساكر: ٤٥/ ١٨٩، فتح الباري، ابن حجر: ١٣/ ١٨٤.

↑صفحة ٤٨↑

وهو استخلاف اثني عشر خليفة من بعد النبي (صلّى الله عليه وآله).
تحير السنة في معنى الحديث وأقوالهم فيه
قد تحير علماء السنة ومحدثوهم في تفسير معنى الحديث، وقد ذهب كلّ منهم إلى معنى لا يتفق فيه مع الآخر، وتطرقوا إلى محتملاته، ولكن يعسر عليهم الإعتراف بمعناه الصحيح، ويعترفوا بالأئمة الاثني عشر الذين تقول الشيعة بإمامتهم، فإن هذا صعب مستصعب عليهم لا تتحمله نفوسهم، حتى اعترفوا بالعجز عن الوصول إلى معناه، واستعصى عليهم تأويل الحديث وتفسيره، ولم تزدهم رواية الحديث إلا حيرة، حتى اتهم بعضهم الرواة في التخليط في هذا الحديث، واضطروا أن يوردوا جملة من محتملات الحديث حتى الغريب منها (١٠٠) لكنهم إلا احتمالاً واحداً لم يتطرقوا إليه، ولم يذكروه حتى من المحتملات الغريبة، وهو احتمال انطباق الحديث على أئمة أهل البيت الاثني عشر (عليهم السلام)! وأنى لهم أن يوردوا مثل هذا الاحتمال، وهو يخالف أصولهم التي بنوا عليها مذهبهم.
هذا وقد اعترف علماء السنة بالعجز في تفسير هذا الحديث، وتحيروا حيرة شديدة في تأويله والوقوف على معناه الصحيح، قال الدكتور البستوي: ولما رجعت إلى الأئمة والعلماء في تفسير هذا الحديث وجدتهم مختلفين اختلافاً كثيرا.(١٠١)
وإليك هنا بعض كلمات علماء السنة حول تفسير هذا الحديث، لتقف على حقيقة الأمر، وكلّ منهم تشبث برأي تفرّد به خلاف الآخر:
قال ابن الجوزي في كشف المشكل: قد أطلت البحث عن معنى هذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٠) راجع كتاب: المهدي المنتظر (عليه السلام)، عبد العليم البستوي: ٣٣٣ - ٣٣٦.
(١٠١) المهدي المنتظر (عليه السلام)، عبد العليم البستوي: ٣٣٣.

↑صفحة ٤٩↑

الحديث، وتطلبت مظانه وسألت عنه؟ فلم أقع على المقصود به! لأن ألفاظه مختلفة، ولا أشك أن التخليط فيها من الرواة!
وقال ابن بطال عن المهلب: لم ألق أحداً يقطع في هذا الحديث! يعني بشيء معين.
وقال ابن حجر: وقد مضى منهم الخلفاء الأربعة، ولابد من تمام العدد قبل قيام الساعة.(١٠٢)
وقال أبو بكر ابن العربي: ولم أعلم للحديث معنى.(١٠٣)
وقال المقريزي: وقد وجد هذا العدد بالصفة المذكورة إلى وقت الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ثم وقع الهرج والفتنة العظيمة، كما أخبر في هذه الرواية(١٠٤)، ثم ظهر ملك العباسيين كما أشار إليه في الباب قبله.(١٠٥)
إلى غير ذلك من سائر تأويلاتهم وتمحلاتهم التي أفصحوا فيها عن عجزهم، وتحيرهم في الوصول إلى معنى الحديث الصحيح!
أقول: ولو أنهم أخذوا بما جاء عن النبي (صلّى الله عليه وآله) في تفسير هذا الحديث، ورجعوا إلى العترة، لما ضلوا في فهم معناه، وتضاربت أقوالهم فيه!!.
يقول الأستاذ أبو رية المصري متعجباً من تفسير السيوطي للحديث: أما السيوطي فبعد أن أورد ما قاله العلماء في هذه الأحاديث المشكلة، خرج برأي غريب نورده هنا تفكهة للقراء! وهو: وعلى هذا فقد وجد من الاثني عشر،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٢) فتح الباري، ابن حجر: ١٣/ ١٨٢ - ١٨٣.
(١٠٣) شرح ابن العربي على صحيح الترمذي: ٩/ ٦٨ - ٦٩.
(١٠٤) يعني رواية (لا تزال هذه الأمة مستقيم أمرها، ظاهرة على عدوها، أو على غيرها، حتى يمض منهم اثنا عشر خليفة.. ثم يكون الهرج).
(١٠٥) إمتاع الأسماع، المقريزي: ١٢/ ٣٠٤.

↑صفحة ٥٠↑

الخلفاء الأربعة، والحسن، ومعاوية، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وهؤلاء ثمانية، ويحتمل أن يضم إليهم المهدي من العباسيين لأنه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أمية، وكذلك الظاهر لما أوتيه من العدل، وبقي الاثنان المنتظران!! أحدهما المهدي! لأنه من أهل بيت محمد.(١٠٦)
قال أبو رية: ولم يبين المنتظر الثاني! ورحم الله من قال في السيوطي: إنه حاطب ليل!.(١٠٧)
لماذ خفي صوت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على الراوي
وهنا سؤال يطرح نفسه، حول الحديث يلفت النظر، ويبعث على التساؤل، وهو: ما هو سبب خفاء صوت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على راوي الحديث جابر بن سمرة؟ بحيث خفي عليه تتمة الحديث حتى سأل أباه عنه؟ وكذلك الراوي الآخر أبو جحيفة حتى سأل عمّه عنه؟
الجواب:
يفهم من جملة الأحاديث التي أوردناها آنفاً هو حدوث ضجة تتألف من أصوات وقيام وقعود من البعض أوجب ذلك كله خفاء صوت النبي (صلّى الله عليه وآله)، فمن هنا لم يسمع الراوي تتمة الحديث.
وهنا يبرز السؤال الآخر: إن في ملابسات الحديث أيضاً ما يبعث على الاستغراب والحيرة! فلِما كل هذا الضجيج والقيام والقعود المتكرر بين يدي النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو يخطب فيهم، وهو (عليه السلام) الرؤوف الرحيم بهم، وأحرص الناس على هدايتهم، وتبليغ الأحكام إليهم، أفليس من اللازم عليهم أن يخفضوا أصواتهم بين يدي النبي (صلّى الله عليه وآله) كما أمرهم القرآن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٦) راجع: تأريخ الخلفاء، السيوطي: ١٢، فيض القدير، المناوي: ٢/ ٥٨٢.
(١٠٧) أضواء على السنة المحمدية، محمود أبو رية: ٢٣٥ - ٢٣٨.

↑صفحة ٥١↑

الكريم بذلك في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ).(١٠٨)
فما هو المبرر لكل هذا الضجيج المفتعل؟! بينما النبي (صلّى الله عليه وآله) يخطب فيهم ويحدثهم؟! أليس يفترض أنهم مصغون لحديثه (صلّى الله عليه وآله)!! أفهل كان في حديث النبي (صلّى الله عليه وآله) ما يثير النفوس بحيث يبعث على حدوث كل هذه الضجة، وهذا اللغط في مجلس النبي (صلّى الله عليه وآله)!! وهو يخطب فيهم!
وخصوصاً إذا لا حظنا قول الراوي: (فقال كلمة أصمنيها الناس) فهو يدل على أن الأصوات تعالت على صوت النبي (صلّى الله عليه وآله) حتى أخفته فحال ذلك بين الراوي وسماع تتمة الحديث؟! ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تطور وتجاوزه إلى القيام والقعود، وهذه سابقة خطيرة تنذر بحدوث أمر غير مرضي عند البعض، فبماذا يفسر ذلك كله؟ وما هو سببه؟ وما هو أهمية هذا الحديث في الأمة؟
الجواب في أمور:
أولاً: أقول: إن هذا الحديث من أهم الأحاديث التي جاءت على لسان النبي (صلّى الله عليه وآله) فقد جاء في خطبته الشريفة، كما جاء في رواية أبي جحيفة، ورواية عطاء بن أبي ميمونة أيضاً عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) وهو يخطب على المنبر..الخ.
كما اكتنفه أيضاً أمران مقدسان من حيث الزمن ومن حيث المكان، إذ حددت لنا بعض الروايات أن ذلك كان في حجة الوداع في عرفات، وهذا يقتضي أنه كان في جمع غفير من الناس كما هي العادة في موسم الحج الذي يضم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٨) سورة الحجرات، الآية: ٢.

↑صفحة ٥٢↑

طائفة كبيرة من الناس الذين جاءوا من مختلف الأصقاع والبلدان.
ويستفاد من هذا كله أيضاً أن الأمر الذي يريد بيانه النبي (صلّى الله عليه وآله) لهم هو في غاية من الأهمية للحاضرين ومن يأتي من بعدهم من الأمة، وهذا الأمر يرتبط بمصير الأمة، وهو النص على الخلفاء من بعده، وبيان عددهم وخصوصياتهم الأخرى.. كما ينبئ الحديث عن ذلك كله!
كما أن هذه الأحاديث تدل بمجموعها على أنها في مجلس واحد، أعني التي ورد فيها التعليل بخفاء صوته، كما في رواية جابر بن سمرة، ورواية أبي جحيفة، وإن كان لا يمنع أيضاً تكرر ذلك في موطنين مع تكرر الضجيج أيضاً في كل منهما لنفس السبب! مادام هناك إصرار من لدن البعض على إحداث ذلك وما شابهه!
ثانياً: بمجموع هذه القرائن من الحديث نفهم أن هناك فئة من الناس لا يروق لها أن يسمع الناس أمثال هذا الحديث من النبي (صلّى الله عليه وآله)، والذي يراد منه تقرير مصير الأمة سلفاً بتسمية اثني عشر خليفة من بعده، وتعيينهم مسبقاً، فأحدثوا ما أحدثوا ليفوتوا على الناس ذلك، وخصوصاً أن الخلفاء الذين يريد تعيينهم النبي (صلّى الله عليه وآله) هم علي وأولاده (عليهم السلام).
فهذا النص يعد نصاً صريحاً، ومن أبلغ الأدلة على إمامة هؤلاء الخلفاء في الأمة، وعلى ما يبدو أن هذا الأمر لا ينسجم مع توجهات البعض منهم! وإلا فبماذا تفسر حصول كل هذه الضجة الغريبة، بينما النبي (صلّى الله عليه وآله) يحدثهم أن بعده اثنا عشر خليفة وهو في المشاعر المقدسة..
وإليك القرائن التي تؤكد ذلك:
من خلال تفحص مفردات هذا الحديث واجهتنا عدة قرائن، تفسر بعضها بعضاً، وكلها ترجع إلى علة واحدة لا أكثر..!

↑صفحة ٥٣↑

فلا حظ هذه العبارات التي جاءت في الحديث، فإنك سوف تقطع بحدوث أمر غريب له علاقة بنفس حديث النبي (صلّى الله عليه وآله)، ومن المؤكد لو كان النبي يبين لهم حكماً شرعياً ذات علاقة بالصلاة أو الحج أو الزكاة لما حدث ما حدث!!.
وهذه الكلمات أكثرها عن راوي واحد، وهو جابر بن سمرة وهي: (فقال كلمة لم أسمعها) (ثم تكلم بكلام خفي عليّ!) (ثم قال كلمة لم أفهمها!) (وخفض بها صوته!) (ثم لغط الناس، وتكلموا! فلم أفهم قوله بعد كلهم) (فقال كلمة صمنيها الناس!) (فكبر الناس وضجوا! وقال كلمة خفية؟) (لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً، ينصرون على من ناواهم عليه إلى اثني عشر خليفة، قال: فجعل الناس يقومون ويقعدون!).
فإن الملاحظ في هذه الكلمات أن الراوي أوعز سبب عدم سماعه تتمة الحديث إلى انخفاض صوت النبي (صلّى الله عليه وآله)، وتارة أخرى إلى تعالي أصوات الناس بالتكبير والضجيج والقيام والقعود، وهذه الكلمات الأخيرة توضح لنا السبب كله في الأمر!
كما أن هذه الضجة لم تحدث صدفة أو بصورة عشوائية بل كانت مقصودة، فقد حدثت لما بلغ النبي (صلّى الله عليه وآله) في حديثه وبالتحديد إلى كلمة (كلهم) فهنا اختفى صوته على الراوي، وأن الكلام جاء في سياق بيان من هم هؤلاء الاثنا عشر ومن أي قبيلة هم؟ مما يدل على أن النبي (صلّى الله عليه وآله) لما أخذ في بيان كونهم من بني هاشم كما هو المرجح تعالت حينئذ الأصوات فخفي صوته على الراوي.
وإليك الحديث نصاً كما رواه الطبراني: عن الشعبي، عن جابر قال: خطبنا رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يوماً فسمعته يقول: لن يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً ظاهراً على من ناوأه حتى يملك اثنا عشر كلهم، ثم لغط الناس، وتكلموا! فلم أفهم قوله بعد كلهم، فقلت لأبي: يا أبتاه ما بعد قوله: كلهم؟

↑صفحة ٥٤↑

قال: كلهم من قريش.
فهذه دلالات يتلو بعضها بعضاً تدل على أن البعض أحدث لغطاً وصخباً! بالقول تارة، وبالفعل أخرى! أما الضجة المفتعلة بالقول فالدليل عليها، قول الراوي: (فقال كلمة صمّنيها الناس!) وقوله: (فكبر الناس وضجوا، وقال كلمة خفية؟) وأما الفعل فقوله: (فجعل الناس يقومون ويقعدون!)وهذا كله يكفي في أن يصدّ الناس عن سماع الحديث، ويوجد حالة من الإرباك والفوضى! بحيث تقطع على المتحدث حديثه! أو لا يصل صوته إلى كافة الناس!
ثالثاً: قد وردت رواية تذكر بدل (كلهم من قريش) (كلهم من بني هاشم) كما في رواية ينابيع المودة: (عن جابر بن سمرة، فقلت لأبي: ما الذي أخفى صوته؟ قال: قال: كلهم من بني هاشم).(١٠٩)
وهذا يعد نصاً صريحاً في كون الخلافة في بني هاشم وليست في غيرهم، فبالتالي ليس لسائر قريش نصيب في الخلافة، وهذا الأمر يتعارض مع ما يريده بعضهم من إدخال قريش في الأمر، لئلا تقتصر الخلافة فقط على بني هاشم.(١١٠)
قال بعض المحققين كما في ينابيع المودة للقندوزي: (وإخفاء صوته (صلّى الله عليه وآله) في هذا القول يرجح هذه الرواية(٣)، لأنهم لا يحسّنون خلافة بني في هذا القول يرجح هذه الرواية(١١١)، لأنهم لا يحسّنون خلافة بني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٩) ينابيع المودة، القندوزي: ٢/ ٣١٥ح٩٠٨.
(١١٠) وهذا كما يروى عن عمر بن شبة أن المغيرة بن شعبة مر على أبي بكر وعمر، وهما جالسان على باب النبي حين قبض، فقال لهما: ما يقعدكما؟.. أتريدون أن تنظروا حبل الحبلة من أهل هذا البيت! وسعوها في قريش تتسع. قال: فقاما إلى سقيفة بنى ساعدة، أو كلاما هذا معناه. راجع: (السقيفة وفدك، الجوهري: ٧٠، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: ٦/ ٤٣).
(١١١) يعني رواية (كلهم من بني هاشم) كما في ينابيع المودة.

↑صفحة ٥٥↑

 هاشم)(١١٢) استظهار في محله، ومعنى ذلك كما قلنا أن فيهم أناساً أحدثوا ضجيجاً لئلا يسمع الناس النص على الخلفاء من بني هاشم! وهذا مالا يتوافق مع نوايا بعض الحاضرين.
رابعاً: إن هذا الأمر ليس هو الأخير من نوعه! بل حدث ما يشابهه في مرض النبي (صلّى الله عليه وآله) عيناً، ولكن بصورة أخرى مما يؤكد ما قدمناه، وذلك حينما أمرهم بكتابة الكتاب، ولا نشك أن هذا الكتاب هو في النص على الخلافة من بعده للقرائن التي في الحديث، فقال لهم: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده.. فتنازعوا حتى ارتفعت أصواتهم عند النبي (صلّى الله عليه وآله)، كما في صحيح البخاري: (فاختلفوا وكثر اللغط، قال: قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع! فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابته!).(١١٣)
وجاء في صحيح البخاري أيضاً عن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): قد غلب عليه الوجع! وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا! منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف(١١٤) عند النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): قوموا، قال عبيد الله: وكان ابن عباس يقول: إن الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) وبين أن يكتب لهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٢) ينابيع المودة، القندوزي الحنفي: ٣/ ٢٩٢ ح١٢.
(١١٣) صحيح البخاري: ١/٣٧، وراجع أيضاً: ٤/٣١، و٦٦، و٥/ ١٣٧.
(١١٤) وفي رواية أخرى في صحيح البخاري:٨/ ١٦١: (فلما أكثروا اللغط والاختلاف).

↑صفحة ٥٦↑

ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.(١١٥)
فهذه الرواية ورواية (أصمنيها الناس) في حديث (يكون بعدي اثنا عشر خليفة)، من باب واحد في حدوث الضوضاء والاختلاف، وكلاهما في وصية النبي (صلّى الله عليه وآله) في النص على الخلفاء من بعده..!
قول بعض المحققين: (لأنهم لا يحسّنون خلافة بني هاشم)
أحب أن أقف هنا قليلاً مع هذا الكلام، وأريد أن أبينه بشيء من النصوص لئلا يدعي ممن لا خبرة له بالأحاديث والتأريخ أن هذا الكلام مجرد دعوى لا نصيب له من الواقع،أو أن فيه شيئاً من المبالغة التأريخية! فأقول: أما كون عامة الناس في ذلك العصر (لا يحسّنون خلافة بني هاشم) فإنه كلام واقعي لا يمكن رده بحال،(١١٦) فإن في تأريخ الإسلام والسيرة ما يثبت ذلك، بل لم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٥) صحيح البخاري: ٧/٩.
(١١٦) أقول: ولهم أسوة بجدهم النبي (صلّى الله عليه وآله) فقد كره مشركو مكة أن تكون فيه النبوة، فعانى منهم ما عانى في ذلك! قال تعالى حكاية عنهم: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) سورة الزخرف، الآية: ٣١.
روى سلام بن مسكين عن أبي يزيد المدني أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لقى أبا جهل فصافحه أبو جهل، فقيل له: يا أبا الحكم أتصافح هذا الصابئ؟! فقال: والله إني لاعلم أنه نبي، ولكن متى كنا تبعاً لبني عبد مناف؟! فأنزل الله الآية (إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ الله يَجْحَدُونَ) سورة الأنعام، الآية: ٣٣.
وفي خبر آخر أن الأخنس بن شريق خلا بأبي جهل فقال له: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد (صلّى الله عليه وآله وسلم) أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ههنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا! فقال له أبو جهل: ويحك والله إن محمداً لصادق وما كذب محمد قط! ولكن إذا ذهب بنو قصي باللوى والحجابة والسقاية والندوة والنبوة، ماذا يكون لسائر قريش!!.
(الأمالي، السيد المرتضى: ٤/ ١٧٤، تفسير الثعلبي: ٤/ ١٤٤، جامع البيان، الطبري: ٧/ ٢٤٠، أسباب النزول، الواحدي: ١٤٥)
وفي كتاب المصنف لابن أبي شيبة: ٨/ ٤٧٧، رقم:٤٤، عن سليمان بن المغيرة عن ثابت قال: قال أصحاب أبي جهل وهو يسير إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) يوم بدر: أرأيت مسيرك إلى محمد؟ أتعلم أنه نبي؟ قال: نعم ولكن متى كنا تبعاً لعبد مناف؟!

↑صفحة ٥٧↑

يقف الأمر عند هذا الحد بل تجاوزه إلى اضطهادهم وإقصائهم حتى آل أمرهم إلى أن أصبحوا في هذه الأمة مستضعفين، وأي استضعاف أعظم مما جرى عليهم من القتل والتشريد والترويع!!.
ويكفي ما جرى عليهم من الحوادث والوقائع الدامية عبر العصور، وقد أنبأت بذلك أيضاً الأحاديث الشريفة قبل أن يجري عليهم ما جرى! فهناك نصوص كثيرة تثبت ذلك! ولو كان سائر الناس يحسّنون خلافة العترة لما جرى عليهم ماجرى من الإقصاء والتشريد والقتل!! ومما يدل على ذلك كله من النصوص ما يلي:
مارواه الحاكم: عن عبد الله بن مسعود قال: أتينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فخرج إلينا مستبشراً يعرف السرور في وجهه فما سألناه عن شيء الا أخبرنا به، ولا سكتنا إلا ابتدأنا حتى مرت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسين، فلما رآهم التزمهم وانهملت عيناه فقلنا: يا رسول الله ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه؟! فقال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وأنه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً أو تشريداً في البلاد.. الخ.(١١٧)
وفي رواية ابن ماجة: (سيلقون بعدي بلاءً وتشريداً وتطريداً).(١١٨)
وروى الترمذي: عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٧) المستدرك، الحاكم: ٤/ ٤٦٤، المصنف، ابن أبي شيبة: ٨/ ٦٩٧ح٧٤.
(١١٨) سنن ابن ماجة: ٢/ ١٣٦٦ح٤٠٨٢.

↑صفحة ٥٨↑

العباس بن عبد المطلب دخل على رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) مغضباً وأنا عنده، فقال: ما أغضبك؟ قال: يا رسول الله ما لنا ولقريش؟ إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك! قال: فغضب رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) حتى أحمر وجهه، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله.. الخ
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.(١١٩)
وروى أبو جعفر الإسكافي أيضا أن النبي (صلّى الله عليه وآله) دخل على فاطمة (عليها السلام)، فوجد علياً نائماً، فذهبت تنبهه، فقال: دعيه فرب سهر له بعدي طويل، ورب جفوة لأهل بيتي من أجله شديدة! فبكت، فقال: لا تبكي فإنكما معي، وفي موقف الكرامة عندي.(١٢٠)
وروى الحاكم النيسابوري: عن حيان الأسدي سمعت علياً يقول: قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إن الأمة ستغدر بك بعدي، وأنت تعيش على ملتي، وتقتل على سنتي، من أحبك أحبني، ومن أبغضك أبغضني، وأن هذه ستخضب من هذا. يعني لحيته من رأسه.
قال الحاكم: صحيح.(١٢١)
وروى أبو يعلى الموصلي: عن أبي عثمان عن علي بن أبي طالب قال: بينما

 

(١١٩) سنن الترمذي: ٥/ ٣١٨ ح٣٨٤٧، مسند أحمد بن حنبل: ١/ ٢٠٧.
(١٢٠) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ٤/ ١٠٧.
(١٢١) المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري: ٣/ ١٤٢، التأريخ الكبير، البخاري: ٢/ ١٧٤ح٢١٠٣، تأريخ بغداد، الخطيب البغدادي:١١/ ٢١٦، رقم: ٥٩٢٨، تأريخ دمشق، ابن عساكر: ٤٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨، تذكرة الحفاظ، الذهبي: ٣/ ٩٩٥، البداية والنهاية، ابن كثير: ٧/ ٣٦٠، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ٤/ ١٠٧، كنز العمال، المتقي الهندي: ١١/ ٢٩٧ ح٣١٥٦١.

↑صفحة ٥٩↑

رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) آخذ بيدي ونحن نمشي في بعض سكك المدينة، إذ أتينا على حديقة، فقلت: يا رسول الله ما أحسنها من حديقة! قال: لك في الجنة أحسن منها، ثم مررنا بأخرى، فقلت: يا رسول الله ما أحسنها من حديقة! قال: لك في الجنة أحسن منها، حتى مررنا بسبع حدائق كل ذلك أقول ما أحسنها! ويقول: لك في الجنة أحسن منها، فلما خلا له الطريق اعتنقني ثم أجهش باكياً! قال: قلت: يا رسول الله ما يبكيك؟ قال: ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلا من بعدي، قال: قلت: يا رسول الله في سلامة من ديني؟ قال: في سلامة من دينك.(١٢٢)
قال الهيثمي: رواه أبو يعلى والبزار، وفيه الفضل بن عميرة، وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات.(١٢٣)
وروى الطبراني: عن بن عباس (رضي الله عنهما) قال: خرجت أنا والنبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) وعلي (رضي الله عنه) في حشان المدينة، فمررنا بحديقة فقال علي (رضي الله عنه): ما أحسن هذه الحديقة يا رسول الله! فقال: حديقتك في الجنة أحسن منها، ثم أومأ بيده إلى رأسه ولحيته، ثم بكى حتى علا بكاؤه قيل: ما يبكيك؟ قال: ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتى يفقدوني.(١٢٤)
وفي رواية أنس بن مالك، قال: ثم وضع النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم)) رأسه على إحدى منكبي علي فبكى، فقال له علي: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك حتى أفارق الدنيا! فقال علي (رضي الله عنه):

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٢) مسند أبي يعلى الموصلي: ١/ ٤٢٧ ح٥٦٥، كنز العمال، المتقي الهندي: ١٣/ ١٧٦ ح٣٦٥٢٣، تأريخ بغداد، الخطيب البغدادي: ١٢/ ٣٩٤، رقم: ٦٨٥٩، تأريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ٤٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣، المناقب، الخوارزمي: ٦٥ح٣٥.
(١٢٣) مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩/ ١١٨.
(١٢٤) المعجم الكبير، الطبراني: ١١/ ٦١، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ٤/ ١٠٧، مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩/ ١١٨.

↑صفحة ٦٠↑

فما أصنع يا رسول الله؟ قال: تصبر، قال: فإن لم أستطع قال: تلقى جميلا.(١٢٥)
وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: كلّ حقد حقدته قريش على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أظهرته فيَّ! وستظهره في ولدي من بعدي، ما لي ولقريش! إنما وترتهم بأمر الله وأمر رسوله، أفهذا جزاء من أطاع الله ورسوله إن كانوا مسلمين!.(١٢٦)
وقالت الزهراء (عليها السلام) في خطبتها في المهاجرين والأنصار: وما الذي نقموا من أبي الحسن! نقموا والله منه نكير سيفه، وشدة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله، ويا لله! لو تكافئوا على زمام نبذه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لسار بهم سيراً سجحاً لا يكلم خشاشه، ولا يتعتع راكبه، ولأوردهم منهلاً روياً فضفاضاً تطفح ضفتاه، ولأ صدرهم بطاناً قد تحرى بهم الري...(١٢٧)
وعن ابن عساكر في تأريخ دمشق: عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: قلت لعلي بن حسين بن علي: ما بال قريش لا تحب علياً؟! فقال: لأنه أورد أولهم النار، وألزم آخرهم العار!.(١٢٨)
وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: قال عمر لابن عباس في حوار له معه: يا بن عباس، أتدري ما منع الناس منكم؟ قال لا يا أمير المؤمنين، قال: لكني أدري، قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة فيجخفوا جخفاً فنظرت قريش لنفسها فاختارت ووفقت فأصابت.. الخ!.(١٢٩)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٥) تأريخ دمشق، ابن عساكر: ٤٢/ ٣٢٤
(١٢٦) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: ٢٠/ ٣٢٨ ح٧٦٤.
(١٢٧) بلاغات النساء، ابن طيفور: ٢٠، السقيفة وفدك، الجوهري: ١٢٠، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: ١٦، مناقب أهل البيت، الشيراوي: ٤٢٤.
(١٢٨) تأريخ دمشق، ابن عساكر: ٤٢/ ٢٩٠.
(١٢٩) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: ١٢/ ٥٣، السقيفة وفدك، الجوهري: ١٣١، أخبار الدولة العباسية: ٣٣، مناقب أهل البيت، المولى حيدر الشيرواني: ٤٥٢.

↑صفحة ٦١↑

وفي تأريخ الطبري: فقال عمر كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحاً بجحاً، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت...(١٣٠)
وروى أبو سعد الآبي في كتابه عن ابن عباس، قال: وقع بين عثمان وعلي (عليه السلام) كلام، فقال عثمان: ما أصنع إن كانت قريش لا تحبكم، وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين، كأن وجوههم شنوف الذهب، تصرع أنفهم قبل شفاههم!.(١٣١)
وقال عثمان لابن عباس: ولقد علمت أن الأمر لكم، ولكن قومكم دفعوكم عنه، واختزلوه دونكم.(١٣٢)
وعن ابن سعد في الطبقات: عن المنهال يعني بن عمرو قال: دخلت على علي بن حسين فقلت: كيف أصبحت أصلحك الله؟ فقال: ما كنت أرى شيخاً من أهل المصر مثلك لا يدري كيف أصبحنا! فأما إذ لم تدر أو تعلم! فسأخبرك، أصبحنا في قومنا بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون إذ كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وأصبح شيخنا وسيدنا يتقرب إلى عدونا بشتمه أو سبه على المنابر! وأصبحت قريش تعد أن لها الفضل على العرب لأن محمداً (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) منها، لا يعد لها فضل إلا به، وأصبحت العرب مقرة لهم بذلك، وأصبحت العرب تعد أن لها الفضل على العجم لأن محمداً (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) منها لا يعد لها فضل إلا به، وأصبحت العجم مقرة لهم بذلك، فلئن كانت العرب صدّقت أن لها الفضل على العجم، وصدّقت قريش أن لها الفضل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٠) تأريخ الطبري: ٣/ ٢٨٩، الكامل في التأريخ، ابن الأثير: ٣/ ٦٣.
(١٣١) نثر الدر، الآبي: ٢/ ٦٨، شرح نهج البلاغة، لابن ابي الحديد: ٩/ ٢٢ - ٢٣، مناقب أهل البيت، الشيراوي: ٣٧٥.
(١٣٢) راجع: التحفة العسجدية، يحيى بن الحسين بن القاسم: ص ١٣١، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ٩/ ٩.

↑صفحة ٦٢↑

على العرب لأن محمداً (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) (منها) إن لنا أهل البيت الفضل على قريش لأن محمداً (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) منا، فأصبحوا يأخذون بحقنا، ولا يعرفون لنا حقاً! فهكذا أصبحنا إذ لم تعلم كيف أصبحنا!!...(١٣٣)
إلى غير ذلك من النصوص التي ملأت كتب جمهور المسلمين، والتي تنبى عن مواقف القوم تجاه العترة (عليهم السلام)، وما جرى عليهم من بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شاهد صدق على ماقدمناه.
هل بيّن النبي (صلّى الله عليه وآله) أسماء الخلفاء الاثني عشر أم لا؟
ولنا هنا أن نسائل هؤلاء الذين توقفوا في فهم هذا الحديث، هل كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يتكلم مع الناس بالمجملات! ولايبين المراد منها، ويترك الحديث على عواهنه؟ ليقعوا بعد ذلك في حيرة التفسير والتأويل! فيكون وجوده وعدمه سواء.
وهل يُظن أن الصحابة أنفسهم حينما سمعوا هذا الحديث الشريف اكتفوا بهذا المجمل؟! ولم يكلفوا أنفسهم عناء السؤال عن تفسيره، ومن هم هؤلاء الاثنا عشر؟ فآثروا السكوت عن ذلك، ولا حاجة لهم في معرفة تفاصيل الحديث، وكأنه لا يعنيهم ولا يمت إليهم بصلة، وهم الذين يسألونه في الدين عن كل صغيرة وكبيرة! إلا هذا الحديث فهو خارج عن اهتمامهم!!.
ثم لو فرض أن النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يبين أسماء هؤلاء الاثني عشر بالمرة.. ولو في أحاديث أخرى..ألا يبعث هذا على الاستغراب والتساؤل، وسبب تركه لذلك؟!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٣) الطبقات الكبرى، ابن سعد: ٥/ ٢١٩ - ٢٢٠، تأريخ دمشق، ابن عساكر: ٤١/ ٣٩٦، تهذيب الكمال، المزي: ٢٠/ ٣٩٩، المنتخب من ذيل المذيل، الطبري: ١٢٠.

↑صفحة ٦٣↑

والكل يعلم أن النبي (صلّى الله عليه وآله) أحرص الناس على هداية الأمة وإرشادهم، فما كان يضن عليهم بالجواب عن ذلك لو سألوه؟!
ولو رضينا بكل هذه الافتراضات، وحكمنا على الحديث بالإجمال يبرز لدينا سؤال مهم أيضاً وهو: ما هي الفائدة في أن يعرف المسلمون من هذا الحديث مجرد اثني عشر خليفة من قريش يكون الدين عزيزاً في أيام خلافتهم، وهم لا يعرفونهم لا بأسمائهم ولا بأوصافهم؟! فماذا سوف يضيف هذا الحديث المبهم من معلومة إلى علمهم وعقيدتهم مع هذا الإجمال الذي لم يزدهم إلا حيرة!
ولكننا نقول: حاشا النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يظن أو يكتم عليهم ما فيه صلاحٌ ونفعٌ لهم، وهو الذي قال عنه القرآن الكريم: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)(١٣٤) فلا مناص من القول أنه قد بين لهم أسماء هؤلاء الخلفاء، ليعرفوهم فيتبعوهم ويهتدوا بهديهم، وليتميز الحق من الباطل، لأن هؤلاء الخلفاء خلفاء الله في أرضه، بهم قوام الدين وعزته، ومَن من الناس لا يود أن يعيش تحت ظلهم ورعايتهم، ويحضى بشرف رؤيتهم وصحبتهم!
أقول: ويكفي ما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري وغيره في هذا الباب، عن النبي (صلّى الله عليه وآله)(١٣٥) وكذلك ما رواه عن الزهراء (عليها السلام) في خبر اللوح الذي رأه، وقرأ فيه الأسماء كلها، وغيره.(١٣٦)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٤) سورة يونس، الآية: ١٢٨.
(١٣٥) راجع: كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق: ٢٥٣ح٣، و٢٥٨ ح٣و٤، كفاية الأثر، الخزاز القمي: ٥٣، ينابيع المودة، القندوزي الحنفي: ٢/ ٣١٦ ح٩١٢، شرح إحقاق الحق، السيد المرعشي: ١٣/ ٦٩ - ٧٠ عن فرائد السمطين وغيره.
(١٣٦) راجع: كفاية الأثر، الخزاز القمي: ١٩٥ - ١٩٧، بحار الأنوار، الشيخ المجلسي: ٣٦/ ٣١٢ الخ

↑صفحة ٦٤↑

الحديث في ميزان الدلالة
ويدل الحديث على أمور:
الأمر الأول: دلالة الحديث على تولي الخلفاء مباشرة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله)
جاء في مسند أحمد: يكون بعدي اثنا عشر أميراً..(١٣٧) وفي سنن الترمذي: يكون من بعدي اثنا عشر أميراً..(١٣٨) وفي النقباء عن مسروق، قال: سأل رجل عبد الله بن مسعود هل حدثكم نبيكم (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) بعدة الخلفاء من بعده؟ قال: نعم، وما سألني عنها أحدٌ قبلك! قال: إن عدة الخلفاء بعدي عدة نقباء موسى (عليه السلام).(١٣٩)
وهذا الحديث وأمثاله واضح الدلالة على تولي الأئمة (عليهم السلام) الأمر بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) مباشرة بلا فصل، وكونهم على التوالي، وخصوصاً حديث النقباء فيه دلالة ظاهرة على ذلك، فقوله: (عدة الخلفاء بعدي عدة نقباء موسى عليه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٧) مسند أحمد بن حنبل: ٥/ ٩٢.
(١٣٨) سنن الترمذي: ٣/ ٣٤٠ح٢٣٢٣.
(١٣٩) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ١٦/ ٢٨٦، الكامل، عبد الله بن عدي: ٣/ ١٥، فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي: ٢/٥٨٢ ح٢٢٩٧، كنز العمال، المتقي الهندي: ٦/ ٨٩ ح١٤٩٧١، الجامع الصغير، جلال الدين السيوطي: ١/ ٣٥٠ ح٢٢٩٧.

↑صفحة ٦٦↑

السلام) نص على حصر الخلفاء الشرعيين فيهم فقط، ومعنى هذا أن غير هؤلاء ليسوا شرعيين في خلافتهم, وخصوصاً مع ملاحظة سؤال السائل عنهم! وهذا لا ينطبق إلا على قول الإمامية التي تقول بإمامة اثني عشر إماماً بعد النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولا ينطبق على قول السنة إذ أن الذين تولوا الأمر بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) يزيدون عن هذا العدد بكثير، واختيار بعضهم دون بعض خلاف معنى الحديث، فليس عليه برهان ولا دليل! ولهذا وقع أكثرهم في حيرة فلم يهتدوا إلى معناه إلى يومك هذا!
الأمر الثاني: دلالة الحديث على إمامة الأئمة الاثني عشر من أهل البيت
ويدل الحديث أيضاً دلالة واضحة على إمامة الأئمة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام).
أولاً: هذا الحديث بيان واضح، ونص ظاهر في إمامة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) من أهل البيت (عليهم السلام) أولهم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وآخرهم الإمام المهدي بن الحسن (عليهم السلام) فليس هناك أئمة حق اثنا عشر غيرهم في تأريخ الأمة، فهذا الحديث لا ينطبق إلا عليهم، فليس له مصداق غير أئمة أهل البيت (عليهم السلام) فقد نص الحديث على استمرار هذا الدين إلى آخر الزمان ببقائهم، وهذا يعني أن خلافتهم خلافة إلهية، بيد الله تعالى وبأمره وبتأييد منه، بحيث يتوقف الدين على وجودهم، وهذا لا يتأتى إلا لمن اختاره الله واصطفاه، ضرورة أن الدين لا يضمحل ولا يزول بذهاب من يوليه الناس وينتخبونه، وهذا المعنى أمر ظاهر يُفهم من ألفاظ الحديث، وما أخبر النبي (صلّى الله عليه وآله) الصحابة بهذا الحديث إلا ليبين لهم قادة الأمة وأئمتهم الذين تجب عليهم طاعتهم وولايتهم.
أضف إلى ذلك أن النبي (صلّى الله عليه وآله) نص على أسمائهم واحداً واحداً، كما في أحاديث أخرى(١٤٠) هذا ولم تتفق الأمة جميعاً على نزاهة وطهارة اثني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٠) راجع فرائد السمطين، للجويني، وكذلك ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ففيها جملة من النصوص في ذلك.

↑صفحة ٦٧↑

عشر رجلاً على التوالي من الأمة غيرهم، ويؤيد ذلك ما ورد في بعض الأحاديث: (كلهم يعمل بالهدى ودين الحق).(١٤١)
وتشهد على ذلك أيضاً عشرات المصادر من كتب التأريخ والحديث والسيرة والأدب عند جمهور المسلمين، فقد تضافرت فيها كلمات كثير من أعلامهم بالثناء والمدح على أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا لم يتأتى لأحد غيرهم.(١٤٢)
ولعل هذا هو المقصود مما جاء في الحديث المروي (كلهم تجتمع عليه الأمة) مع فرض صحة هذه العبارة يحتمل أن يكون المقصود منها اجتماع الأمة على القول بنزاهتهم واعترافهم بفضلهم، حتى خصومهم الذين جحدوهم لا يقدرون على ذمهم! فإن الله تعالى أظهر شأنهم وأعلى مكانهم مع ما جرى عليهم.
كما أن هذه العبارة وردت بهذا اللفظ فقط في رواية إسماعيل، عن أبيه بلفظ: (أظن ظناً أن أبي قال: كلهم تجتمع عليه الأمة)(١٤٣) فراوي الحديث هنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤١) الخصال، الشيخ الصدوق: ٤٧٤ ح٣٢، تأريخ دمشق، ابن عساكر: ٤٥/ ١٨٩، فتح الباري، ابن حجر: ١٣/ ١٨٤.
(١٤٢) فراجع على سبيل المثال ما كتبه ابن طولون في كتابه (الأئمة الاثنا عشر (عليهم السلام)) وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة، وابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة في تراجمهم، والشبلنجي في نور الأبصار، وكذلك كتاب سير أعلام النبلاء في أجزائه المتفرقة، وكتاب صفوة الصفوة، وغير ذلك من الكتب التي تناولت سير أهل البيت (عليهم السلام) وحياتهم.
(١٤٣) والرواية هي عن الطبراني في المعجم الكبير: ٢/ ٢٠٨: عن ابن أبي خالد، عن أبيه، عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): لا يزال هذا الدين قائماً حتى يقوم اثنا عشر خليفة، قال إسماعيل: أظن ظناً أن أبي قال: كلهم تجتمع عليه الأمة.

↑صفحة ٦٨↑

ليس قاطعاً بصدور هذه الجملة من النبي (صلّى الله عليه وآله)، بل هو مجرد ظن! والظن لا يغني من الحق شيئاً.
وهناك وجه آخر ذكر في كتاب ينابيع المودة، قال: وأما قوله (صلّى الله عليه وآله) في الحديث: (كلهم تجتمع عليه الأمة) في رواية عن جابر بن سمرة فمراده (صلّى الله عليه وآله) أن الأمة تجتمع على الإقرار بإمامة كلهم وقت ظهور قائمهم المهدي (رضي الله عنهم)(١٤٤) والله العالم بحقائق الأمور.
فهذا الحديث لا يقبل التأويل، ولا يحتمل التشكيك في أن المراد منهم هم أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فقد جاء التعبير عنهم في الروايات الواردة في هذا الشأن تارة بلفظ (خليفة)، وتارة بلفظ (قيم) وتارة بلفظ (أمير) الخ.. وكلها تدل على إمامتهم وولايتهم العامة على الناس كافة، وخلافتهم هذه ليست مجرد حكم أو رئاسة دنيا تنتخب من الناس، إن شاءوا ولوهم، وإن شاءوا عزلوهم! وإنما خلافة إلهية بيد الله تعالى جعلها فيمن انتجبهم واصطفاهم على الناس كافة.
هذا ولم يوجد إمامة اثني عشر على التوالي، وبهذا العدد في الأمة غيرهم، ولم يعرف الناس سواهم بهذه الخصوصية، وعلى كل حال إن هذا الحديث ليس له تفسير إلا بالأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) الذين خلفهم النبي (صلّى الله عليه وآله) في الأمة.
جاء في كتاب ينابيع المودة للقندوزي الحنفي قال بعض المحققين: إن الأحاديث الدالة على كون الخلفاء بعده (صلّى الله عليه وآله) إثنا عشر قد اشتهرت من طرق كثيرة، فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان، علم أن مراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من حديثه هذا الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته، إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه، لقلتهم عن اثني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٤) ينابيع المودة، القندوزي: ٣ / ٢٩٢ - ٢٩٣.

↑صفحة ٦٩↑

عشر، ولا يمكن أن يحمله على الملوك الأموية لزيادتهم على اثني عشر، ولظلمهم الفاحش إلا عمر بن عبد العزيز، ولكونهم غير بني هاشم، لأن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: كلهم من بني هاشم في رواية عبد الملك عن جابر، وإخفاء صوته (صلّى الله عليه وآله) في هذا القول يرجح هذه الرواية، لأنهم لا يُحسِّنون خلافة بني هاشم، ولا يمكن أن يحمله على الملوك العباسية لزيادتهم على العدد المذكور، ولقلة رعايتهم الآية (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)(١٤٥) وحديث الكساء، فلا بد من أن يحمل هذا الحديث على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترته (صلّى الله عليه وآله) لأنهم كانوا أعلم أهل زمانهم، وأجلهم وأورعهم وأتقاهم، وأعلاهم نسباً، وأفضلهم حسباً، وأكرمهم عند الله، وكان علومهم عن آبائهم متصلاً بجدهم (صلّى الله عليه وآله) وبالوراثة واللدنية، كذا عرفهم أهل العلم والتحقيق، وأهل الكشف والتوفيق.
ويؤيد هذا المعنى - أي أن مراد النبي (صلّى الله عليه وآله) الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته - ويشهده ويرجحه حديث الثقلين، والأحاديث المتكثرة المذكورة في هذا الكتاب وغيرها.(١٤٦)
ثانياً: مما يدل على أن خلافة هؤلاء خلافة إلهية، هو تشبيههم بنقباء بني إسرائيل الذين اصطفاهم الله تعالى على الناس في زمانهم كما في حديث عبد الله بن مسعود الذي مر عليك آنفاً، يقول آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني دام ظله الشريف: إن اختياره (صلّى الله عليه وآله وسلم) للتنظير نقباء بني إسرائيل مع أن النظير للعدد متعدد، تنبيه على أن خلافتهم ليست بانتخاب من الناس، بل تعيين من الله، فقد قال الله تعالى عن النقباء: (وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا).(١٤٧)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٥) سورة الشورى، الآية: ٢٣.
(١٤٦) ينابيع المودة، القندوزي: ٣ / ٢٩٢ - ٢٩٣.
(١٤٧) سورة المائدة، الآية: ١٢.

↑صفحة ٧٠↑

إن هؤلاء الأئمة من قريش، فهل يوجد خلفاء فيهم هذه المزايا، إلا على المذهب الحق؟ وهل يمكن تفسير الأئمة الاثني عشر إلا بأئمتنا (عليهم السلام)؟ وهل تحققت عزّة الإسلام وأهدافه في خلافة يزيد بن معاوية وأمثاله؟! لقد اعترف بعض المحققين من علماء العامة بأن بشارة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) لا تقبل الانطباق إلا على الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)...(١٤٨)
يقول السيد محمد رضا المدرسي اليزدي: وبغض النظر عن سائر الروايات التي بينت مسألة الخلافة والإمامة فإن هذه الطائفة من الأحاديث تدل بمفردها على بطلان كافة المذاهب غير مذهب الشيعة الاثني عشرية; بل أبعد من ذلك فهي دلالة صريحة على صحة وأحقية مذهب الشيعة الاثني عشرية; وذلك لأن أحداً من تلك المذاهب الإسلامية لا يعتقد بحصر الإمامة في اثني عشر فرداً سوى مذهب الشيعة، سيما بالالتفات للروايات التي صرحت بأن لكل زمان إماماً، لعدم اعتقاد أية جماعة وفرقة باثني عشر إماماً على طول الدهور والأزمان، بحيث لم يخل أي زمان من إمام من أولئك الأئمة الاثني عشر.
ولذلك تفتخر الشيعة الاثني عشرية من بين سائر الفرق الإسلامية بالاعتقاد بهؤلاء الأئمة الاثني عشر، وأن أولهم علي (عليه السلام) وآخرهم القائم بالحق المهدي صاحب الزمان (عليه السلام) وهو حي مغيب.
وعليه فالروايات القطعية والمتواترة (الأئمة اثنا عشر) سيما إذا ضمت إليها الروايات الدالة على استمرار الإمامة على مدى الزمان، لدلالة كافية وافية على بطلان جميع المذاهب غير مذهب الشيعة الاثني عشرية، إلى جانب دلالتها على أحقية المذهب...(١٤٩)
ويقول السيد محمد تقي الحكيم: والذي يستفاد من هذه الروايات:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٨) منهاج الصالحين، الشيخ الوحيد الخراساني: ١/١٩٩.
(١٤٩) التشيع من رأي التسنن، السيد محمد رضا المدرسي اليزدي: ٤٦.

↑صفحة ٧١↑

١ - إن عدد الأمراء أو الخلفاء لا يتجاوز الاثني عشر، وكلهم من قريش.
٢ - وإن هؤلاء الأمراء معينون بالنص، كما هو مقتضى تشبيههم بنقباء بني إسرائيل لقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا).
٣ - إن هذه الروايات افترضت لهم البقاء ما بقي الدين الإسلامي، أو حتى تقوم الساعة، كما هو مقتضى رواية مسلم السابقة، وأصرح من ذلك روايته الأخرى في نفس الباب: لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان.(١٥٠)
وإذا صحت هذه الاستفادة فهي لا تلتئم إلا مع مبنى الإمامية في عدد الأئمة وبقائهم، وكونهم من المنصوص عليهم من قبله (صلّى الله عليه وآله)، وهي منسجمة جداً مع حديث الثقلين وبقائهما حتى يردا عليه الحوض.
وصحة هذه الاستفادة موقوفة على أن يكون المراد من بقاء الأمر فيهم بقاء الإمامة والخلافة - بالاستحقاق - لا السلطة الظاهرية، لأن الخليفة الشرعي خليفة يستمد سلطته من الله، وهي في حدود السلطنة التشريعية لا التكوينية، لأن هذا النوع من السلطنة هو الذي تقتضيه وظيفته كمشرع، ولا ينافي ذلك ذهاب السلطنة منهم في واقعها الخارجي لتسلط الآخرين عليهم.
على أن الروايات تبقى بلا تفسير لو تخلينا عن حملها على هذا المعنى لبداهة أن السلطنة الظاهرية قد تولاها من قريش أضعاف أضعاف هذا العدد، فضلاً عن انقراض دولهم، وعدم النص على أحد منهم - أمويين وعباسيين - باتفاق المسلمين.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الروايات كانت مأثورة في بعض الصحاح والمسانيد قبل أن يكتمل عدد الأئمة، فلا يحتمل أن تكون من الموضوعات بعد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٠) صحيح مسلم: ٦/ ٣، صحيح البخاري: ٤/ ١٥٥.

↑صفحة ٧٢↑

اكتمال العدد المذكور، على أن جميع رواتها من أهل السنة، ومن الموثوقين لديهم.
ولعل حيرة كثير من العلماء في توجيه هذه الأحاديث وملاءمتها للواقع التأريخي، كان منشؤها عدم تمكنهم من تكذيبها، ومن هنا تضاربت الأقوال في توجيهها وبيان المراد منها..
والحقيقة إن هذه الأحاديث لا تقبل توجيهاً إلا على مذهب الإمامية في أئمتهم، واعتبارها من دلائل النبوة في صدقها عن الإخبار بالمغيبات، أولى من محاولة إثارة الشكوك حولها كما صنعه بعض الباحثين المحدثين متخطياً في ذلك جميع الاعتبارات العلمية، وبخاصة بعد أن ثبت صدقها بانطباقها على الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) على أنا في غنى عن هذه الروايات وغيرها بحديث الثقلين نفسه، فهو الذي ترك بأيدينا مقياساً لتشخيص العصمة في أصحابها، وقديماً قيل: (اعرف الحق تعرف أهله).(١٥١)
والمقياس في العصمة هو عدم الافتراق عن القرآن، فلنمسك بأيدينا هذا المقياس، ونسبر به الواقع السلوكي لجميع من تسموا بالأئمة لدى فرق الشيعة، ونختار أجدرهم بالانطباق عليه لنتمسك بإمامته.
وأظن أن الأنسب والأبعد عن الإدعاء أن نهمل كتب الشيعة على اختلافها، وننزع إلى كتب إخواننا من أهل السنة ونجعلها الحكم في تطبيق هذا المقياس عليهم، فإنها أقرب إلى الموضوعية عادة من كتب قد يقال في حق أصحابها أن كل طائفة تريد التزيد لأئمتها بالخصوص.
ولنا من ابن طولون مؤرخ دمشق في كتابه (الأئمة الاثنا عشر)، وابن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥١) من أقوال وحكم مولانا أمير المؤمنين علي (عليه السلام): الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله. راجع: روضة الواعظين، الفتال النيسابوري: ٣١، تفسير القرطبي: ١/ ٣٤١.

↑صفحة ٧٣↑

حجر في صواعقه، والشيخ سليمان البلخي وغيرهم رادة لأمثال هذه البحوث.
ولنترك قراءة تراجمهم جميعاً للأخ أبي زهرة ليرى أيهم أكثر انسجاماً في واقعه مع المقياس الذي استفدناه من حديث الثقلين، يقول أحمد وهو يعلق على حديث الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام) حين مرَّ بنيسابور: لو قرأت هذا الإسناد على مجنون لبرئ من جنته.(١٥٢)
والذي نرجوه ونأمل أن لا ننساه ونحن نستعرض تراجمهم، أن هؤلاء الأئمة الاثني عشر قد ادعوا لأنفسهم الإمامة في عرض السلطة الزمنية، واتخذوا من أنفسهم كما اتخذهم الملايين من أتباعهم قادة للمعارضة السلمية للحكم القائم في زمنهم، وكانوا عرضة للسجون والمراقبة، وكثير منهم قُتل بالسم، وفيهم من استُشهد في ميدان الجهاد على يد القائمين بالحكم.
وفي هؤلاء الأئمة من تولى الإمامة وهو ابن عشرين سنة كالحسن العسكري، بل فيهم من تولى منصبها وهو ابن ثمان كالإمامين الجواد والهادي.
ومن المعروف عن الشيعة ادعاؤهم العصمة لأئمتهم الملازمة لدعوى الإحاطة في شؤون الشريعة جميعها، بل ادعوا الأعلمية لهم في جميع الشؤون، وهم أنفسهم صرّحوا بذلك.
ومن كلمات أئمتهم في ذلك كله ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهجه الخالد: نحن شجرة النبوة، ومحط الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحِكَم..(١٥٣) وقوله (عليه السلام): أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً علينا، أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطى الهدى، ويستجلى العمى، إن الأئمة من قريش غرسوا في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٢) الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي: ٢٠٥، (الفصل الثالث).
(١٥٣) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام): ١/ ٢١٥، خطبة رقم: ١٠٩.

↑صفحة ٧٤↑

هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم...(١٥٤)
وقول علي بن الحسين السجاد (عليه السلام): وذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا! واحتجوا بمتشابه القرآن، فتأولوا بآرائهم، واتهموا مأثور الخبر فينا، إلى أن يقول: فإلى من يفزع خلف هذه الأمة، وقد درست أعلام هذه الأمة، ودانت الأمة بالفرقة والاختلاف يكفر بعضهم بعضاً، والله تعالى يقول: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ)(١٥٥) فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة، وتأويل الحكم إلا أعدال الكتاب، وأبناء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى الذين احتج الله بهم على عباده، ولم يدع الخلق سدى من غير حجة، هل تعرفونهم أو تجدونهم إلا من فروع الشجرة المباركة، وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا...(١٥٦)
ومع هذه الأقوال ونظيرها صادر عن أكثر الأئمة، وهم مصحرون بمبادئهم، أما كان بوسع السلطة وهي تملك ما تملك من وسائل القمع أن تقضي على هذه الجبهة من المعارضة ذات الدعاوى العريضة من أيسر طرقها، وذلك بتعريض أئمتها لشيء من الامتحان العسير في بعض ما يملكه العصر من معارف، وبخاصة ما يتصل منها بغوامض الفقه والتشريع ليسقط دعواها في الأعلمية من الأساس، أو يعرضهم إلى شيء من الامتحان في الأخلاق والسلوك ليسقط ادعاءهم العصمة.
وإذا كان في الكبار منهم عصمة وعلم، نتيجة دربة ومعاناة فما هو الشأن في ابن عشرين عاماً أو ابن ثمان، فهل تملك الوسائل الطبيعية تعليلاً لتمثلهم لذلك كله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٤) نفس المصدر: ٢/ ٢٧، خطبة رقم: ١٤٤.
(١٥٥) سورة آل عمران، الآية: ١٠٥.
(١٥٦) الصحيفة السجادية، الإمام زين العابدين (عليه السلام): ٥٢٤، رقم: ٢١٩.

↑صفحة ٧٥↑

ولو كان هؤلاء الأئمة في زوايا أو تكايا، وكانوا محجوبين عن الرأي العام، كما هو الشأن في أئمة الإسماعيلية أو بعض الفرق الباطنية لكان لإضفاء الغموض والمناقبية على سلوكهم من الاتباع مجال، ولكن ما نصنع وهم مصحرون بأفكارهم وسلوكهم وواقعهم، تجاه السلطة وغيرها من خصومهم في الفكر، والتأريخ حافل بمواقف السلطة منهم، ومحاربتها لأفكارهم، وتعريضهم لمختلف وسائل الإغراء والاختبار، ومع ذلك فقد حفل التأريخ بنتائج اختباراتهم المشرفة وسجلها بإكبار.(١٥٧)
ونخلص من ذلك كله إلى أن: (هذه الأحاديث لا تنطبق إلا على مذهب الإمامية، لأنه ليس في الأمة من قد ادعى هذا العدد غير الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) ولا تنطبق على غيرهم كائناً من كان، وقد صنف في هذه الأحاديث العلامة محمد معين السندي كتاباً مفرداً سماه (مواهب سيد البشر في حديث أئمة الاثني عشر) وأثبت أن المراد بهذه الأحاديث أئمتنا الاثني عشر المعروفين بأسمائهم (عليهم السلام) كما أنه أثبت أيضاً في كتابه (دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب) إن الذين أمر بالرجوع إليهم من العترة في حديث الثقلين هم الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) الذين لا شائبة في كونهم معصومين، ومختصين بالعلوم التي تلقوها عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم).
ومنها: النصوص المصرحة بأسمائهم وأوصافهم (عليهم السلام)، وقد أخرجها من طرق العامة القندوزي في ينابيع المودة عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): يا علي أنت وصيي، حربك حربي، وسلمك سلمي، وأنت الإمام، وأبو الأئمة الإحدى عشر الذين هم المطهرون المعصومون، ومنهم المهدي الذي يملأ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٧) الأصول العامة للفقه المقارن، السيد محمد تقي الحكيم: ١٧٨ - ١٨٣.

↑صفحة ٧٦↑

الأرض قسطاً وعدلاً.(١٥٨)
وأخرج (أيضاً) قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): الأئمة من بعدي اثنا عشر، أولهم أنت يا علي، وآخرهم القائم الذي يفتح الله (عزَّ وجلَّ) على يديه مشارق الأرض ومغاربها.(١٥٩)
وأخرج الحموئي في فرايد السمطين، والسيد علي الهمداني في مودة القربى: عن ابن عباس، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): أنا سيد النبيين، وعلي بن أبي طالب سيد الوصيين، وأن أوصيائي اثنا عشر، أولهم علي بن أبي طالب، وآخرهم القائم(١٦٠) إلى آخر تلك النصوص الواردة في حقهم (عليهم السلام)).(١٦١)
وكل هذه الأحاديث التي سقناها إليك آنفاً تدل بمجموعها على ما بيناه، ويفسر بعضها بعضاً، فهي جميعها من باب واحد، يفهمها كل من له أدنى اطلاع على فقه الحديث الشريف، ومن الأساتذة الذين توصلوا إلى ذلك، واعترفوا بانطباقها على أئمة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) هو الأستاذ سعيد أيوب المصري في كتابه ابتلاءات الأمم، إذ يقول: ولما كانت منزلة علي بن أبي طالب من النبي صلى لله عليه وآله وسلم كمنزلة هارون من موسى، ولما كان أهل موسى من ذرية هارون هم وحدهم أهل الاختصاص بتفسير الشريعة، وأهل محمد (صلّى الله عليه وآله) هم وحدهم مع القرآن الكريم في حبل واحد، ولن يفترقا حتى يردوا على الحوض، فعلى هذا يمكن فهم حديث الاثني عشر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٨) ينابيع المودة، القندوزي: ١/ ٢٥٣ح١٠.
(١٥٩) نفس المصدر: ٣/ ٣٩٥ح٤٦.
(١٦٠) فرائد السمطين، الجويني: ٢/ ٣١٣ ح٥٦٤، ينابيع المودة، القندوزي:٢/ ٣١٦ ح٩١١، و٣/ ٢٩١ح٧، و٢٩٥ ح٣، مودة القربى: ٢٩.
(١٦١) راجع كتاب مقتضب الأثر، (المقدمة): ص١٠.

↑صفحة ٧٧↑

أميراً السابق ذكره، والذي روي بألفاظ متعددة، ومنها قول النبي (صلّى الله عليه وآله): إن عدة الخلفاء بعدي عدة نقباء موسى، وفي رواية: اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل.
والأمة الخاتمة امتحنها الله تعالى بأهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله) كما امتحن سبحانه بني إسرائيل بأهل بيت موسى من بعده، وروي أن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي.(١٦٢)
وقال (صلّى الله عليه وآله): يا أيها الناس، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي.(١٦٣)
وانطلقت المسيرة تحت مظلة الامتحان، لينظر الله تعالى إلى عباده كيف يعملون! بعد أن استخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم، ومن معجزات النبوة قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لا تبعتموهم، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى، قال: فمن؟!.(١٦٤)
المراد بالشبر والذراع وجحر الضب: التمثيل بشدة الموافقة لهم.. وكل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٢) صحيح مسلم: ٧/ ١٢٣، فضائل الصحابة، النسائي: ٢٢، صحيح ابن خزيمة: ٤/ ٦٣، المعجم الكبير، الطبراني: ٥/ ١٨٢، مسند أحمد بن حنبل: ٤/ ٣٦٧.
(١٦٣) سنن الترمذي:٥/ ٣٢٨ ح٣٨٧٤ وحسنه، كتاب السنة، عمرو بن أبي عاصم: ٦٣٠ ح١٥٥٣ - ١٥٥٨، فضائل الصحابة، النسائي: ١٥، المعجم الكبير، الطبراني: ٣/ ٦٦، مسند أبي يعلى الموصلي: ٢/ ٣٧٦ح١٦٦، المستدرك، الحاكم النيسابوري: ٣/ ١٠٩.
(١٦٤) صحيح البخاري: ٨/ ١٥١، صحيح مسلم: ٨/ ٥٧، مسند أحمد بن حنبل: ٢/ ٣٢٧.

↑صفحة ٧٨↑

مقدمة أول الزمان ستلحق بها نتيجتها آخر الزمان، والناس في بداية الطريق، يعرفون طريق الخير وطريق الشر، ولكن للأهواء زخرف وزينة، ومع الأهواء يسيرون في طريق لا يرون إلا بدايته أو وسطه ولا يرون في نهاية الطريق، لأن نهاية الطريق لا ترى إلا بعد أن تجيء.(١٦٥)
الإمام المهدي (عليه السلام) أحد الخلفاء الاثني عشر
قد اعترف بعض أكابر السنة بأن الإمام المهدي (عليه السلام) هو أحد الخلفاء الاثني عشر الذين بشر بهم النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولا سبيل لإنكار ذلك، مع وضوح الحديث الذي لا يقبل الشك في كون الإمام المهدي (عليه السلام) هو أحد الذين سوف يكون الدين عزيزاً منيعاً في أيامهم، والقول خلاف ذلك، وإخراجه من هذه الدائرة يلزم منه تكذيب هذه الأحاديث الشريفة.
ومما لا شك فيه أن عصر الإمام المهدي (عليه السلام) من أظهر مصاديق العزة والكرامة، إذ سوف تظهر هذه العزة بشكلٍ بيّن لسائر الأمم، وأي منعة وعزة للدين أعظم من ظهوره على سائر الأديان في زمنه حتى لايبقى ظلمٌ على وجه الأرض، ولا دينٌ غير الإسلام، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ).(١٦٦)
قال البستوي: إلا أن هناك أقوالاً تفسر هذا الحديث (أي حديث الخلفاء اثنا عشر) بحيث أن المهدي يدخل فيه، ولعل الإمام أبا داود يفسر الحديث بهذه الأقوال أيضاً، ولذلك أورد هذا الحديث في باب المهدي(١٦٧).(١٦٨)
وقال البستوي في موضع آخر: إن الحديث لا شك في صحته، وإن بعض

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٥) ابتلاءات الأمم، سعيد أيوب: ٣٨ - ٤٠.
(١٦٦) سورة التوبة، الآية:٣٣.
(١٦٧) راجع: سنن أبي داود: ٢/ ٣٠٩ (٣١ - كتاب المهدي).
(١٦٨) المهدي المنتظر (عليه السلام)، البستوي: ٣٣٤.

↑صفحة ٧٩↑

العلماء يعد المهدي المبشر من هؤلاء الاثني عشر، وعلى هذا ذكره الإمام أبو داود في باب المهدي من سننه.(١٦٩)
وأضيف القول هنا أيضاً: قد أصحرت نصوص أخرى على إمامة الإمام المهدي (عليه السلام) من كتب السنة، فعلى هذا لا يسوغ لأحد أن ينكر إمامته التي جاءت بالنص عليه كما في جملة من الروايات المتواترة عند السنة، فليست إمامته إذن بالإنتخاب أو البيعة أو الشورى، فليس لأحد من الناس يد في توليته، ويكفي في دلائل إمامته (عليه السلام) أن المسيح عيسى بن مريم يصلي خلفه.
فعلى هذا لابد للسنة إذن أن يلتزموا بالقول أن إمامته من الله تعالى، وكذلك ما يتفرع عليها من شؤون الإمامة وخصائصها،، ويتفرع على هذا أيضاً الإلتزام ببطلان جميع خلافة الخلفاء والحكام في وقت خروجه وظهوره، ووجوب تسليم أزمة الأمور كلها إليه، فليس لأحد غيره أمر أو نهي، ووجب على الجميع طاعته والإنقياد إليه، لأنه ليس هناك خليفة حقّ غيره.
ونخلص من هذا كله أن إمامة المهدي (عليه السلام) إمامة شرعية من الله تعالى، وبتأييد منه، وقد اعترف الدكتور عبد العليم البستوي بذلك في قوله: وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين.. ويصلي عيسى خلفه، ولقد كان الأمر سهلاً ميسوراً، فلم يكن وجود خلافة من هذا القبيل أمراً مستبعداً على العقول والأذهان، ولا بعيداً عن القلوب والوجدان...(١٧٠)
أقول: ومن الروايات الواردة في كتب السنة والتي نصت على إمامته، وكونه خليفة الله تعالى، هو ما جاء في مسند أحمد بن حنبل: عن ثوبان قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٩) المهدي المنتظر (عليه السلام)، البستوي: ٣٣٧.
(١٧٠) المهدي المنتظر (عليه السلام)، البستوي: ٦٠ - ٦١.

↑صفحة ٨٠↑

قبل خراسان، فائتوها، فإن فيها خليفة الله المهدي.(١٧١)
وفي بعضها الأخرى أيضاً جاء بلفظ (ليبعثن الله) وهي صريحة في كونه إماماً من الله تعالى، كما في رواية أبي سعيد الخدري عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) قال: ليبعثن الله (عزَّ وجلَّ) في هذه الأمة خليفة يحثي المال حثياً، ولا يعده عداً.(١٧٢)
وقد جاء ذلك أيضاً على لسان بعض الصحابة كابن عباس، فقد كان يقول: يبعث الله تعالى المهدي بعد أياس، وحتى يقول الناس: لا مهدي.(١٧٣)
هذا وقد نصت أيضاً بعض الروايات على أن الله تعالى يصلح أمره في ليلة(١٧٤) وأيّ تأييد إلهي أعظم من هذا! إذ يجمع الله له أمره كله في ليلة واحدة، ويهيأ له أسباب النصر والظفر، ويورثه جميع الأمور، فهذا لا يتسنى إلا لذي حظ عظيم عند الله تعالى قد اصطفاه على سائر الناس كافة.
كما أن هذه الروايات وأمثالها تؤيد ما ذهبت إليه الشيعة الإمامية من أن تعيين الإمام هو بيد الله تعالى، وليس خاضعاً للبشر، وليس لهم في ذلك يد، فالإمامة لا تنعقد بالشورى أو البيعة!
ونخلص من هذا أيضاً: أنه قد ثبتت إمامة الإمام المهدي (عليه السلام) من الله تعالى بالنص عليه، وأنه خليفة الله كما في روايات السنة، وهو أيضاً أحد الخلفاء الاثني عشر الذين بشّر بهم النبي (صلّى الله عليه وآله) ونص على خلافتهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧١) مسند أحمد بن حنبل: ٥/ ٢٧٧، كتاب الفتن، نعيم بن حماد المروزي: ١٨٨، البداية والنهاية، ابن كثير: ٦/ ٢٧٦.
(١٧٢) مسند أحمد بن حنبل: ٣/ ٩٦.
(١٧٣) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ٣٢/ ٢٨١.
(١٧٤) راجع: مسند أحمد بن حنبل:١/٨٤، سنن ابن ماجة: ٢/ ١٣٦٧ ح٤٠٨٥،المصنف، ابن أبي شيبة الكوفي: ٨/ ٦٧٨ ح١٩٠.

↑صفحة ٨١↑

وعزة الدين في أيامهم، وذهاب الحياة بذهابهم.
فعلى هذا لا بد من القول بإمامة جميع هؤلاء الخلفاء الاثني عشر على حدّ سواء، وأن خلافتهم من الله تعالى، اصطفاهم لعزة دينه، وجعلهم ولاة على الناس بأمره، وافترض طاعتهم على الناس كافة، فلا يمكن أبداً التفكيك في إمامة بعض دون آخرين من هؤلاء الاثني عشر، فكلهم في فلك واحد، ومن سنخ واحد، والقول بإمامة بعض دون بعض منهم، وانتقاء آخرين من غير هذه المنظومة ما هو إلا تخبط وافتراء يرفضه منطق البحث العلمي الموضوعي.(١٧٥)
وما زعمه السنة أنهم من الخلفاء الاثني عشر، ممن انتقوهم من هنا وهناك! ليسوا على الإطلاق من سنخ الإمام المهدي (عليه السلام)، وحاشا أن يُخلط هذا الإمام الذي يصلي خلفه نبي الله عيسى بن مريم، ويُحشر في عداد من ذكروهم من سائر الخلفاء الذين اختاروهم بلا دليل ولا برهان، ممن لا يوزنون بالإمام المهدي (عليه السلام) لا في علم ولا حلم، ولا في سائر الخصال الأخرى.. وهذا الأمر غير قابل للإنكار!
وأنى يقاس به أحد! وهو من أهل البيت الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.. وهو الذي قال في حقه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) كما روي عنه: المهدي طاووس أهل الجنة(١٧٦) فهو الإمام النقي التقي الذي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٥) ومن الواضح جداً أن ممن ذكروهم من الحكام والخلفاء، وزعموا أنهم من الخلفاء الاثني عشر الذين بشّر بهم النبي (صلّى الله عليه وآله) لاينطبق عليهم الحديث! لأن بعضهم جاء للسلطة والخلافة من طريق البيعة، وآخرون من طريق الغلبة، وآخرون أخذوها وراثة ممن كان قبلهم، فهؤلاء إذن ولاهم الناس، وليس الله تعالى! مع أن الحديث ظاهره أن الله تعالى هو الذي اختارهم، وهو الذي أيدهم واصطفاهم، فإن لم يكونوا أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فأين هم إذن خلفاء الله تعالى الذين اصطفاهم لعزة دينه؟! وما هي علاماتهم التي تقود الناس إليهم؟!.
(١٧٦) كشف الغمة, الإربلي: ٣ / ٢٨٢، ينابيع المودة، القندوزي: ٢/٨٢ ح١٢٤، عن الديلمي في الفردوس: ٤/ ٢٢٢ح٦٦٦٨.

↑صفحة ٨٢↑

يبعثه الله تعالى فيملأ الدنيا قسطاً وعدلاً، وقد جاء في بعض الروايات (كلهم يعمل بالهدى ودين الحق)(١٧٧) إن هذه شهادة عظيمة لا تنطبق إلا على من اصطفاه الله تعالى وعصمه، وهم الأئمة المعصومون الاثنا عشر من أهل البيت (عليهم السلام) فهم الذين كانوا على نسق واحد حلماً وعلماً وطهارة، وفي سائر الخصال الأخرى، فكيف يقاس به هؤلاء؟! وهو من قد علمت، لا يدرك شأوه..!
ولكننا نرى أن السنة لم يعولوا على مضامين هذه الأحاديث الشريفة مع ظهورها البيّن في إمامة أهل البيت (عليهم السلام) على الأمة، مع روايتهم لها في مصادرهم، فإن مفاد هذه النصوص كلها لا ينطبق إلا على الأئمة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) الذين تقول الشيعة الإمامية بإمامتهم وعصمتهم (عليهم السلام)، فتركوهم إلى غيرهم، ومع ذلك تحيروا في تطبيق هذا الحديث على أي من الخلفاء، وكثير منهم ممن سمى بعض الخلفاء أورده على سبيل الاحتمال لا القطع إلى غير ذلك مما تلمسوه للحديث من التفاسير الواهية والعشوائية التي لا يتحملها منطق البحث العلمي!.
الأمر الثالث: إن الأرض لا تخلو منهم أبداً
وقد نصت هذه الروايات أيضاً على استمرار هذا الدين وعدم انقطاعه إلى آخر الزمان على وجود الخلفاء الاثني عشر، ولو كان الدين يبقى بدونهم لأصبحت كلّ هذه الأحاديث لغواً.
فقد جاء في صدر بعض هذه الروايات (لا يزال هذا الدين قائماً) وفي عبارة أخرى (لا يضر هذا الدين من ناوأه) وفي عبارة ثالثة (لا تبرحون بخير ما قام عليكم اثنا عشر أميراً) وفي عبارة رابعة (لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٧) الخصال، الشيخ الصدوق: ٤٧٤ ح٣٢، تأريخ دمشق، ابن عساكر: ٤٥/ ١٨٩، فتح الباري، ابن حجر: ١٣/ ١٨٤.

↑صفحة ٨٣↑

عشر خليفة) وفي خامسة كما في رواية أبي جحيفة (لا يزال أمر أمتي صالحاً حتى يمضى اثنا عشر خليفة) وكلّ هذه التعابير والألفاظ عبارة عن استمرار الدين ببقائهم ووجودهم، ومعنى هذا هم عماد الدين وسنامه، فإذا ذهبوا انتهى العالم.
وهذا الأمر ينطبق تمام الانطباق على قول الشيعة الإمامية أن الأرض لا تخلو من حجة لله تعالى في الأرض، لا يستقيم الدين إلا به، وقد ورد عندنا نفس معاني هذه الأحاديث في مصادرنا في حق الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، والتي منها:
ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: اللهم إنك لا تخلي الأرض من حجة لك على خلقك ظاهر أو خاف مغمور لئلا تبطل حججك وبيناتك.
وعن أبي عبد الله، عن آبائه، عن علي (عليهم السلام) أنه قال في خطبة له على منبر الكوفة: اللهم إنه لابد لأرضك من حجة لك على خلقك، يهديهم إلى دينك، ويعلمهم علمك، لئلا تبطل حجتك، ولا يضل أتباع أوليائك بعد إذ هديتهم به، إما ظاهر ليس بالمطاع، أو مكتتم مترقب، إن غاب عن الناس شخصه في حال هدايتهم، فإن علمه وآدابه في قلوب المؤمنين مثبتة، فهم بها عاملون.(١٧٨)
وعن يعقوب السراج قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): تبقى الأرض بلا عالم حي ظاهر يفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم؟ فقال لي: إذاً لا يعبد الله يا أبا يوسف.
وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله لا يدع الأرض إلا وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان، فإذا زاد المؤمنون شيئاً ردهم، وإذا نقصوا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٨) كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق: ٣٠٢ح١٠ و١١.

↑صفحة ٨٤↑

أكمله لهم، فقال: خذوه كاملاً، ولولا ذلك لالتبس على المؤمنين أمرهم، ولم يفرق بين الحق والباطل.(١٧٩)
الأمر الرابع: انتهاء العالم بذهابهم جميعاً
ويستفاد من مجموع هذه الأحاديث أيضاً أن نهاية العالم تكون بموت الخليفة الثاني عشر، ويفهم هذا من كلمة (ثم يكون الهرج)(١٨٠) وهو عبارة عن الفتنة والقتل(١٨١) ويؤيده أيضاً كلمة (ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة) وكذلك قوله: (لن يزال هذا الدين قائماً إلى اثني عشر من قريش، فإذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها).(١٨٢)
وفي فتح الباري عن ابن الجوزي: (ثم يكون الهرج) أي الفتن المؤذنة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٩) علل الشرائع، الشيخ الصدوق: ١/ ١٩٥ - ١٩٦ح٢ - ٤.
(١٨٠) ومثله ما جاء في إعلام الورى: للشيخ الطبرسي: ٢/ ١٦١ عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): لن يزال هذا الدين قائماً إلى اثني عشر من قريش، فإذا مضوا ساخت الأرض بأهلها.
(١٨١) جاء في صحيح البخاري: ٧/ ٨٢: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، ويكثر الهرج! قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل! القتل!.
وفي مسند أحمد بن حنبل: ١/ ٣٨٩ عن أبي وائل، قال: كنت جالساً مع عبد الله وأبي موسى فقالا: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): إن بين يدي الساعة أياماً ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج! قال: قلنا: وما الهرج؟ قال: القتل.
وفي علل الدارقطني: ٧ / ٢٣٦ ح١٣١٧، وكتاب الفتن لنعيم بن حماد المروزي: ٢٣ - ٢٤: عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): إن بين يدي الساعة لهرجاً! قلت: وما الهرج؟ قال: القتل.. الخ
(١٨٢) كنز العمال، المتقي الهندي: ١٢/ ٣٣ - ٣٤ ح٣٣٨٦١.

↑صفحة ٨٥↑

بقيام الساعة من خروج الدجال، ثم يأجوج ومأجوج إلى أن تنقضي الدنيا.(١٨٣)
ردود ونقود:
دعوى أن الخلفاء الاثني عشر قد انتهوا بنهاية خلافة هشام بن عبد الملك
قال البستوي: ولكن الراجح كما سبق أن الاثني عشر خليفة قد انتهوا بنهاية خلافة هشام بن عبد الملك الأموي، ولا شك أن الدين كان قائماً ظاهراً في أيامهم مع وجود بعض الخلافات الداخلية في فترات مختلفة والله أعلم.(١٨٤)
أقول: أولاً: هذه الدعوى لا دليل عليها، وما هي إلا تخرص! ولو كان ذلك صحيحاً لما خفي على أمة الإسلام كلها، وعلمه فقط البستوي وأمثاله! فإن الناس كلهم، وكذلك أهل السير والتاريخ لا يفرقون بين زمن هشام بن عبد الملك وزمن من أتى من بعده، وكلاهما على حدٍّ سواء!
ثانياً: هناك بعض النصوص التي تشير إلى نهاية الحياة بعد الإمام الخليفة الثاني عشر، وهذا لا يتناسب مع هذا القول! فمن الروايات ما رواه المتقي الهندي: عن ابن النجار، عن أنس، عن رسول الله صلى الله (صلّى الله عليه وآله): لن يزال هذا الدين قائماً إلى اثني عشر من قريش، فإذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها.(١٨٥)
وفي المعجم الكبير: (لا يزال الدين قائماً حتى يكون اثنا عشر خليفة من قريش، ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة).(١٨٦)
وفي صحيح ابن حبان: عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله (صلّى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٣) فتح الباري، ابن حجر: ١٣/ ١٨٤.
(١٨٤) المهدي المنتظر (عليه السلام)، البستوي: ٣٣٧.
(١٨٥) كنز العمال، المتقي الهندي: ١٢/ ٣٣ - ٣٤ ح٣٣٨٦١.
(١٨٦) المعجم الكبير، الطبراني: ٢/ ١٩٩و ٢٠٨.

↑صفحة ٨٦↑

الله عليه [وآله] وسلم) يقول: يكون بعدي اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش، فلما رجع إلى منزله أتته قريش، قالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يكون الهرج.(١٨٧)
وهي صريحة في أن قيام الساعة تكون بعد موت الخليفة الثاني عشر، وكل هذه العبارات ترجع إلى أمر واحد، وهو قيام الساعة!
ومن هنا ذكر أبو داود في السنن حديث الخلفاء الاثني عشر في باب المهدي، مما يدل على أنه قد عده الثاني عشر من سلسلة الخلفاء، فعلى هذا يكون خاتمة الخلفاء.
دعوى أن هؤلاء الخلفاء ليسوا على التوالي
قال ابن كثير: ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحاً يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم بل قد وجد منهم أربعة على نسق، وهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره...(١٨٨)
وقال السيوطي: إن المراد وجود اثني عشر خليفة في جميع مدة الإسلام إلى القيامة يعملون بالحق، وإن لم يتوالوا.(١٨٩)
وفي المرقاة: قال التوربشتي: السبيل في هذا الحديث، وما يتعقبه في هذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٧) صحيح ابن حبان: ١٥/ ٤٣ - ٤٤، مسند أحمد بن حنبل: ٥/ ٩٢، سنن أبي داود: ٢/ ٣٠٩ ح٤٢٨١، المعجم الأوسط، الطبراني: ٦/ ٢٦٨، المعجم الكبير، الطبراني: ٢/ ٢٥٣.
(١٨٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٤.
(١٨٩) تأريخ الخلفاء، السيوطي: ١٢، فيض القدير، المناوي: ٢/ ٥٨٢.

↑صفحة ٨٧↑

المعنى، أن يحمل على المقسطين منهم، فإنهم هم المستحقون لاسم الخليفة على الحقيقة، ولا يلزم أن يكونوا على الولاء...(١٩٠).
وقال البستوي: ومن جملة هذه الأقوال: إن الحديث يبشر بوجود اثني عشر خليفة من أمراء الإسلام يعملون بسنة النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم)، ولا يلزم أن يكونوا متوالين بل في مدة الإسلام كله إلى يوم القيامة، وقد ذكر العظيم آبادي(١٩١) عن بعض العلماء أنهم قالوا: قد مضى منهم الخلفاء الأربعة، ولا بد من تمام هذا العدد قبل قيام الساعة.(١٩٢)
أقول في جوابه: إن هذه الدعوى غير صحيحة، وذلك لأمور، منها:
أولاً: ما جاء في مضامين الحديث يخالف ما ذكر من التوجيه! فقد جاء في بعض ألفاظ الأحاديث، وهي بلا شك تفسر بعضها بعضاً: (لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)(١٩٣) فهو صريح في أن الدين مستمر ببركة هؤلاء الاثني عشر، فلا يمكن أن تخلو فترة زمنية من أحدهم أبداً إلى أن تقوم الساعة.
وقد جاء في حديث آخر أيضاً: (لا يزال الدين عزيزاً) وهو ظاهر في كونهم على التوالي، إذ كونه عزيزاً ومنيعاً إلى يوم القيامة إنما هو بوجودهم، وهذا يقتضي عدم خلو الزمان من أحدهم، وإلا لكان وجودهم وعدمهم سواء، ولا معنى أيضاً لأن يكون الدين عزيزاً في فترة دون أخرى!
ثانياً: لو كان المقصود أنهم ليسوا على التوالي لعرفهم سائر الناس، ولما خفي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٠) عون المعبود: ١١/ ٢٤٥.
(١٩١) عون المعبود: ١١/ ٢٤٤.
(١٩٢) المهدي المنتظر (عليه السلام)، البستوي: ٣٣٤ - ٣٣٥.
(١٩٣) صحيح مسلم: ٦/ ٤.

↑صفحة ٨٨↑

عليهم، ولميزوا عصورهم من عصور غيرهم، لأن أيامهم أيام نور وعزة بخلاف أيام غيرهم، فلو كان الأمر كما يزعمون لاشتهر هذه الأيام بين عامة الناس، ولما خفيت عليهم وعلمها بعض الأفراد فقط ممن يدعي أنهم ليسوا على التوالي! فإن عزة الإسلام ومنعته وقوته في أي زمن لا تخفى على الناس، شدة أو ضعفاً!.
ثم أن هؤلاء أنفسهم مضطربون أيضاً ومختلفون في تحديد هذه العصور من غيرها، فكلٌّ منهم ذهب إلى مذهب خلاف الآخر في تعيين زمن هؤلاء الخلفاء! وتحديد أيامهم، فلماذا لم يهتدوا إلى تمييز هذه الفترات بعينها، إذا كان الدين عزيزاً منيعاً في فترات حكمهم كما يقولون، ولكنهم للأسف ذهبوا إلى الانتقاء العشوائي في تعيين هؤلاء الخلفاء، بلا برهان ولا دليل، وما هو إلا تعسف، مالكم كيف تحكمون!

ثالثاً: لو كان ما يدعونه صحيحاً من كونهم ليسوا على التوالي، فلماذا تجاهل أو جهل كلّ هؤلاء الخلفاء هذا الحديث، ولم يعلموا أنه يعنيهم، فلماذا لم يخبروا الناس بهذا الوسام الخاص بهم، ولماذا لم يحتجوا به يوماً من الأيام على مناوئيهم وخصومهم، ولم يفتخروا به، لأن الدين أصبح عزيزاً منيعاً ظاهراً في أيامهم؟!
وأيّ وسام أعظم شأنا من هذا الوسام الذي يفتخر به كلُّ إنسان، أفكلُّ هؤلاء الخلفاء الذين حكموا لم يعرفوا حقيقة هذا الحديث وأنه يعنيهم! وعلمه فقط بعض الناس ممن أتى من بعدهم بمئات السنوات! ولو كان كما يقولون لذكره هؤلاء الحكام الذين سموهم، ولأطراهم الشعراء، وضمنوا ذلك في أشعارهم، ولكنا لم نجد شيء يذكر من ذلك كله!
ويؤيد أيضاً كون هؤلاء الخلفاء على التوالي حديث الثقلين كما في قوله (صلّى الله عليه وآله): (لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض) وهو ظاهر في عدم خلو الزمان من عترة النبي (صلّى الله عليه وآله)، فعدم افتراق القرآن عن العترة يعني بقاءهم جنباً إلى جنب إلى أن يأتيا الحوض.

↑صفحة ٨٩↑

وما أخرجه أيضاً الجويني بإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) في حديث له: ومثل الأئمة من ولدك بعدي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجى، ومن تخلف عنها غرق، ومثلكم مثل النجوم كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة.(١٩٤)
وجاء في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام): ألا إن مثل آل محمد (صلّى الله عليه وآله) كمثل نجوم السماء إذا خوى نجم طلع نجم، فكأنكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع، وأراكم ما كنتم تأملون.(١٩٥)
فمفاد هذه الأحاديث هو عدم خلو الزمان منهم أبداً، وأنه كلما غاب نجم منهم طلع آخر.
زعمهم أنا نقول: إن الدين لم يظهر بالخلفاء الاثني عشر
قال ولي الله الدهلوي في كتابه (قرة العينين في تفضيل الشيخين): إن القائلين باثني عشر أئمة لم يقولوا بظهور الدين بهم، بل يزعمون أن الدين قد اختفى بعد وفاته (صلّى الله عليه [وآله] وسلم)، والأئمة كانوا يعملون بالتقية، وما استطاعوا أن يظهروه حتى أن علياً (رضي الله عنه) لم يقدر على إظهار مذهبه ومشربه.(١٩٦)
أولاً: قوله: (إن القائلين باثني عشر أئمة لم يقولوا بظهور الدين بهم)؟ هذا كذب محض، بل نحن نقول أن الدين لم يظهر إلا بهم، فهم حماة الدين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٤) فرائد السمطين، الجويني: ٢/ ٤٢٣ ح٥١٧ باب ٤٦، ينابيع المودة، القندوزي الحنفي: ١/٩٥ح٦، و٣٩١ح٣، فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، ابن عقدة الكوفي: ٤٣ - ٤٤.
(١٩٥) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام):١/ ١٩٣ - ١٩٤، خطبة رقم: ٩٩.
(١٩٦) راجع: عون المعبود، العظيم أبادي: ١١/ ٢٤٦، المهدي المنتظر (عليه السلام)، البستوي: ٣٣٥.

↑صفحة ٩٠↑

وعموده، وما كمل الدين إلا بولايتهم، قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)(١٩٧) كما أصحر النبي (صلّى الله عليه وآله) بذلك في يوم غدير خمٍّ(١٩٨)، وكيف لا يظهر الدين بهم! وهم كما قال عنهم النبي (صلّى الله عليه وآله) كما روي: أئمة الهدى، ومصابيح الدجى(١٩٩) وقال عنهم: ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.(٢٠٠)
ثانياً: قوله: (بل يزعمون أن الدين قد اختفى بعد وفاته (صلّى الله عليه [وآله] وسلم)
أقول: وهذا أيضاً كسابقه، فأين مصدر هذا الكلام، وعن أي كتاب أخذه، وما هو إلا افتراء؟! فإن الشيعة لم تقل أن الدين قد اختفى بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وإنما تقول: أن الحق أصبح بيد غير أهله، والكل يعلم ماذا يترتب على ذلك من أمور لا تحمد عقباها في الأمة.(٢٠١)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٧) سورة المائدة، الآية:٣.
(١٩٨) جاء في كتاب شواهد التنزيل، للحاكم الحسكاني: ١/ ٢٠١ - ٢٠٢ ح٢١٢ بإسناده عن أبي سعيد الخدري أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) دعا الناس إلى علي فأخذ بضبعيه فرفعهما، ثم لم يتفرقا حتى نزلت هذه الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرّب برسالتي، والولاية لعلي ثم قال للقوم: من كنت مولاه فعلي مولاه.
(١٩٩) المناقب، الخوارزمي: ٧٥ح٥٥، ينابيع المودة، القندوزي: ١/ ٣٨٣ح١٠.
(٢٠٠) ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري: ١٧، ينابيع المودة، القندوزي: ٢/ ١١٣ ح٣١٨.
(٢٠١) وأترك الكلام هنا للصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه يبين لنا بعض آثار هذا الأمر، وما جرى بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: أصبتم ذا السن منكم وأخطأتم أهل بيت نبيكم، لو جعلتموها فيهم ما اختلف عليكم اثنان ولأكلتموها رغدا. (شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ٢/ ٤٩، و٦/ ٤٣)
ومن ذلك أيضاً قول أبي ذر (رضي الله عنه)، قال ابن لهيعة: لما مات رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأبو ذر غائب، وقدم وقد ولي أبو بكر، فقال: أصبتم قناعه، وتركتم قرابه، لو جعلتم هذا الأمر في أهل بيت نبيكم لما اختلف عليكم اثنان. (السقيفة، الجوهري: ٦٢، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ٦/ ١٣)
ومن ذلك أيضاً قوله لما بويع عثمان (كما في تأريخ اليعقوبي: ٢/ ١٧١) قال: أما لو قدمتم من قدم الله وأخرتم من أخر الله، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم، لأكلتم من فوق رؤوسكم ومن تحت أقدامكم، ولما عال ولي الله ولا طاش سهم من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله إلا وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب الله وسنة نبيه، فأما إذا فعلتم ما فعلتم فذوقوا وبال أمركم، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) سورة الشعراء، الآية: ٢٢٧.

↑صفحة ٩١↑

وأما دين الله تعالى فهو قائم إلى يوم القيامة، والحق ظاهر على كل حال، ولا يضر انصراف أكثر الناس عنه، ولا استيحاش من قلة سالكي طريق الحق، قال تعالى: (وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).(٢٠٢)
وأما بيان حقيقة ما جرى بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فنترك ذلك للقرآن الكريم لتقف على الحقيقة (وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)(٢٠٣) قال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ)(٢٠٤) فهذه حقيقة الأمر التي جرت بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وقد أنبأ بها القرآن قبل وقوعها، ومما لا شك فيه أن هذا الإنقلاب البغيض ترك آثاره السيئة في الأمة، وصرف أكثر الناس عن اتباع أهل البيت (عليهم السلام)، حتى جرى عليهم ما جرى.
فما حدث من اضمحلال في الدين ومحق في سنة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، إنما هو بسبب المعاندين، وولاة الجور الذين تولوا رقاب الناس بغير حق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٢) سورة التوبة، الآية: ٣٢.
(٢٠٣) سورة فاطر، الآية: ١٤.
(٢٠٤) سورة آل عمران، الآية: ١٤٤.

↑صفحة ٩٢↑

فأهلكوهم، هذا وقد أخبر النبي (صلّى الله عليه وآله) بهذا الخطر المحدق بالأمة، ومن ذلك قوله: هلكة أمتي علي يدي غلمة من قريش..(٢٠٥) وفي رواية: هلاك هذه الأمة على يدي أغيلمة من قريش.(٢٠٦)
وقوله أيضاً كما في رواية أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلاً اتخذوا دين الله دغلا، ومال الله دولا، وعباد الله خولا.(٢٠٧)
وقوله الآخر أيضاً كما عن حذيفة بن اليمان، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس..(٢٠٨).
وإنما هلك الناس وفتنهم عن دينهم هؤلاء وأمثالهم! من الفراعنة وغيرهم من الذين اتخذوا دين الله لعباً ولهواً، وغرتهم الحياة الدنيا، فأضلوا الناس عن دينهم وفتنوهم.
وأما أهل البيت (عليهم السلام) فهم حماة الدين، وسفينة النجاة، وأمان أهل الأرض إلى يوم القيامة، وكيف لا يكونون كذلك، وهم أهل بيت النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي والتنزيل، ومعدن العلم والتأويل، الذين قال في حقهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (وأهل بيتي أمان لأهل الأرض)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٥) صحيح البخاري: ٨/ ٨٨، مسند أحمد بن حنبل: ٢/ ٢٩٩، مسند إسحاق ابن راهويه: ١/ ٣٥٨ح٣٦٢.
(٢٠٦) المستدرك، الحاكم: ٤/ ٤٧٩، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ولهذا الحديث توابع وشواهد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
(٢٠٧) المعجم الصغير، الطبراني: ٢/ ١٣٥، سير أعلام النبلاء، الذهبي: ٣/ ٤٧٩.
(٢٠٨) صحيح مسلم: ٦/ ٢٠، السنن الكبرى، البيهقي: ٨/ ١٥٧، المعجم الأوسط، الطبراني: ٣/ ١٩٠.

↑صفحة ٩٣↑

وقال فيهم: (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في حقهم أيضاً كما روي عنه: ألا إن أبرار عترتي، وأطايب أرومتي، أحلم الناس صغارا، وأعلم الناس كبارا، ألا وإنا أهل بيت من علم الله علمنا، وبحكم الله حكمنا، ومن قول صادق سمعنا، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وإن لم تفعلوا يهلككم الله بأيدينا، ومعنا راية الحق، من تبعها لحق، ومن تأخر عنها غرق، ألا وبنا يدرك ترة كل مؤمن، وبنا تخلع ربقة الذل عن أعناقكم، وبنا فتح لا بكم، ومنا يختم لا بكم.(٢٠٩)
ثالثاً: إن ما جرى على أهل البيت (عليهم السلام) من اضطهاد وإقصاء وغير ذلك اضطرهم للعمل بالتقية، وعدم الظهور بشكل طبيعي، وما تعرض إليه أيضاً أتباعهم! وهذا كله أثر سلباً في عدم انتشار أمرهم بين كافة الناس، ولكن عمل أهل البيت (عليهم السلام) بالتقية، وإقصائهم، وعدم قدرتهم الكاملة على إظهار عقائدهم ونشرها بين الناس لا يضر إمامتهم وخلافتهم، فإن الدين باق ومستمر ببركة وجودهم في الأمة، وإن جرى عليهم ماجرى! ولكن عامة الناس هم الذين حرموا أنفسهم من علوم أهل البيت (عليهم السلام) وعطائهم، حينما استبدلوا بهم غيرهم! وتخلوا عنهم، فشابه حالهم حينئذ حال الأنبياء الذين لم يُطع لهم أمر، ولم تُرع لهم حرمة، ولم يعرف لهم قدر، وكل ذلك لم يضر بنبوتهم ورسالاتهم، قال تعالى: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ).(٢١٠)
ونعود هنا، ونقول: إن المقصود من قوله: (ظاهرين) كما في الحديث يعني ظهور حجتهم، وعلو شأنهم، لا ظهور سلطنة وحكم! فهم مؤيدون من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٩) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ١/ ٢٧٦، كنز العمال، المتقي الهندي: ١٣/ ١٣٠ح٣٦٤١٣، جواهر المطالب، ابن الدمشقي: ١/ ٣٤٣.
(٢١٠) سورة يس، الآية: ٣٠.

↑صفحة ٩٤↑

قبل الله تعالى، وحجتهم ظاهرة على الناس، ولهم الولاية عليهم، وبقاء الدين بهم، وإن كانت الغلبة الظاهرية لغيرهم.
وكما تقدم في بعض الأحاديث (لا يضرهم من خذلهم)(٢١١) وفي أخرى (لا يضرهم عداوة من عاداهم)(٢١٢) وكذلك قوله: (لا يضر هذا الدين من ناوأه حتى يقوم اثنا عشر خليفة)(٢١٣) فكل هذه العبارات تدل على التأييد الإلهي لهم بالنصر والمؤازرة، كما أيد أنبياءه، ورفع شأنهم، مهما اجتهد الظلمة في محو آثارهم وطمس معالمهم، فالغلبة الحقيقية لهم، قال تعالى: (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ)(٢١٤) أي عاليين غالبين(٢١٥) وقال تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ).(٢١٦)
فلهم الغلبة بالحجة على الباطل على كلّ حال، وإن قتلوهم في الدنيا وشرّدوهم! قال تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا)(٢١٧) وقال تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ)(٢١٨) وقال تعالى: (فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْغَالِبُونَ)(٢١٩) وفي النهاية هم المنتصرون لا محالة، ولهم الغلبة على جميع أعدائهم، وقد وعدهم الله تعالى بأن يورثهم الأرض بعدما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١١) المعجم الكبير، الطبراني: ٢/ ١٩٦، و٣/ ٢٠١، كنز العمال، المتقي الهندي:١٢/ ٣٣ ح٣٣٨٥٨.
(٢١٢) المعجم الكبير، الطبراني: ٢/ ٢٥٦، مجمع الزوائد، الهيتمي: ٥/ ١٩١.
(٢١٣) المعجم الكبير، الطبراني: ٢/ ٢٠٨.
(٢١٤) سورة الصف، الآية: ١٤.
(٢١٥) مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: ٩/ ٤٦٧.
(٢١٦) سورة غافر، الآية: ٥١.
(٢١٧) سورة الإسراء، الآية: ٨١.
(٢١٨) سورة الرعد، الآية: ١٧.
(٢١٩) سورة المائدة، الآية: ٥٦.

↑صفحة ٩٥↑

استضعفوا فيها، كما في قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)(٢٢٠) وأي نصر أعظم من هذا النصر، وأي كرامة أعظم من هذه الكرامة حيث يورثهم جميع الأمور، ويؤتيهم ملكاً عظيماً.
ومن الأحاديث التي تؤيد هذا المعنى الذي قدمناه، وكلها شواهد يتلو بعضها بعضاً فيما قدمناه والتي تدل على النص في استخلاف أهل البيت (عليهم السلام)، والتأييد الإلهي لهم، منها ما يلي:
مارواه ابن ماجة: عن أبي هريرة، أن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) قال: لا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها.(٢٢١)
وروى ابن سلامة: عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله.(٢٢٢)
وروى ابن حبان: عن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): لا تزال طائفة(٢٢٣) من أمتي منصورين لا يضرهم خذلان من خذلهم حتى تقوم الساعة.(٢٢٤)
فانظر هذه الأحاديث وأمثالها فإنها لا تنطبق إلا على أهل البيت عليهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٠) سورة القصص، الآية: ٥.
(٢٢١) سنن ابن ماجة، القزويني: ١/٥ ح٧، الجامع الصغير، السيوطي: ٢/ ٧٣٤ح٩٧٧٣.
(٢٢٢) مسند الشهاب، ابن سلامة: ٢/ ٧٦ - ٧٧ ح٩١٤.
(٢٢٣) في رواية الطبراني والحاكم: (لا يزال أناس من أمتي)

(٢٢٤) صحيح ابن حبان:١/ ٢٦١، و١٥/ ٢٤٩، المعجم الكبير، الطبراني: ١٩/ ٢٧، معرفة علوم الحديث، الحاكم النيسابوري: ٢، موارد الظمآن، الهيثمي: ٦/ ٩٥ ح١٨٥١.

↑صفحة ٩٦↑

السلام، فهم المنصورون رغم ما جرى عليهم من اضطهاد وإقصاء، ولعل في هذه الأحاديث أيضاً إشارة إلى كثرة مخالفي أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من الناس، كما هو حاصل في جميع الأزمنة حتى يظهر الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام).
ونذكر هنا بأمر يناسب المقام، وهو: أن النبي (صلّى الله عليه وآله) قد دعى لسيد العترة علي بن أبي طالب (عليه السلام) بنصر من نصره وخذلان من خذله(٢٢٥) لعلمه بما سوف يتعرض له من ظلم وخذلان من هذه الأمة، هو وأهل بيته (عليهم السلام) وكم حاول أعداؤهم وجاحدوا حقّهم خمد ذكرهم، والحط من شأنهم، فلا يزدادون إلا تألقاً، ورفعة، وسمواً.
وفي هذا خير شاهد على انطباق هذه الأحاديث عليهم، فهي قد تضمنت التطمين بنصر الله تعالى، وتأييده لهم مهما بلغ من عداوة الناس لهم.
هذا وقد أخبرت بهذه الحقيقة وأصحرت بها مولاتنا زينب ابنة علي (عليهما السلام) قبل أكثر من ألف وثلاث مائة عام حينما قالت للإمام زين العابدين (عليه السلام) وهم في الأسر بعد مقتل الإمام الحسين (عليه السلام): وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٥) جاء عن الحاكم النيسابوري عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو آخذ بضبع علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وهو يقول: هذا أمير البررة، قاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، ثم مد بها صوته. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه.
راجع: المستدرك، الحاكم: ٣/ ١٢٩، كنز العمال، المتقي الهندي: ١١/ ٦٠٣ح٣٢٩٠٩.

↑صفحة ٩٧↑

يزداد أثره إلا ظهوراً، وأمره إلا علواً.(٢٢٦)
وقولها الآخر ليزيد بن معاوية: فما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك، بئس للظالمين بدلاً، وما ربّك بظلام للعبيد، فإلى الله المشتكى، وعليه المتكل، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، والحمد لله الذي ختم لأولنا بالسعادة، ولآخرنا بالشهادة.(٢٢٧)
والسرُّ في بقاء ذكرهم وأمرهم إلى يومك هذا مع ماجرى عليهم من أحداث دامية، أن الله تعالى هو الذي تولى نصرهم، وخذلان من خذلهم، وهذا كله مصداق لحديث النبي (صلّى الله عليه وآله) الذي مر عليك آنفاً (لا تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم خذلان من خذلهم حتى تقوم الساعة).
ومن الشواهد على ذلك أيضاً هو ما نقله ابن أبي الحديد عن شيخه أبي جعفر الإسكافي، في أن ظهور فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) هو معجزة مع ما جرى عليه من أعدائه ومخالفيه ما جرى، قال: فالأحاديث الواردة في فضله (عليه السلام) لو لم تكن في الشهرة والاستفاضة، وكثرة النقل إلى غاية بعيدة، لا نقطع نقلها للخوف والتقية من بني مروان مع طول المدة، وشدة العداوة، ولولا أن لله تعالى في هذا الرجل سراً يعلمه من يعلمه لم يرو في فضله حديث، ولا عرفت له منقبة، ألا ترى أن رئيس قرية لو سخط على واحد من أهلها، ومنع الناس أن يذكروه بخير وصلاح لخمل ذكره، ونسي اسمه، وصار وهو موجود معدوماً، وهو حي ميتاً!.(٢٢٨)
ولنعم ما قاله الشيخ الوائلي في هذا المعنى يخاطب أمير المؤمنين (عليه السلام):

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٦) بحار الأنوار، الشيخ المجلسي: ٤٥/ ١٨٠.
(٢٢٧) مثير الأحزان، ابن نما الحلي: ٨١.
(٢٢٨) راجع: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ٤/ ٦٧.

↑صفحة ٩٨↑

ورجعت أعذر شانئيك بفعلهم * * * فمتى التقى المذبوحُ والسكينُ
بدرٌ وأحدٌ والهراسُ وخيبرٌ * * * والنهروانُ ومثلها صفينُ
رأسٌ يطيح بها وينذرُ كاهل * * * ويدٌ تجذ ويجدعُ العرنينُ
هذا رصيدكُ بالنفوس فما ترى * * * أيحبك المذبوحُ والمطعونُ
ومن البداهة والديون ثقيلةٌ * * * في أن يقاضى دائنٌ ومدينُ
حقدٌ إلى حسدٍ وخسةِ معدنٍ * * * مطرت عليك وكلهن هتونُ
راموا بها أن يدفنوك فهالهم * * * أن عاد سعيهمُ هو المدفونُ
وتوهموا أن يغرقوك بشتمهم * * * أتخاف من غرقٍ وأنت سفينُ
ستظل تحسبك الكواكب كوكباً * * * ويهزّ سمع الدهر منك رنينُ
وتعيش من بعد الخلود دلالةً * * * في أن ما تهوى السماء يكونُ

ظهور الدين بالأئمة (عليهم السلام)
ونلفت النظر هنا أنه جاء في بعض الأحاديث (لا تزال أمتي ظاهرين على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم..)(٢٢٩) فليس المراد منه ظهور جميع الأمة، بل يراد منه فئة خاصة من الأمة، حيث أن هذا الحديث يتفق مع مضامين ما مر من الأحاديث الشريفة، كقوله (صلّى الله عليه وآله) كما روي عنه: (لا يزال هذا الأمر عزيزاً منيعاً ظاهراً على من ناواه حتى يملك اثنا عشر..)(٢٣٠) وكقوله: (لا يضر هذا الدين من ناوأه..) فظهور هذا الدين إنما هو بهؤلاء الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام).
فهذه كلها قرائن تدل على أن المراد من الأمة هنا فئة خاصة وهم أهل البيت (عليهم السلام) وليس جميع الأمة، ويؤيده أيضاً ما جاء في بعض الأحاديث أن ظهور الدين بطائفة من الأمة فقط حيث هم الذين خصهم الله تعالى بذلك،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٩) مسند أبي يعلى الموصلي: ٤/ ٥٩ - ٦٠ح٢٠٧٨.
(٢٣٠) مسند أحمد بن حنبل: ٥/ ٩٣.

↑صفحة ٩٩↑

فمن الأحاديث قوله (صلّى الله عليه وآله): (وأنه لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله (عزَّ وجلَّ) وهي كذلك)(٢٣١) ومنها، حديث: لا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها (٢٣٢) ومنها حديث: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله(٢٣٣) وكذلك حديث: لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم خذلان من خذلهم حتى تقوم الساعة.(٢٣٤)
فهؤلاء الظاهرون هم فئة مخصوصة من الأمة لا كل الأمة..
والجدير بالذكر هنا ما قاله البخاري في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(٢٣٥) فقد اعترف أنه ليس المقصود بها عامة الأمة، قال في كتابه (خلق أفعال العباد): هم الطائفة التي قال النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم(٢٣٦) ويدل كلامه هذا على أنه ليس المقصود من الأمة في الآية الشريفة عامة الأمة، بل هم الفئة الخاصة منهم، وهم الظاهرون على الحق فقط.
وهناك توجيه أيضاً للسيد الطباطبائي في الميزان في تفسير الآية الشريفة في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣١) الآحاد والمثاني، الضحاك:١/ ٣٣٣.
(٢٣٢) سنن ابن ماجة، القزويني: ١/٥ ح٧، الجامع الصغير، السيوطي: ٢/ ٧٣٤ح٩٧٧٣.
(٢٣٣) مسند الشهاب، ابن سلامة: ٢/ ٧٦ - ٧٧ ح٩١٤.
(٢٣٤) صحيح ابن حبان:١/ ٢٦١، و١٥/ ٢٤٩، المعجم الكبير، الطبراني: ١٩/ ٢٧، معرفة علوم الحديث، الحاكم النيسابوري: ٢، موارد الظمآن، الهيثمي: ٦/ ٩٥ ح١٨٥١.
(٢٣٥) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.
(٢٣٦) خلق أفعال العباد، البخاري: ٤٢.

↑صفحة ١٠٠↑

نسبة هذا الحكم إلى الأمة، قال: المراد بكون الأمة شهيدة أن هذه الشهادة فيهم، كما أن المراد بكون بني إسرائيل فضلوا على العالمين، أن هذه الفضيلة فيهم من غير أن يتصف به كل واحد منهم، بل نسب وصف البعض إلى الكل لكون البعض فيه ومنه، فكون الأمة شهيدة هو أن فيهم من يشهد على الناس، ويشهد الرسول عليهم.(٢٣٧)
ونخلص من ذلك إلى أن المراد من كلمة (أمتي) في الحديث هم الأئمة الاثنا عشر (عليهم السلام)، فهم أمة النبي (صلّى الله عليه وآله) الكاملة حقاً الذين ساروا على هديه في جميع الأمور.
وأما إطلاق لفظ الأمة على الجماعة أو الفرد أمر وارد في الاستعمالات العربية، هذا وقد أطلق القرآن الكريم على إبراهيم مثل ذلك، وقال في حقه تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لله حَنِيفًا).(٢٣٨)
قال القرطبي: وأصل الأمة الجماعة... والأمة اسم مشترك يقال على ثمانية أوجه: فالأمة: تكون الجماعة، كقوله تعالى: (وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ)(٢٣٩) والأمة أيضاً أتباع الأنبياء (عليهم السلام)، والأمة: الرجل الجامع للخير الذي يقتدى به، كقوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لله حَنِيفًا)(٢٤٠) والأمة أيضاً: الرجل الجامع للخير.. وقال ابن مسعود: إن الأمة الذي يعلم الناس الخير.(٢٤١)
وقال الفخر الرازي في تفسير الآية (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً): الصفة الأول: أنه كان أمة، وفي تفسيره وجوه: الأول: أنه كان وحده أمة من الأمم لكماله في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٧) تفسير الميزان، السيد محمد حسين الطباطبائي: ١/ ٣٢١.
(٢٣٨) سورة النحل، الآية: ١٢٠.
(٢٣٩) سورة القصص، الآية: ٢٣.
(٢٤٠) تفسير القرطبي: ٩/ ٩ - ١٠.
(٢٤١) نفس المصدر: ١٠/ ١٩٧ - ١٩٨.

↑صفحة ١٠١↑

صفات الخير، كقوله:

ليس على الله بمستنكر * * * أن يجمع العالم في واحد

الثاني: قال مجاهد: كان مؤمناً وحده، والناس كلهم كانوا كفاراً فلهذا المعنى كان وحده أمة(٢٤٢) وكان رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: يبعثه الله أمة وحده.(٢٤٣)
الثالث: أن يكون أمة فعلة بمعنى مفعول كالرحلة والبغية، فالأمة هو الذي يؤتم به، ودليله قوله: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا).(٢٤٤)
الرابع: أنه (عليه السلام) هو السبب الذي لأجله جعلت أمته ممتازين عمن سواهم بالتوحيد، والدين الحق، ولما جرى مجرى السبب لحصول تلك الأمة سماه الله تعالى بالأمة إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، وعن شهر بن حوشب: لم تبق أرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم (عليه السلام) فإنه كان وحده.(٢٤٥)
أقول: وكلّ هذه المعاني تنطبق على أئمة أهل البيت (عليهم السلام) فهم أعظم الناس إيماناً، وهم الذين يؤتم بهم، وبهم يدفع الله العذاب عن أهل الأرض لأنهم أمان للناس كما في الحديث، وهم سبب هداية الناس وإيمانهم، وسبب نجاتهم كما في حديث السفينة، وهم خير الخلق بعد رسول الله صلى الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٢) جاء في تفسير البحر المحيط، لأبي حيان الأندلسي: ٥/ ٥٢٨: قال مجاهد: سمي أمة لانفراده بالإيمان في وقته مدة ما. وفي البخاري: ٤/١١٢: أنه قال لسارة: ليس على الأرض اليوم مؤمن غيري وغيرك.
(٢٤٣) راجع: مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب: ١/ ١٦، الخرائج والجرائح، الراوندي: ١/ ١٣٥.
(٢٤٤) سورة البقرة، الآية: ١٢٤.
(٢٤٥) تفسير الرازي: ٢٠/ ١٣٤ - ١٣٥.

↑صفحة ١٠٢↑

عليه وآله ولذا فرض حبهم والصلاة عليهم، فهم مع الحق والحق معهم أينما كانوا.
ورحم الله الشاعر إذ يقول في حقهم (عليهم السلام):

إليكم كلُّ مكرمة تؤولُ * * * إذا ما قيل جدكمُ الرسولُ
كفاكم من مديح الناس طراً * * * إذا ما قيل أمكمُ البتولُ
وإنكمُ لآل الله حقاً * * * ومنكم ذو الأمانة جبرئيلُ
فلا يبقي لمادحكم كلامٌ * * * إذا تمّ الكلامُ فما يقولُ(٢٤٦)

فنعود ونقول: إن قوله (صلّى الله عليه وآله) كما روي عنه: (لا تزال أمتي ظاهرين على الحق) وعد إلهي ببقائهم وتأييدهم ونصرهم مهما حاول الأعداء اضطهادهم واستضعافهم فسوف تكون لهم الغلبة في النهاية.. وإلى أن يخرج القائم المهدي (عليه السلام) وحينئذ سوف يعود الدين من جديد مشرقاً على يديه، ويملأ الدنيا قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً.
فمن أحق من أهل البيت (عليهم السلام) بقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)(٢٤٧) ولا ضير أن نبين هذا المعنى في حقهم (عليهم السلام) بعدما ثبت بالدليل أن المعني بهم هم الأئمة (عليهم السلام)، ومن ذلك ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال لقارئ هذه الآية: (خَيْرَ أُمَّةٍ) يقتلون أمير المؤمنين والحسن والحسين بن علي (عليهم السلام)؟!.(٢٤٨)
قال السيد الطباطبائي في تفسير الميزان: فإن قلت: لو كان المراد بالأمة في هذه الآيات ونظائرها كقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) عدة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٦) مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب: ٣/ ١٧٦.
(٢٤٧) سورة آل عمران، الآية: ١١٠.
(٢٤٨) تفسير القمي: ١/ ١٠.

↑صفحة ١٠٣↑

معدودة من الأمة دون الباقين كان لازمه المجاز في الكلام من غير موجب يصحح ذلك، ولا مجوز لنسبة ذلك إلى كلامه تعالى! على أن كون خطابات القرآن متوجهة إلى جميع الأمة ممن آمن بالنبي ضروري لا يحتاج إلى إقامة حجة؟.
قلت: إطلاق أمة محمد وإرادة جميع من آمن بدعوته من الاستعمالات المستحدثة بعد نزول القرآن وانتشار الدعوة الإسلامية، وإلا فالأمة بمعنى القوم كما قال تعالى: (عَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ)(٢٤٩) وربما أطلق على الواحدة، كقوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لله) وعلى هذا فمعناها من حيث السعة والضيق يتبع موردها الذي استعمل فيه لفظها، أو أريد فيه معناها.
فقوله تعالى: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ)(٢٥٠) الآية - والمقام مقام الدعاء بالبيان الذي تقدم - لا يراد به إلا عدة معدودة ممن آمن بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) وكذا قوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وهو في مقام الامتنان وتعظيم القدر وترفيع الشأن لا يشمل جميع الأمة، وكيف يشمل فراعنة هذه الأمة دجاجلتها الذين لم يجدوا للدين أثراً إلا عفوه ومحوه، ولا لأوليائه عظماً إلا كسروه، وسيجيء تمام البيان في الآية إن شاء الله، فهو من قبيل قوله تعالى لبني إسرائيل: (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)(٢٥١) فإن منهم قارون ولا يشمله الآية قطعاً، كما أن قوله تعالى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا)(٢٥٢) لا يعم جميع هذه الأمة، وفيهم أولياء القرآن، ورجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله تعالى.(٢٥٣)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٩) سورة هود، الآية: ٤٨.
(٢٥٠) سورة البقرة، الآية: ١٢٨.
(٢٥١) سورة البقرة، الآية: ٤٧.
(٢٥٢) سورة الفرقان, الآية:٣٠.
(٢٥٣) تفسير الميزان، السيد محمد حسين الطباطبائي: ١/ ٢٩٨.

↑صفحة ١٠٤↑

زعمهم أن الخلفاء الاثني عشر لم يُستخلفوا فلا يشملهم الحديث
قال ولي الله الدهلوي في كتابه (قرة العينين في تفضيل الشيخين): إن المذكور هنا الخلافة لا الإمامة، ولم يكن أكثر هؤلاء الاثني عشر خليفة بالاتفاق بين الفريقين!.(٢٥٤)
ونقول في جوابه: أولاً: أن معنى (الخليفة) هو المستخلف من الله تعالى على العباد، سواء انقاد الناس له أم لا، فلا يضره عدم استخلاف الناس له، فهو خليفة الله في أمره ونهيه، حتى لو أودعه الناس في غياهب السجون كنبي الله يوسف (عليه السلام)، فهو خليفة على كلّ حال.
وهذا المعنى يفهم من الأحاديث الشريفة، فإن اختيارهم بيد الله تعالى فهو أعلم بعباده، وإن الله لا يجعل أمانته وعهده إلا في الأطهار الأبرار، قال تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)(٢٥٥) وقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)(٢٥٦) وقال تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ).(٢٥٧)
فما جاء في الأحاديث الشريفة من لفظ (الخليفة) فهو عيناً من سنخ ما أريد به في الآيات الشريفة بلا فرق إلا النبوة فقط، فإن منصب الخلافة منصب عظيم، وأنى للناس أن يختاروا لأنفسهم من يخلف الله في أرضه، ويلي أمره ونهيه، وهو ذلك الإنسان الخطاء، فإن هذا المنصب لا يليق إلا بشأن الأولياء الذين اصطفاهم الله على العباد، وطهرهم من الدنس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٤) راجع: عون المعبود، العظيم أبادي: ١١/ ٢٤٦، المهدي المنتظر (عليه السلام)، البستوي: ٣٣٥.
(٢٥٥) سورة فاطر، الآية: ٣٢.
(٢٥٦) سورة البقرة، الآية: ٣٠.
(٢٥٧) سورة ص، الآية: ٢٦.

↑صفحة ١٠٥↑

وقد جاء في هذه الأحاديث الشريفة أيضاً ما يفهم منه ذلك في حقّ هؤلاء الخلفاء الاثني عشر، كقوله: (اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل) وكقوله كما في صحيح مسلم: (إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضى فيهم اثنا عشر خليفة) وكقوله: (لا يزال الدين قائماً) وكقوله: (اثنا عشر قيماً من قريش لا يضرهم عداوة من عاداهم) وغيرها من سائر الألفاظ، فإنما تدل على أن إمامتهم من الله تعالى وتسديده واصطفائه لهم، ومن هنا لا يضرهم عداوة من عاداهم حتى تقوم الساعة، وهذا لا يكون لكل من تولى رقاب الناس، وأن الدين عزيزاً منيعاً بإمامتهم كما أخبر النبي (صلّى الله عليه وآله) بذلك في الأحاديث الشريفة بحيث يتوقف استمرار الدين على وجودهم جميعاً.
فالنتيجة: إن المقصود بكونهم خلفاء يعني خلفاء لله تعالى في أرضه، وكذلك كونهم أُمراء على الناس يعني الإمارة الشرعية بمعنى أن الله تعالى هو الذي أمّرهم على الناس، سواءً دان الناس لهم بذلك أم لا، فعدم استخلاف الناس لهم وتمكينهم من الحكم لا يقدح في إمامتهم على الناس، ولا يضرهم مادام أن الإسلام عزيز ومنيع بوجودهم، وحالهم حال الأنبياء من قبلهم، فكما لم يقدح في نبوة الأنبياء عدم بسط أيديهم، وغلبة فراعنة زمانهم عليهم، وعدم تمكين الناس لهم من الحكم فكذلك أهل البيت (عليهم السلام).
فكثير من الأنبياء استضعفوهم، وحاربوهم كنوح الذي لم يؤمن به إلا القليل من قومه، وبقي في قومه مستضعفاً ألف سنة إلا خمسين عاماً، وموسى، وإبراهيم، (عليهما السلام) ويوسف الصّديق (عليه السلام) الذي بقي في السجن سنيين، وكذلك النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) لما كان في مكة، إذ استضعفه قومه حتى كادوا أن يقتلوه، وأرعبوه حتى اضطروه إلى الهجرة، فخرج منها خائفاً يترقب، وغيره من الأنبياء من الذين اضطهدوهم، وجاروا عليهم وآذوهم، فلم يضر ذلك بنبوتهم، فكذلك أهل البيت (عليهم السلام) لا يقدح في إمامتهم اضطهادهم وإقصاؤهم عن الخلافة الظاهرية.

↑صفحة ١٠٦↑

هذا وقد جاء في بعض الأحاديث: (اثنا عشر قيماً من قريش لا يضرهم عداوة من عاداهم) يعني لا تضر إمامتهم عداوة الناس لهم، فإن إمامتهم باقية إلى يوم القيامة بتأييد من الله تعالى وإن استضعفهم الناس وجرى عليهم ما جرى! فسوف تظهر كلمتهم وحجتهم على الناس كافة.
ويؤيد هذا المعنى أيضاً حديث (لا يضر هذا الدين من ناوأه حتى يقوم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)(٢٥٨) فهذه الأحاديث لا تنطبق إلا على الأئمة المعصومين (عليهم السلام) فهم وحدهم فقط الذين لا تضرهم عداوة من عاداهم، فإن من عاداهم فقد عادى الله تعالى، ومن هنا قال النبي (صلّى الله عليه وآله) في حق علي أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم غدير خمٍّ: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه(٢٥٩) ومن يكن الله عدوه فهو من الكافرين، قال تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لله وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ).(٢٦٠)
وهذا بخلاف سائر الناس من حكام وغيرهم فإنه تضرهم عداوة من عاداهم! أما إمامة الأئمة فإن إمامتهم إمامة إلهية، وقد اصطفاهم الله تعالى على سائر الناس، وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، ولهذا أورثهم الكتاب وآتاهم الحكمة، قال تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)(٢٦١) ومن هنا أيضاً قرنهم النبي (صلّى الله عليه وآله) بالكتاب كما في حديث الثقلين،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٨) المعجم الكبير، الطبراني: ٢/ ٢٠٨.
(٢٥٩) راجع: مسند أحمد بن حنبل: ١/ ١١٨، و٤/ ٣٧٠، و٣٧٣، و٥/ ٣٧٠، السنن الكبرى، النسائي: ٥/ ٤٥ح٨١٤٨، فضائل الصحابة، النسائي: ١٥، المستدرك، الحاكم: ٣/ ١٠٩، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله، مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩/ ١٠٤، رواه عن أحمد، وغيره، وقال: ورجال أحمد ثقات، ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري: ٦٧.
(٢٦٠) سورة البقرة، الآية: ٩٨.
(٢٦١) سورة فاطر، الآية: ٣٢.

↑صفحة ١٠٧↑

وشبههم بالنجوم التي يهتدي بها الناس في الظلمات، فهؤلاء هم الذين لا تضرهم عداوة الناس لهم، لأن إمامتهم بجعل منه قال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ).(٢٦٢)
ولاحظ أيضاً عبارة (خليفة) و(أميراً) و(قيماً) كما في الأحاديث السابقة، فكلها ألفاظ تدل على الأمارة الشرعية التي هي بيد الله تعالى يؤتيها من يشاء من عباده، قال تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)(٢٦٣) وقال تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)(٢٦٤) فكلها من وادي واحد.
ثانياً: وإن لم يسمهم في هذا الحديث بالأئمة إلا أنه ورد في بعض الأحاديث الشريفة تسميتهم صريحاً بالخلفاء وعنى بها أهل بيته (عليهم السلام)، كما في حديث الثقلين فقد روى مسلم في صحيحه: عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، أو ما بين السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض.(٢٦٥)
قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد وإسناده جيد.(٢٦٦)
فإنه صريح في كون أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله) خلفاء على الأمة، وهذا من الأدلة والبراهين التي لا يمكن لأحد أن يردها أو يتجاهلها، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).(٢٦٧)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٢) سورة الأنبياء، الآية: ٧٣.
(٢٦٣) سورة البقرة، الآية: ٣٠.
(٢٦٤) سورة البقرة، الآية: ١٢٤.
(٢٦٥) مسند أحمد بن حنبل: ٥ / ١٨١ - ١٨٢.
(٢٦٦) مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩ /١٦٢ - ١٦٣.
(٢٦٧) سورة ق، الآية: ٣٧.

↑صفحة ١٠٨↑

وأما لفظ (الإمام) فقد جاء أيضاً تسميتهم بها في بعض الأحاديث كما في رواية أبي نعيم الأصفهاني عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): من سرّه أن يحيى حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن، غرسها ربي، فليوالِ علياً من بعدي، وليوالِ وليه، وليقتدِ بالأئمة من بعدي، فإنهم عترتي خلقوا من طينتي، رزقوا فهماً وعلماً، فويلٌ للمكذبين من أمتي، والقاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي.. الخ.(٢٦٨)
٣ - حديث (وأهل بيتي أمان لأمتي)
هذا الحديث روي بطرق عديدة، منها: عن أمير المؤمن (عليه السلام) وعن جملة من الصحابة منهم: ابن عباس، وجابر الأنصاري وسلمة بن الأكوع، وأنس بن مالك(٢٦٩) ومن الروايات في ذلك ما يلي: عن ذخائر العقبى عن علي (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): النجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض. أخرجه أحمد في المناقب.(٢٧٠)
وروى الحاكم في المستدرك عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.(٢٧١)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٨) راجع: حلية الأولياء: ١ / ٨٦ ط السعادة.
(٢٦٩) راجع: ينابيع المودة، القندوزي الحنفي: ١/ ٧٢ ح١ - ٧، فرائد السمطين، الجويني: ١/ ٤٥، و٢/ ٢٥٢ ح٥٧١.
(٢٧٠) ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري: ١٧.
(٢٧١) المستدرك، الحاكم النيسابوري: ٣/ ١٤٩.

↑صفحة ١٠٩↑

وجاء في حديثه الآخر أيضاً عن جابر (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (وإنه لعلم للساعة)(٢٧٢) فقال: النجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت أتاها ما يوعدون، وأنا أمان لأصحابي ما كنت، فإذا ذهبت أتاهم ما يوعدون، وأهل بيتي أمان لأمتي، فإذا ذهب أهل بيتي أتاهم ما يوعدون.
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.(٢٧٣)
وروى ابن عساكر بإسناده: عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم): النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأمتي.(٢٧٤)
وجاء في رواية الكوفي: عن أياس مثله.. وفيه زيادة: وأهل بيتي أمان لأمتي، فإذا ذهب النجوم جاء أهل السماء ما يوعدون، وإذا ذهب أهل بيتي جاء أهل الأرض ما يوعدون.(٢٧٥)
وروى ابن عساكر بإسناده: عن أبي محمد بن قتيبة في قصة أصحاب الشورى وساق الحديث إلى أن قال: فتكلم علي فقال: الحمد لله الذي اتخذ محمداً منا نبياً، وابتعثه إلينا رسولاً، فنحن بيت النبوة، ومعدن الحكمة، أمان لأهل الأرض، ونجاة لمن طلب...(٢٧٦)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٢) سورة الزخرف، الآية: ٦١.
(٢٧٣) نفس المصدر: ٢/ ٤٤٨.
(٢٧٤) تأريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ٤٠ / ٢٠، ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري: ١٧.
(٢٧٥) مناقب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، محمد بن سليمان الكوفي: ٢/ ١٤٥ح٦٢٣.
(٢٧٦) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ٤٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩، غريب الحديث، ابن قتيبة: ١/ ٣٧٠، تأريخ الطبري: ٣/ ٣٠٠، الكامل في التأريخ، ابن الأثير: ٣/ ٧٤، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ١/ ١٩٥، و١٩/ ١٣٤.

↑صفحة ١١٠↑

كلمات بعض أعلام السنة في معنى الحديث الشريف
عد جملة من أعلام السنة أن كون أهل البيت (عليهم السلام) أماناً للناس هو من خصائصهم، ولم يثبت هذا الأمر في أحد غيرهم، وإليك كلمات بعضهم في ذلك.
أخرج إمام الحنابلة أحمد بإسناده من طريق أنس بن مالك مرفوعاً: النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهب أهل بيتي جاء أهل الأرض من الآيات ما كانوا يوعدون.
فقال: إن الله خلق الأرض من أجل النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم)، فجعل دوامها بدوام أهل بيته وعترته (صلّى الله عليه [وآله] وسلم).(٢٧٧)
وقال الصبان في الإسعاف بعد ذكره: وقد يشير إلى هذا المعنى قوله تعالى:
(وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)(٢٧٨) أقيم أهل بيته مقامه في الأمان لأنهم منه وهو منهم، كما ورد في بعض الطرق.(٢٧٩)
وأما الحافظ ابن حجر فقد عدّ في الصواعق من الآيات النازلة في أهل البيت قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) فقال: أشار (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) إلى وجود ذلك المعنى في أهل بيته، وأنهم أمان لأهل الأرض كما كان هو (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) أماناً لهم، وفي ذلك أحاديث كثيرة، يأتي بعضها.. إلى أن قال: وفي رواية صححها الحاكم على شرط الشيخين: النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس.(٢٨٠)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٧) ينابيع المودة، القندوزي الحنفي: ١/ ٧١ح٢.
(٢٧٨) سورة الأنفال، الآية: ٣٣.
(٢٧٩) إسعاف الراغبين: ١٢٩.
(٢٨٠) الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي:١٥٢ - ١٥٣(الفصل الأول، في الآيات الواردة فيهم (عليهم السلام)، الآية السابعة).

↑صفحة ١١١↑

المراد بأهل البيت (عليهم السلام)
لا خلاف في أن المراد بأهل بيته هنا علي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريته، فهم الذين يهتدى بهم، ولم يثبت هذا في غيرهم، فهم الأمان للناس.
وقال بعضهم: يحتمل أن المراد بأهل البيت الذين هم أمان علماؤهم، لأنهم الذين يهتدى بهم كالنجوم، والذين إذا فقدوا جاء أهل الأرض من الآيات ما يوعدون، وذلك عند نزول المهدي لما يأتي في أحاديثه: أن عيسى يصلي خلفه،

↑صفحة ١١٢↑

ويقتل الدجال في زمنه، وبعد ذلك تتابع الآيات.. إلى أن قال: ويحتمل وهو الأظهر عندي أن المراد بهم سائر أهل البيت، فإن الله لما خلق الدنيا بأسرها من أجل النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) جعل دوامها بدوامه، ودوام أهل بيته، لأنهم يساوونه في أشياء، مر عن الرازي بعضها، ولأنه قال في حقهم: اللهم إنهم مني وأنا منهم، ولأنهم بضعة منه بواسطة أن فاطمة أمهم بضعته، فأقيموا مقامه في الأمان. انتهى ملخصاً.(٢٨١)
قال السيد شرف الدين: والمراد بأهل بيته هنا مجموعهم من حيث المجموع باعتبار أئمتهم، وليس المراد جميعهم على سبيل الاستغراق، لأن هذه المنزلة ليست إلا لحجج الله والقوامين بأمره خاصة، بحكم العقل والنقل.
وقد اعترف بهذا جماعة من أعلام الجمهور، ففي الصواعق المحرقة لابن حجر: وقال بعضهم: يحتمل أن المراد بأهل البيت الذين هم أمان، علماؤهم، لأنهم الذين يهتدى بهم كالنجوم، والذين إذا فقدوا جاء أهل الأرض من الآيات ما يوعدون، وذلك عند نزول المهدي، لما يأتي في أحاديثه أن عيسى يصلي خلفه، ويقتل الدجال في زمنه، وبعد ذلك تتابع الآيات(٢٨٢) إلى آخر كلامه.
وذكر في مقام آخر أنه قيل لرسول الله (صلّى الله عليه وآله): ما بقاء الناس بعدهم؟ قال: بقاء الحمار إذا كُسر صلبه.(٢٨٣)
وقال السمهودي: يحتمل أن المراد بأهل بيته هنا علماؤهم الذين يقتدى بهم كما يقتدى بالنجوم التي إذا خلت السماء منها جاء أهل الأرض من الآيات ما يوعدون، وذلك عند موت المهدي، لأن نزول عيسى لقتل الدجال في زمنه كما جاءت به الأخبار.
ويحتمل أن المراد مطلق أهل بيته، وهو الأظهر لأنه سبحانه وتعالى لما خلق الدنيا لأجل المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلم) جعل دوامها بدولته، ثم بدوام أهل بيته.(٢٨٤)
وقال العزيزي في (السراج: ٣ / ٤١٦) لدى شرحه: أراد بأهل بيته علماءهم، ويحتمل الإطلاق لأن الله تعالى لما خلق الدنيا لأجله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) جعل دوامها بدوام أهل بيته.
وقال الحفني: (وأهل بيتي) أي ذريتي، فبسبب وجودهم يرفع البلاء عن الأمة.(٢٨٥)
دلالة الحديث على إمامة أهل البيت وأن الأرض لا تخلو منهم أبداً
يدل هذا الحديث دلالة قطعية على أن الإهتداء لايتم إلا بالتمسك بأهل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨١) الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي:١٥٢ - ١٥٣ (الفصل الأول، في الآيات الواردة فيهم (عليهم السلام)، الآية السابعة).
(٢٨٢) الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي: ١٥٢، (ذكره في الفصل الأول في الآية السابعة من الآيات الواردة فيهم (عليهم السلام))
(٢٨٣) المراجعات، السيد شرف الدين العاملي: ٧٦.
(٢٨٤) فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي: ٦ / ٣٨٦ - ٣٨٧.
(٢٨٥) سيرتنا وسنتنا، الشيخ الأميني: ٣٨ - ٤٠.

↑صفحة ١١٣↑

البيت (عليهم السلام)، والسير على طريقتهم، وأن ما يصدر عنهم حجة شرعية لا عذر لأحد في خلافهم، وإلا لاستلزم تشبيههم بالنجوم لغواً، ومقتضى كونهم أماناً يستلزم أن لا يصدر عنهم إلا الحق، وهو كذلك، فكما أن عدم متابعة النجوم تستلزم الوقوع في الضلالة والحيرة والهلكة، فكذلك ترك متابعة أهل البيت (عليهم السلام)، يؤدي إلى الهلكة، ولهذا قال كما في رواية الحاكم: (وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف) وهذا يعني أن التمسك بهم يعصم من الوقوع في الضلالة، فمن لم يكن معهم وقع في الضلالة لا محالة، قال تعالى: (فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ)(٢٨٦) فليس هناك بين الحق والضلال واسطة، فهذا الحديث يعطي قاعدة كلية فيمن خالف أهل البيت (عليهم السلام) أن مصيره الهلاك، وإن فعل ما فعل! فقال: (فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس) فاستحقوا حينئذ غضب الله (عزَّ وجلَّ) وسخطه، قال تعالى: (وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى).(٢٨٧)
وقد اعترف بهذا أيضاً المناوي في فيض القدير، قال: شبههم بنجوم السماء، وهي التي يقع بها الاهتداء، وهي الطوالع والغوارب والسيارات والثابتات، فكذلك بهم الاقتداء، وبهم الأمان من الهلاك.(٢٨٨)
إن هذا الحديث برهان واضح على انحصار طريق الاهتداء بهم، ونتيجته الأمان الأخروي من العقاب لمن اهتدى بهديهم، وسار على ضوء تعاليمهم، وأما من تخلف عنهم فمصيره الهلاك، والخزي في الدنيا والآخرة.(٢٨٩)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٦) سورة يونس، الآية: ٣٢.
(٢٨٧) سورة طه، الآية: ٨١.
(٢٨٨) فيض القدير، المناوي: ٦/ ٣٨٦، رقم: ٩٣١٣.
(٢٨٩) جاء في الحديث عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): فوالله لو أن رجلاً عبد الله عمره ما بين الركن والمقام، ثم مات ولم يجئ بولايتنا، لأكبه الله في النار على وجهه.
رواه الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده (مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: ٧/ ٤٥)
وعن الخطيب البغدادي بالإسناد عن ابن عباس عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله):.. ولو أن عابداً عبد الله بين الركن والمقام ألف عام، وألف عام حتى يكون كالشن البالي لقى الله مبغضا لآل محمد أكبه الله على منخره في نار جهنم.
(تأريخ بغداد، الخطيب البغدادي: ١٣/ ١٢٣، تأريخ دمشق، ابن عساكر: ٤٢/ ٣٢٨و٤٧١)

↑صفحة ١١٤↑

وهم أيضاً أمان من الهلاك في الدنيا كما بينه الحديث، وهو الأمان في البقاء، ويدل عليه قوله: وقوله الآخر: (فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض) فالنتيجة ذهاب الدنيا بذهابهم.
فتلخص من هذا كله.. إذن لا شك في نجاة من تبعهم، وهلاك من تخلف عنهم، ولم تثبت هذه الخصوصية لأحد من سائر الناس غيرهم، فهم الأئمة الهداة الذين أمر الله تعالى الناس باتباعهم والتمسك بهم.
كما أن هذا الأمان لا يخلو منه زمان أيضاً بمقتضى اللطف الإلهي الذي امتن به الباري تعالى على العباد، لئلا يختلف الناس ويقعوا في الضلالة فيهلكوا، فلا تخلو الأرض من إمام منهم إلى قيام الساعة، وقد شبههم بالنجوم التي لا يخلو منها زمان وإلى أن تنقضي الدنيا وتفنى، فكذلك أهل البيت (عليهم السلام) لابد من بقائهم إلى أن تنتهي الحياة.
يقول آية الله الشيخ لطف الله الصافي: إن دلالة هذه الأحاديث على حجية مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وكونهم أماناً من الاختلاف لعصمتهم، ووجود من يكون أهلاً للتمسك به منهم في كلّ زمان إلى قيام الساعة، وإن المراد من أهل البيت الذين هم أمان لأهل الأرض أئمتهم في غاية الوضوح، فإنهم لم يختصوا بهذا التشريف من دون الناس إلا لكونهم معدناً للعلوم النبوية، والأحكام الشرعية، والفضائل المحمودة، فلابد أن لا يخلو الزمان ممن يكون

↑صفحة ١١٥↑

منهم موصوفاً بهذا الصفات، وأهلاً لأن يكون مشرفاً بهذا التشريف، وأماناً لهذه الأمة المرحومة، ولجميع أهل الأرض من الزوال والفناء والاختلاف.
وأصرح من الجميع في أن المراد من أهل البيت أئمتهم وعلماؤهم، ما أخرجه الحاكم عن ابن عباس وصححه، فإن اتصاف أهل البيت بكونهم أماناً للأمة من الاختلاف على سبيل الإطلاق في الأمور الدينية وغيرها، كما قال (صلّى الله عليه وآله): (وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف) ليس إلا بعلمائهم وأئمتهم (عليهم السلام) الذين نص عليهم النبي (صلّى الله عليه وآله) في غير هذه الأحاديث.
وهم الذين وصفهم سيدهم وأفضلهم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فيما قال في أوصافهم: (لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه)(٢٩٠) (إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي)(٢٩١) (إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي).(٢٩٢)

همُ الراقون في أوج الكمالِ * * * وهم أهلُ المعارفِ والمعالي
وهم سفنُ النجاة إذا ترامت * * * بأهل الأرض أمواجُ الضلالِ
أمانُ الأرض من غرقٍ وخسفٍ * * * وحصنُ الملة الصعب المثالِ
وهم في غرة الدين بدورٌ * * * تسامت بالجميل وبالجمالِ
كفى خبرُ الوصية أنهم * * * والكتابُ معاً إلى يوم الحجالِ
عليهم بعد جدّهم صلاةٌ * * * وتسليمٌ ورحمةُ ذي الجلالِ(٢٩٣)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٠) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام): ٢/ ٢٣٢، رقم الخطبة: ٢٣٩.
(٢٩١) نفس المصدر: ١/ ٣٠، رقم الخطبة: ٢.
(٢٩٢) نفس المصدر: ١/ ١٥٤، رقم الخطبة: ٨٧.
(٢٩٣) أمان الأمة من الاختلاف، الشيخ لطف الله الصافي: ١٧٢ - ١٧٣.

↑صفحة ١١٦↑

الإمام المهدي إمام أهل هذا الزمان
فالخلاصة مما يدل عليه الحديث الشريف أنه لابد من وجود نجم من أهل البيت (عليهم السلام) في كلّ زمان ليكون أماناً للناس، ويؤيده أيضاً ما مرّ آنفاً ما روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه قال لعلي (عليه السلام): مثلك ومثل الأئمة من ولدك بعدي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجى، ومن تخلف عنها غرق، ومثلكم مثل النجوم كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة.(٢٩٤)
وما جاء في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام): ألا إنّ مثل آل محمد (صلّى الله عليه وآله) كمثل نجوم السماء إذا خوى نجم طلع نجم، فكأنكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع، وأراكم ما كنتم تأملون.(٢٩٥)
وفي كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي: عن المعلى بن خنيس قال: كنت مع أبي عبد الله (عليه السلام) في الحيرة، فقال: افرشوا لي في الصحراء، ففعل ذلك، ثم قال: يا معلى! قلت: لبيك، قال: ما ترى النجوم ما أحسنها؟! إنها أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت جاء أهل السماء ما يوعدون، ونحن أمان لأهل الأرض، فإذا ذهبنا جاء أهل الأرض ما يوعدون.(٢٩٦)
فعلى هذا لا يمكن أن تخلو الأرض أبداً من إمام منهم، وأمان هذا الزمان هو الإمام المهدي (عليه السلام) فهو أمان للناس كافة بحكم هذا الحديث (وأهل بيتي أمان لأهل الأرض) فهو أحد أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ولا يمكن إخراجه من هذا الحديث، وقد تسالم الجميع على أنه آخر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بقاءً في الدنيا، وبذهابه تنتهي الحياة، كما في ذيل الحديث (فإذا ذهب أهل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٤) فرائد السمطين، الجويني: ٢/ ٢٤٣ح ٥١٧، فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، ابن عقدة الكوفي: ٤٣ - ٤٤.
(٢٩٥) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام): ١/ ١٩٣ - ١٩٤، خطبة رقم: ٩٩.
(٢٩٦) الغارات، الثقفي:٢/ ٨٥١ - ٨٥٢.

↑صفحة ١١٧↑

بيتي ذهب أهل الأرض) وجاء في حديث آخر (فإذا ذهب أهل بيتي أتاهم ما يوعدون) فالأمان مستمر ببقائهم لأهل الأرض إلى حين ذهابهم، فعلى هذا لاتخلو الأرض أبداً من إمام منهم ليهتدى به، وإلا جاء أهل الأرض مايوعدون، فهذا الحديث يدل على وجود الإمام المهدي (عليه السلام) في هذا الزمان، وإلا أصبح الحديث لغواً لا أثر له.
زعم بعضهم أن المراد من (أهل البيت) هم أهل التقوى وأبدال الأنبياء وجوابه
قال الحكيم الترمذي: أهل بيته هنا من خلّفه على منهاجه من بعده، وهم الصدّيقون، وهم الأبدال، قال: وذهب قوم إلى أن المراد بأهل بيته هنا أهل بيته في النسب، وهذا مذهب لا نظام له ولا وفاق ولا مساغ! لأن أهل بيته بنو هاشم والمطلب، فمتى كان هؤلاء أمناً للأمة حتى إذا ذهبوا ذهبت الدنيا؟ إنما يكون هذا لمن هم أدلة الهدى في كلّ وقت، ومن قال: أهل بيته ذريته، فموجود في ذريته الميل والفساد كما يوجد في غيرها، فمنهم المحسن والمسيء، فبأيّ شيء صاروا أماناً لأهل الأرض؟.. قال العامري البغدادي في شرح الشهاب: ذهب قوم غلب عليهم الجهل بالآيات والسنن والآثار إلى أن أهل البيت هنا أهل بيته لا غير، وكيف يكونون أماناً مع ما وجد في كثير منهم من الفساد وتعدي الحدود،.. إلى أن قال: وإنما المراد بهم هنا أهل التقوى وأبدال الأنبياء الذين سلكوا طريقه، وأحيوا سنته، وفي حديث: آل محمد كلّ تقي.(٢٩٧)
أقول: وما عشت أراك الدهر عجباً فهل يشك أحد أن المقصود من أهل بيته هم عترته الذين خلفهم في الأمة، وأولهم سيد العترة علي بن أبي طالب (عليه السلام) ثم أولاده المعصومون، فانظر إلى هذا التخبط الأهوج والتعامي عن عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، الذين خلّفهم في الأمة، وأمر الناس باتباعهم والتمسك بهم، قال تعالى: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٧) فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي: ٦/ ٣٨٦ - ٣٨٧، رقم: ٩٣١٣.

↑صفحة ١١٨↑

الصُّدُورِ)(٢٩٨) وأي بخس أعظم من هذا البخس الذي يراد منه استنقاص أهل البيت (عليهم السلام) وجحد حقّهم الذي افترضه الله لهم على الأمة، قال تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ).(٢٩٩)
وهل في الحديث غموض كي يحتاج إلى هذا التأويل الأهوج الذي لا يتفوه به إلا الجهلة الذين طبع الله على قلوبهم وأعمى أبصارهم، أمثال ما يسمى بالحكيم الترمذي والعامري البغدادي اللذين أصمهما التعصب عن اتباع الحق! فجحدا حقّ عترة الرسول (صلّى الله عليه وآله)!
فقوله: (أهل بيته هنا من خلّفه على منهاجه من بعده، وهم الصدّيقون، وهم الأبدال) فأقول: وليت شعري وهل هناك في العالم كله أتقى وأورع من أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ وهم سادة أهل الجنة، الذين اجتمعت فيهم كلّ هذه الخصال بحق، والتي استكثرها عليهم الحكيم الترمذي وأمثاله، أليس أهل البيت هم الذين خلفوا النبي على منهاجه من بعده، وهم الصدّيقون الذين أول من صدّق به، وهم أهل التقوى، وهم أبدال الأنبياء، وإذا لم يكونوا هم المقصود بذلك فمن هم إذن؟!
ثمّ إن جملة من علمائك، ذكروا هذا الحديث في باب فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، ولم يصرفوه إلى غيرهم! وهذا مافهمه سلفك إلى يومك هذا!، فازري عليهم إن كنت زاريا!، فمنهم محب الدين الطبري في ذخائر العقبى فقد ذكره في (باب فضائل أهل البيت (عليهم السلام))(٣٠٠) وكذلك الحاكم في المستدرك، أورده تحت عنوان (مناقب أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله))(٣٠١) وكذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٨) سورة الحج, الآية: ٤٦.
(٢٩٩) سورة النساء، الآية: ٥٤.
(٣٠٠) ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري: ١٧.
(٣٠١) المستدرك، الحاكم: ٣/ ١٤٩.

↑صفحة ١١٩↑

ابن حجر الهيثمي في مجمع الزوائد في (باب في فضل أهل البيت (عليهم السلام))(٣٠٢) وغيرهم.
وأما تعميم أهل البيت (عليهم السلام) لبني هاشم والمطلب أو غيرهما! فهذه مجرد دعوى غبية! وليس عليها دليل أو برهان! وإنما أهل البيت (عليهم السلام) فالمعني بهم خصوص: علي وفاطمة والحسن والحسين، والأئمة المعصومين من ذرية الحسين (عليهم السلام)، الذين نزل فيهم قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(٣٠٣) فقال في حقهم:
اللهم هؤلاء أهل بيتي(٣٠٤)، والذين قال فيهم: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى).(٣٠٥)
وهم الذين خرج بهم النبي (صلّى الله عليه وآله) في قصة المباهلة، وهم الذين أمر بالصلاة عليهم، وأوصى الأمة برعايتهم وحفظهم قائلاً: أذكركم في أهل بيتي..(٣٠٦) وكذلك قوله كما روي عنه: من أحب أن يبارك في أجله، وأن يمتعه بما خوله فليخلفني في أهلي خلافة حسنة، فمن لم يخلفني فيهم، بتر عمره، وورد عليَّ يوم القيامة مسوداً وجهه.(٣٠٧)
وهم الذين قال عنهم (صلّى الله عليه وآله) كما جاء في الرواية: في كلّ خلوف من أمتي عدول أهل بيتي، ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠٢) مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩/ ١٧٤.
(٣٠٣) سورة الأحزاب، الآية: ٣٣.
(٣٠٤) مسند أحمد بن حنبل: ٤/ ١٠٧، و٦/ ٢٩٢.
(٣٠٥) سورة الشورى، الآية: ٢٣.
(٣٠٦) مسند أحمد بن حنبل: ٤/ ٣٦٧.
(٣٠٧) نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي: ٢٣١، كنز العمال، المتقي الهندي: ١٢/ ٩٩ح٣٤١٧١، فيض القدير، المناوي:٢/ ٢٢٠، رقم: ١٦٠٨, الإصابة، ابن حجر: ١/ ٤٠٦ح٦٠٤.

↑صفحة ١٢٠↑

وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ألا وإن أئمتكم وفدكم إلى الله (عزَّ وجلَّ) فانظروا بمن توفدون(٣٠٨) فهم أحد الثقلين الذين أمر الناس باتباعهم، وهم الذين شبههم بسفينة نوح فقال في حقهم: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق.(٣٠٩)
ثم ينبري الحكيم الترمذي متغاضياً عن أهل البيت رافعاً عقيرته! وكأنه لا يوجد في ذرية النبي (صلّى الله عليه وآله) أئمة حق، فيقول: (فمتى كان هؤلاء أمناً للأمة حتى إذا ذهبوا ذهبت الدنيا) فيتناسى ويتجاهل عترة النبي الأبرار (الأئمة الاثني عشر) الذين فرض الله تعالى ولايتهم، وتعظيم شأنهم(٣١٠) فهؤلاء هم الذين حكم بهلاك من تخلف عنهم، وضلالة من لم يتمسك بهم، وهم الذين إذا ذهبوا جاء أهل الأرض ما يوعدون، فبعد هذا كله أيسوغ للحكيم الترمذي أن يحرف كلَّ هذه الأحاديث عن معناها؟! ويدعي أن المقصود بأهل البيت هم الأبدال، والذين هم على طريقة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)..؟!.
ولكن شنشنة أعرفها من أخزم، فإذا وصل الحديث إلى فضل أهل البيت (عليهم السلام) اعترى القوم الدهشة، وأخذتهم الحيرة، واسودت وجوههم! كلّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠٨) ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري: ١٧، ينابيع المودة، القندوزي: ٢/ ١١٣ - ١١٤ح٣١٨.
(٣٠٩) سوف يأتي تخريجه قريباً.
(٣١٠) جاء في تفسير الثعلبي: ٧ / ١٠٧ بالإسناد عن أنس بن مالك، وعن بريدة قالا: قرأ رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) هذه الآية: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) إلى قوله: (وَالْأَبْصَارُ) فقام رجل فقال: أيّ بيوت هذه يا رسول الله؟ قال: (بيوت الأنبياء). قال: فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا البيت منها لبيت عليّ وفاطمة؟ قال: (نعم من أفاضلها).
وراجع أيضاً: شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني: ١/ ٥٣٤ ح٥٦٨، الدر المنثور، جلال الدين السيوطي: ٥ / ٥٠، تفسير الآلوسي: ١٨ / ١٧٤.

↑صفحة ١٢١↑

ذلك لأن هذه الأحاديث لا تتوافق مع مذهبهم وأهوائهم، ولأنها تلزمهم بما لا تشتهيه أنفسهم، ولو كانت هذه الأحاديث تعني بعض رجالهم لأصبحت أحاديث صحيحة مبينة غير متشابهة! فلا يلتمس لها تأويل أو تفسير!!.
وما أدري لما كل هذا الامتعاظ من فضائل العترة وجحدها!! وأي ضير عند هؤلاء حينما شاءت حكمة الباري تعالى أن يجعل عترة النبي أماناً للأمة، ولعمري وهل هناك أناس يعدلون بهم، وأحقّ منهم بانطباق الحديث عليهم؟!
٤ - حديث السفينة
وهو من الأحاديث المتواترة، وقد ذكرته كتب الحديث عند السنة، عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وأبي ذر الغفاري، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعبد الله بن الزبير.
فمنها ما يلي:
ما رواه أحمد بن عبد الله الطبري: عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تعلق بها فاز، ومن تخلف عنها زُج في النار. قال: أخرجه ابن السري.(٣١١)
وجاء في النهاية لابن الأثير بهذا اللفظ: (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من تخلف عنها زخ به في النار) قال: أي دفع ورمي.(٣١٢)
وروى الحاكم بإسناده عن حنش الكناني قال: سمعت أبا ذر يقول وهو آخذ بباب الكعبة، أيها الناس من عرفني فأنا من عرفتم، ومن أنكرني فأنا أبو ذر، سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١١) ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري: ٢٠.
(٣١٢) النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير: ٢/ ٢٩٨.

↑صفحة ١٢٢↑

مسلم ولم يخرجاه.(٣١٣)
وجاء في رواية الطبراني عن حنش بن المعتمر.. مثله وفيه: مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك، ومثل باب حطة بني إسرائيل.(٣١٤)
وروى الطبراني بإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا، ومن تخلف عنها غرق.(٣١٥)
ورواه أحمد بن عبد الله الطبري في ذخائر العقبى عن ابن عباس بلفظ: مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تعلق بها فاز، ومن تخلف عنها غرق. قال: أخرجه الملا في سيرته.(٣١٦)
وروى الطبراني عن عطية، عن أبي سعيد الخدري: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يقول: إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له.(٣١٧)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٣) المستدرك، الحاكم النيسابوري: ٢/ ٣٤٣، مناقب أهل البيت (عليهم السلام)، المولى حيدر الشيرواني: ١٧٥ - ١٧٦.
(٣١٤) المعجم الصغير، الطبراني: ١/ ١٣٩ - ١٤٠، المعجم الأوسط، الطبراني: ٤/ ١٠ و٥/ ٣٥٤ - ٣٥٥، المعجم الكبير، الطبراني: ٣/ ٤٥ - ٤٦ ح٢٦٣٦و ٢٦٣٧، مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩/ ١٦٨، المعارف، ابن قتيبة: ٢٥٢.
(٣١٥) المعجم الكبير، الطبراني: ٣/ ٤٦ ح٢٦٣٨، مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩/ ١٦٨.
(٣١٦) ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري: ٢٠.
(٣١٧) المعجم الصغير، الطبراني: ٢/ ٢٢، المعجم الأوسط، الطبراني: ٦/ ٨٥، مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩/ ١٦٨.

↑صفحة ١٢٣↑

وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): إنما مثلي ومثل أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق.(٣١٨)
وعن البزار: عن عبد الله بن الزبير أن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) قال: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها سلم، ومن تركها غرق.(٣١٩)
قال ابن حجر: وجاء من طرق عديدة يقوي بعضها بعضاً: إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، وفي رواية مسلم: ومن تخلف عنها غرق، وفي رواية: هلك...(٣٢٠)
وفي معنى هذا الحديث يقول الشافعي محمد بن إدريس (ت ٢٠٤):

ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم * * * مذاهبهم في أبحر الغي والجهل
ركبت على اسم الله في سفن النجا * * * وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل
وأمسكت حبل الله وهو ولاؤهم * * * كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل(٣٢١)

معنى الحديث
معنى الحديث واضح وظاهر في أن طريق النجاة منحصر في اتباع أهل البيت (عليهم السلام) والتمسك بهم، فالمقصود من الحديث هو لزوم السير على ضوء تعاليم أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله) والأخذ بما يصدر منهم، كما يسير راكب السفينة بسيرها أينما ذهبت، فمقتضى تشبيههم بسفينة نوح أن النجاة منحصر بهم كما انحصر النجاة بالسفينة، كما أن المتخلف عنهم نهايته الهلاك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٨) تأريخ بغداد، الخطيب البغدادي: ١٢/ ٩٠، رقم: ٦٥٠٧.
(٣١٩) مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩/ ١٦٨.
(٣٢٠) الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي: ١٥٢، (الفصل الأول، في الآيات الواردة فيهم (عليهم السلام)، الآية السابعة).
(٣٢١) رشفة الصادي، الحضرمي: ٢٨.

↑صفحة ١٢٤↑

والغرق كما هو شأن كل من تخلف عن سفينة نوح كانت نتيجته الغرق والهلاك.
وقد جاء الحديث ببيان عربي مبين، فليس فيه غموض، فقوله (صلّى الله عليه وآله): (من تخلف عنهم غرق وهوى) وفي رواية أخرى: (ومن تخلف عنها هلك) فيهما دلالة واضحة على هلاك من تخلف عنهم واتبع طريق غيرهم، يعني من أعرض عنهم، واتبع طريقة غيرهم كان مصيره الهلاك، وهو دخول النار وبئس القرار، كما في لفظ آخر، قال: (من تخلف عنها زُخ به في النار).
وأقول بعد هذا: هل تجد في حديث السفينة قصوراً في الدلالة على لزوم طاعة أهل البيت (عليهم السلام) ووجوب السير على منهاجهم وطريقتهم؟ قال تعالى: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)(٣٢٢) فإنَّ هذا الحديث برهان واضح كلَّ الوضوح يأخذ بعنق كلِّ مسلم، ويلزمه باتباع عليٍّ وأهل بيته (عليهم السلام)، ولا حجة لأحد أن يتخلف عنهم.
قال السيد شرف الدين (رحمه الله تعالى) في كتابه المراجعات(٣٢٣): ومما يأخذ بالأعناق إلى أهل البيت، ويضطر المؤمن إلى الانقطاع في الدين إليهم، قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): ألا إن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق.. وقوله (صلّى الله عليه وآله): النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف (في الدين) فإذا خالفتها قبيلة من العرب (يعني في أحكام الله (عزَّ وجلَّ)) اختلفوا فصاروا حزب إبليس، هذا غاية ما في الوسع من إلزام الأمة باتباعهم، وردعها عن مخالفتهم، وما أظن في لغات البشر كلها أدل من هذا الحديث على ذلك..
وأنت تعلم أنّ المراد بتشبيههم (عليهم السلام) بسفينة نوح، أن من لجأ إليهم في الدين، فأخذ فروعه وأصوله عن أئمتهم الميامين نجا من عذاب النار،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٢) سورة الحج، الآية: ٤٦.
(٣٢٣) المراجعات، السيد شرف الدين العاملي: ٧٥ - ٧٨.

↑صفحة ١٢٥↑

ومن تخلف عنهم كان كمن آوى (يوم الطوفان) إلى جبل ليعصمه من أمر الله، غير أن ذاك غرق في الماء وهذا في الحميم، والعياذ بالله.. وقد حاوله ابن حجر إذ قال بعد أن أورد هذه الأحاديث وغيرها من أمثالها: ووجه تشبيههم بالسفينة أن من أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرّفهم (صلّى الله عليه [وآله] وسلم)، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان.(٣٢٤)
أقول: فيا للأسف حينما يغض السنة الطرف عن هذا الحديث ومدلوله، فيصبح حينئذٍ وجود هذا الحديث وعدمه عندهم سواء، حتى لو اعترف بعض علمائهم بمدلوله تجده في النهاية لا يرتب عليه أيَّ أثر يُذكر.
قال المناوي - وهو من علماء السنة - في شرح هذا الحديث في ذكر أوجه الشبه بين أهل البيت (عليهم السلام) وبين النجوم: (إن مثل أهل بيتي) فاطمة وعليّ وابنيهما وبنيهما أهل العدل والديانة (فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك) وجه التشبيه أن النجاة ثبتت لأهل السفينة من قوم نوح فأثبت المصطفى (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) لأمته بالتمسك بأهل بيته النجاة، وجعلهم وصلة إليها، ومحصوله الحث على التعلق بحبهم وحبلهم، وإعظامهم شكراً لنعمة مشرفهم، والأخذ بهدي علمائهم، فمن أخذ بذلك نجا من ظلمات المخالفة، وأدّى شكر النعمة المترادفة، ومن تخلّف عنه غرق في بحار الكفران، وتيار الطغيان، فاستحق النيران لما أن بغضهم يوجب النار، كما جاء في عدة أخبار، كيف وهم أبناء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى الذين احتج الله بهم على عباده، وهم فروع الشجرة المباركة، وبقايا الصفوة الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم، وبرأهم من الآفات، وافترض مودتهم في كثير من الآيات، وهم العروة الوثقى، ومعدن التقى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٤) الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي: ١٥٣ (الآية السابعة) الباب ١١، الفصل ١.

↑صفحة ١٢٦↑

واعلم أن المراد بأهل بيته في هذا المقام العلماء منهم، إذ لا يحث على التمسك بغيرهم، وهم الذين لا يفارقون الكتاب والسنة حتى يردوا معه على الحوض.(٣٢٥)
خلاصة الكلام في حديث السفينة
أقول: وبعد الذي أوردناه من ثبوت هذا الحديث عند السنة، ووضوح معناه ودلالته على إمامة أهل البيت (عليهم السلام)، فلا يبقى حينئذ أي عذر لأحد في التخلف عن أهل البيت (عليهم السلام) بعدما قامت الحجة عليهم بهذا الحديث وأمثاله ببيان عربي مبين لا يقبل الشك أو التأويل، أو صرفه عن العترة إلى غيرهم.. ممن ادعوا إمامتهم، واتبعوهم.
ولأهمية هذا البحث لا بأس أن نورد هنا ما جاء في كتاب خلاصة عبقات الأنوار للمحقق الحجة السيد حامد حسين في كلامه في (دلالة حديث السفينة على إمامة أهل البيت (عليهم السلام)) وذلك لأهميته ببيان بديع، قال: ويدل حديث السفينة على إمامة أهل البيت (عليهم السلام) من وجوه:
الأول: وجوب اتباعهم
إن هذا الحديث يدل على وجوب اتباع أهل البيت (عليهم السلام) على الإطلاق، ولا يجب اتباع أحد كذلك - بعد الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله) - إلا الإمام كما دريت فيما سبق في وجوه دلالة حديث الثقلين على المطلوب.
ويشهد لدلالته على وجوب اتباعهم مطلقاً كلمات عدة من علماء أهل السنة منهم العجيلي الشافعي، وقد تقدم ذكر بعض تلك الكلمات.
الثاني: اتباعهم يوجب النجاة
إن هذا الحديث يدل على أن اتباع أهل البيت (عليهم السلام) يوجب النجاة والخلاص، ومن المعلوم أن كونهم كذلك دليل العصمة، وهي تستلزم الإمامة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٥) فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي: ٢/ ٦٥٨ - ٦٥٩ ح٢٤٤٢.

↑صفحة ١٢٧↑

والخلافة.
وقد نص على دلالة الحديث على ذلك جماعة في بيان وجه تشبيههم بالسفينة: قال الواحدي: أنظر كيف دعا الخلق إلى التسبب إلى ولائهم، والسير تحت لوائهم، بضرب مثلهم بسفينة نوح (عليه السلام)، جعل ما في الآخرة من مخاوف الأخطار وأهوال النار كالبحر الذي لج براكبه، فيورده مشارع المنية، ويفيض عليه سجال البلية، وجعل أهل بيته عليه وعليهم السلام مسبب الخلاص من مخاوفه والنجاة من متألفه، وكما لا يعبر البحر الهياج عند تلاطم الأمواج إلا بالسفينة، كذلك لا يأمن نفخ الجحيم ولا يفوز بدار النعيم إلا من تولى أهل بيت الرسول صلوات الله عليه وعليهم، وتخلى لهم ودّه ونصيحته، وأكد من موالاتهم عقيدته، فإن الذين تخلفوا عن تلك السفينة آلوا شر مآل، وخرجوا من الدنيا إلى أنكال، وجحيم ذات أغلال، وكما ضرب مثلهم بسفينة نوح قرنهم بكتاب الله تعالى فجعلهم ثاني الكتاب وشفع التنزيل...(٣٢٦).
الثالث: دلالته على أفضليتهم
إن هذا الحديث يدل على أفضلية أهل البيت (عليهم السلام) من سائر الناس مطلقاً، إذ لو كان أحد أفضل منهم - أو في مرتبتهم من الفضل - لأمر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) بالاقتداء به دونهم، وإلا لزم أن يكون قد غش أمته، وحاشا لله من ذلك... وقد صرح بدلالة الحديث على ذلك جماعة من أعيان علماء السنة كما تقدم.
الرابع: دلالته على وجوب محبتهم
إن هذا الحديث يدل على وجوب محبة أهل البيت (عليهم السلام) على الإطلاق، ووجوبها كذلك دليل على وجوب عصمتهم وأفضليتهم والانقياد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٦) راجع: فرائد السمطين، الجويني: ٢/ ٢٤٣ باب ٤٧، ح٥١٧.

↑صفحة ١٢٨↑

لهم.. وكل ذلك يستلزم الإمامة.
الخامس: دلالته على عصمتهم
إن هذا الحديث يدل على أن محبة أهل البيت (عليهم السلام) توجب النجاة، وهذا المعنى يستلزم عصمتهم، إذ لو كان منهم ما يوجب سخط الباري تعالى لما جازت محبتهم ومتابعتهم فضلاً عن وجوبها وكونها سبباً للنجاة وهذا واضح، وإذا ثبت عصمتهم (عليهم السلام) لم يبق ريب في إمامتهم..
السادس: من تخلف عنهم ضل
إن هذا الحديث يدل على هلاك وضلال المتخلفين عن أهل البيت (عليهم السلام)، وتخلف الخلفاء عنهم من الوضوح بمكان كما أثبته علماؤنا الأعيان في كتب هذا الشأن، فبطل بهذا خلافتهم عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وثبتت خلافة سيدنا أمير المؤمنين (عليه السلام).
السابع: هم الميزان لمعرفة المؤمن والكافر
إن هذا الحديث يدل على أن من اتبعهم كان من المفلحين الناجين، ومن خالفهم وتركهم كان من الكافرين الخاسرين، فبهم وباتباعهم يعرف المؤمن من الكافر، وهذا المعنى أيضاً يقتضي الإمامة والرئاسة العامة، لأنه من شؤون العصمة المستلزمة للإمامة.(٣٢٧)
دلالة الحديث على وجود إمام في كل عصر
وهذا المعنى نفهمه من الحديث بعدما ثبت الأمر بركوب هذه السفينة للأمن من الغرق، فلابد من وجود هذه السفينة في كل وقت مادام خطر الغرق موجود، فإذن لا يخلو كل زمان منها، فوجب ركوبها للأمن من الغرق، فهي أمان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٧) خلاصة عبقات الأنوار، السيد حامد النقوي: ٤/ ٢٠٩ - ٢١٠.

↑صفحة ١٢٩↑

لهم ما تمسكوا بها، وركبوا فيها، ولا يتم كل ذلك إلا بوجود رجل يقود هذه السفينة من أهل البيت (عليهم السلام) في كل زمان، وليس هو إلا الإمام الذي افترض الله على الناس طاعته، وبهذا نعلم بالضرورة عدم خلو الزمان منه أبداً.
جاء في خلاصة العبقات: (دلالته على لزوم الإمام في كل عصر): إن هذا الحديث يدل على لزوم وجود إمام معصوم من أهل البيت (عليهم السلام) في كل زمان إلى يوم القيامة، ليتسنى للأمة في جميع الأدوار ركوب تلك السفينة والنجاة بها من الهلاك، فهو إذاً يدل على صحة مذهب أهل الحق وبطلان المذاهب الأخرى كما لا يخفى.(٣٢٨)
٥ - حديث (من مات وليس له إمام..)
هذا الحديث رواه الفريقان، مما يدل على تسالمهم على ضرورة وجود إمام في كل زمان، فنحن الإمامية تنعقد عندنا الإمامة بالنص الشرعي، وأما السنة تنعقد عندهم بغير ذلك مما ذكروه في كتبهم.. فمن الروايات في هذا الباب، ما يلي:
روى ابن حبان في صحيحه: عن أبي صالح، عن معاوية قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية.(٣٢٩)
ومثله أيضاً في مسند أحمد بن حنبل.(٣٣٠)
وفي صحيح مسلم: عن ابن عمر في حديث له عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يقول: من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.(٣٣١)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٨) خلاصة عبقات الأنوار، السيد حامد النقوي: ٤/ ٢١٠.
(٣٢٩) صحيح ابن حبان: ١٠/ ٤٣٤.
(٣٣٠) مسند أحمد بن حنبل: ٤/ ٩٦، مجمع الزوائد، الهيثمي: ٥/ ٢١٨.
(٣٣١) صحيح مسلم: ٦/ ٢١ - ٢٢، السنن الكبرى، البيهقي: ٨ / ١٥٦ - ١٥٧، المحلى، ابن حزم: ١/ ٤٥ - ٤٦، مسألة ٨٧، المجموع، محيي الدين النووي: ١٩/ ١٩٠.

↑صفحة ١٣٠↑

إلى غير ذلك مما ورد عندهم من ألفاظ هذا الحديث..
أقول: ذهبت السنة إلى وجوب بيعة الحاكم وطاعته بمفاد هذا الحديث، وأن كلّ من تخلف عن بيعته مات ميتة جاهلية.
قال ابن حزم: لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين ليس في عنقه لإمام بيعة لما رويناه من طريق مسلم..(٣٣٢).
وقال القرطبي في شرح مسلم: البيعة مأخوذة من البيع، وذلك أن المبايع للإمام يلزمه أن يقيه بنفسه وماله، فكأنه بذل نفسه وماله لله تعالى، وقد وعد الله تعالى على ذلك بالجنة، فكأنه حصلت معاوضة.
ثم هي واجبة على كل مسلم لقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، غير أنه من كان من أهل الحل والعقد والشهرة فبيعته بالقول والمباشرة باليد إن كان حاضراً، وبالقول والاشهاد عليه إن كان غائباً، ويكفي من لا يؤبه له ولا يعرف أن يعتقد دخوله تحت طاعة الإمام ويسمع ويطيع له في السر والجهر، ولا يعتقد خلافاً لذلك، فإن أضمره فمات مات ميتة جاهلية، لأنه لم يجعل في عنقه بيعة، انتهى.(٣٣٣)
ونضيف القول هنا: إذا كان السنة يعطون الشرعية لكل من تسلم مقاليد الناس بأيّ وجه كان! فيوجبون له البيعة والطاعة كما كانتا للنبي (صلّى الله عليه وآله)، بحكم هذا الحديث، لكنا لا نراهم في الوقت نفسه يلتزمون بمفاد هذا الحديث في جميع الموارد؟ فإن في تأريخ صدر الإسلام من لم يعمل بهذه القاعدة، فهل يطبقون عليه ما يوجبه هذا الحديث أم لا؟!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٢) المحلى، ابن حزم: ٩/ ٣٥٩، مسألة: ١٧٦٨.
(٣٣٣) مواهب الجليل، الحطاب الرعيني: ٨/ ٣٦٧.

↑صفحة ١٣١↑

فعلى سبيل المثال، هناك جملة من الصحابة لم يبايعوا أمير المؤمنين (عليه السلام) كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وغيرهما ولم يحضروا معه في حروبه، وكذلك مثل طلحة والزبير اللذين نكثا بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) وخرجا يقاتلانه! ويؤلّبان الناس على حربه؟ فلم يكن لهما حينئذ إمامٌ، ولا بيعة لأحد! حتى قتلا بلا إمام، فلم نجدهم يلتزمون بتطبيق مفاد هذا الحديث عليهم!!
فكيف ساغ لهؤلاء وأمثالهم أن يتخلّفوا عن بيعة الخليفة الشرعي الذي تجب عليهم بيعته وطاعته، فلم ينقادوا إليه، ولم يحضروا معه في حروبه، بل نكثا بيعته وخرجا عليه؟ مع أن الحديث قد أصحر بأن من مات بغير إمام، أو خلع طاعة مات ميتة جاهلية!
هذا وقد ثبت أيضاً تأريخيًّا أن هناك جملة من علماء السنة لم تكن في أعناقهم بيعة لحكام عصرهم(٣٣٤)، وهذا ما يدل على أن البيعة ليست لكل من تسنم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٤) وذلك أمثال أبي حنيفة الذي ساند حركة زيد بن علي (عليه السلام)، وغيره من علماء السنة ممن عرف عنهم عدم تأييد الحاكم وبيعته، ومنهم أيضاً ابن تيمية الذي أودعه حاكم عصره السجن بسبب عقائده التي خالف فيها المسلمين! فنقموا عليه حتى مات في قلعة دمشق سنة ٧٢٦.
يقول السيد حسن بن علي السقاف في كتابه (تهنئة الصديق المحبوب: ص٥٠) في معرض كلامه عن ابن تيمية: وينبغي أن نعرف جيداً بأن الذي وضع ابن تيمية في السجن حتى مات فيه هم أئمة الهدى والحق من علماء أهل السنة والجماعة، وأسماؤهم مدونة في كتب التاريخ والتراجم فليراجعها من شاء!!
وراجع أيضاً في الأسباب التي من أجلها حبس ابن تيمية: البداية والنهاية، ابن كثير: ١٤/ ٤٧، وكتاب التشيع والوسطية الإسلامية، لأكرم عبد الكريم ذياب: ٦٢ - ٦٥.
أقول: وحسبك في هذا الصدد أن ترجع إلى كتاب (الإسلام بين العلماء والحكام) للشيخ عبد العزيز البدري البغدادي، ط المكتبة العلمية في المدينة المنورة، فقد سرد فيه جملة من محن علماء السنة مع حكام عصرهم، منها: محنة سعيد بن المسيب، ومحنة سعيد بن جبير، ومحنة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) مع المنصور الدوانيقي، ومحنة أبي حنيفة النعمان، ومحنة مالك بن أنس، ومحنة أحمد بن حنبل، ومحنة محمد الشافعي، ومحنة البخاري ومحنة العز بن عبد السلام، وكذلك ابن تيمية.. الخ ولو كان هؤلاء يدينون لحكام عصرهم بالطاعة والبيعة لما خالفوهم، فسجن من سجن، وعذب من عذب منهم حتى مات بعضهم في السجن!.

↑صفحة ١٣٢↑

الخلافة أيًّا كان! فإن هؤلاء لم يرضوا لأنفسهم أن تكون عليهم بيعة لكل من حكم واستولى!
كما أن الحديث لا يسوغ لأحد أن يخرج من هذه القاعدة، فهو عام يشمل جميع الناس ولا يستثني أحداً، كما أنه لا يسوغ القول عمن تخلف عن الإمام الشرعي أو خرج عليه أنه اجتهد فأخطأ؟! فإن الحديث نص ظاهر فيما قدمناه، لا يقبل التأويل! ولا الاجتهاد في قباله!
ونشير هنا إلى أمر مهم لا ينكره السنة فنقول: إذا أصّر السنة على القول بوجوب بيعة وطاعة سائر من تولى من الناس! وإن كان فاسقاً كيزيد بن معاوية! فماذا يقولون إذن في سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي لم يبايعه، ولم تكن له بيعة قط لأحد من الناس، والكل يعلم ذلك! فهل يرضى القوم بأن ينسبوا لسيد شباب أهل الجنة، وريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما ينسبونه لسائر الناس بما يفرضه هذا الحديث من الحكم المذكور؟! أو يعترفوا بأن الإمام الشرعي الذي تجب طاعته آنذاك هو سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين (عليه السلام) الذي أوجب الله تعالى على الناس محبته وولايته!. فلا يجوز أن يكون عليه إماماً أو غيره، وأن يزيد هو الذي يجب عليه أن ينقاد إليه، وكذلك سائر الأمة!
كما أن هناك أيضاً سؤال يفرض نفسه، وهو وجود عدة حكام في زمن واحد، كما هو الحاصل في هذا الزمان، ومن قبل أيضاً فقد شهد التأريخ، أكثر من خليفة في زمن واحد(٣٣٥) كما في زمن عبد الملك بن مروان الذي كان خليفة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٥) جاء في كتاب المحلى لابن حزم: ٩/ ٣٦٠: مسألة: (١٧٧١) قال: ولا يحل أن يكون في الدنيا إلا إمام واحد، والأمر للأول بيعة، لما روينا من طريق مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاصي يقول: (أنه سمع رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يقول في حديث طويل: ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر).. الخ.

↑صفحة ١٣٣↑

الشام، وكان عبد الله بن الزبير خليفة الحجاز، وكان أيضاً المأمون العباسي في فترة خليفة على خراسان، بينما كان أخوه الأمين خليفة على بغداد، فمن هو إمام المسلمين منهما الذي تجب بيعته وطاعته على الناس دون غيره، ونحن نعلم أن إمام المسلمين كافة لا يكون إلا واحداً، وترجيح بعضهم على بعض يحتاج إلى الدليل الشرعي، كما أنه لا يمكن القول أيضاً بلزوم طاعتهم جميعاً، وقد وقع ما وقع بينهم من خلاف وقتال؟!
يقول العلامة الأميني (قدس سره) بعد نقل هذه الأحاديث عن صحاح أهل السنة ومسانيدهم: هذه حقيقة راهنة أثبتتها الصحاح والمسانيد، فلا ندحة عن البخوع لمفادها، ولا يتم إسلام مسلم إلا بالنزول لمؤداها، ولم يختلف في ذلك اثنان، ولا أن أحداً خالجه في ذلك شك، وهذا التعبير ينم عن سوء عاقبة من يموت بلا إمام، وأنه في منأى عن أي نجاح وفلاح، فإن ميتة الجاهلية إنما هي شر ميتة، ميتة كفر وإلحاد!
لكن هنا دقيقة لا بد من البحث عنها! وهي أن الصدّيقة الطاهرة المطهرة بنص الكتاب الكريم التي يغضب الله ورسوله لغضبها، ويرضيان لرضاها، ويؤذيهما ما يؤذيها، قضت نحبها وليس في عنقها بيعة لمن زعموا أنه خليفة الوقت! ومثلها بعلها (عليه السلام) طيلة ستة أشهر..! كما جاء في الصحيحين وفيهما: كان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس.(٣٣٦)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٦) صحيح البخاري: ٥/ ٨٣، صحيح مسلم: ٥/ ١٥٤.

↑صفحة ١٣٤↑

قال القرطبي في المفهم: كان الناس يحترمون علياً في حياتها كرامة لها، لأنها بضعة من رسول الله وهو مباشر لها، فلما ماتت وهو لم يبايع أبا بكر انصرف الناس عن ذلك الاحترام ليدخل فيما دخل فيه الناس، ولا يفرق جماعتهم.
فالحقيقة هاهنا مرددة بين أن الصدّيقة سلام الله عليها عزبت عنها ضرورية من ضروريات دين أبيها، وهي أولاها وأعظمها، وقد حفظته الأمة جمعاء حضريها وبدويها، وماتت - والعياذ بالله - على غير سنة أبيها، وبين أن لا يكون للحديث مقيل من الصحة! وقد رواه الحفظة الأثبات من الفريقين، وتلقته الأمة بالقبول، وبين إنها سلام الله عليها لم تك تعترف للمتقمص بالخلافة، ولا توافقه على ما يدعيه، ولم تكن تراه أهلاً لذلك، وكذلك الحال في مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهل يسع لمسلم أن يختار الشق الأول! ويرتئي لبضعة النبوة ولزوجها نفس النبي الأمين ووصيه على التعيين ما يأباه العقل والمنطق ويبرأ منه الله ورسوله؟! لا، ليس لأحد أن يقول ذلك!.
وأما الشق الثاني، فلا أظن جاهلاً يسف إلى مثله بعد استكمال شرايط الصحة والقبول، وإصفاق أئمة الحديث، ومهرة الكلام على الخضوع لمفاده، وإطباق الأمم الإسلامية على مؤداه، فلم يبق إلا الشق الثالث، فخلافة لم تعترف لها الصدّيقة الطاهرة! وماتت وهي واجدة عليها وعلى صاحبها،! ويجوِّز مولانا أمير المؤمنين التأخّر عنها ولو آناً ما، ولم يأمر حليلته بالمبادرة إلى البيعة، ولا بايع هو، وهو يعلم أن من مات ولم يعرف إمام زمانه، وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، فخلافة هذا شأنها حقيقة بالإعراض عنها، والنكوص عن البخوع لصاحبها!!.(٣٣٧)
وهناك أمر آخر أيضاً نود قوله هنا بمناسبة هذا الحديث، وهو ماذا يقولون أيضاً؟ فيمن مات في فترة ما قبل تعيين الخليفة اللاحق بعد موت الخليفة السابق، كالفترة التي حصلت أيام الشورى بعد مقتل عثمان بن عفان وغيرها..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٧) الغدير، الشيخ الأميني: ١٠/ ٣٦٠ - ٣٦٢.

↑صفحة ١٣٥↑

وهذا يلزم على رأيهم أن من مات في خلال هذه الفترة أنه مات بغير إمام فموتته جاهلية؟! فما ذنبه يموت ميتتة جاهلية إذا لم يتعين له الإمام بعد؟.
أما على مذهب الإمامية، فكل هذه الإيرادات لا ترد، فإن الإمامة لا تنقطع أبداً بموت الإمام السابق، ولا للحظة من الزمن، فإن الإمام اللاحق يقوم من بعده مباشرة كما ثبت في إمامة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، وكما جاء في الحديث الذي أخرجه الجويني بإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) في حديث له: ومثل الأئمة من ولدك بعدي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجى، ومن تخلف عنها غرق، ومثلكم مثل النجوم كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة.(٣٣٨)
وخلاصة الكلام أن هذا الحديث لا ينطبق إلا على مذهب الشيعة الإمامية، والتي تقول بعدم خلو الزمان من وجود إمام معصوم، فهو الذي يجب على الناس معرفته وطاعته، وهو الذي تستلزم جهالته الميتة الجاهلية، لا كل من جاء من سوقة الناس، ثم حكمهم فيكون حاله حال الأنبياء في وجوب الطاعة والبيعة والمعرفة، فلا يمكن أن يترك الله تعالى الناس هملاً بلا إمام يرعاهم، وينظم أمورهم..

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم * * * ولا سراة إذا جهالهم سادوا

وللمزيد من الإيضاح سوف نتكلم هنا في مضمون الحديث ومفاده:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٨) فرائد السمطين، الجويني: ٢/٢٣ ح ٥١٧ باب ٤٦، ينابيع المودة، القندوزي الحنفي: ١/ ٣٩١ح٣، فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، ابن عقدة الكوفي: ٤٣ - ٤٤، وراجع أيضاً ما جاء في نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام):١/ ١٩٣ - ١٩٤، خطبة رقم: ٩٩.

↑صفحة ١٣٦↑

أولاً: قوله: (من مات وليس له إمام):
ليس المراد من كلمة الإمام في الحديث هو الحاكم أو السلطان، وذلك لأن الإمام سمي إماماً لأنه يؤتم به، ويقتدى به في أفعاله وأقواله، وهذا لا يتسنى إلا للإمام المعصوم الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيرا، فهو الذي جعله إماماً للناس ليهتدوا به في الدين، قال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)(٣٣٩) فهؤلاء هم الذين تجب طاعتهم وولايتهم، فهم أحق الناس بالإتباع من غيرهم، وقال تعالى: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).(٣٤٠)
فالإمام التي تجب طاعته في جميع الأحوال، هو الإمام المعصوم المنقاد لأمر الله تعالى في جميع الأمور، المهتدي الهادي لغيره، وإلا استلزم إغراء الناس به، والوقوع في الضلالة والجهالة، وحاشا لله تعالى أن يوجب طاعة مخلوق غير معصوم طاعة مطلقة مع ما يصدر منه من الذنب والعصيان والخطأ، فالإمام المعصوم هو وحده الذي لا يمكن يستزل أو يخدع، أو يحيف في حكمه!.(٣٤١)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٩) سورة الأنبياء، الآية: ٧٣.
(٣٤٠) سورة يونس، الآية: ٣٥.
(٣٤١) دخل ابن شهاب على الوليد - أو سليمان - فقال له: يا بن شهاب، ما حديث يرويه أهل الشام؟ قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: إنهم يروون أن الله تعالى إذا استرعى عبداً رعية كتب له الحسنات، ولم يكتب عليه السيئات، فقال: كذبوا يا أمير المؤمنين، أيما أقرب إلى الله، نبي أم خليفة! قال: بل نبي، قال: فإنه تعالى يقول لنبيه داود: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) (سورة ص، الآية: ٢٦) فقال سليمان: إن الناس ليغروننا عن ديننا.
(شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ١٧/ ٦١)
وفي محاضرات الأدباء: ١٧٢: كان عبد الملك بن مروان يسمى حمامة المسجد للزومه المسجد الحرام، فلما أتاه الخبر بخلافته كان المصحف في حجره فوضعه وقال: هذا فراق بيني وبينك! وقال: إني كنت أتحرج أن أطأ نملة، وإن الحجاج يكتب إليَّ في قتل فئام من الناس فما أحفل بذلك!
وقال له الزهري يوما: بلغني أنك شربت الطلاء! فقال: أي والله والدماء! وقال: عجباً للسلطان كيف يحسن؟! وإذا أساء وجد من يزكيه ويمدحه)!
وعن ابن عائشة قال: أفضي الأمر إلى عبد الملك والمصحف في حجره يقرأ فأطبقه - وقال: هذا آخر العهد بك.
(تاريخ بغداد، الخطيب: ١٠/ ٣٨٩، تأريخ دمشق: ٣٧/ ١٢٧، سير أعلام النبلاء: ٤/ ٢٤٨). إلى غير ذلك من أخبارهم في التأريخ وهي كثيرة.

↑صفحة ١٣٧↑

ومن هنا نقول أيضاً إذا ثبت وجوب معرفة الإمام إذن لا تخلو الأرض من إمام مؤيد من الله تعالى مادام قد أوجب عليهم معرفته وطاعته، وليس هو إلا الذي اصطفاه عليهم جميعاً، واسترعاه أمرهم، فالإمام هو الذي يقود الناس ويسير بهم إلى طاعة الله تعالى ورضوانه، وهذا الأمر لا يتسنى لكل من تسنم منصب الخلافة، وحكم في رقاب الناس.
يقول السيد الطباطبائي في الميزان في هذه المسألة: وبالجملة فالإمام يجب أن يكون إنساناً ذا يقين، مكشوفاً له عالم الملكوت - متحققاً بكلمات من الله سبحانه.. قال تعالى: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)(٣٤٢) وسيجيء تفسيره بالإمام الحق دون كتاب الأعمال، على ما يظن من ظاهرها، فالإمام هو الذي يسوق الناس إلى الله سبحانه يوم تبلى السرائر، كما أنه يسوقهم إليه في ظاهر هذه الحياة الدنيا وباطنها، والآية مع ذلك تفيد أن الإمام لا يخلو عنه زمان من الأزمنة، وعصر من الأعصار، لمكان قوله تعالى: (كُلَّ أُنَاسٍ) على ما سيجيء في تفسير الآية من تقريبه.
ثم إن هذا المعنى أعني الإمامة، على شرافته وعظمته، لا يقوم إلا بمن كان سعيد الذات بنفسه، إذ الذي ربما تلبّس ذاته بالظلم والشقاء، فإنما سعادته بهداية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤٢) سورة الإسراء، الآية: ٧١.

↑صفحة ١٣٨↑

من غيره، وقد قال الله تعالى: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى)(٣٤٣) وقد قوبل في الآية بين الهادي إلى الحق وبين غير المهتدي إلا بغيره، أعني المهتدي بغيره، وهذه المقابلة تقتضي أن يكون الهادي إلى الحق مهتدياً بنفسه، أن المهتدي بغيره لا يكون هادياً إلى الحق البتة.
ويستنتج من هنا أمران: أحدهما: أن الإمام يجب أن يكون معصوماً عن الضلال والمعصية، وإلا كان غير مهتد بنفسه، كما مر، كما يدل عليه أيضاً قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)(٣٤٤) فأفعال الإمام خيرات يهتدى إليها لا بهداية من غيره، بل باهتداء من نفسه بتأييد إلهي، وتسديد رباني، والدليل عليه قوله تعالى: (فِعْلَ الخَيْرَاتِ) بناء على أن المصدر المضاف يدل على الوقوع، ففرق بين مثل قولنا: (وأوحينا إليهم أن افعلوا الخيرات) فلا يدل على التحقق والوقوع، بخلاف قوله: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ) فهو يدل على أن ما فعلوه من الخيرات إنما هو بوحي باطني، وتأييد سماوي.
الثاني: عكس الأمر الأول، وهو أن من ليس بمعصوم فلا يكون إماماً هادياً إلى الحق البتة..(٣٤٥).
فنخلص من هذا كله أن قوله: (من مات وليس له إمام) يعني بالإمام الإمام المعصوم، المؤيد من الله تعالى، المنصوص عليه في الشرع.
ثانياً: قوله: (مات ميتة جاهلية)
يعني يموت على غير دين الإسلام، وهي ميتة أهل الشرك والضلالة، فيكون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤٣) سورة يونس، الآية: ٣٥.
(٣٤٤) سورة الأنبياء، الآية: ٧٣.
(٣٤٥) تفسير الميزان، السيد الطباطبائي: ١/ ٢٧٣ - ٢٧٤.

↑صفحة ١٣٩↑

حاله حال من أنكر نبوة الأنبياء والرسل، ونعلم بالضرورة أن هذا الحكم لا ينسحب على من لم يبايع الحاكم، ولم يدخل في طاعته، فحاشا لله تعالى أن يجعل هذا المنصب العظيم الذي جعله لأنبيائه وأوليائه الذين أمر الناس كافة بطاعتهم وولايتهم، وهم المعصومون المطهرون، فيمنحه لسائر الحكام والسلاطين الذين اختارهم الناس وولوهم، فيعطيهم نفس هذا الحكم من الطاعة والبيعة! فيموت من لم يبايعهم موتة جاهلية، كما أن الحكام والسلاطين أنفسهم أيضاً يحتاجون إلى إمام يقتدون به، ليسير بهم على ضوء كتاب الله وسنة رسوله (صلّى الله عليه وآله) لا يحيد عن الحق أبداً، وهو الإمام المعصوم، فهو المهتدي المطلق الذي لا يحتاج إلى هداية أحد من الناس، فهو غني عنهم بما حباه الله تعالى من الهداية والمعرفة.
ففي عقيدة الشيعة الإمامية أن (الحديث) لا يصح إلا في حقّ من اختاره الله تعالى وسدّده، واسترعاه أمر الأمة، وهو الإمام الذي نصّبه النبي (صلّى الله عليه وآله) إماماً على الأمة، وهو أمير المؤمنين والأئمة من بعده، فهم الذين تستلزم جهالتهم الميتة على الجاهلية(٣٤٦)، لا كلّ من حكم رقاب الناس، وتسلط

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤٦) كما ورد هذا التعبير أيضاً في من أبغض أمير المؤمنين (عليه السلام) أن ميتته ميتة جاهلية، فقد روى الطبراني بإسناده عن ابن عباس أن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) قال لعلي (عليه السلام):.. ألا من أحبك حفّ بالأمن والإيمان، ومن أبغضك أماته الله ميتة الجاهلية، وحوسب بعمله في الإسلام.
راجع: المعجم الكبير، الطبراني:١١/ ٦٣، كنز العمال، المتقي الهندي: ١١/ ٦٠٧ ح٣٢٩٣٥، مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩/ ١١١.
فعلى هذا تكون جهالة الإمام مساوقة لبغضه، وكلاهما نتيجته واحدة، وهو الميتة الجاهلية، وإن كانت الثانية أشد من الأولى.
وجاء أيضاً في كتاب الخصال للشيخ الصدوق عليه الرحمة: ٢١٩ أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لخالد بن يزيد - وكان من المنحرفين عنه -:وأما أنت يا خالد بن يزيد! فإن كنت سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، ثم لم تشهد لي اليوم بالولاية فلا أماتك الله إلا ميتة جاهلية.. الخ.

↑صفحة ١٤٠↑

عليهم حتى لو كان فاسقاً، شارباً للخمر، قاتلاً للنفس المحترمة، فحاشا أن يكون أمره أمر الله تعالى، ونهيه نهي الله تعالى!!.
وهذا ما يدل على أن الإمامة من الأصول وليست من الفروع، فإن ترك شيء من الفروع اجتهاداً وليس عن عمد لا يوجب الموت على الميتة الجاهلية، وكما قلنا: حاشا لله تعالى أن يجعل بيعة الحاكم أصلاً من أصول الدين، وأن من تخلف عنها مات ميتة جاهلية! لأن ذلك لا يكون إلا لمن ولاه على الأمة ونص عليه، وإذا زعموا أنها ليست من الأصول بل هي من الفروع، فنقول: إن التخلف عنها لا يستوجب الموت على غير الإسلام.
يقول الشهيد نور الله التستري: فلا ريب في أن الإمامة إنما هي من الأصول، ولهذا يذكر في الكتب المصنفة فيه، فكيف يمكن إثباتها بالقياس الفقهي الذي لا يكون إلا في الفروع؟.
وأما ما ذكره صاحب المواقف من أن مسألة الإمامة ليست من الأصول، ومجمج فيه العلامة الدواني بأنه بالفروع أشبه! فمعارض بما ذكره القاضي البيضاوي في مبحث الأخبار من كتاب المنهاج، وجمعٌ من شارحي كلامه، أن الإمامة من أعظم مسائل أصول الدين التي مخالفتها توجب الكفر والبدعة، وبما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين وغيره في غيره من أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال: من مات ولم يعرف إمام زمانه فقد مات ميتة جاهلية، فإنه صريح في أن الإمامة من الأصول ضرورة أن الجاهل بشيء من الفروع وإن كان واجباً لا يكون ميتته ميتة جاهلية، ولا يقدح ذلك في إسلامه..
وأيضاً قد صرحوا بأن الإمامة صنو مرتبة النبوة، وأن حقوق النبوة من حماية بيضة الإسلام، وحفظ الشرع، ونصب الألوية والأعلام في جهاد الكفار والبغاة، والانتصاف للمظلوم، وإنفاذ المعروف، وإزالة المنكر إلى غير ذلك من

↑صفحة ١٤١↑

توابع منصب النبوة ثابتة للإمامة لأنها خلافة ونيابة عنها.
وبالجملة لو لم تكن مسألة الإمامة مثل مسألة النبوة في كونها من أصول الدين، وكان يكفي فيها كما في سائر الفروع ظن المجتهدين أو تقليدهم للزم أن لا يجوز تخطئة المجتهد الذي ظن أن أبا بكر ليس بإمام، وكذا تخطئة المقلد! والحال أنهم إذا سمعوا من يقول: إني أعتقد أن أمير المؤمنين (عليه السلام) خليفة للنبي (صلّى الله عليه وآله) بغير فصل بسبب الظن الذي قادني إليه أو بواسطة تقليد المجتهد الفلاني يخطئونه بل يكفرونه..!!.(٣٤٧)
وأضيف القول هنا أيضاً: إنما أصبحت جهالة هذا الإمام تقتضي الميتة على الجاهلية إنما هي من أجل كونه خليفة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)، الهادي للأمة في دينها، والمبين لهم أحكام الله تعالى وسنة نبيه (صلّى الله عليه وآله)، فإذا جهله أحد من الناس، فكأنما جهل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فتحبط جميع أعماله، ولا ينفعه عمله، وحاله حال من مات في الجاهلية، فالنتيجة كما أن جهالة النبي تستلزم الموت على الجاهلية، فكذلك جهالة الإمام لأنهما من واد واحد، ومن هنا جاء في الدعاء عندنا: كما في الدعاء في غيبة القائم من آل محمد عليه وعليهم السلام: اللهم! عرفني حجتك، فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني، اللهم! لا تمتني ميتة جاهلية..(٣٤٨).
يؤيد أيضاً ما قدمناه أمور، منها:
١ - حديث الثقلين: (ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي)
٢ - وكذلك حديث السفينة إذ جاء فيه (ومن تخلف عنهم غرق وهوى)
٣ - قوله: (وإذا خالفتهم قبيلة كانوا حزب إبليس).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤٧) الصوارم المهرقة، نور الله التستري: ٢٦٤.
(٣٤٨) مصباح المتهجد، الشيخ الطوسي: ٤١٢.

↑صفحة ١٤٢↑

فكلمة (لن تضلوا) وكلمة (غرق وهوى) وكلمة (مات ميتة جاهلية) (وحزب إبليس) واردة كلها في معنى واحد، وهو: أن جهالة أهل البيت (عليهم السلام) وعدم الاهتداء بهديهم مما يوجب الوقوع في الضلالة والجاهلية، والدخول في زمرة الضالين، وكل هذه المفردات تحذر من مخالفتهم وجهالتهم، وترشد إلى لزوم اتباعهم، فهم الذين من تبعهم نجا، ومن تخلف عنهم غرق وهوى، فعلى هذا لا يتم الإيمان إلا بولايتهم واتباعهم، فهؤلاء هم الذين تستوجب جهالتهم دخول النار، وهذا ما تفرضه مجموع هذه الأحاديث الشريفة.
انطباق الحديث على الإمام المهدي (عليه السلام)
ومن دلالات الحديث أيضاً هو وجود إمام معصوم يهتدى به في كلّ زمان، كما أشرنا إليه آنفاً بالبيان المتقدم، والخلاصة، أن قوله: (من مات بغير إمام) مقتضاه أن الله تعالى أوجد للناس إماماً في كل زمان، وأخذ عليهم معرفته وطاعته، ومن ثم محاسبتهم على جهالتهم له، وليس الإمام في ذلك إلا الذي اصطفاه الله تعالى على البشر كافة، فحاشا لله تعالى أن يوجب اتباع إمامٍ غير معصوم من رعاع الناس ثم يوجب عليهم معرفته وبيعته فإن لم يعرفوه ويبايعوه ماتوا ميتة جاهلية!
فلابد من القول إذن أنه بين الأسماء لهم، وميّز أولياءه وحججه على عباده الذين تجب طاعتهم ومعرفتهم من غيرهم، وإلا لما صح مؤاخذتهم على ذلك! وحاشا لله تعالى أن يوجب طاعة إمام على الأمة ثم لا يميزه لهم، ولا يرشدهم إليه، فلا يجوز أن يكون مغموراً مجهول الحال لا يتسنى لأحد معرفته واتباعه، ولا يميزه لهم ليعرفوه! ومادام الحديث يفرض مؤاخذة كل من جهل الإمام، فلازمه أنه تعالى بين لهم إمامهم من غيره.
ومن الواضح جداً انطباق هذا الحديث على الإمام المهدي المنتظر عليه

↑صفحة ١٤٣↑

السلام في هذا الزمان، وعدم انطباقه على غيره، فإنه الإمام الذي اصطفاه الله تعالى على سائر الناس لنشر العدل في أرجاء المعمورة، كما أن السنة لا يمكن لهم أن ينكروا إمامته في الجملة، فهو الإمام المعصوم الذي يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فلابد من القول بإمامته، ومَنْ جهله مات ميتة جاهلية.
روى الشيخ الصدوق: عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): من أنكر القائم من ولدي في زمان غيبته فمات فقد مات ميتة جاهلية.(٣٤٩)
وعن محمد بن عثمان العمري - قدس الله روحه - يقول: سمعت أبي يقول: سئل أبو محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) وأنا عنده عن الخبر الذي روي عن آبائه (عليهم السلام): أن الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه إلى يوم القيامة، وأن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية؟ فقال (عليه السلام): إن هذا حق كما أن النهار حق، فقيل له: يا ابن رسول الله فمن الحجة والإمام بعدك؟ فقال: ابني محمد، هو الإمام والحجة بعدي، من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية.
أما إن له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقاتون، ثم يخرج فكأني أنظر إلى الأعلام البيض تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة.(٣٥٠)
وعن فضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية، ومن مات وهو عارف لإمامه لم يضره، تقدم هذا الأمر أو تأخر، ومن مات وهو عارف لإمامه، كان كمن هو مع القائم في فسطاطه.(٣٥١)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤٩) كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق: ٤١٢ ح١٢.
(٣٥٠) كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق: ٤٠٩ ح٩.
(٣٥١) الكافي، الشيخ الكليني: ١/ ٣٧٢ ح٥.

↑صفحة ١٤٤↑

وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): من مات وليس له إمام من ولدي، مات ميتة جاهلية، ويؤخذ بما عمل الجاهلية والإسلام.(٣٥٢)
وعن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية، ولا يعذر الناس حتى يعرفوا إمامهم.(٣٥٣)
وروى الشيخ الكليني: عن الحارث بن المغيرة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية؟ قال: نعم، قلت: جاهلية جهلاء أو جاهلية لا يعرف إمامه؟ قال: جاهلية كفر ونفاق وضلال.(٣٥٤)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥٢) عيون أخبار الرضا، الشيخ الصدوق: ١/٦٣ ح٣١٤.
(٣٥٣) كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق: ٤١٢ ح١٠.
(٣٥٤) الكافي، الشيخ الكليني: ١/ ٣٧٧ ح٣.

↑صفحة ١٤٥↑

الأدلة الأخرى على إمامة أهل البيت (عليهم السلام)
قد وردت جملة من الأحاديث الشريفة الدالة على إمامة أهل البيت (عليهم السلام)، ووجوب ولايتهم، والسير على خطاهم في مصادر السنة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، وهي كثيرة جداً، ولم ترد مثل هذه النصوص في حقّ أحد غيرهم، وقد سماهم النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أئمة تارة، وتارة بين أن مكانهم في الأمة مكان الرأس من الجسد، وغير ذلك من الألفاظ الأخرى الدالة على ما قدمناه ببيان عربي مبين لا تقبل التأويل، فمنها ما يلي:
١ - أبو نعيم الأصفهاني عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): من سرّه أن يحيى حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن، غرسها ربي، فليوالِ علياً من بعدي، وليوالِ وليّه، وليقتدِ بالأئمة من بعدي، فإنهم عترتي خلقوا من طينتي، رزقوا فهماً وعلماً، فويلٌ للمكذبين من أمتي، والقاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي.. الخ.(٣٥٥)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥٥) راجع: حلية الأولياء، أبو نعيم الأصفهاني: ١/ ٨٦، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ٩/ ١٧٠، كفاية الطالب، الكنجي الشافعي: ص ٢١٤ نشر دار إحياء تراث أهل البيت (عليهم السلام)، وص ٩٤ ط الغري (الباب السابع والخمسون)، مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩/ ١٠٨، تأريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ٤٢/ ٢٤١، ينابيع المودة، القندوزي الحنفي: ١/ ٣٨٠ ح٢، فرائد السمطين، الجويني: ١ / ٥٣، مناقب أهل البيت (عليهم السلام)، المولى حيدر الشيرواني: ١٧٥ - ١٧٦.

↑صفحة ١٤٦↑

وجاء في رواية أخرى: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): من أحبّ أن يحيى حياتي، ويموت مماتي، ويدخل الجنة التي وعدني ربّي، فليتولى عليَّ بن أبي طالب وذريته أئمة الهدى، ومصابيح الدجى من بعده، فإنهم لن يخرجوكم من باب الهدى إلى باب الضلالة.(٣٥٦)
٢ - أحمد بن عبد الله الطبري: عن عمر أن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) قال: في كلّ خلوف(٣٥٧) من أمتي عدول أهل بيتي، ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ألا وإن أئمتكم وفدكم إلى الله (عزَّ وجلَّ) فانظروا بمن توفدون. أخرجه الملا.(٣٥٨)
وأخرج علي بن محمد بن عبد الله العباسي العلوي بسنده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: في أهل بيتي عدول ينفون عن الدين تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، ألا وأن أئمتكم وفدكم إلى الله تعالى، فانظروا من تقدمون في دينكم وصلاتكم.(٣٥٩)
٣ - روى ابن الصباغ المالكي: عن رافع مولى أبي ذر قال: صعد أبو ذر على عتبة باب الكعبة، وأخذ بحلقة الباب وأسند ظهره إليه، وقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني فأنا أبو ذر، سمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يقول: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥٦) راجع: المناقب، الخوارزمي: ٧٥، ح٥٥، ينابيع المودة، القندوزي الحنفي: ١/ ٣٨٣ ح١٠، الإصابة، ابن حجر العسقلاني الشافعي: ١/ ٥٤١ ط مصطفى محمد، و١ / ٥٥٩ ترجمة: ٢٨٦٥ط السعادة، كنز العمال، المتقي الهندي: ١١/ ٦١٢ ح٣٢٩٦٠.
(٣٥٧) في ينابيع المودة: خلف.
(٣٥٨) ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري: ١٧، ينابيع المودة، القندوزي: ٢/ ١١٣ - ١١٤ح٣١٨.
(٣٥٩) سيرة يحيى بن الحسين: ٣٣.

↑صفحة ١٤٧↑

عنها زج في النار، وسمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يقول: اجعلوا أهل بيتكم منكم مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس، فإن الجسد لا يهتدي إلا بالرأس، ولا يهتدي الرأس إلا بالعينين.(٣٦٠)
٤ - روى ابن أعثم الكوفي: عن ابن عباس، قال: إني حضرت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وقد ضمّ الحسين بن عليّ إلى صدره، وهو يقول: هذا من أطائب أرومتي، وأنوار عترتي، وخيار ذريتي، لا بارك الله فيمن لا يحفظه بعدي!.(٣٦١)
٥ - روى نعيم بن حماد: عن مكحول، عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) قال: قلت: يا رسول الله المهدي منّا أئمة الهدى أم من غيرنا؟ قال: بل منّا، بنا يختم الدين كما بنا فتح، وبنا يستنقذون من ضلالة الفتنة كما استنقذوا من ضلالة الشرك، وبنا يؤلف الله بين قلوبهم في الدين بعد عداوة الفتنة كما ألف الله بين قلوبهم ودينهم بعد عداوة الشرك.(٣٦٢)
٦ - المتقي الهندي: عن أبي الزعراء قال: كان علي بن أبي طالب يقول: إني وأطايب أرومتي، وأبرار عترتي، أحلم الناس صغاراً، وأعلم الناس كباراً، بنا ينفي الله الكذب، وبنا يعقر الله أنياب الذئب الكلب، وبنا يفك الله عنوتكم، وينزع ربق أعناقكم، وبنا يفتح الله ويختم. (عبد الغني بن سعيد في إيضاح الاشكال).(٣٦٣)
قال القندوزي الحنفي: أخرج الحافظ عمرو بن بحر في كتابه: حدثني أبو عبيدة، عن جعفر الصادق، عن آبائه (رضي الله عنهم): إن علياً (كرم الله وجهه) خطب بالمدينة بعد بيعة الناس له، وقال: ألا إن أبرار عترتي، وأطايب أرومتي،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦٠) الفصول المهمة في معرفة الأئمة، ابن الصباغ المالكي: ٨.
(٣٦١) كتاب الفتوح، أحمد بن أعثم الكوفي: ٤/٣٥٠.
(٣٦٢) كتاب الفتن، نعيم بن حماد المروزي: ٢٢٩.
(٣٦٣) كنز العمال، المتقي الهندي: ١٣/ ١٣٠ ح٣٦٤١٣.

↑صفحة ١٤٨↑

أحلم الناس صغارا، وأعلمهم كبارا، ألا وإنا أهل بيت من علم الله علمنا، وبحكم الله حكمنا، ومن قول الصادق سمعنا، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وإن لم تفعلوا يهلككم الله، ومعنا راية الحق، من تبعها لحق، ومن تأخر عنها غرق، ألا وبنا يدرك كلّ مؤمن ثواب عمله، وبنا يخلع ربقة الذل من أعناقكم، وبنا فتح الله، وبنا يختم.(٣٦٤)
وعن ابن أبي الحديد: عن شيخه أبي عثمان، عن أبي عبيدة، عن جعفر بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام)، وساق الحديث مثله، وفيه: ألا وبنا يدرك ترة كلّ مؤمن، وبنا تخلع ربقة الذل عن أعناقكم، وبنا فتح لا بكم، ومنا يختم لا بكم.(٣٦٥)
٧ - نهج البلاغة: ومن كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) لكميل بن زياد: اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إما ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وبيناته، وكم ذا وأين! أولئك والله الأقلون عدداً، والأعظمون عند الله قدراً، يحفظ الله بهم حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم.(٣٦٦)
٨ - نهج البلاغة: ومن خطبة له (عليه السلام) يذكر فيها آل محمد (صلّى الله عليه وآله): هم عيش العلم، وموت الجهل، يخبركم حلمهم عن علمهم، وصمتهم عن حكم منطقهم، لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه، هم دعائم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦٤) ينابيع المودة، القندوزي: ١/٨٠ ح١٩.
(٣٦٥) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ١/ ٢٧٦، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليه السلام)، ابن الدمشقي: ١/٣٤٢ - ٣٤٣.
(٣٦٦) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام): ٤ / ٣٨، رقم: ١٤٧، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ١٨/ ٣٤٧، تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ١٤/ ١٨ و٥٠ / ٢٥٣ و٢٥٥، كنز العمال، المتقي الهندي: ١٠/ ٢٦٣ - ٢٦٤ ح٢٩٣٩١،، تهذيب الكمال، المزي: ٢٤/ ٢٢١، تذكرة الحفاظ، الذهبي: ١ / ١٢، الجوهرة في نسب الإمام علي وآله، البري: ٨٤، المناقب، الموفق الخوارزمي: ٣٦٧.

↑صفحة ١٤٩↑

الإسلام، وولائج الاعتصام، بهم عاد الحق في نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه عن منبته، عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع ورواية، فإن رواة العلم كثير، ورعاته قليل.(٣٦٧)
٩ - نهج البلاغة: لا يقاس بآل محمد (صلّى الله عليه وآله) من هذه الأمة أحد، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا، هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفئ الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصية والوراثة، الآن إذ رجع الحق إلى أهله، ونقل إلى منتقله.(٣٦٨)
١٠ - أخرج الشيخ محمد بن إبراهيم الشافعي الحمويني في فرائد السمطين: بسنده عن أبي بصير، عن خيثمة الجعفي، قال: سمعت أبا جعفر محمد الباقر يقول: نحن جنب الله، ونحن صفوته، ونحن خيرته، ونحن مستودع مواريث الأنبياء، ونحن أمناء الله (عزَّ وجلَّ) ونحن حجج الله، ونحن أركان الإيمان، ونحن دعائم الإسلام، ونحن من رحمة الله على خلقه، وبنا يفتح الله، وبنا يختم، ونحن الأئمة الهداة، والدعاة إلى الله، ونحن مصابيح الدجى، ومنار الهدى، ونحن العلم المرفوع للحق، من تمسك بنا لحق، ومن تأخر عنا غرق، ونحن قادة الغرّ المحجلين، ونحن الطريق الواضح، والصراط المستقيم إلى الله، ونحن من نعمة الله.(٣٦٩)
١١ - تفسير الثعلبي: عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمد: نحن حبل الله الذي قال الله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)(٣٧٠).(٣٧١)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦٧) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام):٢/ ٢٣١ - ٢٣٢ ح٢٣٩.
(٣٦٨) نفس المصدر:١/ ٢٩ - ٣٠.
(٣٦٩) فرائد السمطين: ١/ ٤٥ ح ١١، ينابيع المودة، القندوزي: ٣/ ٣٥٩ - ٣٦٠.
(٣٧٠) سورة آل عمران، الآية: ١٠٣.
(٣٧١) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٦٣، شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني: ١/ ١٦٩ح١٧٨ و١٨٠، ينابيع المودة، القندوزي الحنفي: ١/ ٣٥٦ح١٠، و٢/ ٣٦٨ ح٥١.

↑صفحة ١٥٠↑

ويقول الفرزدق في أئمة أهل البيت (عليهم السلام):

إن عُدَّ أهلُ التقى كانوا أئمتهم * * * أو قيل من خيرُ أهل الأرض قيل همُ
من معشرٍ حبّهم دينٌ وبغضُهم * * * كفرٌ وقربُهم منجى ومعتصمُ

إلى غير ذلك من كلمات النبي (صلّى الله عليه وآله)، والعترة الطاهرة في النص على إمامة أهل البيت (عليهم السلام).(٣٧٢)
خلاصة البحث
هذا! وكل من تمعن بعين البصيرة، وتخلى عن التعصب، والتقليد الأعمى، يجد ضالته في مجموع هذه الأحاديث الشريفة التي سقناها من كتب جمهور المسلمين، فهي بحق تأخذ بالأعناق، وتلقي بالحجة على أهل ملة الإسلام جميعاً في أن طريق الحق منحصر بأهل البيت (عليهم السلام)، ولا عذر لأحد أن يتخلف عنهم أبداً، فكلها دلائل وحجج وبراهين لا يمكن لأحد ردها أو تأويلها، فهذه الأحاديث لم تأتي لمجرد التسلية، وما هي بالقول الهزل، وحاشا وكلا، ما هي إلا براهين ناصعة، وحجج دامغة ترشد إلى وجوب العمل على طريقة العترة الطاهرة (عليهم السلام)، والسير بهديهم، وأن الزمان لا يخلو من إمام معصوم منهم يجب الإقتداء به، ومتابعته.
وأقول، كما قال شيخنا لطف الله الصافي أيده الله تعالى: من تدبر حق التدبر في أحاديث السفينة، وما يأتي من أحاديث الأمان، وأحاديث من مات ولم يعرف إمام زمانه، وأحاديث الخلفاء والأئمة الاثني عشر، وأحاديث الثقلين، وحديث في كل خلف.. وحديث من سره. وغيرها من الأحاديث الكثيرة..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٢) وممن كتب حديثاً في هذا الموضوع العلامة الأستاذ الشيخ محسن المعلم أيده الله تعالى في كتابه الجديد (العقائد من نهج البلاغة) فقد تناول في أحد بحوثه القيمة ما جاء من نصوص في الإمامة على لسان أمير المؤمنين (عليه السلام)، فراجع ذلك في ص ٢٣٥ - ٢٦٠، تحت عنوان (الإمامة).

↑صفحة ١٥١↑

يحصل له العلم بعدم خلو الزمان من إمام معصوم من أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)، يجب التمسك به في الأمور الدينية، ومعرفته ومتابعته، والتأسي به، وأخذ العلم عنه، فهو خليفة الرسول في بيان الأحكام وتبليغ مسائل الحلال والحرام، وتفسير القرآن.
كما أن الكتاب العزيز أيضاً خليفته، وهما لا يفترقان عن الآخر، وعلى هذا الأساس المتين المستفاد من هذه الأخبار المتواترة القطعية وغيرها، بنى مذهب الإمامية القائلين بوجود الإمام المعصوم في كل عصر وزمان من أهل البيت، وانحصار الإمامة في الاثني عشر إلى قيام الساعة.
ويرشد إلى ذلك أي عدم خلو الأرض من الإمام ما رواه الخاص والعام عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهراً مشهوراً، أو خائفا مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وبنياته، وكم ذا، وأين أولئك؟ أولئك والله الأقلون عددا، والأعظمون عند الله قدرا، يحفظ الله بهم حججه وبيناته.
أخرجه الشريف الرضي والذهبي مع اختلاف يسير، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص، والموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب، وعلي المتقي في كنز العمال، وأبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء.(٣٧٣)
الإمام المهدي المنتظر في مؤلفات الشيعة الإمامية
إن حركة التدوين للأحاديث الخاصة بالإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) سبقت زمن ولادة الإمام وغيبته بقرون من الزمن، واهتم بها المؤرخون والمحدثون، ثم أخذت شيئاً فشيئاً تتطور حتى أفردت بالجمع والتصنيف وقد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٣) مجموعة الرسائل، الشيخ لطف الله الصافي: ٢/ ٦٦ - ٦٧.

↑صفحة ١٥٢↑

سبقت عصر الإمام المهدي (عليه السلام).(٣٧٤)
كما أنّ جلّ كتب الحديث عندنا عقدت باباً خاصاً في ما جاء من الأحاديث الشريفة حول الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) ككتاب الكافي للشيخ الكليني، وكتاب الإرشاد للشيخ المفيد، وكتاب الاحتجاج، وكتاب إعلام الورى للشيخ الطبرسي، وكتاب كفاية الأثر للخزاز القمي، وكتاب دلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري، وكتاب مناقب آل أبي طالب لشهر بن آشوب، وغيرهم، وما جمعه أيضاً العلامة المجلسي (رحمه الله تعالى) من كتب أصول الحديث وغيرها في كتابه القيم بحار الأنوار في الجزء (٥١ و٥٢ و٥٣).
وأما الكتب الخاصة التي أفردت التأليف في حقه (عليه السلام) فهي كثيرة جداً، منها: كتاب الغيبة للشيخ الطوسي، وكتاب الغيبة للشيخ النعماني، وكتاب كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق (رحمه الله تعالى)، وغيرها من كتب أصول الحديث عندنا..
ومن خيرة ما كتب في هذا العصر من الكتب القيمة في هذا الموضوع، هو: كتاب مكيال المكارم للميرزا محمد تقي الأصفهاني، وما كتبه السيد محسن الأمين في كتابه المجالس السنية في الفصل الخاص بالإمام (عليه السلام)، وقد طبع مستقلاً، وكتاب منتخب الأثر لآية الله الشيخ لطف الله الصافي، يقع في ثلاثة أجزاء، وقد أخرج فيه نحو ١٢٨٧ من الأحاديث المروية في الإمام المهدي (عليه السلام) عن الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) وغيرهم من طرق الفريقين.
ونخص بالذكر أيضاً من الكتب القيمة في هذا الموضوع: كتاب الإمام الثاني عشر للسيد محمد سعيد الموسوي آل صاحب العبقات، قدم له وعلق عليه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٤) ومنها: كتاب المهدي لعيسى بن مهران وغيره من الرواة.
راجع: رجال النجاشي: ٢٩٧، رقم: ٨٠٧، معجم رجال الحديث، السيد الخوئي: ١٤/ ٢٢٥، رقم: ٩٢٤٣.

↑صفحة ١٥٣↑

السيد علي الحسيني الميلاني، وكتاب المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي، نشر مؤسسة الرسالة، وكتاب حياة الإمام المهدي (عليه السلام) دراسة وتحليل للشيخ باقر شريف القرشي، وكتاب تطبيق المعايير العلمية على ما اختلف وتعارض من أحاديث المهدي بكتب الفريقين للسيد ثامر هاشم حبيب العميدي.
وقد خرجت في هذا العصر أيضاً بعض المعاجم والموسوعات الكبيرة التي تناولت جل ما يرتبط بالإمام المهدي (عليه السلام).
منها: موسوعة الإمام المهدي (عليه السلام) للسيد الصدر فقد تناول فيها تأريخ الغيبة الصغرى والكبرى وسفراء الإمام، وشرائط ظهوره وعلاماته، والدولة العالمية، والعالم بعد الإمام المهدي (عليه السلام).
وكتاب موجز دائرة معارف الغيبة، إعداد وتأليف مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عليه السلام).
وموسوعة الإمام المهدي الميسرة، للأستاذ باسم الأنصاري، وموسوعة بقية الله الأعظم الإمام المهدي، في ثلاثة أجزاء: للشيخ جعفر حسن عتريسي، وكتاب المختار من كلمات الإمام المهدي (عليه السلام)، في ثلاثة أجزاء: للعلامة الحجة الشيخ محمد الشيخ محمد إسماعيل الغروي، وكتاب المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي (عليه السلام)، للشيخ علي الكوراني.
ومن الكتب الموسوعية القيمة التي استوعبت الكثير من تأريخ الإمام المهدي (عليه السلام) هو كتاب معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام)، نشر مؤسسة المعارف الإسلامية، فإنه جمع الأحاديث الخاصة في الإمام المهدي (عليه السلام) من طرق الفريقين، فقد بلغ ما جمعه نحو (١٨٦١) حديثاً مستخرجة من أصول المصادر، والتي بلغت حوالي ٤٠٠ مصدر، وقد ذكر في الأجزاء الثلاثة الأولى (٥٦٣) حديث عن النبي (صلّى الله عليه وآله) من طرق الفريقين، كما ذكر في الجزء الرابع والخامس والسادس(٨٧٦) حديثاً عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

↑صفحة ١٥٤↑

وقد حوى أيضاً الجزء السابع: (الآيات المفسرة) (٤٢٢) حديثاً متفرقة فيكون مجموع الأحاديث هي (١٨٦١) حديثاً.
وهذا الرقم من الأحاديث الشريفة من الفريقين لم يتيسر إلا نادراً في الأمور الاعتقادية، مما يشكل ثروة هائلة في مايرتبط بظهور الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام).
وناهيك أيضاً عما ذكره الحجة آغا بزرك الطهراني (قدّس سرّه) في كتابه القيم (الذريعة) من مؤلفات الشيعة الإمامية الكثيرة جداً حول الإمام (عليه السلام) قديماً وحديثاً في أجزائه المتفرقة، وخصوصاً الجزء (٢٣) فقد ذكر فيه جملة من مؤلفات أعلامنا في هذا الموضوع.
وننوه هنا أيضاً بما جمعه الأستاذ مهدي حسن علاء الدين في كتابه القيم (اقرأ حول الإمام المهدي (عليه السلام)) نشر مركز بقية الله الأعظم للدراسات والنشر، إذ ذكر فيه مئات الكتب التي تناولت الحديث عن حياة الإمام المهدي وغيبته، وظهوره ودوره في إصلاح العالم وقد أنهاها إلى ٧٤٤ مؤلفاً من مختلف الفرق الإسلامية.
إلى غير ذلك من الكتب القيمة التي عنيت بهذا الموضوع، وسوف نشير أيضاً إلى جملة منها فيما يناسبها في مواضيع هذا الكتاب، كي يطلع القارئ الكريم على مجمل المؤلفات في هذا الباب.
ومن الخير أيضاً أن نشير هنا إلى ما يبذله مركز الدراسات التخصصية حول الإمام المهدي (عليه السلام) في النجف الأشرف من كتب قيمة في هذا الموضوع، إذ لا يزال هذا المركز يبذل الجهود في إنجاز الكتب والمقالات والمحاضرات النافعة حول الإمام المنتظر (عليه السلام) وكل ما يتعلق به، فجزا الله
القائمين على هذا المركز خير الجزاء، ووفقهم إلى ما يحبه ويرضاه إنه سميع الدعاء.

↑صفحة ١٥٥↑

الفصل الثاني: الإمام المهدي (عليه السلام) في عقيدة السنة

↑صفحة ١٥٧↑

لا بأس أن نستعرض هنا في هذا الفصل ملامح من عقيدة السنة حول الإمام المهدي (عليه السلام) ليقف القارئ الكريم على حقيقة عقيدتهم في ذلك، وما هي أوجه الالتقاء والافتراق بيننا وبينهم حول هذه العقيدة، هذا وقد ألف بعض أعلامنا حول هذا الموضوع وأفرد له كتباً خاصة(٣٧٥) وسوف نتناول هذا الموضوع في هذا الفصل ضمن العناوين التالية:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٥) ومن الكتب التي عنيت بهذا الموضوع:
كتاب (المهدي المنتظر (عليه السلام)) تأليف آية الله السيد صدر الدين الصدر (المتوفى سنة ١٣٧٣ هـ) أعادت طبعه بالأفست مؤسسة البعثة (بنياد بعثت) في طهران، والكتاب يبحث في إثبات الإمام المهدي (عليه السلام) من كتب العامة.
وكتاب: (الإمام المهدي عند أهل السنة) رتبه وقدم له الشيخ مهدي الفقيه إيماني، الطبعة الثانية ١٤٠٢، طبع دار التعارف للمطبوعات بيروت - لبنان، والكتاب يقع في جزئين، وقد تضمن رسائل مفردة، وفصولاً وأبحاثاً من مؤلفات أئمة الحديث وأعلام التأريخ، ورجالات العلم من أهل السنة خلال اثني عشر قرناً.
وكتاب: (عقيدة المسلمين في المهدي (عليه السلام)) تأليف اللجنة العليا للتحقيق في بنياد نهج البلاغة، برئاسة السيد يحيى العلوي.
وكتاب: (المهدي الموعود المنتظر عند علماء أهل السنة والإمامية) للشيخ نجم الدين جعفر بن محمد العسكري، يقع في جزأين طبع دار الزهراء، بيروت.

↑صفحة ١٥٩↑

هل الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر عقيدة شيعية؟
من العجيب جداً أن نجد بعض السُنة يزعم أن فكرة الاعتقاد بظهور الإمام المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان هي فكرة شيعية بحتة، أو على حدِّ تعبير بعضهم: أنها صناعة شيعية، وأن السُنة أخذوا هذه العقيدة منهم، وتأثروا بها لمخالطتهم إياهم، وتناسى هؤلاء أن هذه العقيدة لا تختص بمذهب دون آخر، فهي عقيدة إسلامية، قد تسالم عليها جميع فرق المسلمين، وقد صرّحت بها جلُّ كتبهم، وذكرت الأحاديث الكثيرة الخاصة في ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان، ومن هنا تصدى جملة من علماء السنة للرد على أمثال هؤلاء، وأثبتوا بالأدلة والبراهين أن الاعتقاد بالمهدي (عليه السلام) فكرة إسلامية متفق عليها عند جميع المذاهب، ولا تختص بفرقة دون أخرى.
يقول الدكتور عبد العليم البستوي: هل روايات المهدي كلها من وضع الشيعة؟يزعم بعض الناس أن الأحاديث الواردة في المهدي كلها من وضع الشيعة، أو أنها على الأقل يوجد في روايتها من رُمي بالتشيع، ولذلك فلا تقبل هذه الروايات، لأنها تؤيد بدعتهم، فوقعت التهمة فيها عليهم، ولكنّ هذه الشبهة ليست بصحيحة! لما سيأتي.(٣٧٦)
أقول: ومن هؤلاء الذين زعموا أن الاعتقاد بالإمام المهدي عقيدة شيعية، هو الشيخ عبد الله بن زيد بن محمود في رسالته المسماة (لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر) والتي طبعت في مطابع علي بن علي بالدوحة، قال: وإن أصل من تبنى هذه الفكرة والعقيدة هم الشيعة الذين من عقائدهم الإيمان بالإمام الغائب المنتظر، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وهو الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري، فسرت هذه، وهذا الاعتقاد بطريق المجالسة والمؤانسة والاختلاط إلى أهل السنة فدخلت في معتقدهم، وهي ليست من أصل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٦) المهدي المنتظر (عليه السلام)، عبد العليم البستوي: ٣٦٧.

↑صفحة ١٦٠↑

عقيدتهم، ثم انتقلت بصورة عامة إلى المجتمع الإسلامي حين نادى بها في الناس عبد الله بن سبأ المعروف بصريح الإلحاد والعداء للإسلام والمسلمين، فأخذ هو وشيعته يعملون عملهم في صياغة الأحاديث، ووضعها على لسان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأسانيد منظمة..(٣٧٧) إلى آخر ما سطّره من هراء وافتراء.(٣٧٨)
ومن هؤلاء أيضاً رشيد رضا الذي زعم أن الشيعة كانوا يسعون لجعل الخلافة في آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) من ذرية علي (عليه السلام) ويضعون الأحاديث تمهيداً لذلك.(٣٧٩)
ولا نحتاج أن نرد على أمثال هؤلاء بأكثر من قولنا لهم: إن منشأ هذه الدعوى هو الجهل بمعتقداتهم، وما تسالم عليه علماؤهم وأطبقوا عليه من لزوم الاعتقاد بظهور الإمام المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان، هذا والكل يعلم أن أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) رواها جملة من الصحابة والتابعين، وقد ذكر ذلك جمهور المسلمين كافة، وقد نصوا على تواترها، وسوف نسرد عليك جملة من مؤلفاتهم الخاصة في أخبار ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان، وكلمات كثير من علمائهم في ذلك، مما يدل على أن العقيدة في المهدي المنتظر لا تختص بطائفة دون أخرى، ولا يمكن بحال رد أو تكذيب كل هذه الروايات الكثيرة المتواترة بلا مسوغ شرعي أو عقلائي!
يقول السيد الشهيد الصدر (قدّس سرّه): (إن فكرة المهدي بوصفه القائد المنتظر لتغيير العالم إلى الأفضل قد جاءت في أحاديث الرسول الأعظم عموماً، وفي روايات أئمة أهل البيت خصوصاً، وأكدت في نصوص كثيرة بدرجة لا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٧) راجع: رسالته: (لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر): ٣ - ٤.
(٣٧٨) راجع: الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر، التويجري: ٢٣، وهذا الكتاب هو أحد الردود على ابن زيد.
(٣٧٩) راجع: نفس المصدر: ٣٢.

↑صفحة ١٦١↑

يمكن أن يرقى إليها الشك، وقد أحصي أربعمائة حديث عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) من طرق إخواننا أهل السنة، كما أحصي مجموع الأخبار الواردة في الإمام المهدي من طرق الشيعة والسنة فكانت أكثر من (ستة آلاف رواية)، وهذا رقم إحصائي كبير لا يتوفر نظيره في كثير من قضايا الإسلام البديهية، التي لا يشك فيها مسلم عادة).(٣٨٠)
ويقول الأستاذ آية الله الأستاذ الشيخ الجعفري (رحمه الله تعالى): أما فرق المسلمين التي جعلت من السنة أساساً لعقائدها فلا تشترك معنا في الإيمان بإمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولكنها تشترك معنا في القول بالمهدي، وأنه يخرج في آخر الزمان.
وأنا أملك نصوصاً كثيرة تدل بوضوح على أن علماءهم في الحديث، والمعنيين بالدراسات الحديثية، قالوا: بأن أحاديث المهدي متواترة، فقد رواها أكثر من ثلاثين صحابي وصحابية، بل وبعض الحديث الذي جاء عن بعض الصحابة كعبد الله بن مسعود، (والأسانيد) إلى عبد الله عندهم متواترة لكثرة من يرويه من رواتهم عن عبد الله.
إلى أن يقول: قد ذكرت في كتابي الذي جمعت فيه أحاديث المهدي (عليه السلام) من طرق غير الإمامية كلّ ما يرجع إليه (عليه السلام)، وهذه الأحاديث لو قُدّر أن تُطبع لكانت أكثر من أربعمائة أو خمسمائة صفحة بترتيب خاص، والبحوث التي تأتي بعدها قد تفوقه بصفحات وصفحات.(٣٨١)
أقول: ويكفي الرجوع إلى مصادر الحديث عند السنة، وكذلك مؤلفاتهم الكثيرة في هذا الموضوع، فقد ذكروا الكثير من الأخبار حول الإمام المهدي عليه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨٠) البحث حول المهدي (عليه السلام)، السيد محمد باقر الصدر: ٤٠ - ٤١.
(٣٨١) الغيبة، الشيخ محمد رضا الجعفري: ١٣ - ١٤.

↑صفحة ١٦٢↑

السلام لو جمعت لشكلت موسوعة كبيرة.(٣٨٢)
الإيمان بظهور الإمام المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان
ذكر السنة في كتبهم أن الإيمان بخروج الإمام المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان من الواجبات، وهذا ما تفرضه الأحاديث الصحيحة المتواترة عندهم، فإن الإعتقاد بظهوره هو تصديق لهذه الأحاديث التي لا يمكن ردّها بحال من الأحوال، وإلا للزم تكذيب كلّ هذه الأحاديث! وهو أمر غير سائغ عند جميع المذاهب الإسلامية.
ومن هنا اُفردت عندهم كتب كثيرة في أخبار ظهور الإمام (عليه السلام) في آخر الزمان، كما ألفوا أيضاً كتباً خاصة في الرد على من أنكر أخبار ظهوره (عليه السلام) وسوف يأتي الحديث في ذلك قريباً، وإليك هنا كلمات بعض علمائهم في ذلك:
قال ابن أبي الحديد في شرح قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (وبنا تختم لا بكم): إشارة إلى المهدي الذي يظهر في آخر الزمان، وأكثر المحدثين على أنه من ولد فاطمة (عليها السلام)، وأصحابنا المعتزلة لا ينكرونه، وقد صرحوا بذكره في كتبهم، واعترف به شيوخهم، إلا أنه عندنا لم يخلق بعد، وسيخلق.(٣٨٣)
وقال أيضاً في شرح قوله (عليه السلام): (ثم يطلع الله لهم من يجمعهم ويضمهم): يعني من أهل البيت (عليه السلام)، وهذا إشارة إلى المهدي الذي يظهر في آخر الوقت، وعند أصحابنا أنه غير موجود الآن وسيوجد، وعند الإمامية أنه موجود الآن.(٣٨٤)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨٢) وننوه هنا بكتاب معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) فقد ذكر جملة وافرة منها.
(٣٨٣) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ١/٢٨٢.
(٣٨٤) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ٧/ ٩٤.

↑صفحة ١٦٣↑

وقال الشيخ محمد جعفر الكتاني: وفي شرح عقيدة الشيخ محمد بن أحمد السفاريني الحنبلي ما نصه: وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حدّ التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عُدّ من معتقداتهم إلى أن قال: فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدوّن في عقائد أهل السنة والجماعة.(٣٨٥)
وقال الشريف أبو الفيض الغماري في معرض كلامه حول ظهور الإمام المهدي (عليه السلام): الإيمان بخروجه واجب، واعتقاد ظهوره - تصديقاً لخبر الرسول - محتّمٌ لازب.(٣٨٦)
وقال الشيخ ناصر الدين الألباني الشامي: إن عقيدة خروج المهدي عقيدة ثابتة متواترة عنه (صلّى الله عليه وآله وسلم)، يجب الإيمان بها، لأنها من أمور الغيب، والإيمان بها من صفات المتقين، كما قال تعالى: (الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)(٣٨٧) وإن إنكاره لا يصدر إلا من جاهل أو مكابر.(٣٨٨)
ومنهم الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد المدني، عضو هيئة التدريس في الجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة (المعاصر) في محاضرة بعنوان (عقيدة أهل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨٥) راجع: نظم المتناثر من الحديث المتواتر، الكتاني: ٢٢٦ - ٢٢٧، كتاب المهدي المنتظر (عليه السلام)، البستوي: ٤٠ - ٤٦. عن كتاب لوائح الأنوار البهية: ٢/ ٨٠.
(٣٨٦) مجلة تراثنا، مؤسسة آل البيت: ج٣٢ ص ٢٨ - ٢٩، رقم: ٢٠، من مقال للمحقق العلامة السيد محمد رضا الجلالي. تحت عنوان (نقد الحديث بين الاجتهاد والتقليد، ونظرة جديدة إلى أحاديث عقيدة: المهدي المنتظر (عليه السلام))
(٣٨٧) سورة البقرة، الآية: ٢ - ٣.
(٣٨٨) مجلة تراثنا، مؤسسة آل البيت: ج ٣٢ ص ٣١ - ٣٢ عن مقال للشيخ الألباني بعنوان (حول المهدي) في (حقل من القراء وإليهم) من مجلة التمدن الإسلامي الدمشقية، في الجزءين: ٢٧ و٢٨، الصفحة ٦٤٢، للسنة ٢٢.

↑صفحة ١٦٤↑

السنة والأثر في المهدي المنتظر) ألقاها في الجامعة المذكورة(٣٨٩) قال في آخر الفصل السابع: وليعلم أن الأحاديث في المهدي قد تلقتها الأمة من أهل السنة والأشاعرة بالقبول، ورد على كلام ابن خلدون مفصلاً.
وقال في الكلمة الختامية: إن أحاديث المهدي الكثيرة - التي ألف فيها المؤلفون، وحكى تواترها جماعة، واعتقد موجبها أهل السنة والجماعة وغيرهم - تدل على حقيقة ثابتة بلا شك من حصول مقتضاها في آخر الزمان... وقال: فلا عبرة بقول من قفا ما ليس له به علم! فقال: إن الأحاديث في المهدي لا تصح نسبتها إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، لأنها من وضع الشيعة! وإذن، فإن أحاديث المهدي على كثرتها، وتعدد طرقها، وإثباتها في دواوين أهل السنة، يصعب كثيراً القول بأنه لا حقيقة لمقتضاها، إلا على جاهل، أو مكابر، أو من لم يمعن النظر في طرقها وأسانيدها، ولم يقف على كلام أهل العلم المعتد بهم فيها.
والتصديق بها داخل في الإيمان بأنّ محمداً رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، لأن من الإيمان به (صلّى الله عليه وآله وسلم) تصديقه فيما أخبر به، وداخل في الإيمان بالغيب الذي امتدح الله المؤمنين به، بقوله: (الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ).(٣٩٠)
ويقول الشيخ صفاء الدين آل شيخ الحلقة - من علماء السنة في العراق -: وأما - المهدي المنتظر - فقد بلغت الأحاديث الواردة فيه حداً من الكثرة يورث الطمأنينة: بأن هذا كائن في آخر الزمان، فيعيد للإسلام سلامته، وللإيمان قوته، وللدّين نضارته، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨٩) ونشرت أيضاً في مجلة الجامعة الإسلامية، العدد الثالث، من السنة الأولى، لشهر ذي القعدة سنة ١٣٨٨ ه‍..
(٣٩٠) مجلة تراثنا، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام): ج ٣٢ ص ٣٤.

↑صفحة ١٦٥↑

أما الآثار عن الصحابة المصرحة - بالمهدي - فهي كثيرة، لها حكم الرفع، فإن ما أورده: البرزنجي في الإشاعة لأشراط الساعة، والآلوسي في تفسيره، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجة، والحاكم، وأبو يعلى، والطبراني، وعبد الرزاق، وابن حنبل، ومسلم، وأبو نعيم، وابن عساكر، والبيهقي، والخطيب في تأريخه، والدارقطني، والردياني، ونعيم بن حماد في الفتن، كذا ابن أبي شيبة، وأبو نعيم الكوفي، والبزاز، والديمي، وعبد الجبار الخولاني في تاريخه، والجويني، وابن حبان، وأبو عمرو الداني في سننه، ففي ذلك كفاية... فالإيمان بخروجه واجب، واعتقاد ظهوره تصديق لأحاديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم).(٣٩١)
وللمزيد من الإطلاع على عقيدة السنة في الإمام المهدي (عليه السلام)، راجع ما جاء في محاضرة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد المدني، عضو هيئة التدريس في الجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة (المعاصر) تحت عنوان: (محاضرة عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر)(٣٩٢) فقد ذكر فيها عناصر عشرة مهمة حول الإمام المهدي (عليه السلام)، وهي كالتالي:
الأول: ذكر أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وعددهم - عنده - ستة وعشرون.
الثاني: ذكر أسماء الأئمة الذين خرّجوا الأحاديث في كتبهم، وعددهم ثمانية وثلاثون.
منهم: أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والنسائي، وأحمد، وابن حبان،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩١) عقيدة المسلمين في المهدي، مؤسسة نهج البلاغة: ١٢ - ١٣، عن كتاب المهدي المنتظر (عليه السلام)، للشيخ محمد حسن آل ياسين.
(٣٩٢) ولا يخفى أن هذه المحاضرة طبعت في كتاب مستقل مبسوط بنفس الاسم (عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر) الطبعة الأولى سنة ١٤٠٢ طبع في مطابع الرشيد بالمدينة المنورة، وتبلغ عدد صفحات الكتاب ٢٢٢ صفحة.

↑صفحة ١٦٦↑

والحاكم، وابن أبي شيبة، وأبو نعيم الأصفهاني، والطبراني، والدارقطني، وأبو يعلى الموصلي، والبزار، والخطيب، وابن عساكر، والديلمي، والبيهقي، وغيرهم من الأئمة المحدثين والعلماء.
الثالث: ذكر الذين أفردوا مسألة المهدي بالتأليف، وهم: أبو خيثمة، وأبو نعيم، والسيوطي، وابن كثير، وابن حجر المكي الهيتمي، والمتقي الهندي، والملا علي القاري، والشوكاني، والأمير الصنعاني، وغيرهم.
الرابع: ذكر الذين حكوا تواتر أحاديث المهدي.
الخامس: ذكر بعض ما ورد في الصحيحين [البخاري ومسلم] من الأحاديث التي تبشر بالمهدي، ولها تعلق بشأنه.
السادس: ذكر بعض الأحاديث بشأن المهدي.
السابع: ذكر بعض العلماء الذين احتجوا بأحاديث المهدي.
الثامن: ذكر من وقف عليه ممن حُكي عنه إنكار أحاديث المهدي مع مناقشة كلامه.
التاسع: ذكر ما يظن تعارضه مع الأحاديث الواردة في المهدي.
العاشر: كلمة ختامية.(٣٩٣)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩٣) راجع: مجلة تراثنا، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام): ج ٣٢ ص ٣٢ - ٣٤.

↑صفحة ١٦٧↑

ردود السنة على من أنكر الإمام المهدي (عليه السلام)
ادعى بعض كتّاب السنة أن (لا مهدي إلا عيسى بن مريم)، وبعضهم أنكر بالمرة ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان، وكذّب جميع الأحاديث الواردة في شأنه، وبذلك يكون هؤلاء مخالفين تماماً لعقيدة جميع المسلمين في الإمام المهدي (عليه السلام)، هذا وقد تصدى بعض أعلام السنة ومفكريهم للردّ على هؤلاء، وألفوا ردوداً عليهم، وهنا نذكر بعض الكتب والمقالات والمناقشات التي تصّدت للردّ على هؤلاء وهي كالتالي:
١ - الرد على من زعم (لا مهدي إلا عيسى بن مريم)
قال المقدسي في كتابه (عقد الدرر) رداً على من أنكر خروج المهدي (عليه السلام) وزعم أن (لا مهدي إلا عيسى بن مريم)(٣٩٤) قال: أما من ينكر هذا كله بالكلية فلا التفات إليه! إذ لا يُعلم له في ذلك مستند يرجع إليه، وأما من زعم أن (لا مهدي إلا عيسى بن مريم) وأصرّ على صحة هذا الحديث وصمّم فربّما أوقعه في ذلك الحمية والالتباس، وكثرة تداول هذا الحديث على ألسنة الناس، وكيف يرتقي إلى درجة الصحيح وهو حديث منكر! أم كيف يحتج بمثله من أمعن النظر في إسناده وأفكر، فقد صرح بكونه منكراً أبو عبد الرحمن النسائي، وإنه لجدير بذلك، إذ مداره على محمد بن خالد الجندي..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩٤) سنن ابن ماجة: ٢/ ١٣٤٠ح٤٠٣٩.

↑صفحة ١٦٨↑

إلى أن قال: وقد نقل علماء الحديث في حقّ الإمام المهدي من الأحاديث ما لا يحصى كثرة، وكلها معرضة بذكره، ومصرحة عنه من كان له بهذا الفن خبرة، وبعضها لبعض مصححة، وقد ذكر الإمام الحافظ أبو عبد الله الحاكم في كتابه المستدرك على الصحيحين من ذلك مافيه غنية، ونبّه على ترجيح رواته الجم الغفير من كان له في ذلك بغية.. إلى أن قال: فقد اتضح لمن أنصف من جملة هذا الكلام أن المهدي من ولد الزهراء فاطمة (عليها السلام) لا ابن مريم (عليهما السلام).(٣٩٥)
وقال القرطبي في معرض رده على هذا الحديث الموضوع: وهو غير صحيح، لأن الأخبار الصحاح قد تواترت على أن المهدي من عترة رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم)، فلا يجوز حمله على عيسى، والحديث الذي ورد في أنه (لا مهدي إلا عيسى) غير صحيح.
قال البيهقي في كتاب البعث والنشور: لأن راويه محمد بن خالد الجندي وهو مجهول، يروي عن أبان بن أبي عياش - وهو متروك - عن الحسن، عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم)، وهو منقطع.
والأحاديث التي قبله في التنصيص على خروج المهدي، وفيها بيان كون المهدي من عترة رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) أصح إسناداً قلت: قد ذكرنا هذا وزدناه بياناً في كتابنا (كتاب التذكرة) وذكرنا أخبار المهدي مستوفاة، والحمد لله.(٣٩٦)
وقال أيضاً في كتابه الآخر (التذكرة): إسناده ضعيف، والأحاديث عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة أصح من هذا الحديث، فالحكم بها دونه.(٣٩٧)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩٥) عقد الدرر في أخبار المنتظر، المقدسي: ٦ - ٨.
(٣٩٦) تفسير القرطبي: ٨/ ١٢١ - ١٢٢.
(٣٩٧) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، القرطبي: ٢/ ٧٢٣، الحاوي، السيوطي: ٢ / ١٦٥، المهدي المنتظر (عليه السلام)، البستوي: ٥٠.

↑صفحة ١٦٩↑

٢ - الردود على كتاب (لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر (صلّى الله عليه وآله))
وهو من تأليف الشيخ عبد الله بن زيد بن محمود، رئيس المحاكم الشرعية في دولة قطر، وقد طُبع هذا الكتاب الطبعة الأولى سنة ١٤٠٠ في مطابع قطر الوطنية.
وقد زعم فيه مؤلفه عدم صحة أحاديث الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، وادعى أنها موضوعة وخرافة لا أصل لها! وقد تصدى للرّد عليه جماعة من أعلام السنة، منهم ما يلي:
الرد الأول: كتاب (الاحتجاج بالأثر في الرد على من أنكر المهدي المنتظر)
تأليف الشيخ حمود بن عبد الله بن حمود التويجري.
طبع ونشر مكتبة دار العليان الحديثة للطباعة والنشر والتوزيع بريدة
ط الأولى سنة ١٤٠٣ وط الثانية سنة ١٤٠٦، يقع في ٤٢٣ صفحة.
وفي هذا الكتاب يقول مؤلفه الشيخ حمود التويجري: أما بعد، فقد رأيت رسالة للشيخ عبد الله بن زيد بن محمود رئيس المحاكم القطرية أنكر فيها خروج المهدي في آخر الزمان، وزعم أن القول بخروجه نظرية خرافية، وأن الأحاديث الواردة فيها كلها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وليست من كلامه، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وأنه لا مهدي بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وقد سمى رسالته (لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر) وقد جانب في رسالته الصواب، وخالف ما عليه المحققون من أكابر العلماء.
كما أنه نهج على المحدثين والفقهاء المتقدمين ورماهم بالتقليد، ونقل الحديث والقول على علاته، ورمى الإمام أحمد بقلة الأمانة، وعدم الثقة حيث زعم أنه كان يستعير الملازم من طبقات ابن سعد وينقل منها، ورمى الشافعي بالقصور

↑صفحة ١٧٠↑

والتقليد.. إلى غير ذلك من الكلمات النابية التي لم يتثبت فيها.. وقد رأيت من الواجب بيان أخطائه لئلا يغتر بها من قلّ نصيبهم من العلم النافع.. الخ.(٣٩٨)
دعوى أن الإمام المهدي ليس له ذكر في القرآن
قال: وأما قول ابن محمود: كما أنه - أي المهدي - ليس له ذكر في القرآن مما يقلل عدم الاحتفال بها! فجوابه(٣٩٩):
أن يقال: لو كان عدم ذكر الشيء في القرآن يقلل الاحتفال بالأحاديث الواردة فيه - أي يقلل المبالات بها - لذهبت السنة أو أكثرها، وقد قال الله تعالى: (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ)(٤٠٠) وقال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)(٤٠١) وقد أخبر النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) عن بعض الأنبياء وغيرهم من الماضين بقصص لم تذكر في القرآن، وأخبر أيضاً عما سيكون بعده إلى قيام الساعة، وعمّا يكون بعد ذلك إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وما يكون بعد ذلك، وكثير مما أخبر به لم يذكر في القرآن، وكذلك الصلاة والزكاة والحج فإنها لم تذكر في القرآن على وجه التفصيل، وإنما ذكرت فيه على وجه الإجمال، وجاء أحكامها في السنة.
وكذلك أكثر الأحكام فإنَّ بعضها لم يذكر في القرآن، وبعضها قد ذكر فيه على وجه الإجمال، وفصّلت أحكامه في السنة، وقد تلقى أهل العلم ما ثبت من ذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩٨) الرد على من أنكر المهدي المنتظر، التويجري: ٧ - ٨.
(٣٩٩) كما إنا لا نسلم أيضاً مع الخصم أن الإمام المهدي (عليه السلام) ليس له ذكر في القرآن، بل جاء ذكره في جملة من الآيات، بأوصاف خاصة، وقد نص عليها بعض رواة الآثار من أعلام السنة وغيرهم، فراجع ما ذكرناه من الآيات الواردة في شأن الإمام المهدي (عليه السلام) (عليه السلام) في أواخر الفصل الثالث.
(٤٠٠) سورة الحشر، الآية: ٧.
(٤٠١) سورة النجم، الآية: ٣و٤.

↑صفحة ١٧١↑

بالقبول والتسليم، ولا أعلم أحداً قبل ابن محمود توقف عن قبول الأحاديث التي رواها الثقات عن الثقات، وقال إنه لا يحتفل بها من أجل أن ذلك لم يذكر في القرآن، فهذا قول باطل أحدثه ابن محمود، وهو مردود عليه!.. الخ.(٤٠٢)
الرد الثاني: كتاب (الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي (عليه السلام)، ويليه عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر)
تأليف عبد المحسن بن حمد العباد المدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.(٤٠٣)
وقد نشر هذا الرد أيضاً في مجلة الجامعة الإسلامية، العددين ٤٥ و٤٦، الأول والثاني من السنة ١٢.
والكتاب يستهدف الرد أيضاً على كتاب (لا مهدي ينتظر بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) خير البشر)
وفي كتابه هذا يقول الأستاذ عبد المحسن العباد: فقد وصل إليَّ في البريد في شهر ربيع الآخر من عام ألف وأربعمائة من الهجرة ظرف من رئاسة المحاكم الشرعية في قطر يحتوي على ثلاث نسخ، من رسالة للشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية في قطر عنوانها: (لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر) ولما قرأتها وجدت كاتبها نحا فيها منحى بعض الكتّاب في القرن الرابع عشر، ممن ليست لهم خبرة في حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومعرفة صحيحه وسقيمه، وتعويلهم على شبهات عقلية واهية، وكذّب بكلّ ما ورد في المهدي، وقال كما قالوا: أنها حديث خرافة، وأنها وأنها.. الخ ولم يقتصر على ذلك بل تعداه إلى الحط من شأن العلماء المتقدمين والمتأخرين.. إلى أن قال: وقد رأيت كتابة هذه السطور مبيناً جملة كبيرة من أخطائه وأوهامه في هذه الرسالة، وموضحاً أن القول بخروج المهدي في آخر الزمان هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة، وهو الذي عليه أهل السنة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠٢) الرد على من أنكر المهدي المنتظر، التويجري: ٦٨ - ٦٩.
(٤٠٣) الطبعة الأولى سنة ١٤٠٢ نشر مطابع الرشيد بالمدينة المنورة، يقع في ٢٢٢ صفحة.

↑صفحة ١٧٢↑

والأثر في القديم والحديث إلا من شذّ ممن لا يُعتد به..
وقد اقترح عليَّ عددٌ من المشايخ طباعة هذا البحث، وفي مقدمتهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وسماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حمد رئيس المجلس الأعلى للقضاء اللذان حثاني على ذلك، وسألاني مراراً عما تمَّ حيال طباعته.. الخ.(٤٠٤)
٣ - رد الشيخ الألباني على السيد رشيد رضا صاحب تفسير المنار
نشر الشيخ ناصر الدين الألباني الشامي بعنوان (حول المهدي) بحثاً في (حقل من القراء وإليهم) من مجلة التمدن الإسلامي الدمشقية، في الجزءين ٢٧ و٢٨، الصفحة ٦٤٢، للسنة ٢٢.
قال فيه: فليعلم أن في خروج المهدي أحاديث كثيرة صحيحة، قسم كبير منها له أسانيد صحيحة.
ثم أورد قسماً منها، ونقل كلام صديق حسن خان في (الإذاعة) وقال بعنوان: (شبهات حول أحاديث المهدي): إن السيد رشيد رضا وغيره لم يتتبعوا ما ورد في المهدي من الأحاديث حديثاً حديثاً! ولا توسعوا في طلب ما لكل حديث منها من الأسانيد! ولو فعلوا، لوجدوا فيها ما تقوم به الحجة حتى في الأمور الغيبية التي يزعم البعض أنها لا تثبت إلا بحديث متواتر.
ومما يدلك على ذلك: أن السيد رشيد ادعى أن أسانيدها لا تخلو من شيعي! مع أن الأمر ليس كذلك على إطلاقه، فالأحاديث الأربعة التي أوردها ليس فيها رجل معروف بالتشيع.. إلى أن يقول الألباني: وخلاصة القول: إن عقيدة خروج المهدي عقيدة ثابتة متواترة عنه (صلّى الله عليه وآله وسلم)، يجب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠٤) الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي (عليه السلام)، عبد المحسن بن حمد العباد: ٣.

↑صفحة ١٧٣↑

الإيمان بها، لأنها من أمور الغيب، والإيمان بها من صفات المتقين، كما قال تعالى: (الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)(٤٠٥) وإن إنكاره لا يصدر إلا من جاهل أو مكابر.(٤٠٦)
٤ - رد الشبهات حول المهدي
وممن تناول رد جملة من الشبهات التي أثيرت حول ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) هو كتاب (المهدي حقيقة لا خرافة) لمؤلفه: محمد بن أحمد إسماعيل، فقد ذكر جملة من الردود في ص ٨٥ إلى ص ١٤١.
٥ - الردود على ابن خلدون (ت ٨٠٨ هـ)
من أعلام السنة الذين بالغوا في إنكار أحاديث المهدي (عليه السلام) وجحدوها هو ابن خلدون المتعصب، وقد انبرى للرد عليه ثلة من أعلام السنة ومفكريهم، وعابوه وخطّأوه، ونسبوه لقلة العلم في هذا الباب، وأنه ليس من شأنه تضعيف الأحاديث، وليس هو من أهل الفن في هذا الموضوع، حيث إن هذه الأحاديث متواترة جداً، وقد نصّ على تواترها وصحتها جملة من الأعلام والحفاظ، فمن الردود عليه ما يلي(٤٠٧):
الرد الأول: رد الحافظ أبي العلاء المباركفوري (ت ١٣٥٣ هـ)
قال المباركفوري في تحفة الأحوذي في باب (ما جاء في المهدي): وقد بالغ الإمام المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون المغربي في تاريخه في تضعيف أحاديث المهدي كلها فلم يصب بل أخطأ.. وربما تمسك المنكرون لشأن المهدي بما روي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠٥) سورة البقرة، الآية: ٢ - ٣.
(٤٠٦) مجلة تراثنا، مؤسسة آل البيت: ج ٣٢ ص ٣١ - ٣٢.
(٤٠٧) وهناك أيضاً جملة من ردود الشيعة الإمامية على ابن خلدون منها: ما جاء في كتاب (المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي، مركز الرسالة: ص ١٤٩ - ١٥٢) تحت عنوان (تضعيفات ابن خلدون بلغة الأرقام)

↑صفحة ١٧٤↑

مرفوعاً أنه قال: لا مهدي إلا عيسى بن مريم، والحديث ضعّفه البيهقي والحاكم، وفيه أبان بن صالح وهو متروك الحديث، والله أعلم كذا في عون المعبود.. قلت: الأحاديث الواردة في خروج الإمام المهدي كثيرة جداً.(٤٠٨)
الرد الثاني: إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون:
تأليف أبي الفيض أحمد بن محمد بن الصدّيق الغماري الحسني الأزهري الشافعي المغربي نزيل القاهرة (المتوفى سنة ١٣٨٠ هـ).(٤٠٩)
قال آغا بزرك الطهراني (رحمه الله تعالى) في كتابه الذريعة: ومن الكتب في المهدي (عليه السلام): (إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون في الطعن على أحاديث المهدي (عليه السلام))، طبع بالشام سنة ١٣٤٨(٤١٠) لأحمد بن محمد بن الصدّيق، نقل كلام ابن خلدون ثم نقضه، وأورد مائة حديث مروي عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) في أمر المهدي (عليه السلام)، متمماً للستة عشر التي ذكرها ابن خلدون، وليس هو بصدد إثبات المهدي الخاص ابن العسكري على ما يقول به الشيعة.(٤١١)
وقال المحقق العلامة السيد محمد رضا الجلالي: (إبراز الوهم المكنون في كلام ابن خلدون) الذي وضعه للرد على شبهات ابن خلدون وترّهاته التي لفّقها حول أحاديث المهدي المنتظر.. إلى أن قال: ثم تصدى لابن خلدون - الذي أصبح مرجعاً للمنكرين - فنقل كلامه المذكور في فصل من مقدمته بعنوان: أمر الفاطمي، وما يذهب إليه الناس من شأنه، وكشف الغطاء عن ذلك حيث قال: اعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار: أنه لا بد في آخر الزمان من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠٨) تحفة الأحوذي، المباركفوري: ٦/ ٤٠١ - ٤٠٢.
(٤٠٩) من مؤلفاته: علي بن أبي طالب (عليه السلام) إمام العارفين، وفتح الملك العلي، راجع: معجم المؤلفين: ١٣ / ٣٦٨، وكتاب الأعلام، للزركلي: ١ / ٢٥٣.
(٤١٠) والكتاب من مطبوعات مطبعة الترقي.
(٤١١) الذريعة، آغا بزرگ الطهراني: ٢٣/ ٢٨٩ ذكره استطراداً تحت رقم: (٩٠١٩).

↑صفحة ١٧٥↑

ظهور رجل من أهل البيت، يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي، ويحتجون في الباب بأحاديث خرّجها الأئمة...(٤١٢) إلى آخر كلامه.. حيث ذكر الأحاديث ونقدها حديثاً حديثاً، وضعف أكثرها، فبدأ الصدّيق الغماري بنقض كلامه حرفاً حرفاً، وكشف الغطاء عن أهدافه كشفاً، وأبرز أوهامه إبرازاً، وناقش تضعيفاته للأحاديث، وأثبت خطأه في نقده.
إلى أن نقل قول ابن خلدون: فهذه جملة الأحاديث التي خرّجها الأئمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان.
فقال الصدّيق راداً عليه: إن جميع ما ذكره من الأحاديث ثمانية وعشرون حديثاً، لكن الوارد في الباب أضعاف أضعاف ذلك، وها أنا مورد من أخباره ما أكمل به المائة من المرفوعات والموقوفات، دون المقطوعات، إذ لو تتبعتها، خصوصاً الوارد عن أهل البيت، لأتيت منها بعدد كبير، وقدر غير يسير.
ثم أورد الحديث التاسع والعشرين إلى المائة، ثم قال في آخر الفصل: ولنقتصر على هذا القدر من الوارد في المهدي، فإنه لا محالة مبطل لدعوى الطاعن [ابن خلدون] وإلا فالأخبار في الباب كثيرة جداً، ولو جمع منها الوارد عن خصوص أئمة أهل البيت لكان مجلداً حافلاً.(٤١٣)
ويقول الدكتور عبد العليم عبد العظيم البستوي: أحمد بن محمد بن الصدّيق: له كتاب (إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون) أو (المرشد المبدي لفساد طعن ابن خلدون في أحاديث المهدي) وقد ردّ به المؤلف على ابن خلدون في تضعيفه لأحاديث المهدي، وهي ثمانية وعشرون حديثاً، ووافق ابن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١٢) مقدمة ابن خلدون: ٣١١.
(٤١٣) مجلة تراثنا، مؤسسة آل البيت: ٣٢ ص ٢٨ - ٢٩، رقم: ٢٠، من مقال للمحقق العلامة السيد محمد رضا الجلالي تحت عنوان (نقد الحديث بين الاجتهاد والتقليد، ونظرة جديدة إلى أحاديث عقيدة: المهدي المنتظر (عليه السلام)).

↑صفحة ١٧٦↑

خلدون في تضعيف بعض الأحاديث، ولكن لما كان الطابع الغالب على الكتاب هو الدفاع والرد على الانتقادات فقد حاول الدفاع عن بعض الأحاديث التي ضعّفها ابن خلدون، وهو محق في ذلك، وبعد مناقشة طعون ابن خلدون في الأحاديث التي ذكرها أضاف إليها أحاديث وآثاراً أخرى بلغ مجموعها إلى المائة، إلا أنه لم يبين درجة هذه الأحاديث.(٤١٤)
الرد الثالث: رد الشيخ ناصر الدين الألباني الشامي
قال الألباني: وقد أخطأ ابن خلدون خطأ واضحاً حيث ضعّف أحاديث المهدي كلها، ولا غرابة في ذلك، فإنّ الحديث ليس من صناعته، والحق أن الأحاديث الواردة في المهدي فيها الصحيح والحسن، وفيها الضعيف والموضوع، وتمييز ذلك ليس سهلاً إلا على المتضلع في علم السنة، ومصطلح الحديث.(٤١٥)
الرد الرابع: رد الأستاذ أحمد محمد شاكر
قال الأستاذ أحمد محمد شاكر في شرح مسند أحمد بن حنبل: أما ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم، واقتحم قحماً لم يكن من رجاله، وغلبه ما شغله من السياسة، وأمور الدولة، وخدمة من كان يخدم من الملوك والأمراء، فأوهم أنّ شأن المهدي عقيدة شيعية أو أوهمته نفسه ذلك فعقد في مقدمته المشهورة فصلاً طويلاً جعل عنوانه، فصل في أمر الفاطمي وما يذهب إليه الناس من أمره...(٤١٦)
ويأخذ الأستاذ أحمد محمد شاكر في تفنيد ابن خلدون، وأن إنكاره للإمام (عليه السلام) إنكار لضروري من ضروريات الدين، فقد تواترت الأخبار عن النبي صلى الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١٤) المهدي المنتظر (عليه السلام)، الدكتور عبد العليم البستوي: ص ١٣٦، رقم:٣١.
(٤١٥) تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق: ص ١٥ - ١٦، المهدي المنتظر (عليه السلام)، الدكتور عبد العليم البستوي: ص ١٤١ - ١٤٢.
(٤١٦) شرح مسند الإمام أحمد بن حنبل: ٥/ ١٩٧.

↑صفحة ١٧٧↑

عليه وآله في شأن المهدي (عليه السلام)، وأنه لا مجال بأيّ حال للريب والطعن فيها.(٤١٧)
الرد الخامس: رد الشيخ عبد المحسن بن محمد العباد
قال الشيخ العباد: ابن خلدون مؤرخ وليس من رجال الحديث، فلا يعتد به في التصحيح والتضعيف! وإنما الاعتماد بذلك بمثل البيهقي، والعقيلي، والخطابي، والذهبي، وابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم من أهل الرواية والدراية الذين قالوا بصحة الكثير من أحاديث المهدي.(٤١٨)
الرد السادس: رد الدكتور عبد العليم البستوي
قال في كتابه (المهدي المنتظر (عليه السلام)): ولقد حاول ابن خلدون تضعيف أحاديث المهدي كلها! واستند في رأيه هذا إلى كلام العلماء (إن الجرح مقدم على التعديل) ثم ذكر بعض ما ورد في الطعن في بعض رواة أحاديث المهدي، والحقيقة أن المحدثين حينما يقولون: إن الجرح مقدم على التعديل لا يريدون منه الإطلاق، بل لابد أن يكون الجرح مفسراً حتى يتمكن الباحث من النظر فيه، وهل هو جرح حقيقة أم لا؟ فقد يضعفه الجارح بسبب يراه قادحاً بينما هو ليس بقادح عند غيره.(٤١٩)
قال ابن حجر في شرح النخبة: الجرح مقدم على التعديل، وأطلق ذلك جماعة، ولكن محله إن صدر مبيناً من عارف بأسبابه، لأنه إن كان غير مفسر لم يقدح فيمن ثبتت عدالته، وإن صدر من غير عارف بالأسباب لم يعتبر به أيضاً، فإن خلا المجروح عن التعديل قبل الجرح فيه مجملاً غير مبين السبب إذا صدر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١٧) حياة الإمام المهدي (عليه السلام)، الشيخ باقر شريف القرشي: ٢٤٣.
(٤١٨) الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي، مقال للشيخ عبد المحسن بن محمد العباد، منشور في مجلة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة العدد: ١ سنة ١٢ برقم ٤٦، سنة ١٤٠٠.
(٤١٩) انظر الكفاية، للخطيب البغدادي: ١٧٨ - ١٨٦.

↑صفحة ١٧٨↑

عن عارف على المختار.(٤٢٠)
وكذلك نص عليه النووي والسخاوي والسيوطي والسندي وغيرهم.(٤٢١) وحتى لو ثبت الجرح في الراوي فليس كلّ جرح يسقط الرواية بل من الجرح ما هو شديد ويستلزم ترك الرواية، ومنه ما ليس كذلك بل يعتضد الراوي المتصف به بغيره من المعتبرين فيحتج بروايته، فأما الجرح الشديد هو الناشئ في الراوي من قبل كونه متهماً في دينه وعدالته، أو كونه سيء الحفظ جداً فاحش الخطأ، فحينذاك تترك روايته بالمرة،ولا يحتج به ولا يعتبر به!
قال الترمذي: فكلّ من كان متهماً في الحديث بالكذب، أو كان مغفلاً يخطئ الكثير! فالذي اختار أكثر أهل الحديث من الأئمة أنه لا يشتغل بالرواية عنه.(٤٢٢)
وروى الخطيب بسنده عن ابن مهدي أنه قال: سمعت شعبة، وسئل: من الذي يترك حديثه؟ قال: الذي إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون فأكثر طرح حديثه، وإذا روى حديثاً غلطاً مجمعاً عليه فلم يتهم نفسه فيتركه طرح حديثه، وإذا كثر الغلط يترك حديثه، وما كان غير ذلك فاروِ عنه.(٤٢٣)
إلى أن قال: فابن خلدون كما قال أحمد شاكر: لم يحسن قول المحدثين: الجرح مقدم على التعديل، ولو اطلع على أقوالهم وفقهها ما قال شيئاً مما قال!.(٤٢٤)
ولذلك رد على ابن خلدون كثير من العلماء:
ومن بينهم العلامة صدّيق حسن خان في (الإذاعة لما كان وما يكون بين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٢٠) نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر: ٧٥.
(٤٢١) الرفع والتكميل: ٥٨.
(٤٢٢) العلل للترمذي مع السنن:١٠/ ٤٨٣.
(٤٢٣) مسألة الاحتجاج بالشافعي: ٣٨٨ من مجلة البحوث العلمية.
(٤٢٤) مسند أحمد بن حنبل، بتحقيق أحمد شاكر: ٥/ ١٩٧.

↑صفحة ١٧٩↑

يدي الساعة) والشيخ المحدث شمس الحق العظيم آبادي في (عون المعبود)، والشيخ العلامة عبد الرحمن المباركفوري في (تحفة الأحوذي في باب المهدي) من كتابيهما، والشيخ المحدث أحمد شاكر في تعليقاته على (مسند الإمام أحمد)(٤٢٥)، والشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني في تخريجه لأحاديث فضائل الشام ودمشق(٤٢٦)، والشيخ عبد الله بن محمد الصدّيق في كتابه (إبراز الوهم المكنون).(٤٢٧)
وابن خلدون لم يحص الأحاديث الواردة في المهدي! وإنما ذكر جزءاً قليلاً منها، ومع محاولته لتضعيفها لم يجد بداً من الاعتراف بصحة بعضها، فقال: فهذه جملة الأحاديث التي خرجها الأئمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان، وهي - كما رأيت - لم يخلص منها من النقد إلا القليل والأقل منه(٤٢٨) أفلا يكفي هذا القليل الصحيح للاستدلال؟!.(٤٢٩)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٢٥) المصدر السابق: ٥ / ١٩٧ - ١٩٨.
(٤٢٦) فضائل الشام ودمشق للربعي: ١٠٠.
(٤٢٧) المعروف أن مؤلفه هو: أبو الفيض أحمد بن محمد بن الصدّيق الغماري.
(٤٢٨) تاريخ ابن خلدون (المقدمة): ١/ ٥٧٤.
(٤٢٩) المهدي المنتظر (عليه السلام)، الدكتور عبد العليم البستوي: ٣٦٤ - ٣٦٦.

↑صفحة ١٨٠↑

الإمام المهدي (عليه السلام) في أحاديث الصحابة عند السنة
إن أحاديث الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، كما وردت من طريق أهل البيت (عليهم السلام) في كتب الشيعة الإمامية(٤٣٠) فكذلك أيضاً رويت جملة وافرة منها في مصادر الحديث عند السنة عن جملة من الصحابة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وهي كثيرة جداً مما يدل على بلوغها حداً فوق التواتر، كما رووا أيضاً بعض أخبار المهدي من طريق أهل البيت (عليهم السلام).
قال المباركفوري في تحفة الأحوذي في باب (ما جاء في المهدي): وخرّج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة منهم: أبو داود والترمذي وابن ماجة والبزار والحاكم والطبراني وأبو يعلى الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة: مثل عليّ، وابن عباس، وابن عمر، وطلحة، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وأنس، وأبي سعيد الخدري، وأم حبيبة، وأم سلمة، وثوبان، وقرة بن إياس، وعلي الهلالي، وعبد الله بن الحارث بن جزء، وأسناد أحاديث هؤلاء بين صحيح، وحسن وضعيف.(٤٣١)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣٠) راجع: كتاب معجم أحاديث النبي (صلّى الله عليه وآله) في الإمام المهدي.
(٤٣١) تحفة الأحوذي، المباركفوري: ٦/ ٤٠١ - ٤٠٢، عون المعبود، العظيم آبادي: ١١/٢٤٢ - ٢٤٤.

↑صفحة ١٨١↑

ومنهم أيضاً: عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعمار بن ياسر، وعوف بن مالك، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن الحصين، وأبو الطفيل، وجابر الصدفي(٤٣٢) وعائشة، وسلمان الفارسي، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو أمامة الباهلي، ومجمع بن جارية الأنصاري، وأبو سليمان راعي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وشهر بن حوشب، وجابر بن سمرة.(٤٣٣)
ممن خرّج أحاديث الصحابة حول المهدي من الحفاظ والعلماء
قال الشيخ محمد جعفر الكتاني في كتابه نظم المتناثر من الحديث المتواتر: خروج المهدي الموعود المنتظر الفاطمي عن:
ابن مسعود: أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
وأم سلمة: أخرجه أبو داود وابن ماجة والحاكم في المستدرك.
وعلي بن أبي طالب: أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة.
وأبي سعيد الخدري: أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأبو يعلى والحاكم في المستدرك.
وثوبان: أخرجه أحمد وابن ماجة، والحاكم في المستدرك.
وقرة بن إياس المزني: أخرجه البزار، والطبراني في الكبير والأوسط.
وعبد الله بن الحارث بن جزء: أخرجه ابن ماجة والطبراني في الأوسط.
وأبي هريرة: أخرجه أحمد والترمذي وأبو يعلى والبزار في مسندهما،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣٢) راجع: كتاب (هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون) للسيد فاروق البياتي.
(٤٣٣) راجع: كتاب (الإمام المهدي وظهوره) للسيد جواد الشاهرودي: ٣١٩ - ٣٢٠.

↑صفحة ١٨٢↑

والطبراني في الأوسط وغيرهم.
وحذيفة بن اليمان: أخرجه الروياني.
وابن عباس: أخرجه أبو نعيم في أخبار المهدي.
وجابر بن عبد الله: أخرجه أحمد ومسلم، إلا أنه ليس فيه تصريح بذكر المهدي، بل أحاديث مسلم كلها لم يقع فيها تصريح به.
وعثمان: أخرجه الدارقطني في الإفراد.
وأبي أمامة: أخرجه الطبراني في الكبير.
وعمار بن ياسر: أخرجه الدارقطني في الإفراد، والخطيب، وابن عساكر.
وجابر ابن ماجد الصدفي: أخرجه الطبراني في الكبير.
وابن عمر، وطلحة بن عبيد الله: أخرجهما الطبراني في الأوسط.
وأنس بن مالك: أخرجه ابن ماجة.
وعبد الرحمن بن عوف: أخرجه أبو نعيم.
وعمران بن حصين: أخرجه الإمام أبو عمرو الذاني في سننه.
وغيرهم.(٤٣٤)
شهرة أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) عند الصحابة والتابعين
يظهر بشكل واضح أن أخبار ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) كانت مشهورة ومتواترة عند عامة الصحابة، والتابعين أيضاً، مما يدل على أن الاعتقاد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣٤) نظم المتناثر من الحديث المتواتر، الكتاني: ٢٢٥ - ٢٢٦ ح٢٨٩.

↑صفحة ١٨٣↑

بظهور الإمام (عليه السلام) في آخر الزمان أمر ثابت عندهم، ومسلّم فيما بينهم، ولهذا أخذ هذا الأمر قسطاً ومحلاً من اهتماماتهم فيما يرتبط بالإمام المهدي (عليه السلام)، ولهذا كثر السؤال حوله، وحول علامات ظهوره وما يتعلق به، ومن يسبر الأحاديث في ذلك يجد هذا الأمر واضحاً فيها، وأن اسم المهدي كان يتردد كثيراً على ألسنتهم، تارة بالتصريح، وأخرى بالتلويح.
جاء في كتاب الفتن لأبي نعيم: عن صالح بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: أتيناه نعوده في تخمة أصابته، قال: فذكر معاوية فتغيظ عليه، وأغلظ عليه في القول! ثم قال أبو هريرة للحسن بن علي (رضي الله عنهما): لا يكبرن عليك! فوالذي نفسي بيده لو كانت الدنيا يوماً واحداً لطول الله ذلك اليوم حتى تكون الخلافة لبني هاشم.(٤٣٥)
وأخرج الداني بإسناده: عن فرات القزاز، عن أبي معبد قال: قلت له: سمعت ابن عباس يذكر في المهدي شيئاً؟ قال: نعم، سمعته يقول: والله لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لختم الله بنا هذا الأمر كما فتحه، وقال: بنا فتح هذا الأمر وبنا يختم.(٤٣٦)
وقال إسحاق بن موسى الأنصاري: سمعت محمد بن جعفر يقول: شكوت إلى مالك بن أنس ما نحن فيه، وما نلقى! فقال: اصبر حتى يجيء تأويل هذه الآية (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)(٤٣٧).(٤٣٨)
إلى غير ذلك من الأحاديث التي أفصحت عن عقيدتهم وتسالمهم على ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، وخروجه لنشر العدل في آخر الزمان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣٥) كتاب الفتن، نعيم بن حماد المروزي: ١٢١.
(٤٣٦) السنن الواردة في الفتن: ٥ / ١٠٤٣ ح ٥٥٩، دلائل النبوة، البيهقي: ٦ / ٥١٧.
(٤٣٧) سورة القصص، الآية: ٥.
(٤٣٨) مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الأصفهاني: ٣٥٩.

↑صفحة ١٨٤↑

صحة أحاديث الإمام المهدي عند أعلام السنة
قد نص جملة من أعلام السنة على صحة أحاديث المهدي (عليه السلام) في كتب السنن والحديث، هذا وإن كانت هناك أحاديث في هذا الباب حكم عليها بالضعف، لكن هناك جملة وافرة من الأحاديث الصحيحة والأحاديث الحسنة ما يغني عن الضعيف، كما أن بعض الأحاديث الضعيفة لها شواهد في الأحاديث الصحيحة.
ونذكر هنا على سبيل المثال بعض الأعلام الذين نصوا على صحة جملة من أحاديث المهدي (عليه السلام)، وهم كما يلي:
١ - الترمذي (ت ٢٩٧هـ)
قال في سننه: ج ٤ ص ٥٠٥ الأحاديث رقم: ٢٢٣٠ و٢٢٣١، وج ٤ ص ٥٠٦ الحديث رقم ٢٢٣٣ عن كلّ واحد من الأحاديث الثلاثة المذكورة: هذا حديث حسن صحيح. وقال في ج ٤ ص ٥٠٦ من سننه عن الحديث رقم ٢٢٣٢: (هذا حديث حسن).(٤٣٩)
٢ - الحافظ أبو جعفر العقيلي (ت ٣٢٣هـ)
قال بعدما أورد حديث أم سلمة عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): المهدي من ولد فاطمة، قال: وفي المهدي أحاديث جياد من غير هذا الوجه بخلاف هذا اللفظ.(٤٤٠)
وقال أيضاً بعدما أورد حديث ياسين بن سيار العجلي في الإمام المهدي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣٩) كتاب المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي، إصدار مركز الرسالة: ص ٣٤.
(٤٤٠) ضعفاء العقيلي: ٣/ ٢٥٤، رقم: ١٢٥٧، في ترجمة علي بن نفيل، تهذيب التهذيب، ابن حجر: ٧/ ٣٤٢، رقم: ٦٣٣.

↑صفحة ١٨٥↑

عليه السلام: وفي المهدي أحاديث صالحة الأسانيد من غير هذا الطريق.(٤٤١)
٣ - أبو حاتم ابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)
فقد ذكر في كتابه الصحيح جملة من الأحاديث في الإمام المهدي (عليه السلام).(٤٤٢)
٤ - البيهقي (ت ٤٥٨هـ)
قال: والأحاديث في التنصيص على خروج المهدي أصح إسناداً، وفيها بيان كونه من عترة النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم).(٤٤٣)
٥ - ابن تيمية الحراني (ت ٧٢٨هـ)
قال في كتابه منهاج السنة: إن الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة، رواها أبو داود والترمذي وأحمد، وغيرهم من حديث ابن مسعود وغيره.(٤٤٤)
٦ - القرطبي (ت ٧٦١ هـ)
قال: إن الأخبار الصحاح قد تواترت على أن المهدي من عترة رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم).(٤٤٥)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤١) ضعفاء العقيلي: ٤/ ٤٦٥ - ٤٦٦، رقم: ٢١٠.
(٤٤٢) راجع: صحيح ابن حبان: ١٥/ ١٣٦ تحت عنوان (ذكر البيان بأن خروج المهدي إنما يكون بعد ظهور الظلم والجور في الدنيا وغلبهما على الحق والجد)
(٤٤٣) تأريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ٤٧/ ٥١٨، تهذيب الكمال، المزي: ٢٥/ ١٥٠، تهذيب التهذيب، ابن حجر: ٩/ ١٢٦، تفسير القرطبي: ٨/ ١٢٢.

(٤٤٤) منهاج السنة، ابن تيمية: ٤/ ٢١١.
(٤٤٥) تفسير القرطبي: ٨/ ١٢١ - ١٢٢.

↑صفحة ١٨٦↑

وقال أيضاً في كتابه الآخر (التذكرة): والأحاديث عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة أصح من هذا الحديث، فالحكم بها دونه.(٤٤٦)
٧ - سعد الدين التفتازاني (ت ٧٩٣هـ)
قال في شرح المقاصد: خاتمة، مما يلحق بباب الإمامة (خروج المهدي ونزول عيسى (عليه السلام)) وهما من أشراط الساعة، وقد وردت في هذا الباب أخبار صحاح وإن كانت آحاداً.(٤٤٧)
٨ - الشيخ علي المتقي الهندي (ت ٩٧٥هـ)
قال: اعلم - رحمك الله - لا شك أن وجود المهدي الموعود ثبت بالأحاديث والآثار نحو من ثلاثمائة فصاعداً.(٤٤٨)
٩ - الشيخ ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠هـ)
قال الألباني في مقال له بمجلة التمدن الإسلامي: أما مسألة المهدي المنتظر فليعلم أن في خروجه أحاديث صحيحة، قسم كبير منها له أسانيد صحيحة(٤٤٩)، وقال أيضاً: الأحاديث في ذلك كثيرة جداً، وأشهرها حديث عبد الله بن مسعود مرفوعاً... وقد أخطأ ابن خلدون خطأ واضحاً حيث ضعّف أحاديث المهدي كلها، ولا غرابة في ذلك! فإن الحديث ليس من صناعته، والحق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤٦) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، القرطبي: ٢/ ٧٢٣، الحاوي، السيوطي: ٢/ ١٦٥، المهدي المنتظر (عليه السلام)، البستوي: ٥٠.
(٤٤٧) شرح المقاصد، التفتازاني: ٢/ ٣٠٧.
(٤٤٨) المهدي المنتظر، البستوي: ٥٥، عن كتاب الرد على من حكم وقضى أن المهدي الموعود جاء ومضى: ١٣٤.
(٤٤٩) (حول المهدي، الألباني: ٦٤٤) نشر في مجلة التمدن الإسلامي، دمشق السنة ٢٢ ذو القعدة ١٣٧١.

↑صفحة ١٨٧↑

أن الأحاديث الواردة في المهدي فيها الصحيح والحسن، وفيها الضعيف والموضوع، وتمييز ذلك ليس سهلاً إلا على المتضلع في علم السنة، ومصطلح الحديث.(٤٥٠)
إلى غير ذلك من أعلام السنة ممن نصوا على صحة أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام).(٤٥١)
تواتر أحاديث الإمام المهدي عند أعلام السنة
وكما نص علماء السنة وأئمتهم على صحة أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) فكذلك أيضاً نصوا على بلوغها حدّ التواتر الذي يغني عن فحص الأسانيد فيها، يقول الدكتور عبد الحليم النجار في مقدمته لكتاب المهدوية في الإسلام: إن علماء الحديث يرون أن فكرة المهدي بلغت مبلغ التواتر المعنوي.(٤٥٢)
ويقول الشيخ منصور علي ناصف: اشتهر بين العلماء سلفاً وخلفاً: أنه في آخر الزمان لا بد من ظهور رجل من أهل البيت، يسمى: المهدي، يستولي على الممالك الإسلامية، ويتبعه المسلمون، ويعدل بينهم، ويؤيد الدين، وقد روى أحاديث المهدي جماعة من خيار الصحابة، وأخرجها أكابر المحدثين: كأبي داود،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥٠) راجع: المهدي المنتظر (عليه السلام)، البستوي: ص ٥٩، رقم: ٢٣، عن كتاب تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق (ص ١٦) الحديث رقم ١٨.
(٤٥١) وممن عني بهذا الموضوع وسرد جملة من أعلام السنة الذين نصّوا على صحة أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام): مجلة تراثنا العدد ٣ و٤، سنة ١٤١٣: ج٣٢ ص ١٨ تحت عنوان (أحاديث المهدي بين الصحة والضعف) مقال للعلامة المحقق السيد محمد رضا الجلالي، وكتاب المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي، إصدار مركز الرسالة ص ٣٤ - ٣٨، تحت عنوان (صحة أحاديث المهدي (عليه السلام))، ومن كتب العامة: الإمام المنتظر، للبستوي: ٤٧ تحت عنوان: (الأئمة والعلماء الذين احتجوا بأحاديث المهدي).
(٤٥٢) أدب الشيعة: ١٠١.

↑صفحة ١٨٨↑

والترمذي، وابن ماجة، والطبراني، وأبي يعلى، والبزاز، والإمام أحمد، والحاكم، ولقد أخطأ من ضعف أحاديث المهدي كلها: كابن خلدون وغيره.(٤٥٣)
وإليك هنا جملة من أعلام السنة من الذين نصّوا على تواتر أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام)، وهم كالتالي:
١ - الحافظ أبو الحسن محمد بن الحسين الآبري السجزي (ت ٣٦٣هـ)
قال ابن حجر في فتح الباري: قال أبو الحسن الخسعي الآبري في مناقب الشافعي: تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأمة وأن عيسى يصلي خلفه.(٤٥٤)
وقال أيضاً في كتابه (مناقب الشافعي): وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلاً، وأن عيسى (عليه السلام) يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤمُّ هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه في طول من قصته وأمره.(٤٥٥)
٢ - الحافظ أبو عبد الله الكنجي الشافعي (ت ٦٥٨هـ)
قال يوسف بن يحيى بن علي المقدسي الشافعي السلمي من علماء القرن السابع في كتابه (عقد الدرر في أخبار المنتظر): وقد نقل علماء الحديث في حق الإمام المهدي من الأحاديث ما لا يُحصى كثرةً، وكلها معرِّضة بذكره، ومصرحة عنه من كان له بهذا الفن خبرة، وبعضها لبعض مصححة، وقد ذكر الإمام الحافظ أبو عبد الله الحاكم في كتابه المستدرك على الصحيحين من ذلك ما فيه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥٣) التاج الجامع للأصول: ٥/ ٣١٠، عقيدة المسلمين في المهدي، مؤسسة نهج البلاغة: ١٢.
(٤٥٤) فتح الباري، ابن حجر: ٦/ ٣٥٨، عون المعبود، العظيم آبادي: ١١/ ٣٠٨.
(٤٥٥) المهدي المنتظر، البستوي: ٤٠، عن كتاب مناقب الشافعي للآبري.

↑صفحة ١٨٩↑

غنية، ونبه على ترجيح رواته الجم الغفير من كان له في ذلك بغية.(٤٥٦)
٣ - ابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)
اعترف ابن خلدون بتواتر أحاديث المهدي (عليه السلام) مع تضعيفه لها، قال ابن خلدون في تأريخه: اعلم أن في المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت، يؤيِّد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأن عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدي في صلاته، ويحتجون في الشأن بأحاديث خرّجها الأئمة.(٤٥٧)
٤ - محمد بن رسول الحسيني البرزنجي (ت ١١٠٣هـ)
قال في كتابه (الإشاعة في أشراط الساعة): الباب الثالث في الأشراط العظام، والأمارات القريبة التي تعقبها الساعة، وهي أيضاً كثيرة، فمنها المهدي وهو أولها، واعلم أن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها لا تكاد تنحصر.(٤٥٨)
وقال أيضاً: قد علمت أن أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزمان، وأنه من عترة رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) من ولد فاطمة بلغت حدّ التواتر المعنوي، فلا معنى لإنكارها.(٤٥٩)
وقال أيضاً: وغاية ما ثبت بالأخبار الصحيحة الكثيرة الشهيرة التي بلغت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥٦) راجع: عقد الدرر في أخبار المنتظر: ٦ - ٨.
(٤٥٧) تاريخ ابن خلدون: ١/٣١١.
(٤٥٨) الإشاعة في أشراط الساعة: ٨٧.
(٤٥٩) نفس المصدر: ١١٢.

↑صفحة ١٩٠↑

حدّ التواتر المعنوي وجود الآيات العظام التي منها بل أولها خروج المهدي، وأنه يأتي في آخر الزمان من ولد فاطمة يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً.(٤٦٠)
٥ - الشيخ محمد السفاريني (ت ١١٨٨هـ)
قال في كتابه (لوائح الأنوار البهية): والصواب الذي عليه أهل الحق أن المهدي غير عيسى، وأنه يخرج قبل نزول عيسى (عليه السلام) وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حدّ التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عُدّ من معتقداتهم... وقد روي عن من ذكر من الصحابة وغير من ذكر عنهم بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم ما يفيد مجموعه العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب، كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة.(٤٦١)
٦ - القاضي محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠هـ)
قال في (الفتح الرباني): الذي أمكن الوقوف عليه من الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر خمسون حديثاً وثمانية وعشرون أثراً، ثم سردها مع الكلام عليها ثم قال: وجميع ما سقناه بالغ حدّ التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع.(٤٦٢)
وقال في كتابه الآخر (التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح): والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثاً، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها في جميع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦٠) نفس المصدر: ١٨٩.
(٤٦١) لوائح الأنوار البهية: ٢/ ٨٠. عن كتاب المهدي المنتظر (عليه السلام) في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة، عبد العليم البستوي: ٤٠ - ٤٦.
(٤٦٢) تحفة الأحوذي، المباركفوري: ٦/ ٤٠١ - ٤٠٢، عون المعبود، العظيم آبادي: ١١/٢٤٢ - ٢٤٤.

↑صفحة ١٩١↑

الاصطلاحات المحررة في الأصول.(٤٦٣)
وقال أيضاً: فتقرر أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، والأحاديث الواردة في الدجال متواترة، والأحاديث الواردة في نزول عيسى بن مريم متواترة.(٤٦٤)
٧ - النواب صديق حسن خان القنوجي (ت ١٣٠٧هـ)
قال في كتابه (الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة): الأحاديث الواردة في المهدي على اختلاف رواياتها كثيرة جداً تبلغ حدّ التواتر المعنوي، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد.(٤٦٥)
وقال أيضاً: لا شك في أن المهدي يخرج في آخر الزمان من غير تعيين لشهر وعام، لما تواتر من الأخبار في الباب، واتفق عليه جمهور الأمة سلفاً عن خلف إلا من لا يعتد بخلافه.(٤٦٦)
وقال أيضاً في معرض ردّه على ابن خلدون: فلا معنى للريب في أمر ذلك الفاطمي الموعود المنتظر المدلول عليه بالأدلة، بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة حدّ التواتر.(٤٦٧)
٨ - الشيخ محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني (ت ١٣٤٥ هـ)
قال في كتابه (نظم المتناثر من الحديث المتواتر): والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، وكذا الواردة في الدجال، وفي نزول سيدنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦٣) الإذاعة: ١١٤.
(٤٦٤) الإذاعة: ١٦٠، راجع: كتاب المهدي المنتظر (عليه السلام)، البستوي: ٤٠ - ٤٦.
(٤٦٥) الإذاعة: ١١٢.
(٤٦٦) الإذاعة: ١٤٥.
(٤٦٧) الإذاعة: ١٤٦.

↑صفحة ١٩٢↑

عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام.(٤٦٨)
هذا وقد بسط القول في هذه المسألة وأشبعها بحثاً، كما أنه ذكر أيضاً جملة من علماء السنة من الذين نصوا على تواتر أحاديث المهدي (عليه السلام)، وردّ على من ضعّفها، وإليك كلامه في ذلك، قال: قد نقل غير واحد عن الحافظ السخاوي أنها متواترة، والسخاوي ذكر ذلك في فتح المغيث، ونقله عن أبي الحسين الآبري، وقد تقدم نصّه أول هذه الرسالة.
وفي تأليف لأبي العلاء إدريس بن محمد بن إدريس الحسين العراقي: المهدي هذا أن أحاديثه متواترة أو كادت، قال: وجزم بالأول غير واحد من الحفاظ النقاد.
وفي (شرح الرسالة) للشيخ جسوس ما نصّه: ورد خبر المهدي في أحاديث ذكر السخاوي أنها وصلت إلى حدّ التواتر.
وفي (شرح المواهب) نقلاً عن أبي الحسين الآبري في مناقب الشافعي قال: تواترت الأخبار أن المهدي من هذه الأمة، وأن عيسى يصلي خلفه. ذكر ذلك رداً لحديث ابن ماجة، عن أنس: (ولا مهدي إلا عيسى).
وفي (مغاني الوفا بمعاني الاكتفا) قال الشيخ أبو الحسين الآبري: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) بمجيء المهدي، وأنه سيملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلاً.
وفي (شرح عقيدة الشيخ محمد بن أحمد السفاريني الحنبلي) ما نصّه: وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حدّ التواتر المعنوي.. الخ.(٤٦٩)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦٨) نظم المتناثر من الحديث المتواتر، الكتاني: ٢٢٩.
(٤٦٩) وقد تقدم كلامه قريباً.

↑صفحة ١٩٣↑

وتتبع ابن خلدون في مقدمته طرق أحاديث خروجه مستوعباً لها على حسب وسعه، فلم تسلم له من علة، لكن ردوا عليه بأن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها كثيرة جداً تبلغ حدّ التواتر، وهي عند أحمد والترمذي وأبي داود وابن ماجة والحاكم والطبراني وأبي يعلى الموصلي والبزار وغيرهم من دواوين الإسلام من السنن والمعاجم والمسانيد، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة، فإنكارها مع ذلك مما لا ينبغي..
والأحاديث يشدّ بعضها بعضاً، ويتقوى أمرها بالشواهد والمتابعات، وأحاديث المهدي بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف، وأمره مشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار، وأنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت النبوي يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأن عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدي في بعض صلواته. إلى غير ذلك..
وللقاضي العلامة محمد بن علي الشوكاني اليمني رسالة سماها (التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح) قال فيها: والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها: خمسون حديثاً في الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول.
وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضاً لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك.
وانظره، فقد ذكر أحاديثه وتكلم عليها، وفي الصواعق لابن حجر الهيتمي ما نصّه: قال أبو الحسين الآبري: قد تواترت الأخبار، واستفاضت بكثرة رواتها

↑صفحة ١٩٤↑

عن المصطفى (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) بخروج المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلاً، وأنه يخرج مع عيسى صلى الله على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يؤمُّ هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه.(٤٧٠)
ومثله له في (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر) إلا أنه عبّر عن أبي الحسين المذكور ببعض الأئمة ونصه: قال بعض الأئمة: قد تواترت الأخبار.. الخ ما مرَّ عنه في الصواعق، وقال قبله بيسير ما نصّه: قال بعض الأئمة الحفاظ: إن كونه - أي المهدي - من ذريته (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) قد تواتر عنه (صلّى الله عليه [وآله] وسلم).
قلت: وأبو الحسين المذكور هو محمد بن الحسين بن إبراهيم الآبري السجستاني مصنف كتاب مناقب الشافعي، وهو كتاب حافل رتبه على أربعة أو خمسة وسبعين باباً، وآبر من قرى سجستان، توفي في رجب سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، راجع ترجمته في الطبقات الكبرى للسبكي، ولولا مخافة التطويل لأوردت هاهنا ما وقفت عليه من أحاديثه، لأني رأيت الكثير من الناس في هذا الوقت يتشككون في أمره، ويقولون: يا ترى هل أحاديثه قطعية أم لا؟ وكثير منهم يقف مع كلام ابن خلدون ويعتمده، مع أنه ليس من أهل هذا الميدان! والحق الرجوع في كلّ فن لأربابه، والعلم لله تبارك وتعالى.(٤٧١)
٩ - المباركفوري (ت ١٣٥٣هـ)
قال في تحفة الأحوذي في باب (ما جاء في المهدي): اعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧٠) الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي: ١٦٧ (ذكره في الفصل الأول في الآيات الواردة فيهم (عليهم السلام): الآية الثانية عشرة)
(٤٧١) نظم المتناثر من الحديث المتواتر، الكتاني: ٢٢٦ - ٢٢٨.

↑صفحة ١٩٥↑

رجل من أهل البيت، يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي...إلى أن قال: فالقول بخروج الإمام المهدي وظهوره هو القول الحق والصواب، والله تعالى أعلم.(٤٧٢)
١٠ - الشريف أبو الفيض الغماري الحسيني المغربي (ت ١٣٨٠هـ)
قال الشريف أبو الفيض أحمد بن محمد بن الصدّيق الغماري في مقدمة كتابه: (إبراز الوهم المكنون في كلام ابن خلدون) الذي وضعه للرد على شبهات ابن خلدون: ظهور الخليفة الأكبر... محمد بن عبد الله المنتظر، قد تواترت بكونه من أعلام الساعة وأشراطها الأخبار، وصحت عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في ذلك الآثار، وشاع ذكره، وانتشر خبره بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الدهور والأعصار، فالإيمان بخروجه واجب، واعتقاد ظهوره - تصديقاً لخبر الرسول - محتم لازب.
ثم نقل الصدّيق الأقوال بتواتر حديث المهدي، عن علماء الأمة ومؤلفاتهم، منهم: الآبري صاحب مناقب الشافعي، والسخاوي صاحب فتح المغيث، والسيوطي في الفوائد المتكاثرة في الأحاديث المتواترة، وفي اختصاره: الأزهار المتناثرة وغيرهما من كتبه، وابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة، وغيره من مصنفاته، والزرقاني في المواهب اللدنية.
وجم غفير من الحفاظ النقاد للحديث، والمحدثين المتقنين لفنون الأثر.
ثم نقل كلمات القنوجي في الإذاعة، والسفاريني في الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية، وشرحه المسمى: لوائح الأنوار، حيث قال: وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حدّ التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عدَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧٢) تحفة الأحوذي، المباركفوري: ٦/ ٤٠١ - ٤٠٢، عون المعبود، العظيم آبادي: ١١/٢٤٢ - ٢٤٤.

↑صفحة ١٩٦↑

ذلك من معتقداتهم.
وقد روى عمن ذكر من الصحابة، وغير من ذكر منهم روايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم، مما يفيد مجموعه العلم القطعي.
ثم عقد الصدّيق فصلاً في البحث عن التواتر وتعريفه، واختلاف الناس فيه، وهو الفصل الأول.
ثم ذكر رواة أحاديث المهدي على كثرتهم، وقال في نهاية الفصل: المراد بالتواتر المعنوي: أن القدر المشترك هو المتواتر، فقال: فكلّ قضية منها باعتبار إسناده لم يتواتر، ولكن القدر المشترك فيها - وهو وجود الخليفة المهدي آخر الزمان - تواتر باعتبار المجموع.(٤٧٣)
١١ - الشيخ عبد العزيز بن باز
قال الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، في تعليق له على محاضرة الشيخ عبد المحسن العباد، نشرت في مجلة الجامعة نفسها، العدد ٣، السنة الأولى ١٣٨٨، في ذيل المحاضرة ذاتها. قال فيه: أمر المهدي معلوم، والأحاديث فيه مستفيضة، بل متواترة، وقد حكى غير واحد من أهل العلم تواترها، وهي متواترة تواتراً معنوياً، لكثرة طرقها، واختلاف مخارجها، وصحابتها، ورواتها، وألفاظها، فهي بحق تدل على أن هذا الشخص الموعود به أمره ثابت، وخروجه حق.
وقال: وقد رأينا أهل العلم أثبتوا أشياء كثيرة بأقل من ذلك، والحق أن جمهور أهل العلم، بل هو الاتفاق: على ثبوت أمر المهدي، وأنه حق، وأنه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧٣) مجلة تراثنا، مؤسسة آل البيت: ٣٢ ص ٢٨ - ٢٩، رقم: ٢٠. من مقال للمحقق العلامة السيد محمد رضا الجلالي، تحت عنوان (نقد الحديث بين الاجتهاد والتقليد، ونظرة جديدة إلى أحاديث عقيدة: المهدي المنتظر (عليه السلام))

↑صفحة ١٩٧↑

سيخرج في آخر الزمان، وأما من شذّ من أهل العلم - في هذا الباب - فلا يلتفت إلى كلامه في ذلك!.(٤٧٤)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧٤) مجلة الجامعة الإسلامية: ١٧٢ - العدد(٣)، ذو القعدة ١٣٨٩، مجلة تراثنا، مؤسسة آل البيت - ج ٣٢ ص ٣٤ - ٣٥.

↑صفحة ١٩٨↑

الحفاظ والمحدثون والمؤرخون الذين ذكروا أخبار المهدي (عليه السلام)
ذكر جلّ الحفاظ والمحدِّثين والمؤرخين الأحاديث النبوية المبشرة بظهور الإمام المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان، وما يرتبط به وبدولته الشريفة، فلا تكاد تجد محدّثاً أو مؤرخاً لم يذكر شيئاً من أخباره، وإليك هنا على سبيل المثال جملة من الحفاظ والمؤرخين الذين رووا في كتبهم أخبار الإمام المهدي (عليه السلام) أو ما يرتبط به، وسوف نشير إلى المجلد والصفحة من باب المثال فقط لبعض ما ذكروه عنه، وهم كالتالي:
١ - الحافظ عبد الرزاق الصنعاني (ت ٢١١هـ)
ذكره في كتابه المصنف: ج ١١ ص ٣٧١ ح٢٠٧٧٠ الخ
٢ - نعيم بن حماد المروزي (ت ٢٢٨هـ)
ذكره في كتابه الفتن.
٣ - ابن أبي شيبة الكوفي (ت ٢٣٥ هـ)
ذكره في كتابه المصنف: ج ٨ ص ٦٧٨ ح١٩٠ الخ
٤ - أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ)

↑صفحة ١٩٩↑

ذكره في كتابه المسند: ج ١ ص ٨٤، وج ٣ ص ٣٦.
٥ - محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري (ت ٢٥٦ ه)
ذكره في كتابه: التاريخ الكبير: ج١ ص ٣٠٧، رقم: ٩٩٤، وج٨ ص٤٠٦، رقم: ٣٤٩٧.
٦ - ابن ماجة (ت ٢٧٣هـ)
ذكره في كتابه سنن ابن ماجة: ج٢ ص١٣٦٦ (باب خروج المهدي)
٧ - أبو داوود (ت ٢٧٥ ه)
ذكره في سنن أبي داود: ج ٢ ص ٣٠٩.
٨ - ابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
ذكره في كتابه غريب الحديث: ج١ ص ٣٥٩.
٩ - الترمذي (ت ٢٧٩هـ)
ذكره في السنن: ج ٣ ص ٣٤٣ (باب ما جاء في المهدي)
١٠ - أبو يعلى الموصلي (ت ٣٠٧ هـ)
ذكره في كتابه المسند: ج ٢ ص ٢٧٤ ح٩٨٧.
١١ - أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ)
ذكره في كتابه جامع البيان: ج١ ص ٦٩٩.
١٢ - الحافظ أبو جعفر العقيلي (ت ٣٢٣هـ)
ذكره في كتابه ضعفاء العقيلي: ج ٤ ص ٢٥٩ - ٢٦٠، وص ٣٨١، وج ٤ ص ٤٦٥ - ٤٦٦، رقم: ٢١٠.

↑صفحة ٢٠٠↑

١٣ - أبو حاتم ابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)
ذكره في كتابه الصحيح: ج ١٥ ص ٢٣٦ الخ
١٤ - الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت ٣٦٠هـ)
ذكره في كتابه المعجم الصغير: ج١ ص٣٧، والمعجم الأوسط: ج ٢ ص ٥٥ - ٥٦، وج ٩ ص ١٧٦، والمعجم الكبير: ج١٠ ص ١٣٣ - ١٣٦ ح١٠٢١٣ الخ، وج١٨ ص٥١، وج١٩ ص ٣٢، وج٢٣ ص٢٦٧، وفي كتابه مسند الشاميين: ج٢ ص٧٢ ح٩٣٧.
١٥ - الحافظ أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني (ت ٣٦٥هـ)
ذكره في كتابه الكامل في ضعفاء الرجال: ج ٣ ص ١٩٦، رقم: ٦٩٧، وص ٤٢٨، رقم: ٨٤٨، وج ٤ ص ١٩٧ - ١٩٨، رقم: ١٠٠٨وص ٢٢٨ - ٢٢٩، رقم: ١٠٤٦، وج ٥ ص ١٤٧، وج ٧ ص ١٨٤ - ١٨٦، رقم: ٢٠٩٥.
١٦ - الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ)
ذكره في علل الدارقطني: ج ١٠ ص ١٦٠ ح١٩٥٢، وكتاب الإفراد.
١٧ - الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥هـ)
ذكره في كتابه المستدرك على الصحيحين: ج ٤ ص ٥٥٧.
١٨ - أبو نعيم الإصبهاني (ت ٤٣٠ هـ)
ذكره في كتابه أربعين حديثاً في المهدي.
١٩ - أبو عمرو الداني المقرىء (ت ٤٤٤هـ)
ذكره في كتابه السنن الواردة في الفتن
٢٠ - الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨هـ)
ذكره في كتابه دلائل النبوة، وفي كتابه شعب الإيمان.

↑صفحة ٢٠١↑

٢١ - الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ)
ذكره في تلخيص المتشابه وفي المتفق والمفترق، وكذلك في كتابه تاريخ بغداد: ج ١ ص ٣٨٧، وج ٩ ص ٤٧٧ - ٤٧٨، رقم: ٥١٠١، وج ٩ ص ٤٧٧ - ٤٧٨، رقم: ٥١٠١.
٢٢ - ابن عبد البر يوسف بن عبد الله المالكي (ت ٤٦٣هـ)
ذكره في كتابه الإستيعاب: ج١ ص٢٢١ ح٢٨٨.
٢٣ - ابن عساكر (ت ٥٧١ هـ)
ذكره في تأريخه: ج٢ ص٢١٤، وص٢١٦ وص٢١٧، وج١٩ ص٤٧٥، وج٣٢ ص٢٨١، وج٥٣ ص٤١٤، وج٥٤ ص٢٧٦.
٢٤ - ابن الجوزي (ت ٥٩٧هـ)
ذكره في تاريخه، وكتاب زاد المسير: ج٣ ص٢٩٠، وكذلك في كتابه الموضوعات: ج ٢ ص ٥٧.
٢٥ - ابن الأثير، علي بن أبي الكرم الشيباني (ت ٦٣٠هـ)
ذكره في كتابه أسد الغابة في معرفة الصحابة: ج١ ص٢٥٩ و٢٦٠.
٢٦ - ابن عربي محيي الدين أبو عبد الله محمد بن علي (ت ٦٣٨هـ)
ذكره في كتابه الفتوحات المكية: ج٣ ص ٣٢٧ قال: (الباب السادس والستون وثلاثمائة) في معرفة منزل وزراء المهدي الآتي في آخر الزمان الذي بشر به رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) وهو من الحضرة المحمدية.
وذكره أيضاً في كتاب التفسير: ج١ ص٣١، وص٣٢، وص٧٠، وص١٢٥، وص٢٦٠، وص٢٧٠، وص٢٨٠، وص٤٠٨، وص٤٢٠، وج٢ ص١٢٠، وص١٣٢، وص١٣٩، وص١٤٢، وص١٥٧، وص١٩٦،

↑صفحة ٢٠٢↑

وص٢٠٣، وص٢٢٧، وص٢٤٢، وص٢٧٩، وص٢٨٠، وص٢٩٣، وص٣٢٠، وص٣٢١، وص٤١٩.
٢٧ - كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي (ت ٦٥٢هـ)
ذكره في كتابه مطالب السؤول في مناقب آل الرسول (عليهم السلام): ج٢ ص ١٥٢ - ١٦٢، الباب الثاني عشر.
٢٨ - سبط بن الجوزي (ت ٦٥٤هـ)
ذكره في كتابه تذكرة الخواص: ص٣٠٤ - ٣٠٧.
٢٩ - ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي (ت ٦٥٥هـ)
ذكره في كتابه شرح نهج البلاغة: ج١ ص٢٨١، وص٢٨٢، وج٧ ص٩٤، وج٩ ص١٢٨، وج١٩ ص١٠٤.
٣٠ - الكنجي الشافعي (ت ٦٥٨هـ)
ذكره في كتابه: البيان في أخبار صاحب الزمان (عليه السلام).
٣١ - محمد بن أحمد القرطبي المالكي (ت ٦٧١هـ)
ذكره في كتابه: التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، وكتابه الجامع لأحكام القرآن في التفسير: ج ٢ ص ٧٩، وج٨ ص١٢١، و١٢٢، وج١١ ص٤٨، وج١٤ ص١٠٧.
٣٢ - ابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
ذكره في كتابه وفيات الأعيان: ج٤ ص١٧٦.
٣٣ - أحمد بن عبد الله محب الدين الطبري (ت ٦٩٤هـ)
ذكره في كتابه ذخائر العقبى: ص ١٧.

↑صفحة ٢٠٣↑

٣٤ - ابن منظور الإفريقي(ت ٧١١ هـ)
ذكره في كتابه لسان العرب. ج١١ ص٣١٧، وج١٣ ص٢١٢، وج١٤ ص٤، وص١٥١، وقال في مادة هدى ج١٥ ص٣٥٤: المهدي: الذي قد هداه الله إلى الحق، وقد استعمل في الأسماء حتى صار كالأسماء الغالبة، وبه سمي المهدي الذي بشّر به النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم)، أنه يجيء في آخر الزمان.
٣٥ - الجويني (ت ٧٣٠هـ)
ذكره في كتابه فرائد السمطين: ج٢ ص٣٢٩ ح٥٧٩، وص٣١٠ ح٥٦١ وص٣٢٢ح٥٧٣، وص ٣٢٤ ح٥٧٤، وص٣٢٦ ح٥٧٦ الخ
٣٦ - الحافظ جمال الدين يوسف المزي (ت ٧٤٢هـ)
ذكره في كتابه تهذيب الكمال في أسماء الرجال: ج ٩ ص ٤٣٧، وج٢٥ ص٤٦٧ - ٤٦٨، وج ٣١ ص ١٨١، رقم: ٦٧٧٣
٣٧ - الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)
ذكره في سير أعلام النبلاء: ج ٦ ص ١٣١ - ١٣٢، وج ١١ ص ٤١٧، وج ١٥ ص ٢٥٣، وكذلك في كتابه ميزان الاعتدال: ج ٢ ص ٤٢٧، ج ٣ ص ٩٧، رقم: ٥٧١٩، وج ٤ ص ٤٢٣ - ٤٢٤، رقم: ٩٦٩٥، وفي كتابه تذكرة الحفاظ: ج ٢ ص ٧٦٥، وكتابه تاريخ الإسلام: ج ١٧ ص ١٩٣ - ١٩٣، وج ٢٦ ص ٣٩
٣٨ - محمد بن يوسف الزرندي الحنفي (ت ٧٥٠ هـ)
ذكره في كتابه معارج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول (صلّى الله عليه وآله): ص١٨٦ الخ
٣٩ - الحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)

↑صفحة ٢٠٤↑

ذكره في كتابه رسالة في المهدي، وكتابه البداية والنهاية: ج٦ ص٢١٥ وص٢١٩، وص٢٢١، وص٢٧٦، وص٢٧٨، وج٩ ص ١٧٦، وج١٠ص٥٥ وص١٦٢، وفي كتابه التفسير: ج١ ص١٦٢، وج٢ ص٣٤، وج٣ ص٣١٢.
٤٠ - الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت ٨٠٧هـ)
ذكره في كتابه موارد الظمآن: ج ٦ ص ١٢٩ (باب ما جاء في المهدي) الخ
وكتابه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: ج٧ ص٣١٧.
٤١ - ابن خلدون المغربي (ت ٨٠٨ هـ)
ذكره في كتابه التأريخ: ج ١ ص ٣١٢ - ٣١٦.
٤٢ - الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ)
ذكره في فتح الباري: ج٦ ص ٣٥٨، وص٣٦٥، وص٣٩٧، وكتابه تهذيب التهذيب: ج٩ ص١٢٦، رقم: ٢٠٢، وج١١ ص١٥٢، رقم: ٢٩٤.
٤٣ - الحافظ جلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
ألَّف كتاباً خاصاً بالمهدي وهو: العرف الوردي في أخبار المهدي، وكذلك في كتابه الآخر: الدر المنثور: ج ٦ ص ٥٨، وكذلك في كتابه: الجامع الصغير: ج ٢ ص ٤٠٢ ح٧٢٢٩ وص ٤٣٨ ح٧٤٨٩ الخ، وص ٦٧١ ح٩٢٤١ الخ.
٤٤ - المحدث أحمد بن حجر الهيتمي المكي(ت ٩٧٤هـ)
ذكره في كتابه الصواعق المحرقة: ص١٦٣ في الفصل الأول، وكذلك في كتابه: القول المختصر في علامات المهدي المنتظر.
٤٥ - الشيخ علي المتقي الهندي (ت ٩٧٥هـ)
ذكره في كتابه كنز العمال: ج ١٤ ص ٢٦١ - ٢٦٢ باب (خروج المهدي

↑صفحة ٢٠٥↑

عليه السلام) وكذلك كتابه البرهان في علامات مهدي آخر الزمان.
٤٦ - الشيخ عبد الرؤوف المناوي (ت ١٠٣١هـ)
ذكره في كتابه فيض القدير شرح الجامع الصغير: ج ٥ ص ٣٣٤ - ٣٣٥ ح٧٢٢٩، وج ٦ ص ٣٦٠ - ٣٦١، رقم: ٩٢٤١ وح٩٢٤٣.
٤٧ - الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي (ت ١١٦٢هـ)
ذكره في كتابه كشف الخفاء: ج ٢ ص ٢٨٨ ح٢٦٦١.
٤٨ - الشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي (ت ١٢٩٤هـ)
ذكره في كتابه ينابيع المودة لذوي القربى: ج ٢ ص ٢١٠ ح٦٠٩.
٤٩ - العلامة شمس الحق العظيم آبادي (ت ١٣٢٩هـ)
ذكره في كتابه عون المعبود: ج ١١ ص ٢٥١.
٥٠ - العلامة الشيخ عبد الرحمن المباركفوري (ت ١٣٥٣هـ)
ذكره في كتابه تحفة الأحوذي: ج ٦ ص ٤٠٣.
ومنهم أيضاً: البارودي في معرفة الصحابة، وابن جرير في تهذيب الآثار، وأبو بكر بن المقري في معجمه، وأبو عمرو الداني في سننه، وغيرهم من الحفاظ والمؤرخين الذين ذكروا أخبار المهدي (عليه السلام) وظهوره، ونشير هنا أيضاً إلى بعض الكتب التي سردت جملة من الحفاظ والمؤرخين الذين رروا أخبار المهدي (عليه السلام)، فمنها كتاب (المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي) في ص ٢٦ - ٢٩ إصدار مركز الرسالة, وما ذكره أيضاً الشيخ عبد المحسن العباد - في (مجلة الجامعة الإسلامية): ١٦١ - العدد: الثالث.(٤٧٥)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧٥) راجع: عقيدة المسلمين في المهدي، مؤسسة نهج البلاغة: ١٠ - ١٢.

↑صفحة ٢٠٦↑

ومنهم أيضاً البستوي، فقد ذكر جملة منهم في كتابه (المهدي المنتظر (عليه السلام)) قال: زيادة على أولئك الذين نصوا على تواتر أحاديث المهدي هناك علماء آخرون كثيرون صحَّحوا أحاديث المهدي، وذكروها في مؤلفاتهم، ونصوا على الاحتجاج بها، وفي السطور القادمة أذكر بعض التصريحات التي وجدتها في هذا الصدد.. الخ، أقول: وقد عدّ منهم ما يلي:
١ - سفيان بن سعيد الثوري (ت ١٦١هـ)
٢ - أبو الحسين ابن المنادي (ت ٣٣٦هـ)
٣ - أبو سليمان الخطابي (ت ٣٨٨هـ)
٤ - الحافظ أبو القاسم السهيلي (ت ٥٨١هـ).
٥ - ابن تيمية الحراني (ت ٧٢٨هـ)
٦ - ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١هـ)
٧ - الشيخ أبو الحسن السمهودي (ت ٩١١هـ)
٨ - الشيخ الملا علي القارئ الهروي (ت ١٠١٤هـ)
٩ - الشيخ محمد بشير السهسواني (ت ١٣٦٢هـ)
١٠ - ومن الذين احتجوا بأحاديث المهدي وردُّوا على من ضعَّفه محدث مصر العلامة الشيخ أحمد شاكر (ت ١٣٧٧هـ)
قال في تعليقاته على مسند الإمام أحمد في معرض رده على ابن خلدون في تضعيفه لحديث عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) في المهدي لأجل عاصم بن أبي النجود فذكر أقوال الأئمة فيه ثم قال: أفمثل هذا يطرح حديثه ويجعل سبيلاً لإنكار شيء ثبت بالسنة الصحيحة من طرق متعددة من حديث كثير من

↑صفحة ٢٠٧↑

الصحابة حتى لا يكاد يشك في صحته أحد؟!.(٤٧٦)
١١- قال: ومن العلماء الموجودين سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز ابن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية وهيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء بالرياض..الخ.(٤٧٧)
١٢ - العلامة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني.(٤٧٨)
لماذا لم يصرح البخاري باسم المهدي في صحيحه
أنكر بعض السنة أخبار ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) وتشبث بالبخاري ومسلم أنهما لم يذكرا شيئاً من أخباره، قال السيد محمد رشيد رضا: لم يعتدَّ الشيخان بشيء من رواياتها (٤٧٩) وقال أحمد أمين المصري: ولم يرو البخاري ومسلم شيئاً عن أحاديث المهدي مما يدل على عدم صحتها عندهما (٤٨٠) وكذلك سعد محمد حسن في كتابه المهدية في الإسلام.(٤٨١)
هذا وقد صدر كتاب في دولة قطر باسم (لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر) قد أنكر فيه ظهور المهدي، ومما استدل به على ذلك أن البخاري لم يذكر حديث المهدي في صحيحه، فمعنى هذا أنه لا يراه صحيحاً!
أقول: أولاً: وإن لم يذكر البخاري أحاديث ظهور الإمام المهدي (عليه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧٦) شرح مسند أحمد بن حنبل: ٥/ ١٩٨.
(٤٧٧) مجلة الجامعة الإسلامية، عدد ذي القعدة ١٣٨٩، ص١٧٢، وقد تقدم كلامه قريباً.
(٤٧٨) تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق: ١٦، حديث رقم: ١٨. وقد تقدم كلامه في صحة أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) في الجملة.
(٤٧٩) تفسير المنار: ٩ / ٤٩٩.
(٤٨٠) ضحى الإسلام، أحمد أمين: ٣ / ٢٧٧.
(٤٨١) المهدية في الإسلام:٧٠.

↑صفحة ٢٠٨↑

السلام) صريحاً إلا أنه ذكر ما يتعلق بالبشارة به، كما نصّ على ذلك الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد المدني، عضو هيئة التدريس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (المعاصر) في محاضرته (عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر) فقد ذكر فيها عناصر عشرة مهمة حول الإمام المهدي (عليه السلام)، ومنها: (العنصر الخامس: ذكر بعض ما ورد في الصحيحين [البخاري ومسلم] من الأحاديث التي تبشر بالمهدي، ولها تعلق بشأنه).(٤٨٢)
فقد ذكر البخاري (المهدي بالوصف لا بالاسم، وأخرج الأحاديث المتعلقة بعلامات الظهور، وبنزول السيد المسيح، وظهور المسيح الدجال، وأخرج الحديث الذي يؤكد بأن إمام الأمة هو الذي سيؤم المسيح بن مريم عند نزوله، وشرّاح صحيح البخاري أعلنوا بصراحة بأن الإمام الذي عناه البخاري هو المهدي المنتظر)(٤٨٣).(٤٨٤)
ثانياً: قد اعترف البخاري أنه ترك أحاديث صحيحة لم يذكرها في كتابه، فليس كلّ صحيح هو مذكور فيه، فما أكثر الأحاديث الصحيحة التي أهملها ولم يذكرها، فهو لم يلتزم بذكر كلّ ما هو صحيح، فإذاً إهماله للأحاديث الصحيحة الأخرى لا يستوجب تضعيفها أو إهمالها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨٢) (عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر) الطبعة الأولى سنة ١٤٠٢ طبع في مطابع الرشيد بالمدينة المنورة، مجلة تراثنا، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام): ج ٣٢ ص ٣٢ - ٣٤.
(٤٨٣) راجع فتح الباري: ٦ / ٣٨٣ - ٣٨٥، وعمدة القاري: ١٦/ ٣٩ - ٤٠ المجلد الثامن، وفيض الباري: ٤ / ٤٤ - ٤٧، وحاشية البدر الساري: ٤/ ٣٣ - ٤٧، والمهدي المنتظر في الفكر الإسلامي: ١٤٠ - ١٤٣.
(٤٨٤) حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر، أحمد حسين يعقوب: ١١١.

↑صفحة ٢٠٩↑

قال الحافظ الكبير العراقي: لم يعمّ البخاري ومسلم كلَّ الصحيح..(٤٨٥)
وقال شعيب الأرنؤوط محقق كتاب صحيح ابن حبان في معرض كلامه على صحيح البخاري وصحيح مسلم: غير أنهما لم يستوعبا الصحيح من الآثار، ولا التزما ذلك أصلاً، فابن الصلاح يروي عن البخاري أنه قال: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول، وقال: أحفظ مئة ألف حديث صحيح(٤٨٦)، وجملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف واثنان وخمسة وسبعون حديثاً بالأحاديث المتكررة.(٤٨٧)
كما نقل ابن الصلاح أيضاً عن مسلم قوله: ليس كلّ شيء عندي صحيح وضعته هنا - يعني في كتابه الصحيح - إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه.(٤٨٨)
ونقل الحازمي عن البخاري قوله: كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال لي بعض أصحابنا: لو جمعتم مختصراً لسنن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم)، فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب، قال الحازمي: فقد ظهر بهذا أن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨٥) فتح المغيث: ١٧.
(٤٨٦) قال محمد بن حمدويه: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح.
وقال إبراهيم بن معقل: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول.
راجع: الكامل، عبد الله بن عدي: ١/١٣١، تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ٥٢/ ٧٣، تهذيب الكمال، المزي: ١/ ١٦٧ - ١٦٨، سير أعلام النبلاء، الذهبي: ١٠/ ٩٥ - ٩٦.
وروى عنه ذلك أيضاً الحازمي في (شروط الأئمة الخمسة: ص ٦٣) قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحاً، وما تركت من الصحيح أكثر.
(٤٨٧) مقدمة ابن الصلاح، عثمان بن عبد الرحمن: ٢١ - ٢٣.
(٤٨٨) نفس المصدر السابق: ٢٢، هدي الساري: ٧، بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث: ٨.

↑صفحة ٢١٠↑

قصد البخاري كان وضع مختصر في الحديث، وأنه لم يقصد الاستيعاب لا في الرجال ولا في الحديث.
وبقاء عدد كبير من الأحاديث الصحيحة خارج الصحيحين حرّك همّة الحفاظ إلى جمعها واستيعابها والتصنيف فيها، فكان أن ألّف ابن خزيمة صحيحه، وتبعه تلميذه ابن حبان، فألف صحيحه المسمى بالتقاسيم والأنواع، ثم ألف تلميذه الحاكم مستدركه على الصحيحين.(٤٨٩)
وقال الحاكم النيسابوري في المستدرك: لم يحكما [يعني البخاري ومسلم] ولا واحد منهما بأنه لم يصح من الحديث غير ما أخرجاه، وقد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة يشمتون برواة الآثار! بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث! وهذه الأسانيد المجموعة المشتملة على ألف جزء أو أقل أو أكثر منه كلها سقيمة غير صحيحة.
وقد سألني جماعة من أعيان أهل العلم بهذه المدينة وغيرها أن أجمع كتاباً يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل [البخاري] ومسلم بن الحجاج بمثلها، إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له فإنهما لم يدعيا ذلك لأنفسهما، وقد خرّج جماعة من علماء عصرهما ومن بعدهما عليهما أحاديث قد أخرجاها وهي معلولة، وقد جهدت في الذَّبِّ عنها في المدخل إلى الصحيح بما رضيه أهل الصنعة، وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما، وهذا شرط الصحيح عند كافة فقهاء أهل الإسلام، إن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة.(٤٩٠)
ويقول البستوي أيضاً وهو من المعاصرين: هناك أحاديث كثيرة جداً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨٩) صحيح ابن حبان: ١/ ٥ - ٦ (في المقدمة).
(٤٩٠) المستدرك، النيسابوري: ١/ ٣، وراجع أيضاً: الغدير، الشيخ الأميني: ١/ ٣١٨ - ٣١٩.

↑صفحة ٢١١↑

استدل بها العلماء وعملوا بها ولا توجد في الصحيحين، حتى في أمور العقائد.. إلى أن يقول: فمن الخطأ أن يظن أن عدم إخراج الشيخين أحاديث المهدي يدل على أنها لم تصح عندهما.(٤٩١)
وأضيف القول هنا أيضاً: إن البخاري لم يذكر المهدي (عليه السلام) بالاسم لما عرف عنه من مجانبة أهل البيت (عليهم السلام)، فإنه أشح الحفاظ رواية في فضائلهم ومناقبهم، ولا يخفى أن المهدي المنتظر هو من أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وكذلك من أولاد فاطمة (عليها السلام)، فلهذا وغيره لم يذكره بالاسم!
والبخاري لم يقف عند هذا الحد! بل وجدناه يسقط ذكرهم من الأحاديث الشريفة كما في قصة المباهلة وغيرها، وهذه إحدى المؤاخذات عليه! حيث تعمّد إهمال ذكر مناقب أهل البيت (عليهم السلام) في صحيحه إلا شيئاً يسيراً جداً، مما ينمُّ عن موقفه السلبي تجاههم، ولكي تقف على هذه الحقيقة قارن بين ما يرويه البخاري وغيره من الحفاظ في هذا الباب.
ويرى الأستاذ المحامي أحمد حسين يعقوب أمراً آخر دعا البخاري لعدم التصريح بذكر المهدي (عليه السلام)، قال في كتابه (حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر): ويبدو أن البخاري قد تحاشى ذكر المهدي بالاسم لأنه عندما وضع صحيحه، كانت فرائص الدولة ترتجف رعباً من هذا المهدي، وتبحث عنه بعد أن تأكدت مخابراتها بأنه قد ولد بالفعل.
كذلك ذكر مسلم في صحيحه المهدي بالوصف لا بالاسم، لأن مسلم قد وضع صحيحه بنفس الفترة الزمنية، ومع هذا فقد ذكر ابن حجر الهيتمي أن مسلم قد ذكر في صحيحه المهدي بالاسم وبالوصف معاً (٤٩٢) لكن الاسم قد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩١) المهدي المنتظر (عليه السلام)، البستوي: ٣٦٣.
(٤٩٢) راجع: الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي: ١٦٣، الآية الثانية عشرة، الفصل ١١، كنز العمال، المتقي الهندي: ١٤/ ٢٦٤، حديث ٣٨٦٦٢، إسعاف الراغبين، محمد علي الصبان: ١٤٥.

↑صفحة ٢١٢↑

حذف، وبقي الوصف، وليس أدل على ذلك من أن مسلم قد أخرج حديث الخليفة الذي يحثي المال حثياً، ولا يعده عداً (٤٩٣).(٤٩٤)
فالخلاصة: (إن من تذرع في إنكار ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) بخلو الصحيحين من الأحاديث الواردة بهذا الشأن، لا علم له بواقع الصحيحين.. فنقول: لا يخفى على أحد، أن الأحاديث الواردة في الإمام المهدي قد تعرضت لبيان مختلف الأمور كبيان اسمه الشريف، وبعض أوصافه، وعلامات ظهوره، وطريقة حكمه بين الرعية وغير ذلك من الأمور الكثيرة الأخرى، ولا شك أنه ليس من الواجب التنصيص على لفظ (المهدي) في كلّ حديث من هذه الأحاديث، لبداهة معرفة المراد من دون حاجة إلى التشخيص.
فمثلاً لو ورد حديث يبين صفة من صفات المهدي الموعود به في آخر الزمان (عليه السلام) مع التصريح بلفظ (المهدي) ثم ذكر الموصوف بهذه الصفة في البخاري مثلاً لا بعنوان المهدي وإنما بعنوان (رجل) مثلاً فهل يشك عاقل في أن الرجل المقصود هو المهدي؟ وإلا فكيف يعرف الإجمال في بعض الأحاديث؟ وهل هناك طريقة عند علماء المسلمين شرقاً وغرباً غير رد المجمل إلى المفصل، سواء كان المجمل والمفصل في كتاب واحد أو كان كلّ منهما في كتاب.
وإذا ما عدنا إلى الصحيحين سنجد أن البخاري ومسلماً قد رويا عشرات الأحاديث المجملة في المهدي (عليه السلام)، وقد أرجع علماء أهل السنة تلك الأحاديث إلى الإمام المهدي لوجود ما يرفع ذلك الإجمال في الأحاديث

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩٣) فقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثياً لا يعده عددا.
(صحيح مسلم: ٨/١٨٥، مسند أحمد بن حنبل: ٣/ ٩٦)
(٤٩٤) حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر، أحمد حسين يعقوب: ١١٠ - ١١١.

↑صفحة ٢١٣↑

الصحيحة المخرجة في بقية كتب الصحاح أو المسانيد أو المستدركات.
بل ونجد أيضاً ما يكاد يكون صريحاً جداً بالإمام المهدي في صحيحي البخاري ومسلم، وقبل أن نبين هذه الحقيقة نود أن نقول بأن حديث: المهدي حق، وهو من ولد فاطمة قد أخرجه أربعة من علماء أهل السنة الموثوق بنقلهم عن صحيح مسلم صراحة، وعند الرجوع إلى طبعات صحيح مسلم المتيسرة لا تجد لهذا الحديث أثراً!!
أما من صرّح بوجود الحديث في صحيح مسلم وأخرجه عنه فهم:
ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ) في الصواعق المحرقة، الباب الحادي عشر، الفصل الأول: ص ١٦٣، المتقي الهندي الحنفي (ت ٩٧٥ هـ) في كنز العمال: ج ١٤ ص ٢٦٤ حديث ٣٨٦٦٢، الشيخ محمد علي الصبان (ت ١٢٠٦هـ) في إسعاف الراغبين: ص ١٤٥، الشيخ حسن العدوي الحمزاوي المالكي (ت ١٣٠٣ هـ) في مشارق الأنوار: ص ١١٢..
وعلى أية حال فإن قسماً من أحاديث الصحيحين لا يمكن تفسيره إلا بالإمام المهدي (عليه السلام)).(٤٩٥)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩٥) المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي، مركز الرسالة: ١٣٨ - ١٣٩.

↑صفحة ٢١٤↑

الإمام المهدي من أهل البيت (عليهم السلام)
تضافرت الروايات عند جميع المذاهب الإسلامية أن الإمام المهدي (عليه السلام) من أهل البيت (عليهم السلام)، وقد بلغت الروايات في ذلك حدّ التواتر، حتى عدّ من المسلمات عندهم، وقد كان ابن عباس حبر الأمة يحدّث بذلك، فقد روى أبو معبد عن ابن عباس قال: المهدي شاب منّا أهل البيت، قال: قلت: عجز عنها شيوخكم ويرجوها شبابكم؟! قال: يفعل الله ما يشاء، وعن أبان بن الوليد قال: سمعت ابن عباس وهو عند معاوية يقول: يبعث الله المهدي منّا أهل البيت.(٤٩٦)
ورووا أيضاً عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: هو من آل محمد (صلّى الله عليه [وآله] وسلم).(٤٩٧)
قال أبو الحسن الآبري (ت ٣٦٣): وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) بذكر المهدي وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلاً، وأن عيسى (عليه السلام) يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤمُّ هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه.(٤٩٨)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩٦) كتاب الفتن، نعيم بن حماد المروزي: ٢٢٨.
(٤٩٧) نفس المصدر: ٢٣١.
(٤٩٨) المهدي المنتظر، البستوي: ٤٠، عن كتاب مناقب الشافعي للآبري.

↑صفحة ٢١٥↑

وبهذا يكون السنة موافقين لنا في هذا المورد أيضاً، إلا أنهم رووا في ضمن هذه الروايات أن اسم أبيه اسم أبي النبي (صلّى الله عليه وآله)، وهذا ما لا يتوافق مع عقيدتنا في اسم أبي الإمام المهدي، فإن الثابت بالبراهين والأدلة عندنا أن اسم أبيه هو الحسن العسكري (عليه السلام).
وأما الروايات عندهم في كون المهدي من عترة النبي (صلّى الله عليه وآله) فهي كثيرة جداً، فقد جاء في بعضها بلفظ (من أهل بيتي) وتارة بلفظ (من عترتي) وتارة ثالثة بلفظ (مني) فمنها ما يلي:
١ - سنن أبي داوود: عن أبي الطفيل، عن علي رضي الله تعالى عنه، عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) قال: لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً.(٤٩٩)
وقال السيوطي: وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): المهدي منّا أهل البيت يصلحه الله في ليلة.(٥٠٠)
٢ - سنن أبي داود: عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة، قالت: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يقول: المهدي من عترتي من ولد فاطمة (عليها السلام).
٣ - سنن أبي داود: عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): المهدي منّي، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يملك سبع سنين.(٥٠١)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩٩) سنن أبي داود: ٢/٣١٠ ح٤٢٨٣.
(٥٠٠) الدر المنثور، جلال الدين السيوطي: ٦/ ٥٨.
(٥٠١) سنن أبي داود: ٢/٣١٠ ح٤٢٨٤ و٤٢٨٥.

↑صفحة ٢١٦↑

٤ - ابن حبان: عن أبي سعيد الخدري، عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال: لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً، ثم يخرج رجل من أهل بيتي أو عترتي فيملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً.(٥٠٢)
وعن عبد الرزاق بالإسناد عن أبي سعيد الخدري قال: ذكر رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) بلاء يصيب هذه الأمة، حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم، فيبعث الله رجلاً من عترتي من أهل بيتي، فيملأ به الأرض قسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدع السماء من قطرها شيئاً إلا صبته مدراراً، ولا تدع الأرض من مائها شيئاً إلا أخرجته، حتى تتمنى الإحياء الأموات، يعيش في ذلك سبع سنين، أو ثمان، وتسع سنين.(٥٠٣)
٥ - مسند أحمد بن حنبل: عن ذر، عن عبد الله، عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): لا تقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي.
وفي رواية بلفظ: لا تنقضي الأيام، ولا يذهب الدهر حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، اسمه يواطئ اسمي.(٥٠٤)
قال السيوطي: وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والحاكم - وصححاه - عن ابن مسعود، عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) قال: لو لم يبق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠٢) صحيح ابن حبان: ١٥/ ٢٣٦، ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري: ١٧، كتاب الفتن، نعيم بن حماد المروزي: ٢٢٨ بتفاوت.
(٥٠٣) المصنف، عبد الرزاق الصنعاني: ١١/ ٣٧١ - ٣٧٢ ح٢٠٧٧٠.
(٥٠٤) مسند أحمد بن حنبل: ١/ ٣٧٦ - ٣٧٧، المستدرك، الحاكم النيسابوري: ٤ / ٤٤٢، سنن أبي داود: ٢/ ٣٠٩ - ٣١٠ ح٤٢٨٢، المعجم الكبير، الطبراني: ١٠/ ١٣٥ - ١٣٧ح١٠٢٢٥ - ١٠٢٢٩.

↑صفحة ٢١٧↑

من الدنيا إلا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجل مني أو من أهل بيتي.(٥٠٥)
٦ - أخرج الترمذي وصحَّحه: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي.(٥٠٦)
٧ - أحمد بن عبد الله الطبري: عن حذيفة أن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) قال: المهدي من ولدي، وجهه كالكوكب الدري.(٥٠٧)
٨ - الطبراني: عن الأعمش، عن عباية يعني ابن ربعي، عن أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) لفاطمة: نبينا خير الأنبياء، وهو أبوك، وشهيدنا خير الشهداء، وهو عمُّ أبيك حمزة، ومنّا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء، وهو بن عمِّ أبيك جعفر، ومنّا سبطا هذه الأمة الحسن والحسين، وهما ابناك، ومنّا المهدي.(٥٠٨)
قال الهيثمي: رواه الطبراني في الصغير، وفيه قيس بن الربيع، وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله ثقات.(٥٠٩)
٩ - القندوزي الحنفي: وفي كتاب (فضائل الصحابة لأبي المظفر السمعاني) عن أبي سعيد الخدري قال: دخلت فاطمة على أبيها (صلّى الله عليه وآله وسلم) في مرضه وبكت وقالت: يا أبي، أخشى الضيعة من بعدك! فقال: يا فاطمة، إن الله اطّلع إلى أهل الأرض اطلاعة فاختار منهم أباك فبعثه رسولاً، ثم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠٥) الدر المنثور، جلال الدين السيوطي: ٦/ ٥٨.
(٥٠٦) سنن الترمذي: ٣/ ٣٤٣ح٢٣٣٢.
(٥٠٧) ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري: ١٣٦.
(٥٠٨) المعجم الصغير، الطبراني: ١/٣٧، ينابيع المودة، القندوزي: ٣/ ٢٦٤ ح١٥رواه عن الطبراني، وفيه: ومنا المهدي وهو من ولدك، وقال: (أخرجه الطبراني في الأوسط).
(٥٠٩) مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩/ ١٦٦.

↑صفحة ٢١٨↑

اطلع ثانية فاختار منهم بعلك، فأمرني أن أزوِّجك منه، فزوَّجتك منه، وهو أعظم المسلمين حلماً، وأكثرهم علماً، وأقدمهم إسلاماً، إنا أهل بيت أعطينا سبع خصال لم يعطها أحد من الأولين، ولا يدركها أحد من الآخرين: نبينا خير الأنبياء، وهو أبوك، ووصيّنا خير الأوصياء، وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء، وهو عمُّ أبيك حمزة، ومنّا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء، وهو جعفر، ومنّا سبطا هذه الأمة، وهما ابناك، ومنّا مهدي هذه الأمة.
قال أبو هارون العبدي: لقيت وهب بن منبه أيام الموسم فعرضت عليه هذا الحديث، فقال: إن موسى لما فتن قومه واتخذوا العجل إلهاً! فكبر على موسى! قال الله: يا موسى من كان قبلك من الأنبياء افتتن قومه، وإن أمة أحمد أيضاً ستصيبهم فتنة عظيمة من بعده حتى يلعن بعضهم بعضاً، ثم يصلح الله أمرهم برجل من ذرية أحمد، وهو المهدي.
أخرجه الحافظ أبو نعيم في أربعين حديثاً في المهدي سلام الله عليه.(٥١٠)
١٠ - نعيم بن حماد المروزي: عن عروة، عن عائشة، عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) قال: هو رجل من عترتي يقاتل على سنتي كما قاتلت أنا على الوحي.(٥١١)
وقد روى السيوطي أيضاً جملة من هذه الأحاديث في الدر المنثور(٥١٢) والمتقي الهندي في كنز العمال(٥١٣) وغيرهما.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١٠) ينابيع المودة، القندوزي:٣/ ٣٨٩ - ٣٩٠ ح٢٦.
(٥١١) كتاب الفتن، نعيم بن حماد المروزي: ٢٢٩.
(٥١٢) الدر المنثور، جلال الدين السيوطي: ٦/ ٥٨.
(٥١٣) كنز العمال، المتقي الهندي: ١٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥ ح٣٨٦٦١ وح٣٨٦٦٢ وح٣٨٦٦٤ الخ.

↑صفحة ٢١٩↑

حديث بنا فتح الله وبنا يختم
ومما يدل أيضاً على أن الإمام المهدي من أهل البيت (عليهم السلام) وأن الدين يختم على يديه الشريفتين، هو ما جاء عن النبي (صلّى الله عليه وآله) في بعض الروايات، والتي مفادها أنَّ هذا الدين الذي فُتح بهم في أول الأمر، فكذلك أيضاً سوف يختم على أيديهم، وذلك حينما يظهر الإمام المهدي (عليه السلام) فيملأ الدنيا قسطاً وعدلاً، وقد اشتهرت هذه الكلمة أيضاً على لسان أهل البيت (عليهم السلام) كثيراً كما سوف يأتي، فمن ذلك ما يلي:
روى نعيم بن حماد: عن مكحول، عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) قال: قلت: يا رسول الله المهدي منّا أئمة الهدى أم من غيرنا؟ قال: بل منّا، بنا يختم الدين كما بنا فتح، وبنا يستنقذون من ضلالة الفتنة كما استنقذوا من ضلالة الشرك.. الحديث.(٥١٤)
وروى المتقي الهندي: عن يحيى بن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن علي (عليه السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حديث له:.. يا علي! بنا فتح الله الإسلام وبنا يختمه، بنا أهلك الأوثان ومن يعبدها، وبنا يقصم كلَّ جبار وكلَّ منافق.(٥١٥)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١٤) كتاب الفتن، نعيم بن حماد المروزي: ٢٢٩.
(٥١٥) كنز العمال، المتقي الهندي: ١٦/ ١٨٣ - ١٩٦ ح٤٤٢١٦.

↑صفحة ٢٢٠↑

وفي شرح نهج البلاغة: عن علي (عليه السلام)، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حديث قال:.. بنا فتح وبنا يختم، وبنا ألّف الله بين القلوب بعد الشرك..(٥١٦).
وعن المتقي الهندي: عن أبي الزعراء، قال: كان علي بن أبي طالب يقول: إني وأطايب أرومتي، وأبرار عترتي، أحلم الناس صغاراً، وأعلم الناس كباراً.. إلى أن يقول: وبنا يفتح الله ويختم.(٥١٧)
وفي كتاب الفتوح لابن أعثم قال: وأقبل الحسين (عليه السلام) على الوليد بن عتبة وقال: أيها الأمير! إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومحل الرحمة، وبنا فتح الله وبنا ختم.(٥١٨)
وأخرج أيضاً الشيخ محمد بن إبراهيم الشافعي الحمويني في فرائد السمطين: بسنده عن أبي بصير، عن خيثمة الجعفي، قال: سمعت أبا جعفر محمد الباقر يقول: نحن جنب الله، ونحن صفوته.. إلى أن قال: وبنا يفتح الله، وبنا يختم.. الحديث.(٥١٩)
وأخرج الداني بإسناده عن أبي معبد، قال: قلت له: سمعت ابن عباس يذكر في المهدي شيئاً؟ قال: نعم، سمعته يقول: والله لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لختم الله بنا هذا الأمر كما فتحه، وقال: بنا فتح هذا الأمر وبنا يختم.(٥٢٠)
وأخرج أيضاً البيهقي بإسناده عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد، قال: قال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١٦) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ٩ / ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٥١٧) كنز العمال، المتقي الهندي: ١٣/ ١٣٠ح٣٦٤١٣.
(٥١٨) كتاب الفتوح، أحمد بن أعثم الكوفي: ٥/ ١٤.
(٥١٩) فرائد السمطين، الجويني: ١/ ٤٥ ح ١١، ينابيع المودة، القندوزي: ٣/ ٣٥٩ - ٣٦٠.
(٥٢٠) السنن الواردة في الفتن: ٥ / ١٠٤٣ ح ٥٥٩.

↑صفحة ٢٢١↑

ابن عباس: كما فتح الله في أولنا فأرجو أن يختمه بنا.(٥٢١)
وقال ابن عياش: حدّثني سالم، كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن المهدي (عليه السلام)؟ فقال: إن الله تعالى هدى هذه الأمة بأول أهل هذا البيت، ويستنفذها بآخرهم، لا ينتطح فيه عنزان جماء(٥٢٢) وذات قرن!.(٥٢٣)
إلى غير ذلك من الكلمات التي أفصحوا فيها بأن خاتمة هذا الدين الحنيف ستكون على أيديهم، وأن هذا الأمر من المحتومات التي لا نقاش فيها.
قال ابن أبي الحديد، في شرح قوله: (وبنا تختم لا بكم): إشارة إلى المهدي الذي يظهر في آخر الزمان، وأكثر المحدثين على أنه من ولد فاطمة (عليها السلام)، وأصحابنا المعتزلة لا ينكرونه، وقد صرَّحوا بذكره في كتبهم، واعترف به شيوخهم...(٥٢٤)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٢١) دلائل النبوة، البيهقي: ٦ / ٥١٧.
(٥٢٢) الجماء التي لا قرن لها. النهاية، ابن الأثير: ١/ ٣٠٠.
(٥٢٣) كتاب الفتن، نعيم بن حماد المروزي: ٢٣١.
(٥٢٤) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ١/٢٨٢.

↑صفحة ٢٢٢↑

الإمام المهدي من ولد فاطمة (عليها السلام)
قد أفصحت روايات السنة أيضاً بأن الإمام المهدي (عليه السلام) هو من ولد فاطمة سيدة نساء العالمين (عليها السلام) بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وقد اشتهر ذلك عند المحدثين من بداية صدر الإسلام، حتى أصبح الأمر متسالماً عليه عندهم ولا نقاش فيه، قال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: المهدي حقٌّ هو؟ قال: حقٌّ، قال: قلت: ممن هو؟ قال: من قريش، قلت: من أيّ قريش؟ قال: من بني هاشم، قلت: من أيّ بني هاشم؟ قال: من بني عبد المطلب، قلت: من أيّ عبد المطلب؟ قال: من ولد فاطمة (عليها السلام).(٥٢٥)
وذكر الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن النخعي السهيلي في كتاب (شرح سيرة رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم)) في تفضيل فاطمة (عليها السلام) على نساء العالمين، فذكر قوله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): إنما فاطمة بضعة مني، وقوله (عليه السلام): هي خير بناتي، وشبه ذلك، ثم ذكر سؤددها وتفضيلها على غيرها، فذكر أسباباً كثيرة، منها: أنه قال: ومن سؤددها أن المهدي المبشّر به في آخر الزمان من ذريتها، فهي مخصوصة بهذه الفضيلة دون غيرها (عليها السلام).(٥٢٦)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٢٥) كتاب الفتن، نعيم بن حماد المروزي: ٢٢٨، التاريخ الكبير، البخاري: ٨/ ٤٠٦، رقم: ٣٤٩٧.
(٥٢٦) عقد الدرر في أخبار المنتظر، المقدسي الشافعي: ١٥٣ - ١٥٤.

↑صفحة ٢٢٣↑

وقد اعترف بذلك أيضاً ابن حجر الهيتمي في كتابه الصواعق المحرقة في الحديث عن الآية الثانية عشرة من الآيات الواردة في أهل البيت (عليهم السلام)، قال: قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ)(٥٢٧) قال مقاتل بن سليمان، ومن تبعه من المفسرين: إن هذه الآية نزلت في المهدي، وستأتي الأحاديث المصرحة بأنه من أهل البيت النبوي، وحينئذ ففي الآية دلالة على البركة في نسل فاطمة وعلي (رضي الله عنهما)، وأن الله ليخرج منهما كثيراً طيباً، وأن يجعل نسلهما مفاتيح الحكمة، ومعادن الرحمة، وسرُّ ذلك أن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) أعاذها وذريتها من الشيطان الرجيم، ودعا لعلي بمثل ذلك.. إلى أن قال: وقد ظهرت بركة دعائه (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) في نسلهما، فكان منه من مضى، ومن يأتي، ولو لم يكن في الآيتين إلا الإمام المهدي لكفى.(٥٢٨)
ومن الروايات في ذلك ما يلي:
ما رواه أحمد بن عبد الله الطبري: عن الحسين بن علي أن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) قال لفاطمة: المهدي من ولدك.(٥٢٩)
ومنها: ما رواه الترمذي: عن أمّ سلمة، قالت: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يقول: المهدي من عترتي من ولد فاطمة.(٥٣٠)
وعن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة، قالت: دخل عليَّ النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) وهو مسرور، فقال: ألا أبشركم! المهدي من ولد فاطمة.(٥٣١)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٢٧) سورة الزخرف، الآية: ٦١.
(٥٢٨) الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي: ١٦٢ - ١٦٣ (الفصل الأول).
(٥٢٩) ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري: ١٣٦.
(٥٣٠) سنن أبي داود، ابن الأشعث السجستاني: ٢/ ٣١٠ح٤٢٨٤، سنن ابن ماجة: ٢/ ١٣٦٨ ح٤٠٨٦.
(٥٣١) تهذيب الكمال، المزي: ٩/ ٤٣٧.

↑صفحة ٢٢٤↑

وقال العجلوني في كشف الخفاء: فمن تلك الأحاديث، ما أخرجه أبو داود وابن ماجة: عن أمّ سلمة مرفوعاً (المهدي من ولد فاطمة).(٥٣٢)
وروى القندوزي الحنفي: عن علي بن بلال، عن أبيه - رفعه - قال: يا فاطمة إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً (٥٣٣) وصارت الفتن، وانقطعت السبل، وأغار بعضهم على بعض، فلا كبير يرحم صغيراً، ولا صغير يوقر كبيراً، فيبعث الله عند ذلك المهدي من ولدك، يفتح حصون الضلالة وقلوباً غلفاً (٥٣٤) يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به في أول الزمان، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.(٥٣٥)
وعن أبي أيوب الأنصاري قال: إن النبي (صلّى الله عليه وآله) مرض فأتته فاطمة (عليها السلام) وبكت! فقال: يا فاطمة إن لكرامة الله إياك زوجك من هو أقدمهم سلماً، وأكثرهم علماً، إن الله تعالى اطلع إلى أهل الأرض اطلاعة، فاختارني منهم فجعلني نبياً مرسلاً، ثم اطلع اطلاعة ثانية، فاختار منهم بعلك، فأوحى إليَّ أن أزوجه إياكِ، وأتخذه وصياً.
يا فاطمة منّا خير الأنبياء، وهو أبوك، ومنّا خير الأوصياء، وهو بعلك، ومنّا خير الشهداء، وهو حمزة عمّ أبيك، ومنّا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث شاء، وهو جعفر ابن عمّ أبيك، ومنّا سبطا هذه الأمة وسيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين، وهما ابناك، والذي نفسي بيده منّا مهدي هذه الأمة وهو من ولدك.(٥٣٦)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٣٢) كشف الخفاء، العجلوني: ٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩ح٢٦٦١.
(٥٣٣) في ذخائر العقبى: ١٣٦: الهرج والمرج الاقتتال والاختلاط..
(٥٣٤) غلفاً: أي في غلاف عن سماع الحق.
(٥٣٥) ينابيع المودة، القندوزي: ٣/ ٣٩٠ ح٢٧، ذخائر العقبى، الطبري: ١٣٦، بتفاوت.
(٥٣٦) ينابيع المودة، القندوزي: ٣/ ٢٦٩ ح٣٣، المناقب، ابن المغازلي: ١٠١ ح ١٤٤، فرائد السمطين، الجويني: ١ / ٩٢ ح ٦١.

↑صفحة ٢٢٥↑

وجاء في كتاب الفتن: عن المنهال بن عمرو، عن زر بن حبيش، سمع علياً (رضي الله عنه) يقول: المهدي رجل منا، من ولد فاطمة (رضي الله عنها).
وعن جابر، عن أبي جعفر، قال: هو من بني هاشم، من ولد فاطمة.(٥٣٧)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٣٧) كتاب الفتن، نعيم بن حماد المروزي: ٢٣٠ - ٢٣١.

↑صفحة ٢٢٦↑

الإمام المهدي من ولد الحسين (عليه السلام)
قد ورد عند السنة أيضاً في مصادرهم بعض الروايات التي تنص على أن الإمام المهدي (عليه السلام) هو من ولد الإمام الحسين (عليه السلام)، هذا وقد أصرّ بعض أعلام السنة على أن المهدي (عليه السلام) من ولد الإمام الحسن (عليه السلام)، ويعود هذا الإصرار إلى ما تمسكت به الشيعة من كونه التاسع من ولد الحسين (عليه السلام)، وأن أباه هو الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وهذا ما لا يتوافق مع عقيدتهم في إمامة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، فمن هنا جاءت عدة محاولات للتعتيم على هاتين الصفتين، أعني أنه من ولد الحسين (عليه السلام)، وأن أباه هو الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، فعارضوا الشيعة ببعض المرويات في ذلك، وتمسكوا بما جاء في بعضها (واسم أبيه اسم أبي) فقالوا: إن اسم أبيه هو: عبد الله، هذا مع خلو نفس هذه المرويات من هذه العبارة في بعض المصادر الأخرى، مما يدل على كونها من زيادة بعض الرواة(٥٣٨) وعلى كل حال هناك بعض من علماء السنة من وافق الشيعة الإمامية في اسم أبي الإمام (عليه السلام)، وأنه من ولد الحسين (عليه السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٣٨) وقد بحث هذا الموضوع بحثاً كاملاً الأخ المحقق السيد ثامر العميدي النجفي في بحث بعنوان (اختلاف الأحاديث في تشخيص اسم والد المهدي (عليه السلام)) في مجلة تراثنا (العدد: الثالث والرابع، السنة الحادية عشر / رجب - ذو الحجة ١٤١٦ه‍، إعداد: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث: ص ٨٤) وقد فنَّد بالأدلة هذه الزيادة، وأثبت أنها من الموضوعات.

↑صفحة ٢٢٧↑

أضف إلى ذلك ما ثبت عن أهل البيت (عليهم السلام) وأهل البيت أدرى بما فيه، فقد أجمعوا على هذه العقيدة، وكل أناس أعلم من غيرهم بأنسابهم وأبنائهم، ومن الواضح جداً أن الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) متضافرة جداً في هذا المورد، بل وجدنا بعض الدلائل على ذلك في كتب السنة أيضاً تشير إلى ذلك، فقد ورد عن داود بن عبد الله الجعفري، عن الدراوردي، عن ابن أخي الزهري قال: تجالسنا بالمدينة أنا وعبد الله بن حسن فتذاكرنا المهدي، فقال عبد الله بن حسن: المهدي من ولد الحسن بن علي. فقلت: يأبى ذاك علماء أهل بيتك. فقال عبد الله: المهدي والله من ولد الحسن بن علي، ثم من ولدي خاصة.(٥٣٩)
فهذه الرواية تشير إلى أن علماء أهل البيت (عليهم السلام) والذين عليهم المعول كانت هذه عقيدتهم في الإمام المهدي (عليه السلام) وأما ما ذهب إليه عبد الله بن الحسن فشاذ لايعول عليه، إن ثبت ذلك عنه، ويكفي هنا عدم إنكاره على القائل ما نسبه إلى أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا إقرار منه.
وقد جاء ذلك أيضاً على لسان بعض المحدثين مما يدل على شهرته عندهم، كما عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو قال: يخرج رجل من ولد الحسين من قبل المشرق، ولو استقبلته الجبال لهدّمها، واتخذ فيها طرقاً.(٥٤٠)
فإن المقصود به هو المهدي (عليه السلام)، فإنه هو الذي يمكنه الله تعالى من ذلك كله في آخر الزمان.
هذا وقد نص ابن العربي على ذلك أيضاً في الفتوحات المكية قال: اعلم أيدنا الله وإياك أن لله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً، فيملؤها قسطاً وعدلاً، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يلي هذا الخليفة من عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، من ولد فاطمة، يواطئ اسمه اسم رسول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٣٩) تهذيب الكمال، المزي: ٢٥/ ٤٦٧ - ٤٦٨.
(٥٤٠) كتاب الفتن، نعيم بن حماد المروزي: ٢٢٩ و٢٣٠.

↑صفحة ٢٢٨↑

الله (صلّى الله عليه وآله) جده الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام).(٥٤١)
وإليك هنا بعض ما جاء في كتبهم من الروايات في ذلك، وهي كما يلي:
١ - القندوزي الحنفي عن كتاب مودة القربى: عن علي (كرم الله وجهه) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لا تذهب الدنيا حتى يقوم بأمتي رجل من ولد الحسين يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً.(٥٤٢)
٢ - الكنجي الشافعي بإسناده عن حذيفة، عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله رجلاً اسمه اسمي، وخلقه خلقي، يكنى أبا عبد الله، يبايع له الناس بين الركن والمقام، يرد الله به الدين، ويفتح له فتوحاً، فلا يبقى على ظهر الأرض إلا من يقول: لا إله إلا الله، فقام سلمان فقال: يا رسول الله، من أيّ ولدك هو؟ قال: من ولد ابني هذا، وضرب بيده على الحسين.
قال: هذا حديث حسن، رزقناه عالياً بحمد الله.(٥٤٣)
قال أحمد بن عبد الله الطبري: وعنه قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم): يولد منهما - يعني الحسن والحسين - مهدي هذه الأمة.
وعن حذيفة أن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم.. الخ.
قال الطبري: فيحمل ما ورد مطلقاً فيما تقدم على هذا المقيد.(٥٤٤)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٤١) الفتوحات المكية، ابن العربي: ٣/ ٣٢٧.
(٥٤٢) ينابيع المودة، القندوزي: ٣ / ٢٩٠ - ٢٩١ ح٦ و٢/ ٣١٦ - ٣١٧ ح٩١٣.
(٥٤٣) البيان في أخبار صاحب الزمان، الكنجي الشافعي: ٥١٠ (الباب الثالث عشر).
(٥٤٤) ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري: ١٣٦ - ١٣٧، ينابيع المودة، القندوزي: ٢/ ٢١٠ ح٦٠٩، و٣/ ٣٩٠ ح٢٨، ميزان الاعتدال، الذهبي: ٢/ ٣٨٢، الكشف الحثيث، سبط ابن العجمي: ١٤٨، لسان الميزان، ابن حجر: ٣/ ٢٣٨.

↑صفحة ٢٢٩↑

٣ - ابن الصباغ المالكي: عن ابن هارون العبدي(٥٤٥) قال: لقيت أبا سعيد الخدري فقلت له: هل شهدت بدراً؟ قال: نعم، فقلت: أفلا تحدّثني بما سمعت من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام) وفضله؟ قال: بلى، أخبرك أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مرض مرضة نقه منها، فدخلت عليه فاطمة (عليها السلام) وأنا جالس عن يمين النبي (صلّى الله عليه وآله) فلما رأت فاطمة ما برسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الضعف خنقتها العبرة حتى بدت دموعها على خدها، فقال لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ما يبكيك يا فاطمة؟ قالت: أخشى الضيعة يا رسول الله.
فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا فاطمة، إن الله تعالى اطَّلع إلى الأرض اطلاعة على خلقه فاختار منهم أباك فبعثه نبيًّا، ثم اطلع ثانية فاختار منهم بعلك فأوحى إليَّ أن أنكحه فاطمة، فأنكحته إياك واتخذته وصياً.
أما علمت أنك بكرامة الله تعالى إياك زوجك أغزرهم علما، وأكثرهم حلماً، وأقدمهم سلماً؟
فاستبشرت، فأراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يزيدها من مزيد الخير الذي قسمه الله تعالى لمحمد (صلّى الله عليه وآله). قال: فقال لها: يا فاطمة، ولعلي ثمانية أضراس يعني مناقب: إيمان بالله ورسوله، وحكمته، وزوجته، وسبطاه الحسن والحسين، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، يا فاطمة، إنا أهل بيت أعطينا ست خصال لم يعطها أحد من الأولين ولا يدركها أحد من الآخرين غيرنا، فنبينا خير الأنبياء وهو أبوك، ووصينا خير الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو عمّ أبيك حمزة، ومنّا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء وهو جعفر، ومنّا

↑صفحة ٢٣٠↑

سبطا هذه الأمة وهما ابناك، ومنّا مهدي هذه الأمة الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم. ثم ضرب على منكب الحسين (عليه السلام) وقال: من هذا مهدي هذه الأمة.
قال ابن الصباغ المالكي: هكذا أخرجه الدار قطني صاحب الجرح والتعديل.(٥٤٦)
٤ - الطبراني: بإسناده عن علي بن علي المكي الهلالي، عن أبيه، قال: دخلت على رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) في شكاته التي قبض فيها فإذا فاطمة (رضي الله عنها) عند رأسه، قال: فبكت حتى ارتفع صوتها! فرفع رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) طرفه إليها فقال: حبيبتي فاطمة ما الذي يبكيك؟ فقالت: أخشى الضيعة من بعدك! فقال: يا حبيبتي، أما علمت أن الله (عزَّ وجلَّ) اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها أباك عروبة برسالته، ثم اطلع اطلاعة فاختار منها بعلك، وأوحى إليَّ أن أنكحك إياه يا فاطمة، ونحن أهل بيت قد أعطانا الله سبع خصال لم يعط أحد قبلنا ولا يعطى أحد بعدنا: أنا خاتم النبيين، وأكرم النبيين على الله، وأحبّ المخلوقين إلى الله (عزَّ وجلَّ)، وأنا أبوك، ووصيي خير الأوصياء وأحبهم إلى الله، وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء، وأحبهم إلى الله، وهو عمّك حمزة بن عبد المطلب، وهو عمّ أبيك وعمّ بعلك، ومنّا من له جناحان أخضران يطير في الجنة مع الملائكة حيث يشاء، وهو ابن عمّ أبيك وأخو بعلك، ومنّا سبطا هذه الأمة، وهما ابناك الحسن والحسين، وهما سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما والذي بعثني بالحق خير منهما.
يا فاطمة، والذي بعثني بالحق، إن منهما مهدي هذه الأمة(٥٤٧) إذا صارت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٤٥) وممن روى هذا الحديث مع سنده كاملاً ابن عقدة الكوفي في كتابه مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام): ص ٢٤ - ٢٧ ح٢٥، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن إسحاق بن يزيد، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن أبي هارون العبدي، قال: لقيت أبا سعيد الخدري.. الحديث.
(٥٤٦) الفصول المهمة، ابن الصباغ المالكي: ٢/ ١١١٤.
(٥٤٧) والتعبير ب(منهما) موافق أيضاً للروايات ولا ينافيها، بل هذا يعد مؤيداً لها، وذلك لأن الإمام زين العابدين (عليه السلام) تزوّج ابنة عمّه الإمام الحسن الزكي (عليه السلام)، فكل أولاده يعد الحسن بن علي (عليه السلام) جدهم من الأم، كما أن جدهم من الأب هو الحسين بن علي (عليه السلام)، فمن هنا كان الإمام المهدي منهما، فالحسن والحسين جداه سلام الله عليهم.

↑صفحة ٢٣١↑

الدنيا هرجاً ومرجاً، وتظاهرت الفتن، وتقطعت السبل، وأغار بعضهم على بعض، فلا كبير يرحم صغيراً، ولا صغير يوقر كبيراً، فيبعث الله (عزَّ وجلَّ) عند ذلك منهما من يفتتح حصون الضلالة، وقلوباً غلفاً يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به في أول الزمان، ويملأ الدنيا عدلاً كما ملئت جوراً.. الحديث.(٥٤٨)
ورواه أيضاً أحمد بن عبد الله الطبري وقال: خرّجه الحافظ أبو العلاء الهمذاني في أربعين حديثاً في المهدي، وقد تقدم مختصراً في مناقب فاطمة من حديث الطبراني، عن أبي أيوب الأنصاري.(٥٤٩)
٥ - ابن عساكر بإسناده عن سعيد بن محمد الجهني، عن أبي الزبير، قال: كنا عند جابر بن عبد الله فدخل عليه علي بن الحسين ومعه ابنه، فقال جابر: من هذا يا بن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) قال: ابني محمد، فضمّه جابر إليه وبكى! ثم قال: اقترب أجلي يا محمد! رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يقرئك السلام، فسئل: وما ذاك؟! قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) يقول للحسين بن علي: إنه يولد لابني هذا ابن، يقال له: علي بن الحسين، وهو سيد العابدين، إذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ: ليقم سيد العابدين، فيقوم علي بن الحسين، ويولد لعلي بن الحسين ابن يقال له: محمد، إذا رأيته يا جابر فاقرأه مني السلام، يا جابر اعلم أن المهدي من ولده، واعلم يا جابر أن بقاءك بعده قليل.(٥٥٠)
٦ - ابن أبي الحديد: روى قاضي القضاة، عن كافي الكفاة أبي القاسم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٤٨) المعجم الكبير، الطبراني: ٣/ ٥٧ - ٥٨ ح٢٦٧٥، تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ٤٢/ ١٣٠ - ١٣١، ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري: ١٣٦، مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩/ ١٦٥ - ١٦٦.
(٥٤٩) ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري: ١٣٥ - ١٣٦.
(٥٥٠) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ٥٤/٢٧٦.

↑صفحة ٢٣٢↑

إسماعيل بن عباد (رحمه الله) بإسناد متصل بعلي (عليه السلام) أنه ذكر المهدي، وقال: إنه من ولد الحسين (عليه السلام)، وذكر حليته...(٥٥١)
وقال ابن منظور في لسان العرب: وفي حديث علي كرم الله وجهه: أنه ذكر المهدي، وأنه يكون من ولد الحسين...(٥٥٢)
٧ - عقد الدرر للمقدسي: عن جابر بن يزيد، عن الإمام الباقر (عليه السلام) في حديث طويل جاء فيه: والمهدي يا جابر رجل من ولد الحسين.(٥٥٣)
إلى غير ذلك من الروايات الشريفة المروية في كتب السنة والتي تنص على أن الإمام المهدي (عليه السلام) هو من ولد مولانا الإمام الحسين بن علي (عليه السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥١) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ١/٢٨٢.
(٥٥٢) لسان العرب، ابن منظور: ١٥/ ٣٥٤.
(٥٥٣) عقد الدرر في أخبار المنتظر، المقدسي: ٨٩، الفصل الثاني.

↑صفحة ٢٣٣↑

علماء السنة الذين ذكروا ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)
قد صرّح جملة من علماء السنة ومؤرخيهم بولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، وبهذا يكون في السنة من يشارك الشيعة القول بولادة الإمام (عليه السلام)، مما يعني أن أمر ولادته من المتواترات حتى عند غير الشيعة الإمامية، كما أن هذه المسألة لا تحتاج إلى برهنة على ذلك، ومع ذلك أقام الشيعة الكثير من البراهين على ولادة الإمام (عليه السلام)، ومنها:
الأخبار الكثيرة الواردة من طريق أهل البيت (عليهم السلام) والتي تنص على كونه الإمام التاسع من ولد الإمام الحسين (عليه السلام)، وأهل البيت أدرى بما فيه، وإخبارهم حجة، إذ هم أحد الثقلين الذين اُمر الناس باتباعهم.
وكذلك إخبار الإمام العسكري وبعض أهل بيته، بأمر ولادته، وكذلك إخبار جملة من أصحابه.
أضف إلى ذلك ما أثبته علماء الأنساب أيضاً إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة(٥٥٤)، ويكفي ما جاء في التأريخ والسيرة عن اشتهار أمر ولادته وتواترها،(٥٥٥)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥٤) وسوف يأتي بعضها في الفصل الثالث فراجع.
(٥٥٥) وممن بحث هذه المسألة الشيخ محمد باقر الإيرواني في كتابه (الإمام المهدي (عليه السلام) بين التواتر وحساب الاحتمال) فقد ذكر عدة عوامل في نشوء اليقين بولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، وقال في ص٢٢: وسوف نلاحظ أن هذه العوامل إما تفيد التواتر، أو تفيد اليقين بحساب الاحتمال، كما أوضح لكم فيما بعد.. الخ.

↑صفحة ٢٣٤↑

ولو صح التشكيك في ذلك، ولم تكن الشهرة في مثل هذا المورد حجة معتبرة لوجب على أعلام السير والمؤرخين أن يثبتوا بالبينة الشرعية ويبرهنوا على وجود كلّ رجل من الصحابة، وغيرهم ممن ورد ذكرهم في كتب السيرة والتأريخ وأنى لهم أن يثبتوا ذلك بهذا النحو.
والجدير بالذكر أنه لا توجد ولا رواية واحدة عند السنة حسب تتبعي تقول أن الإمام المهدي (عليه السلام) سيولد في آخر الزمان، وإنما جاء التعبير بـ(يظهر) و(يُبعث) كما جاء في الأخبار الكثيرة عندهم في ذلك.
وقد ذكر الشيخ حسين النوري في كتابه (كشف الأستار) أربعين عالماً من علماء السنة الذين يؤمنون بوجود الإمام المنتظر (عليه السلام).
وقال الشيخ محمد بن يوسف الكنجي الشافعي (ت ٦٥٨) في كتابه (البيان في أخبار صاحب الزمان): في الدلالة على كون المهدي (عليه السلام) حياً باقياً منذ غيبته إلى الآن، ولا امتناع في بقائه، بدليل بقاء عيسى(٥٥٦) وإلياس والخضر من أولياء الله تعالى، وبقاء الدجال وإبليس الملعونين أعداء الله تعالى، وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسنة، وقد اتفقوا عليه، ثم أنكروا جواز بقاء المهدي! وها أنا أبيِّن بقاء كل واحد منهم، فلا يسمع بعد هذا لعاقل إنكار جواز بقاء المهدي (عليه السلام)...(٥٥٧)
وقال الشيخ سليمان القندوزي الحنفي (ت ١٢٩٤ هـ): فالخبر المعلوم المحقق عند الثقات أن ولادة القائم (عليه السلام) كانت ليلة الخامس عشر من شعبان، سنة خمس وخمسين ومائتين في بلدة سامراء.(٥٥٨)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥٦) جاء في كتاب البداية والنهاية، لابن كثير: ٦/ ٣٢٣: ومن خصائصه (عليه السلام) أنه حي لم يمت، وهو الآن بجسده في السماء الدنيا، وسينزل قبل يوم القيامة..
(٥٥٧) البيان في أخبار صاحب الزمان، الكنجي الشافعي: ٥٢١، (الباب الخامس والعشرون) الفصول المهمة، ابن الصباغ المالكي: ٢/ ١١١٩.
(٥٥٨) ينابيع المودة، القندوزي الحنفي: ٣/ ٣٠٦.

↑صفحة ٢٣٥↑

ومن خيرة الكتب التي تناولت هذا الموضوع واستوعبت البحث بالاستقصاء والتتبع، وسردت جملة من علماء ومؤرخي السنة من الذين ذكروا ولادة الإمام المنتظر (عليه السلام) ونصوا عليها هو: كتاب دفاع عن الكافي للأستاذ المحقق السيد ثامر العميدي النجفي تحت عنوان (اعترافات أهل السنة) فقد استوفى الموضوع حقه في هذا الباب، وقد قام بجمع وترتيب أسماء العلماء الذين ذكروا ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) بحسب القرون فكانوا (١٢٨) عالماً من السنة، وأولهم (أبو بكر محمد بن هارون الروياني (المتوفى سنة ٣٠٧هـ) في كتابه المسند (مخطوط) وآخرهم الأستاذ المعاصر يونس أحمد السامرائي في كتابه: (سامراء في أدب القرن الثالث الهجري).(٥٥٩)
وهناك كتب أخرى أيضاً ألمّت بالموضوع، وذكرت جملة من أعلام السنة الذين ذكروا أو اعترفوا بولادة الإمام المهدي (عليه السلام).(٥٦٠)
ونحن نذكر هنا نموذجاً باختصار جملة من المؤرخين من أعلام السنة الذين ذكروا ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) بن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في كتبهم، وهم كما يلي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥٩) راجع كتاب: دفاع عن الكافي، السيد ثامر العميدي: ١ / ٥٦٩ - ٥٩٢، وركبت السفينة، مروان خليفات: ٥٧١ - ٥٧٢.
(٥٦٠) ومن الكتب القيمة التي تناولت هذا الموضوع تفصيلاً ما يلي:
كتاب (المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي) فقد ذكر جملة من علماء السنة ممن ذكروا ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) تحت عنوان (اعتراف علماء السنة بولادة الإمام المهدي (عليه السلام)).
وكتاب (منتخب الأثر) لآية الله الشيخ لطف الله الصافي الكلپايكاني.
وكتاب (شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة) للسيد علي الميلاني: ١/ ٢٥٦ - ٢٦٣.
وكتاب (الإمام الثاني عشر (عليه السلام)) للسيد محمد سعيد الموسوي: ص ٧٢ - ١٠٩.

↑صفحة ٢٣٦↑

١ - أبو نعيم الأصبهاني (ت٤٣٠هـ)
ذكره في كتابه: الأربعين حديثاً في المهدي (عليه السلام).
٢ - أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨هـ)
ذكره في: شعب الإيمان، ط ١، دار المعارف - الهند، وقال: اختلف الناس في أمر المهدي فتوقف جماعة وأحالوا العلم إلى عالمه، واعتقدوا أنه واحد من أولاد فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)... ولا امتناع في طول عمره، وامتداد أيامه كعيسى بن مريم والخضر.(٥٦١)
٣ - أبو محمد عبد الله بن الخشاب (ت ٥٦٧هـ)
ذكره في كتابه مواليد أهل البيت يرفعه بسنده إلى علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنه قال: الخلف الصالح من ولد أبي محمد الحسن بن علي العسكري، وهو صاحب الزمان القائم، وهو المهدي.(٥٦٢)
٤ - ابن الأزرق المؤرخ (ت ٥٩٠هـ)
نقل عنه ابن طولون في كتاب (الأئمة الاثنا عشر: ص ١١٧)
٥ - ابن الأثير عز الدين الجزري (ت ٦٣٠هـ)
ذكره في كتابه الكامل في التأريخ (في حوادث سنة ٢٦٠هـ) قال: وفيها توفي الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو محمد العلوي العسكري، وهو أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية، وهو والد محمد الذي يعتقدونه المنتظر بسرداب سامراء...(٥٦٣)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٦١) حياة الإمام المهدي (عليه السلام)، الشيخ باقر شريف القرشي:٢١٩.
(٥٦٢) الفصول المهمة، ابن الصباغ المالكي: ٢/١١٠٢، الفصل: ١٢، عن تأريخ ابن الخشاب: ١٩٧.
(٥٦٣) الكامل في التأريخ، ابن الأثير: ٧/ ٢٧٤.

↑صفحة ٢٣٧↑

٦ - محيي الدين بن العربي الأندلسي (ت ٦٣٨هـ)
ذكره في الفتوحات المكية، باب ٣٦٦ في المبحث الخامس والستين كما (نص عليه) في اليواقيت والجواهر للشعراني (ت ٩٧٣).(٥٦٤)
وذكر العلامة المحقق الشيخ باقر القرشي عن نسخة من كتاب الفتوحات، قال: ونص محيي الدين، محمد بن علي المعروف (بابن العربي) الأندلسي على إمامة المهدي وأنه ولد، وسوف يظهر، قال: المهدي الظاهر في آخر الزمان الذي بشّر به رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وهو من أهل البيت المطّهر من الحضرة المحمدية.

إن الإمام إلى الوزير فقيرٌ * * * وعليهما فلكُ الوجود يدورُ
والملكُ إن لم تستقم أحوالُه * * * بوجود هذين فسوف يبورُ
إلا إله الحقِّ فهو منزَّهٌ * * * ما عنده فيما يريدُ وزيرُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٦٤) جاء في كتاب (المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي:١٢٨): محيي الدين بن العربي صرح بهذه الحقيقة في كتابه (الفتوحات المكية) في الباب السادس والستين وثلاثمائة في المبحث الخامس على ما نقله عنه عبد الوهاب بن أحمد الشعراني الشافعي (ت ٩٧٣ هـ) في كتابه (اليواقيت والجواهر: ج٢ المبحث ٦٥)، كما نقل قوله الحمزاوي في (مشارق الأنوار)، والصبان في (إسعاف الراغبين)، ولكن من يدعي الحفاظ على التراث سوَّلت له نفسه حذف هذا الاعتراف من طبعات الكتاب، إذ لا يوجد في الباب المذكور - كما تتبَّعته بنفسي - ما نقله الشعراني عنه، فقال: وعبارة الشيخ محيي الدين في الباب السادس والستين وثلاثمائة من الفتوحات: واعلموا أنه لا بد من خروج المهدي (عليه السلام)، ولكن لا يخرج حتى تمتلئ الأرض جوراً وظلماً، فيملؤها قسطاً وعدلاً، ولو لم يكن من الدنيا إلا يوم واحد لطوَّل الله تعالى ذلك اليوم حتى يلي ذلك الخليفة، وهو من عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، من ولد فاطمة (عليها السلام)، وجدُّه الحسين بن علي بن أبي طالب، ووالده حسن العسكري بن الإمام علي النقي...
راجع: (اليواقيت والجواهر، الشعراني: ٢/ ١٤٣، مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر، لسنة ١٣٧٨ ه‍١٩٥٩ م)

↑صفحة ٢٣٨↑

اعلم أيدنا الله وإياك، إن لله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً، فيملأها قسطاً وعدلاً، لو لم يبق في الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يلي هذا الخليفة من عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومن ولد فاطمة سلام الله عليها، جده الحسين بن علي بن أبي طالب، ووالده الحسن العسكري.(٥٦٥)
٧ - كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي (ت ٦٥٢هـ)
قال في كتابه (مطالب السؤول في مناقب آل الرسول (عليهم السلام)): أبو القاسم محمد بن الحسن الخالص بن علي المتوكل بن محمد القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الزكي بن علي المرتضى أمير المؤمنين بن أبي طالب، المهدي، الحجة، الخلف الصالح، المنتظر (عليهم السلام) ورحمة الله وبركاته، وقال: أما مولده في سرّ من رأى..الخ.(٥٦٦)
وقال أيضاً: وأما عمره: فإنه ولد في أيام المعتمد على الله، خاف فاختفى وإلى الآن، فلم يمكن ذكر ذلك، إذ من غاب وإن انقطع خبره لا توجب غيبته وانقطاع خبره الحكم بمقدار عمره ولا بانقضاء حياته، وقدرة الله واسعة وحكمه وألطافه بعباده عظيمة عامة، ولوازم عظماء العلماء أن يدركوا حقائق مقدوراته، وكنه قدرته لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً، ولا نقل طرف تطلعهم إليه حسيراً وحده كليلاً، وأملى عليهم لسان عجزهم عن الإحاطة به، وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً.
وليس ببدع ولا مستغرب تعمير بعض عباد الله المخلصين، ولا امتداد عمره إلى حين، فقد مدّ الله تعالى أعمار جمع كثير من خلقه من أصفيائه وأوليائه ومن مطروديه وأعدائه، فمن الأصفياء: عيسى (عليه السلام)، ومنهم الخضر، وخلق آخرون من الأنبياء طالت أعمارهم، حتى جاز كل واحد منهم ألف سنة أو قاربها كنوح (عليه السلام) وغيره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٦٥) حياة الإمام المهدي، الشيخ باقر القرشي: ٢١٠، عن كتاب الفتوحات المكية: ٣ / ٤٢٩ - ٤٣٠.
(٥٦٦) مطالب السؤول، ابن طلحة الشافعي: ٢/١٥٢، باب ١٢.

↑صفحة ٢٣٩↑

وأما من الأعداء المطرودين: فإبليس، وكذلك الدجال، ومن غيرهم كعاد الأولى، كان فيهم من عمره ما يقارب الألف، وكذلك لقمان صاحب لبد، وكل هذه لبيان اتساع القدرة الربانية في تعمير بعض خلقه، فأي مانع يمنع من امتداد عمر الصالح الخلف الناصح إلى أن يظهر فيعمل ما حكم الله له به؟.(٥٦٧)
٨ - شمس الدين أبو المظفر، يوسف بن فزاعلي سبط ابن الجوزي الحنبلي (ت٦٥٤هـ)
قال في كتابه (تذكرة الخواص): هو محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، وكنيته أبو عبد الله، وأبو القاسم، وهو الخلف الحجة، صاحب الزمان، القائم، والمنتظر، والتالي، وهو آخر الأئمة.(٥٦٨)
٩ - محمد بن يوسف أبو عبد الله الكنجي الشافعي (المقتول سنة ٦٥٨هـ)
ذكره في كتابه (كفاية الطالب) في ترجمة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، قال: مولده بالمدينة في شهر ربيع الآخر، من سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وقبض يوم الجمعة لثمانٍ خلون من شهر ربيع الأول سنة ستين ومائتين، وله يومئذ ثمان وعشرون سنة، ودفن في داره بسرّ من رأى في البيت الذي دفن فيه أبوه، وخلّف ابنه وهو الإمام المنتظر صلوات الله عليه.(٥٦٩)
وذكره أيضاً في كتابه الآخر: (البيان في أخبار صاحب الزمان).(٥٧٠)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٦٧) مطالب السؤول، ابن طلحة الشافعي: ٢/١٦٠ - ١٦١، باب ١٢.
(٥٦٨) تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي: ٣٠٤. (الباب الثاني عشر)
(٥٦٩) كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الكنجي الشافعي: ٤٥٨.
(٥٧٠) وهو مطبوع في نهاية كتابه (كفاية الطالب): ص٤٧٣، وقد أثبت فيه حياة الإمام المهدي (عليه السلام) وغيبته الشريفة إلى أن يخرج ويملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، راجع: (الباب الخامس والعشرون) من نفس الكتاب، تحت عنوان (في الدلالة على كون المهدي (عليه السلام) حياً باقياً منذ غيبته إلى الآن)

↑صفحة ٢٤٠↑

١٠ - ابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
ذكره في كتابه وفيات الأعيان، وقال: أبو القاسم المنتظر، محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد، ثاني عشر الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية، المعروف بالحجة، وهو الذي تزعم الشيعة أنه المنتظر والقائم والمهدي.. كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، ولما توفي أبوه - وقد سبق ذكره - كان عمره خمس سنين.(٥٧١)
١١ - الجويني الحمويني الشافعي (ت ٧٣٢هـ)
ذكره في كتابه فرائد السمطين: ٢/ ٣٣٧، طبع بيروت.
١٢ - الذهبي(ت ٧٤٨هـ)
ذكره في كتابه العبر (في حوادث سنة ٢٥٦هـ) وفي كتابه أيضاً (تأريخ دول الإسلام: ١٩/ ١١٣) في ترجمة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام).
وقال في كتابه سير أعلام النبلاء: المنتظر الشريف، أبو القاسم، محمد بن الحسن العسكري، بن علي الهادي، بن محمد الجواد، بن علي الرضا، بن موسى الكاظم، بن جعفر الصادق، بن محمد الباقر، بن زين العابدين علي بن الحسين الشهيد، بن الإمام علي بن أبي طالب، العلوي الحسيني، خاتمة الاثني عشر سيداً.. ومحمد هذا هو الذي يزعمون أنه الخلف الحجة، وأنه صاحب الزمان...(٥٧٢)
١٣ - عمر بن الوردي (ت ٧٤٩هـ)
ذكره في تتمة المختصر في أخبار البشر المعروف بتاريخ ابن الوردي: (ج ١ ص ٣١٩) وقال: ومولد المنتظر سنة خمس وخمسين ومائتين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٧١) وفيات الأعيان، ابن خلكان: ٤/ ١٧٦ - ١٧٧، رقم: ٥٦٢.
(٥٧٢) سير أعلام النبلاء، الذهبي: ١٣/ ١١٩ - ١٢٠، رقم:٦٠.

↑صفحة ٢٤١↑

١٤ - نور الدين علي بن محمد بن الصباغ المالكي (ت٨٥٥هـ)
ذكره في كتابه: (الفصول المهمة) قال: (الفصل الثاني عشر) في ذكر أبي القاسم محمد (عليه السلام) الحجة الخلف الصالح ابن أبي محمد الحسن الخالص (عليه السلام) وهو الإمام الثاني عشر، وتاريخ ولادته، ودلائل إمامته وذكر طرف من أخباره وغيبته، ومدة قيام دولته، وذكر كنيته ونسبه وغير ذلك مما يتصل به (رضي الله عنه وأرضاه)..
إلى أن قال: ولد أبو القاسم محمد ابن الحجة، ابن الحسن الخالص بسر من رأى ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين للهجرة.
وأما نسبه أباً وأماً: فهو أبو القاسم محمد الحجة، ابن الحسن الخالص، ابن علي الهادي، ابن محمد الجواد، ابن علي الرضا، ابن موسى الكاظم، ابن جعفر الصادق، ابن محمد الباقر، ابن علي زين العابدين، ابن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين.
وأما أمه: فأم ولد يقال لها نرجس، خير أمة، وقيل: اسمها غير ذلك، وأما كنيته: فأبو القاسم، وأما لقبه فالحجة، والمهدي، والخلف الصالح، والقائم المنتظر، وصاحب الزمان، وأشهرها المهدي.. إلى أن قال: وهذا طرف يسير مما جاء في النصوص الدالة على الإمام الثاني عشر من الأئمة الثقات، والروايات في ذلك كثيرة أضربنا عن ذكرها وقد دونها أصحاب الحديث في كتبهم واعتنوا بجمعها ولم يتركوا شيئاً.(٥٧٣)
١٥ - الفضل بن روزبهان (ت بعد ٩٠٩هـ)
نص الفضل بن روز بهان من غير تردد أن المهدي المنتظر هو الثاني عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، قال في كتابه: (إبطال الباطل) يمدح أهل البيت (عليهم السلام): ونعم ما قلت فيهم منظوماً:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٧٣) الفصول المهمة، ابن الصباغ المالكي: ٢/ ١١٩٥ - ١١٠٧ (الباب الخامس).

↑صفحة ٢٤٢↑

سلامٌ على المصطفى المجتبى * * * سلامٌ على السيد المرتضى
سلامٌ على ستنا فاطمه * * * من اختارها الله خير النسا
سلامٌ من المسك أنفاسه * * * على الحسن الألمعي الرضا
سلامٌ على الأورعي الحسين * * * شهيد يرى جسمه كربلا
سلامٌ على سيد العابدين * * * عليّ بن الحسين المجتبى
سلامٌ على الباقر المهتدى * * * سلامٌ على الصادق المقتدى
سلامٌ على الكاظم الممتحن * * * رضي السجايا إمام التقى
سلامٌ على الثامن المؤتمن * * * عليّ الرضا سيد الأصفيا
سلامٌ على المتقي التقي * * * محمد الطيب المرتجى
سلامٌ على الأريحي النقي * * * عليّ المكرم هادي الورى
سلامٌ على السيد العسكري * * * إمام يجهز جيش الصفا
سلامٌ على القائم المنتظر * * * أبي القاسم القرم نور الهدى
سيطلع كالشمس في غاسق * * * ينجيه من سيفه المنتقى
قوي يملأ الأرض من عدله * * * كما ملئت جور أهل الهوى
سلامٌ عليه وآبائه * * * وأنصاره، ماتدوم السما (٥٧٤)

١٦ - جلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
ذكره في رسالته: إحياء الميت بفضائل أهل البيت (عليهم السلام)
١٧ - شمس الدين محمد بن طولون الحنفي مؤرخ دمشق (ت ٩٥٣هـ)
قال في كتابه (الأئمة الاثنا عشر): كانت ولادته (رضي الله عنه) يوم الجمعة، منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، ولما توفي أبوه المتقدم ذكره (رضي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٧٤) دلائل الصدق، المظفر: ٢/ ٥٧٤، عن كتاب إبطال الباطل، إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب، الحائري: ١/ ٢٩٩، المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي: ١٣٠.

↑صفحة ٢٤٣↑

الله عنهما) كان عمره خمس سنين.
ثم ذكر الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) وقال: وقد نظمتهم على ذلك، فقلت:

عليك بالأئمة الاثني عشر * * * من آل بيت المصطفى خير البشر
أبو تراب، حسن، حسين * * * وبغض زين العابدين شين
محمد الباقر كم علم درى * * * والصادق ادع جعفراً بين الورى
موسى هو الكاظم، وابنه علي * * * لقّبه بالرضا وقدره علي
محمد التقي قلبه معمورُ * * * علي النقي درّه منثورُ
عسكري الحسن المطهرُ * * * محمد المهدي سوف يظهرُ(٥٧٥)

١٨ - عبد الوهاب بن أحمد الشعراني الشافعي (ت ٩٧٣هـ)
ذكره في: اليواقيت والجواهر، وقال: ومولده ليلة النصف من شعبان سنة (٢٥٥هـ) وهو باق إلى أن يجتمع بعيسى بن مريم، وهو من أولاد الحسن العسكري (عليه السلام).(٥٧٦)
١٩ - أحمد بن حجر المكي الهيتمي الشافعي (ت ٩٧٤هـ)
ذكره في كتابه (الصواعق المحرقة) في آخر الفصل الثالث من الباب الحادي عشر، قال: ولم يخلف (الحسن العسكري (عليه السلام)) غير ولده أبي القاسم محمد الحجة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن آتاه الله فيها الحكمة، ويسمى القائم المنتظر.(٥٧٧)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٧٥) المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي: ١٣١عن كتاب الأئمة الاثنا عشر، ابن طولون الحنفي: ١١٧.
(٥٧٦) اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر: ٢/ ١٤٥، طبع القاهرة، ينابيع المودة، القندوزي الحنفي: ٣/ ٣٤٥، إسعاف الراغبين: ١٣٩ - ١٤٠.
(٥٧٧) الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي: ٢٠٨ (الفصل الثالث).

↑صفحة ٢٤٤↑

٢٠ - أحمد بن يوسف أبو العباس القرماني الحنفي (ت ١٠١٩هـ)
قال في كتابه (أخبار الدول وآثار الأول) في الفصل الحادي عشر: في ذكر أبي القاسم محمد الحجة الخلف الصالح: وكان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين، آتاه الله فيها الحكمة، كما أوتيها يحيى (عليه السلام) صبياً، وكان مربوع القامة، حسن الوجه والشعر، أقنى الأنف، أجلى الجبهة...
واتفق العلماء على أن المهدي هو القائم في آخر الوقت، وقد تعاضدت الأخبار على ظهوره، وتظاهرت الروايات على إشراق نوره، وستسفر ظلمة الأيام والليالي بسفوره، وينجلي برؤيته الظلم انجلاء الصبح عن ديجوره، ويسير عدله في الآفاق فيكون أضوء من البدر المنير في مسيره.(٥٧٨)
٢١ - الشيخ عبد الله الشبراوي الشافعي (ت ١١٧١هـ)
ذكره في كتابه (الإتحاف بحب الأشراف) وقال: ولد الإمام محمد الحجة ابن الإمام الحسن الخالص (رضي الله عنه) بسر من رأى، ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، قبل موت أبيه بخمس سنين، وكان أبوه قد أخفاه حين ولد، وستر أمره لصعوبة الوقت، وخوفه من الخلفاء، فإنهم كانوا في ذلك الوقت يتطلبون الهاشميين، ويقصدونهم بالحبس والقتل، ويريدون إعدامهم، وكان الإمام محمد الحجة يلقب أيضاً بالمهدي، والقائم، والمنتظر، والخلف الصالح، وصاحب الزمان، وأشهرها المهدي.(٥٧٩)
٢٢ - الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي الحنفي (ت ١١٧٦هـ)
ذكره في: المسلسلات المعروف بالفضل المبين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٧٨) أخبار الدول وآثار الأول، القرماني: ١/ ٣٥٣ - ٣٥٤ الفصل ١١.
(٥٧٩) الإتحاف بحب الأشراف، الشبراوي: ص٣٦٩.

↑صفحة ٢٤٥↑

٢٣ - سليمان بن إبراهيم المعروف بالقندوزي الحنفي (ت ١٢٩٤هـ)
ذكره في كتابه: (ينابيع المودة) وقال: فالخبر المعلوم المحقق عند الثقات أن ولادة القائم (عليه السلام) كانت ليلة الخامس عشر من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين في بلدة سامراء.(٥٨٠)
٢٤ - مؤمن بن حسن الشبلنجي (ت ١٣٠٨هـ)
ذكره في كتابه (نور الأبصار) قال: فصل في ذكر مناقب محمد بن الحسن الخالص بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أمه أم ولد، يقال لها: نرجس، وقيل صيقل، وقيل: سوسن، وكنيته، أبو القاسم، ولقبه الإمامية ب‍(الحجة) و(المهدي) و(الخلف الصالح) و(القائم) و(المنتظر) و(صاحب الزمان) وأشهرها (المهدي).(٥٨١)
٢٥ - خير الدين الزركلي (ت ١٣٩٦هـ)
ذكره في كتابه (الأعلام) وقال: (المهدي المنتظر) (٢٥٦ - ٢٧٥ه‍ = ٨٧٠ - ٨٨٨م) محمد بن الحسن العسكري (الخالص) بن علي الهادي، أبو القاسم: آخر الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، وهو المعروف عندهم بالمهدي، وصاحب الزمان، والمنتظر، والحجة.. ولد في سامراء. ومات أبوه وله من العمر نحو خمس سنين..
وقيل في تاريخ مولده: ليلة نصف شعبان سنة ٢٥٥ وفي تاريخ غيبته: سنة ٢٦٥.(٥٨٢)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٨٠) ينابيع المودة، القندوزي الحنفي:٣/ ٣٠٦.
(٥٨١) نور الأبصار، الشبلنجي: ١٥٢.
(٥٨٢) الأعلام، الزركلي: ٦/ ٨٠.

↑صفحة ٢٤٦↑

وغيرهم الكثير من أعلام السنة ومؤرخيهم من الذين نصّوا على مولد الإمام المهدي (عليه السلام) الأمر الذي يدل على تواتره وشهرته عند جملة من علماء السنة، وكما يقول الأستاذ مصطفى الرافعي بعد ذكره لسبعة من علماء السنة الذين قالوا بولادة المهدي (عليه السلام): وكثير غيرهم من علماء السنة الأجلاء الذين ذاع صيتهم، ويذكرون بكلّ إعجاب وتقدير، هؤلاء وكثير غيرهم ممن لا يتسع المقام لذكرهم يقولون بمقولة الإمامية من أن المهدي هو: محمد بن الحسن العسكري، وأنه حيّ.. ولا يجدون في مقولتهم هذه ما يناقض العقل، وبخاصة إذا اعتبرت حياة المهدي من الأمور الخارقة للعادة كالتي أجراها الله معجزة لبعض أنبيائه، أو كرامة لبعض أوليائه، وذلك كحياة المسيح والخضر من الأتقياء، وإبليس والدجال من الأشقياء.(٥٨٣)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٨٣) إسلامنا: ١٨٩ - ١٩٠.

↑صفحة ٢٤٧↑

التعريف بجملة من مؤلفات السنة حول الإمام المهدي (عليه السلام)
قد أفرد علماء السنة ومفكروهم بالتأليف الكثير من الكتب حول ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، فضلاً عمّا ضمته الموسوعات الحديثية عندهم في هذا الموضوع في أبوابها.
قال العجلوني في كشف الخفاء: ورد ذكره في أحاديث أفردها بعض الحفاظ بالتأليف، منهم: الحافظ السخاوي(٥٨٤) في كتاب سماه (ارتقاء الغرف)(٥٨٥) ومنهم ابن حجر الهيثمي في جزء سماه (القول المختصر في أحوال المهدي المنتظر)، وكذلك ذكر كثيراً منها في الفتاوى الحديثية، وكذلك شيخنا البرزنجي في الإشاعة.. فمن أراد المزيد فعليه بالتأليفين المذكورين وأمثالهما.(٥٨٦)
كما ذكر الدكتور عبد العليم البستوي في كتابه (المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة: ص١٢٦) ثلاثاً وثلاثين مؤلفاً من مؤلفات السنة، وقال: سردٌ موجز لما أُلف في المهدي.. بالإضافة إلى ما ذكرت من اعتناء الأئمة بجمع أحاديث المهدي في مصنفاتهم وكتبهم حفاظاً على التراث النبوي وأداء للواجب بالتبليغ إلى من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٨٤) المتوفى سنة ٩٠٢.
(٥٨٥) ص: ٢٤٧ - ٢٥٨.
(٥٨٦) كشف الخفاء، العجلوني: ٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩ح٢٦٦١.

↑صفحة ٢٤٨↑

بعدهم، أفرد كثير من العلماء قديماً وحديثاً هذا الموضوع بتأليفات مستقلة.
كما أحصى الشيخ مهدي فقيه إيماني في كتابه (أصالة المهدوية في الإسلام): ص ١٠٣: نحو ١٥٩ مؤلفاً بين كتاب ورسالة ومقالة لعلماء السنة ومفكريهم حول الإمام المهدي (عليه السلام)، وكذلك الشيخ لطف الله الصافي ذكر أيضاً جملة منها في كتابه القيم (لمحات في الكتاب والحديث والمذهب: ص ٧٤ - ٧٧)
كما أحصى أيضاً الدكتور عقيقي في كتابه الفارسي (بخشايشي چهارده نور پاك): ج ١٤ ص ١٩٠٢ - ١٩٠٦. سبعة وأربعين كتاباً من كتب السنة.
وإليك هنا جملة من مؤلفات السنة حول الإمام المهدي (عليه السلام) نموذجاً، وهي كالتالي:
حرف الألف
١ - إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون: تأليف: أحمد بن محمد بن الصدّيق، أبو الفيض الغماري الحسني الأزهري الشافعي المغربي (ت ١٣٨٠هـ)، ط في مطبعة الترقي بدمشق عام ١٣٤٧.
٢ - الأحاديث القاضية بخروج المهدي: تأليف: محمد بن إسماعيل الأمير اليماني الصنعاني (ت ٧٥١هـ) ذكره صديق حسن في كتاب الإذاعة.
٣ - أحاديث المهدي من مسند أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ) ويليه كتاب (البيان في أخبار صاحب الزمان (عليه السلام)) ط الثانية ١٤١٧، نشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين.
٤ - أحاديث المهدي، وأخبار المهدي: تأليف: أبو بكر بن خيثمة.
٥ - الأحاديث الواردة في المهدي في ميزان الجرح والتعديل: تأليف: عبد العليم بن عبد العظيم البستوي، وهي رسالة ماجستير قدمت بجامعة أم القرى

↑صفحة ٢٤٩↑

(مكة المكرمة)
٦ - الاحتجاج بالأثرعلى من أنكر المهدي المنتظر: تأليف: الشيخ حمود بن عبد الله بن حمود التويجري، ط الثانية سنة ١٤٠٦، طبع ونشر مكتبة دار العليان الحديثة للطباعة والنشر والتوزيع بريدة.
٧ - أربعين حديثاً في المهدي: تأليف: الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني (ت٤٣٠هـ)
٨ - الأربعين (من أحاديث المهدي) تأليف: أبو العلاء الهمداني، ذكره أحمد بن عبد الله الطبري في ذخائر العقبى.
٩ - ارتقاء الغرف بحب أقرباء الرسول وذوي الشرف: الحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوي الشافعي (ت٩٠٢هـ) نشر مؤسسة المعارف الإسلامية، الطبعة الأولى سنة ١٤٢١، قم المقدسة - إيران.
١٠ - إرشاد المستهدي في بعض الأحاديث والآثار الواردة في شأن الإمام المهدي: تأليف: محمد علي حسين البكري المدني.
١١ - الإشاعة لأشراط الساعة: تأليف: البرزنجي (ت ١١٠٣هـ)
١٢ - إقامة البرهان على نزول عيسى في آخر الزمان: تأليف: أبو الفضل عبد الله ابن محمد بن الصدّيق الغماري، الطبعة الثالثة سنة ١٤١٠.
حرف الباء
١٣ - البحور الزاخرة في علوم الآخرة: تأليف: محمد بن الحاج أحمد السفاريني الحنبلي (ت ١٨٨هـ).
١٤ - البرهان في علامات مهدي آخر الزمان: تأليف: الشيخ علي بن حسام المتقي الهندي (ت ٩٧٥هـ) يقع في جزئين، وقد حققه وعلق عليه: جاسم

↑صفحة ٢٥٠↑

ابن محمد بن مهلهل الياسين. طبع شركة ذات السلاسل في (الأردن)
١٥ - بشرى البشر في حقيقة المهدي المنتظر (عليه السلام)، تأليف: الشيخ محمود الغرباوي، نشر دار الكتاب العربي، دمشق - القاهرة ط الاولى سنة ٢٠٠٤م.
١٦ - البيان في أخبار صاحب الزمان (عليه السلام): تأليف: الحافظ أبو عبد الله، محمد بن يوسف الكنجي الشافعي (ت ٦٥٨هـ) تقديم: العلامة المحقق السيد محمد مهدي الخرسان، ملحق بكتاب (أحاديث المهدي من مسند أحمد بن حنبل)، وطبع أيضاً ملحقاً بكتاب كفاية الطالب، نشر دار إحياء تراث أهل البيت (عليهم السلام) سنة ١٤٠٤، الطبعة الثالثة، طهران - إيران.
١٧ - البيانات عن المهدي، تأليف: الماوردي.
حرف التاء
١٨ - تحديق النظر في أخبار المهدي المنتظر، تأليف: الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع من علماء نجد في القرن الرابع عشر، مخطوط توجد نسخة منه بدار الكتب المصرية.
١٩ - التصريح بما تواتر في نزول المسيح، تأليف: الكشميري(ت ١٣٥٢هـ)
٢٠ - تلخيص البيان في أخبار مهدي آخر الزمان، تأليف: علي المتقي.
٢١ - تلخيص البيان في علامات مهدي آخر الزمان، تأليف: ابن كمال باشا الحنفي (ت ٩٤٠هـ)
٢٢ - تلخيص البيان في علامات مهدي آخر الزمان، تأليف: الشيخ الأقسرائي، مخطوط بمكتبة عارف حكمت في (المدينة المنورة) برقم ٦٢ / ٢٤٠ / ٧ ق.
٢٣ - التوضيح فيما تواتر في المنتظر والدجال والمسيح، تأليف: الشوكاني الزيدي (ت ١٢٥٠هـ) ذكره الشوكاني في تفسيره (فتح القدير) ١ / ٤٣٩٧.

↑صفحة ٢٥١↑

حرف الجيم
٢٤ - الجواب المقنع المحرر في الرد على من طغى وتجبر بدعوى أن عيسى هو المهدي المنتظر: تأليف: محمد حبيب الله الشنقيطي مطبوع.
حرف الحاء
٢٥ - حاشية على القول المختصر في علامات المهدي المنتظر، تأليف: رضي الدين ابن عبد الرحمن الهيثمي.
حرف الخاء
٢٦ - الخطاب المليح في تحقيق: المهدي والمسيح، تأليف: الشيخ أشرف علي التهانوي وهو باللغة الأردية.
حرف الراء
٢٧ - الرد على من حكم وقضى بأن المهدي جاء ومضى، تأليف: الملا علي القاري (ت ١٠١٤هـ)
٢٨ - الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي (عليه السلام)، ويليه عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر، تأليف: عبد المحسن بن حمد العباد، المدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط الأولى سنة ١٤٠٢ طبع في مطابع الرشيد بالمدينة المنورة
٢٩ - رسالة في رد من أنكر أن عيسى (عليه السلام) إذا نزل يصلي خلف المهدي (عليه السلام) صلاة الصبح، تأليف: جلال الدين السيوطي.
٣٠ - رسالة في المهدي (عليه السلام)، تأليف: ابن كثير الدمشقي.
حرف السين
٣١ - السنن الواردة في الفتن، تأليف:أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني المقرئ

↑صفحة ٢٥٢↑

(ت ٤٤٤هـ).
حرف الطاء
٣٢ - الطريق إلى المهدي المنتظر (عليه السلام)، تأليف: سعيد أيوب، الطبعة الأولى سنة ١٤١٩، نشر: مركز الغدير للدراسات، بيروت - لبنان.
حرف العين
٣٣ - العرف الوردي في أخبار المهدي، تأليف: جلال الدين عبد الرحمن الشافعي السيوطي (ت ٩١١هـ) جمع فيه ما ذكره أبو نعيم من أحاديث المهدي وزاد عليه، مطبوع ضمن كتاب الحاوي في الفتاوى للسيوطي.
٣٤ - العطر الوردي بشرح القطر الشهدي، تأليف: البليسي.
٣٥ - علامات المهدي، تأليف: جلال الدين السيوطي.
٣٦ - عقد الجواهر والدرر في علامات ظهور المهدي المنتظر، تأليف: ابن حجر، كذا ذكره الدكتور عبد الله الجبوري في تعليقاته على كتاب غريب الحديث لابن قتيبة ١ / ١١٧.
٣٧ - عقد الدرر في أخبار المنتظر، تأليف: يوسف بن يحيى بن علي بن عبد العزيز المقدسي الشافعي السلمي (من علماء القرن السابع) ط الأولى سنة ١٤٠٣ دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، نشر مكتبة عباس أحمد الباز مكة المكرمة، وطبعة أخرى في مكتبة المنار (الأردن) تحقيق: الشيخ مهيب بن صالح بن عبد الرحمن البوريني.
٣٨ - عقد الدرر في أخبار المهدي المنتظر، تأليف: قاضي القضاة أبو الفضل جمال الدين يوسف بن يحيى الشافعي، الدمشقي، المشتهر بالزكي أو ابن الزكي (٦٤٠ - ٦٨٥هـ)
٣٩ - العواصم عن الفتن القواصم، تأليف: علي بن برهان الدين الحلبي الشافعي، كما ذكر في السيرة الحلبية: ج ١ ص ٢٢٧.

↑صفحة ٢٥٣↑

حرف الفاء
٤٠ - فرائد فوائد الفكر في الإمام المهدي المنتظر، تأليف: الشيخ مرعي بن يوسف المقدسي الكرمي الحنبلي (ت ١٠٣٣هـ) تحقيق: الشيخ سامي الغريري، ط الأولى سنة ١٤٢١، قم - إيران.
حرف القاف
٤١ - القطر الشهدي في أوصاف المهدي (منظومة)، تأليف: شهاب الدين أحمد ابن أحمد بن إسماعيل الحلواني الشافعي (ت ١٣٠٨ هـ)
٤٢ - القول المختصر في علامات المهدي المنتظر، تأليف: ابن حجر الهيتمي، أبو العباس أحمد بن محمد الهيتمي الشافعي المصري المكي (المتوفى بها سنة ٩٧٤هـ) والحاشية عليه لحفيده رضي الدين بن عبد الرحمن السعدي المصري الشافعي (المتوفى بمكة سنة ١٠٤١هـ)
حرف الكاف
٤٣ - كتاب الفتن، تأليف: أبو عبد الله نعيم بن حماد المروزي (ت ٢٢٨ هـ) حققه وقدم له الأستاذ الدكتور سهيل زكار، نشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، طبع سنة ١٩٩٣ م - ١٤١٤ ه‍
٤٤ - كلمتان هامتان: ١ - نصف شعبان ٢ - المهدي المنتظر، تأليف: محمد زكي إبراهيم المعاصر.
حرف الميم
٤٥ - مختصر الأخبار المشاعة في الفتن وأشراط الساعة وأخبار المهدي، تأليف: عبد الله بن الشيخ، مطبوع في مطابع (الرياض).
٤٦ - مرآة الفكر في المهدي المنتظر، تأليف: الشيخ مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي الحنبلي (ت ١٠٣٣ هـ) وقد تقدم له في حرف الفاء: (فرائد فوائد الفكر في المهدي المنتظر) إيضاح المكنون ٢ / ٤٦٢.

↑صفحة ٢٥٤↑

٤٧ - المشرب الوردي في مذهب المهدي، تأليف: الملا علي القاري (ت ١٠١٤هـ) ذكره البرزنجي في أشراط الساعة.
٤٨ - الملاحم لأبي الحسن بن المنادي، تأليف: أحمد بن جعفر (ت ٣٣٦ هـ)
٤٩ - مناقب المهدي (عليه السلام)، تأليف: أبو نعيم الأصبهاني (ت٤٣٠ ه)
٥٠ - المنتظر، تأليف: الشيخ محمد حبيب الله بن مايابي الجكني الشنقيطي المدني.
٥١ - منظومة القطر الشهدي في أوصاف المهدي، تأليف: شهاب الدين أحمد الخليجي الحلواني الشافعي.
٥٢ - مهدي آل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم)، تأليف: علي بن سلطان محمد الهروي الحنفي.
٥٣ - المهدي، تأليف: شمس الدين ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ)
٥٤ - المهدي، تأليف: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت ٢٧٥ه).
٥٥ - المهدي أو أخبار المهدي، تأليف: أبو نعيم الأصفهاني (ت٤٣٠ هـ)
٥٦ - المهدي إلى ما ورد في المهدي، تأليف: شمس الدين محمد بن طولون (ت ٩٥٣هـ).
٥٧ - المهدي حقيقة لا خرافة، تأليف: محمد بن أحمد إسماعيل، ط الأولى سنة ١٤١١ نشر مكتبة التربية الإسلامية لإحياء التراث الإسلامي، مصر.
٥٨ - المهدي المنتظر (عليه السلام)، تأليف: إبراهيم المشوخي، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٦، نشر دار ومكتبة المنار، الأردن - الزرقاء.
٥٩ - المهدي المنتظر (عليه السلام) في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة، تأليف: الدكتور عبد العليم عبد العظيم البستوي، نشر المكتبة المكية، مكة المكرمة، ط الأولى ١٣٢٠.

↑صفحة ٢٥٥↑

٦٠ - المهدي المنتظر، تأليف: عبد الله بن محمد بن الصدّيق الحسيني الإدريسي المغربي.، نشر: عالم الكتب في بيروت، سنة ١٤٠٥ ه‍.
حرف النون
٦١ - النجم الثاقب في بيان أن المهدي من أولاد علي بن أبي طالب (في ٨٧ صفحة بمكتبة لاله لي سليمانية).
٦٢ - النظم الواضح المبين، تأليف: الشيخ عبد القادر بن محمد سالم.
حرف الهاء
٦٣ - الهدية المهدوية، تأليف: أبو الرجاء محمد هندي.
٦٤ - الهدية الندية فيما جاء في فضل ذات المهدية، تأليف: قطب الدين مصطفى بن كمال الدين علي بن عبد القادر البكري الدمشقي الحنفي (ت ١١٦٢هـ)

↑صفحة ٢٥٦↑

تعتيم وتجاهل بعض السنة ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)
في الوقت الذي نجد جملة من المؤلفات عند السنة قديماً وحديثاً حول الإمام المهدي (عليه السلام) لكنا نجد في الوقت نفسه أن شريحة كبيرة منهم لم تول موضوع الإمام المهدي (عليه السلام) عناية بحيث يتناسب مع شأنه الكبير، وفضله على الأمة، فهو الذي بشر النبي (صلّى الله عليه وآله) الأمة بظهوره في آخر الزمان فيملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فإن الإمام المهدي (عليه السلام) هو صاحب أكبر نهضة إصلاحية في تأريخ البشر كله حيث تستهدف هذه النهضة استئصال جذور الشر، وإرساء حياة كريمة يعيش فيها جميع الشعوب بعزة وكرامة لا مثيل لها في دنيا الحياة..
فإنا نرى نهضة كبرى كهذه لم تعطى حقّها من البحث والكتابة لدى الكثير منهم! فلم يولوا هذا الموضوع عناية كسائر المواضيع الإسلامية الأخرى، ولم يعطوه أهمية كبرى تنسجم مع ما سُطر في كتبهم من أخبار وأحاديث هائلة جداً تناولت ملامح من سيرته وحكمه ودولته المباركة! كما أنهم وبشكل عام لا يتطرقون إلى التعريف أو التنويه به لا في المناهج الدراسية، ولا في خطب الجمعة، ولا في وسائل الإعلام عندهم، مما يبعث على الاستغراب والتعجب!!.
وبعكس ما عند الشيعة الإمامية تماماً من الاهتمام البالغ بهذا الأمر،

↑صفحة ٢٥٧↑

والذي ظهر بشكل واضح جلي في كتاباتهم وخطبهم، ووسائل الإعلام عندهم، فهم يلهجون بذكره، ويسمون أبناءهم باسمه كثيراً لشدة تعلقهم به وحبهم له (عليه السلام)، كما أن كتب الشيعة الإمامية حول الإمام المهدي (عليه السلام) لا تحصى كثرة، وتفوق كثيراً جداً ما كتبه سائر المذاهب الإسلامية في ذلك، وخصوصاً في هذا العصر، وهذا أمر واضح.
كما أن هناك أيضاً جوانب في حياة الإمام المهدي (عليه السلام) واجهت تعتيماً واضحاً من لدن بعض كتاب السنة وسوف نشير إلى بعضها قريباً، كما أن بعض الكتابات الأخرى عندهم أخذت تنحو منحىً سلبياً! وتبذل جهوداً فقط في معارضة الشيعة حول عقيدتهم في الإمام المهدي (عليه السلام)، ولم يتفهموها بحق.
يقول الأستاذ فيصل الدويسان الكويتي في سبب تشيعه: الشرارة الأولى انطلقت للتشيع عام ١٩٧٩(٥٨٧) عندما دخل الجهيمان(٥٨٨) الحرم المكي وأعلن من هناك أنه يقدم المهدي المنتظر محمد بن عبد الله القحطاني، أذكر أني سألت سؤالاً من هو المهدي المنتظر؟ أول مرة أسمع بلفظة المهدي المنتظر! فقيل لي: أنه رجل يخرج في آخر الزمان، ويصلي خلفه النبي عيسى (عليه السلام)، قلت: رجل بهذه العظمة ولم نسمع به؟! فأمره جداً خطير! من ذلك اليوم وأنا أبحث عن المهدي المنتظر في كتب أهل السنة والجماعة، فقرأت فإذا هو رجل جليل القدر، عظيم المكانة، له إنجازات كثيرة، وصلاح حال الأمة يكون على يديه، فقرأت.. قرأت.. قرأت.. حتى نضبت مصادر السنة في هذا الموضوع، فذهبت إلى مصادر الشيعة في هذا الموضوع فوجدت فيها بحثاً طويلاً عريضاً، ووجدت أن الشيعة والسنة يشتركان في وجود هذا الرجل، وفي علامات ظهور هذا الرجل، حتى بدأت القراءات تنتشر، وأول مرة أسمع أئمة غير الأئمة الذين عرفناهم غير أئمة بني أمية، وبني العباس، والأيوبيين،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٨٧) المصادف غرة محرم عام ١٤٠٠.
(٥٨٨) وهو: جهيمان بن سيف العتيبي.

↑صفحة ٢٥٨↑

والمماليك، بعد ذلك وجدت أنهم نعم الأئمة..
إلى أن يقول:.. نحن أهل السنة والجماعة نخفي أمر المهدي بهذه الطريقة حتى أنا عندما سألت من هو المهدي؟ فقيل لي: رجل يخرج في آخر الزمان! بهذه الطريقة، فقلت: رجل بهذه المكانة! رجل يجب أن يكون له مكان في كتبنا، وبالتالي أنا عبت على مذهبنا منذ سنة ١٣٧٩هـ إخفاء حقيقة المهدي المنتظر، ووجدت من يشبع في هذا الشأن هو مذهب الشيعة الإمامية.
أقول: وما ذكره الدويسان حقيقة لا يمكن تجاهلها! فإن هناك تغييباً كاملاً لسيرة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) عندهم، سواء في المناهج الدراسية أوفي وسائل إعلامهم، فلم يتم التعريف بهم بالشكل اللائق مع مكانتهم السامية، ومنزلتهم العظيمة عند الله تعالى ورسوله المصطفى (صلّى الله عليه وآله)، مما ينم عن تقصير مقصود!! وكذلك التعتيم على ظلاماتهم وما جرى عليهم من قتل واضطهاد وإقصاء في الأمة لا مثيل له في تأريخ البشر كله!.
ومثل هذه الشهادة أيضاً ما جاء على لسان مفتي سورية الشيخ أحمد حسون إذ يقول في خطبة له مسجلة: واسمحوا لي أقولها بكل صدق! عشرات من السنين وأنا على مقعد الدراسة، لا أسمعها من أستاذ لي أن يوم عاشوراء كانت فيه مأساة الأمة الإسلامية! لماذا كانوا يخفون عنّا ذلك ؟ سامحهم الله! قال: خوفاً من أن نتأثر فنتشيع.. خوفاً ؟!!.
هل تُخبأ الحقائق خوفاً من المذاهب؟ هل نكتم الحقيقة حتى لا نقوّي مذهباً على مذهب ؟!!.
دعونا من ذلك أيها السادة ! فقد مضى زمان يستعمل فيه الدين متكئاً لسياسة الأشخاص، وقد مضى الزمن الذي يستغله من سمي بأمير المؤمنين ظلماً ليعيث في الأرض فساداً.. الخ.
وكلام الشيخ أحمد هذا أيضاً هو الآخر شهادة حق على واقع الحال الذي

↑صفحة ٢٥٩↑

يعيشه أكثر الناس في سبات التضليل والخداع، وحينما تتكشف الحقائق ويتضح الحال لأهل البصائر يتغير كلُّ شيء..!
وإليك هنا أيضاً شهادة ثالثة من بعض كتاب السنة على ما قدمناه كي لا نتهم في هذا الموضوع !! ولترى صحة ما قدمناه آنفاً.
جاء في كتاب الانتصار للشيخ علي الكوراني العاملي الذي جمع فيه ما جاء من محاوارات ومناظرات بين الشيعة والسنة في شبكات الانترنيت تحت عنوان: (وشهد شاهد من أهلها)! قال: فقد نشرت شبكة (القلعة) الناصبية موضوعاً كتبه المدعو (عبد رب الرسول) بتاريخ ٣ - ٢ - ٢٠٠١، الثانية صباحاً، موضوعاً بعنوان (السبب الرئيسي لتشيع بعض أهل السنة.. يجب تداركه) قال: لا شك أن لآل بيت النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) فضائل وردت في كثير من أحاديث النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم)، وكذلك في كتاب الله، النقطة التي أريد أن أقولها هي: أنه يوجد تجاهل نوعاً ما لآل بيت النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم)، ولا أدري لماذا؟! فأنا طوال عمري في دراستي سواء في المدرسة، أو في الجامعة، أو في المحاضرات، أو الخطب، أو الدروس، أو غير ذلك (مع أني خريج كلية شرعية).. نادراً ما سمعت ذكراً لفضائل آل بيت النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم)!! لقد كان هذا التجاهل أعظم سلاح استخدمه الرافضة في الدعوة لمذهبهم، فهم يأتون بأحاديث صحيحة عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) في فضائل آل البيت، مثل حديث الثقلين، وحديث الغدير، وأحاديث أخرى كثيرة، كلها صحيحة.. إلى أن يقول: وخلاصة كل ما قلت هو: لماذا لا يسمع عوام الناس أحاديث فضائل آل البيت مع شروحها من أهل السنة، قبل أن يسمعوها من الرافضة مع استدلالاتهم، فيلقون بها الشبه في قلوبهم! وهو ما أدى فعلاً إلى سلوك بعض أهل السنة طريق الرفض؟!.(٥٨٩)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٨٩) الانتصار، العاملي: ٩/ ٣٤٦.

↑صفحة ٢٦٠↑

وعلى كل حال، هذا غيض من فيض من تلك الشواهد والاعترافات الكثيرة على تجاهلهم وجهلهم بأهل البيت (عليهم السلام)، والأخ الكاتب (عبد رب الرسول) هو واحد من هؤلاء الذين يجهلون حقيقة ومقام أهل البيت (عليهم السلام)، ولذا لما لم يستوعب نتائج هذه الأحاديث الشريفة والتي أشار إليها في معرض كلامه، وما تقتضيه من وجوب موالاتهم، والسير على منهاجهم عدّ قولنا بذلك من الشُّبه!!
وهذا التجاهل لتأريخ أهل البيت (عليهم السلام) ومقامهم الشريف ليس بالأمر الجديد عند أمثال هؤلاء، وإنما ورثوه قديماً كما تجاهل من قبلهم البخاري ومن حذى حذوه ممن لم يعطوا أهمية لذكر فضائل أهل البيت (عليهم السلام) وتأريخهم المشرق.
ومن ذلك إهماله تلك الأخبار الكثيرة التي وردت في ظهور الإمام المنتظر (عليه السلام)، ومن هنا ورث هؤلاء هذه التركة البغيضة! حتى وجدنا بعضهم قد بالغ في جحود هذه العقيدة حتى أنكرها بالمرة، وعدّها عقيدة شيعية بحتة! لا علاقة للسنة بها (٥٩٠) وهذه محاولة واهية يراد منها صرف هذا الشرف العظيم عن أهل البيت (عليهم السلام) ليس إلا !!
فهناك أمور حول الإمام المهدي (عليه السلام) حاول بعض السنة التعتيم عليها بشكل ملحوظ - وهذا التعتيم له أسبابه عندهم -: فمن أبرزها:
إن الإمام المهدي (عليه السلام) هو من أهل البيت (عليهم السلام)، ومن ولد فاطمة (عليها السلام)، وقد حدّدت الروايات الشريفة أنه من ولد الحسين (عليه السلام)، والكل يعلم أن هذا التأريخ المشرق واجه ألوان من الحروب العاتية، ومنها الحرب الإعلامية، التي استهدفت التعتيم عليهم، وقلب الحقائق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٩٠) منهم: الشيخ عبد الله بن زيد بن محمود، رئيس المحاكم الشرعية في دولة قطر، الذي ألف رسالة تحت عنوان (لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر (صلّى الله عليه وآله)) وقد ألمحنا إليه سابقاً.

↑صفحة ٢٦١↑

خصوصاً من لدن بني أمية وأتباعهم الذين لا يخلو منهم زمان حتى زماننا هذا!.
فأمثال هؤلاء لا يولون أخبار المهدي عناية! وليس الأمر من اهتماماتهم، ولا يعنيهم شأن هذا المصلح العظيم ! بل يرون أنه ليس من مصلحتهم إثارة مايرتبط بهذا الإمام من الأحاديث والأخبار.
ومن الأمور التي واجهت تعتيماً واضحاً أيضاً:
هو: زعمهم أن الإمام المهدي، هو: المهدي بن عبد الله، مع أن الثابت هو أنه المهدي بن الحسن العسكري (عليه السلام) كما اعترف بذلك بعض علمائهم، ويتشبثون في ذلك بروايات ضعيفة ملفقة كل ذلك فراراً من الاعتراف بأئمة أهل البيت (عليهم السلام).
وكذلك أيضاً دعواهم أن الإمام المهدي (عليه السلام) من ولد الحسن (عليه السلام)، وليس من ولد الحسين (عليه السلام)، وقد تمسكوا في ذلك برواية شاذة تقول أنه من ولد الحسن (عليه السلام).(٥٩١)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٩١) ونلفت النظر هنا إلى أن دعوى كونه من ولد الإمام الحسن (عليه السلام) جاءت به رواية ضعيفة عندهم، فقد رواها أبو داوود في سننه: ٢/ ٣١١ ح٤٢٩٠، وهي عن شعيب بن خالد، عن أبي إسحاق، قال: قال علي (رضي الله عنه) ونظر إلى ابنه الحسن فقال: إن ابني هذا سيد كما سماه النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق، ثم ذكر قصة: يملأ الأرض عدلاً.
فقد جاء في كتاب (المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي: ٦٢) أن هذا الحديث باطل من سبعة وجوه: وملخص ذلك، أن سند الحديث منقطع بالسبيعي، واحتوائه أيضاً على راوي مجهول، لأن أبا داود قال: حُدثت عن هارون بن المغيرة! فمن هو الذي حدثه؟ كما أنه يحتمل أيضاً التصحيف في الاسم من الناسخ أو غيره فذكر الحسن بدل الحسين، كما أن الجزري الشافعي نقل في كتابه (المناقب في تهذيب أسنى المطالب: ١٦٥) كلمة الحسين بدلاً من الحسن، كما أن الحديث أيضاً معارض بأحاديث كثيرة من طرق السنة تصرح وتنص بأن الإمام المهدي من ولد الإمام الحسين (عليه السلام).

↑صفحة ٢٦٢↑

وهذا التعتيم أيضاً كسابقه يراد منه إخراج الإمام المهدي من دائرة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) الذين نصّ عليهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) وعده شخصاً آخر خارجاً عنهم لا يمت إليهم بصلة، مع أن الثابت بالأدلة كونه الإمام التاسع من ولد الحسين (عليه السلام)، والذي عليه إجماع أهل البيت (عليهم السلام)، كما ذكر ذلك أيضاً بعض علمائهم كما أشرنا إلى ذلك في محله من هذا الكتاب.
ونرى أيضاً أن من أسباب هذا التعتيم هو: الخوف الشديد من أن يتعرف الناس على نتائج فكرية تخالف أهواءهم حينما يتعرفون على حقيقة تأريخ الإمام المهدي (عليه السلام) وخصائصه الشريفة، فتنتج من ذلك حقائق عن أهل البيت (عليهم السلام) لا يريدون الإقرار بها أو التعرف عليها، إذ سوف تفتح عليهم أبواباً حينئذٍ يعسر بعد ذلك غلقها لما لها من مردود فكري شيعي، فمنها:
إن أخبار الإمام المهدي (عليه السلام) وملابساتها تفتح الآفاق على موضوع الإمامة التي هي باصطفاء من الله تعالى، والتي منها أيضاً إثارة الحديث في إمامة الأئمة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام).
ومنها: إن هذا الإمام المصلح المهدي (عليه السلام) سيتخذ الكوفة في العراق عاصمة لدولته، ومحلاً لسكناه، ومنطلقاً لإدارة العالم كله، فسوف تكون هذه البلدة المركز الرئيسي للعالم الإسلامي، والمعروف قديماً وحديثاً أن سكانها هم من شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، فهي بلدة شيعية خالصة، فقد جاء في الأخبار أن من هذه البلدة رفقاءه، فلماذا اختصت به هذه البلدة الشيعية دون غيرها من سائر البلادين الأخرى التي يقطنها السنة؟!.
فمن ذلك هو ما ورد عن فطر، عن أبي الطفيل، قال: سمعت علياً عليه

↑صفحة ٢٦٣↑

السلام يقول: إذا قام قائم آل محمد جمع الله له أهل المشرق وأهل المغرب، فيجتمعون كما يجتمع قزع الخريف، فأما الرفقاء فمن أهل الكوفة، وأما الأبدال فمن أهل الشام.(٥٩٢)
كما أن الذين سوف ينصرونه أيضاً ويدعون له هم من أهل خراسان، وهي بلاد شيعية قديماً وحديثاً، فقد جاء في بعض الروايات: (يخرج أهل خراسان في طلب المهدي فيدعون له وينصرونه).(٥٩٣)
كما أن الدجال الذي يخرج لقتال الإمام المهدي (عليه السلام) أول ما يقصد من المدن هي الكوفة، فقد جاء عن سلمة بن كهيل، عن أبي صادق، عن عبد الله قال: أول أهل أبيات يفزعهم الدجال أهل الكوفة(٥٩٤) وهنا يطرح هذا السؤال: فلماذا بالذات الكوفة دون غيرها من سائر البلاد؟! وهذا ما يدل على أن الكوفة تشكل رعباً لأعداء أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم، وذلك بما تكنه هذه البلدة من ولاء وتشيع لعترة النبي (صلّى الله عليه وآله).
كما أن العدو اللدود السفياني الأموي الذي يخرج هو الآخر أيضاً لقتال الإمام المهدي (عليه السلام) أول ما يستهدفه أيضاً من المدن هي الكوفة، وما ذلك إلا لكونها المركز الرئيسي للتشيع في العالم كله، وفيها شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، كما أنها سوف تكون عاصمة لدولة الإمام المهدي (عليه السلام)، ولذا تكون هذه المدينة هدفاً لمطامعه، ونواياه السيئة، فقد ورد أن السفياني يدخل الكوفة، ويقتل فيها أعوان آل محمد وشيعتهم، فمن ذلك ما رواه الحاكم في المستدرك عن أبي رومان، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: (يظهر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٩٢) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ١/ ٢٩٧، ينابيع المودة، القندوزي: ٣/ ٢٦٤ح١٤.
(٥٩٣) كتاب الفتن، نعيم بن حماد: ١٨٣.
(٥٩٤) كتاب الفتن، نعيم بن حماد: ٣٢٥.

↑صفحة ٢٦٤↑

السفياني على الشام.. إلى أن قال: وتقبل خيل السفياني ويقتلون شيعة آل محمد (صلّى الله عليه وآله) بالكوفة، ثم يخرج أهل خراسان في طلب المهدي).(٥٩٥)
وروي أيضاً عن ابن زرير، عن عمار بن ياسر قال: إذا بلغ السفياني الكوفة وقتل أعوان آل محمد خرج المهدي على لوائه...(٥٩٦)
وفي رواية أخرى: (وتقبل خيل السفياني كالليل والسيل، فلا تمر بشيء إلا أهلكته وهدمته حتى يدخلوا الكوفة فيقتلون شيعة آل محمد (صلّى الله عليه وآله)، ثم يطلبون أهل خراسان في كل وجه، ويخرج أهل خراسان في طلب المهدي فيدعون له وينصرونه.(٥٩٧)
وقد جاء في الروايات: أن السفياني عثمان بن عنبسة هو من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان.. يخرج من ناحية مدينة دمشق في واد يقال له الوادي اليابس...(٥٩٨)
ونفهم من مجمل هذه الأخبار أن الحملة التي تقود الحرب والقتال نحو الإمام المهدي (عليه السلام) هي حملة أموية خالصة، وعلى ما يبدو أن السفياني وأتباعه سوف يكونون في بداية أمرهم القوة الضاربة دون غيرهم، ومن المعلوم أن السفياني لا يخرج للقتال بوحده، وإنما يخرج ومعه أتباع وأنصار كُثر يتبنون طريقته الأموية وفكره المنحرف، وهذا الخط بلا شك هو الخط المعادي لخط أهل البيت (عليهم السلام) والذين عرفوا بنصبهم وعدواتهم لهم، وإلا ما هو تفسير سبب قتال السفياني وأتباعه للإمام المهدي (عليه السلام) ومحاربتهم له، وهو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٩٥) المستدرك، الحاكم: ٤/ ٥٠٢.
(٥٩٦) كتاب الفتن، نعيم بن حماد: ١٩٠.
(٥٩٧) كتاب الفتن، نعيم بن حماد: ١٨٣، كنز العمال، المتقي الهندي: ١١/ ٢٧٣، ح ٣١٤٩٧.
(٥٩٨) عقد الدرر في أخبار المنتظر (عليه السلام)، المقدسي الشافعي: ٧٢ - ٧٣،: الباب٤.

↑صفحة ٢٦٥↑

الإمام المصلح من أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولماذا يقصد بالذات الكوفة وخراسان - وهما بلدتان شيعيتان - دون غيرهما من سائر البلاد الإسلامية؟!
وهؤلاء أعني أتباع بني أمية والسفياني لا يخلو منهم زمان، وعلامتهم الدفاع عن بني أمية، وتبني أفكارهم وعقائدهم!!
وهذه الأسرة أسرة أبي سفيان عرفت منذ القدم ببغضها وكراهيتها لعترة النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولا عجب في ذلك فقد ورثوا البغضاء أباً عن جد.
هذا وقد جاءت صفة السفياني في بعض الأخبار كما في كتاب الفتن لنعيم بن حماد، عن الحارث بن عبد الله قال: يخرج رجل من ولد أبي سفيان في الوادي اليابس في رايات حمر، دقيق الساعدين والساقين، طويل العنق، شديد الصفرة، به أثر العبادة.(٥٩٩)
وهذه إحدى الإشارات الواضحة، والدلائل الناصعة أن السفياني يري الناس أنه متدين وعابد، فيأخذ الإسلام ذريعة للتغطية على جرائمه، وكي يخدع الناس بمكره وحيله! كما هو شأن الدجالين والضالين عن طريق الحق.
إلى غير ذلك من الأمور التي تنتج وتتمخض من جملة هذه الأخبار الخاصة بالإمام المهدي (عليه السلام) والتي يخافون من إثارتها.
قال بعض الكتاب في بعض مواقع الانترنيت تحت عنوان (الكثير من الوهابية يتجاهلون قضية الإمام المهدي (عليه السلام)) فقال بتلخيص منا: الكثير من الوهابية يتجاهلون قضية الإمام المهدي (عليه السلام) يريدون صنع تغطية إعلامية كبرى عليها، وذلك لأن ذكر المهدي (عليه السلام) يعني تحطيم يوم السقيفة! لأن نشر خبر المهدي والتمهيد له (عليه السلام) يعني إسقاط مذاهب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٩٩) كتاب الفتن، نعيم بن حماد: ١٦٦.

↑صفحة ٢٦٦↑

بكاملها، وإعلان أحقية مذهب واحد فقط!!
روى الحاكم النيسابوري عن ثوبان قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقاتلونكم قتالاً لم يقاتله قوم، ثم ذكر شيئاً فقال: إذا رأيتموه فبايعوه، ولو حبواً على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.(٦٠٠)
فأين إذن هي الشورى، فهل خلافة الإمام المهدي (عليه السلام) شورى أم نصٌّ من الله تعالى؟!، فإنا نجد في هذا الحديث أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد حدّد شخصاً واحداً فقط، وقد عيّنه، وأمر ببيعته فوراً وهو الإمام المهدي (عليه السلام) وأطلق عليه خليفة الله، فإذن هي ليست عن طريق الشورى، وذلك لأن المهدي اختاره الله تعالى وهذا يعني أن خلافته بنص منه تعالى، ولذا أطلق عليه النبي (صلّى الله عليه وآله) (خليفة الله المهدي)، وبمجرد رؤيته وجب فوراً بيعته، فليس إذن اختيار الخليفة بيد الناس، فعلى هذا أن خليفة الله المهدي لا ينطبق إلا على المهدي الذي تعتقد الشيعة بإمامته، وأنه يخرج في آخر الزمان، وأنه المنصوص عليه من الله تعالى ورسوله (صلّى الله عليه وآله)، ولا شأن للناس في إمامته وتعيينه!
فالخلاصة: أقول: من هنا لا يروق لهؤلاء وأمثالهم أن يتعرف الناس على تأريخ الإمام المهدي (عليه السلام) الذي هو في الواقع لا يمكن التفكيك بينه وبين تأريخ آبائه وأجداده الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) فنراهم يعتمون على ذلك كله، ولا يظهرونه بالشكل اللائق به.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٠٠) المستدرك، الحاكم: ٤/ ٤٦٤.

↑صفحة ٢٦٧↑

الفصل الثالث: البشارة بالإمام المهدي (عليه السلام) وولادته ونشأته في حياة أبيه والنص عليه بالإمامة وخصاله وخصائصه الشريفة

↑صفحة ٢٦٩↑

البشارات بالإمام المهدي (عليه السلام)
بشارة النبي (صلّى الله عليه وآله) بالإمام المهدي (عليه السلام)
لقد جاءت البشارات بظهور الإمام المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان على لسان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام)(٦٠١) وأنه سوف يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وهي كثيرة جداً من طرق الخاصة والعامة, وهنا نستعرض بعض الأحاديث الشريفة التي بشرت بظهوره (عليه السلام)، وأنه الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فمن ذلك ما رواه محمد بن جرير الطبري (رحمه الله تعالى) في كتاب دلائل الإمامة، والشيخ الصدوق في كتاب كمال الدين، بأسانيدهما عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، فمنها ما يلي:
١ - عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا جلوساً عند النبي (صلّى الله عليه وآله) ذات يوم، إذ أقبل فتية من بني عبد المطلب، فلما نظر إليهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اغرورقت عيناه، فقلنا: يا رسول الله، لا نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه؟ قال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٠١) ومن هذه البشارات أيضاً ما جاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومن الكتب التي عنيت بهذا الموضوع هو كتاب: (الإمام المهدي في نهج البلاغة) تأليف الشيخ مهدي فقيه إيماني.

↑صفحة ٢٧١↑

سيلقون بعدي بلاء وتطريداً وتشريداً، حتى يجيء قوم من هاهنا - وأشار بيده إلى المشرق - أصحاب رايات سود، يسألون الحق فلا يعطونه - حتى أعادها ثلاثاً - فيقاتلون فينصرون، ولا يزالون كذلك حتى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي، فيملأها قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، فمن أدركه منكم فليأته ولو حبواً على الثلج.
٢ - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): كيف تهلك أمة أنا أولها، وعيسى بن مريم في آخرها، والمهدي من أهل بيتي في وسطها؟!
٣ - عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): والذي نفسي بيده، إن مهدي هذه الأمة الذي يصلي خلفه عيسى منا، ثم ضرب منكب الحسين (عليه السلام)، وقال: من هذا، من هذا.
٤ - عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين، عن أبيه (عليهما السلام) أن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال لفاطمة صلوات الله عليها: المهدي من ولدك.
٥ - عن عبد الله بن مسعود، قال: كنت عند النبي (صلّى الله عليه وآله) إذ مرّ فتية من بني هاشم، كأن وجوههم المصابيح، فبكى النبي (صلّى الله عليه وآله) فقلت: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال إنا أهل بيت قد اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنه سيصيب أهل بيتي قتل وتطريد وتشريد في البلاد، حتى يتيح الله لنا راية تجيء من المشرق، من نصرها نصر، ومن يشاقها يشاق، ثم يخرج عليهم رجل من أهل بيتي اسمه كاسمي، وخلقه كخلقي، تؤوب إليه أمتي كما تؤوب الطير إلى أوكارها، فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.
٦ - عن الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام)، عن أبيه، عن جده الحسين، وعن عمه الحسن، عن أمير المؤمنين (عليهم السلام)، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: قال لي: يا علي، إذا تمّ من ولدك أحد عشر إماماً، فالحادي عشر منهم المهدي من أهل بيتي.

↑صفحة ٢٧٢↑

٧ - عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنه قال: إذا توالت ثلاثة أسماء من الأئمة من ولدي: محمد وعلي والحسن، فرابعها هو القائم المأمول المنتظر.
٨ - عن سلمان (رضي الله عنه)، قال: قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إن الله (تبارك وتعالى) لم يبعث نبياً ولا رسولاً إلا جعل له اثني عشر نقيباً. فقلت: يا رسول الله، لقد عرفت هذا من أهل الكتابين.
فقال: يا سلمان: هل علمت من نقبائي ومَنْ الاثنا عشر الذين اختارهم الله للأمة من بعدي؟ فقلت: الله ورسوله أعلم.
فقال: يا سلمان، خلقني الله من صفوة نوره، ودعاني فأطعته، وخلق من نوري علياً، ودعاه فأطاعه، وخلق من نور علي فاطمة، ودعاها فأطاعته، وخلق مني ومن علي وفاطمة: الحسن، ودعاه فأطاعه، وخلق مني ومن علي وفاطمة: الحسين، فدعاه فأطاعه، ثم سمانا بخمسة أسماء من أسمائه، فالله المحمود وأنا محمد، والله العلي وهذا علي، والله الفاطر وهذه فاطمة، والله ذو الإحسان وهذا الحسن، والله المحسن وهذا الحسين، ثم خلق منا ومن نور الحسين، تسعة أئمة، فدعاهم فأطاعوه، قبل أن يخلق سماء مبنية، وأرضاً مدحية، ولا ملكاً ولا بشراً، وكنا نوراً نسبح الله، ونسمع له ونطيع.
قال سلمان: فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فما لمن عرف هؤلاء؟
فقال: يا سلمان، من عرفهم حقّ معرفتهم، واقتدى بهم، ووالى وليّهم، وتبرأ من عدوهم، فهو والله منا، يرد حيث نرد، ويسكن حيث نسكن. فقلت: يا رسول الله، وهل يكون إيمان بهم بغير معرفة بأسمائهم وأنسابهم؟ فقال: لا يا سلمان، فقلت: يا رسول الله، فأنى لي بهم وقد عرفت إلى الحسين؟
قال: ثم سيد العابدين علي بن الحسين، ثم ابنه محمد بن علي باقر علم الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين، ثم ابنه جعفر بن محمد لسان الله الصادق، ثم ابنه موسى بن جعفر الكاظم غيظه صبراً في الله (عزَّ وجلَّ)، ثم ابنه

↑صفحة ٢٧٣↑

علي بن موسى الرضي لأمر الله، ثم ابنه محمد بن علي المختار من خلق الله، ثم ابنه علي بن محمد الهادي إلى الله، ثم ابنه الحسن بن علي الصامت الأمين لسرّ الله، ثم ابنه محمد بن الحسن الهادي المهدي الناطق القائم بحق الله.
ثم قال: يا سلمان، إنك مدركه(٦٠٢) ومن كان مثلك، ومن تولاه بحقيقة المعرفة، قال سلمان: فشكرت الله كثيراً، ثم قلت: يا رسول الله وإني مؤجل إلى عهده؟ قال: يا سلمان اقرأ (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا، ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا).(٦٠٣)
قال سلمان: فاشتدّ بكائي وشوقي، ثم قلت: يا رسول الله، أبعهد منك؟ فقال: إي والله، الذي أرسل محمداً بالحق، مني ومن علي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة، وكلّ من هو منا ومعنا، ومضام فينا، إي والله يا سلمان، وليحضرن إبليس وجنوده، وكلّ من محّض الإيمان محضاً، ومحّض الكفر محضاً، حتى يؤخذ بالقصاص والأوتار، ولا يظلم ربك أحدا، ويحقق تأويل هذه الآية: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ).(٦٠٤)
قال سلمان: فقمت من بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وما يبالي سلمان متى لقي الموت، أو الموت لقيه.(٦٠٥)
٩ - الشيخ الصدوق بالإسناد: عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٠٢) يعني في الرجعة، والآية الكريمة تشير إلى ذلك.

(٦٠٣) سورة الإسراء, الآية: ٦ - ٧.
(٦٠٤) سورة القصص, الآية: ٥ - ٦.
(٦٠٥) دلائل الإمامة, محمد بن جرير الطبري (الشيعي): ٤٤٢ - ٤٥٠.

↑صفحة ٢٧٤↑

صلى الله عليه وآله: إن خلفائي وأوصيائي، وحجج الله على الخلق بعدي اثنا عشر: أولهم أخي وآخرهم ولدي، قيل: يا رسول الله ومن أخوك؟ قال: علي بن أبي طالب، قيل: فمن ولدك؟ قال: المهدي الذي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحق نبياً لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدي المهدي فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه، وتشرق الأرض بنوره، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب.
١٠ - الشيخ الصدوق بالإسناد: عن الأصبغ بن نباته، عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون.
١١ - الشيخ الصدوق بالإسناد: عن عباية بن ربعي، عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): أنا سيد النبيين، وعلي بن أبي طالب سيد الوصيين، وإن أوصيائي بعدي اثنا عشر أولهم علي بن أبي طالب، وآخرهم القائم (عليهم السلام).(٦٠٦)
بشارة الإمام الصادق (عليه السلام) بالإمام المهدي (عليه السلام)
قد ورد الكثير من الروايات عن الإمام الصادق (عليه السلام) في البشارة بالإمام المهدي (عليه السلام)، وأمر غيبته وخروجه(٦٠٧) وجاء في روضة الواعظين أن الإمام الصادق (عليه السلام) كثيراً ما يقول:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٠٦) كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق: ص ٢٨٠ ح٢٧ - ٢٩.
(٦٠٧) ومن الكتب المؤلفة في هذا الموضوع هو كتاب (غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) عند الإمام الصادق (عليه السلام)) للسيد ثامر هاشم العميدي نشر وإصدار مركز الرسالة، وكتاب (الإمام المهدي وعلامات ظهوره عند الإمام الصادق (عليه السلام)) لمحسن عقيل.

↑صفحة ٢٧٥↑

لكلّ أناس دولةٌ يرقبونها * * * ودولتنا في آخر الدهر تظهرُ(٦٠٨)

وروى الشيخ الصدوق (رحمه الله تعالى) عن أبي إبراهيم الكوفي قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فكنت عنده إذ دخل عليه أبو الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) وهو غلام فقمت إليه وقبلت رأسه، وجلست فقال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا إبراهيم أما إنه صاحبك من بعدي، يخرج الله تبارك وتعالى من صلبه تكملة اثني عشر مهدياً، واختصهم الله بكرامته، وأحلهم دار قدسه, المنتظر للثاني عشر كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يذب عنه.
فدخل رجل من موالي بني أمية فانقطع الكلام، وعدت إلى أبي عبد الله (عليه السلام) خمس عشرة مرة أريد استتمام الكلام فما قدرت على ذلك، فلما كان من قابل دخلت عليه وهو جالس فقال لي: يا أبا إبراهيم، هو المفرج للكرب عن شيعته بعد ضنك شديد، وبلاء طويل وجور، فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان، حسبك الله يا أبا إبراهيم، قال أبو إبراهيم: فما رجعت بشيء أسر إليَّ من هذا، ولا أفرح لقلبي منه.(٦٠٩)
إلى غير ذلك من الروايات الشريفة في هذا الباب، وهي كثيرة جداً.
بشارة الإمام الرضا بالإمام المهدي (عليهما السلام) وقصيدة دعبل
روى ابن شهر آشوب (رحمه الله تعالى): لما أنشد دعبل الخزاعي الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قصيدته: أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً.. وساق القصيدة إلى أن انتهى إلى قوله: وقبر ببغداد لنفس زكية.. قال الرضا (عليه السلام): أفلا ألحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٠٨) روضة الواعظين، الفتال النيسابوري: ٢٦٧ - ٢٦٨.
(٦٠٩) كمال الدين وتمام النعمة, الشيخ الصدوق: ٦٤٧ ح٨، كتاب الغيبة, النعماني: ٩٠ ح٢١.

↑صفحة ٢٧٦↑

قال: بلى يا ابن رسول الله، فقال (عليه السلام):

وقبر بطوسٍ يا لها من مصيبةٍ * * * ألحّت بها الأحشاءُ بالزفراتِ
إلى الحشر حتى يبعث اللهُ قائماً * * * يفرجُ عنّا الهّمَ والكرباتِ

فقال دعبل: يا ابن رسول الله هذا الذي بطوس قبر من هو؟ قال: قبري، ولا تنقضي الأيام والليالي حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزواري.
فلما انتهى إلى قوله:

خروجُ إمام لا محالة واقعٌ * * * يقومُ على اسم الله والبركاتِ
يميز فينا كلّ حقٍ وباطلٍ * * * ويجزي على النعماءِ والنقماتِ

قال الرضا (عليه السلام): يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين.
وفي رواية: رزقك الله رؤيته وحشرك في زمرته.
قال: فحباه بمائة دينار، فردّ الصرة، وسأل ثوباً من ثياب الرضا (عليه السلام) ليتبرك به ويتشرف، فأنفذ إليه بجبة خز مع الصرة، وقال للخادم: قل له: خذ هذه الصرة، فإنك ستحتاج إليها، ولا تراجعني فيها. فانصرف دعبل...(٦١٠)
وأخرج شيخ الإسلام أبو إسحاق الحموي، عن أحمد بن زياد، عن دعبل الخزاعي، قال: أنشدت قصيدة لمولاي علي الرضا (رضي الله عنه):

مدارسُ آياتٍ خلت من تلاوةٍ * * * ومنزلُ وحيٍّ مقفر العرصاتِ

إلى أن قال دعبل: ثم قرأت باقي القصيدة فلما انتهيت إلى قولي:

خروجُ إمامٍ لا محالة واقعٌ * * * يقومُ على اسم اللهِ والبركاتِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦١٠) مناقب آل أبي طالب, ابن شهر آشوب: ٣ / ٤٥٠.

↑صفحة ٢٧٧↑

بكى الرضا بكاء شديداً ثم قال: يا دعبل نطق روح القدس بلسانك أتعرف من هذا الإمام؟! قلت: لا، إلا أني سمعت خروج إمام منكم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
فقال (عليه السلام): إن الإمام بعدي ابني محمد، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم، وهو المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، وأما متى يقوم فإخبار عن الوقت! لقد حدثني أبي، عن آبائه، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: مثله كمثل الساعة لا تأتيكم إلا بغتة.(٦١١)
قيام الإمام الرضا (عليه السلام) عند ذكر الحجة (عليه السلام)
في مشكاة الأنوار ومؤجج الأحزان: روي أنه لما قرأ دعبل قصيدته على الرضا (عليه السلام) وذكر الحجة (عجَّل الله فرجه) بقوله:

فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غدٍ * * * تقطّع نفسي إثرهم حسراتي
خروجُ إمام لا محالة خارجٌ * * * يقوم على اسم اللهِ والبركاتِ

وضع الرضا (عليه السلام) يده على رأسه، وتواضع قائماً، ودعى له بالفرج, وحكاه عن المشكاة صاحب الدمعة الساكبة وغيره.(٦١٢)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦١١) الغدير, الشيخ الأميني: ٢ / ٣٥٥.
(٦١٢) الغدير, الشيخ الأميني: ٢ / ٣٦١.

↑صفحة ٢٧٨↑

ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)
كلام بعض الأعلام في ولادة الإمام (عليه السلام)
قال الشيخ المفيد (رحمه الله تعالى): وكان الإمام بعد أبي محمد (عليه السلام) ابنه المسمى باسم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، المكنى بكنيته، ولم يخلف أبوه ولداً غيره ظاهراً ولا باطناً، وخلّفه غائباً مستتراً على ما قدمنا ذكره، وكان مولده (عليه السلام) ليلة النصف من شعبان، سنة خمس وخمسين ومائتين.
وكان سنّه عند وفاة أبي محمد خمس سنين، آتاه الله فيها الحكمة وفصل الخطاب، وجعله آية للعالمين، وآتاه الحكمة كما آتاها يحيى صبياً، وجعله إماماً في حال الطفولية الظاهرة كما جعل عيسى بن مريم (عليه السلام) في المهد نبيا.(٦١٣)
قال الشهيد (رحمه الله) في الدروس: ولد (عليه السلام) بسرّ من رأى يوم الجمعة ليلاً خامس عشر شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين.(٦١٤)
وقال العلامة المجلسي (رحمه الله تعالى): عن الشيخ في المصباحين والسيد ابن طاووس في كتاب الإقبال، وسائر مؤلفي كتب الدعوات، ولادته (عليه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦١٣) الإرشاد, الشيخ المفيد: ٢ / ٣٣٩.
(٦١٤) الدروس, الشهيد الأول: ١٦.

↑صفحة ٢٧٩↑

السلام) في النصف من شعبان، وقال: في الفصول المهمة(٦١٥): ولد (عليه السلام) بسرّ من رأى ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين.(٦١٦)
بركة الليلة التي ولد فيها الإمام (عليه السلام)
روى الشيخ الطوسي (رحمه الله تعالى) بالإسناد عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول: إن في الليلة التي يولد فيها الإمام لا يولد مولود إلا كان مؤمناً، وإن ولد في أرض الشرك نقله الله إلى الإيمان ببركة الإمام (عليه السلام).(٦١٧)
وقال الشيخ المجلسي (رحمه الله تعالى): نُقل من خط الشهيد (رحمه الله تعالى) عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: إن الليلة التي يولد فيها القائم (عليه السلام) لا يولد فيها مولود إلا كان مؤمناً...(٦١٨)
أمّ الإمام (عليه السلام)
قال الشيخ المفيد (رحمه الله تعالى): وأمه (عليها السلام) أم ولد، يقال لها: نرجس.(٦١٩)
وقال الشهيد (رحمه الله) في الدروس: ولد (عليه السلام) بسرّ من رأى يوم الجمعة ليلاً خامس عشر شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين, وأمه (عليها السلام) صقيل، وقيل: نرجس.(٦٢٠)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦١٥) الفصول المهمة، ابن الصباغ المالكي: ص١١٠٢.
(٦١٦) بحار الأنوار, الشيخ المجلسي: ١٥/٢٨.
(٦١٧) الأمالي, الطوسي: ٤١٢ ح٧٣، تأويل الآيات, شرف الدين الحسيني: ١ / ١٦٦.
(٦١٨) بحار الأنوار, الشيخ المجلسي: ١٥/٢٨.
(٦١٩) الإرشاد، الشيخ المفيد: ٢ / ٣٣٩.
(٦٢٠) الدروس, الشهيد الأول: ١٦.

↑صفحة ٢٨٠↑

وروى الشيخ الصدوق (رحمه الله تعالى): عن محمد بن يحيى العطار، قال: حدثني أبو علي الخيزراني، عن جارية له كان أهداها لأبي محمد (عليه السلام) فلما أغار جعفر الكذاب على الدار جاءته فارَّةً من جعفر، فتزوج بها، قال أبو علي: فحدثتني أنها حضرت ولادة السيد (عليه السلام)، وأن اسم أم السيد صقيل، وأن أبا محمد (عليه السلام) حدثها بما يجري على عياله، فسألته أن يدعو الله (عزَّ وجلَّ) لها أن يجعل منيتها قبله، فماتت في حياة أبي محمد (عليه السلام) وعلى قبرها لوح مكتوب عليه: هذا قبر أمّ محمد.
قال أبو علي: وسمعت هذه الجارية تذكر أنه لما ولد السيد (عليه السلام) رأت لها نوراً ساطعاً قد ظهر منه وبلغ أفق السماء، ورأيت طيوراً بيضاء تهبط من السماء، وتمسح أجنحتها على رأسه ووجهه وسائر جسده، ثم تطير، فأخبرنا أبا محمد (عليه السلام) بذلك فضحك، ثم قال: تلك ملائكة نزلت للتبرك بهذا المولود وهي أنصاره إذا خرج.(٦٢١)
ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) برواية حكيمة (عليها السلام)
روى الشيخ الصدوق: عن موسى بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: حدثتني حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، قالت: بعث إليَّ أبو محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) فقال: يا عمة اجعلي إفطارك هذه الليلة عندنا فإنها ليلة النصف من شعبان، فإن الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة، وهو حجته في أرضه.
قالت: فقلت له: ومن أمه؟ قال لي: نرجس، قلت له: جعلني الله فداك ما بها أثر؟! فقال: هو ما أقول لك، قالت: فجئت، فلما سلّمت وجلست جاءت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٢١) كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق: ٤٣١ ح٧.

↑صفحة ٢٨١↑

تنزع خفي، وقالت لي: يا سيدتي وسيدة أهلي كيف أمسيت؟ فقلت: بل أنت سيدتي وسيدة أهلي، قالت: فأنكرت قولي وقالت: ما هذا يا عمة؟ قالت: فقلت لها: يا بنية إن الله تعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاماً سيداً في الدنيا والآخرة، قالت: فخجلت واستحيت!
فلما أن فرغت من صلاة العشاء الآخرة أفطرت وأخذت مضجعي فرقدت، فلما أن كان في جوف الليل قمت إلى الصلاة ففرغت من صلاتي وهي نائمة ليس بها حادث ثم جلست معقبة، ثم اضطجعت، ثم انتبهت فزعة وهي راقدة، ثم قامت فصلّت ونامت.
قالت حكيمة: وخرجت أتفقد الفجر فإذا أنا بالفجر الأول كذنب السرحان وهي نائمة فدخلني الشكوك، فصاح بي أبو محمد (عليه السلام) من المجلس فقال: لا تعجلي يا عمة فهاك الأمر قد قرب، قالت: فجلست وقرأت ألم السجدة ويس، فبينما أنا كذلك إذ انتبهت فزعة! فوثبت إليها، فقلت: اسم الله عليك، ثم قلت لها: أتحسين شيئاً؟ قالت: نعم يا عمة، فقلت لها: اجمعي نفسك، واجمعي قلبك فهو ما قلت لك.
قالت: فأخذتني فترة وأخذتها فترة فانتبهت بحس سيدي فكشفت الثوب عنه، فإذا أنا به (عليه السلام) ساجداً يتلقى الأرض بمساجده، فضممته إليَّ فإذا أنا به نظيف متنظف فصاح بي أبو محمد (عليه السلام) هلمي إليَّ ابني يا عمة فجئت به إليه فوضع يديه تحت أليتيه وظهره، ووضع قدميه على صدره، ثم أدلى لسانه في فيه، وأمرّ يده على عينيه وسمعه ومفاصله، ثم قال: تكلم يا بني، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ثم صلّى على أمير المؤمنين، وعلى الأئمة (عليهم السلام) إلى أن وقف على أبيه، ثم أحجم.
ثم قال أبو محمد (عليه السلام): يا عمة اذهبي به إلى أمه ليسلم عليها وائتني به، فذهبت به فسلّم عليها، ورددته فوضعته في المجلس، ثم قال: يا عمة إذا كان يوم السابع فأتينا قالت حكيمة: فلما أصبحت جئت لأسلم على أبي محمد عليه

↑صفحة ٢٨٢↑

السلام وكشفت الستر لأتفقد سيدي (عليه السلام) فلم أره، فقلت: جعلت فداك ما فعل سيدي؟
فقال: يا عمة استودعناه الذي استودعته أم موسى موسى (عليه السلام)!
قالت حكيمة: فلما كان في اليوم السابع جئت فسلّمت وجلست فقال: هلمي إليَّ ابني، فجئت بسيدي (عليه السلام) وهو في الخرقة ففعل به كفعلته الأولى، ثم أدلى لسانه في فيه كأنه يغذيه لبناً أو عسلاً، ثم قال: تكلم يا بني، فقال: أشهد أن لا إلا إله الله، وثنى بالصلاة على محمد، وعلى أمير المؤمنين، وعلى الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين حتى وقف على أبيه (عليه السلام)، ثم تلا هذه الآية: بسم الله الرحمن الرحيم (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ).(٦٢٢)
قال موسى: فسألت عقبة الخادم عن هذه؟ فقال: صدقت حكيمة.(٦٢٣)
وفي رواية أخرى عن السيدة حكيمة (عليها السلام) في حديث لها عن ولادة الإمام (عليه السلام) قالت: فمضى أبو الحسن (عليه السلام) وجلس أبو محمد (عليه السلام) مكان والده، وكنت أزوره كما كنت أزور والده فجاءتني نرجس يوماً تخلع خفي، فقالت: يا مولاتي ناوليني خفك، فقلت: بل أنت سيدتي ومولاتي، والله لا أدفع إليك خفي لتخلعيه، ولا لتخدميني بل أنا أخدمك على بصري! فسمع أبو محمد (عليه السلام) ذلك فقال: جزاك الله يا عمة خيراً، فجلست عنده إلى وقت غروب الشمس فصحت بالجارية وقلت: ناوليني ثيابي لأنصرف، فقال (عليه السلام): لا يا عمتا، بيتي الليلة عندنا فإنه سيولد الليلة المولود الكريم على الله (عزَّ وجلَّ) الذي يحيى الله (عزَّ وجلَّ) به الأرض بعد موتها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٢٢) سورة القصص, الآية: ٥ - ٦.
(٦٢٣) كمال الدين وتمام النعمة, الشيخ الصدوق: ٤٢٤ - ٤٢٦ح١.

↑صفحة ٢٨٣↑

فقلت: ممن يا سيدي؟ ولست أرى بنرجس شيئاً من أثر الحبل! فقال: من نرجس لا من غيرها.
قالت: فوثبت إليها فقلبتها ظهراً لبطن فلم أر بها أثر حبل، فعدت إليه (عليه السلام) فأخبرته بما فعلت، فتبسم! ثم قال لي: إذا كان وقت الفجر يظهر لك بها الحبل، لأن مثلها مثل أم موسى (عليه السلام) لم يظهر بها الحبل، ولم يعلم بها أحد إلى وقت ولادتها، لأن فرعون كان يشقّ بطون الحبالى في طلب موسى (عليه السلام)، وهذا نظير موسى (عليه السلام).
قالت حكيمة: فعدت إليها فأخبرتها بما قال، وسألتها عن حالها، فقالت: يا مولاتي ما أرى بي شيئاً من هذا، قالت حكيمة: فلم أزل أرقبها إلى وقت طلوع الفجر وهي نائمة بين يدي لا تقلب جنباً إلى جنب، حتى إذا كان آخر الليل وقت طلوع الفجر وثبت فزعة! فضممتها إلى صدري، وسميت عليها، فصاح إليَّ أبو محمد (عليه السلام) وقال: اقرئي عليها (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) فأقبلت أقرأ عليها وقلت لها: ما حالك؟ قالت: ظهر بي الأمر الذي أخبرك به مولاي، فأقبلت أقرأ كما أمرني، فأجابني الجنين من بطنها يقرأ مثل ما أقرأ، وسلَّم عليَّ.
قالت حكيمة: ففزعت لما سمعت! فصاح بي أبو محمد (عليه السلام): لا تعجبي من أمر الله (عزَّ وجلَّ)، إن الله تبارك وتعالى ينطقنا بالحكمة صغاراً، ويجعلنا حجة في أرضه كباراً، فلم يستتم الكلام حتى غيبت عني نرجس، فلم أرها، كأنه ضرب بيني وبينها حجاب! فعدوت نحو أبي محمد (عليه السلام) وأنا صارخة! فقال لي: ارجعي يا عمة، فإنك ستجدينها في مكانها.
قالت: فرجعت، فلم ألبث أن كشف الغطاء الذي كان بيني وبينها، وإذا أنا بها وعليها من أثر النور ما غشى بصري! وإذا أنا بالصبي (عليه السلام) ساجداً لوجهه، جاثياً على ركبتيه، رافعاً سبابتيه، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأن جدي محمداً رسول الله (صلّى الله عليه وآله), وأن أبي أمير المؤمنين، ثم عدّ إماماً إماماً إلى أن بلغ إلى نفسه، ثم قال: اللهم انجز لي ما

↑صفحة ٢٨٤↑

وعدتني، وأتمم لي أمري، وثبّت وطأتي، واملأ الأرض بي عدلاً وقسطاً...(٦٢٤)
وفي رواية الحسين بن حمدان الخصيبي، قال: قالت حكيمة (عليها السلام): فلما كان في اليوم السابع جئت فسلمت، ثم جلست فقال (عليه السلام): هلمي ابني، فجئت بسيدي وهو في ثياب صفر، ففعل به كفعاله الأول، وجعل لسانه (عليه السلام) في فيه ثم قال له: تكلم يا بني، فقال (عليه السلام): أشهد أن لا إله إلا الله، وثنى بالصلاة على محمد وأمير المؤمنين والأئمة حتى وقف على أبيه (عليه السلام)، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ).(٦٢٥)
ثم قال له: اقرأ يا بني مما أنزل الله على أنبيائه ورسله، فابتدأ بصحف آدم فقرأها بالسريانية، وكتاب إدريس، وكتاب نوح، وكتاب هود، وكتاب صالح، وصحف إبراهيم، وتوراة موسى، وزبور داود، وإنجيل عيسى، وفرقان جدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ثم قصّ قصص الأنبياء والمرسلين إلى عهده، فلما كان بعد أربعين يوماً دخلت دار أبي محمد (عليه السلام) فإذا مولانا صاحب الزمان يمشي في الدار، فلم أر وجهاً أحسن من وجهه (عليه السلام)، ولا لغة أفصح من لغته.
فقال لي أبو محمد (عليه السلام): هذا المولود الكريم على الله (عزَّ وجلَّ)، قلت له: يا سيدي له أربعون يوماً وأنا أرى من أمره ما أرى؟ فقال (عليه السلام): يا عمتي، أما علمت أنا معشر الأوصياء ننشؤ في اليوم ما ينشؤ غيرنا في الجمعة، وننشؤ في الجمعة ما ينشؤ غيرنا في السنة؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٢٤) كمال الدين وتمام النعمة, الشيخ الصدوق: ٤٢٧ - ٤٢٨، روضة الواعظين، الفتال النيسابوري: ٢٥٨ - ٢٥٩.
(٦٢٥) سورة القصص, الآية: ٥ - ٦.

↑صفحة ٢٨٥↑

فقمت فقبلت رأسه فانصرفت، فعدت وتفقدته فلم أره! فقلت لسيدي أبي محمد (عليه السلام): ما فعل مولانا؟ فقال: يا عمة، استودعناه الذي استودعته أمُّ موسى (عليه السلام).(٦٢٦)
عقيقة الإمام (عليه السلام)
عن إبراهيم صاحب أبي محمد (عليه السلام) أنه قال: وجه إليَّ مولاي أبو الحسن (عليه السلام) بأربعة أكبش، وكتب إليَّ: بسم الله الرحمن الرحيم (عق) هذه عن ابني محمد المهدي، وكُل - هنأك الله - وأطعم من وجدت من شيعتنا.(٦٢٧)
وفي خبر الصدوق في كمال الدين: أن أبا محمد (عليه السلام)، أمر بأن يعق عنه (عجل الله تعالى فرجه) بثلثمائة كبش.(٦٢٨)
وروى الشيخ الصدوق (رحمه الله تعالى): عن أبي جعفر العمري قال: لما ولد السيد قال أبو محمد (عليه السلام): إبعثوا إلى أبي عمرو - أي عثمان بن سعيد - فبعث إليه فصار إليه فقال: اشتر عشرة آلاف رطل خبزاً, وعشرة آلاف رطل لحماً, وفرّقه، أحسبه قال: على بني هاشم، وعقّ عنه بكذا وكذا شاة.(٦٢٩)
وروى أيضاً عن عبد الله بن جعفر الحميري قال: حدثني محمد بن إبراهيم الكوفي إن أبا محمد (عليه السلام) بعث إلى بعض من سماه لي بشاة مذبوحة، وقال: هذه من عقيقة ابني محمد.(٦٣٠)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٢٦) الهداية الكبرى, الخصيبي:٣٥٦ - ٣٥٧, بحار الأنوار, الشيخ المجلسي: ٥١/ ٢٧.
(٦٢٧) بحار الأنوار, الشيخ المجلسي: ٥١/ ٢٨, مستدرك الوسائل, الميرزا النوري: ١٥/ ١٥٤ ح٣.
(٦٢٨) مستدرك الوسائل, الميرزا النوري: ١٥/ ١٥٤ ح٣.
(٦٢٩) كمال الدين وتمام النعمة, الشيخ الصدوق: ٤٣١ح٦.
(٦٣٠) كمال الدين وتمام النعمة, الشيخ الصدوق: ٤٣٢ح١٠.

↑صفحة ٢٨٦↑

الأدلة على ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)
والجدير بالذكر أن نشير هنا: من الكتب القيمة التي تناولت موضوع ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، ومن شهد بولادته، هو كتاب (المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي إصدار مركز الرسالة) فقد ذكر بحوثاً قيمة في ما يرتبط بذلك تحت هذه العناوين التالية:
١ - إخبار الإمام العسكري بولادة ابنه المهدي (عليهما السلام)
٢ - شهادة السيدة الطاهرة حكيمة بنت الإمام الجواد وأخت الإمام الهادي وعمة الإمام العسكري (عليهم السلام)
٣ - من شهد برؤية المهدي من أصحاب الأئمة (عليهم السلام) وغيرهم.
٤ - رؤية السفراء الأربعة له (عليه السلام) وغيرهم.
٥ - شهادة الخدم والجواري والإماء برؤية المهدي (عليه السلام)
٦ - تصرف السلطة دليل على ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)
٧ - اعترافات علماء الأنساب بولادة الإمام المهدي (عليه السلام)
وجاء فيه تحت هذا العنوان، قال: ولد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في شهر ربيع الآخر سنة ٢٣٢ ه‍، وقد عاصر ثلاثة من سلاطين بني العباس وهم: المعتز (ت ٢٥٥هـ)، والمهتدي (ت ٢٥٦هـ)، والمعتمد (ت٢٧٩هـ) وقد كان المعتمد شديد التعصب والحقد على آل البيت (عليهم السلام) ومن تصفح كتب التاريخ المشهورة كالطبري وغيره، واستقرأ ما في حوادث سنة (٢٥٧هـ) و(٢٥٨هـ) و(٢٥٩هـ) و(٢٦٠هـ)، وهي السنوات الأولى من حكمه، علم مدى حقده على أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
ولقد عاقبه الله في حياته، إذ لم يكن في يده شيء من ملكه حتى إنه احتاج إلى ثلاثمائة دينار فلم ينلها، ومات ميتة سوء! إذ ضجر منه الأتراك فرموه في رصاص مذاب باتفاق المؤرخين.

↑صفحة ٢٨٧↑

ومن مواقفه الخسيسة أمره شرطته بعد وفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) مباشرة بتفتيش داره تفتيشاً دقيقا،ً والبحث عن الإمام المهدي (عليه السلام) والأمر بحبس جواري أبي محمد (عليه السلام)، واعتقال حلائله يساعدهم بذلك جعفر الكذاب طمعاً في أن ينال منزلة أخيه العسكري (عليه السلام) في نفوس شيعته، حتى جرى بسبب ذلك - كما يقول الشيخ المفيد - على مخلفي أبي محمد (عليه السلام) كلّ عظيمة من اعتقال، وحبس، وتهديد، وتصغير، واستخفاف، وذل.(٦٣١)
كلّ هذا والإمام المهدي في الخامسة من عمره الشريف، ولا يهم المعتمد العباسي العمر بعد أن عرف أن هذا الصبي هو الإمام الذي سيهد عرش الطاغوت، نظراً لما تواتر من الخبر بأن الثاني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) سيملأ الدنيا قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً.
فكان موقفه من مهدي الأمة كموقف فرعون من نبي الله موسى (عليه السلام) الذي ألقته أمه - خوفاً عليه - في اليّم صبياً، وبعض الشرّ أهون من بعض.
ولم يكن المعتمد العباسي قد عرف هذه الحقيقة وحده، وإنما عرفها من كان قبله كالمعتز والمهدي، ولهذا كان الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) حريصاً على أن لا ينتشر خبر ولادة المهدي إلا بين الخلص من شيعته ومواليه (عليه السلام)، مع أخذ التدابير اللازمة والاحتياطات الكافية لصيانة قادة التشيع من الاختلاف بعد وفاته (عليه السلام)، إذ أوقفهم بنفسه على المهدي الموعود مرات عديدة، وأمرهم بكتمان أمره لمعرفة الطواغيت بأنه (الثاني عشر) الذي ينطبق عليه حديث جابر بن سمرة الذي رواه القوم وأدركوا تواتره، وإلا فأيّ خطر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٣١) الإرشاد، الشيخ المفيد: ٢/ ٣٣٦، روضة الواعظين، الفتال النيسابوري: ٢٦٧، بحار الأنوار، الشيخ المجلسي: ٥٠/ ٣٣٤.

↑صفحة ٢٨٨↑

يهدد كيان المعتمد في مولود يافع لم يتجاوز من العمر خمس سنين؟! لو لم يدرك أنه هو المهدي المنتظر التي رسمت الأحاديث المتواترة دوره العظيم بكلّ وضوح، وبينت موقفه من الجبابرة عند ظهوره.
ولو لم يكن الأمر على ما وصفناه! فلماذا لم تقتنع السلطة بشهادة جعفر الكذاب وزعمه بأن أخاه العسكري (عليه السلام) مات ولم يخلّف ولداً؟! أما كان بوسع السلطة أن تعطي جعفراً الكذاب ميراث أخيه (عليه السلام) من غير ذلك التصرف الأحمق! الذي يدل على ذعرها، وخوفها من ابن الحسن (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف)!!...(٦٣٢)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٣٢) المهدي المنتظر (عليه السلام) في الفكر الإسلامي، إصدار مركز الرسالة: ١٠٧ - ١١٨.

↑صفحة ٢٨٩↑

أسماء الإمام وألقابه الشريفة
للإمام المهدي (عليه السلام) أسماء وألقاب كثيرة، وهي مشتقة من صفاته وخصاله الشريفة، وكلها تشير إلى ماسوف يقوم به من تحقيق القسط والعدل على أرجاء هذه المعمورة، وهي كالتالي:
١ - المهدي
روى الشيخ المجلسي: عن جابر في حديث له عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنما سمي المهدي لأنه يهدي إلى أمر خفي حتى أنه يبعث إلى رجل لا يعلم الناس له ذنباً فيقتله، حتى أن أحدهم يتكلم في بيته فيخاف أن يشهد عليه الجدار.(٦٣٣)
وجاء في رواية الشيخ الصدوق (رحمه الله تعالى) عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام): فإنما سمي المهدي لأنه يهدي لأمر خفي.(٦٣٤)
وروى الشيخ الطوسي (رحمه الله تعالى): عن أبي سعيد الخراساني، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المهدي والقائم واحد؟ فقال: نعم، فقلت: لأيّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٣٣) بحار الأنوار, الشيخ المجلسي: ٥٢ / ٣٩٠ ح٢١٢، تأريخ الكوفة، السيد البراقي: ١١٧.
(٦٣٤) علل الشرائع, الشيخ الصدوق: ١ / ١٦١ح٣.

↑صفحة ٢٩٠↑

شيء سمي المهدي؟ قال: لأنه يهدي إلى كلّ أمر خفي...(٦٣٥)
٢ - القائم
روى الشيخ المفيد: عن محمد بن عجلان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا قام القائم (عليه السلام) دعا الناس إلى الإسلام جديداً، وهداهم إلى أمر قد دثر، فضلّ عنه الجمهور، وإنما سمي القائم مهدياً لأنه يهدي إلى أمر قد ضلّوا عنه، وسمي القائم لقيامه بالحق.(٦٣٦)
وروى الشيخ الصدوق: عن أبي حمزة الثمالي قال: سألت الباقر صلوات الله عليه يا ابن رسول الله ألستم كلكم قائمين بالحق؟ قال: بلى، قلت: فلِمَ سمي القائم قائماً؟
قال: لما قُتل جدي الحسين صلى الله عليه ضجّت الملائكة إلى الله (عزَّ وجلَّ) بالبكاء والنحيب، وقالوا: إلهنا وسيدنا أتغفل عمن قتل صفوتك وابن صفوتك، وخيرتك من خلقك؟! فأوحى الله (عزَّ وجلَّ) إليهم قرّوا ملائكتي، فوعزّتي وجلالي لأنتقمن منهم ولو بعد حين, ثم كشف الله (عزَّ وجلَّ) عن الأئمة من ولد الحسين (عليه السلام) للملائكة، فسرَّت الملائكة بذلك، فإذا أحدهم قائم يصلي، فقال الله (عزَّ وجلَّ): بذلك القائم أنتقم منهم.(٦٣٧)
وليس هناك تناف في تعدد وجه الحكمة في تسميته (عليه السلام) بالقائم، كما هو شأن الكثير من أسمائهم (عليهم السلام)، والتي تشير إلى أكثر من معنى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٣٥) كتاب الغيبة، الشيخ الطوسي: ٤٧١ح٤٨٩، بحار الأنوار, الشيخ المجلسي: ٥١ / ٣٠ ح٦.
(٦٣٦) الإرشاد, الشيخ المفيد: ٢: ٣٨٣، بحار الأنوار, الشيخ المجلسي: ٥١ / ٣٠.
(٦٣٧) علل الشرائع، الشيخ الصدوق: ١/ ١٦٠ح١، بحار الأنوار, الشيخ المجلسي:٥١ /٢٨ ح١.

↑صفحة ٢٩١↑<