فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) عند أهل السُنَّة (المجلّد الثاني)
 كتب أخرى

الكتب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) عند أهل السُنَّة (المجلّد الثاني)

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: العلامة الشيخ مهدي فقيه إيماني تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠٢٠/١٠/١٩ المشاهدات المشاهدات: ٦٢٩٤ التعليقات التعليقات: ٠

الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) عند أهل السُنَّة (المجلّد الثاني)
يتضمّن رسائل مفردة وفصولا وأبحاثاً اقتطفناها من مؤلّفات أئمّة الحديث وأعلام التّاريخ ورجالات العلم من أهل السّنّة خلال اثني عشر قرناً

رتّبها وقدّم لها مهدي الفقيه إيماني

الطبعة الثانية ١٤٠٢هـ

المحتويات

لوائح الأنوار الإلهية لشمس الدين السفاريني (١١٨٨)..................٥
اسعاف الراغبين لمحمد الصبان الشافعي (١٢٠٦)..................٢٥
نور الابصار للسيد مؤمن الشبلنجي بعد (١٢٩٠)..................٤١
فيض القدير شرح الجامع الصغير لعبد الرؤف المناوي (١٣٠١)..................٤٩
مشارق الأنوار للشيخ حسن الخمراوي المصري (١٣٠٣)..................٥٥
الإذاعة لما كان وما يكون... للسيد محمد صديق القنوجي (١٣٠٧)..................٦٧
القطر الشهدي في أوصاف المهدي لشهاب الدين الحلواني (١٣٠٨) ..................١٠٩
العطر الوردي في شرح القطر... لمحمد البلبيسي الشافعي (١٣٠٨)..................١١١
غالية المواعظ لخير الدين الالوسي الحنفي (١٣١٧)..................١٥٥
عون المعبود شرح سنن أبي داود لشمس الحق العظيم آبادي المتولد (١٢٧٣)..................١٦٣
نظم المتناثر لمحمد بن جعفر الكتاني (١٣٤٥)..................١٩١
تحفة الأحوذي لمحمد عبد الرحمن المباركفوري (١٣٥٤)..................١٩٩
نظرة في أحاديث المهدي لشيخ الأزهر محمد الخضر حسين (١٣٧٧)..................٢٠٧
التاج الجامع للأصول للشيخ منصور على ناصف بعد (١٣٧١)..................٢١٥
إبراز الوهم المكنون لأحمد بن صديق المغربي (١٣٨٠)..................٢٢٣
حول المهدي للشيخ ناصر الدين الألباني المعاصر (...)..................٣٨٣
عقيدة اهل السنة... للشيخ عبد المحسن العباد المعاصر (...)..................٣٩٣
الرد على من كذّب بالاحاديث المهدي للشيخ عبد المحسن العباد المعاصر (...)..................٤٣٧

لوائح الأنوار الالهية شمس الدين محمد بن أحمد بن سالم السفاريني النابلسي (١١١٤ - ١١٨٨)

فقيه، حنبلي، صوفي، برع في الحديث والتاريخ.
ولد بسفارين من قرى نابلس فلسطين، ونشأ بها ثم رحل الى دمشق ينهل العلم منها، ثم عاد الى نابلس، فدرس وأفتى وتوفي فيها.
له قرابة ثلاثين مصنفا منها:
«الدرر المصنوعات في الاحاديث الموضوعات» و«غذاء الألباب، شرح منظومة الآداب» و«تحبير الوفا في سيرة المصطفى» و«البحور الزاخرة في علوم الآخرة» و«شرح ثلاثيات مسند احمد» في مجلد ضخم.

↑صفحة ٥↑

و«لوائح (او لوامع) الانوار البهية، لشرح منظومة الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية» طبع بمصر في جزئين.
وخص قسما وافرا من جزئه الثاني بالبحث حول احاديث المهدي المنتظر (عليه السلام)، وأكثر عنه النقل العلامة القنوجي في «الاذاعة» من أجزاء المجموعة هذه كما ترى.

↑صفحة ٦↑

سلك الدرر للمرادي ٤/٣١، الاعلام للزركلي ٦/٢٤٠، المنجد في الاعلام ص ٣٥٧، معجم المؤلفين ٨/٢٦٢، ايضاح المكنون في مواضع عديدة، معجم المطبوعات ١٠٢٨، فهرس التيمورية ٢/٣٠ - ٩٨ و٣/١٣٦ - ١٣٧، فهرس الفهارس ٢/٣٤٦ - ٣٤٨ - ، مختصر طبقات الحنابلة للشطي ص ١٢٧ - ١٣٠.
هوية الكتاب
كتاب * (لوائح الأنوار البهية وسواطع الأسرار الاثرية) *
لشرح
* (الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية) *
تأليف
العالم الطويل الباع الواسع الاطلاع صاحب البرهان الحلي الشيخ محمد بن أحمد السفّاريني الأثري الحنبلي رحمه الله تعالى
الجزء الثّاني طبع عن نسخة يظهر انها كتبت عن نسخة المؤلف في عصره وعلى هو امشها تصحيح لبعض العلماء وقد ذهب ورقات من آخرها فاكملت حديثا بخط جديد
وقد وقف هذا الكتاب طابعه على أهل العلم والدين فلا يجوز لمن وقع في يده شيء من نسخه أن يبيعه
[الطبعة الاولى]
* (بمطبعة مجلة المنار الاسلامية بمصر سنة ١٣٢٤ هجرية)

↑صفحة ٧↑

(منها الامام الخاتم الفصيح * * * محمد المهدي والمسيح)

(منها) أي من أشراط الساعة التي وردت بها الاخبار وتواترت في مضمونها الآثار أي من العلامات العظمى وهي أولها ان يظهر (الامام) المقتدى بأقواله وأفعاله (الخاتم) للائمة فلا امام بعده كما أن النبي (صلى الله عليه وسلم) هو الخاتم للنبوة والرسالة فلا نبي ولا رسول بعده (الفصيح) اللسان لأنه من صميم العرب أهل الفصاحة والبلاغة والفصاحة في اصطلاح أهل المعاني والبيان خلوص الكلام من ضعف التأليف وتنافر الكلمات والتعقيد مع فصاحة مفرداته والفصاحة في المفرد خلوصه عن تنافر الحروف والغرابة ومخالفة القياس والفصاحة في المتكلم ملكة يقتدر معها على التعبير المقصود بلفظ فصيح والبلاغة في الكلام مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته وفي المتكلم ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ وقوله (محمد المهدي) هذا اسمه وأشهر أوصافه فأما اسمه فمحمد جاء ذلك في عدة أخبار وفي بعضها أن اسمه أحمد واسم أبيه عبد الله فقد صح عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال «يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي» رواه أبو نعيم من حديث أبي هريرة ولفظه أنه (صلى الله عليه وسلم) قال «لو لم يبق من الدنيا الا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم

↑صفحة ٨↑

أبيه اسم أبي يملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا» وروى نحوه الترمذي وأبو داود والنسائي والبيهقي وغيرهم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وفي رواية من حديث ابن مسعود أيضا لا تذهب الدنيا حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي يملأ الارض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما أخرجه الطبراني في معجمه الصغير وأخرجه الترمذي ولفظه حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي وقال حديث حسن صحيح وكذلك أخرجه أبو داود في سننه وروى ابن مسعود أيضا رضي الله عنه رفعه اسم المهدي محمد وفي مرفوع حذيفة محمد بن عبد الله ويكنى أبا عبد الله ومن أسماله ايضا أحمد بن عبد الله كما في بعض الروايات.
وأما زعم الشيعة ان اسمه محمد بن الحسن وانه محمد بن الحسن العسكري فهذيان فان محمد بن الحسن هذا قد مات وأخذ عمه جعفر ميراث أبيه الحسن قلت هو أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم ومحمد بن الحسن العسكري هذا ثاني عشر الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الامامية ويعرف بالحجة وهو الذي تزعم الشيعة انه المنتظر والقائم والمهدي وهو صاحب السرداب عندهم وأقاويلهم فيه كثيرة وهم ينتظرون ظهوره في آخر الزمان من السرداب بسرّ من رأى كانت ولادته في منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين والشيعة تزعم انه دخل السرداب في دار أبيه وأمه تنظر اليه فلم يعد يخرج اليها وذلك في سنة خمس وستين ومائتين ومره يومئذ تسع سنين وقيل غير ذلك وكل ذلك ضرب من الجنون والهذيان واما ذاك فقد مات رضوان الله عليه وعلى آبائه.
واما تسميته ووصفه بالمهدي فقد ثبتت له هذه الصفة في عدة أخبار وعن كعب الاحبار قال انما سمي المهدي لأنه يهدي الى أمر خفي وسيخرج التوراة والانجيل من أرض يقال لها انطاكية أخرجه أبو نعيم في كتاب الفتن وفي بعض رواياته عن كعب قال انما سمي مهديا لأنه يهدي الى أسفار التوراة فيستخرجها من جبال الشام يدعو اليها اليهود فيسلم على تلك الكتب جماعة كثيرة وذكر الامام أبو عمرو الداني قال انما سمي المهدي لأنه يهدي الى جبل من جبال الشام يستخرج منها أسفار

↑صفحة ٩↑

التوراة يحاج بها اليهود فيسلم على يده جماعة منهم واما لقبه فالجابر لأنه يجبر قلوب أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) ولأنه يجبر أي يقهر الجبارين والظالمين ويقصمهم واما كنيته فأبو عبد الله واما نسبه فانه من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم ان الروايات الكثيرة والاخبار الغزيرة ناطقة انه من ولد فاطمة البتول ابنة النبي الرسول (صلى الله عليه وسلم) ورضي عنها وعن أولادها الطاهرين وجاء في بعض الاحاديث انه من ولد العباس والاول أصح قال ابن حجر في كتابه القول المختصر واماما روي «ان المهدي من ولد العباس عمي» فقال الدارقطني حديث غريب تفرد به محمد بن الوليد مولى بني هاشم قال ولا ينافيه خبر الرافعي عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا «الا ابشرك يا عم ان من ذريتك الاصفياء ومن عترتك الخلفاء ومنك المهدي في آخر الزمان به ينشر الله الهدى ويطفئ نيران الضلالة ان الله فتح بنا هذا الامر وبذريتك يختم» وخبر هشيم بن كلب وابن عساكر عن ابن عباس ورجاله ثقات «اللهم انصر العباس وولد العباس ثلاثا يا عم أما علمت ان المهدي من ولدك موفقا راضيا» وخبر أبي نعيم في الحلية عن أبي هريرة رضي الله عنه «الا أبشرك با أبا الفضل ان الله (عزَّ وجلَّ) افتتح بي هذا الامر وبذريتك يختم» وخبر الديلمي عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) انه قال «لن تزال الخلافة في ولد عمي وصنو أبي حتى يسلموها الى الدجال» وخبر الخطيب عن ابن عباس عن أمه أم الفضل رضي الله عنهم «يا عباس أنت عمي وصنو أبي وخير من أخلف بعدي من أهلي اذا كانت خمس وثلاثون ومائة فهي لك ولولدك منهم السفاح ومنهم المنصور ومنهم المهدي» وخبر الخطيب وابن عساكر عن علي رضي الله عنه انه (صلى الله عليه وسلم) قال للعباس يا عم «الا أخبرك ان الله افتتح هذا الامر بي ويختمه بولدك» فهذه الاخبار كلها لا تنافي ان المهدي من ذرية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من ولد فاطمة الزهراء لان الاحاديث التي ان المهدي من ولدها أكثر وأصح بل قال بعض حفاظ الامة وأعيان الأئمة ان كون المهدي من ذريته (صلى الله عليه وسلم) مما تواتر عنه ذلك فلا يسوغ العدول ولا الالتفات الى غيره وقال ابن حجر يمكن الجمع بأن يكون من ذريته (صلى الله عليه وسلم) وللعباس

↑صفحة ١٠↑

فيه ولادة من جهة ان في أمهاته عباسية والحاصل ان للحسن في المهدي الولادة العظمى لان أحاديث كونه من ذريته أكثر وللحسين فيه ولادة أيضا وللعباس فيه ولادة أيضا ولا مانع من اجتماع ولادات متعددات في شخص واحد من جهات مختلفة وبالله التوفيق
(فوائد)
(منها) في حليته وصفته قال ابن عباس رضي الله عنهما المهدي اسمه محمد بن عبد الله وهو رجل ربعة مشرب بحمرة يفرج الله به عن هذه الامة كل كرب ويصرف بعدله كل جور وعن حذيفة ابن اليمان رضي عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «المهدي رجل من ولدي وجهه كالكوكب الدري اللون لون عربي والجسم جسم اسرائيلي يملأ الارض عدلا كما ملئت جورا يرضي في خلافته أهل الارض وأهل السماء والطير في الجو يملك عشرين سنة» أخرجه أبو نعيم في مناقب المهدي والطبراني في معجمه وأخرج أبو داود والبيهقي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «المهدي مني أجلى الجبهة أقنى الانف يملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا يملك سبع سنين» واخرج أبو نعيم من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «ليبعثن الله في عترتي رجلا أفرق الثنايا أجلى الجبهة يملأ الارض عدلا ويفيض المال فيضا» وفي مرفوع عمران بن حصين انه حين ذكره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال يا رسول الله كيف لنا بهذا حتى نعرفه قال «هو رجل من ولدي كأنه من رجال بني اسرائيل عليه عباءتان قطوانيتان كان في وجهه الكوكب الدري في اللون في خده الايمن خال اسود ابن أربعين سنة» اخرجه الامام أبو عمرو الداني في سننه واخرج أبو نعيم من حديث أبي امامة رضي الله عنه مرفوعا «المهدي من ولدى ابن أربعين سنة كان وجهه كوكب دري في خده الايمن خال اسود عليه عباءتان قطوانيتان كأنه من رجال بني اسرائيل يستخرج الكنوز ويفتح مدائن الترك» وفي حديث أبي وائل عن علي رضي الله عنه قال نظر الى الحسن وقال ان ابني هذا سيد كما سماه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سيخرج من صلبه رجل باسم نبيكم يخرج على

↑صفحة ١١↑

حين غفلة من الناس واماتة الحق واظهار الجور يفرح بخروجه أهل السماء وسكانها وهو رجل أجلى الجبين أقنى الانف ضخم البطن أزيل الفخذين بفخذه الايمن شامة أفلج الثنايا يملأ الارض عدلا كما ملئت ظلما وجورا وعن أبي جعفر محمد الباقر قدس الله سره قال سئل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه عن صفة المهدي قال هو شاب مربوع حسن الوجه يسيل شعره على منكبيه يعلو نور وجهه سواد شعره ولحيته ورأسه وفي رواية أخرى عن علي رضي الله عنه ان المهدي كث اللحية أكحل العينين براق الثنايا في وجهه خال أقنى أجلى في كتفه علامة النبي (صلى الله عليه وسلم) وفي بعض الروايات المهدي أرج أبلج أعين يجيء من الحجاز حتى يستوي على مسجد دمشق أخرجه أبو نعيم وفي رواية لابي نعيم بكتفه اليمنى خال وفي حديث علي مرفوعا انه كث اللحية أكحل العينين براق الثنايا في وجهه خال وفي كتفه علامة وقال كعب الاحبار اني لأجد المهدي مكتوب(١) في أسفار الانبياء ما في حكمه ظلم ولا عيب أخرجه أبو عمرو المقري في سننه ونعيم بن حماد واخرج أبو نعيم عن طاووس قال علامة المهدي انه يكون شديدا على العمال جوادا بالمال رحيما بالمساكين. ورأيتني قد وصفته في كتابي البحور الزاخرة بأنه آدم أي أسمر ضرب من الرجال أي خفيف اللحم ممشوق مستدق ربعة أي لا بالطويل ولا بالقصير أجلى الجبهة أي خفيف شعر النزعتين عن الصدغين وهو الذي انحسر الشعر عن جبهته أقنى الانف أي طويله مع دقة أرنبته اشم أي رفيع العرنين أزج أي حاجبه فيه تقويس مع طول في طرفه أو امتداده أبلج أعين أكحل العينين واسع العين(٢) والكحل بفتحتين سواد في أجفان العين خلقة من غير اكتحال براق الثنايا أي لثناياه بريق ولمعان أفرقهما أي ليست متلاصقة أزيل الفخذين أي منفرج الفخذين متباعدهما وفي رواية في لسانه ثقل واذا أبطأ عليه ضرب فخذه الايسر بيده اليمنى ابن أربعين سنة وفي رواية ما بين ثلاثين الى أربعين خاشع لله خشوع النسر بجناحيه عليه عباءتان قطوانيتان قال في النهاية هي عباءة بيضاء قصيرة الخمل والنون زائدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) كذا في الأصل.
(٢) لعل الصواب واسع الفم أو الجبهة والا لقال واسعهما.

↑صفحة ١٢↑

(الفائدة الثانية في سيرته)
قال أهل العلم يعمل بسنة النبي (صلى الله عليه وسلم) لا يوقظ نائما ويقاتل على السنة لا يترك سنة الا أقامها ولا بدعة الا رفعها يقوم بالدين آخر الزمان كما قام به النبي (صلى الله عليه وسلم) أوله يملك الدنيا كلها كما ملك ذو القرنين وسليمان بن داود (عليهما السلام) يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويرد الى المسلمين الفتهم ونعمتهم يملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا يحثو المال حثوا ولا يعده عدا يقسم المال صحاحا بالسوية يرضى عنه ساكن السماء وساكن الارض والطير في الجو والوحش في القفر والحيتان في البحر يملأ قلوب أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) غنى حتى انه يأمر مناديا ينادي الا من له حاجة في المال؟ فلا يأتيه الا رجل واحد فيقول انا فيقول ائت السادن أي الخازن فقل له المهدي يأمرك ان تعطيني ما لا فيقول له احث حتى اذا جعله في حجره وابرزه ندم فيقول كنت اجشع أي أحرص أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) أعجز عني ما وسعهم قال فيرده فلا يقبل منه فقال له انا لا نأخذ شيئا أعطيناه الامة تنعم أمة محمد برها وفاجرها في زمانه نعمة لم يسمعوا بمثلها قط وترسل السماء عليهم مدرارا لا تدخر شيئا من قطرها وتؤتي الارض أكلها لا تدخر عنهم شيئا من بذرها تجري على يديه الملاحم يستخرج الكنوز ويفتح المدائن ما بين الخافقين يؤتى اليه ملوك الهند مغللين وتجعل خزائنهم لبيت المقدس حليا، يأوي اليه الناس كما يأوي النحل الى يسعوبه حتى يكون الناس على مثل أمرهم الاول يمده الله بثلاثة آلاف من الملائكة يضربون وجوه مخالفيه وأدبارهم جبريل على مقدمته وميكائيل على ساقته ترعى الشاة والذئب في زمانه في مكان واحد وتلعب الصبيان بالحيات والعقارب لا تضرهم شيئا ويزرع الانسان مدا فيخرج له سبعمائة مد ويرفع الربا والزنا وشرب الخمر وتطول الاعمار وتؤدى الامانة وتهلك الاشرار ولا يبقى من يبغض آل محمد (صلى الله عليه وسلم)، محبوب يعني المهدي في الخلائق يطفئ الله به الفتنة العمياء وتأمن الارض حتى أن لمرأة تحج في خمس نسوة ما معهن رجل ولا يخفن شيئا الا الله مكتوب في شعائر الانبياء ما في حكمه ظلم ولا عيب.

↑صفحة ١٣↑

(الثالثة في علامات ظهوره)
قال العلامة الشيخ مرعي في كتابه (فوائد الفكر في المهدي المنتظر) اعلم ان لظهور المهدي علامات جاءت بها الآثار ودلت عليها الأحاديث والاخبار فمن علامات ظهوره على ما ورد كسوف الشمس والقمر ونجم الذنب والظلمة وسماع الصوت برمضان وتحارب القبائل بذي القعدة وظهور الخسف والفتن معه قميص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وسيفه ورايته من مرط مخملة معلمة سوداء فيها حجر لم تنشر منذ توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولا تنشر حتى يخرج المهدي مكتوب على رأسها «البيعة لله» كذا في الاشاعة للعلامة السيد محمد البرزنجي المدني ويغرس قضيبا يابسا في أرض يابسة فيخضر ويورق ويطلب منه آية فيومي الى طير في الهواء بيده فيسقط على يده وينادي مناد من السماء أيها الناس ان الله قطع عنكم الجبارين والمنافقين واشياعهم وولاكم خير أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) فالحقوه بمكة فانه المهدي واسمه محمد بن عبد الله وتخرج الارض افلاذ كبدها مثل الاسطوانات من الذهب ويخرج كنز الكعبة المدفون فيها فيقسمه في سبيل الله رواه أبو نعيم عن علي رضي الله عنه ويستخرج تابوت السكينة من غار انطاكية أو من بحيرة طبرية فيخرج حتى يحمل فيوضع بين يديه ببيت المقدس فاذا نظر اليه يهود اسلموا الا قليلا منهم وتأتيه الرايات السود من خراسان فيرسلون اليه البيعة وتنشف الفرات فتحسر عن جبل من ذهب وذكروا أنه ينكسف القمر أول ليلة من رمضان والشمس ليلة النصف ونظر في هذا الشيخ مرعي بان العادة انكساف القمر ليالي الابدار والشمس أيام الاسرار ولكن من الممكن ان يكون ذلك آية لظهوره وفيها خرق للعادة وروى أبو نعيم في الفتن قال شريك بلغني ان القمر قبل خروجه ينكسف مرتين برمضان وذكر الكسائي عن كعب الاحبار ان القمر ينكسف ثلاث ليال متواليات وروى عن كعب الأحبار يطلع نجم بالمشرق وله ذنب يضيء كما يضيء القمر ينعطف حتى يلتقى طرفاه أو يكاد وفي الديلمي مرفوعا تكون هذه في رمضان توقظ النائم وتفزع اليقظان ومن وجه آخر يكون صوت في رمضان في نصف الشهر يصعق منه سبعون ألفا ويعمى مثلها (ش ٢ عقيدة السفاريني - ١٠).

↑صفحة ١٤↑

يخرس مثلها ويصم مثلها وينفتق من الابكار مثلها ومن علامات المهدي أيضا خسف قرية ببلاد الشام يقال لها حرستا كما في الاشاعة وغيرها.
(الرابعة) «في الاشارة الى بعض الفتن الواقعة قبل خروج المهدي وخروج خوارج قبل ذلك»
(منها) ما ذكره في الاشاعة انه يحسر الفرات عن جبل من ذهب كما تقدم فاذا سمع به الناس ساروا اليه واجتمع عليه ثلاثة كلهم ابن خليفة يقتتلون عنده ثم لا يصير الى أحد منهم فيقول لكل واحد والله لئن تركت الناس يأخذون منه ليذهبن بكله فيقتتلون عليه حتى يقتل من كل مائة تسعة وتسعون وفي رواية فيقتل تسعة اعشارهم وفي رواية من كل تسعة سبعة فيقول لكل رجل لعلي أكون انا أنجو وقد قال (صلى الله عليه وسلم) «من حضر فلا يأخذ منه شيئا» وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «لا تقوم الساعة حتى يخرج المهدي من ولدي ولا يخرج المهدي حتى يخرج ستون كذابا كلهم يقول انا نبي» وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذا بون قريبا من ثلاثين كلهم بزعم انه رسول الله» رواه مسلم في صحيحه ورواه البخاري بمعناه وتمام الحديث في مسلم «وحتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج» وهو القتل الحديث وهو في صحيح البخاري الا ان قوله وتكثر الزلازل في البخاري دون مسلم وفي مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول «ان بين يدي الساعة كذا بين» زاد في طريق أخرى قال جابر فاحذروهم وقال جعفر الصادق بن محمد الباقر لا يظهر المهدي الا على خوف شديد من الناس وزلزال وفتنة وبلاء يصيب الناس والطاعون قبل ذلك وسيف قاطع بين العرب واختلاف شديد في الناس وتشتت في دينهم وتغيير في حالهم حتى يتمنى المتمني الموت صباحا ومساء من عظيم ما يرى من كلب الناس وأكل بعضهم بعضا فحينئذ يخرج فيا طوبى لمن أدركه وكان من انصاره والويل كل الويل لمن خالفه وخالف أمره وقال محمد بن الصامت قلت للحسين بن علي رضي الله عنهما أما من علامة بين يدي هذا الامر يعني ظهور المهدي

↑صفحة ١٥↑

قال بلى قلت وما هي قال هلاك بني العباس وخروج السفياني والخسف بالبيداء قلت جعلت فداك أخاف ان يطول هذا الامر فقال انما هو كنظام يتبع بعضه بعضا وعن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قال تكون في الشام رجفة يهلك فيها أكثر من مائة ألف يجعلها الله رحمة للمؤمنين وعذابا على المنافقين فاذا كان كذلك فانظروا الى أصحاب البراذين الشهب والرايات الصفر تقبل من المغرب حتى تحل بالشام وذلك عند الجوع الاكبر والموت الاحمر فاذا كان ذلك فانظروا خسف قرية من قرى دمشق يقال لها حرستا فاذا كان ذلك خرج ابن آكلة الاكباد من الوادي اليابس حتى يستوي على منبر دمشق فاذا كان ذلك فانظروا خروج المهدي.
ومن أقوى علامات خروج المهدي خروج من يتقدمه من الخوارج السفياني والابقع والأصهب والاعرج والكندي.
أما السفياني فاسمه عروة واسم أبيه محمّد وكنيته أبو عنبة قال العلامة الشيخ مرعي في فوائد الفكر وفي عقد الدران السفياني من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان ملعون في السماء والارض وهو أكثر خلق الله ظلما قال علي رضي الله عنه السفياني من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان رجل ضخم الهامة بوجهه أثر جدري بعينه نكتة بياض يخرج من ناحية دمشق وعامة من يتبعه من كلب فيقتل حتى يبقر بطون النساء ويقتل الصبيان ويخرج اليه رجل من أهل بيتي في الحرم فيبلغ السفياني فيبعث اليه جندا من جنده فيهزمهم فيسير اليه السفياني بمن معه حتى اذا جاز بيداء من الارض خسف بهم فلا ينجو الا المخبر عنهم أخرجه الحاكم في مستدركه وقال هذا حديث صحيح الاسناد على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه.
والأبقع يخرج من مصر والاصهب يخرج من بلاد الجزيرة ثم يخرج الجرهمي من الشام قال كعب الاحبار أول من يخرج ويغلب على البلاد الأصهب يخرج من بلاد الجزيرة ثم يخرج من بعده الجرهمي من الشام ويخرج القحطاني من بلاد اليمن قال كعب فبينما هؤلاء الثلاثة قد تغلبوا على مواضعهم واذا قد خرج السفياني من دمشق من واد يقال له وادي اليابس يؤتى في منامه فيقال

↑صفحة ١٦↑

له قم فاخرج فيقوم فلا يجد أحدا ثم يؤتى الثانية ثم الثالثة ويقال له فيها فانظر الى باب دارك فينحدر في الثالثة الى باب داره فاذا بسبعة أنفار أو تسعه معهم لواء فيقولون نحن أصحابك ومع رجل منهم لواء معفود لا يرى ذلك اللواء أحد الا انهزم فيخرج اليه صاحب دمشق ليقاتله فاذا نظر الى رايته انهزم فيدخل دمشق الشام في ثلاثمائة وستين راكبا وما يمضي عليه شهر حتى يجتمع عليه ثلاثون ألفا من كلب وهم اخواله وعلامة خروجه خسف بقرية حرستا ويسقط جانب مسجدها الغربي ثم يخرج الأبقع والاصهب فيخرج السفياني من الشام والابقع من مصر والاصهب من جزيرة العرب ويخرج الاعرج الكندي بالمغرب ويدوم القتال بينهم سنة ثم يعلب السفياني على الابقع والاصهب ويسير صاحب الغرب فيقتل الرجال ويسبي النساء ثم يرجع حتى ينزل الجزيرة في قيس الى السفياني فيظهر السفياني عليه ويجوز ما جمعوا من الاموال ويظهر على الرايات الثلاث ثم يقاتل الترك فيظهر عليهم ثم يفسد في الارض ويدخل الزوراء فيقتل من أهلها.
ثم يخرج وراء النهر خارج يقال له الحارث على مقدمته رجل يقال له المنصور يمكن لآل محمد واجب على كل مؤمن نصره وهذا الرجل يحتمل ان يكون هو الهاشمي الآتي ذكره ويلقب الحارث كما يلقب المهدي بالجابر ويحتمل ان يكون غيره. ويثور أهل خراسان بعساكر السفياني فتكون بينهم وقعات فاذا طال عليهم قتاله بايعوا رجلا من بني هاشم بكفه اليمنى خال سهل الله أمره وطريقه هو أخوه المهدي من أبيه أو ابن عمه وهو حينئذ بآخر المشرق بأهل خراسان وطالقان ومعه الرايات السود الصغار وهي غير رايات بني العباس على مقدمته رجل من بني تميم الموالي ربعة أصفر قليل اللحية كوسج واسمه شعيب ابن صالح التميمي يخرج اليه في خمسة آلاف فاذا بلغه خروجه صيره على مقدمته لو استقبلته الجبال الرواسي لهدها يمهد الارض للمهدي فيلتقي الهاشمي بخيل السفياني فيقتل منهم مقتلة عظيمة ببيضاء اصطخر حتى تطأ الخيل الدماء الى ارساغها ثم تأتيه جنود من قبل سجستان عليهم رجل من بني عدي فيظهر الله انصاره وجنوده ثم يجتمع مع المهدي ويبايعه وبالله التوفيق.

↑صفحة ١٧↑

(الخامسة في مولده وبيعته ومدة ملكه ومتعلقات ذلك)
أخرج نعيم بن حماد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال المهدي مولده بالمدينة من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وسلم) واسمه اسم نبي ومهاجره بيت المقدس وفي مرفوع عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عند أبي نعيم وأبي بكر بن المقري في معجمه يخرج المهدي من قرية يقال لها كريمة.
واما بيعته فيبايع بمكة المشرفة بين الركن والمقام ليلة عاشوراء واذا هاجر المهدي من المدينة الى بيت المقدس تخرب المدينة بعيد هجرته وتصير مأوى للوحوش وقد ورد عمران بيت المقدس خراب يثرب وفي حديث قتادة يخرج المهدي من المدينة الى مكة وفي حديث ابن عباس ستخرجوه من بطن مكة من دار عند الصفا وفي خبر أبي جعفر يظهر المهدي بمكة عند العشاء وفي الخبر يبعث السفياني جيشا الى مكة فيأمر بقتل من كان فيها من بني هاشم فيقتلون ويتفرقون هاربين الى البراري والجبال حتى يظهر أمر المهدي بمكة فاذا ظهر اجتمع كل من شذ منهم اليه بمكة ويأتي سبعة علماء من أفق ٧ شتى على غير ميعاد قد بايع لكل منهم ثلاثمائة وبضعة عشر فيجتمون بمكة ويقول بعضهم لبعض ما جاء بكم فيقولون جئنا في طلب هذا الرجل الذي ينبغي ان تهدأ على يديه الفتن وتفتح له قسطنطينية قد عرفناه باسمه واسم أبيه وأمه: ولم نقف على اسم أم المهدي بعد الفحص والتتبع ولعلهم يعرفون اسم أمه بالكشف كما ذكره في الاشاعة فيقف السبعة على ذلك فيطلبونه فيصيبونه بمكة فيقولون أنت فلان فيقول بل أنا رجل من الأنصار فينفلت منهم فيصفونه لأهل الخبرة والمعرفة به فيقولون هو صاحبكم الذي تطلبونه وقد لحق بالمدينة فيطلبونه بالمدينة فيخالفهم الى مكة وهكذا ثلاث مرات فيصيبونه بمكة في الثالثة عند الركن فيقولون اثمنا عليك ودماؤنا في عنقك ان لم تمديدك نبايعك وقد أقبل عسكر السفياني في طلبنا فيجلس بين الركن والمقام فيمديده فيبايع له فيلقي الله محبته في قلوب الخلق فيصير مع قوم أسد بالنهار رهبان بالليل أخرجه نعيم بن حماد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأخرج

↑صفحة ١٨↑

أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال يبعث المهدي بعد أياس حتى يقول الناس لا مهدي وأنصاره من أهل الشام عددهم ثلاثمائة وخمسة عشر رجلا عدد أصحاب بدر يسيرون اليه من الشام حتى يستخرجوه من بطن مكة من دار عند الصفا فيبايعوه كرها فيصلي بهم ركعتين عند المقام وأخرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال يبايع المهدي بين الركن والمقام لا يوقظ نائما ولا يهريق دما والله أعلم.
وقد تكاثرت الروايات والآثار بأمر المهدي وقد ذكر العلماء ان أول ظهوره يكون شابا ثم يخاف على نفسه من القتل فيفر الى مكة مختفيا ثم يرجع الى مكة فيرونه بالمطاف عند الركن فيقهرونه على المبايعة بالإمامة ثم يتوجه الى المدينة ومعه المؤمنون ثم يسيرون الى جهة الكوفة ثم يعود منهزما من جيش السفياني فيخرج الله على السفياني من أهل المشرق وزير المهدي فيهزم السفياني الى الشام فيقصده المهدي فيذبحه عند عتبة بيت المقدس كما تذبح الشاة ويغنمه ومن معه من اخواله الذين هم جنده من بني كلب ولا أكثر من تلك الغنيمة وفي رواية انه يخرج رجل من كلب يقال له كنانة يعينه كوكب في رهط من قومه حتى يأتي الصخري يعني السفياني فيبعث اليه المهدي راية وأعظم راية في زمانه مائة رجل فتصف كلب خيلها ورجلها وابلها وغنمها فاذا تسامتت الخيلان ولت كلب أدبارها فيقتلونهم ويسبونهم حتى تباع العذراء منهم بثمانية دراهم ويؤخذ الصخري فيؤتي به أسيرا الى المهدي فيذبح على الصخرة المعترضة على وجه الارض عند الكنيسة التي ببطن الوادي على درج طور زيتا المقنطرة التي على الوادي كما تذبح الشاة وفي رواية ثم يؤخذ عروة السفياني على أعلا شجرة على بحيرة طبرية قال (صلى الله عليه وسلم) «والخائب يومئذ من خاب من قتال كلب ولو بكلمة أو بتكبيرة أو بصيحة والخائب من خاب يومئذ من غنيمة كلب ولو بعقال» فقال حذيفة يا رسول الله كيف يحل قتلهم وتغنم أموالهم وهم مسلمون فقال (صلى الله عليه وسلم) «يكفرون باستحلالهم الخمر والزنا «وفي الحديث لا تحشر أمتى حتى يخرج المهدي يمده الله بثلاثة آلاف من الملائكة ويخرج اليه الابدال من الشام والنجباء من مصر وعصائب أهل الشرق حتى يأتوا مكة فيبايع له بين الركن والمقام ثم يتوجه الى الشام وجبريل على مقدمته

↑صفحة ١٩↑

وميكائيل على يساره ومعه أهل الكهف أعوان له فيفرح به أهل السماء والارض والطير والوحش والحيتان في البحر وتزيد المياه في دولته وتمتد الانهار وتضعف الارض أكلها فيقدم الى الشام فيأخذ السفياني فيذبح تحت الشجرة التي أغصانها الى بحيرة طبرية والذى يظهر في الجمع بين روايات ذبح السفياني انه يذبح تحت الشجرة هو أو وزيره والذى يذبح على العتبة هو نفسه ان كان المذبوح تحت الشجرة وزيره أو وزيره ان كان هو المذبوح ثم تمهد الارض للمهدي ويدخل في طاعته ملوك الارض كلهم ويبعث بعثا الى الهند فتفتح ويؤتي بملوك الهند اليه مقفلين وتنقل خزائنها الى بيت المقدس فتجعل حلية لبيت المقدس ويمكث في ذلك سنين.
وقد اختلفت الروايات في مدة ملك المهدي ففي بعضها يملك خمسا أو سبعا أوستا بالترديد وفي بعضها تسعة عشر سنة وأشهرا وفي بعضها عشرين وفي بعضها ثلاثين وفي بعضها أربعين منها تسع سنين يهادن الروم فيها ويمكن الجمع على تقدير صحة الكل بأن ملكه متفاوت الظهور والقوة فيحمل الاكثر باعتبار جميع مدة الملك منذ البيعة والاقل على غاية الظهور والاوسط على الاوسط قال في الاشاعة وهذا الذي تقتضيه بشارة النبي (صلى الله عليه وسلم) بالمهدي وان الله تعالى يعوضهم عن الظلم والجور قسطا وعدلا واللائق بكرم الله تعالى أن تكون مدة ذلك بقدر ما ينسون فيها الظلم والجوز والفتن والسبع والتسع أقل من ذلك مع انه في مدته تفتح الدنيا كلها كما فتحها ذو القرنين وسليمان ويدخل جميع الآفاق كما في بعض الروايات ويبني المساجد والبلدان ويحلي بيت المقدس وهذا يقتضي مدة طويلة مع ماوردان الأعمار تطول في زمانه فطولها مستلزم لطول مدته والتسع ونحوها ليست من الطول في شيء ولا سيما مهادنته للروم تسع سنين ثم فتح القسطنطينية ورومية المدائن وغيرهما وهذا يقتضي طول مدته وبالله التوفيق.
(تنبيه)
قد كثرت الأقوال في المهدي حتى قيل لا مهدي الا عيسى والصواب الذي عليه أهل الحق أن المهدي غير عيسى وانه يخرج قبل نزول عيسى (عليه السلام) وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي وشاع ذلك

↑صفحة ٢٠↑

بين علماء السنة حتى عدمن معتقداتهم وقد روى الامام الحافظ ابن الاسكاف بسند مرضي(٣) الى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «من كذب بالدجال فقد كفر ومن كذب بالمهدى فقد كفر» وفي حديث حذيفة رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) «يا حذيفة لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يملك رجل من أهل بيتي تجري الملاحم على يديه ويظهر الاسلام ولا يخلف الله وعده وهو سريع الحساب» أخرجه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني وأخرج نحوه أبو عمرو المقرى من حديث أبى هريرة مرفوعا ومن حديث قيس بن جابر عن أبيه عن جده مرفوعا وفيه «ثم يخرج المهدي من أهل بيتي يملأ الارض عدلا كما ملئت جورا» رواه أبو نعيم في فوائده وأخرجه الطبراني في معجمه ومن حديث أبي سعيد الخدري أخرجه أبو نعيم ومن حديث ابن عباس أخرجه ابن الجوزي في تاريخه ومن حديث على أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي في سننهم وقد روى عمن ذكر من الصحابة وغير ما ذكر منهم رضي الله عنهم بروايات متعددة وعن التابعين من بعدهم ما يفيد مجموعه العلم القطعي فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة وكذا عند أهل الشيعة أيضا لكنهم زعموا انه محمد بن الحسن العسكري كما نقدم وزعمت الكيسانية أن المهدي هو محمد بن الحنفية وانه حي مقيم بجبل رضوى وانه بين أسدين يحفظانه وعنده عينان نضاختان يجريان بماء وعسل فزعموا انه دخل اليه ومعه أربعون من أصحابه ولم يوقف لهم على خبر قالوا وهم أحياء يرزقون ويقولون انه يعود بعد الغيبة ويملأ الارض عدلا كما ملئت جورا قالوا وانما عوقب بهذا الحبس لخروجه الى عبد الملك بن مروان وقيل الى يزيد بن معاوية والى هذا الاعتقاد أشار كثير عزة بقوله:

وسبط لا يذوق الموت حتى * * * يقود الخيل يقدمها اللواء
تغيب لا يرى فيهم زمانا * * * برضوى عنده عسل وماء

وكان السيد الحميري على هذا المذهب والقائل:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣) اذا كان هذا السند مرضيا للمصنف فهو لم يكن مرضيا لأئمة الحديث قبله.

↑صفحة ٢١↑

الا قل للإمام فدتك نفسي * * * أطلت بذلك الجبل المقاما

وجبل رضوى بفتح الراء وبعدها ضاد معجمة وبعد الواو ألف كسكرى هو جبل جهينة في عمل الينبع بينهما مسيرة يوم واحد وهو من المدينة على سبع مراحل ميامنه طريق المدينة ومياسره طريق البر لمن كان مصعدا الى مكة وهو على ليلتين الى البحر وكان المختار بن أبي عبيد الثقفي الخبيث المشهور يدعو الى امامه محمد بن الحنفية رضي الله عنه وعن أبيه علي بن أبي طالب وكان المختار يزعم ان محمدا هذا هو المهدي قال الجوهري في الصحاح كيسان لقب المختار المذكور واقتصر عليه في القاموس أيضا وقال غيرهما كيسان مولى علي رضوان الله عليه وقيل ان كيسان تلميذ علي وهؤلاء الكيسانية أحد فرق الضلال كما مر في تعداد الفرق فعلى عقولهم الدمار وعلى أفهامهم البوار ما أضل علومهم وأبلد فهومهم وبالله التوفيق.
(تتمة) جاء عن ابن سيرين ان المهدي خير من أبي بكر وعمر قد كاد يفضل الانبياء وجاء عنه أيضا لا يفضل عليه أبو بكر وعمر وهو وان كان أخف من الاول فليس بصحيح فان الامة مجتمعة على أفضليتهما ما عليه بل وعلى جميع الصحابة خلافا للرافضة خذلهم الله تعالى كما سيأتي بيان ذلك بل غيرهما من الصحابة أفضل من المهدي ثم يستمر سيدنا المهدي حتى يسلم الامر لروح الله عيسى بن مريم (عليه السلام) ويصلي المهدي بعيسى (عليه السلام) صلاة واحدة وهي صلاة الفجر ثم يستمر المهدي على الصلاة خلف سيدنا عيسى (عليه السلام) بعد تسليمه الامر اليه ثم يموت المهدي ويصلي عليه روح الله عيسى ويدفنه في بيت المقدس وبمقتضى ما مر يعلم قدر سنه لأنه يخرج ويبايع له وهو ابن أربعين أو خمسة وثلاثين سنة وتقدم الخلاف في مدة ملكه والله تعالى أعلم.
(خاتمة) أخرج نعيم عن الوليد بن مسلم قال سمعت رجلا يحدث قوما فقال المهديون ثلاثة مهدي الى الخير عمر بن عبد العزيز ومهدي الدم وهو الذي يسكن على يديه الدماء ومهدي الدين عيسى بن مريم (عليه السلام) وأخرج أيضا عن كعب قال مهدي الخير بعد السفياني وأخرج أيضا عن ارطاة قال بلغني أن المهدي يعيش أربعين عاما ثم يموت على فراشه ثم يخرج رجل من قحطان مثقوب (ش ٢ عقبدة السفاريني - ١١)

↑صفحة ٢٢↑

الاذنين على سيرة المهدي بقاؤه عشرون سنة ثم يموت قتلا بالسلاح ثم يخرج رجل من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وسلم) مهدي حسن السيرة يغزو مدينة قيصر وهو آخر أمير من أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) يخرج في زمانه الدجال وينزل عيسى بن مريم ونقل العلامة الشيخ مرعي في كتابه فوائد الفكر عن أبي الحسن محمد بن الحسين انه قال قد تواترت الاحاديث واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بمجيء المهدي وانه من أهل بيته (صلى الله عليه وسلم) وانه يملك سبع سنين وانه يملأ الارض عدلا وانه يخرج مع عيسى فيساعده على قتل الدجال بباب لد بارض فلسطين وانه يؤم هذه الامة وعيسى يصلى خلفه يعني صلاة واحدة وهي الفجر كما مر وبالله التوفيق.

↑صفحة ٢٣↑

إسعاف الراغبين محمد بنت علي الصبان المصري الشافعي، أبو العرفان (١٤٠٦)

من مشاهير علماء مصر وأعلام المشاركين في فنون الأدب وغيره، كاللغة والنحو والعروض والبلاغة والمنطق والسيرة والحديث والهيئة وما سوى ذلك ولد بالقاهرة وتوفي بها.
له مؤلفات كثيرة منها:
«الكافية الشافية في العروض والقافية» وهو شرح على منظومة له أيضا وحاشية على «الشرح الصغير» للملوي على «السلم في المنطق» و«الرسالة البيانية» و«حاشية على شرح الأشموني» في النحو.

↑صفحة ٢٥↑

ومنها إسعاف الراغبين، في سيرة المصطفى وفضائل أهل البيت الطاهرين» طبع كرارا في حاشية «نور الأبصار في مناقب آل البيت النبي المختار».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عجائب الأثار لجبرتي ٢/٢٢٧ - ٢٢٣، تاريخ آداب اللغة لجرجي زيدان ٢٨٩ - ٢٩٠، اكتفاء القنوع لفنديلك. ٢٦٠، ٤٧٦، هدية العارفين للبغدادي ٢/٣٤٩؛ معجم المطبوعات ١١٩٤، معجم المؤلفين ١١/١٨ - ١٩.

↑صفحة ٢٦↑

هوية الكتاب
مشارق الانوار في فوز أهل الاعتبار تأليف العلم الشهير والعلامة النحرير الحبر الذي هو للفضائل حاوى الهمام الشيخ حسن العدوى الحمزاوي نفع الله به ومتعه مع أهل قربه آمين
(وبهامشه كتاب اسعاف الراغبين في سيرة المصطفى وفضائل اهل)
(بيته الطاهرين تأليف من لا يدرك شأو تحقيقه فارس في ميدان)
(الامام العلامة الشيخ محمد الصبان أفاض الله عليه سحائب الاحسان)
(ومتعنا واياه بالنظر الى وجهه الكريم في فراديس الجنان)

↑صفحة ٢٧↑

(ومنها) أن منهم مهدى آخر الزمان
اخرج مسلم وابو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وآخرون المهدي من عترتي من ولد فاطمة واخرج احمد وابو داود والترمذي وابن ماجه لو لم يبق من الدهر الا يوم لبعث الله فيه رجلا من عترتي وفي رواية رجلا من

↑صفحة ٢٨↑

أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورا وفي رواية لمن عدا الاخير لا تذهب الدنيا ولا تنقضي حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمى وفي رواية لأبي داود والترمذي لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلا من اهل بيتي يواطئ اسمه اسمى واسم ابيه اسم ابى يملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما* واخرج الطبراني المهدي منا يختم الدين به كما فتح بنا* واخرج الحاكم في صحيحه يحل بأمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع بلاء اشد منه حتى لا يجد الرجل ملجأ فيبعث الله رجلا من عترتي اهل بيتي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا يحبه ساكن الارض وساكن السماء وترسل السماء قطرها وتخرج الارض نباتها لا يمسكن شيئاً يعيش فيهم سبع سنين او ثمانياً او تسعا يتمنى الاحياء الاموات مما صنع الله بأهل الارض من خيره، وروى الطبراني والبزار نحوه وفيه يمكث فيهم سبعا او ثمانياً فان أكثر فتسعا* وفي رواية لأبي داود والحاكم يملأ سبع سنين أو تسعا فيجيء اليه الرجل فيقول له يا مهدى أعطني أعطني فيحثى له في ثوبه ما استطاع ان يحمله* واخرج احمد ومسلم يكون في آخر الزمان خليفة يحثى المال حثيا ولا يعده عدا* واخرج ابو نعيم ليبعثن الله رجلا من عترتي أفرق الثنايا اجلى الجبهة أي انحسر الشعر عن جبهته يملأ الارض عدلا يفيض المال فيضا* واخرج الروياني.

↑صفحة ٢٩↑

والطبراني وغيرهما المهدي من ولدى وجهه كالكوكب الدري اللون لون عربي والجسم جسم إسرائيلي أي طويل يملأ الارض عدلا كما ملئت جورا يرضى لخلافته أهل السماء واهل الارض* وورد أيضا في حليته انه شاب اكحل العينين ازج الحاجبين اقنى الانف كث اللحية على خده الايمن خال وعلى يده اليمنى خال وتقدم تفسير غريب ذلك في الكلام على حليته (صلى الله عليه وسلم)* واخرج الطبراني مرفوعا يلتفت المهدي وقد نزل عيسى (عليه السلام) كأنما يقطر من شعره الماء فيقول المهدي تقدم فصل بالناس فيقول عيسى انما اقيمت الصلاة لك فيصلى خلف رجل من ولدى الحديث* وفي صحيح ابن حبان في امامة المهدي نحوه وصح مرفوعا ينزل عيسى بن مريم فيقول اميرهم المهدي تعال صل بنا فيقول لا انما بعضكم ائمة على بعض تكرمة الله لهذه الامة* وصح انه (صلى الله عليه وسلم) قال يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من المدينة هاربا الى مكة فيأتية ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام ويبعث اليهم بعث من الشأم فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة فاذا رأى الناس ذلك أتاه ابدال أهل الشام وعصائب اهل العراق فيبايعونه الحديث فعلم منه ومن احاديث اخر انه يخرج من المشرق من بلاد الحجاز والقول بأنه يخرج من المغرب لا أصل له كما نبه عليه العلقمي واخرج

↑صفحة ٣٠↑

ابن ماجه انه (صلى الله عليه وسلم) قال لو لم يبق من الدنيا الا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يملك رجل من اهل بيتي يملك جبل الديلم والقسطنطينية زاد في روايات ورومية ومروية* واخرج ابو نعيم عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ان تهلك امة انا اوّلها وعيسى بن مريم آخرها والمهدى وسطها والمراد بالوسط ما قبل الا آخر* واخرج احمد والماوردي انه (صلى الله عليه وسلم) قال ابشروا بالمهدى رجل من قريش من عترتي يخرج في اختلاف من الناس وزلزال فيملأ الارض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا ويرضى عنه ساكن السماء وساكن الارض ويقسم المال بالسوية ويملأ قلوب امة محمد غنى ويسعهم عدله حتى انه يأمر مناديا فينادى من له حاجة الى فما يأتيه احد الا رجل واحد يأتيه فيسأله فيقول ائت السادن حتى يعطيك فيأتيه فيقول انا رسول المهدي أرسلني اليك لتعطيني فيقول احث فيحثى ما لا يستطيع أن يحمله فيلقى حتى يكون قدر ما يستطيع ان يحمله فيخرج به فبندم فيقول انا كنت اجشع امه محمد نفسا كلهم دعى الى هذا المال فتركه غيرى فيرد عليه فيقول انا لا نقبل شيئاً اعطيناه فيلبث في ذلك ستا وسبعا او ثمانيا او تسع سنين ولا خير في الحياة بعده وروى ابو داود في سننه انه من ولد الحسن وكان سره ترك الخلافة لله (عزَّ وجلَّ) شفقة على الامة فجعل الله القائم بالخلافة الحق عند شدة الحاجة إليه

↑صفحة ٣١↑

من ولده ليملأ الارض عدلا ورواية كونه من ولد الحسين واهية* وجاء في روايات انه عند ظهوره ينادى فوق راسه ملك هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه فتذعن له الناس ويشربون حبه وانه يملك الارض شرقها وغربها وان الّذين يبايعونه اوّلا بين الركن والمقام بعدد اهل بدر ثم يأتيه ابدال الشأم ونجباء مصر وعصائب اهل المشرق واشباههم ويبعث الله اليه جيشا من خراسان برايات سود ثم يتوجه الى الشام وفي رواية الى الكوفة والجمع ممكن وان الله تعالى يمده بثلاثة آلاف من الملائكة وان اهل الكهف من اعوانه قال السيوطي وحينئذ فسر تأخيرهم الى هذه المدة اكرامهم بشرف دخولهم في هذه الامة اهـ أي واعانتهم للخليفة الحق وان على مقدمة جيشه رجلا من تميم خفيف اللحية يقال له شعيب بن صالح وان جبريل على مقدمة جيشه وميكائيل على ساقته وان السفياني يبعث اليه من الشأم جيشا فيخسف مهم بالبيداء فلا ينجو منهم الا المخبر فيسير اليه السفياني بمن معه وبسير الى السفياني بمن معه فتكون النصرة للمهدى ويذبح السفياني وهو كما في المسائل الظريفة للشيخ المجدولي رجل من ولد خالد بن يزيد بن ابى سفيان ضخم الهامة بوجهه اثر الجدري وبعينه نكتة بيضاء يخرج من ناحية دمشق وعامة من يتبعه من كلب يفعل الأفاعيل ويقتل قبيلة قيس وان

↑صفحة ٣٢↑

المهدي يستخرج تابوت السكينة من غار انطاكية واسفار التوراة من حبل بالشام يحاج بها اليهود فيسلم كثير منهم وانه يكون بعد موت المهدي القحطاني رجل من اهل اليمن يعدل في الناس ويسير فيهم يسير المهدي يمكث مدة ثم يقتل* وجاء في رواية تفضيل المهدي على ابى بكر وعمر بل على بعض الانبياء (قال) في العرف الوردي في اخبار المهدي وتأويله بمثل ما اوّل به حديث ان من ورائكم زمان صبر للمتمسك فيه اجر خمسين شهيدا منكم وحاصله ان افضليته من جهة زيادة صبره في شدة الفتن وزيادة الكروب لاتفاق الروم عليه ومحاصرة الدجال له لا من جهة زيادة الثواب والرفعة عند الله تعالى اهـ* واما حديث انه (صلى الله عليه وسلم) قال لا يزداد الأمر الا شدة ولا الدنيا الا ادبارا ولا الناس الاشحا ولا تقوم الساعة الا على شرار الناس ولا مهدى الا عيسى بن مريم فتكلم فيه وعلى تقدير صحنه يحمل على ان المراد لا مهدى على الاطلاق سواه لوضعه الجزية واهلاكه الملل المخالفة لملتنا كما صحت به الاحاديث أولا مهدى معصوما الا هو وخبر ابن عدى المهدي من ولد العباس عمى في اسناده وضاع* وما صح عند الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما منا اهل البيت اربعة منا السفاح ومنا المنذر ومنا المنصور ومنا المهدي المراد بأهل البيت فيه ما يشمل جميع بنى هاشم وتكون الثلاثة الاوّل من نسل العباس والاخير من نسل

↑صفحة ٣٣↑

فاطمة فلا اشكال وعلى تقديران المرادان الاربعة من ولد العباس يحمل المهدي في كلامه على ثالث خلفاء بنى العباس لأنه فيهم كعمر ابن عبد العزيز في بنى امية لما اوتيه من العدل التام والسيرة الحسنة ولأنه صح ان اسم المهدي يوافق اسمه (صلى الله عليه وسلم) واسم ابيه اسم ابيه والمهدى هذا كذلك قال في الصواعق الاظهر ان خروج المهدي قبل نزول عيسى وقبل بعده وقد تواترت الاخبار عن النبي (صلى الله عليه وسلم) بخروجه وأنه من اهل بيته وأنه يملأ الارض عدلا وانه يساعد عيسى على قتل الدجال بباب لدّ بأرض فلسطين وانه يؤم هذه الامة ويصلى عيسى خلفه واكثر الروايات متفقة على تحقق ملكه سبع سنين والشك في الزيادة الى تمام تسع وفي رواية تحقق ست كما تقدم كل ذلك* وفي بعض الآثار انه يخرج في وترمن السنين سنة احدى او ثلاث أو خمس او سبع او تسع وأنه بعد ان تعقد له البيعة بمكة يسير منها الى الكوفة ثم يفرق الجنود الى الامصار وان السنة من سنينه تكون مقدار عشر سنين وانه يبلغ سلطانه المشرق والمغرب وتظهر له الكنوز ولا يبقى في الارض خراب الا يعمره*قال مقاتل ابن سليمان ومن تبعه من المفسرين في قوله تعالى ﴿وإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ انها نزلت في المهدي اهـ وجاء في رواية أخرى زيادة مدته على ما ذكر

↑صفحة ٣٤↑

ففي رواية انها اربعون سنة وفي رواية انها احدى وعشرون سنة وفي رواية انها اربع عشرة سنة وروى غير ذلك ايضا قال ابن حجر في رسالته القول المختصر في علامات المهدي المنتظر روايات سبع سنين اكثر واشهر ويمكن الجمع على تقدير صحة جميع الروايات بأن ملكه متفاوت بين الظهور والقوّة فالأربعون مثلا باعتبار جملة ملكه والسبع ونحوها باعتبار غاية ظهور ملكه وقوته والعشرون ونحوها باعتبار الامر الوسط اهـ* وفي الكشف للحافظ السيوطي عن جعفر وغيره ان المهدي يقوم سنة مائتين* وعن ابى قبيل ان الناس يجتمعون عليه سنة اربع ومائتين اهـ وفي كلام المجدولي ان ظهوره يكون في يوم عاشوراء وقال سيدى عبد الوهاب الشعراني في كتابه اليواقيت والجواهر المهدي من ولد الامام حسن العسكري ومولده ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين وهو باق الى ان يجتمع بعيسى بن مريم هكذا اخبرني الشيخ حسن العراقي المدفون فوق كوم الريش المطل على بركة الرطل بمصر المحروسة عن الامام المهدي حين اجتمع به ووافقه على ذلك سيدى على الخواص رحمهما الله تعالى* وقال الشيخ محيى الدين في الفتوحات اعلموا انه لا بد من خروج المهدي (عليه السلام) لكن لا يخرج حتى تمتلئ الارض جورا وظلما فيملؤها قسطا وعدلا وهو من عترة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)

↑صفحة ٣٥↑

من ولده فاطمة رضي الله تعالى عنها جده الحسين بن على بن أبى طالب ووالده الامام حسن العسكري ابن الامام علي النقي بالنون ابن الامام محمد التقى بالتاء ابن الامام على الرضا ابن الامام موسى الكاظم ابن الامام جعفر الصادق ابن الامام محمد الباقر ابن الامام زين العابدين ابن على بن الحسين ابن الامام على بن طالب رضي الله تعالى عنهم يواطئ اسمه اسم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يبايعه المسلمون بين الركن والمقام يشبه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الخلق بفتح الخاء وينزل عنه في الخلق بضمها اذ لا يكون احد مثل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أخلاقه اسعد الناس به اهل الكوفة يقسم المال بالسوية ويعدل به في الرعية يمشى الخضر بين يديه يعيش خمسا او سبعا او تسعا يقفو اثر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا يخطئ له ملك يسدده من حيث لا يراه يفتح المدينة الرومية بالتكبير مع سبعين الفا من المسلمين يشهد الملحمة العظمى مأدية الله بمرج عكا بعز الله به الاسلام بعد ذله ويحييه بعد موته ويضع الجزية ويدعو الى الله تعالى بالسيف فمن ابى قتل ومن نازعه خذل يحكم بالدين الخالص عن الرأي ويخالف في غالب احكامه مذاهب العلماء فينقبضون منه لذلك لظنهم ان الله تعالى لا يحدث بعد ائمتهم مجتهدا وطال في ذكر وقائعه معهم ثم قال واعلم ان المهدي اذا خرج يفرح به جميع المسلمين خاصتهم وعامتهم

↑صفحة ٣٦↑

وله رجال الهيون يقيمون دعوته وينصرونه هم الوزراء له يتحملون أثقال المملكة عنه ويعينونه على ما قلده الله ينزل الله عليه عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام بالمنارة البيضاء شرقي دمشق متكئا على ملكين ملك عن يمينه وملك عن يساره والناس في صلاة العصر فيصلى فينتحى له الامام عن مقامه فيتقدم فيصلى بالناس يؤم الناس بسنة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقبض الله اليه المهدي طاهرا مطهرا وفي زمانه يقتل السفياني عند شجرة بغوطة دمشق ويخسف بجيشه في البيداء فمن كان مجبورا من ذلك الجيش مكرها يحشر على نيته* وقال في محل آخر من فتوحاته قد استوزر الله المهدي طائفة خبأهم الله تعالى له في مكنون غيبه اطلعهم كشفا وشهودا على الخالق وما هو امر الله في عباده فلا يفعل المهدي شيئا الا بمشاورتهم وهم على اقدام رجال من الصحابة الذين صدقوا ما عهدوا الله عليه وهم من الاعاجم ليس فيهم عربي لكن لا يتكلمون الا بالعربية لهم حافظ من غير جنسهم ما عصى الله قط هو اخص الوزراء ثم قال وهؤلاء الوزراء لا يزيدون عن تسعة ولا ينقصون عن ثلاثة لان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شك في مدة اقامته خليفة من خمس الى تسع للشك الذي وقع في وزرائه فلكل وزير معه اقامة سنة فان كانوا خمسة عاش خمسا وان كانوا سبعة عاش سبعا وان كانوا تسعا عاش تسعا ولكل

↑صفحة ٣٧↑

سنة احوال مخصوصة وعلم مختصّ به وزيرها ويقتلون كلهم الا واحدا في مرج عكا في المأدبة الإلهية التي جعلها لله مائدة للسباع والطبور والهوام وذلك الواحد الذي يبقى لا أدرى هل هو ممن استثنى الله في قوله ونفح في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض الا من شاء الله أو هو يموت في تلك النفخة وانما شككت في مدة اقامة المهدي اماما في الدنيا لأني ما طلبت من الله تحقيق ذلك ادبا معه تعالى أن اساله في شيء من ذات نفسى ولما سلكت معه هذا الادب قبض الله تعالى واحدا من اهل الله (عزَّ وجلَّ) فدخل على وذكر لي عدد هؤلاء الوزراء ابتداء وقال لي هم تسعة فقلت له ان كانوا تسعة فان بقاء المهدي لا بد ان يكون تسع سنين وأطال في بيان ذلك* وقال في محل آخر من فتوحاته انه يحكم بما القى اليه ملك الالهام من الشريعة وذلك انه يلهم الشرع المحمدي فيحكم كما اشار اليه حديث المهدي يقفو اثرى لا يخطئ فعرفنا (صلى الله عليه وسلم) انه متبع لا مبتدع وانه معصوم في حكمه فعلم انه يحرم عليه القياس مع وجود النصوص التي منحه الله اياها على اساس ملك الالهام بل حرم بعض المحققين القياس على جميع اهل الله لكون رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مشهودا لهم فاذا شكوا في صحة حديث او حكم رجعوا اليه في ذلك فأخبرهم بالأمر الحق يتظة ومشافهة وصاحب هذا المشهد لا يحتاج الى تقليد احد من الائمة

↑صفحة ٣٨↑

غير رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اهـ ولا يخفى ان ما ذكره من كون جده الحسين مناف لما مر من ترجيح رواية كون جده الحسن وان ما ذكره من كون والده حسنا العسكري مناف لما مر في بعض الروايات من كون اسم ابيه يواطئ اسم اب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وان ما ذكره من كون المحقق في مدة اقامته اماما خمس سنين مناف لما مر عن الصواعق اخذا من الاحاديث السابقة من كون المحقق ست سنين وان ما ذكره من كونه يضع الجزية ويقتل من لم يسلم مناف لما مر من كون ذلك لعيسى وان ما ذكره من كون عيسى هو الذي يصلى بالناس حسين ينزل مناف لما مر من كون الذي يصلى بهم حينئذ هو المهدي ثم ما ذكره من ان عيسى ينزل والناس في صلاة العصر مناف لما في السيرة الحلبية من انه ينزل والناس في صلاة الفجر وفيها انه يتزوج بامرأة من جذام قبيلة باليمن ويولد له ولدان يسمى احدهما محمدا والآخر موسى وان مدة مكثه سبع سنين على ما في مسلم وبها يكون مدة حياته في الارض اربعين سنة وهو ابن ثلاثين سنة ورفعته وهو ابن ثلاث وثلاثين وانه يدفن عند نبينا (صلى الله عليه وسلم) وان ظهور المهدي بعد ان يكسف القمر في اول ليلة من رمضان وتكسف الشمس الى النصف منه فان مثل ذلك لم يوجدا منذ خلق الله السموات والارض اهـ (وفى) الكشف للحافظ السيوطي من طرق

↑صفحة ٣٩↑

عديدة ان عيسى يمكث بعد نزوله اربعين سنة* وفي الاعلام له ان؟؟؟محمد (صلى الله عليه وسلم) كما نص عليه العلماء ووردت به الاحاديث وانعقد عليه الاجماع وانه لا يصح ان يكون مقلدا في حكمه مذهبا من المذاهب ثم ذكر لمعرفته الشريعة المحمدية شرحا عنها انه يمكن ان يفهم جميع أحكام الشريعة من القرآن من غير احتياج الى الحديث كما فهمها منه نبينا (صلى الله عليه وسلم) لانطوائه على جميعها وان قصرت أفهام الامة عن فهم ما يفهمه صاحب النبوّة ويدل على فهم نبينا (صلى الله عليه وسلم) جميعها منه قول الشافعي رضي الله تعالى عنه جميع ما حكم به النبي (صلى الله عليه وسلم) فهو مما فهمه من القرآن بل قوله (صلى الله عليه وسلم) انى لا احل الا ما احل الله في كتابه ولا احرم الا ما حرم الله في كتابه* ومنها ان عيسى اذا نزل يجتمع به (صلى الله عليه وسلم) فلا مانع من ان يأخذ عنه ما يحتاج اليه من احكام شريعته وكم من ولى ثبت انه اجتمع به يقظة واخذ عنه فعيسى اولى ثم ذكر انه بعد نزوله يوحى اليه بجبريل وحيا حقيقيا وأطال في الاحتجاج لذلك والرد على منكره هذا ويجوزان يكون طريق معرفته للأحكام الالهام نظير ما مر عن ابن عربي في المهدي والله اعلم

↑صفحة ٤٠↑

نور الأبصار (المتوفى بعد ١٢٩٠) سيد مؤمن بن حسن بن مؤمن الشبلنجي

تربى في حجر والده بقرية شبلنجا من قرى مصر وحفظ القرآن وهو ابن عشر سنين وقدم الجامع الأزهر واشتغل بالعلم على جهابذة الوقت كالشيخ محمد الخضري الدمياطي والشيخ محمد الأشموني والشيخ محمد الأنبابي والشيخ ابراهيم الشرقاوي والشيخ محمد المرصفي المدعو بأبي سليمان وغيرهم حتى برع واشتهر وصار من العلماء المبرزين في الحديث والأدب والتاريخ.
له «نور الأبصار، في مناقب آل بيت النبي المختار» طبع مرات عديدة ببولاق والقاهرة، وفيه شطر وافر حول «المهدي المنتظر» تحت عنوان «فصل في ذكر مناقب محمد بن الحسن الخالص..» كما ترى.
تاريخ آداب اللغة لجرجي زيدان ٤/٢٩٤ معجم المؤلفين ٤/٢٨٨.

↑صفحة ٤١↑

هوية الكتاب
كتاب نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المحتار للعالم الفاضل الشيخ الشبلنجى المدعوّ بمؤمن نفع الله به آمين
(وبهامشه كتاب اسعاف الراغبين في سيرة المصطفى وفضائل)
(أهل بيته الطاهرين تأليف علامة زمانه الأستاذ)
(الشيخ محمد الصبان عليه الرحمة والرضوان)

اذا استعرت كتابي وانتفعت به * * * فاحذر وقيت الردى من أن تغيره
واردده لي سالما انى شغفت به * * * لو لا مخافة كتم العلم لم تره

(هذه الطبعة قوبلت على نسخة المؤلف بخطه)

↑صفحة ٤٣↑

(فصل في ذكر مناقب محمد بن الحسن الخالص بن علي الهادي بن محمد الجواد بن على الرضا بن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب رضي الله عنهم)
أمه أم ولد يقال لها نرجس وقيل مقبل وقيل سوسن وكنيته أبو القاسم ولقبه الامامية بالحجة والمهدى والخلف الصالح والقائم والمنتظر وصاحب الزمان وأشهرها المهدي (صفته رضي الله عنه) شاب مرفوع القامة حسن الوجه والشعر يسيل شعره على منكبيه أقنى الانف أجلى الجبهة (بوابه) محمد بن عثمان (معاصره) المعتمد وهو آخر الائمة الاثني عشر على ما ذهب اليه الامامية وفي الفصول المهمة قيل انه غاب في السرداب والحرس عليه وذلك في سنة ست وستين ومائتين وفي الصواعق ويسمى القائم المنتظر قيل لأنه ستر بالمدينة وغاب فلم يعلم أين ذهب اهـ ذكر العلامة الشيخ محمد بن بطوطة في رحلته ما نصه ثم وصلت الى مدينة الحلة

↑صفحة ٤٤↑

وهي مستطيلة مع الفرات وأهلها كلهم امامية اثنا عشرية وبها مسجد على بابه ستر حرير يقولون ان محمد بن الحسن العسكري دخل هذا المسجد وغاب فيه وهو عندهم الامام المهدي المنتظر فيهم كل يوم يلبس آلة الحرب مائة منهم ويأتون باب المسجد ومعهم دابة مسرجة ملجمة ومعهم الطبول والبوقات ويقولون أخرج يا صاحب الزمان فقد كثر الظلم والفساد وهذا أوان خروجك ليفرق الله بك بين الحق والباطل ويقفون الى الليل ثم يعودون كذلك دأبهم أبدا اهـ وفي تاريخ ابن الوردي ولد محمد بن الحسن الخالص سنة خمس وخمسين ومائتين وتزعم الشيعة أنه دخل السرداب في دار أبيه بسر من رأى وأمه تنظر اليه فلم يعد اليها وكان عمره تسع سنين وذلك في سنة خمس وستين على خلاف فيه اهـ قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد الكنجي في كتابه البيان في أخبار صاحب الزمان من الادلة على كون المهدي حيا باقيا بعد غيبته والى الآن وانه لا امتناع في بقائه بقاء عيسى بن مريم والخضر والياس من أولياء الله تعالى وبقاء الاعور الدجال وابليس اللعين من أعداء الله تعالى وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسنة أما عيسى (عليه السلام) فالدليل على بقائه قوله تعالى ﴿وإِنْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَابِ إِلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ولم يؤمن به مذ نزول هذه الآية الى يومنا هذا أحد فلا بد أن يكون في آخر الزمان ومن السنة ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن سمعان في حديث طويل في قصة الدجال قال فينزل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام عند المنارة البيضاء بين مهرودتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين وأما الخضر والياس فقد قال ابن جرير الطبري الخضر والياس باقيان يسيران في الارض وأما الدجال فقد روى مسلم في صحيحه عن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حديثا طويلا عن الدجال فكان فيما حدثنا أن قال يأتي وهو محرم عليه أن يدخل عتبات المدينة فينتهى الى بعض السباخ التي تلى المدينة فيخرج اليه رجل هو خير الناس أو من خير الناس فيقول الدجال ان قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الامر فيقولون لا فيقتله ثم يحييه فيقول حين يحييه والله ما كنت فيك قط أشد بصيرة منى الآن قال فيريد الدجال أن يقتله فلن يسلط عليه قال ابراهيم بن سعيد يقال ان هذا الرجل هو الخضر وهذا لفظ صحيح مسلم وأما الدليل على بقاء اللعين ابليس فالكتاب وهو قوله تعال انك من المنظرين وأما بقاء المهدي فقد جاء في تفسير الكتاب عن سعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ﴾ قال هو المهدي من ولد فاطمة رضي الله عنها وأما من قال انه عيسى فلا منافاة بين القولين اذ هو مساعد للمهدى وقد قال مقاتل بن سليمان ومن تابعه من المفسرين في تفسير قوله تعالى ﴿وإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قال هو المهدي يكون في آخر الزمان وبعد خروجه تكون أمارات الساعة وقيامها اهـ وفي درر الاصداف ما نصه وزعمت الشيعة أن المنتظر هو محمد بن الحنفية بن على بن أبى طالب كرم الله وجهه وهم يقولون بالرجعة ولهم في ذلك أشعار وروايات منها قولهم لا تقوم الساعة حتى يخرج المهدي وهو محمد بن على رضي الله عنهما فيملؤها عدلا كما ملئت جورا ويحيى موتاهم فيرجعون الى الدنيا ويكون الناس أمة واحدة وفي ذلك يقول شاعرهم:

ألا ان الأئمة من قريش * * * ولاة العدل أربعة سواء
على والثلاثة من بنيه * * * هم الاسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط ايمان وبر * * * وسبط ضمنته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتى * * * يقود الخيل يقدمها اللواء

أراد بالأسباط الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية رضي الله عنهم وهو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان بزعمهم وكان على هذا المذهب السيد الحميري وله من أبيات:

امام الهدى قل لي متى أنت آيب * * * فمنّ علينا يا امام برجعة
مللنا وطال الانتظار فجدلنا * * * بحقك يا قطب الوجود بزورة
فأنت لهذا الامر قدما معين * * * كذلك قال الله أنت خليفتي

قال وفي كتاب جامع الفنون في مبحث الجبال جبل رضوى هو من المدينة على سبع مراحل وهو جبل منيف ذو شعاب وأودية وهو أخضر يرى من بعيد وبه أشجار ومياه زعم الكيسانية أن محمد بن الحنفية رضي الله عنه حي وهو مقيم به وانه بين أسدين يحفظانه وعنده عينان نضاختان تجريان بماء وعسل وانه يعود بعد الغيبة ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وهو المهدي المنتظر وانما عوقب بهذا الحبس لخروجه الى عبد الملك وقيل الى يزيد بن معاوية قال وكان السيد الحميري على هذا المذهب وهو القائل:

↑صفحة ٤٥↑

ألا قل للوصى فدتك نفسى * * * أطلت بذلك الجبل المقاما

وهذه كلها أقوال فاسدة وبضائع كاسدة ليس بها فائدة فان محمد بن الحنفية رضي الله عنه توفى بالمدينة المنورة وقيل بالطائف كما تقدم وانما الخليفة المنتظر هو محمد بن عبد الله المهدي القائم في آخر الزمان وهو يولد بالمدينة المنورة لأنه من أهلها كما أخبر به وبعلاماته النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي لا ينطق عن الهوى ان هو إلّا وحى يوحا اهـ (تتمة) في الكلام على أخبار المهدي واعلم أنهم اختلفوا فيه هل هو من ولد الحسن السبط رضي الله عنهما وهو ما رواه أبو داود في سننه وذهب اليه المناوي في كبيره وكان سره تركه الخلافة لله (عزَّ وجلَّ) شفقة على الأمة أو من ولد الحسين السبط رضي الله عنه قال بعضهم وهو الصحيح واسمه أحمد أو محمد بن عبد الله قال القطب الشعراني في اليواقيت والجواهر المهدي من ولد الامام الحسن العسكري بن الحسين ومولده ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين بعد الالف وهو باق الى أن يجتمع بعيسى بن مريم (عليه السلام) هكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي المدفون فوق كوم الريش المطل على بركة الرطل بمصر المحروسة ووافقه على ذلك سيدى على الخواص اهـ (صفته) شاب أكحل العينين أزج الحناجبين أقنى الانف كث اللحية على خده الايمن خال وأخرج الروياني والطبراني وغيرهما المهدي من ولدى وجهة كالكوكب الدري اللون لون عربي والجسم جسم إسرائيلي (أي طويل) يملأ الارض عدلا كما ملئت جورا قال الشيخ محيى الدين في الفتوحات واعلم أن المهدي اذا خرج يفرح به جميع المسلمين خاصتهم وعامتهم وله رجال الهيون يقيمون دعوته وينصرونه هم الوزراء له يتحملون أثقال المملكة عنه ويعينونه على ما قلده الله ينزل عليه عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام بالمنارة البيضا شرقي دمشق متكئا على ملكين ملك عن يمينه وملك عن يساره والناس في صلاة العصر فيتنحى له الامام من مكانه فيتقدم فيصلى بالناس يؤم الناس بسنة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقبض الله اليه المهدي طاهرا مطهرا وفي زمانه يقتل السفياني عند شجرة بغوطة دمشق ويخسف بجيشه في البيداء فمن كان مجبورا من ذلك الجيش مكرها يحشر على نيته اهـ (وهذه نبذة) من الاحاديث الواردة في حقه*عن على بن أبى طالب رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لو لم يبق الا يوم لبعث الله تعالى رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورا أخرجه أبو داود في سننه وأخرج أبو داود والترمذي عن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول المهدي منى أجلى الجبهة أقنى الانف يملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما زاد أبو داود يملك سبع سنين وقال الترمذي حديث ثابت صحيح ورواه الطبراني في معجمه وغيره وأخرج بن شيرويه في كتاب الفردوس في باب الالف واللام عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المهدي طاووس أهل الجنة وعنه بإسناده عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال المهدي ولدى وجهه كالقمر الدري واللون منه لون عربي والجسم جسم إسرائيلي يملأ الارض عدلا كما ملئت جورا يرضى بخلافته أهل السموات والارض والطير في الجو يملك عشر سنين وأخرج الحافظ أبو نعيم عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اذا رأيتم الرايات السود قد أقبلت من خراسان فأتوها ولو حبوا على الثلج فان فيها خليفة الله المهدي وأخرج أبو نعيم أيضا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخرج المهدي من قرية يقال لها كريمة وأخرج الحافظ أبو عبد الله محمد بن ماجه القزويني في حديث طويل في نزول عيسى بن مريم (عليه السلام) عن أبى امامة الباهلي رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وذكر الدجال فقال فيه ان المدينة تنفى خبثها كما ينفى الكير خبث الحديد ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص قالت أم شريك بنت أبى العسكر فأين العرب يومئذ قال (صلى الله عليه وسلم) هم يومئذ قليل وجلهم ببيت المقدس وامامهم المهدي وقد تقدم ليصلى بهم الصبح اذ نزل عيسى بن مريم فرجع ذلك الامام ينكص عن عيسى القهقرى ليتقدم عيسى يصلى بالناس فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له تقدم وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كيف أنتم اذا نزل ابن مريم فيكم وامامكم منكم رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون

↑صفحة ٤٦↑

على الحق ظاهرين الى يوم القيامة قال فينزل عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام فيقول أميرهم تعال صل بنا فيقول ألا ان بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله لهذه الأمة أخرجه مسلم في صحيحه عن أبى هرون العبدى وفي صحيح مسلم عن أبى سعيد وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده عدا (وروى) الامام أحمد في مسنده عن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أبشركم بالمهدى يملأ الارض قسطا كما ملئت جورا وظلما يرضى عنه سكان السماء والارض يقسم المال صحاحا فقال رجل ما معنى صحاحا قال بالسوية بين الناس ويملأ قلوب أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) غنى ويسعهم عدله حتى يأمر مناد يا ينادى يقول من له بالمال حاجة فليقم فما يقوم من الناس الا رجل واحد فيقول أنا فيقول له ائت السادن يعنى الخازن فقل له ان المهدي يأمرك أن تعطيني ما لا فيحثو له في ثوبه حثوا حتى اذا صار في ثوبه يندم ويقول كنت أجشع أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) نفسا أعجز عما وسعهم فيرده الى الخازن فلا يقبل منه ويقول انا لا نأخذ شيئاً مما أعطيناه فيكون المهدي كذلك سبع سنين أو ثمانيا أو تسعا ثم لا خير في العيش بعده أو قال ثم لا خير في الحياة بعده* وعن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يكون عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن رجل يقال له المهدي عطاؤه هينا أخرجه أبو نعيم في الرد على من زعم أن الهدى هو المسيح وعن على بن أبى طالب رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله أ منا آل محمد المهدي أو من غيرنا فقال (صلى الله عليه وسلم) لا بل منا يختم الله به الدين كما افتتح بنا وبنا ينقذون من الفتنة كما انقذوا من الشرك وبنا يؤلف الله قلوبهم بعد عداوة الفتنة كما ألف بين قلوبهم بعد عداوة الشرك وبنا يصبحون بعد عداوة الفتنة اخوانا في دينهم قال بعض أهل العلم هذا حديث حسن عال رواه الحفاظ في كتبهم أما الطبراني فقد ذكره في المعجم الاوسط وأما أبو نعيم فرواه في حلية الأولياء وأما عبد الرحمن بن حماد فقد ساقه في عواليه وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخرج المهدي وعلى رأسه عمامة فيها ملك ينادى هذا خليفة الله المهدي فاتبعوه أخرجه أبو نعيم والطبراني وغيرهما وعن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي يفتح القسطنطينية وجبل الديلم ولو لم يبق الا يوم طول الله ذلك اليوم حتى يفتحها هذا سياق الحافظ أبى نعيم وقال هذا هو المهدي بلا شك وفقا بين الروايات وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سيكون بعدى خلفاء ومن بعد الخلفاء أمراء ومن بعد الامراء ملوك جبابرة ثم يخرج المهدي من أهل بيتي يملأ الارض عدلا كما ملئت جورا رواه أبو نعيم في فوائده والطبراني في معجمه وعن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال تتنعم أمتى في زمن المهدي نعمة لم يتنعموا مثلها قط ترسل السماء عليهم مدرارا ولا تدع الارض شيئاً من نباتها الا أخرجته رواه الطبراني في معجمه الكبير وروى أبو داود عن ذر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمى وفي رواية واسم أبيه اسم أبى (فوائد) الاولى*قال في الصواعق الاظهر أن خروج المهدي قبل نزول عيسى وقيل بعده الثانية) تواترت الاخبار عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه من أهل بيته وانه يملأ الارض عدلا (الثالثة) تواترت الاخبار على انه يعاون عيسى على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين بالشام (الرابعة) جاء في بعض الآثار انه بخرج في وتر السنين سنة احدى أو ثلاث أو خمس أو سبع أو تسع (الخامسة) انه بعد أن تعقد له البيعة بمكة يسير منها الى الكوفة ثم يفرق الجند الى الامصار (السادسة) أن السنة من سنيه مقدار عشر سنين (السابعة) ان سلطانه يبلغ المشرق والمغرب وتظهر له الكنوز ولا يبقى في الارض خراب الا عمره وهذه علامات قيام القائم مروية عن أبى جعفر رضي الله عنه قال اذا تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال وركبت ذوات الفروج السروج وأمات الناس الصلوات واتبعوا الشهوات واستخفوا بالدماء وتعاملوا بالربا وتظاهروا بالزنا وشيد والبناء واستحلوا الكذب وأخذوا الرشا واتبعوا الهوى وباعوا الدين بالدنيا وقطعوا الارحام وضنوا بالطعام وكان الحلم ضعفا والظلم فخرا والأمراء فجرة والوزراء كذبة والأمناء خونة والاعوان ظلمة والقراء فسقه وظهر الجور وكثر الطلاق وبدا الفجور وقبلت شهادة الزور وشرب الخمور وركبت الذكور الذكور واستغنت النساء بالنساء واتخذ الفيء

↑صفحة ٤٧↑

مغنما والصدقة مغرما واتقى الاشرار مخافة ألسنتهم وخرج السفياني من الشام واليماني من اليمن وخسف بالبيداء بين مكة والمدينة وقتل غلام من آل محمد (صلى الله عليه وسلم) بين الركن والمقام وصاح صائح من السماء بأن الحق معه ومع أتباعه قال فاذا خرج أسند ظهره الى الكعبة واجتمع اليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من أتباعه فأوّل ما ينطق به هذه الآية بقية الله خير لكم ان كنتم مؤمنين ثم يقول أنا بقية الله وخليفته وحجته عليكم فلا يسلم عليه أحد الا قال السلام عليك يا بقية الله في الارض فاذا اجتمع عنده العقد عشرة آلاف رجل فلا يبقى يهودي ولا نصراني ولا أحد ممن يعبد غير الله تعالى الا آمن به وصدقه وتكون الملة واحدة ملة الاسلام وكل ما كان في الارض من معبود سوى الله تعالى تنزل عليه نار من السماء فتحرقه والله أعلم.

↑صفحة ٤٨↑

فيض القدير، شرح الجامع الصغير محمد، عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين، الحدادي المناوي الشافعي، زين الدين القاهري (٩٥٢ - ١٠٣١)

من اعلام المحدثين، مشارك في مختلف العلوم، وله آثار كثيرة في الحديث والكلام والفقه والتاريخ وغيره.
منها: «الروض الباسم في شمائل المصطفى ابي القاسم»، «الصفوة في مناقب آل بيت النبوة»، ومنها «فيض القدير شرح الجامع الصغير» للسيوطي.
وفي هذا الكتاب شطر خاص حول احاديث المهدي (ع) في الجزء

↑صفحة ٤٩↑

السادس من ص ٢٧٧ الى ٢٧٩ وأدرجناه في المجموعة هذه لسهولة المراجعة(٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) البدر الطالع ١/٣٥٧، خلاصة الأثر ٢/٤١٢، كشف الظنون في أكثر من عشرين موضعا وكذا ايضاح المكنون، هدية العارفين ١/٥١٠-٥١١ فهرست مخطوطات الظاهرية بالشام ٦/٦٣، ٢٩١ ←

↑صفحة ٥٠↑

هوية الكتاب
فيض القدير شرح الجامع الصّغير للعلاّمة المناوي
وهو شرح نفيس للعلامة المحدث محمد المدعو بعبد الرؤف المناوي على كتاب «الجامع الصغير» من أحاديث البشير النذير للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي نفعنا الله بعلومهما
الجزء السّادس صحت هذه الطبعة وقوبلت على عدة نسخ من أهمها نسخة نفيسة مخطوطة في سنة ١٠٩٢ هـ وعلق عليها تعليقات قيمة نخبة من العلماء الأجلاء
جميع حقوق التعليق والنقل محفوظة
تنبيه: قد جعلنا متن الجامع الصغير بأعلى الصفحات، والشرح بأسفلها مفصولا بينهما بجدول ولتمام الفائدة قد ضبطنا الأحاديث بالشكل الكامل ١٣٩١ هـ - ١٩٧٢ م
الطبعة الثانية ودر المعرفة للطباعة والنشر بيروت - لبنان

↑صفحة ٥١↑

المهدى من ولد فاطمة
٩٢٤١ - المهدي من عترتي، من ولد فاطمة - (د ه ك) عن أم سلمة - (صحـ)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
→ (المهدى من عترتي من ولد فاطمة) لا يعارضه ما يجيء عقبه أنه من ولد العباس لحمله على أنه شعبة منه (تنبيه) قال العارف البسطامي في الجفر هذه الدرة اليتيمة والحكمة القديمة ستدخل في باب السبب إلى مكتب الأدب ليقرأ لوح الوجود ثم يخرج منه ويدخل إلى مكتب التسليم ليطالع لوح الشهود وقيل يولد في فارس وهو خماسي القد عقيقي الخد وقد آتاه الله في حال الطفولية المحكمة وفصل الخطاب وأما أمه فاسمها نرجس من أولاد الحواريين وقيل يولد بجزيرة العرب وقيل يخرج من المغرب فأول من يشم رائحته طائفة من أرباب القلوب المطلعين على أسرار الغيوب وأول من يبايعه أبدال الشام عند قبة الإسلام وأهل مكة بين الركن والمقام ثم عصائب العراق ولا يخرج حتى تخرب خوز وكرمان وروم ويونان ولا يظهره حتى تظهر الهوارج والاشرار والخوارج ومن أمارات خروجه يكون المطر قيظا والولد غيظا ومن أكبر أمارات خروجه انتشار علم الحرف وقيل علم التصوف وقيل اختلاف الأقوال وقيل: ←

↑صفحة ٥٢↑

٩٢٤٢ - المهديّ من ولد العبّاس عمّى - (قط) في الأفراد عن عثمان - (ض)
٩٢٤٣ - المهديّ منّا أهل البيت يصلحه الله في ليلة - (حم ه) عن على - (ح)
٩٢٤٤ - المهديّ منّى: أجلى الجبهة، أقنى الأنف؛ يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، يملك سبع سنين - (د ك) عن أبى سعيد - (صحـ)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
→ علم النحو وقيل كثرة الفتاوى وقيل كثرة المساجد وقيل ركوب الفروج على السروج وقيل كثرة السراري وقيل ارتفاع البنيان وقيل ولاية الصبيان قال وإذا خرج هذا الامام المهدي فليس له عدو مبين إلا الفقهاء خاصة وهو والسيف اخوان ولو لا السيف بيده لأفتى الفقهاء بقتله لكن الله يظهره بالسيف والكرم فيطيعونه ويخافونه ويقبلون حكمه من غير إيمان بل يضمرون خلافه، إلى هنا كلامه بنصه وحروفه (د ه ك) في الفتن (عن أم سلمة) وفيه على بن نفيل قال في الميزان عن العقيلي لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به وقال أبو حاتم لا بأس به.
(المهدى من ولد العباس عمى) حاول بعضهم التوفيق بينه وبين ما قبله وبعده بأنه من ولد فاطمة لكنه يدلى إلى بعض بطون بنى العباس (غريبة) قال البسطامي في الجفر قال على كرم الله وجهه إذا نفد عدد حروف «بسم الله الرحمن الرحيم» يكون أوان ولادة المهدى؛ قال:

إذا نفد الزمان على حروف * * * ببسم الله فالمهدي قاما
ودوران الخروج عقيب صوم * * * ألا بلغه من عندي سلاما

(قط في الافراد) والديلمي في مسنده (عن عثمان) بن عفان قال ابن الجوزي فيه محمد بن الوليد المقري قال ابن عدى يضع الحديث ويصله ويسرق ويقلب الأسانيد والمتون وقال ابن أبى معشر هو كذاب وقال السمهودي ما بعده وما قبله أصح منه وأما هذا ففيه محمد بن الوليد وضاع مع أنه لو صح حمل على المهدي ثالث العباسيين وعليه يحمل أيضا خبر الرافعي ألا أبشرك يا عم أن من ذريتك الأصفياء ومن عترتك الخلفاء ومنك المهدي إلى آخر الزمان، به ينشر الهدى وبه يطفأ نيران الضلال إن الله فتح بنا هذا الأمر وبذريتك يختم.
(المهدى منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة) وقيل إنه يصير متصرفا في عالم الكون والفساد بأسرار الحروف قال البسطامي ومن فهم سرّ العين اطلع على سر اسرار العلوم الحرفية والمعارف الإلهية ولهذا كان جد المهدي عليّ كرم الله وجهه من أعلم الصحابة بدقائق العلوم ولطائف الحكم وكان من أجل علومه علم أسرار الحروف ألا ترى أن العين قد وقعت في مفتاح اسمه (حم ه عن علىّ) أمير المؤمنين رمز لحسنه وفيه ياسين العجلي قال في الميزان عن البخاري فيه نظر ثم ساق له هذا الخبر.
(المهدى منى أجلى الجبهة) بالجيم أي منحسر الشعر من مقدم رأسه (أقنى الأنف) أي طويله (يملأ الأرض قسطا وعدلا) القسط بكسر القاف الجور والعدل وليس المراد هنا إلا العدل فالجمع للإطناب والعطف تفسيري (كما ملئت جورا وظلما) فسروا الجور بأنه الظلم والظلم وضع الشيء في غير موضعه فهو من عطف الرديف كما بينه ما قبله (يملك سبع سنين) زاد في رواية أو ثمان أو تسع وفي رواية أخرى يمده الله بثلاثة آلاف من الملائكة يضربون وجوه من خالفه وأدبارهم يبعثه ما بين الثلاثين إلى الأربعين قال البسطامي ثم يتوفى ويصلى عليه المسلمون وما أقل مدته وأحقرها بين الستين يتممها تميم الذي هو من البؤس سليم عزيز على القلوب مليح الشروق والغروب شيخ فإن يعرفه أهل العرفان ظهر الحق خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وثمانية أيام فالإمام المهدي أبو الحق والدجال أبو الباطل والمهدى أبو الأخيار والدجال أبو الأشرار والمهدى سيف إدريس والدجال سيف إبليس والمهدى حبيب العشاق والدجال حبيب الفساق. ←

↑صفحة ٥٣↑

٩٢٤٥ - المهديّ رجل من ولدى: وجهه كالكوكب الدري - الروياني عن حذيفة - (صحـ)
٩٢٤٦ - الموت كفّارة لكلّ مسلم - (حل هب) عن أنس - (صحـ)
٩١٤٧ - الملائكة شهداء الله في السّماء، وأنتم شهداء الله في الأرض - (ن) عن أبى هريرة - (صحـ)
٩٢٤٨ - الميّت يبعث في ثيابه التي يموت فيها - (ه حب ك) عن أبى سعيد - (صحـ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

→ والمهدى سيف الكتاب والدجال سيف الخراب والمهدى لباسه أخضر والدجال لباسه أصفر والدجال قد حال عند أرباب الحال والمسيح قد شاخ عند أرباب القال والمهدى قد سل السيف فافهم بالوصف وحسن الصف (د ك) في الفتن (عن أبى سعيد) الخدري قال الحاكم صحيح ورده الذهبي بأن فيه عمران القطان ضعيف ولم يخرج له مسلم.
(المهدى رجل من ولدى وجهه كالكوكب الدري) قال في المطامح حكى أنه يكون في هذه الأمة خليفة لا يفضل عليه أبو بكر اهـ. وأخبار المهدي كثيرة شهيرة أفردها غير واحد في التأليف قال السمهودي ويتحصل مما ثبت في الأخبار عنه أنه من ولد فاطمة وفي أبى داود أنه من ولد الحسن والسر فيه ترك الحسن الخلافة لله شفقة على الأمة فجعل القائم بالخلافة بالحق عند شدة الحاجة وامتلاء الأرض ظلما من ولده وهذه سنة الله في عباده إنه يعطى لمن ترك شيئا من أجله أفضل مما ترك أو ذرّيته، وقد بالغ الحسن في ترك الخلافة ونهى أخاه عنها وتذكر ذلك ليلة مقتله فترحم على أخيه، وما روى من كونه من ولد الحسين فواه جدا اهـ (تنبيه) أخبار المهدي لا يعارضها خبر لا مهدى إلا عيسى بن مريم لأن المراد به كما قال القرطبي لا مهدى كاملا معصوما إلا عيسى (الروياني) في مسنده (عن حذيفة) قال ابن الجوزي: قال ابن حمدان الرازي حديث باطل اهـ، وفيه محمد بن إبراهيم الصوري قال في الميزان عن ابن الجلاب روى عن رواد خبرا باطلا أو منكرا في ذكر المهدي ثم ساق هذا الخبر، وقال هذا باطل.

↑صفحة ٥٤↑

مشارق الأنوار الشيخ حسن العدوي الحمزاوي المصري (١٢٢١ - ١٣٠٣)

متكلم، محدث، فقيه، مالكي، مولده بعدوة من قرى مصر، تعلم ودرس بالأزهر وتوفي بالقاهرة.
له آثار منها:
«تبصرة القضاة والأخوان، في وضع اليد وما يشهد له البرهان» ط، «إرشاد المريد في خلاصة علم التوحيد»، «المدد الفياض» ط، «النور الساري من فيض صحيح البخاري» ط، «مشارق الأنوار، في فوز اهل الاعتبار» طبع أكثر من مرة بمصر

↑صفحة ٥٥↑

وقدمنا لقرّاء هذه المجموعة القسم المختص بالمهدي المنتظر من طبعة ١٣٠٧ وبهامشه «اسعاف الراغبين»، في سيرة المصطفى وفضائل أهل بيته الطاهرين»(٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) اكتفاء القنوع ٥٠٠، الاعلام لزركلي ٢/٣١٤، ايضاح المكنون ٢/٤٨٤، هدية العارفين ١/٣٠٣، معجم المؤلفين ٣/٢٤٤-٢٤٥.

↑صفحة ٥٦↑

هوية الكتاب
(الطبعة الاولى) مشارق الانوار في فوز أهل الاعتبار تأليف العلم الشهير والعلامة النحرير الحبر الذي هو للفضائل حاوى الهمام الشيخ حسن العدوى الحمزاوي نفع الله به ومتعه مع أهل قربه المتوفى آمين ١٣٠٣
(وبهامشه كتاب اسعاف الراغبين في سيرة المصطفى وفضائل أهل بيته الطاهرين تأليف الامام العلامة الشيخ محمد الصبان أفاض الله عليه سحائب الاحسان آمين)
بالمطبعة العثمانية سنة ١٣٠٧

↑صفحة ٥٧↑

(الفصل الثاني في المهدي وبيان انه هل هو من ولد الحسن أو الحسين ومن أين يخرج وفي علامة خروجه وأنه يبايع مرتين)
ففي كنوز الحقائق للمناوي عن الطبراني عنه (صلى الله عليه وسلم) المهدي منا يختم به الدين كما فتح بنا وفي جواهر العقدين في شرف النسبين للإمام المناوي أيضا قال وقال مقاتل بن سليمان ومن تبعه من المفسرين في قوله تعالى وإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ قال هو المهدي يكون في آخر الزمان قال وربما يستشهد لهذا بما أخرجه النسائي من قوله (صلى الله عليه وسلم) لن تهلك أمة أنا أولها ومهديها وسطها والمسيح ابن مريم آخرها اهـ وفي القرطبي من حديث ابن مسعود وغيره أنه يخرج في آخر الزمان من المغرب الاقصى يمشى النصر من بين يديه أربعين ميلا راياته بيض وصفر فيها رقوم فيها اسم الله الاعظم مكتوب فلا تنهزم له راية فيبعث هذه الرايات مع قوم قد أخذ الله لهم ميثاق النصر والظفر أولئك حزب الله ألا ان حزب الله هم المفلحون الحديث بطوله وفيه فيأتي الناس من كل جانب ومكان فيبايعونه يومئذ بين الركن والمقام وهو كاره لهذه المبايعة الثانية بعد المبايعة الاولى بالمغرب اهـ وفي رسالة الشيخ الصبان قال يؤخذ من أحاديث أخر انه يخرج أي المهدي من المشرق من بلاد الحجاز والقول بأنه يخرج من المغرب لا أصل له كما نبه عليه العلقمى اهـ (قلت) ولعل الجمع ممكن عملا بالروايتين بأن يحمل أحاديث المشرق على الظهور التام بدليل المبايعة الثانية بين الركن والمقام بعد البيعة الأولى كما في رواية القرطبي وهذا من المحقق الصبان غير لائق بمقامه فان رواية القرطبي المفيدة للمبايعة مرتين قد وافقه فيها الامام ابن حجر وكذلك القطب الشعراني قد أفادها في مختصره ولفظه روى أنه يخرج في آخر الزمان رجل يقال له المهدي من أقصى المغرب يمشى النصر بين يديه أربعين ميلا راياته بيض وصفر فيها وقوم فيها اسم الله الاعظم مكتوب فلا تنهزم له راية وقيام هذه الرايات وانبعاثها من ساحل البحر بموضع يقال له ماسة من جبل المغرب فيبعث هذه الرايات مع قوم قد أخذ الله تعالى لهم ميثاق النصر والظفر أولئك حزب الله ألا ان حزب الله هم المفلحون الى أن قال فيأتي الناس من كل جانب ومكان فيبايعونه بمكة بين الركن والمقام وهو كاره لهذه المبايعة الثانية بعد البيعة الأولى التي بايعه الناس بالمغرب عليها انتهى وحيث أمكن الوصل والجمع فسلوكه أولى لا سيما

↑صفحة ٥٨↑

والامام القرطبي من أكابر المحدثين مع الموافقة من الامامين المتقدم ذكرهما وهو من ولد فاطمة باتفاق الجمهور ففي مسلم وأبى داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وآخرين المهدي من عترتي من ولد فاطمة وفي رواية ابن عساكر عن على بن الحسين عن أبيه أبشري يا فاطمة المهدي منك قال في كنوز الحقائق وما ورد من قوله (صلى الله عليه وسلم) يا عباس ان الله بد أبى هذا الامر وسيختمه بغلام من ولدك يملؤها عدلا الخ يجمع بينه وبين رواية أنه من ذرية الحسن أو الحسين بأن يكون له نسبة الى كل واحد من هؤلاء فيكون رضي الله عنه نجل الحسن وسبط الحسين من جهة أمه وسبط العباس من جهة أبيه اهـ وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه لو لم يبق من الدهر الا يوم واحد لبعث الله فيه رجلا من عترتي يملؤها عدلا كما ملئت جورا وفي رواية لأبي داود والترمذي لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلا من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمى واسم أبيه اسم أبى يملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما وأخرج الحاكم في صحيحه يحل بأمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع بلاء أشد منه حتى لا يجد الرجل ملجأ فيبعث الله رجلا من عترتي أهل بيتي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا يحبه ساكن الارض وساكن السماء وترسل السماء قطرها وتخرج الارض نباتها لا تمسك شيئا يعيش فيهم سبع سنين أو ثمانيا أو تسعا يتمنى الاحياء الاموات مما صنع الله باهل الارض من خيره وأخرج أبو نعيم ليبعث الله رجلا من عترتي أفرق الثنايا أجلى الجبهة أي منحسر الشعر عن جبهته يملأ الارض عدلا يفيض المال فيضا وأخرج الروياني والطبراني وغيرهما المهدي من ولدى وجهه كالكوكب الدري اللون لون عربي والجسم جسم إسرائيلي أي طويل يملأ الارض عدلا كما ملئت جورا يرضى لخلافته أهل السماء وأهل الارض وورد أيضا في حليته انه شاب أكحل العينين أزج الحاجبين أقنى الانف كث اللحية على خده الايمن خال وقال الشيخ القطب الغوثي سيدى محيى الدين بن العربي في الفتوحات اعلموا أنه لا بد من خروج المهدي لكن لا يخرج حتى تملأ الارض جورا وظلما فيملؤها قسطا وعدلا وهو من عترة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من ولد فاطمة رضي الله تعالى عنها جده الحسين بن على بن أبى طالب ووالده الامام حسن العسكري ابن الامام علي النقي بالنون ابن الامام محمد التقى بالتاء ابن الامام على الرضا ابن الامام موسى الكاظم ابن الامام جعفر الصادق ابن الامام محمد الباقر ابن الامام زين العابدين على ابن الامام الحسين ابن الامام على ابن أبى طالب رضي الله تعالى عنه يواطئ اسمه اسم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يبايعه المسلمون بين الركن والمقام يشبه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الخلق بفتح الخاء وقريبا منه في الخلق أسعد الناس به أهل الكوفة يقسم المال بالسوية ويعدل به في الرعية يمشى الخضر بين يديه يعيش خمسا أو سبعا أو تسعا يقفو اثر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) له ملك يسدده من حيث لا يراه يفتح المدينة الرومية بالتكبير مع سبعين ألفا من المسلمين يعز الله به الاسلام بعد ذله ويحييه بعد موته ويضع الجزية ويدعو الى الله بالسيف فمن أبى قتل ومن نازعه خذل يحكم بالدين الخالص عن الرأي ويخالف في غالب أحكامه مذاهب العلماء فينقبضون لذلك لظنهم أن الله تعالى لا يحدث بعد أئمتهم مجتهدا وأطال في ذكر وقائعه معهم ثم قال واعلم أن المهدي اذا خرج يفرح به جميع المسلمين خاصتهم وعامتهم وله رجال الهيون يقيمون دعوته وينصرونه هم الوزراء له يتحملون أثقال المملكة عنه ويعينونه على ما قلده الله به ينزل عليه عيسى بن مريم (عليه السلام) بالمنارة البيضاء شرق دمشق متكئا على ملكين ملك عن يمينه وملك عن يساره والناس في صلاة العصر فيتنحى الامام من مقامه فيتقدم فيصلى بالناس يؤم الناس بسنة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقبض الله اليه المهدي طاهرا مطهرا وقال في محل آخر من فتوحاته قد استوزر الله للمهدى طائفة خبأهم الله تعالى في مكنون غيبه أطلعهم كشفا وشهود اعلى الحقائق وما هو الا أمر الله في عباده فلا يفعل المهدي شيئاً الا بمشاورتهم وهم على أقدام رجال من الصحابة الذين صدقوا الله ما دعاهم اليه وهم من الاعاجم ليس

↑صفحة ٥٩↑

فيهم عربي لكن لا يتكلمون الا بالعربية لهم حافظ من غير جنسهم ما عصى الله قط هو أخص الوزراء ثم قال هؤلاء الوزراء لا يزيدون عن تسعة ولا ينقصون عن خمسة لان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شك في عددهم مدة اقامته من خمس الى تسع للشك الذي وقع في وزرائه فلكل وزير معه اقامة سنة فان كانوا خمسة عاش خمسة وان كانوا تسعا عاش تسعا ولكل سنة أحوال مخصوصة وعلم يختص به وزيره الى آخر ما قال وقال في محل آخر في فتوحاته أنه يحكم بما ألقى اليه ملك الالهام من الشريعة وذلك بان يلهمه الشرع المحمدي فيحكم به كما أشار اليه حديث المهدي يقفو أثرى لا يخطئ فعرفنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه متبع لا مبتدع وأنه معصوم في حكمه فعلم أنه يحرم عليه القياس مع وجود النصوص التي منحه الله اياها على لسان ملك الالهام بل حرم بعض المحققين القياس على أهل الله لكون رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مشهود الهم فاذا شكوا في صحة حديث أو حكم رجعوا اليه في ذلك فاخبرهم بالأمر الحق تعظيما ومشافهة وصاحب هذا الحال والمشهد لا يحتاج الى تقليد أحد من الأئمة غير رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال العلامة الصبان في رسالته لأهل البيت متعقبا للعارف ابن العربي في فتوحاته بقوله لا يخفى أن ما ذكره العارف ابن العربي من كون جده الحسين مناف لما مر من توجيه بعضهم ان جده الحسن وان ما ذكره العارف أيضا من كون والده الحسن العسكري مناف لما مر في بعض الروايات من كون اسم أبيه مواطئا لاسم أبى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وما ذكره أيضا من كون مدته اما خمسا أو تسعا مخالف لما مرعن الصواعق أخذا من الاحاديث السابقة من كون المحقق سبع سنين وان ما ذكره أيضا من كونه يضع الجزية ويقتل من لم يسلم مناف لما مر من كون ذلك لعيسى وان ما ذكره من كون عيسى هو الذي يصلى بالناس حين ينزل مناف لما مر من كون الذي يصلى بهم المهدي وأن ما ذكره من أن عيسى ينزل والناس في صلاة العصر مناف لما في السيرة الحلبية من أنه ينزل والناس في صلاة الفجر اهـ (قلت) وهذا من مثل هذا الامام المحقق في غاية الغرابة لا سيما التورك على مثل هذا العارف وذلك لإمكان الجمع والاصلاح في جميع ما رده عليه فقوله لا يخفى أن ما ذكره العارف ابن العربي من كون جده الحسين مناف لما مر من توجيه بعضهم أن جده الحسن لا مانع من أن يراد بالحسن في كلام البعض الحسن العسكري وهو من أولاد الحسين وانما نسب اليه خاصة لكونه كان أشهر آبائه من قبل أبيه لأنه كان كما ذكره المعترض نفسه في مناقب سيدى الحسن من الأئمة الاخيار صاحب الشهرة العظيمة في العلم والمعارف ولم يكن في الحديث الحسن بن علي على أنه لو قيل ذلك لأمكن ما تقدّم أيضا لما علمت من تمام شهرته وهو وان كان بعيدا يتقوى برواية كونه من ولد الحسين والسنة يفسر بعضها بعضا وعلى تسليم ذلك فتوجيه البعض كونه من ولد الحسن لا يصلح أن يكون له حجة في الرد على مثل هذا العارف وقول المحقق ثانيا ما ذكره العارف أيضا من كون والده الحسن العسكري مناف لما مر في بعض الروايات من كون اسم أبيه مواطئا لاسم أبى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا يصح من مثل هذا الامام وذلك أنه من المعلوم أنه يولد في آخر الزمان كما سيذكره العلامة المتعقب نقلا عن الشعراني ولفظه وقال سيدى عبد الوهاب الشعراني في اليواقيت والجواهر المهدي من ولد الامام الحسن العسكري ومولده ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين بعد الالف وهو باق الى أن يجتمع بعيسى بن مريم (عليه السلام) هكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي المدفون فوق كوم الريش المطل على بركة الرطل بمصر المحروسة ووافقه على ذلك سيدى على الخواص اهـ بلفظه اذا علمت ذلك النقل من هذا المحقق عن القطب الشعراني ظهر لك عدم المنافاة ضرورة وذلك لان الامام سيدى الحسن العسكري بينه وبين جده الحسين ستة من الآباء فيعلم من ذلك أن الامام المذكور ليس والد السيد المهدي مباشرة وان والده مباشرة عبد الله كما في بعض الروايات ويعلم أن تخصيصه الامام العسكري بالذكر لكونه أوّل المشاهير من قبل أبيه عبد الله المذكور وبذلك يتقوى الاحتمال الاوّل من دفع المنافاة وقول العلامة المحقق ثالثا وما ذكره أيضا من كون مدته اما خمسا أو سبعا

↑صفحة ٦٠↑

أو تسعا مخالف لما مر عن الصواعق أخذا من الاحاديث السابقة من كون المحقق سبع سنين فهو في غاية الغرابة أيضا وذلك أن العارف في المحل الاوّل من الفتوحات قال يعيش خمسا أو سبعا أو ثمانيا أو تسعا وقال في محل آخر له وزراء لا يزيدون عن تسعة ولا ينقصون عن خمسة فانت تراه في المحلين لم يقطع بواحد بعينه والشك في ذلك العدد لا ينافى القطع الذي عينه ابن حجر لان المقطوع به من أفراد المشكوك فيه غير أنه لم يعينه بخصوصه احتياطا لرواية الجميع ولعل الجزم بالسبع من ابن حجر لما ترجح عنده وهذا لا ينافى ما ذكره العارف على أن ابن حجر في الصواعق ذكر روايات متعددة موافقة لروايات العارف ابن العربي ولفظه روى الطبراني والبزار بعد أن ذكر حديثا طويلا وفيه يمكث فيهم سبعا أو ثمانيا فان أكثر فتسعا قال وفي رواية للترمذي ان في أمتى المهدي يخرج يعيش خمسا أو سبعا أو تسعا فيجيء الرجل اليه فيقول يا مهدى أعطني فيحثى له في ثوبه ما استطاع أن يحمله ثم بعد أن ذكر هذه الاحاديث من غير تضعيف لها ذكر بعد ذلك ما يرجح عنده رواية سبع سنين بقوله الذي اتفقت عليه الاحاديث سبع سنين من غير شك وعلى تسليم ذلك فمثل هذا العارف لا يرد عليه بما في الصواعق وان كان من أكابر الحفاظ فلا يكون ما فيها حجة في الرد عليه وقول المحقق رابعا وما ذكره أيضا من كونه يضع الجزية ويقتل من لم يسلم مناف لما مر من كون ذلك لعيسى لا مانع من امكان الجمع فان اتصاف عيسى بذلك لا ينافى اتصاف المهدي به لان من المعلوم أن كلا منهما امام متبع ومقر لشريعة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلا مانع من استوائهما في هذا الامر ويؤيد هذا ورود فتح الكنوز في وقته فلا نفع لأخذ الجزية حينئذ حتى يشرع أخذها لان الوسيلة اذا لم يترتب عليها مقصدها لا تشرع على أنه لا مانع من كون ذلك على لسان عيسى في آخر ظهور المهدي عند اجتماعه مع عيسى لما ورد من مساعدة المهدي لعيسى على قتل الدجال وهذا يفيده العارف الشعراني في مختصره جوابا عما رواه ابن ماجه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لا يزداد الامر الا شدّة ولا الدنيا الا ادبارا ولا الناس على الدنيا الا شحا ولا تقوم الساعة الا على شرار الناس ولا مهدى الا عيسى بن مريم قال العارف قال الامام القرطبي وهذا لا ينافى ما تقدم في أحاديث المهدي لان معناه تعظيم شأن عيسى لعصمته وكماله فلا ينافى وجود المهدي قال العارف ويؤخذ ذلك من حديث المهدي من أهل بيتي يملأ الارض عدلا وأنه يخرج مع عيسى (عليه السلام) يساعده على قتل الدجال بباب لدّ من أرض فلسطين وأنه يؤم هذه الامة ويصلى خلف عيسى بن مريم اهـ فانت تراه قد ذكر خروجه معه للمساعدة على الدجال فيكون لا مانع من نسبة ما تقدم اليهما جميعا وانما تخصيص عيسى في بعض الروايات بذلك تعظيما لشأنه كما سمعته عن الامام القرطبي وهذا وان كان تطفلا منا على مثل هذا الامام الا أن سلوك الاصلاح والوصل أولى بالاتباع وقول المحقق في الاعتراض الماروان ما ذكره من كون عيسى هو الذي يصلى بالناس حين ينزل مناف لما مر من كون الذي يصلى بهم المهدي لا مانع من امكان الجمع بإمكان تعدد الصلوات عملا بالروايتين فان الحين صادق بالزمن المتسع وان كان المتبادر من تقييده بالنزول عدم الاتساع لكن استعماله ظرفا متسعا لقرب ما بين الصلاتين يكون فيه عمل بالروايتين فيكون المصلى أوّلا حين النزول في صلاة الصبح هو المهدي وفي صلاة العصر عيسى ثم بعد كتبي لتسويد هذا الجواب الاخير رأيت العلامة ابن حجر ذكر ما يفيده بقوله ما ورد أن المهدي هو الذي يصلى بعيسى هو الذي دلت عليه الاحاديث قال وما صححه السعد التفتازاني من أن عيسى هو الامام بالمهدى لأنه أفضل فإمامته أولى فلا شاهد له فيما علل به لان القصد بإمامة المهدي بعيسى انما هو اظهار أنه نزل تابعا لنبينا بشريعته غير مستقل بشيء من شريعة نفسه واقتداؤه ببعض هذه الامة مع كونه أفضل من ذلك الامام الذي اقتدى به فيه من اذاعة ذلك واظهاره ما لا يخفى على أنه يمكن الجمع بأن يقال ان عيسى يقتدى بالمهدى أولا لإظهار ذلك الغرض ثم بعد ذلك يقتدى المهدي به على أصل القاعدة من اقتداء المفضول بالفاضل وبه يجتمع القولان وبهذا الجواب يجاب عن الاعتراض الأخير في دفع التنافي بين الصلاتين

↑صفحة ٦١↑

وقد تم بهذا الجمع بين كلام العارف واذا أمكن الجمع والوصل فلا ينبغي التورك لا سيما من مثل هذا المحقق على هذا العارف خصوصا وكلام العارفين حجة في التصحيح للحديث أو ضعفه وقد سبق للعلامة المعترض نقلا عن بعض المحققين أن المهدي يحرم عليه القياس وكذلك أهل الله العارفون لشهودهم للنبي يقظة ومشافهة فهم مطلعون على صحة الحديث وضعفه ولذلك قال سيدى أحمد بن المبارك في كتابه الابريز كنا معاشر العلماء نعرض كتب السنة على سيدى عبد العزيز الدباغ وهو أمي ويبين لنا الحديث الصحيح من غيره فكنا نجد ما يخبر بعدم صحته منصوصا كذلك للحفاظ اذا علمت ذلك في كلام الاستاد حجة لا يعارضه غيره وجاء في بعض الروايات أنه ينادى عند ظهوره فوق رأسه ملك هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه فتقبل عليه الناس ويشربون حبه وأنه يملك الأرض شرقها وغربها وأن الذين يبايعونه أوّلا بين الركن والمقام بعدد أهل بدر ثم تأتيه أبدال الشام ونجباء مصر وعصائب أهل الشرق وأشباههم ويبعث الله له جيشا من خراسان برايات سود نصرة له ثم يتوجه الى الشام وفي رواية الى الكوفة والجمع ممكن ان الله تعالى يؤيده بثلاثة آلاف من الملائكة وان أهل الكهف من أعوانه قال الاستاذ السيوطي وحينئذ فسرّ تأخيرهم الى هذه المدة اكرامهم بشرفهم بدخولهم في هذه الامة أي واعانتهم للخليفة الحق وأن على مقدمة جيشه جبريل وميكائيل على ساقته وأنه يكون بعد موت المهدي القحطاني وهو رجل من أهل اليمن يعدل في الناس ويسير سير المهدي أما حديث أنه (صلى الله عليه وسلم) قال لا يزداد الامر الاشدّة ولا الدنيا الا ادبارا ولا الناس الا شحا ولا تقوم الساعة الا على شرار الناس ولا مهدى الا عيسى بن مريم فتكلم فيه وعلى تقدير صحته لا مهدى معصوم الا عيسى أو لا مهدى على الاطلاق سواه يأتي بعده قال ابن حجر في الصواعق الاظهر أن خروج المهدي قبل نزول عيسى وأن ظهوره بعد أن يكسف القمر في أوّل ليلة من رمضان وتكسف الشمس في النصف منه فان مثل ذلك لم يوحد منذ خلق الله السموات والارض اهـ صبان والله أعلم وفي شرح الشيخ الشرقاوي على ورد الاستاذ البكري ينزل عيسى في زمانه بالمنارة البيضاء شرق مسجد دمشق والناس في صلاة العصر فيتنحى له الامام فيتقدم فيصلى بالناس يؤم الناس بسنة محمد (صلى الله عليه وسلم) قال والمراد بالإمام أمير المهدي على دمشق وأما هو ففي بيت المقدس ثم يذهب عيسى الى بيت المقدس فيقتدى بالمهدى في صلاة الصبح قال وقيل ان مدّة المهدي أربعون سنة يجتمع مع عيسى في سبع سنين أو تسع ويتقدّم عليه بأكثر من ثلاثين سنة ويتأخر عنه عيسى ببضع وثلاثين سنة لان مدّة مكثه خمس وأربعون سنة قال وهذا لا يعارض ما تقدّم من أن غاية مكث المهدي تسع سنين قال لان التسع هي التي ينفرد فيها بملك الأرض كلها وان كان ملكه من ابتداء الأربعين ومولده بالمدينة وقيل ببلاد الغرب ثم يهاجر من المدينة الى بيت المقدس قال وأحاديثه بلغت مبلغ التواتر المعنوي فلا معنى لإنكارها قال وأماما ورد من أنه لا مهدى الا عيسى بن مريم فهو مع كونه ضعيفا عند الحفاظ مؤوّل بأن المعنى لا مهدى معصوم مطلقا الا عيسى أو المعنى لا قول للمهدى الا بمشورة عيسى بناء على أنه من وزرائه اهـ وقال في محل آخر وتدخل سائر الملوك في طاعته وعند مبايعته في المرة الأولى يكون عمره خمسا وعشرين سنة وقيل بل أكثر من سبعمائة سنة وقال في محل آخر بعد نقله عبارة العارف ابن العربي المتقدّمة وهى قوله يفرح به عامة المسلمين ويبايعه العارفون بالله من أهل الحقائق وله رجال الهيون يقيمون دعوته وينصرونه هم الوزراء الى أن قال وهم تسعة على أقدام رجال من الصحابة لهم حافظ من غير جنسهم ما عصى الله قط هو أخص الوزراء وأفضل الامناء قال اهـ قال وذلك الحافظ هو عيسى فيكون هو وزيره الأخص في بعض المدة وان انفرد بعده وهو ليس من جنس الوزراء لانهم من الاعاجم يعنى الفرس وعيسى من بنى اسرائيل اهـ وللقطب الشعراني في كتابه بهجة النقوس والاسماء قال أخبرني سيدى حسن العراقي بأنه اجتمع بالإمام المهدي بجامع بنى أمية ولقنه الذكر وأمره بصيام يوم وافطار يوم وأن يصلى كل ليلة خمسمائة ركعة أبدا ما عاش وأمره أن يسيح في البلاد قال فخرجت بعد

↑صفحة ٦٢↑

الى الشام سائحا فسحت سبعا وخمسين سنة حتى وصلت سد اسكندر ذي القرنين ومسكت القفل بيدي الى أن قال وقال لي المهدي عمرى الآن مائة وسبع وثلاثون سنة اهـ فلينظر هذا مع الذي سبق نقله للعلامة الصبان في عمره وكذلك العلامة الشرقاوي.
(الفصل الثالث في الدجال)
(اعلم) أنهم اختلفوا في موضع خروج الدجال فقال قوم يخرج من المشرق من أرض خراسان وقالت طائفة يخرج من يهود أصفهان وقال قوم يخرج من أرض الكوفة واختلفوا في اتباعه فقيل اليهود والنساء المومسات وأولادهن أي أولاد الزنا وقيل أغلب أتباعه اليهود قال العارف الشعراني روى أن رجلا أتى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال يا رسول الله أخبرني عن الدجال أ من ولد آدم هو أو من ولد ابليس قال هو من ولد آدم وأمه من ولد ابليس وهو على دينكم معشر اليهود وهذا يفيد أن السائل كان يهوديا وقال العارف أيضا قال بعضهم ان الدجال لم يولد وسيولد آخر الزمان قال القرطبي رحمه الله والاول أصح اهـ يعنى وجوده في زمنه عليه الصلاة والسلام وقال العارف أيضا وقد اختلف الناس في أمر الدجال اختلافا كثيرا لما يقع على يديه من الخوارق التي تنافى حال الكذابين مع أنه كذاب قال: قال بعض العلماء والذى عندي أنه فتنة امتحن الله بها عباده المؤمنين فيهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة وقد امتحن الله قوم موسى في زمانه بالعجل فافتتن به قوم فهلكوا ونجا من هداه الله وعصمه منهم هذا كله بناء على الاصح من وجوده في حياة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) لا أنه يوجد آخر الزمان قال وهب علامة خروجه أن تهب ريح عاصفة كما هبت في أيام عاد وعلامة ذلك ترك الناس فعل الخير وتركهم الامر بالمعروف والنهى عن المنكر وسفك الدماء واستحلال الزنا وشرب الخمر واشتغال الرجال بالرجال كفعل قوم لوط فعند ذلك يخرج الدجال على حمار مطموس العين مشوّه الوجه طويل الانف مكسور الطرف محدودب الظهر يخرج منه الحيات والعقارب معه جميع آلات السلاح ويمد يده تقرض السحاب ويخوض البحار من طوله ولا يتبعه من الدواب الا الحمار وأكثر جيشه أولاد الزنا وأهل الغضب والشقاوة والسحرة وأما المؤمنون فيصيرون في هم ونكد وحزن لتركهم المساجد ومكثهم في بيوتهم من أجل هذا الكافر والشمس تطلع في ذلك اليوم على ألوان مختلفة مرة حمراء ومرة بيضاء ومرة سوداء ومرة صفراء والارض تتزلزل والمسلمون صابرون حتى يسمعوا بقدوم المهدي فيستبشرون بقدومه * وفي رسالة الشيخ الصبان وفي مسند أحمد من حديث جابر يخرج الدجال في خفة من الدين وادبار من العلم أربعون ليلة يسيحها في الارض أوّل يوم منها كالسنة وثاني يوم كالشهر وثالث يوم منها كالجمعة وسائر أيامه كأيامكم هذه وله حمار يركبه ما بين أذنيه أربعون ذراعا فيقول للناس أنا ربكم وربكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب يرد كل ماء ومنهل الا المدينة ومكة حرمهما الله تعالى عليه وقامت الملائكة بأبوابهما ومعه جبال من خبز والناس في جهد الا من اتبعه ومعه نهران أنا أعلم بهما منه نهر يقول الجنة ونهر يقول النار فمن أدخله الذي يسميه الجنة فهو في النار ومن أدخله الذي يسميه النار فهو في الجنة قال وتبعث معه شياطين تلكم ومعه فتنة عظيمة يأمر السماء فتمطر فيما يرى الناس ويقتل نفسا ويحييها فيقول هل يفعل مثل هذا الا الرب فيفر الناس الى جبل الدخان بالشام فيحاصرهم فيشتد حصارهم وفي رواية أن الدجال يخرج من أصبهان ومعه تسعون ألفا من اليهود وهو أشد فتنة على الناس اسمه المسيح بالحاء المهملة لأنه يمسح الأرض في أربعين يوما والمسيخ بالخاء المعجمة لأنه ممسوخ احدى عينيه ولا يستقر عوره فتارة يكون في اليمنى وتارة يكون في اليسرى وله جبال من الحبوب حتى الفول ومعه صورة جنة ومعه صورة نار فناره جنة وجنته نار يأمر السماء أن تمطر فتمطر والأرض أن تنبت فتنبت يدخل سائر الأرض الا بيت المقدس ومكة والمدينة وجبل الطور

↑صفحة ٦٣↑

يخرج له رجل من المدينة فيقول له أتؤمن فيقول لا فيأمر بقتله ثم يحييه ويقول له أ تؤمن فيقول لا ما ازددت فيك الا يقينا فيلقيه في نار فتصير عليه جنة قيل ان ذلك الرجل هو الخضر والصحيح انه غيره ولم يسلط على غيره وأوّل يوم من أيامه كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وبقية أيامه كأيامنا هذه قالوا يا رسول الله ما نفعل في هذه الأيام الطوال قال اقدر والها أوقاتا باجتهاد كم لأجل العبادات وبالسند الى البغوي عن أسماء بنت يزيد الانصارية قالت كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في بيتي ذات يوم فذكر الدجال فقال ان بين يديه ثلاث سنين سنة تمسك السماء ثلث قطرها والارض ثلث نباتها والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها والارض ثلثي نباتها والسنة الثالثة تمسك السماء قطرها والارض نباتها كله فلا يبقى ذات ظلف ولا ذات خف من البهائم إلّا هلكت وان من أشد فتنته أن يأتي الاعرابي فيقول له أرأيت ان أحييت لك ابلك أ لست تعلم أنى ربك فيقول بلى فيمثل له نحو ابله أحسن ما كانت ضروعا وسمنة ويأتي الرجل قد مات أخوه وأبوه فيقول أ رأيت ان أحييت لك إياك وأخاك أ لست تعلم أنى ربك فيقول بلى فتتمثل له الشياطين نحو أخيه وأبيه ثم خرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لحاجته ثم رجع والقوم في غم مما حدثهم به فقال ان يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه والا فان ربى خليفتي على كل مؤمن قالت أسماء فقلت يا رسول الله انا لنعجن عجينا فما نخبزه حتى نجوع فكيف بالمؤمنين قال يجزيهم ما يجزى أهل السماء من التسبيح والتقديس اهـ واختلف في اسمه فقال قوم هو صائف بن صائد اليهودي ولد في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فكان أحيانا في مهده ينبو وينتفخ في بيته حتى يملأه* وروى أن اسمه عبد الله وكان يلعب مع الصبيان فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) أتشهد أنى رسول الله فقال أ تشهد أنى رسول الله* وقيل ان يهود يا اسمه صياد مكث أربعين سنة لا تلد زوجته فولد هذا الدجال فبلغ سيد المرسلين (صلى الله عليه وسلم) أمره فذهب عليه الصلاة والسلام اليه واستتر بجذوع النخل وتزاوى عنه هو ومن معه من أصحابه حتى وصل اليه فنادته أمه يا صائف هذا محمد عند رأسك فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أ تؤمن بي فقال لا أنت رسول الاميين فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد خبأت لك خبأ أي أعددت لك أمرا فقال الدخ الدخ فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) اخسأ ولن تعد قدرك ومعناه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد أضمر له في نفسه قوله تعالى ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي اَلسَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ لدعواه علم الغيب فلم يعلم وانما قال الدخ وذلك اختطاف له من الشياطين لكونهم يلقون اليه بعض الكلام لكن ان قلت ان النبي معصوم من اطلاع الشياطين على ما في سره أجاب عن ذلك شراح الحديث بأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أخبر الذين معه من الصحابة بأنه أضمر في نفسه له هذه لآية ففهم الشياطين من الصحب لا من النبي (صلى الله عليه وسلم) وألقوها عليه فلم يفهم الدجال الا قوله الدخ فلذلك قال له النبي (صلى الله عليه وسلم) ما تقدم فقال عمر رضي الله تعالى عنه أ أقتله يا رسول الله فقال (صلى الله عليه وسلم) دعه ان يكنه فلن تسلط عليه والا يكنه فلا خير لك في قتله وفي حاشية العلامة السجاعي على ابن عقيل عند قول ابن مالك ومن مضارع لكان الخ قال وفي الكرماني أنه (صلى الله عليه وسلم) انما قال ان يكنه لأنه اذ ذاك لم يكن قد اتضح له أمره وفي القسطلاني ان هذا تزوّج وولد له ودخل مكة والمدينة وأسلم ومات مسلما بالطائف أي فهو غير الدجال الآتي آخر الزمان اهـ ثم دعا النبي الله سبحانه وتعالى أن يرفعه من الحجاز فرفعه الى جزيرة من جزائر البحر الى وقت خروجه ويدل لذلك ما روى عن فاطمة بنت قيس قالت ان تميما الداري حدّث النبي (صلى الله عليه وسلم) انه ركب سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من أهل الشام في نفر من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهرا في البحر فأووا الى جزيرة فدخلوا فيها فلقيتهم دابة أهلب كثيرة الشعر لا يعرفون قبله من دبره من كثرة الشعر قالوا ويلك ما أنت قالت أنا الجساسة قالوا فاخبرينا قالت ما أنا بمخبرتكم ولكن ائتوا رجلا في هذا الدير فانه الى رؤيتكم بالأشواق قالوا فلما سمعت لنا رجلا فزعنا منها أن تكون شيطانة فانطلقنا حتى دخلنا الدير فاذا فيه انسان عظيم رأيناه خلقا في أشد وثاق مجموعة

↑صفحة ٦٤↑

يداه الى عنقه ما بين ركبتيه الى كعبيه بالحديد قلنا ويلك من أنت قال قد قدرتم على خبري فأخبروني من أنتم قالوا نحن ناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فلعب بنا الموج شهرا فدخلنا هذه الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب فقالت أنا الجساسة اعمدوا الى هذا الرجل الذي في الدير فأقبلنا اليك سراعا فقال أخبروني عن نخل شنان هل تثمر قلنا نعم قال أما انها سيوشك ان لا تثمر قال أخبروني عن بحيرة طبرية هل فيها ماء قلنا هي كثيرة الماء قال أما ان ماءها يوشك أن يذهب قال أخبروني عن عين زعر هل في العين ماء وهل يزرع أهلها بماء العين قلنا نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها قال أخبروني عن النبي الأمين ما فعل قلنا قد خرج من مكة ونزل بيثرب قال أقاتله العرب قلنا نعم قال كيف صنع بهم فأخبرناه انه قد ظهر على من يليه من العرب فأطاعوه قال اما ان ذاك خير لهم أن يطيعوه وأنى أخبركم عنى أنى المسيح يوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج وأسيح في الأرض فلا أدع قرية الا أهبطها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فهما محرمان عليّ انتهى* وقوله غير مكة وطيبة يدل له ما رواه الامام البخاري كما في المواهب عن أبى بكرة رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان قال الشارح أي يحميانها منه وفي المواهب اللدنية أيضا وقد استنبط العارف بالله ابن أبى جمرة من قوله عليه الصلاة والسلام المروى في البخاري ليس من بلد إلّا سيطؤه الدجال الا مكة والمدينة التساوي بين مكة والمدينة حيث قال وظاهر هذا الحديث يعطى التسوية بينهما في الفضل لان جميع الأرض يطؤها الدجال الاّ هذين البلدين فدل على تسويتهما في الفضل قال شارحها العلامة الزرقاني وقوله ليس من بلد قال الحافظ هو على ظاهره وعمومه قال وبقية الحديث ليس من نقابهما نقب الا عليه الملائكة صافين يحرسونهما الا ان قوله أخبروني عن بحيرة طبرية فأجابه الصحب بقولهم هي كثيرة الماء ينافيه ما ذكره شراح الهمزية وخلافهم من ذهاب مائها ببعثة النبي (صلى الله عليه وسلم) اللهم الا أن يقال لعل المراد بالذهاب ذهاب البعض والله أعلم بالحقيقة وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.
(الفصل الرابع في نزول عيسى بن مريم (عليه السلام))
قال الامام المناري في جواهر العقدين وفي مسلم في حديث خروج الدجال فيبعث الله عيسى بن مريم فيطلبه فيهلكه ثم يمكث الناس سبع سنين ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال حبة من خير أو ايمان الا قبضته الحديث وقال أيضا وأخرج النسائي عنه (صلى الله عليه وسلم) لن تهلك أمة أنا اوّلها ومهديها وسطها والمسيح ابن مريم آخرها ونزول عيسى بن مريم من على المنارة البيضاء شرق دمشق آخر الليل ويأتيه المهدي فيجتمع عليه ويطلبه الناس وقت الصبح فيمتنع ويقول امامكم منكم فيتقدم المهدي ويصلى بعيسى تكرمة لهذه الامة ونبيها ثم يسير عيسى والمهدى في أثر الدجال فيفر منهم هاربا فيلحقه عيسى عند باب لد قريبا من الرملة فيضربه بحربة ويذبحه بسكين ويقتل من معه من اليهود حتى لا تبقى شجرة إلّا نادت يا مسلم خلفي يهودي ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ولا يقبل الجزية اذ هي مغياة بنزوله ويكثر الامن والامان في زمنه حتى تلعب الصبيان بالحيات والآفات فلا تضرها وتلعب الذئاب مع الغنم وتفتح كنوز الارض ويكثر الخصب والرخاء ويباع الثور بمائة دينار لكثرة الزرع والفرس بدينار واحد لقلة الجهاد وتخرج المرأة من المدينة الى الكوفة ومن مصر الى السويس لا تحمل زادا معها لكثرة ما تنبت الارض من الخير والبركة والقطف العنب يكفى عشرة أنفار والرمانة كذلك وفي رواية يأمر الله جبريل (عليه السلام) ان يهبط بعيسى بن مريم (عليه السلام) الى الارض وهو يومئذ في السماء الثانية فيأتي اليه ويقول يا روح الله وكلمته ربك يقرئك السلام ويأمرك بالنزول الى الارض فينزل ومعه سبعون ألفا من الملائكة وعلى رأسه عمامة خضراء وقيل سوداء وهو متقلد بسيف

↑صفحة ٦٥↑

راكب على فرس من الجنة وبيده حربة فاذا نزل الى الارض نادى مناد من السماء جاءكم الحق وزهق الباطل فأول من يسمع بذلك المهدي فيسير اليه ويسلم عليه ويذكر له الدجال فيسير عيسى (عليه السلام) اليه فاذا نظره الدجال يرعد كما ترعد السعفة في الريح العاصف فيأتيه عيسى (عليه السلام) وبيده الحربة فاذا رآها الدجال يذوب كما يذوب الرصاص فيقول له عيسى (عليه السلام) ألست أنك عملت اليوم عملا سيئاً فادفع اليوم عن نفسك القتل ثم يطعنه بالحربة فيخر ميتا ثم يضع المهدي وأصحابه السيف في أصحاب الدجال فيقتلونهم عن آخرهم ثم يضع عيسى (عليه السلام) العدل في الارض الى آخر ما تقدم وجاء عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال ان عيسى نازل فيكم وهو خليفتي عليكم فمن أدركه فليقرئه سلامى فانه يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويحج في سبعين ألفا فيهم أصحاب الكهف فانهم يحجون ويتزوج امرأة من الأزد وفي النفراوي على الرسالة ان عيسى (عليه السلام) ينزل عند المنارة البيضاء شرق دمشق بين مهرودتين بالدال المهملة او الذال المعجمة ومعناه انه لا بس ثوبين مصبوغين بورس ثم قال واضعا كفيه على أجنحة ملكين اذا طاطا رأسه كبر واذا رفع رأسه تحدر منه الماء كاللؤلؤ في صفائه وانعقد الاجماع على ان عيسى (عليه السلام) متبع لهذه الشريعة المحمدية ليس بصاحب شريعة مستقلة عند نزوله لأنه (عليه السلام) لا ينقص عن رتبة الاجتهاد المطلق واستنباط أحكام من القرآن والسنة وفي بعض الآثار أنه يتزج ويولد له لتحقق التبعية ثم يموت ويدفن في روضة النبي (صلى الله عليه وسلم) والناس في زمانه في أمن وخصب روى مسلم أنه يقال للأرض أنبتي ثمرك لأوليائنا وتأكل العصابة من الرمانة ويتظللون بقحفها بكسر القاف وهو قشرها ويبارك الله في اللبن حتى ان الناقة لتكفي الجماعة الكثيرة من الناس ويقع الامن في زمانه حتى يرعى الاسد مع الابل والنمر مع البقر والذئب مع الغنم ويلعب الصبيان بالحيات ولا يصاب أحد منهم ويتسلم الامر من المهدي ويكون المهدي مع أصحاب الكهف الذين هم من أتباع المهدي من جملة أتباعه ويصلى عيسى وراء المهدي صلاة الصبح وذلك لا يقدح في قدر نبوته ويسلم المهدي لعيسى الامر ويقتل الدجال ويموت المهدي ببيت المقدس وينتظم الامر كله لعيسى ويمكث في الارض بعد نزوله أربعين سنة ثم يموت ويصلى عليه المسلمون* وسئل الجلال السيوطي عن حياة عيسى ومقره فقال هو حي في السماء الثانية لا يأكل ولا يشرب ملازم للتسبيح كالملائكة قال العلامة النفراوي وسئل شيخنا الاجهوري هل ينزل عليه جبريل بعد نزوله من السماء فأجاب بانه ينزل عليه كما في حديث مسلم من قوله فأوحى الله الى عيسى أنى قد أخرجت عباد الخ فانه ظاهر في نزول جبريل اليه وأما حديث الوفاة من قوله (عليه السلام) هذا آخر وطأتي في الارض فضعيف ونقل بعض المحدثين أن عيسى نزل الى الارض بعد الرفع في حياة أمه وخالته ليسكنهما باخبارهما بحاله ثم رفع حتى ينزل الى آخر الزمان قال وسئلت عن حاله في السماء هل هو مكلف أم لا فأجبت بعدم تكليفه أخذا من قول السيوطي هو ملازم للتسبيح كالملائكة وحرر المسئلة والحكمة في نزول عيسى دون غيره من الانبياء الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه فبين الله كذبهم انتهى نفراوي باختصار وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم وشرف وكرم وعظم.

↑صفحة ٦٦↑

الاذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة السيد محمد صديق خان بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني أبو الطيب البخاري القنوجي الهندي (١٢٤٨ - ١٣٠٧)

ولد في قنوج بالهند وتعلم في دلهي وسافر الى بهوبال طلبا للمعيشة، ففاز بثروة وافرة.
قال في ترجمة نفسه.
«ألقى عصا الترحال في محروسة بهوبال فأقام بها وتوطن وتمول، واستوزر وناب وألف وصنف».
وتزوج بملكة بهوبال وناب عنها ولقب بنواب عالي الجاه الأمير الملك بهادر، وجمع مكتبة نفيسة وصار من رجال النهضة الاسلامية المجددين.

↑صفحة ٦٧↑

له آثار قيمة حول العلوم والمعارف الاسلامية بالعربية والفارسية والهندية، منها:
«حسن الأسوة، فيما ثبت عن الله ورسوله في النسوة» «ابجد العلوم» «فتح البيان، في مقاصد القرآن» عشرة اجزاء في التفسير، «لف القماط» في اللغة، «حصول المأمول من علم الأصول»، «عون الباري، في الحديث»، «خلاصة الكشاف في اعراب القرآن»، «الاقليد في أدلة الاجتهاد والتقليد» وغيرها مما طبع أكثرا في الهند والقاهرة وبيروت.
ومنها:
«الاذاعة...» وهذا الكتاب كما يحكي اسمه عن محتواه مشتمل على الملاحم والفتن قبل القيامة عموما وعلى البحث وذكر قسم من الاحاديث الواردة حول ظهور القائم من آل محمد خصوصا، طبع أولا في بهوبال سنة ١٢٩٣ هـ وثانيا في ١٣٧٩ بالقاهرة في مطبعة مؤسسة السعودية، فانه عقد له فصلا من ص ١١٢ الى ص ١٦٤
وفي الحقيقة انه رد على ابن خلدون في تعرضه لموضوع المهدي وانكاره تواتر الاحاديث الواردة وعدم تسلمه لإفادة ظهور القائم (عليه السلام).
فكتب السيد محمد صديق هذا الفصل في اثبات صحة الاحاديث المربوطة بالمهدي المنتظر وتواتره بأحسن بيان.
 

قرة الاعيان ومسرة الاذهان، في مآثر محمد صديق حسن خان، آداب اللغة لجرجي زيدان ٤/٢٣٨، الاعلام للزركلي ٧/٣٦، فهرس الفهارس ١/٢٦٩، معجم المؤلفين ١٠/٩٠، معجم المطبوعات ٢/١٢٠١ - ١٢٠٥، ايضاح المكنون ١/١٠، واكثر من عشرين موضعا اخرى من الكتاب، هدية العارفين ٢/٣٨٨، اكتفاء القنوع ١٠٦ - ٣١٣ - ٤٩٧.

↑صفحة ٦٨↑

هوية الكتاب
الاذاعة لما كان وما يكون بين يدى السّاعة
تأليف السيّد محمّد صدّيق حسن القنوجى البخاري، رحمه الله ١٣٤٨ - ١٣٠٧
طبع على نفقة المكتبة العلية بالمدينة المنورة لصاحبها الشيخ: محمد بن سلطان النمنكاني
مطبعة المدني المؤسّسة السعوديّة بمصر ٢٩٥ ش رمسيس - القاهرة ت ٤٠٨٥١

↑صفحة ٦٩↑

باب في الفتن العظام والمحن التي تعقبها الساعة وهى أيضا كثيرة جدا
منها المهدي الموعود المنتظر الفاطمي، وهو أولها، والأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها كثيرة جدا، تبلغ حد التواتر، وهى في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد.
وقد أوضح القول فيها القاضي مؤيد الدين عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي المغربي في كتابه «العبر وديوان المبتدأ والخبر» حيث قال: يحتجون في الباب بأحاديث خرجها الأئمة، وتكلم فيها المنكرون لذلك، وربما عارضوها ببعض الأخبار، وللمنكرين فيها من المطاعن فإذا وجدنا طعنا في بعض رجال الأسانيد، بغفلة أو بسوء حفظ أو ضغط أو سوء رأى تطرق ذلك إلى صحة الحديث، وأوهن منها إلى آخر ما قال.
وليس كما ينبغي، فإن الحق الأحق بالاتباع، والقول المحقق عن المحدثين، المميزين بين الدار والقاع أن المعتبر في الرواة، ورجال الأحاديث أمران لا ثالث لهما، وهما الضبط والصدق، دون ما اعتبره عامة أهل الأصول من العدالة وغيرها، فلا يتطرق الوهن إلى صحة الحديث بغير ذلك، كيف ومثل ذلك يتطرق إلى رجال

↑صفحة ٧٠↑

الصحيحين، وأحاديث المهدي عند الترمذي، وأبى داود، وابن ماجه والحاكم، والطبراني، وأبى يعلى الموصلي وأسندوها إلى جماعة من الصحابة فتعرض المنكرين لها ليس كما ينبغي.
والحديث يشد بعضه بعضا ويتقوى أمره بالشواهد والمتابعات وأحاديث المهدي بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف وأمره مشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار، وأنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت النبوي يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون، ويستولى على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدى.
ويكون خروج الدجال، وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأن عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال أو ينزل معه فيساعده على قتله ويأتم بالمهدى في صلواته إلى غير ذلك.
وأحاديث الدجال، وعيسى أيضا بلغت حد التواتر والتوالي، ولا مساغ لإنكارها كما بين ذلك القاضي العلامة محمد بن على الشوكاني اليمنى رحمه الله تعالى في التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر، والدجال، والمسيح.
قال: والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثا فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهى متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما هو

↑صفحة ٧١↑

دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدى فهي كثيرة أيضا، لها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك، انتهى.
وقد جمع السيد العلامة بدر الملة المنير محمد بن اسماعيل الأمير اليماني الأحاديث القاضية بخروج المهدى، وأنه من آل محمد (صلى الله عليه وسلم)، وأنه يظهر في آخر الزمان، ثم قال: ولم يأت تعيين زمنه إلا أنه يخرج قبل خروج الدجال، انتهى.
وتكلم في الإشاعة في المهدي في مقامات:
الأول: في اسمه ونسبه ومولده ومبايعته ومهاجره وحيلته وسيرته.
والثاني: في العلامات التي يعرف بها، والأمارات الدالة على قرب خروجه (عليه السلام).
والثالث: في الفتن الواقعة قبل خروجه.
ثم ذكر الفتن والملاحم الواقعة في زمنه (عليه السلام)، وهى من أشراطها العظام القريبة.
وأما نحن فنسوق الأحاديث الثابتة في المهدي هنا مساقا واحدا تقريبا إلى فهم العوام، لأنا قد قضينا الوطر من هذا المرام في كتابنا الكبير المسمى ب[حجج الكرامة في آثار القيامة]، فلا نعيد الكلام.

↑صفحة ٧٢↑

نعم نوضح في مطاوي سردها حال الرواية والراوي جرحا وتعديلا، تتميما للفائدة، وتكميلا للعائدة، فنقول وبالله أجول وأصول.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لا تذهب الدنيا ولا تنقضي حتى تملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمى، أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي.
وعنه أيضا بلفظ «يلى رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمى لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلى» وزاد أبو داود «حتى يبعث الله فيه رجلا من أمتى أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمى واسم أبيه اسم أبى، وسكت عليه، وقال في رسالته المشهورة: إن ما سكت عليه فهو صالح. وكلاهما حديث حسن صحيح، ورواه أيضا من طريق موقوفا على أبى هريرة.
وقال الحاكم رواه الثوري وشعبة وزائدة، وغيرهم من أئمة المسلمين عن عاصم قال: وطرق عاصم عن زر(٦) عن عبد الله بن مسعود كلها صحيحة على ما أصلت من الاحتجاج بأخبار عاصم، إذ هو إمام من أئمة المسلمين، انتهى.
وقال فيه أحمد بن حنبل: كان رجلا صالحا قارئا للقرآن، خيرا ثقة، والأعمش أحفظ منه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦) هو زر بن حبيش.

↑صفحة ٧٣↑

وكان شعبة يختار الأعمش عليه في تثبيت الحديث. وقال العجلى: كان يختلف عليه في زر وأبى وائل. يشير بذلك إلى ضعف روايته عنهما.
وقال محمد بن سعد: كان ثقة إلا أنه كثير الخطأ في حديثه.
وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه اضطراب.
وقال عبد الرحمن بن أبى حاتم، قلت لأبى: إن أبا زرعة يقول:
عاصم ثقة، فقال: ليس محله هذا، وقد تكلم فيه ابن علية فقال كل من اسمه عاصم سيئ الحفظ.
وقال أبو حاتم: محله عندي محل الصدق صالح الحديث، ولم يكن بذاك الحافظ. واختلف فيه قول النسائي.
وقال ابن خراش: في حديثه نكرة. وقال أبو جعفر العقيلي:
لم يكن فيه إلا سوء الحفظ. وقال الدارقطني: في حفظه شيء.
وقال يحيى القطان: ما وجدت رجلا اسمه عاصم إلا وجدته رديء الحفظ، وقال أيضا: سمعت شعبة يقول: حدثنا عاصم بن أبى النجود، وفي الناس ما فيه.
وقال الذهبي: ثبت في القراءة، وهو في الحديث دون الثبت صدوق فهم، وهو حسن الحديث.
وأخرج الشيخان له مقرونا بغيره، ولم يزد في الخلاصة على قوله: عاصم بن أبى النجود في ابن بهدلة ورمز لإخراج السنة له.
وعن أم سلمة رضي الله عنها بلفظ «المهدى من عترتي، من ولد

↑صفحة ٧٤↑

فاطمة». رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم في المستدرك من طريق على بن نفيل، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة، ولفظه سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، يذكر المهدى، فقال: «هو حق، وهو من بنى فاطمة» ولم يتكلم عليه بتصحيح ولا عيره وقد ضعفه أبو جعفر العقيلي. وقال: لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به.
وفي الخلاصة: على بن نفيل النهدي أبو محمد الحراني عن ابن المسيب، وعنه الثوري، وأبو المليح الرقى، قال أبو حاتم: لا بأس به، قال أبو عروبة: مات سنة خمس وعشرين ومائة، أخرج له أبو داود وابن ماجه.
وعن على بن أبى طالب رضي الله عنه بلفظ «المهدى من أهل البيت يصلحه الله في ليلة» أخرجه أحمد وابن ماجه من رواية ياسين العجلى، عن ابراهيم بن محمد ابن الحنفية، عن أبيه عن جده.
وفي رواية «يصلح الله به في ليلة».
والعجلى قال فيه ابن معين: ليس به بأس.
وقال البخاري: فيه نظر، ونحوه في الخلاصة، وزاد. أخرج له ابن ماجه، وأورد له بن عدى في الكامل، والذهبي في الميزان هذا الحديث على وجه الاستنكار، وقال: هو معروف.
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه

↑صفحة ٧٥↑

وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام، فيبعث إليه بعث من الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال أهل الشام، وعصائب أهل العراق فيبايعونه، ثم ينشأ رجل من قريش أحواله كلب، فيبعث إليهم بعثا فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال ويعمل في الناس بسنة نبيهم (صلى الله عليه وسلم) ويلقى الإسلام بحرانه إلى الأرض فيلبث سبع سنين».
وقال بعضهم: تسع سنين، ثم يتوفى ويصلى عليه المسلمون، أخرجه أحمد، ورواه أبو داود أيضا من رواية صالح بن الخليل عن صاحب له، عن أم سلمة، ثم رواه أبو داود من رواية ابن الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم سلمة. فبين بذلك المبهم في الإسناد الأول ورجاله رجال الصحيح، لا مطعن فيهم، ولا مغمز.
وقد يقال: إنه من رواية قتادة عن ابن الخليل، وقتاده مدلس، وقد عنعنه. والمدلس: لا يقبل من حديثه إلا ما صرح فيه بالسماع.
والحديث وان كان ليس فيه تصريح بذكر المهدى، إلا أن أبا داود ذكره في أبوابه، ورواه الحاكم في المستدرك أيضا.
قال الشوكاني: وفي الصحيح أيضا طرف منه، وأخرجه أيضا الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح.
وفي الخلاصة: صالح بن خليل في ابن أبى مريم أخرج له الستة،

↑صفحة ٧٦↑

وقتادة بن دعامة السدوسي ابن الخطاب البصرى أحد الأئمة الأعلام حافظ مدلس. قال ابن المسيب: ما أتاني عراقي أحفظ منه. وقال ابن سيرين: قتادة أحفظ الناس. وقال ابن مهدى: أحفظ من خمسين مثل حميه، وقد احتج به أرباب الصحاح.
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «يسير ملك المشرق إلى المغرب فيقتله، فيبعث جيشا إلى المدينة فيخسف بهم، فيعوذ عائذ بالحرم فيجتمع الناس إليه كالطير الواردة المتفرقة، حتى يجمع إليه ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا فيهم نسوة فيظهر على كل جبار، وابن جبار ويظهر من العدل ما يتمنى له الأحياء أمواتهم، فيحيا سبع سنين، ثم ما تحت الأرض خير مما فوقها» أخرجه الطبراني في الأوسط، وفي إسناده ليث بن أبى سليم وبقية رجاله رجال الصحيح.
قال في الخلاصة: قال أحمد مضطرب الحديث. وقال الدارقطني: إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاووس ومجاهد.
وعن أم سلمة أيضا بنحو ألفاظ الحديث الأول باختصار وفي الصحيح طرف منه، ورواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفي إسناده عمران القطان، وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة وبقية رجاله رجال الصحيح.
وعن أبى سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
«أبشركم بالمهدى، رجل من قريش من عترتي، يبعث على اختلاف

↑صفحة ٧٧↑

من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسم المال صحاحا. فقال له رجل: ما صحاحا؟ قال: بالسوية بين الناس، ويملأ الله قلوب أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) غناء، ويسعهم عدله حتى يأمر مناديا فينادى، فيقول: من له في مال حاجة، فما يقوم من الناس إلا رجل واحد فيقول: أنا، فيقول: ائت السادن - يعنى الخازن - فقل له: إن المهدي يأمر أن تعطيني مالا، فيقول له:
احث، حتى إذا جعله في حجره ندم، فيقول: كنت أخشع أمة محمد، فيرده، فيقال له: إنا لا نأخذ شيئا أعطيناه، فيكون كذلك سبع سنين أو تسع سنين. ثم لا خير في العيش بعده» أخرجه أحمد في المسند وأبو يعلى ورجالهما ثقات، وقد أخرجه الترمذي مختصرا.
وعن أبى سعيد أيضا بلفظ «ليقومن على أمتى رجل من أهل بيتي يوسع الأرض عدلا، كما وسعت ظلما يملك سبع سنين» أخرجه أبو يعلى، وفيه عدى بن أبى عمارة: قال العقيلي: في حديثه اضطراب وبقية رجاله رجال الصحيح، قاله الشوكاني.
وعنه أيضا بلفظ: «المهدى منى، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما يملك سبع سنين» أخرجه الحاكم في المستدرك، وأبو داود وسكت عليه واللفظ له، وهو من طريق عمران القطان عن قتادة عن أبى بصرة، وعمران مختلف في الاحتجاج به، إنما أخرج له البخاري استشهادا لا أصلا

↑صفحة ٧٨↑

وكان يحيى القطان لا يحدث عنه. وقال ابن معين: ليس بالقوى.
وقال مرة: ليس بشيء. وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث. وقال يزيد بن زريع: كان حروريا، وكان يرى السيف على أهل القبلة. وقال النسائي: ضعيف.
وقال أبو عبيد الآجري: سألت أبا داود عنه، فقال: من أصحاب الحسن، وما سمعت الأخير أو سمعته مرة أخرى ذكره، فقال: ضعيف، أفتى في أيام ابراهيم بن عبد الله بن حسن بفتوى شديدة، فيها سفك الدماء، ولكن ذلك كله لا ينافى الضبط والصدق الذين عليهما مدار الصحة والقوة، والله أعلم.
وعنه أيضا قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:
«يخرج رجل من أمتى يقول بسنتي، ينزل الله (عزَّ وجلَّ) له القطر من السماء، وتخرج له الأرض بركتها، وتملأ الأرض منه قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما، يعمل على هذه الأمة سبع سنين، وينزل بيت المقدس» أخرجه الطبراني في الأوسط، قال الشوكاني:
وفي إسناده من لم يعرف، ولكنه أخرجه الترمذي، وابن ماجه باختصار، انتهى.
قلت: قال الطبراني فيه: رواه جماعة عن أبى الصديق، ولم يدخل أحد منهم بينه وبين أبى سعيد أحدا إلا أبا الواصل، فإنه رواه عن الحسن بن يزيد عن أبى سعيد، انتهى.
وهذا الحسن بن يزيد ذكره ابن أبى حاتم، ولم يعرفه بأكثر

↑صفحة ٧٩↑

مما في هذا الإسناد من روايته عن أبى سعيد، ورواية أبى الصديق عنه، وقال الذهبي في الميزان: إنه مجهول، لكن ذكره ابن حبان في الثقات، وأما أبو الواصل الذي رواه عن أبى الصديق فلم يخرج له أحد من الستة، ذكره بن حبان في الطبقة الثانية.
وقال فيه: يروى عن أنس، وروى عنه شعبة، وعتاب بن بشر، والله أعلم.
وعنه أيضا بلفظ: «يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده» أخرجه أحمد في المسند، وليس فيه تصريح بالمهدى، ولكن يشهد له حديث جابر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «يكون في آخر أمتى خليفة يحثى المال حثيا، ولا يعده عدا» وعن أبى سعيد أيضا من طريق أخرى، قال «من خلفائكم خليفة يحثو المال حثيا».
ولكن لم يقع في هذين الحديثين أيضا ذكر المهدي ولا دليل يقوم على أنه المراد منهما، والله أعلم.
وعن ثوبان، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «يقتتل عند كنزكم هذا ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلوهم قتلا لم يقتله قوم، ثم ذكر شيئا لا أحفظه فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوا على الثلج، فإنه خليفة الله المهدى» أخرجه ابن ماجه ورجاله رجال الصحيحين إلا أن فيه أبا قلابة الجرمي، ذكر الذهبي وغيره أنه مدلس.

↑صفحة ٨٠↑

وفيه سفيان الثوري وهو مشهور بالتدليس، وكل منهما عنعن، ولم يصرح بالسماع.
وفيه عبد الرزاق بن همام، وكان مشهورا بالتشيع، وعمى في آخر وقته فخلط، قال بن عدى: حدث بأحاديث في الفضائل لم يوافقه عليها أحد، ونسبوه إلى التشيع.
وأخرجه الحاكم أيضا في المستدرك، وفي لفظ من حديثه، أخرجه الديلمي «ستطلع عليكم رايات سود من قبل خراسان فأتوها ولو حبوا على الثلج، فإنه خليفة الله المهدى».
وقد حمل قوم من علماء الهند هذا الحديث على خروج السيد أحمد البريلوي بتكلفات باردة مع أن السيد كان رجلا صالحا، حج وجاهد وغزى، ولم يدع المهدوية قط، ولم تكن تنبغي له هذه الدعوى.
وعن قرة بن إياس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
«لتملأن الأرض جورا وظلما، فإذا ملئت جورا وظلما بعث الله رجلا من أمتى اسمه اسمى، واسم أبيه اسم أبى يملأها عدلا وقسطا كما ملئت جورا فلا يمنع السماء شيئا من قطرها ولا الأرض شيئا من نباتها يلبث فيهم سبعا أو ثمانيا وتسعا - يعنى سنين -» أخرجه البزار، والطبراني في الكبير، والأوسط من طريق داود بن المحبر عن أبيه، وكلاهما ضعيف جدا.
وعن عبد الله بن الحارث بن جزء قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):

↑صفحة ٨١↑

«يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدى سلطانه» أخرجه ابن ماجه، والطبراني في الأوسط، وفيه عمرو بن جابر الحضرمي، وهو كذاب قال الطبراني: تفرد به ابن لهيعة وهو ضعيف، وإن شيخه عمرو بن جابر أضعف منه.
قال في[الخلاصة]قال النسائي: ليس بثقة، وأخرج له الترمذي وابن ماجه.
وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: حدثني خليلي أبو القاسم (صلى الله عليه وسلم): «لا تقوم الساعة حتى يخرج عليهم رجل من أهل بيتي، فيضربهم حتى يرجعوا إلى الحق. قال: قلت: وكم يملك؟ قال: خمسا واثنتين، قال قلت: وما خمسا واثنتين؟ قال: لا أدرى» أخرجه أبو يعلى، وفيه الرجا ابن الرجا، وثقه أبو زرعة، وضعفه ابن معين، وبقية رجاله ثقات، قاله الشوكاني: قلت: وفيه بشير ابن نهبك، قال فيه أبو حاتم: لا يحتج به، لكن احتج به الشيخان، ووثقه الناس، ولم يلتفتوا إلى قول أبى حاتم فيه نعم فيه رجاء اليشكري مختلف فيه، قال أبو زرعة: ثقة، وقال ابن معين:
ضعيف، وقال أبو داود مرة: صالح، ومرة ضعيف، وعلق له البخاري في صحيحه حديثا واحدا.
وعنه أيضا قال «سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:
«المحروم من حرم عليه كلب» أخرجه أحمد، وفي إسناده ابن لهيعة وهو لين، وعنه أيضا قال: ذكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم)

↑صفحة ٨٢↑

المهدى فقال: «يكون في أمتى المهدى، إن قصر فسبع وإلا فثمان وإلا فتسع، يملأ الأرض عدلا وقسطا، كما ملئت جورا وظلما» رواه البزار ورجاله ثقات، قاله الشوكاني.
وعنه أيضا كالذي قبله، وزاد فيه «تنعم أمتى فيها نعمة لم ينعموا بمثلها، ترسل السماء عليهم مدرارا، ولا تدخر الأرض شيئا من النبات والمال كدوس يقوم الرجل يقول: يا مهدى أعطني، فيقول: خذ» أخرجه الطبراني في الأوسط، والبزار في مسنده، قال الشوكاني: ورجاله ثقات، انتهى.
أقول: قال الطبراني، والبزار: تفرد به محمد بن مروان العجلى، زاد البزار: ولا نعلم أنه تابعه عليه أحد، وهو وإن وثقه أبو داود وابن حبان أيضا لما ذكره في الثقات، وقال فيه ابن معين: صالح، وقال مرة: ليس به بأس، فقد اختلفوا فيه، وقال أبو زرعة: ليس عندي بذاك، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: رأيت العجلى حدث بأحاديث وأنا شاهد لم نكتبها، تركتها على عمد، وكتب بعض أصحابنا عنه كأنه ضعفه.
وعنه أيضا بلفظ «لو لم يبق من الدنيا إلا ليلة لطول الله تلك الليلة حتى يلى رجل من أهل بيتي» أخرجه الديلمي.
وعنه أيضا بلفظ «يخرج رجل يقال له السفياني في عمق دمشق وعامة من يتبعه من كلب فيقتل حتى يبقر البطون، ويقتل الصبيان فيجمع لهم قيس فيقتلها حتى لا يمنع ذنب تلعة، ويخرج

↑صفحة ٨٣↑

رجل من أهل بيتي في الحرة فيبلغ السفياني، فيبعث إليه جندا من جنده فيهزمهم فيسير إليه السفياني بمن معه، حتى إذا صار ببيداء من الأرض خسف به، فلا ينجو منهم إلا المخبر عنهم» أخرجه الحاكم في المستدرك.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «يخرج في آخر أمتى المهدي يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطى المال صحاحا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة يعيش سبعا أو ثمانية» - يعنى حججا - أخرجه الحاكم في المستدرك ومن طريق سليمان بن عيينة عن أبى الصديق الناجي، ورواه عن أبى سعيد الخدري أيضا، وقال: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه مع أن سليمان لم يخرج له أحد من الستة، لكن ذكره ابن حبان في الثقات، ولم يرو أن أحدا تكلم فيه.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «يكون في أمتى خليفة يحثو المال في الناس حثيا لا يعده» أخرجه الدارقطني، قال الشوكاني: رجاله رجال الصحيح، انتهى. وأصله في صحيح مسلم بلفظ «في آخر أمتى».
وعن طلحة بن عبيد الله، عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال «ستكون فتنة لا يسكن عنها جانب إلا تشاجر جانب حتى ينادى منادى من السماء أميركم فلان» أخرجه الطبراني في الأوسط، وفيه

↑صفحة ٨٤↑

مثنى بن الصباح، وهو متروك وضعيف جدا، ووثقه ابن معين في رواية، وضعفه أيضا.
وليس في الحديث تصريح بذكر المهدى، وإنما ذكروه في أبوابه وترجمته استئناسا.
وعن على بن أبى طالب رضي الله عنه، أنه قال للنبي (صلى الله عليه وسلم) «أمنا المهدي أم من غيرنا يا رسول الله؟ قال: بل منا، بنا يختم الله كما بنا فتح الله، وبنا يستنقذون من الشرك وبنا يؤلف الله بين قلوبهم بعد عداوة بينة كما ألف بين قلوبهم بعد عداوة الشرك، قال على: أمؤمنون أم كافرون؟ قال مفتون وكافر» أخرجه الطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف معروف الحال وفيه عمرو بن جابر الحضرمي، وهو أضعف منه.
وقال الشوكاني: هو كذاب، وقال أحمد: روى عن جابر مناكير وبلغني أنه كان يكذب، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال:
كان ابن لهيعة شيخا أحمق ضعيف العقل، وكان يقول: على في السحاب، وكان يجلس معنا فيبصر سحابة، فيقول هذا على قد مر في السحاب.
وعنه أيضا أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «تكون في آخر الزمان فتنة يحصل الناس فيها، كما يحصل الذهب في المعدن فلا تسبقوا أهل الشام، ولكن سبوا أشرارهم فإن فيهم الأبدال، يوشك أن يرسل على أهل الشام سيب من السماء فيغرق جماعتهم

↑صفحة ٨٥↑

حتى لو قاتلتهم الثعالب غلبتهم، فعند ذلك يخرج خارج من أهل بيتي في ثلاث رايات، المكثر يقول لهم: خمسة عشر ألفا والمقلل يقول: اثنا عشر، أمارتهم أمت أمت يلقون سبع رايات تحت كل راية رجل يطلب الملك فيقتلهم الله جميعا، ويرد الله إلى المسلمين ألفتهم ونعيمهم وقاصيهم ودانيهم» أخرجه الطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف قال الشوكاني: وبقية رجاله ثقات، انتهى. ورواه الحاكم في المستدرك، وقال صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وفي رواية «ثم يظهر الهاشمي، فيرد الله الناس إلى ألقتهم، وليس في هذا الطريق ابن لهيعة، وهو إسناد صحيح كما ذكر.
وعنه أيضا من رواية أبى الطفيل عن محمد بن الحنفية قال: كنا عند على رضي الله عنه فسأله رجل عن المهدى، فقال على: هيهات ثم عقد بيده سبعا، فقال: ذلك يخرج في آخر الزمان إذا قال الرجل الله الله قتل، ويجمع الله له قوما قزع كقزع السحاب يؤلف الله بين قلوبهم فلا يستوحشون إلى أحد، ولا يفرحون بأحد دخل فيهم، عدتهم على عدة أهل بدر، لم يسبقهم الأولون ولا يدركهم الآخرون، وعلى عدد أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، قال أبو الطفيل: قال ابن الحنفية: أتريده؟ قلت: نعم، قال: فإنه يخرج من هذين الأخشبين، قلت: لا جرم والله لا أدعها حتى أموت، ومات بها، يعنى مكة، أخرجه الحاكم في المستدرك وقال:
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، انتهى.

↑صفحة ٨٦↑

وإنما هو على شرط مسلم فقط فإن فيه عمار الذهبي ويونس بن أبى إسحاق، ولم يخرج لهما البخاري، وفيه عمرو بن محمد العبقري، ولم يخرج له البخاري احتجاجا، بل استشهادا: ومع ما ينضم إلى ذلك من تشيع عمار الذهبي، وهو وإن وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي وغيرهم فقد قال على بن المديني عن سفيان أن بشر ابن مروان قطع عرقوبيه، قلت: في أي شيء؟ قال: في التشيع.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جالسا في نفر من المهاجرين والأنصار، وعلى بن أبى طالب عن يساره، والعباس عن يمينه إذ تلاقى العباس ورجل فأغلظ الأنصاري للعباس، فأخذ النبي (صلى الله عليه وسلم) بيد العباس وبيد على، فقال: سيخرج من صلب هذا من يملأ الأرض قسطا وعدلا، فإذا رأيتم ذلك فعليكم بالفتى التميمي، فإنه يقبل من قبل المشرق وهو صاحب راية المهدى» أخرجه الطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة، وعبد الله بن عمر العمى، وهما ضعيفان. قال الهيثمي في [مجمع الزوائد]: ولكن الحديث منكر، فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يكن يستقبل أحد في وجهه شيئا يكرهه، وخاصة عمه العباس الذي قال فيه إنه صنو أبيه.
وعن أبى سعيد رضي الله عنه بلفظ «إن في أمتى المهدي يخرج ويعيش خمسا أو سبعا أو تسعا. فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدى أعطني أعطني، فيحثى له في ثوبه ما استطاع أن يحمله»

↑صفحة ٨٧↑

أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن؛ وقد روى من غير وجه عن أبى سعيد عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، وأخرجه ابن ماجه والحاكم من طريق زيد العمى عن أبى الصديق الناجي.
وعن الحسين رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لفاطمة رضي الله عنها: «أبشري، المهدي منك». ذكره في كنز العمال، وقال فيه: موسى بن محمد البلعادي عن الوليد بن محمد الموقري، وهما كذابان.
وعن حذيفة بلفظ «المهدى رجل من ولدى وجهه كالكوكب الدري» أخرجه الروياني.
وعن الصدفي بلفظ «ستكون بعدى خلفاء، ومن بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك، ومن بعد الملوك جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا، كما ملئت جورا يؤمر بعده القحطاني، فو الذي بعثني بالحق ما هو بدونه» أخرجه الطبراني في الكبير.
وعن ابن عباس بلفظ «لن تهلك أمة أنا في أولها وعيسى بن مريم في آخرها والمهدى في أوسطها» أخرجه أبو نعيم في أخبار المهدى.
وعن أبى سعيد بلفظ «منا الذي يسلى عيسى بن مريم خلفه» أخرجه أبو نعيم في كتاب[المهدى].
وعن على بن أبى طالب بلفظ «لو لم يبق من الدهر إلا يوم

↑صفحة ٨٨↑

لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جورا» أخرجه أحمد في المسند وأبو داود في السنن، وفيه قطن بن خليفة وإن وثقه أحمد ويحيى بن القطان وابن معين والنسائي وغيرهم إلا أن العجلى قال: حسن الحديث، وفيه تشيع قليل؛ وقال ابن معين مرة ثقة شيعي. وقال أحمد بن عبد الله بن يونس: كنا نمر على قطن وهو مطروح لا نكتب عنه.
وقال مرة: كنت أمر به وأدعه مثل الكلب. وقال الدارقطني:
لا يحتج به؛ وقال أبو بكر بن عياش: ما تركت الرواية عنه إلا لسوء دينه. وقال الجرجاني: زائغ غير ثقة.
وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «يخيس الروم على وال من عترتي يواطئ اسمه اسمى فيقتتلون بمكان يقال له: العماق، فيقتل من المسلمين الثلث أو نحو ذلك، ثم يقتتلون اليوم الآخر، فيقتل من المسلمين نحو ذلك، ثم يقتتلون اليوم الثالث، فيكرون على أهل الروم فلا يزالون حتى يفتحون القسطنطينية، فبينما هم يقتسمون فيها بالأتراس إذ أتاهم صارخ أن الدجال قد خلفكم في ذراريكم، أخرجه الخطيب في المتفق، والمفترق.
وعنه أيضا بلفظ «إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون من بعدى بلاء وتشريدا وتطريدا، حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الحق

↑صفحة ٨٩↑

فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوا، فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبى، فيملك الأرض فيملأها قسطا وعدلا، كما ملأها جورا وظلما، فمن أدرك ذلك منكم أو من أعقابكم، فليأتهم ولو حبوا على الثلج» أخرجه ابن ماجه والحاكم في المستدرك، هكذا ذكره الشوكاني في التوضيح، وأورده ابن خلدون في كتابه (العبر) من حديث ابن مسعود، عن طريق يزيد بن زياد، عن إبراهيم عن علقمة بلفظ قال: «بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، إذ أقبل فتية من بنى هاشم، فلما رآهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذرفت عيناه وتغير لونه، قال: فقلت: ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه، فقال: إنا أهل البيت إلخ»، وهذا الحديث يعرف عند المحدثين بحديث الرايات، ويزيد بن أبى زياد راويه، قال فيه شعبة: كان رفاعا، يعنى يرفع الأحاديث التي لا تعرف مرفوعة، وقال محمد بن الفضيل: كان من كبار أئمة الشيعة.
وقال أحمد بن حنبل: لم يكن الحافظ، وقال مرة: حديثه ليس بذاك، وقال يحيى بن معين: ضعيف، وقال العجلى: جائر الحديث وكان بآخره يلقن، وقال أبو زرعة يكتب حديثه، ولا يحتج به، وقال أبو حاتم: ليس بالقوى، وقال الجرجاني: سمعتهم يضعفون حديثه، وقال أبو داود: لا أعلم أحدا ترك حديثه، وغيره أحب إلى منه.

↑صفحة ٩٠↑

وقال ابن عدى: هو من شيعة أهل الكوفة، ومع ضعفه يكتب حديثه، وروى له مسلم لكن مقرونا بغيره، وبالجملة فالأكثرون على ضعفه وقد صرح الأئمة بتضعيف هذا الحديث الذي رواه عن إبراهيم عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، وهو حديث الرايات، وقال وكيع بن الجراح فيه: ليس بشيء، وكذلك قال أحمد وقال أبو قدامة: سمعت أبا أسامة يقول في حديث يزيد عن إبراهيم في الرايات: لو حلف عندي خمسين يمينا قسامة ما صدقته، أهذا مذهب إبراهيم، أهذا مذهب علقمة، أهذا مذهب عبد الله؟ وأورد العقيلي هذا الحديث في الضعفاء. وقال الذهبي ليس بصحيح.
وعن أبى هريرة رضي الله عنه أيضا بلفظ المهدي «يواطئ اسمه اسمى واسم أبيه اسم أبى» ذكره في كنز العمال.
وعن أبى أمامة بلفظ «سيكون بينكم وبين الروم أربع هدن» الرابعة على يد رجل من آل هارون يدوم سبع سنين، قيل:
يا رسول الله، من إمام الناس يومئذ؟ قال: من ولدى، ابن أربعين سنة كأن وجهه كوكب درى، في خده الأيمن خال أسود عليه عباءتان قطوانيتان كأنه من رجال بنى إسرائيل يملك عشر سنين يخرج الكنوز ويفتح مدائن الشرك» أخرجه الطبراني في الكبير.
وعن أبى سعيد بلفظ «ستكون بعدى فتن: منها فتنة الأحلاس يكون فيها هرب وحرب، ثم بعدها فتن أشد منها ثم تكون فتنة كلما قيل: انقطعت تمادت حتى لا يبقى بيت إلا دخله ولا مسلم

↑صفحة ٩١↑

إلا شكته حتى يخرج رجل من عترتي» رواه أبو نعيم بن حماد في الفتن.
وعن عمرو بن سعيد عن أبيه، عن جده بلفظ «في ذي القعدة تجاذب القبائل وعامئذ ينهب الحاج فتكون ملحمة بمنى حتى يهرب صاحبهم فيبايع بين الركن والمقام، وهو كاره يبايعه مثل عدة أهل بدر يرضى عنه ساكن السماء، وساكن الأرض» أخرجه أبو نعيم ابن حماد في الفتن والحاكم في المستدرك.
وعن ابن عباس بلفظ «منا السفاح ومنا المنصور ومنا المهدى» أخرجه البيهقي وأبو نعيم والخطيب.
وعن أبى سعيد الخدري «بلفظ منا القائم ومنا المنصور ومنا السفاح ومنا المهدى، فأما القائم فتأتيه الخلافة لم تهرق فيها محجمة بدم، وأما المنصور فلا تدركه راية، وأما السفاح فهو يسفح المال والدم، وأما المهدي فيملأها عدلا كما ملئت جورا» أخرجه الخطيب.
وعنه أيضا بلفظ «يكون في آخر الزمان عند تظاهر من الفتن وانقطاع من الزمن أمير أول ما يكون عطاؤه للناس أن يأتيه الرجل فيحثى له في حجره، يهمه من يقبل منه صدقة ذلك اليوم لما يصيب الناس من الفرح» أخرجه العقيلي وابن عساكر.
وعن عبد الرحمن بن قيس بن جابر الصدفي وهو بلفظ حديث الصدفي المتقدم، أخرجه نعيم بن حماد في الفتن.

↑صفحة ٩٢↑

وعن شهر بن حوشب مرسلا بنحو حديث عمرو بن سعيد السابق، أخرجه نعيم بن حماد.
وعن عثمان بلفظ «المهدى من ولد عباس عمى» أخرجه الدارقطني في الإفراد، والسيوطي في الجامع الصغير.
وعن أبى هريرة بلفظ «يا عم، إن الله ابتدأ الإسلام بي وسيختمه بغلام من ولدك وهو الذي يتقدم عيسى بن مريم» أخرجه أبو نعيم في الحلية.
وعن عمار بن ياسر بلفظ «يا عباس إن الله بدأ بي هذا الأمر وسيختمه بغلام من ولدك يملأها عدلا كما ملئت جورا، وهو الذي يصلى بعيسى بن مريم» أخرجه الدارقطني في الإفراد، والخطيب وابن عساكر.
قال الشوكاني في التوضيح قلت: ويمكن الجمع بين هذه الثلاثة أحاديث وبين سائر الأحاديث المتقدمة بأنه من ولد العباس من جهة أمه فإن أمكن الجمع بهذا وإلا فالأحاديث أنه من ولد النبي (صلى الله عليه وسلم) أرجح وأما حديث أنس الذي أخرجه ابن ماجه والحاكم في المستدرك بلفظ «لا يزداد الأمر إلا شدة ولا الدنيا إلا إدبارا ولا الناس إلا سيئا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ولا مهدى إلا عيسى بن مريم» فيمكن أن يقال في تأويله لا مهدى كامل، ولا شك أن عيسى أكمل من المهدي لأنه نبي الله.
وهذا التأويل متحتم لمخالفة ظاهرة للأحاديث المتواترة كما

↑صفحة ٩٠↑

سردناها انتهى، قلت حديث «لا مهدى إلا عيسى» أخرجه محمد ابن خالد الجندي عن أنس أيضا، وسنده مختلف عليه، وفيه راو مجهول وضعفه الحفاظ، وفيه اضطراب وانقطاع كما قال الحافظ ابن القيم، وأحاديث المهدي أصح إسنادا منه.
وفي الباب روايات عن جماعة من الصحابة، قال السفاريني:
الصواب الذي عليه أهل الحق أن المهدي غير عيسى، وأنه يخرج قبل نزوله (عليه السلام)، وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتى عد من معتقداتهم.
وعن على بن على الهلالي، وهو حديث طويل، والذى يتعلق بما نحن بصدده «يا فاطمة والذى بعثني بالحق إن منها - يعنى الحسنين - مهدى هذه الأمة إذا صارت الدنيا هرجا مرجا، وتظاهرت الفتن، وتقطعت السبل، وأغار بعضهم على بعض فلا كبير يرحم صغيرا، ولا صغير يوقر كبيرا، فيبعث الله عند ذلك منهما من يفتح حصون الضلالة وقلوبا غلفا يقوم بالدين آخر الزمان كما قمت به أول الزمان، ويملأ الدنيا عدلا كما ملئت جورا» أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط بطوله، وفيه الهيثم بن حبيب، قال أبو حاتم منكر الحديث: وهو متهم بهذا الخبر، كذا نقله الهيثمي في فضائل أهل البيت من كتابه[مجمع الزوائد]فلينظر هنا لك.

↑صفحة ٩٤↑

وعن جابر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «من كذب بالمهدى فقد كفر، ومن كذب بالدجال فقد كذب، وقال في طلوع الشمس من مغربها مثل ذلك وفيما أحسب» أخرجه أبو بكر بن خيثمة في جمعه للأحاديث الواردة في المهدي على ما نقله السهيلي، ورواه أبو بكر الإسكاف في[فوائد الأخبار]مستندا إلى مالك بن أنس، عن محمد بن المنكدر عن جابر قال السفاريني: وسنده مرضى.
قال ابن خلدون: وحسبك هذا غلوا والله أعلم بصحة طريقه إلى مالك بن أنس على أن أبا بكر الإسكاف عندهم متهم وضاع.
وعن أبى أسحق النسفي قال: قال على ونظر إلى ابنه الحسن إن ابنى هذا سيد كما سماه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق يملأ الأرض عدلا» أخرجه أبو داود عن طريق مروان ابن المغيرة عن عمر بن أبى قيس عن شعيب بن أبى خالد عن النسفي.
وقال هارون حدثنا عمر بن أبى قيس عن مطرف بن طريف عن أبى الحسن عن هلال بن عمر سمعت عليا يقول: قال النبي (صلى الله عليه وسلم) «يخرج رجل من وراء النهر يقال له الحارث على مقدمته رجل يقال له: منصور يوطئ أو يمكن لآل محمد كما مكنت قريش لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجب على كل مؤمن نصره أو قال:
لمهابته، وسكت عليه أبو داود، وقال في موضع آخر في هارون:
هو من ولد الشيعة.

↑صفحة ٩٥↑

وقال سليمان: فيه نظر. وقال أبو داود في عمر بن أبى قيس لا بأس به، في حديثه خطأ، وقال الذهبي: صدوق له أوهام، وأما أبو اسحاق النسفي، وإن خرج عنه في الصحيحين، فقد ثبت أنه اختلط آخر عمره ودولته عن على منقطعة، وكذلك رواية أبى داود عن هارون بن المغيرة، وأما السند الثاني ففيه أبو الحسن وهلال بن عمر وهما مجهولان، ولم يعرف أبو الحسن إلا من رواية مطرف بن طريف عنه. انتهى.
وعن أبى سعيد بلفظ «المهدى منا أهل البيت أشم الأنف أقنى أجلى يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، يعيش هكذا وبسط يساره وأصبعين من يمينه - السبابة والإبهام - وعقد ثلاثة» أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، انتهى وفيه عمران القطان، عن قتادة عن أبى بصرة وعمران مختلف في الاحتجاج به، إنما أخرج له البخاري استشهادا لا أصلا كما تقدم.
وعنه أيضا نحو حديث أبى هريرة المتقدم الذي فيه ذكر كدوس، أخرجه ابن ماجه والحاكم من طريق زيد العمى، عن أبى الصديق الناجي وزيد العمى وإن قال فيه الدارقطني وأحمد وابن معين: إنه صالح وزاد أحمد أنه فوق يزيد الرقاشي وفضل بن عيسى.
إلا أنه قال فيه أبو حاتم ضعيف يكتب حديثه، ولا يحتج به.

↑صفحة ٩٦↑

وقال ابن معين في رواية أخرى: لا شيء، وقال الجرجاني:
متماسك، وقال أبو زرعة: ليس بقوى واهي الحديث ضعيف.
وقال أبو حاتم أيضا: ليس بذاك، وقد حدث عنه شعبة.
وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن عدى: عامة من يروى عنهم وما يرويه ضعفاء، على أن شعبة قد روى عنه، ولعل شعبة لم يرو عن أضعف منه.
وعنه أيضا بلفظ «إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:
تملأ الأرض جورا وظلما فيخرج رجل من عترتي فيملك سبعا أو تسعا فيملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما» أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، وإنما جعله على شرط مسلم، لأنه أخرجه عن حماد بن سلمة عن شيخه مطر الوراق، وأما شيخه الآخر وهو أبو هارون العبدى فلم يخرج له، وهو ضعيف جدا متهم بالكذب، ولا حاجة إلى بسط القول عن الأئمة في تضعيفه.
وأما الراوي له عن حماد بن سلمة وهو أسد بن موسى يلقب «أسد السنة» وإن قال البخاري: مشهور الحديث، واستشهد به في صحيحه، واحتج به أبو داود والنسائي إلا أنه قال مرة أخرى: ثقة لو لم يصنف كان خيرا له، وقال فيه محمد بن حزم: منكر الحديث.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: «سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: نحن ولد عبد المطلب، سادات أهل الجنة أنا وحمزة وعلى وجعفر والحسن والحسين والمهدى» أخرجه ابن

↑صفحة ٩٧↑

ماجه من طريق سعد بن عبد الحميد بن جعفر، عن على بن زياد اليماني عن عكرمة بن عمار عن إسحاق بن عبد الله عن أنس وعكرمة بن عمار، وإن أخرج له مسلم فإنما أخرج له متابعة، وقد ضعفه بعض ووثقه آخرون. وقال أبو حاتم الرازي: هو مدلس فلا يقبل لا أن يصرح بالسماع.
وعلى بن زياد قال الذهبي في الميزان: لا ندرى من هو؟ ثم قال: الصواب فيه: عبد الله بن زياد، وسعد بن عبد الحميد، وإن وثقه يعقوب بن أبى شيبة، وقال فيه ابن معين: ليس به بأس، فقد تكلم فيه الثوري، قالوا: لأنه رآه يفتى في مسائل ويخطئ فيها، وقال ابن حبان: كان ممن فحش خطاؤه فلا يحتج به، وقال أحمد:
سعد يدعى أنه سمع عرض كتب مالك، والناس ينكرون عليه ذلك، وهو هاهنا ببغداد لم يحج فكيف سمعها؟ وجعله الذهبي ممن لم يقدح فيه كلام من تكلم فيه.
وعن ابن عباس موقوفا عليه، قال مجاهد «قال لي ابن عباس لو لم أسمع أنك مثل أهل البيت ما حدثنك بهذا الحديث، قال: فقال مجاهد: فإنه في ستر لا أذكره لمن يكره قال: فقال ابن عباس: منا أهل البيت أربعة: منا السفاح ومنا المنذر ومنا المنصور ومنا المهدي قال: فقال مجاهد: بين لي هؤلاء الأربعة؟ فقال ابن عباس: أما السفاح فربما قتل أنصاره وعفا عن عدوه، وأما المنذر أراه قال:
إنه يعطى المال الكثير، ولا يتعاظم في نفسه ويمسك القليل من

↑صفحة ٩٨↑

حقه، وأما المنصور فإنه يعطى النصر على عدوه الشطر مما كان يعطى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ويرهب منه عدوه على مسيرة شهرين، والمنصور يرهب منه عدوه على مسيرة شهر. وأما المهدي فالذى يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، وتأمن البهائم والسباع وتلقى الأرض أفلاذ أكبادها، قال: قلت: وما أفلاذ أكبادها؟ قال أمثال الاسطوانة من الذهب والفضة» أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وهو من رواية إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه، وإسماعيل ضعيف وإبراهيم أبوه، وإن خرج له مسلم، فالأكثرون على تضعيفه.
وعن جعفر عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «أبشروا أبشروا إنما مثل أمتى مثل الغيث لا يدرى آخره خير أم أوله، أو كحديقة أطعم فيها فوج عاما ثم أطعم فيها موج عاما لعل آخرها فوجا أن يكون أعرضها عرضا، وأعمقها عمقا وأحسنها حسنا كيف تهلك أمة أنا أولها، والمهدى وسطها، وعيسى بن مريم آخرها، ولكن بين ذلك فيج أعوج ليسوا منى ولا أنا منهم» أخرجه رزين وأبو نعيم.
وعن ثوبان مولى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «إذا رأيتم الرايات السود جاءت من قبل خراسان فأتوها ولو حبوا على الثلج فإن فيها خليفة الله المهدى»

↑صفحة ٩٩↑

رواه أحمد والبيهقي في دلائل النبوة، وسنده صحيح، وتقدم نحوه عن ثوبان مطولا برواية ابن ماجة.
وعن بريدة قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: «ستكون بعدى بعوث كثيرة، فكونوا في بعث خراسان» رواه ابن عدى وابن عساكر والسيوطي في الجامع الصغير وليس فيه ذكر المهدى.
وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «يخرج من خراسان رايات سود لا يردها شيء حتى تنتصب بإيليا» رواه الترمذي، وحمله بعض علماء الهند من أهل المشرق على المهدي الأوسط، ثم حمله على السيد أحمد البريلوي، لأنه جاهد في الناحية الغربية من الهند، وجاءت راياته من قبل خراسان، وفي هذا الاستدلال نظر واضح، بل ليس عليه أثارة من علم، والسيد قد غزى واستشهد فرحمه الله تعالى، ولم يدع المهدوية قال السفاريني: إن الواجب اعتقاده من ذلك ما دلت عليه الأخبار الصحيحة، والآثار الصريحة من وجود المهدي المنتظر الذي يخرج الدجال، وينزل عيسى (عليه السلام) في زمانه، وهو المراد حيث أطلق المهدي وأما المذكورون قبله فلم يصح فيهم شيء، والذين من بعده فأمراء صالحون، لكن ليسوا مثله فهو آخرهم في الوجود وإمامهم وخيرهم وأفضلهم في الحقيقة.
والمراد غير عيسى بن مريم فإنه رسول كريم من أولى العزم وهو آية وعلامة وحده، فيجب الإيمان بخروج المهدي ونزوله

↑صفحة ١٠٠↑

وخروج الدجال اللعين، انتهى. وهذا القول صريح في نفى المهديين قبل المهدي الموعود، وأن من ادعى ذلك فإنه دعوى لا تصح ولا توافقه الأدلة والله أعلم.
وعن أبى سعيد الخدري، قال: «ذكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بلاء يصيب هذه الأمة حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم فيبعث الله رجلا من عترتي وأهل بيتي فيملأ به الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض لا تدع السماء من قطرها شيئا إلا صبته، ولا تدع الأرض من نباتها شيئا إلا أخرجته حتى يتمنى الأحياء الأموات، يعيش في ذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين» أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، وقد تقدم نحوه، قال القرطبي:
ويروى هذا من غير وجه عن أبى سعيد الخدري.
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «العجب أن أناسا من أمتى يؤمنون البيت لرجل من قريش قد لجأ بالبيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسفهم، فيهم المنتفر والمجبور وابن السبيل يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله على نياتهم» رواه مسلم وليس في ذلك تصريح بالمهدى.
وعن جابر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «لا تزال طائفة من أمّتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال:
فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا،

↑صفحة ١٠١↑

إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة» رواه مسلم.
وليس فيه أيضا ذكر المهدى، ولكن لا محمل له ولأمثاله من الأحاديث إلا المهدي المنتظر، لما دلت على ذلك الأخبار المتقدمة والآثار الكثيرة.
هذه جملة الأحاديث التي خرجها الأئمة في شأن المهدى، وهى كما رأيت يقوى بعضها بعضا، وفيه ثمانية وعشرون أثرا عن الصحابة الكبار عند أهل العلم بالحديث، ومثله لا يقال بالرأي.
وقد امتلأت كتب المتأخرين من المتصوفة والمشائخ في أمر الفاطمى المنتظر، ولم يكن المتقدمون منهم يخوضون في شيء من هذا، إنما كان كلامهم في المجاهدة بالأعمال، وما يحصل منها من نتائج المواجد، والأحوال، حتى أكثر القول فيه، وفي شأنه كله ابن العربى الحاتمي، في كتاب[عنقاء مغرب] وابن قبى في كتاب [خلع النعلين] وعبد الحق بن سبعين وابن أبى، وأطال تلميذه في شرحه لكتاب[خلع النعلين] وأغلب كلماتهم في شأنه ألغاز وأمثال وربما يصرحون في الأقل أو يصرح مفسروا كلامهم وكأنه كله مبنى على أصول واهية، وربما يستدل بعضهم بكلام المنجمين في القرانات، وهو من نوع الكلام في الملاحم ومذاهب الصوفية، وأقوالهم ليست من غرضنا في هذا الكتاب، ولا في غيره، فإنا لا نتمسك في الدين إلا بالقرآن والحديث ولا ندين الله إلا بهما.
و قد بسط القول في ذلك القاضي بن خلدون في كتابه[العبر]

↑صفحة ١٠٢↑

ورد عليهم في هذا ردا مشبعا، ثم قال: والحق الذي ينبغي أن يتقرر لديك أنه لا يتم دعوة من الدين والملك، إلا بوجود شوكة عصبية تظهره وتدافع عنه حتى يتم أمر الله، وقد قررنا ذلك من قبل بالبراهين القطعية التي أريناك هناك وعصبية الفاطميين، بل وقريش أجمع قد تلاشت من جميع الآفاق، ووجد أمم آخرون قد استعملت عصبيتهم على عصبية قريش، إلا ما بقى بالحجاز في مكة، وينبغ بالمدينة من الطالبين من بنى حسن وبنى حسين، وبنى جعفر، منتشرون في تلك البلاد، وغالبون عليها، وهم عصائب بدوية متفرقون في مواطنهم وأمارتهم وآرائهم، يبلغون آلافا من الكثرة، فإن صح ظهور هذا المهدى، فلا وجه لظهور دعوته إلا بأن يكون منهم، ويؤلف الله بين قلوبهم في أتباعه حتى تتم له شوكة وعصبية وافية بإظهار كلمته، وحمل الناس عليها، وإما على غير هذا الوجه مثل أن يدعو فاطمي منهم إلى مثل هذا الأمر في أفق من الآفاق من غير عصبية، ولا شوكة إلا مجرد نسبة في أهل البيت، فلا يتم ذلك، ولا يمكن لما أسلفناه من البراهين الصحيحة، انتهى. أقول: لا شك في أن المهدي يخرج في آخر الزمان من غير تعيين لشهر وعام لما تواتر من الأخبار في الباب، واتفق عليه جمهور الأمة سلفا عن خلف، إلا من لا يعتد بخلافه.
وليس القول بظهوره بناء على أقوال الصوفية ومكاشفاتهم، أو أهل التنجيم، أو الرأي المجرد، بل إنما قال به أهل العلم لورود

↑صفحة ١٠٣↑

الأحاديث الجمة في ذلك، فقول ابن خلدون: فإن صح ظهوره، لا يخلو عن مسامحة ونوع إنكار من خروجه، وتلك الأحاديث واردة عليه، وليست بدون من الأحاديث التي ثبتت بها الأحكام الكثيرة المعمول بها في الإسلام، وما ذكر من جرح الرواة وتعديلهم يجرى في رجال الأسانيد الأخرى أيضا بعينه أو بنحو، فلا معنى للريب في أمر ذلك الفاطمي الموعود المنتظر المدلول عليه بالأدلة، بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة إلى حد التواتر، وإما أنه لا تتم شوكة أحد إلا بالعصبية فنعم، ولكن الله تعالى قادر على خرق العادة، ويؤيد دينه كيف يشاء.
وهذا الاحتمال وإن كان مطابقا لما في الخارج فلا يصلح لأن ترد به الأحاديث النبوية، فهذا زلة صدرت من ابن خلدون رحمه الله تعالى، وليست من التحقيق في صدر ولا ورد فلا تغتر به واعتقد ما جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وفوض حقائقه إليه تعالى تكن على بصيرة من أمر دينك.
قال الشيخ العلامة محمد بن أحمد السفاريني الحنبلى في كتابه:
[لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضيئة في عقد الفرقة المرضية] وقد روى عمن ذكر من الصحابة وغير ما ذكر منهم بروايات متعددة، وعن التابعين ومن بعدهم ما يفيد مجموعة العلم القطعي. فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو

↑صفحة ١٠٤↑

مقرر عند أهل العلم ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة، ونقل العلامة الشيخ المرعى في كتابه[فوائد الفكر]عن محمد بن الحسين أنه قال: قد تواترت الأحاديث واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بمجيء المهدي وأنه من أهل بيته (صلى الله عليه وسلم). انتهى.
وجملة القول في المهدي أنه من ولد فاطمة من أولاد الحسن (عليه السلام) وقيل من نسل الحسين، وقيل من ولد عباس، والأول أصح، وقال بعض حفاظ الأمة وأعيان الأئمة: أن كون المهدي من ذريته (صلى الله عليه وسلم) مما تواتر عنه فلا يسوغ العدول والالتفات إلى غيره. قال ابن حجر: يمكن الجمع بأن ولادته العظمى من الحسن، أو الحسين وللآخر فيه ولادة من جهة بعض أمهاته، وكذلك للعباس ولادة أيضا، ولا مانع من اجتماع ولادات متعددات في شخص واحد من جهات مختلفة، واسمه محمد أو أحمد، والأول أشهر واسم أبيه عبد الله.
قال في اللوامع: ولم نقف على اسم أم المهدي بعد الفحص والتتبع، انتهى. وكنيته أبو القاسم أو أبو عبد الله.
وإنما سمى المهدي لأنه يهدى إلى أمر خفى، أو إلى جبل من جبال الشام، ويخرج منها أسفار التوراة والإنجيل يحاج بها اليهود والنصارى، فيسلم على يده جماعة منهم، ولقبه جابر لأنه يجبر قلوب أمة محمد (صلى الله عليه وسلم)، ويقهر الجبارين والظالمين ويقصمهم،

↑صفحة ١٠٥↑

ومولده بالمدينة، وقال القرطبي: ببلاد المغرب، ومهاجره بيت المقدس، ومبايعته بمكة بين الركن والمقام ليلة عاشوراء أو سيرته العمل بكتاب الله وسنة رسوله ولا يقلد أحد، بل يشتد غضبه على المقلدين. قال السفاريني في اللوامع: يقاتل على السنة لا يترك سنة إلا أقامها، ولا بدعة إلا رفعها يقوم بالدين آخر الزمان، كما قام به النبي (صلى الله عليه وسلم) أوله، انتهى.
وزاد في الفتوحات: أعداؤه المقلدة، وأما مدته فاختلفت الروايات فيها، ففي بعضها يملك خمسا أو سبعا أو ستا بالترديد، وفي بعضها تسعة عشر سنة وأشهر، أو في بعضها عشرين وفي بعضها ثلاثين، وفي بعضها أربعين، منها تسع سنين يهادن الروم فيها.
قال السفاريني: ويمكن الجمع على تقدير صحة الكل بأن ملكه متفاوت الظهور والقوة فيحمل الأكثر باعتبار جميع مدة الملك منذ البيعة، والأقل على غاية الظهور، والأوسط على الأوسط، انتهى. وقواه في الإشاعة، وعندي أن الأصح من ذلك ما ورد في الأحاديث الصحيحة، والله أعلم، وله أمارات يعرف بها ذكرها في الإشاعة، وعلامات جاءت بها الآثار، ودلت عليها الأحاديث والأخبار ذكرها الشيخ مرعى في[فوائد الفكر في ظهور المهدي المنتظر].

↑صفحة ١٠٦↑

باب في الفتن الواقعة قبل خروجه
منها حسر الفرات عن جبل من ذهب، ومنها خروج السفياني، والأبقع، والأصهب، والأعرج الكندي، والمنصور، والحارث، وهى صفات وألقاب لا أسماء لهم فليعلم ومنها قتال الخراساني بالسفياني، وخروج رجل من كلب يقال له كنانة والملحمة الكبرى وذلك بعد هلاك السفياني، ومنها قتل النفس الزكية وهى غير من قتل في زمن المنصور العباسي.
وطلوع الرايات السود من قبل خراسان، وقذف الأرض أفلاذ كبدها من الذهب والفضة، وخسف معدن في الحجاز وخسف قرية بالفوطة غربي دمشق وخسف بالبيداء، وانكساف الشمس والقمر في رمضان، وطلوع القرن ذي السنين، وطلوع النجم ذي الذنب، وخسوف القمر مرتين، وخروج نار من قبل المشرق ووقعة بالمدينة عظيمة، والنداء من السماء أن الحق في آل محمد، وطلوع الكف من السماء، وإخراج كنز الكعبة وخزانيها، وكون الخمسين امرأة قيم واحد، وفتح القسطنطينية والرومية، وخروج الدجال.
وفي كل ذلك أخبار وآثار ثابتة ذكرناها في حجج الكرامة، وذكرها السيد محمد في الإشاعة مبسوطة مفصلة فيها طوبى لمن أدركه

↑صفحة ١٠٧↑

وكان من أنصاره، والويل كل الويل لمن خالفه، وخالف أمره.
وقال الإمامية: إن المهدى، وهو محمد بن الحسن العسكري، وهو دعوى بلا دليل وقال السفاريني: ذلك ضرب من الجنون والهذيان، ثم ردها عليهم ردا بالغا، وقال: فعلى عقولهم العفار، وعلى أفهامهم البوار، ما أضل علومهم وأبلد فهومهم، انتهى.
وادعى محمد بن تومرت الظالم المتغلب أنه المهدي كذا قال في الإشاعة وذكر الشيخ على المتقي في رسالته: أن في زمانه خرج رجل بالهند ادعى أنه المهدي المنتظر، واتبعه خلق كثير، انتهى.
قلت: وهذا هو السيد محمد الجونفوري الذي تقدم ذكره.
قال: وظهر بجبال شهروز، بقرية أزمك رجل يسمى «محمدا» وادعى أنه المهدى.
وظهر رجل بجبال عقر، أو العمادية، ويسمى عبد الله وادعى المهدوية، انتهى.
قلت: وادعى جماعة من المشائخ والصوفية أنهم المهدويون، ثم تابوا عن هذه الدعوى المنتنة. فهؤلاء الذين ادعوا المهدوية بالباطل، واتبعهم بعض السفهاء، وحصلت منهم فتن ومفاسد كثيرة في الدين، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في حجج الكرامة، فلا نطول بذكرها هنا.

↑صفحة ١٠٨↑

القطر الشهدي في اوصاف المهدي لشهاب الدين الحلواني

منظومة تشتمل على خمسة وخمسين بيتا حول أوصاف المهدي (ع) للعلامة شهاب الدين أحمد بن محمد اسماعيل الحلواني الخليجي الشافعي المتوفي (؛ ١٣٠٨).
طبع مع شرحه في ١٣٠٨ ثم ملحقا بكتاب فتح رب الأرباب بمصر سنة ١٣٤٥ بمطبعة المعاهد.

↑صفحة ١٠٩↑

العطر الوردي بشرح القطر الشهدي لمحمد البلبيسي الشافعي (١٣٠٨)

هذه الرسالة تشتمل على منظومة وشرحها لرجلين معاصرين أما المنظومة فهي المسماة بـ «القطر الشهدي في اوصاف المهدي» وتحتوي على خمسة وخمسين بيتا حول اوصاف الحجة الامام المهدي المنتظر (ع) مأخوذة من الاحاديث الواردة في الصحاح والمسانيد.
نظمه شهاب الدين احمد بن اسماعيل الحلواني الخليجي الشافعي المصري (١٢٤٩ - ١٣٠٨) كان عالما شاعرا من أدباء مصر، مولده ووفاته في بلدة رأس الخليج قرب دمياط من اعمال الغربية بمصر.
وله: «الاشارة الاصفية، فيما لا يستحيل بالانعكاس في صورة الرسمية ط»، «البشرى باخبار الاسراء والمعراج الأسرى»، «الجمال المبين على الجوهر

↑صفحة ١١١↑

الثمين، في الصلوة على أشرف المرسلين»، «القصيدة الحلواء في مدح بني الزهراء»(٧).
واما الشرح فهو كتاب «العطر الوردي بشرح القطر الشهدي» للأديب المحدث الفاضل محمد البلبيسي بن محمد بن احمد الحسيني الشافعي المصري، كان من الفضلاء المعروفين ومسؤول تصحيح قسم العلوم بدار الطباعة ببولاق مصر، ولم نجد فيما بأيدينا من كتب التراجم عنوانا للشارح، وشرحه هذا للمنظومة - كما ترى - يكفينا ويكفي كل قارئ لبيب للوقوف على طول باع الشارح وسعة اطلاعه ومقامه في الأدب والحديث.
وقد اشتبه علي الزركلي في الاعلام (٧,٢٦٥) حيث نسب «العطر الوردي» الى محمد بن محمد بن علي البلبيسي المتوفي (٧٤٩) وكذا البغدادي في ايضاح المكنون (٢,١٠٢) في نسبة الكتاب الى الشيخ محمد بن الياس البلبيسي المصري المتوفى (٧٤٩) فإن ما ذكرت من اسم المؤلف الشارح هو مكتوب في أول الكتاب كما تراه ويضاف اليه أن الشاعر قد توفي في (١٣٠٨) والشارح الف شرحه هذا للأشعار بعد هذا التاريخ كما هو مكتوب ايضا في اوله وآخره والخطب سهل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) اكتفاء القنوع ٤٦٧-٤٦٨، ايضاح المكنون ٢/٢٣٠، ٢٣٤، الاعلام للزركلي ١/٨٩، معجم المطبوعات ٧٩١-٧٩٣، معجم المؤلفين ١/١٤٦

↑صفحة ١١٢↑

هوية الكتاب
(خمس رسائل) تأليف الاستاذ الكبير والعلامة التحرير شهاب الدين أحمد بن أحمد بن اسمعيل الحلواني بلغه الله والمسلمين الأماني ونفع به آمين
(احداها) قطع اللجاج في الاجاج
(الثانية) حلاوة الرز في حل اللغز
(الثالثة) الناغم من الصادح والباغم
(الرابعة) منظومة القطر الشهدي في أوصاف المهدى
(الخامسة) قصيدة الحلواء في مدح بنى الزهراء
(حقوق الطبع محفوظة للمؤلف)
(الطبعة الاولى) بالمطبعة الاميرية ببولاق مصر المحمية سنة ١٣٠٨ هجرية

↑صفحة ١١٣↑

القطر الشهدي في أوصاف المهدي نظم الاستاذ العلامة الشيخ الحلواني بشرحه المسمى بالعطر الوردي للعالم الفاضل السيد محمد البلبيسي أحد مصححي المطبعة الاميرية
ولما اطلع حضرة الناظم حفظه الله على هذا الشرح قرّظه بقوله:

قد لذلك القطر الشهدي * * * اذلزله العطر الوردي
فالعطر أطاب حلاوته * * * وأفاح به عرف المهدى
وأنار الحق لطالبه * * * وهدى من أصبح يستهدى
معنى صاف كالروح صفت * * * في الجسم الصافي بالزهد
لفظ يتمنى القند حلا * * * فما أحلى ذوق القند
عطر بشذاه مدراكنا * * * تهدى للبغية بل تهدى
عطر في الكون يفوح شذا * * * فيفوق الورد على الخدّ
عطر أذكاه البلبيسي * * * طيب الاطياب أبو الحمد
فخر الاشراف ذوى الاشرا * * * ف على أطراف علا الجدّ
بدر النجباء سنا العلما * * * ء ذر العلياء حمى المجد
مولى حاز الجوزا همما * * * فلذا أضحى سامى البند
بحر لشطوط مكارمه * * * ترد الكرماء وتستهدي
والبشر انساب بغرّته * * * من شمس ذكا ملكي يهدي
حبر لفصول بلاغته * * * تعنو البلغاء وتستهدي
علم في العلم له علم * * * ينسيك علا العلم السعدي
أفق لدراريه تسمو * * * أبصار بغاة سنا الرشد
كم صحح واطربا سفرا * * * بالطبع ونظم من عقد
يلهو بالمشكل يوضحه * * * فيجيء المشكل بالجدّ
يردى ما يعبس مبتسما * * * يا عنتر عبس كم تردى
لا زلت لهذا الكون سنا * * * فنكا في النعمة بالحمد

↑صفحة ١١٤↑

(بسم الله الرحمن الرحيم)
الحمد لله رب العالمين حمد انبلغ به درجة الهادين المهديين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأنصاره أجمعين والتابعين لهم باحسان الى يوم الدين (أما بعد) فيقول الراجي من ربه سلوك الطريق الاحمد محمد البلبيسي بن محمد بن أحمد المصري محتدا الازهري موردا الحسيني نسبا حقق اللهم له به نسبا وحسبا انّ القطر الشهدي في أوصاف المهدي للعالم الرباني واللامع العرفاني شهاب الدين أحمد بن أحمد بن اسمعيل الحلواني الخليجي الشافعي سدّدنا الله واياه عقد نظم من شمائل المهدي دررا كانت قبل منثوره وغررا من علامات ظهوره مفرّقة في الاخبار المأثورة مع وجازة العبارة ولطف الاشارة ورقة الالفاظ التي يميل لها كل لبيب ويصغى اليها كل حبيب كما قيل:

يهتز سامعها الطيب حديثها * * * الا حسود ا ليس يعجبه العجب

ومن أحسن ما اتفق لي في شأن ذلك القطر أنى لما ارتحلت من هذا القطر لحج بيت الله الحرام عام خمس وثلاثمائة بعد الالف الذي بلغت فيه بحمد الله من الحج والزيارة المرام ظفرت وأنا بمكة المشرفة بكنز الفتوح شقيق الروح حضرة الاستاذ الشيخ رضوان العدل عاملنا الله واياه والمسلمين بالفضل فسرني لقاؤه وشملتني نعماؤه كيف لا وهو أبو النعيم حسبما كناه بذلك حضرة مؤلف هذا الدر النظيم فلما أن طفنا بالبيت سبعا قال هلم الى منزلي فقلت لبيك سمعا فاكرم نزلي وأحسن القرى وناهيك بمن يكرم النزيل بأم القرى ثم بعد المفاوضة بلا معارضه في أحسن حديث من قديم وحديث قال هل لك في القطر الشهدي فقلت أجل ولك اليد البيضاء عندي فأخرجه من عيبته وقدّمه بين يديّ على تكرمته:

فنظرته فوجدته * * * يغنى النديم عن المدامة
فعلمت ان لم أكتتبـ * * * ه قرعت سنى بالندامة
فكتبته في لحظة * * * عند الصفا نعم الكرامة

↑صفحة ١١٥↑

ثم انصرفت من مجلس أنسه وقد دعا كل منه لصاحبه ولنفسه (ولما كان) ربيع الثاني من عام ثمان وثلاثمائة شرّف الناظم بقدومه مصر لزيارة آل الرسول لا سيما السبط ابن الزهراء البتول وحل بساحة السادة البشاكرة كان الله لنا ولهم في الدنيا والآخرة فأسرعت في الذهاب اليه للسلام عليه فأهدى لي كتابه البشرى في المعراج والاسراء وطبع في هذه الأيام من تآليفه الفخام رسالة سماها الحكم المبرم وأخرى سماها فصل القضية وأوصى بطبع رسائل خمس مرضية وأمرني أن أشرح منها القطر الشهدي في أوصاف المهدي فقلت سيدى وأنى يتيسر لقاصر مثلى حل رموزه وفتح كنوزه واستخراج سر معناه من بليغ مبناه:

ومن لي بر قيامن رقيق نثاركم * * * أحل بها هذا الحلال من السحر

فأبى الا أن أمضى فيما أراد وأسعف بالمراد فثنيت عنان المعذرة وبادرت بالطاعة حسب المقدرة وقلت:

لعل شعاعا من ذكاء ذكائه * * * يقابل فكرا مظلما فيضيء

وتمتعت بالنظر في خلال رياضه وارتشفت من زلال حياضه وآنست من جانب واديه نارا فأتيت منها بقبس استكشفت به معانى ثيبات وأبكارا وقيدت منها أوابد بطرّته أيام قراءته لأجل الطبع يحمدها بحول الله وقوّته سليم الطبع قدّمتها لدى حضرته باكورة فان حلت محل القبول رجوت أن تكون المساعي مشكوره وبلغت حدّ التمام وفض الختام وسمّيته (العطر الوردي بشرح القطر الشهدي) وأقول والله المسؤول بلوغ المأمول استفتح الناظم باب الفتوح قائلا (بسم الله الرحمن الرحيم) فاذا هو مفتوح ثم عرج بسره الى سماء المناجاة مستحضرا في هذا المقام حضرة عظيم الجاه اذ هو صاحب ذلك القدم والمقدّم من القدم ولولاه لولاه كما قال العارف بالله:

وأنت باب الله أي امرئ * * * أتاه من غيرك لا يدخل

ونادى بلسان العجز عن احصاء الثناء على مولاه اذ لا يملك ذلك سواه كما قال (صلى الله عليه وسلم) لا نحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك فقد أبلغ في الثناء مع الاعتراف بالعبودية أداء لحق الربوبية سائلا للواسطة العظمى دوام الصلاة والتسليم اللائقين بجنابه الكريم حيث قال:

↑صفحة ١١٦↑

(مالك الحمد هب صلاة تطول * * * بسلام الى الرسول تؤل)

وقوله تطول أي تمتدّ بمعنى تدوم وتبقى مصحوبة بسلام الى مدينة السلام ولما هبط بسلام مملوء الوطاب من مواهب الملك الوهاب ليفيض منها على الطلاب نادى من ألح منهم في الخطاب ليملي عليه الجواب ويملأ له الجراب مختارا للإيجاز بدون الغاز محيلا تفصيل الكلام الى ما بسطه الأعلام واضعا له في قالب الشعر لوفور حظه راكبا من بحوره الخفيف تفاؤلا بخفة حفظه فقال:

(أيهذا السؤل عن نبا المهـ * * * دي ما ذا منه أبان الدليل)
(خذه رمزا يغنى اللبيب ومما * * * بسط الناس يطلب التفصيل)

أي اسم مفرد مبهم معرفة بالنداء مبنى على الضم وها حرف تنبيه عوض مما كانت أي تضاف إليه وذا اسم اشارة نعت لأى لأنه في معنى الحاضر في محل رفع والسؤل بدل منه فعول من صيغ المبالغة أشار به إلى وقوع السؤال كثيرا والنبأ الخبر والمهدى في الاصل من هداه الله للحق ثم غلبت عليه الاسمية وبه سمى المهدي الذي بشر به النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه يخرج آخر الزمان قاله في النهاية روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لو لم يبق من الدنيا الا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا منى أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمى واسم أبيه اسم أبى يملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا قال المحقق ابن حجر في القول المختصر جاء أن اسمه محمد وفي رواية أحمد ولا تنافى لا مكان أن يسمى بكليهما اهـ وقال شيخنا العارف بالله تعالى أبو عبد السلام سيدى عمر الشيراوي قدّس الله روحه في شرحه على ورد السحر أحاديث المهدي بلغت مبلغ التواتر فلا معنى لإنكارها اهـ وفي الهدية الندّية لسيدي مصطفى البكري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال من كذب بالدجال فقد كفر ومن كذب بالمهدى فقد كفر أخرجه أبو بكر الاسكاف في فوائد الاخبار وكذا رواه أبو القاسم السهيلي رحمه الله تعالى في شرح السير له اهـ وقال ابن حجر في القول المختصر والذى يتعين اعتقاده ما دلت عليه الاحاديث الصحيحة

↑صفحة ١١٧↑

من وجود المهدي المنتظر يخرج الدجال والسيد عيسى في زمنه وأنه المراد حيث ذكر المهدي فأما حديث ابن ماجه أي وهو حدّثنا يونس بن عبد الاعلى حدثنا محمد بن ادريس الشافعي حدثني محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس ابن مالك أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لا يزداد هذا الامر الا شدّة ولا الدنيا الا ادبارا ولا الناس الا شحا ولا تقوم الساعة الا على شرار الناس ولا المهدي الا عيسى بن مريم قال المحقق فمعناه لا مهديّ معصوم الا عيسى على أنه ضعيف والذى في الاحاديث الصحيحة التصريح بانه من عترة نبينا (صلى الله عليه وسلم) من ولد فاطمة فوجب تقديمها عليه اهـ بل في مصباح الزجاجة للسيوطي على ابن ماجه عن الذهبي في الميزان ان هذا الخبر منكر وقال أبو بكر بن زياد هذا الحديث غريب وقال البيهقي هذا الحديث ان كان منكرا كان الحمل فيه على محمد بن خالد الجندي فانه مجهول وقد رواه غير الشافعي عنه أيضا وروى من طريق يحيى بن السكن عنه فالغلط من جهته فان الحديث معروف من أوجه بدون قوله ولا المهدي الا عيسى بل أورد ابن عساكر في تاريخ دمشق عن أبى الحسن الواسطي قال رأيت الشافعي في المنام فسمعته يقول كذب على يونس في حديث الجندي ليس هذا من حديثي ولا حدّثته به قال الحافظ ابن كثير يونس ابن عبد الا على من الثقات لا يطعن فيه بمجرد منام وهذا الحديث مشهور بمحمد بن خالد الجندي المؤذن شيخ الشافعي وروى عنه غير واحد وليس بمجهول كما زعمه الحاكم ولكن من الرواة من حدّث به عنه عن أبان بن أبى عياش عن الحسن مرسلا قال البيهقي وعياش متروك والحديث منقطع وقال الحافظ محمد بن الحسين قد تواترت الاخبار واستفاضت بكثرة رواتها في المهدي وأنه من أهل بيت المصطفى (صلى الله عليه وسلم) وأنه يملك سبع سنين ويملأ الارض عدلا وأنه يخرج في زمنه عيسى بن مريم فيساعده على قتل الدجال بباب لدّ بأرض فلسطين قوله بباب لدّ بضم اللام وتشديد الدال المهملة قرية قرب بيت المقدس وفلسطين بكسر الفاء وفتحها مع فتح اللام اهـ ياقوت وأنه يؤم هذه الامة وعيسى يصلى خلفه في طول من قصته ومحمد بن خالد الجندي وان كان يذكر عن يحيى بن معين أنه وثقه فانه غير معروف عند أهل الصناعة واختلفوا عليه في اسناده هذا ملخص ما أطال به الجلال في مصباح الزجاجة فأنظره ان لم يكفك هذا القبس عند الحاجة وقوله ماذا أبان الخ.

↑صفحة ١١٨↑

أي قائلا ماذا أي ما الذي أبانه الدليل وأظهره من خبر المهدي (عليه السلام) وقوله خذه رمزا أي خذ جواب سؤالك هذا رمزا أي مرموزا ومشارا اليه بأوجز عبارة أو على جهة الرمز والاشارة ثم شرع حفظه الله في وصف خلقته الشريفة حسبما وردت به الاخبار فقال:

هو ضرب من الرجال خفيف * * * هو أجلى أقنى أشم كحيل
أعين أفرق أزج على أيـ * * * من خدّيه خال حسن جميل
أفلج الثغر حسين يبسم برّا * * * ق الثنايا وربعة لا يطول
عربي في لونه وكأن الـ * * * جسم منه ينميه اسرائيل
وجهه في اشتداد سمرته كالـ * * * كوكب الدري المضيء جليل
وله لحية غزيرة شعر * * * ولسان بالنطق حينا ثقيل
واذا أبطأ الكلام عليه * * * فعلى فخذه بضرب يميل
ناعم الكف بين فخذيه بعد * * * خاضع خاشع كريم منيل

الضرب بفتح الضاد المعجمة وسكون الراء المهملة آخره موحدة خفيف اللحم ليس بالغليظ فقوله خفيف تفسير له والأجلى بفتح الهمزة وسكون الجيم خفيف شعر ما بين النزعتين والذى انحسر أي انكشف الشعر عن جبهته والأقنى بالقاف طويل الانف مع دقة طرفه واحديداب وسطه أي ارتفاعه مع انحدار الى جهة طرفه والأشم بفتح الشين المعجمة مرتفع قصبة الأنف مع حسنها واستواء أعلاها مع انتصاب طرفها والكحيل بفتح الكاف صفة مشبهة كالثلاثة التي قبله والتي بعده وفعلها من باب فرح أي أسود أجفان العين خلقة والأعين أسود العين في سعتها والأفرق الذي ناصيته كأنها مفروقة وكذا اللحية وكذا الثنايا وهذا هو المصرح به في رواية ستأتي ان شاء الله تعالى ولكنه لو أريد تكرر مع قوله أفلج الثغر فالأولى أن يراد أفرق الناصية أو اللحية أو ما بين الحاجبين ويؤيد هذا أن فرق ما بين الحاجبين من أوصاف العرب وهو عربي والأزج بفتح الهمزة والزاي وتشديد الجيم من الزجج محركا وهو تقوّس في الحاجب مع طول طرفه وامتداده والخال بالخاء المعجمة الشامة التي تخالف لون الجسد ولذا سمى

↑صفحة ١١٩↑

الغيم بالخال لان لونه يخالف لون السماء والثغر بفتح المثلثة مقدّم الاسنان ومعنى كونه أفلج الثغر أنه منفرج مقدّم الاسنان قيل أكثر الفلج بالتحريك في العليا وهو صفة جميلة لكن مع القلة وهو أنقى للفم وأطيب لان الاسنان اذا تراصت علق فيها الطعام فتغيرت لذلك رائحة الفم وأبلغ في الفصاحة لان اللسان يتسع فيها كما في شرح المواهب وغيره وقوله حين يبسم الخ أي هو برّاق الثنايا أي شديد لمعانها كالبرق حين يبسم بكسر السين يقال بسم يبسم كضرب يضرب وابتسم وتبسم وهو دون الضحك والمبسم كمجلس الثغر والثنايا جمع ثنية كقضية وهى من الاسنان أربع في مقدّم الفم ثنتان من فوق وثنتان من تحت وللإنسان أربع ثنايا وأربع ضواحك واحدها ضاحك لظهورها عند الضحك وأربع رباعيات بفتح الراء جمع رباعية كثمانية واثنتا عشرة رحى في كل شق ست وهى الطواحن ثم بعدها النواجذ وهى أقصى الاضراس كما في التهذيب واليها أشار الناظم حفظه الله بقوله:

ثنيته رباعية فناب * * * فضاحكه طواحنه فناجذ
وكل أربع الاطحونا * * * فثنتا عشر ما فيها منابذ

والربعة المربوع الخلق لا طويل ولا قصير يقال رجل ربعة وامرأة ربعة والجمع ربعات بالتحريك شذوذا كما في الصحاح لأنه صفة وقياسها تسكين العين في الجمع فقوله لا يطول تتميم أشار به كما قال الناظم نفسه الى أنه لا يبلغ أن يكون طويلا ولا بما فوق الربعة من يسير الطول وقوله عربي في لونه أي هو عربي اللون أي أسمر لان الغالب على العرب السمرة ولذا قال (صلى الله عليه وسلم) بعثت الى الاحمر والاسود أي الى العجم والعرب وقوله ينميه بفتح حرف المضارعة يقال نميت الرجل الى أبيه أنميه من باب رمى اذا نسبته اليه أي ينسبه اسرائيل الى نفسه لشبهه به في نحافة الجسم ولذا كان سيدنا موسى بن لاوي بن يعقوب (عليهم السلام) ضربا من الرجال وقوله وجهه في اشتداد سمرته لم أر في رواية وصف سمرته بالشدّة بل ورد أنه مشرب حمرة كما يأتي وذلك لا ينافى أن لونه عربي لان السمرة عند العرب هي البياض المشرب حمرة ولذا روى أن نبينا (صلى الله عليه وسلم) كان أسمر أي أبيض مشربا حمرة وروى أنه ليس بالأبيض قال الصبان المراد بالبياض المنفى في هذه الرواية البياض الشديد الخالص عن الحمرة ولا شك أن خلق

↑صفحة ١٢٠↑

المهدى كخلق جدّه بفتح الخاء المعجمة فيهما كما يأتي وان كان لا يلزم أنه يشبهه في خلقته من جميع الوجوه لكن الناظم حفظه الله مطلع لم يأت الا بما رأى والله أعلم والدري بتثليث داله الشديد الاستنارة كأنه نسب الى الدر اصفائه فالمضيء تفسير له وقوله واذا أبطأ الكلام الخ عبارة ابن حجر في باب علاماته التي جاءت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) يضرب فخذه اليسرى بيده اليمنى اذا أبطأ عليه الكلام اهـ وقوله بين فخذيه بعد أي تجاف ويلزمه اتساع خطوه والخشوع الخضوع أي التواضع والتذلل وقيل الخشوع في الصوت والبصر والخضوع في البدن كذا في النهاية لابن الاثير ورد أن المهدي خاشع لله كخشوع النسر بجناحيه نقله ابن حجر وقوله منيل أي معط يقال ناله وأناله ونوّله اذا أعطاه كما في الاساس* وفي الهدية الندّية قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليبعثن الله من عترتي رجلا أفرق الثنايا أجلى الجبهة يملأ الارض عدلا يفيض المال فيضا رواه أبو نعيم بن حماد عن أبى سعيد الخدري وقال (صلى الله عليه وسلم) المهدي رجل من ولدى لونه لون عربي وجسمه جسم إسرائيلي على خدّه الايمن خال كأنه كوكب درى يملأ الارض عدلا كما ملئت جورا يرضى في خلافته أهل الارض وأهل السماء والطير في الجوّ رواه أبو نعيم عن أبى أمامة وفي رواية للحاكم في خده الايمن خال أسود كما في الهدية والقول المختصر قال الصبان في رسالته اسعاف الراغبين وأخرج الروياني والطبراني وغيرهما المهدي من ولدى وجهه كالكوكب الدري اللون لون عربي والجسم جسم إسرائيلي أي طويل اهـ وتفسيره بالطويل لا يناسب كونه ربعة فالمناسب ما مر ثم قال وورد في حليته أنه شاب أكحل العين أزج الحاجبين أقنى الانف كث اللحية على خدّه الايمن خال وعلى يده اليمنى خال ومثله في القول المختصر وقال في الصواعق أخرج ابن المبارك عن ابن عباس أنه قال المهدي اسمه محمد بن عبد الله ربعة مشرب بحمرة يفرّج الله به عن هذه الامة كل كرب ويصرف بعد له كل جور وقال (صلى الله عليه وسلم) لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لبعث الله رجلا اسمه كاسمي وخلقه كخلقي يكنى أبا عبد الله زاد في رواية لأبي داود وابن ماجه واسم أبيه اسم أبى ثم شرع في نسبته (عليه السلام) مشيرا الى اختلاف الروايات فيها فقال:

↑صفحة ١٢١↑

حسنيّ سبط الحسين أو العكـ * * * س وسبط العباس فهو أصيل

السبط بكسر السين وسكون الموحدة قيل ولد الرجل وقيل ولد ولده وقيل ولد بنته كذا في النهاية والمراد أنه من ذرية سيدنا الحسن بن على رضي الله عنهما في أكثر الروايات وأصحها ولذا قدّمه وأنه سبط سيدنا الحسين بن على رضي الله عنهما أي ابن بنته فقد ورد أنه من ذريته وبذا جمع بعضهم وهو الراجح وقال ابن حجر في الصواعق روى أبو داود أنه من ولد الحسن وكانّ سره ترك الحسن الخلافة لله (عزَّ وجلَّ) شفقة على الامة فجعل الله القائم بالخلافة الحق عند شدّة الحاجة اليها من ولده ليملأ الارض عدلا ورواية كونه من ولد الحسين واهية جدا ومع ذلك لا حجة فيه لما زعمته الرافضة أن المهدي هو أبو القاسم محمد الحجة بن الحسن العسكري ومما يردّ عليهم ما صح أن اسم أبى المهدي يوافق اسم أبى النبي (صلى الله عليه وسلم) واسم أبى محمد الحجة لا يوافق ذلك ويردّه أيضا قول على كرم الله وجهه مولد المهدي بالمدينة ومحمد الحجة هذا انما ولد بسر من رأى سنة خمس وخمسين ومائتين الى آخر ما أطال به في الردّ عليهم فانظره وقوله أو العكس أي أنه من ذرية الحسين وسبط الحسن وقيل انه سبط العباس عم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجاء بكل أحاديث في أبى داود وغيره قال ابن حجر ويمكن الجمع أي على تقدير استواء الروايات في الصحة بأنه لا مانع من أن يكون من ذريته (صلى الله عليه وسلم) وللعباس فيه ولادة من جهة أن في أمهاته عباسية وأن أباه حسنى وأمه حسينية قال ولعل هذا أقرب ولا مانع من اجتماع ولادة المتعدّدين في شخص واحد من جهات مختلفة اهـ وفي حواشي سنن ابن ماجه اختلف في أن المهدي من بنى الحسن أو من بنى الحسين ويمكن أن يكون جامعا بين النسبتين والاظهر أنه من جهة الاب حسنى ومن جهة الام حسيني قلت ومما يدل على أنه من أولاد الحسن ما روى أبو داود عن أبى اسحق قال: قال على كرم الله وجهه ونظر الى ابنه الحسن ان ابنى هذا سيد كما سماه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق أي ولا يشبهه في جميعه ونقل الصبان عن صاحب الفتوحات المكية أنه يشبه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الخلق بفتح الخاء وينزل عنه في الخلق بضمها اذ لا يكون أحد مثل رسول الله (صلى الله عليه وسلم)

↑صفحة ١٢٢↑

في أخلاقه اهـ ومما يدل على أن لكل من الحسن والحسين رضي الله عنهما فيه ولادة ما في الهدية الندية أنه (صلى الله عليه وسلم) قال لفاطمة رضي الله عنها ان منهما يعنى الحسن والحسين مهدى هذه الامة الحديث رواه الطبراني وأبو نعيم عن على الهلالي وفي الزجاجة للسيوطي على ابن ماجة قال ابن كثير فأما الحديث الذي أخرجه الدارقطني في الافراد عن عثمان بن عفان مرفوعا المهدي من ولد العباس فانه غريب تفرد به محمد بن الوليد مولى بنى هاشم وكان يضع الحديث وقال ابن حجر في الصواعق وعلى تقدير صحته لا ينافى كون المهدي من ولد فاطمة المذكور في الاحاديث التي هي أصح وأكثر لأنه مع ذلك فيه شعبة من بنى العباس كما أن فيه شعبة من بنى الحسين وأما هو حقيقة فهو من ولد الحسن كما مر عن على ثم شرع في بيان خصاله الحميدة وكراماته السديدة وما يحصل قبله من الفتن الشديدة حسبما جاءت به الاحاديث العديدة فقال:

يقسم المال بالسوية يقفو * * * أثرا قد قفاه قبل الرسول

يقفو يتبع والاثر بالتحريك ما بقى من رسم الشيء والمراد به الكتاب والسنة وقبل مبنى على الضم لحذف المضاف اليه ونية معناه روى الطبراني وأبو نعيم عن على الهلالي أنه (صلى الله عليه وسلم) قال لفاطمة والذى بعثني بالحق ان منهما يعنى الحسن والحسين مهدى هذه الامة اذا صارت الدنيا هرجا ومرجا وتظاهرت الفتن وتقطعت السبل وأغار بعضهم على بعض فلا كبير يرحم صغير اولا صغير يوقر كبيرا بعث الله عند ذلك منهما من يفتح حصون الضلالة وقلوبا غلفا يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت في أوّله ويملأ الارض عدلا كما ملئت جورا كذا في الهدية الندية ونقل الصبان عن صاحب الفتوحات أن المهدي يحكم بما ألقى اليه ملك الالهام من الشريعة المحمدية كما أشار إليه حديث المهدي يقفو أثرى لا يخطئ:

وله كالكليم ينفلق البحـ * * * ر ويخضر يا بس مستحيل
وبوتر يقوم في عام احدى * * * مثلا في عاشورها فيصول
واذا سار كان بين يديه الـ * * * خضر يمشى ونصره موصول

↑صفحة ١٢٣↑

واذا سيل آية طلب الطيـ * * * ر فجاءت تهوى له فتنيل

يعنى ينفلق وينشق البحر للمهدى كما انفلق لموسى كليم الله (صلى الله عليه وسلم) والمستحيل كل ما تغير عن حالته الاصلية واستحال العودا عوج بعد الاستواء وأشار بقوله وله كالكليم الخ الى ما نقله ابن حجر في القول المختصر عن بعض التابعين أنه يركز لواءه عند فتح القسطنطينية ليتوضأ للفجر فيتباعد عنه الماء فيتبعه حتى يجوز من تلك الناحية ثم يركزه وينادى أيها الناس اعتبروا فان الله (عزَّ وجلَّ) فلق لكم البحر كما فلق لبنى اسرائيل فيجوزون اليه وقوله فيصول أي يستطيل على المخالفين ويثب عليهم ويقتل فيهم والخضر ككتف وحمل وضرب وفي البخاري انما سمى الخضر لأنه جلس على فروة فاذا هي تهتز من خلفه خضراء اهـ والفروة وجه الارض واسمه بليا بموحدة مفتوحة فلام ساكنة فمثناة تحتية ابن ملكان كعطشان وكنيته أبو العباس والاصح أنه نبي لقوله وما فعلته عن أمرى أي بل بوحى من الله تعالى وبأنه أعلم من موسى ولا يكون وليّ أعلم من نبي قال النووي والجمهور على أنه حيّ موجود بين أظهرنا وذلك متفق عليه بين الصوفية وأهل الصلاح وقال الثعلبي هو نبي معمر محجوب عن أيصار أكثر الناس لا يموت حتى يرفع القرآن كذا في حواشي ابن ماجه وأشار بقوله وبوتر الى ما قاله القرماني في تاريخه أخبار الدول عن أبى نصير عن أبى عبد الله قال لا يخرج القائم الا في وتر من السنين سنة احدى أو ثلاث أو خمس أو سبع أو تسع ويقوم في عاشوراء ويظهر يوم السبت العاشر من المحرم قائما بين الركن والمقام وشخص قائم على يده ينادى البيعة البيعة فيسير اليه أنصاره من أطراف الارض يبايعونه ثم يسير من مكة حتى يأتي الكوفة فينزل على نجفها ثم يفرّق الجنود منها الى سائر الامصار اهـ ونقل نحوه الصبان في رسالته وفي الهدية عن على كرم الله وجهه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المهدي رجل من عترتي يقاتل على سنتي كما قاتلت أنا على الوحى رواه نعيم بن حماد عن قتادة وفيها عن على رضي الله عنه قال يومئ المهدي للطير فيسقط على يديه ويغرس قضيبا في بقعة من الارض فيخضر ويورق اهـ وقوله واذا سيل بكسر السين المهملة وسكون المثناة التحتية يقال سال يسال بغير همز كخاف يخاف لغة في المهموز فاذا بنى للمجهول كما هنا قيل سيل

↑صفحة ١٢٤↑

كخيف والآية بالمدّ العلامة والعبرة ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وإِخْوَتِهِ آيات﴾ أي أمور وعبر مختلفة وقوله تهوى أي تسقط فتنيل أي فتعطيه نفسها:

وعليه عباءتان وقدحا * * * ز قميصا قد اكتساه الرسول
وكذا سيفه ورايته ذا * * * ت الطراز المسودّ فيها القبول
ثم راياته سواها كثير * * * بين بيض زهر وصفر تجول
كلها الاسم الأعظم انخط فيها * * * فعليها انهزامها مستحيل

عباءتان تثنية عباءة بالهمز ويقال عباية بمثناة تحتية بدلها ضرب من الاكسية وفي الهدية من رواية الحاكم في مستدركه عن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المهدي من ولدى ابن أربعين سنة كأن وجهه كوكب دريّ في خدّه الأيمن خال أسود عليه عباءتان قطوانيتان اهـ نسبة الى قطوان محركا موضع بالكوفة وقوله اكتساه أي لبسه مطاوع كسوته والطراز ككتاب العلم فارسي معرّب والمسودّ نعته والقبول كصبور مصدر قبلت الشيء بكسر الموحدة قبولا وهو مصدر شاذ لم يسمع غيره كما في الصحاح ويقال فلان عليه قبول اذا قبلته النفس ومالت اليه وارتاحت له قال الناظم حفظه الله ويجوز أن يراد بالقبول ريح الصبا التي تهب بنصر أهل القبول فهو كناية عن النصر كما يقال النصر معقود بأعلامه اهـ وفي القول المختصر انه يخرج براية النبي (صلى الله عليه وسلم) من مرط معلمة سوداء مربعة لم تنشر منذ توفى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولا تنشر حتى يخرج المهدي وقال في موضع آخر منه يظهر من مكة عند صلاة العشاء معه راية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقميصه وسيفه وعمامته ونور وبيان وقوله زهر بضم الزاي أي شديدة البياض وتجول بالجيم بمعنى تطوف أي يطوف بها أهلها حول الجيوش ويجولون بها في الحروب وقوله انخط بالخاء المعجمة مطاوع خط الشيء بالقلم أي كتبه وقوله فعليها الخ أي فانهزام أصحاب هذه الرايات مستحيل أي لا يقدر أحد أن يهزمها حتى تنهزم أي تنكسر ويتشتت جمعها لكون الاسم الاعظم مكتوبا عليها (تنبيه) لم أجد وصف الرايات بالبياض والصفرة الا في رواية واحدة ذكرها سيدى عبد الوهاب الشعراني في مختصر التذكرة بلفظ روى

↑صفحة ١٢٥↑

أنه يخرج في آخر الزمان رجل يقال له المهدي من أقصى المغرب يمشى النصر بين يديه أربعين ميلا راياته بيض وصفر فيها رقوم وفيها اسم الله الاعظم مكتوب فيها فلا تهزم له راية الى آخر ما قال ولعل هذه الرواية هي التي عقدها الناظم لكن الذي في روايات عديدة أن راياته كلها سود ذكرها ابن حجر في القول المختصر والبكري في الهدية وأبو داود وابن ماجه وغيرهم بل قال ابن حجر والسيوطي ما ذكره القرطبي في قصته الطويلة من أنه يخرج من المغرب الاقصى لا أصل له وسيأتي الكلام على ذلك (روى) ابن ماجه عن علقمة عن عبد الله قال بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اذ أقبل فتية من بنى هاشم فلما رآهم النبي (صلى الله عليه وسلم) اغرورقت عيناه أي غرقتا بالدموع وتغير لونه قال فقلت ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه فقال انا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وان أهل بيتي سيلقون بعدى بلاء وتشريدا وتطريدا حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الخير فلا يعطونه فيقاتلون فينصرون فيعطون ما سألوا فلا يقبلون حتى يدفعوها الى رجل من أهل بيتي فيملؤها قسطا كما ملؤها جورا فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبوا على الثلج أي يأتهم ولو بلغ أشدّ الصعوبات وروى الامام أحمد والبيهقي في دلائل النبوّة عن ثوبان قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان فأتوها فان فيها خليفة الله المهدي أي فيها نصرته واجابته فلا ينافى أن ابتداء ظهوره انما يكون في الحرمين الشريفين كما يأتي:

وعليه الغمام فيه نداء * * * باسمه مع يد اليه تميل
ومناد من السماء ينادى * * * باسمه للأنام طرّا يهول
يوقظ النائمين يقعد من قا * * * م يقيم القعود شيء مهول
لفظه واحد ويسمع كل * * * باللسان الذي له اذ يقول

الغمام السحاب والغداء بكسر النون وتضم الصوت وتميل تدنو مشيرة الى المهدي والانام الخلق وطرّا بضم الطاء منصوب على المصدرية او الحال المؤكدة بمعنى جميعا ويوقظ ينبه ويقعد بضم حرف المضارعة أي يجعل المنتصب على قدميه قاعدا

↑صفحة ١٢٦↑

وبالعكس كما قال يقيم القعود جمع قاعد ومهول كصبور أي هائل مفزع أو فيه هول أي خوف وفزع عكس قولهم سيل مفعم كما في الاساس (روى) أبو نعيم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخرج المهدي وعلى رأسه غمامة فيها مناد ينادى هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه وفي رواية للخطيب في تلخيص المتشابه عن ابن عمر أيضا يخرج المهدي وعلى رأسه ملك ينادى ان هذا مهدى فاتبعوه وقال (صلى الله عليه وسلم) ستكون فتنة لا يهدأ منها جانب إلّا جاش منها جانب حتى ينادى مناد من السماء أميركم فلان رواه الطبراني في الاوسط عن طلحة بن عبد الله كذا في الهدية:

وقبيل الظهور تبدو أمور * * * فتن جمة وخطب جليل

بتصغير قبل اشارة الى تقليل الزمن الذي بين ظهور المهدي (عليه السلام) وظهور هذه الفتن الكثيرة التي هي أدل على قرب ظهوره من غيرها فلا ينافى ما وقع من الفتن التي ملئت بها التواريخ وما هو واقع الآن مشاهد لا يحتاج لتوريخ كل ذلك مصداق ما جاءت به أخبار الصادق الذي لا ينطق عن الهوى (صلى الله عليه وسلم) ففي المصابيح لمحيي السنة البغوي روى البيهقي عن أبى سعيد ومعاذ رضي الله عنهما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال ان هذا الامر بدئ بنبوة ورحمة ثم يكون خلافة ورحمة ثم يكون ملكا عضو ضائم كائن جبرية وعتوّا وفسادا في الارض يستحلون الحرير والفروج والخمور يرزقون على ذلك وينصرون حتى يلقوا الله (ومعنى الحديث) أنه كان أوّل الدين نزول الوحى والرحمة ثم كان زمان الخلفاء الراشدين رحمة وشفقة وعدل ثم وهن الامر أي ضعف وظهر بعض الظلم ثم هو كائن جبرية أي قهرا وغلبة وعتوّا وكبرا ومع ذلك يرزقون وينصرون لحكم الهية (وروى) الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما (خمس بخمس) أي خمس من الخصال مقابلة بخمس من العقوبات (ما نقض قوم العهد الا سلط عليهم عدوّهم وعند ابن ماجه من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ولم ينقضوا عهد الله ورسوله الا سلط الله عليهم عدوّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم وما حكموا بغير ما أنزل الله الا فشا فيهم الفقر ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلّا فشا فيهم الموت

↑صفحة ١٢٧↑

وعند ابن ماجه الا فشا فيهم الطاعون والاوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم ولا طففوا المكيال الا منعوا النبات وأخذوا بالسنين) أي عوقبوا بالجدب وعند ابن ماجه ولم ينقصوا المكيال والميزان الا أخذوا بالسنين وشدّة المؤنة وجور السلطان عليهم ولا منعوا الزكاة الا حبس عنهم القطر زاد ابن ماجه ولو لا البهائم لم يمطروا (وروى) مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسى كافرا ويمسى مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل أي بما يعرض ويحدث من متاع الدنيا القليل والبيع هنا لغوى (والمعنى) بادروا وسارعوا الى الاشتغال بالأعمال الصالحة قبل وقوع الفتن المتراكمة كتراكم ظلمات الليل فتشغلكم عنها وتقعوا في المهالك التي لا طريق للخلاص منها فهي كقطع الليل بجامع عدم الاهتداء الى المقصود عند وجود كل فتنقلبوا والعياذ بالله من الايمان الى الكفر وعكسه في اليوم الواحد فيستحل أحدكم دم أخيه وعرضه وماله تارة ويحرّمه أخرى (وروى) ابن ماجه والطبراني عن أبى أمامة رضي الله عنه ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسى كافرا الا من أحياه الله بالعلم أي أحيا قلبه به لأنه على بصيرة من أمره ﴿أَو مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي اَلظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ اللهم أغننا بالعلم وزينا بالحلم وأكرمنا بالتقوى وجملنا بالعافية (وروى) ابن ماجه والبغوي وقال متفق عليه عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال كان الناس يسألون رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني أي فان دفع الضرر أهم من جلب النفع وقوله وما دخنه أي ما سبب كدورته اهـ منه قال قلت يا رسول الله انا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر قال نعم قلت وهل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه (دخن) بفتحتين أي كدورة وسواد والمراد أنه لا يكون خيرا بحتا أي خالصا (قلت وما دخنه قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي أي يسيرون بغير سيرتى (تعرف منهم وتنكر قلت فهل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب جهنم) أي يدعون الناس الى الضلالة وكل ضلالة في النار فكأنهم واقفون على أبوابها (من أجابهم اليها قذفوه فيها قلت يا رسول الله صفهم لنا قال هم قوم من جلدتنا) بكسر الجيم أي من أبناء جنسنا

↑صفحة ١٢٨↑

أو من أهل ملتنا (ويتكلمون بألسنتنا) أي بالمواعظ والحكم (قلت فما تأمرني ان أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وامامهم قلت فان لم يكن لهم جماعة ولا امام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض (بفتح العين) بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك اهـ والمراد ولو أن تلزم أصل شجرة تعبد الله تحتها (قيل) المراد بالشر الأول الفتن التي وقعت عند قتل عثمان رضي الله عنه ومن بعده وبالخير الثاني ما وقع في خلافة عمر بن عبد العزيز وبالذين تعرف منهم وتنكر الامراء بعده فكان منهم من تمسك بالسنة والعدل ومنهم من يدعو الى البدعة (وروى) أبو داود عن أبى هريرة رضي الله عنه ستكون فتنة صماء بكماء عمياء من استشرف لها استشرفت له واشراف اللسان فيها كوقوع السيف وفي رواية أشدّ من وقع السيف (والمعنى) أنها كالحية العمياء الصماء التي لا تقبل لسعتها الرقى ولا يستطيع أحد أن يأمر فيها بمعروف أو ينهى عن منكر بل ان تكلم بحق آذاه الناس فمن تطلع لتلك الفتنة تطلعت له وجرّته اليها واطالة اللسان فيها بالكلام أشدّ من ضرب السيف:

جراحات السنان لها التئام * * * ولا يلتام ما جرح اللسان

وروى ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه قيل يا رسول الله متى نترك الامر بالمعروف والنهى عن المنكر قال اذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم قلنا يا رسول الله وما ظهر في الأمم قبلنا قال الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالتكم بضم الراء قال زيد بن يحيى أي اذا كان العلم في الفساق (وروى) مسلم وغيره عن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان أي أن الانكار بالقلب بان يكرهه ويعزم على تغييره ان قدر أضعف ثمرات الايمان وآثاره أو المراد تضعف خصال الاسلام وذلك لان التغيير ليس من الايمان الذي هو التصديق القلبي فمن ترك مرتبة من هذه المراتب مع القدرة عليها كان عاصيا ومن تركها بلا قدرة أو يرى المفسدة أكثر ويكون منكرا بقلبه فلا اثم عليه وقيل الانكار باليد ككسر أواني الخمر وعقاب المتلبس بالمنكر خاص بالإمام والانكار باللسان خاص بالعلماء والانكار بالقلب

↑صفحة ١٢٩↑

خاص بعامّة المؤمنين ثم اعلم أن المنكر اذا كان حراما بالإجماع وجب الزجر عنه بشرط السلامة وان كان مكروها ندب وكذا الامر بالمعروف تبع لما يؤمر به فان وجب وجب وان ندب ندب هذا محصل ما أفادوه في حواشي السنن (وروى أبو داود والبيهقي في دلائل النبوّة عن ثوبان قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوشك الامم أن تداعى عليكم) بفتح المثناة الفوقية والعين المهملة أي يدعو بعضهم بعضا الى قتالكم (كما تداعى الاكلة الى قصعتها فقال قائل) أي على طريق الاستفهام (ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل) بضم الغين المعجمة أي رذال ضعفاء كورق الشجر البالي المخالط لزبد السيل (ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن قال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت) أي سبب الوهن والضعف حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة ويلزمه كراهة الموت وحب الحياة فمن أين يتشجع ويقوى على الجهاد الناشئ من قوّة الايمان ولن يجتمع الايمان وحب الدنيا في قلب عبد (وروى) أبو داود والترمذي عن ثوبان رضي الله عنه اذا وضع السيف في أمتى لم يرفع عنها الى يوم القيمة ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتى المشركين وحتى تعبد قبائل من أمتى الأوثان وانه سيكون في أمتى كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي الله وأنا خاتم النبيين لا نبيّ بعدى ولا تزال طائفة من أمتى على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله (والمراد) اذا وقعت المقاتلة بسيف أو غيره وخص السيف لغلبة المقاتلة به وقوله لم يرفع أي يتسلسل فيهم وان قل أو كان في بعض الجهات دون بعض ولا ينقطع وهو مشاهد حتى في أعراب البوادي وفي الجامع الصغير من رواية الطبراني عن عبد الله بن عمرو بإسناد حسن لا تقوم الساعة حتى يخرج سبعون كذابا وعند ابن ماجه من حديث ثوبان مولى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وان بين يدى الساعة دجالين كذا بين قريبا من ثلاثين (قال في فتح الباري) أي ممن قامت له شوكة وبدت له شبهة وليس المراد من يدّعى النبوّة مطلقا فانهم لا يحصون كثرة لكون غالبهم ينشأ لهم من جنون أو سوداء (وروى) البخاري عن الزبير بن عديّ قال أتينا أنس بن مالك فشكونا اليه ما نلقى من الحجاج فقال اصبروا فإنه

↑صفحة ١٣٠↑

لا يأتي عليكم زمان الا والذى بعده شر منه حتى تلقوا ربكم سمعته من نبيكم (صلى الله عليه وسلم) وهذا الحديث كما قالوا محمول على الاغلب والاكثر فلا يشكل بزمن عمر بن عبد العزيز بعد زمن أخواله من بنى أمية وبزمن المهدي وعيسى (عليهما السلام) (وروى أبو داود وابن ماجه عن أبى أمية الشعباني قال سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم قال أما والله لقد سألت عنها خبيرا سألت عنها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال بل ائتمروا أي ليأمر بعضكم بعضا وينهى وقوله مؤثرة بضم الميم وفتح المثلثة أي مختارة على أعمال الاخرة اهـ منه بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى اذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة واعجاب كل ذي رأى برأيه) أي من غير نظر الى الكتاب والسنة واجماع الامة والقياس على أقوى الادلة وترك الاقتداء بواحد من الائمة الاربعة بل يستحسن بعقله ويكون مقتي نفسه ولا يرجع الى العلماء فيما فعل (ورأيت أمر الايدان لك به) أي رأيت الناس يعملون بالمعاصي ولا قدرة لك على ردّهم وخص اليدين لان الدفاع بهما غالبا وفي رواية الترمذي لا بدّ لك به بموحدة مضمومة أي لا فراق لك منه أي رأيت أمرا يميل اليه هواك ونفسك من الصفات الذميمة فان أقمت بين الناس فلا محالة أن تقع فيه (فعليك خويصة نفسك ودع عنك أمر العوام) أي اعتزل الناس حذرا من الوقوع في المعاصي والخويصة بضم الخاء المعجمة وتشديد الصاد المهملة تصغير خاصة يريد بها حادثة الموت لأنها تخص كل انسان وصغرت لاحتقارها في جنب ما بعدها من البعث والعرض والحساب وقيل أن يلزم ما يخص نفسه من أمر معاشه ومعاده (فان من ورائكم أيام الصبر صبر فيهن على مثل قبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله زاد أبو داود قال أجر خمسين منهم قال أجر خمسين منكم) واعلم أن مجرد زيادة الاجر لا تستلزم الافضلية المطلقة فلا ينافى أفضلية الصحابة رضي الله عنهم مطلقا على من بعدهم بشهادة الاخبار الصحيحة كخبر خير القرون قرني وخبر ان الله اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين (وفي المصابيح روى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخرج في آخر الزمان رجال يختالون الدنيا بالدين) أي يطلبونها خداعا (يلبسون للناس جلود الضأن من اللين) أي من أجل اظهار اللين

↑صفحة ١٣١↑

(ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب يقول الله أبى يغتروّن أم عليّ يجترؤون فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران) قال الطيبي أم منقطعة أنكر أوّلا اغترارهم بالله بإمهاله اياهم حتى اغتروا ثم أضرب عن ذلك وأنكر عليهم ما هو أعظم منه وهو اجتراؤهم على الله والاجتراء افتعال من الجرأة أي التشجع والانبساط (وروى) الترمذي وابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بدا الاسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء قيل ومن الغرباء قال النزاع من القبائل الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدى من سنتي أي يعملون بها ويظهرونها على قدر طاقتهم فهذا الرجل يصبح مهجورا في قومه كالغريب وذلك سنة الله بأحبائه ولكنه يعينهم والعاقبة للمتقين ولذا ورد العبادة في الهرج كهجرة اليّ رواه مسلم (قال الرافعي) ان قرئ بدا بغير همز فهو ظاهر وقد يسبق الذهن الى الهمز لأنه ذكر العود على الأثر والابتداء والعود متقابلان وعلى هذا فالمبتدأ به محذوف كأنه قال ابتدأ الاسلام بصحبة القرن الاوّل غريبا لبعده عما كانوا عليه من الشرك وأعمال الجاهلية ويعود غريبا لفساد الناس آخرا وظهور الفتن فطوبى للغرباء أي الجنة للمسلمين في أوّله وآخره لصبرهم على الأذى ولزوم الاسلام اهـ من حواشي سنن ابن ماجه (وروى) أبو داود عن أبى موسى قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمتى هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل (والمراد) من هذا الحديث والله أعلم اختصاص أمته (صلى الله عليه وسلم) بمزيد رحمة من الله تعالى وأنهم اذا أصيبوا في الدنيا بشيء يثابون عليه ويكفر به ذنوبهم وليست هذه الحالة لسائر الأمم* وفي الهدية الندية روى الطبراني عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تجيء فتنة غبراء مظلمة ثم يتبع الفتن بعضها بعضا حتى يخرج رجل من أهل بيتي يقال له المهدي فان أدركته فاتبعه تكن من المهتدين (وروى) أبو نعيم في الحلية عن حذيفة رضي الله عنه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ستكون بعدى فتنة الأحلاس يكون فيها حرب وهرب ثم بعدها أشدّ منها ثم تكون فتنة كلما قيل انقطعت عادت حتى لا يبقى بيت إلّا دخلته ولا مسلم الا لطمته حتى يخرج رجل من

↑صفحة ١٣٢↑

عترتي (والأحلاس) جمع حلس بكسر الحاء المهملة ما يبسط تحت الثياب فلا يزال تحتها وهو أيضا الكساء الذي يوضع على ظهر البعير تحت القتب أو البرذعة وانما أضيفت اليها لدوامها لان الحلس يبقى ملازما فكأنه قال فتنة الدوام أو الفتنة التي هي كالأحلاس في الكدورة أو الفتنة التي يكون العقلاء فيها أحلاس بيوتهم أي ملازمين لها خوفا من الوقوع فيها وقوله فيها حرب وهرب بفتح أوّلهما وثانيهما أي سلب وفرار أي يفرّ بعضهم من بعض لما بينهم من المحاربة وهذا الحديث له شواهد في سنن أبى داود وغيره (تنبيه) الفتن جمع فتنة وهى المحنة والبلية من فتن الفضة كضرب عرضها على النار ليعرف جيدها من رديئها وقوله جمة بفتح الجيم وتشديد الميم أي كثيرة من الجموم بضم الجيم أي الاجتماع والكثرة والخطب بفتح الخاء المعجمة الامر صغر أو عظم كما في القاموس ولذا وصفه الناظم بجليل أي عظيم وفي النهاية الخطب الامر الذي تقع به المخاطبة والشأن والحال ومنه قولهم جل الخطب أي عظم الامر:

وظلام على السما واحمرار * * * مستطير وكوكب مستطيل

المستطير المنتشر والمستطيل الممتدّ وبينهما الجناس المضارع وهو ما أبدل من أحد ركنيه حرف واحد بغيره من مخرجه كما هنا ومنه حديث الخيل معقود في نواصيها الخير فان لم يكن من مخرجه فجناس لا حق وفي القول المختصر كالهدية الندية عن كعب رضي الله عنه يطلع قبل خروج المهدي نجم من المشرق له ذنب يضيء

واضطرام يبدو من الشرق نار * * * تتلظى لياليا وتزول

الاضطرام الالتهاب كالتلظي روى البخاري أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال أوّل أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق الى المغرب والترمذي أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال ستخرج نار من حضر موت أو من نحو حضر موت قبل يوم القيمة قالوا يا رسول الله فما تأمرنا قال عليكم بالشأم (وروى) البخاري ومسلم لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الابل ببصرى بضم الموحدة وسكون الصاد المهملة مقصورا مدينة معروفة بالشأم بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل قاله النووي

↑صفحة ١٣٣↑

قال القرطبي خرجت نار عظيمة وكان بدؤها زلزلة عظيمة وذلك ليلة الاربعاء بعد الفجر الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة الى ضحى نهار يوم الجمعة فسكنت وظهرت بقريظة عند قاع التنعيم بطرف الحرّة ترى في صورة البلد الى آخر ما قال فراجعه وهذه غير النار التي تحشر الناس بل هي آية من أشراط الساعة مستقلة كما قاله النووي وهى التي أشار اليها الناظم اذ الحاشرة انما هي بعد المهدي كما لا يخفى:

وخسوف بالشام يمحو حرستا * * * وتوالى زلازل قد تغول

حرستا بفتح الحاء والراء وسكون السين المهملات فمثناة فوقية فألف تأنيث مقصورة قرية كبيرة بدمشق في وسط بساتينها على طريق حمص وحرستا المنظرة من قرى دمشق أيضا بالغوطة في شرقيها وحرستا أيضا من أعمال رعبان من نواحي حلب وفيها حصن ومياه غزيره ورعبان بفتح الراء وسكون العين المهملتين فموحدة قلعة عند حلب كذا في ياقوت وفي القول المختصر والهدية عن بعض التابعين لا يخرج المهدي حتى يخسف بقرية بالغوطة تسمى حرستا اهـ والغوطة بضم الغين المعجمة موضع كثير المياه والاشجار هناك وقوله توالى أي تتابع وتغول بالغين المعجمة أي تأتى الناس بغتة من حيث لا يشعرون:

وانحسار الفرات عن جبل من * * * ذهب كم وكم عليه قتيل

الانحسار الانكشاف مصدر انحسر مطاوع حسر كضرب ونصر تقول حسرت العمامة عن رأسي أي كشفتها والفرات كغراب نهر الكوفة وكم للتكثير وعطف عليها مثلها تأكيدا (روى) البخاري ومسلم وأبو داود عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً اهـ أي لأنه مستعقب للبليات وهو آية من آيات الله والبخاري وابن ماجه لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب فيقتتل الناس عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون ويقول كل رجل منهم لعلى أكون أنا الذي أنجو اهـ والجمع ممكن (فائدة) روى الحافظ السيوطي في جامعه عن ابن مسعود رضي الله عنه ينزل

↑صفحة ١٣٤↑

في الفرات كل يوم مثاقيل من بركة الجنة أي شيء من بركتها له وقع وذكر المثاقيل للتقريب للأذهان اهـ وفي معجم ياقوت روى عن على كرم الله وجهه يا أهل الكوفة ان نهركم هذا يصب اليه ميزابان من الجنة وروى أن أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق شرب من ماء الفرات ثم استزاد واستزاد فحمد الله وقال نهر ما أعظم بركته ولو علم الناس ما فيه من البركة لضربوا على حافتيه القباب ولو لا ما يدخله من الخطائين ما انغمس فيه ذو عاهة الا برأ اهـ وفي الهدية قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقتل عند كنزكم هذا ثلاثة كلهم ابن خليفة ثم لا يصير الى واحد منهم ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلا لم يقتله قوم ثم يجيء خليفة الله المهدي فاذا سمعتم به فأتوه فبايعوه ولو حبوا على الثلج فانه خليفة الله المهدي رواه أحمد بن حنبل والباوردي عن ابن مسعود:

وطلوع القرن العجيب المرائي * * * ذي السنين التي دهاها المحول

لعله أراد بالقرن نجما يطلع كهيئة القرن أو المراد قرن من الشمس أي خصلة منها بدليل ما في القول المختصر روى أنه لا يخرج المهدي حتى تطلع من الشمس اية وعلى هذا فقوله ذي السنين ظرف لطلوع أي ظهور القرن في ذي السنين ويحتمل أن يراد القرن من الزمان وفيه أقوال كثيرة أشهرها أنه مائة سنة ولعلنا رأينا بعضها أواخر القرن المار وأوائل هذا القرن وعلى هذا فذي بمعنى صاحب نعت للقرن أي القرن صاحب السنين أي المشتمل على السنين التي دها أهلها ما أصابهم من المحول بضم الميم جمع محل بسكون الحاء المهملة وهو الجدب والمرائي جمع مرأى كمنظر وزنا ومعنى أي محل للرؤية وجمع المرائي باعتبار تعدد الرؤية أو الرائين له فكأنه كلما رؤى ظهر منه مرأى غير الاوّل (روى) ابن ماجه عن أبى هريرة رضي الله عنه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يأتي على الناس سنوات خدّاعات بصدّق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن وينطق فيها الرويبضة قيل وما الرويبضة قال الرجل التافه ينطق في أمر العامّة اهـ ومعنى خداعها أنه يكثر فيها المطر ويقل الريع فقد أطمعتهم في الخصب بالمطر ثم تخلفت وقيل الخدّاعة القليلة المطر من خدع الريق اذا جف والرويبضة تصغير الرابضة وهو العاجز الذي ربض عن معالى الامور أي قعد عن طلبها وتاؤه للمبالغة كذا في النهاية:

↑صفحة ١٣٥↑

ونداء من السماء بأن الـ * * * حق في آل أحمد ما يحول
ونداء الشيطان في الارض أن في * * * آل عيسى أو غيره لا يزول

ما يحول أي لا يتحوّل ولا ينتقل وقوله أو غيره وهو العباس كما جاء في رواية أي يقول ذلك الشيطان لتخرج النصارى أو العباسيون فيقاوموا المهدي ولتظهر الفتن:

ولنصف من شهر صوم ترى الشمـ * * * س بوصف الكسوف حقا تحول
ولأولاه يخسف الطوس أو يخـ * * * سف فيه ثنتين فيما نقول

الطوس بفتح الطاء وسكون الواو القمر من طاس يطوس كقام يقوم اذا حسن وجهه وفي مختصر التذكرة عن شريك ان الشمس تكسف مرتين في رمضان قبل خروج المهدي اهـ وفي القول المختصر لمهدينا آيتان لم يكونا منذ خلق الله السموات والارض ينكسف القمر لأوّل ليلة من رمضان وتنكسيف الشمس في النصف منه وذكر رواية أخرى ان القمر ينكسف في رمضان مرّتين انتهى ولا تعارض بين هذه الروايات لمن تأمل:

وبشوال اتحاد وفي تلـ * * * ويه كرب يليه حرب طويل
ثم نهب الحجاج والقتل فيهم * * * بمنى فالدماء ثمّ تسيل
ثم يقضى خليفة فيطول الـ * * * خلف فيمن له الأمور تؤل

يشير بقوله وبشوال وفي تلويه تثنية تلو بكسر التاء أي تالييه الى ما ذكره ابن حجر روى أنه يبايع في المحرم بعد أن تسبقه فتن وحروب في رمضان وما بعده الى ذي الحجة فينهب الحاج بمنى ويكثر القتل حتى يسيل الدم على الجمرة ويهرب صاحبهم المهدي فيبايع بين الركن والمقام وهو كاره بل يقال له ان لم تفعل ضربنا عنقك وذكر رواية أخرى يحج الناس ويعرّفون على غير امام فتثور القبائل بمنى فيقتتلون حتى يسيل الدم على العقبة فيفزعون الى خبر المهدي فيأتونه وهو ملصق وجهه الى الكعبة يبكى فيقولون هلم فلنبايعك فيقول ويحكم كم من عهد نقضتموه وكم من دم سفكتموه فيبايع كرها فاذا أدركتموه فبايعوه فانه المهدي في الارض والمهدى في السماء اهـ وفي الهدية الندية من رواية نعيم بن حماد عن شهر بن حوشب رضي الله عنه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)

↑صفحة ١٣٦↑

في ذي القعدة تحارب القبائل وعاش ينهب الحاج فتكون ملحمة بمنى حتى يهرب صاحبهم فيبايع بين الركن والمقام وهو كاره يبايعه مثل عدّة أهل بدر يرضى عنه ساكن السماء وساكن الارض وأشار بقوله ثم يقضى بالبناء للفاعل أي يموت خليفة الخ الى ما رواه أبو داود عن أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) قال يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا الى مكة فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام الحديث وفي القول المختصر يكون قبله فتن ثم يجتمع جماعة على رجل من ولد على كرم الله وجهه ليس له عند الله خلاق فيقتل ثم يموت فيقوم المهدي اهـ وفي الهدية عن على كرم الله وجهه يخرج رجل قبل المهدي من أهل بيتي فيقتل ويمثل ويتوجه الى بيت المقدس فلا يبلغه حتى يموت وفيها أيضا من رواية ابن أبى شيبة عن عاصم بن عمر البجلي موقوفا في المحرّم ينادى مناد من السماء ألا ان صفوة الله فلان فاسمعوا له وأطيعوا:

فيقوم المهدي من جهة الغر * * * ب أو الشرق ردؤه جبرئيل
فهو سور على المقدّمة الغرّ * * * ا وسور الوراء ميكائيل
والأمير الانسيّ مع جبرئيل * * * صاحب الخرطوم الولي الجليل
فهو عز المهدي ناصره المنـ * * * صور محبوبه فنعم الخليل

الردء بكسر الراء العون ومقدّمة الجيش بكسر الدال التي تتقدّم قدّامه والوراء الخلف بفتح أولهما ويكون بمعنى قدّام فهو من الأضداد وأشار بأولى اختلاف الروايات ففي بعضها يقوم من جهة الغرب الاقصى وأورد حديثها القرطبي في التذكرة وقال ابن حجر والسيوطي لا أصل له كما مر وفي بعضها يقوم من جهة الشرق وأحاديثها كثيرة في السنن ويمكن الجمع على تقدير صحة حديث القرطبي بأن له قومتين بدليل أنه يبايع مرّتين وفي الثانية يكون كارها كما يأتي وفي الهدية عن حذيفة رضي الله عنه ان المهدي يبايع بين الركن والمقام ويخرج متوجّها الى الشأم وجبريل على مقدّمته وميكائيل على ساقته يفرح به أهل السماء وأهل الارض والطير والوحش والحيتان في البحر ونحوه

↑صفحة ١٣٧↑

في القول المختصر (وروى) الترمذي لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يليهم رجل من أهل بيتي تكون الملائكة بين يديه الحديث وورد أن الله تعالى يمدّه بثلاثة آلاف من الملائكة كما في رسالة الصبان وفي الجامع الصغير من رواية الامام أحمد وابن ماجه المهدي من أهل البيت يصلحه الله في ليلة أي يصلحه للأمارة والخلافة فجأة كذا في انجاح الحاجة على ابن ماجه وقال المناوي قيل انه يصير متصرفا في عالم الكون بأسرار الحروف وصاحب الخرطوم هو الذي ذكره القرطبي في التذكرة فقال في أثناء حديثه ويكون على مقدّمة عسكره صاحب الخرطوم وهو صاحب الناقة المعراء قوله المعراء من المعر بجيم وعين مهملة محركا وهو قلة الشعر من قولهم أرض معراء لا نبات بها وقد تحرفت بالغراء في نسخ مختصر التذكرة المطبوعة اهـ مؤلف وصاحب المهدي وناصر دين الاسلام وولى الله حقا اهـ وجاء في بعض الروايات تسميته ففي رسالة الصبان عن السيوطي ان على مقدّمة جيشه رجلا من تميم خفيف اللحية يقال له شعيب بن صالح وفي القول المختصر يملك قبل المهدي أميرا فريقي اثنتي عشرة سنة ثم يملك رجل أسمر يملؤها عدلا ثم يسير مع المهدي ويطيعه ويقاتل عنه:

وله بيعتان الاولى بمبدا * * * ه والاخرى بمكة فتعول
ولسبق الأولى يرى كاره الأخـ * * * رى فيلفى كأنه مستقيل
ولأولاهما يشير حديث الـ * * * ـغرب فافهم وقس على ما أقول

يعنى للمهدى بيعتان تثنية بيعة بفتح الموحدة وسكون التحتية اسم من المبايعة التي هي عبارة عن المعاقدة وهى المعاهدة كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه ودخيلة أمره قاله في النهاية والاولى بدرج الهمزة بمبداه أي تحصل في أوّل أمره وهى التي تكون بالمغرب على ما مر والاخرى بدرج الهمزة أيضا تكون بمكة بين الركن والمقام كما مر وقوله فتعول أي تشتدّ وتتفاقم وقوله فيلفى بالفاء أي يوجد كأنه طالب للإقالة أي رفع البيعة المذكورة وقوله وقس على ما أقول أي وحديث الشرق يشير لأخراهما وقد ذكر حديث البيعتين القرطبي وغيره:

وببيداء بين مكة والغرّ * * * اء يدهى بالخسف جيش ضلول

البيداء بفتح الموحدة والمدّ أرض ملاء بين مكة والغراء وهى المدينة الشريفة لكنها

↑صفحة ١٣٨↑

الى مكة أقرب وكل مفازة لا ماء فيها فهي بيداء كما في ياقوت ومن أسماء المدينة أيضا طابة وطيبة بفتح فسكون وطيبة كسيدة والمطيبة كمعظمة والجابرة والمجبورة والحبيبة والمحببة كما في اللسان عن ابن برى والضلول كصبور كثير الضلال والغىّ:

ثم بعد الأخرى يسير إلى الشا * * * م فيغزو كلبا ومن تستميل

أي ثم بعد البيعة الثانية يسير الى بلاد الشام فيغز وقبيلة كلب وهم أخوال السفياني ويغزو القبائل التي تستميلهم وتجلبهم اليها وأشار بهذا البيت والذى قبله الى الحديث الذي رواه أبو داود وغيره عن أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) قال يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا الى مكة) أي كراهة لأخذ الامارة أو خوفا من الفتنة الواقعة فيها وهى المدينة المطهرة أو المدينة التي فيها الخليفة قال الطيبي وهو المهدي أي بدليل ايراد أبى داود هذا الحديث في باب المهدي (فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه قوله فيخرجونه أي من بيته ليتخذوه اماما كما في القول المختصر وقوله بعشا بسكون العين وفتحها أي جيشا اهـ منه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام ويبعث اليه بعث من الشأم فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة فاذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشأم) أي أولياؤه العباد واحدهم بدل محركا سموا بذلك لأنه كلما مات منهم واحد بدّل بآخر (وعصائب العراق) جمع عصابة بكسر العين الجماعة من الناس من العشرة الى الاربعين ولا واحد لها من لفظها وقيل أراد جماعة من الزهاد سماهم بالعصائب لأنه قرنهم بالأبدال والنجباء كذا في النهاية (فيبايعونه بين الركن والمقام ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب فيبعث اليهم بعثا فيظهرون عليهم وذلك بعث كلب والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب فيقسم المال ويعمل في الناس بسنة نبيهم (صلى الله عليه وسلم) الحديث وفي رواية له كابن ماجه واللفظ للثاني فقالت أم سلمة يا رسول الله لعل فيهم المكره قال انهم يبعثون على نياتهم) أي يبعثون مختلفين على قدر نياتهم فيجازون بحسبها قال النووي وفي هذا الحديث من الفقه التباعد عن أهل الظلم والتحذير عن مجالستهم لئلا يناله ما يعاقبون به وفيه أن من كثر سواد قوم جرى عليه حكمهم في سائر عقوبات الدنيا وقوله ثم ينشأ رجل من قريش الخ هذا الرجل هو السفياني كما صرح به في روايات بلغت مبلغ التواتر فيسير بمن معه الى المهدي فيظهر المهدي ومن معه عليهم ويذبح

↑صفحة ١٣٩↑

السفياني على باب إيليا وهو كما نقله الصبان عن الشيخ المجدولي رجل من ولد خالد بن يزيد ابن أبى سفيان ضخم الهامة بوجهه أثر الجدري وبعينه نكتة بيضاء يخرج من ناحية دمشق يفعل الأفاعيل ويقتل قبيلة قيس اهـ وفي التذكرة ان اسمه عروة بن محمد السفياني ونقل ابن حجر روايات متعارضة في محل قتل السفياني وقدّم منها رواية انه يذبح تحت الشجرة التي أغصانها الى بحيرة طبرية (وروى) أبو داود عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال ما أدرى أنسى أصحابي أم تناسوا والله ما ترك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من قائد فتنة أي داعى ضلالة وباعث بدعة ويبلغ صفته والمراد بمن معه متابعوه اهـ منه الى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلّا سما باسمه واسم أبيه واسم قبيلته:

ثم يغزو كفار أندلس * * * ثمّ فروقا ويكثر التقتيل

حديث فتح الأندلس ذكره القرطبي وهى بفتح الهمزة وضم الدال وفتحها مع ضم اللام لا غير كلمة أعجمية لم تستعملها العرب في القديم وانما عرفتها في الاسلام جزيرة كبيرة فيها عامر وغامر طولها نحو شهر في نيف وعشرين مرحلة تغلب عليها المياه الجارية والشجر والثمار تواجه من أرض الغرب تونس أفاده ياقوت في معجمه وفروق كصبور لقب القسطنطينية بضم القاف وفتح الطاء الأولى وانظر القاموس قال أبو تمام:

وقعة زعزعت مدينة قسط * * * نطين حتى ارتجت بسور فروق

كانت دار ملك الروم عمرها من ملوكهم قسطنطين فسميت باسمه وفتحت في زمن عثمان رضي الله عنه قال سيدى محمد الحنفي في حاشيته على الجامع الصغير وسيملكها الفرنج آخر الزمان بنزولهم في البحر ويكون السلطان بمحل آخر ثم يفتحها وزراء المهدي ويرجعون السلطان فيها ويكون من وزراء المهدي اهـ وروى أبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن بسر أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين ويخرج المسيخ الدجال في السابعة وفي رواية لهما عن معاذ بن جبل رضي الله عنه الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر قال أبو داود وحديث عبد الله بن بسر أصح اهـ أي فهو المرجح على أنه يمكن أن يكون المراد كما قاله

↑صفحة ١٤٠↑

ابن كثير بين أوّل الملحمة وآخرها ست سنين ويكون بين آخرها وفتح المدينة وهى القسطنطينية مدة قريبة بحيث يكون ذلك مع خروج الدجال في سبعة أشهر اهـ مصباح الزجاجة (والملحمة) بفتح الميم شدة القتال وموضع الحرب لاشتباك الناس فيها كاشتباك لحمة الثوب بضم اللام بالسدى بفتح السين والدال المهملتين وقيل هو من اللحم لكثرة لحوم القتلى فيها ونبينا (صلى الله عليه وسلم) نبي الملحمة فهو اما من هذا واما بمعنى الصلاح وتأليف الناس كانه يؤلف أمر الامة (وروى) ابن ماجه في سننه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لا تقوم الساعة حتى يكون أدنى مسالح المسلمين ببولاء ثم قال يا على يا على يا على قال بأبي وأمي قال انكم ستقاتلون بنى الأصفر ويقاتلهم الذين من بعدكم حتى تخرج اليهم روقة الاسلام أهل الحجاز الذين لا يخافون في الله لومة لائم فيفتحون القسطنطينية بالتسبيح والتكبير فيصيبون غنائم لم يصيبوا مثلها حتى يقتسموا بالأترسة ويأتي آت فيقول ان المسيح قد خرج في بلادكم ألا وهى كذبة فالآخذ نادم والتارك نادم (والمسالح) جمع مسلحة وهم قوم ذو وصلاح يحفظون الثغور من العدوّ لئلا يطرقهم على غرّة (وبولاء) بفتح الموحدة وسكون الواو اسم موضع كان ينهب فيه الاعراب متاع الحاج وبنو الاصفر هم الروم لان أباهم الاول كان أصفر اللون وهو روم بن عيصو بن اسحق بن ابراهيم وقال النووي نسبوا الى الاصفر بن روم ابن عيصو اهـ نهاية باختصار (وروقة الاسلام) بضم الراء خيار المسلمين جمع رائق من راق الشيء اذا صفا كفاره وفرهة وصاحب وصحبة بالضم* وفي الهدية الندية كالقول المختصر ان المهدي يفتح رومية يكبرون عليها أربع تكبيرات فيسقط حائطها ويستخرجون منها ذخائر بيت المقدس أي التي أودعها فيه بخت نصر ويستخرجون التابوت الذي فيه السكينة ومائدة بنى اسرائيل ورضاضة الالواح وعصا موسى ومنبر سليمان وقفيزان من المنّ الذي أنزله الله (عزَّ وجلَّ) على بنى اسرائيل أشدّ بياضا من اللبن فيستخرجونه ويردّونه الى بيت المقدس اهـ ونحوه في التذكرة:

ويذل الملوك طرّا فكل * * * لعلا عزه المنيع ذليل
وله يذعن الانام ويدنو * * * كل قاص ويعظم التعديل

↑صفحة ١٤١↑

وتفيض السماء والارض خيرا * * * لا يضاهيه حين يجرى النيل
ثم يبقى حتى يكمل سبعا * * * أو سواها كما رواه الفحول

يذل الملوك أي يقهرهم جميعا والعلا بضم العين المهملة مقصورا الشرف وكذا العلاء كسحاب والعز القوّة والشدّة وضدّ الذل والمنيع المانع لحوزته أو الممنوع من أن يناله مكروه وله تذعن أي تخضع وتطيع ويدنو كل قاص أي يقرب منه كل بعيد وتعديل الشيء تقويمه يقال عدّل الحكم تعديلا سوّاه وتفيض من أفاضل الماء على نفسه أفرغه والمضاهاة المشاكلة يهمز ولا يهمز (في الهدية الندية) قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخرج خارج من أهل بيتي على ثلاث رايات المكثر يقول خمسة عشر ألفا والمقلل يقول اثنى عشر ألفا أماراتهم قوله أماراتهم أي علامتهم التي يتعارفون بها أمت أمت وهو أمر من الاماتة تفاؤلا بالنصر اهـ منه أمت أمت يلقون سبع رايات تحت كل راية منها من يطلب الملك فيقتلهم الله جميعا ويردّ الله الى المسلمين ألفتهم ونعمتهم وقاصيهم ودانيهم رواه الطبراني في الاوسط وأبو نعيم وقال (صلى الله عليه وسلم) أبشروا بالمهدى رجل من قريش من عترتي يخرج في اختلاف من الناس وزلازل فيملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما يرضى عنه ساكن السماء وساكن الارض ويقسم المال بالسوية ويملأ قلوب أمة محمد غنى ويسعهم عدله حتى يأمر مناديا فينادى من له حاجة فليأتنا فما يأتيه الا رجل واحد يأتيه فيسأله فيقول ائت السادن يعطك فيأتيه فيقول أنا رسول المهدي اليك لتعطيني مالا فيقول احث فيحثو ما لا يستطيع أن يحمله فيلقى حتى يكون قدر ما يستطيع أن يحمل فيخرج به فيندم فيقول أنا كنت أجشع أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) نفسا كلهم دعى الى هذا المال فتركه غيرى فيردّه عليه فيقول انا لا نقبل شيئاً أعطيناه فيلبث في ذلك ستا أو سبعا أو ثمانيا أو تسع سنين ولا خير في الحياة بعده رواه الحاكم في المستدرك عن ابن مسعود كما في الهدية وأحمد والباوردي كما في الصواعق (وروى) ابن عساكر وغيره عن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه يكون في أمتى المهدي ان قصر عمره فسبع سنين والا فثمان والا فتسع تنعم أمتى في زمانه نعيما لم ينعموا مثله قط البرّ منهم والفاجر ترسل السماء عليهم مدرارا ولا تدخر الارض شيئاً من نباتها ويكون المال كدسا (بضم الكاف أي كثيرا مجتمعا كأكداس الحب) يقوم

↑صفحة ١٤٢↑

الرجل فيقول يا مهدى أعطني فيقول خذ (وروى) أحمد بن حنبل عن أبى سعيد أيضا يكون آخر الزمان عند تظاهر من الفتن وانقطاع من الزمن أمير وانما يكون عطاؤه للناس أن يأتيه الرجل فيحثى له في حجره (وروى) أحمد أيضا عن جابر رضي الله عنه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخرج المهدي في آخر الزمان يسقيه الله الغيث وتخرج الارض نباتها ويعطى المال صحاحا وتكثر الماشية وتعظم الأمة يعيش سبعا أو ثمانيا (وروى) الخطيب عن ابن عباس رضي الله عنهما ملك الدنيا مؤمنان وكافران أما المؤمنان فذو القرنين وسليمان وأما الكافران فنمرود وبخت نصر وسيملكها خامس من عترتي فهو المهدي (تنبيه) قال ابن حجر ورواية سبع سنين أكثر الروايات وأشهرها ووردت روايات أخر تخالفها منها أنه يمكث تسع عشرة سنة وأشهرا وفي رواية عشرين سنة وفي أخرى أربعين ثم قال ويمكن الجمع على تقدير صحة الكل بأن ملكه متفاوت الظهور والقوّة فيحمل التحديد بالاكثر كأربعين على أنه باعتبار مدّة الملك من حيث هو هو وبالسبع أو بأقل منها على أنه باعتبار غاية ظهوره وقوّته وبنحو العشرين على أنه أمر وسط بين الابتداء والانتهاء اهـ وقال الصبان في رسالته ورد في بعض الآثار أن السنة من سنيه تكون مقدار عشر سنين وأنه يبلغ سلطانه المشرق والمغرب وتظهر له الكنوز ولا يبقى في الارض خراب الا ويعمره وقال سيدى مصطفى البكري في الهدية والذى يلوح للسر الممنوح أنه يمتدّ له الزمان ويتسع له الأوان ويبقى في زمن الروح وزيرا كبيرا ومشيرا خطيرا ويعم امداده الكون في الطول منه والعرض لقوله عز من قائل وأماما ينفع الناس فيمكث في الارض اهـ وروى ابن الجوزي في تاريخه عن ابن عباس أن أصحاب الكهف أعوان المهدي اهـ وحينئذ فسرّ تأخيرهم الى هذه المدّة اكرامهم بشرف دخولهم في هذه الامة أي واعانتهم للخليفة الحق كما نقله الصبان عن السيوطي وسيأتي أن أصحاب الكهف يكونون حواريّ عيسى (عليه السلام) ويحجون معه فانهم لم يحجوا ولم يموتوا:

ثم يأتي المسيح حتى يصلى * * * خلفه وليكن كذا التفضيل

يعنى ثم ينزل عيسى بن مريم في زمن المهدي على نبينا وعليهما الصلاة والسلام ويصلى

↑صفحة ١٤٣↑

خلفه ببيت المقدس أوّل صلاة ثم يكون السيد عيسى بعدها اماما واقتداؤه بالمهدى في هذه الصلاة علامة على أنه نازل بشريعة نبينا متبع له كما أفاده ابن حجر ونزوله من عند المنارة البيضاء شرقي دمشق كما رواه الطبراني عن أوس بن أوس الثقفي كما في الجامع الصغير وفي رواية للترمذي وابن ماجه عن النواس بن سمعان ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين أي لا بساحلتين مصبوغتين بورس أو زعفران واضعا كفيه على أجنحة ملكين اذا طأطأ رأسه قطر واذا رفعه تحدّر منه جمان كاللؤلؤ أي عرقه ففي رواية وان رأسه يقطر وان لم يصبه بلل ولا يحل لكافر أن يجد ريح نفسه الا مات ونفسه ينتهى حيث ينتهى طرفه قال الجلال السيوطي قال الحافظ ابن كثير هذا هو الاشهر في موضع نزوله اهـ وفي الهدية روى الدارقطني في الأفراد والخطيب وغيرهما عن عمار بن ياسر قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منا الذي يصلى عيسى بن مريم خلفه وقال (صلى الله عليه وسلم) لا تزال طائفة من أمتى تقاتل على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم عند طلوع الفجر بيت المقدس ينزل على المهدي فيقول تقدّم يا نبي الله فصل بنا فيقول هذه الامة أمراء بعضهم على بعض وقال (صلى الله عليه وسلم) كيف أنتم اذا نزل ابن مريم فيكم وامامكم منكم رواه ابن ماجه والروياني وغيرهما وهو في الجامع أيضا عن أبى هريرة رضي الله عنه قال العلقمي قال بعضهم يعنى أنه يحكم بالقرآن لا بالإنجيل وقال المناوي أي والخليفة من قريش أو وامامكم في الصلاة رجل منكم وهذا استفهام عن حال من يكون حيا عند نزول عيسى أي كيف سروركم بلقيه وكيف يكون فخر هذه الامة وروح الله يصلى وراءهم (وروى) مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم قوله بالأعماق بفتح الهمزة ودابق بكسر الباء الموحدة موضعان بقرب حلب وقوله سبوا بضمتين في رواية الاكثر أو بفتحتين وكل صواب اهـ نووي على مسلم بالأعماق أو بدابق فيخرج اليهم جيش من المدينة من خيار أهل الارض يومئذ فاذا تصافوا قالت الروم خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا فنقاتلهم فيقول المسلمون لا والله لا نخلى بينكم وبين اخواننا فيقاتلونهم فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا أي لا يلهمهم التوبة ويقتل ثلث هم أفضل الشهداء عند الله ويفتتح الثلث لا يفتنون أبدا فيفتتحون قسطنطينية فبينما هم يقتسمون الغنائم قد طقوا سيوفهم بالزيتون اذ صاح فيهم

↑صفحة ١٤٤↑

الشيطان ان المسيح قد خلفكم في أهلكم فيخرجون وذلك باطل فاذا جاءوا الشأم خرج فبينما هم يعدّون للقتال يسوّون الصفوف اذ أقيمت الصلاة فنزل عيسى بن مريم فأمّهم فاذا رآه عدوّ الله ذاب كما يذوب الملح في الماء فلو تركه لانذاب حتى يهلك ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته (وروى) مسلم وابن ماجه عن أم شريك رضي الله عنها قالت قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليفرّن الناس من الدجال حتى يلحقوا بالجبال قالت أم شريك قلت يا رسول الله فأين العرب يومئذ قال هم قليل وجلهم ببيت المقدس وامامهم رجل صالح فبينما امامهم قد تقدّم يصلى بهم الصبح اذ نزل عليهم عيسى ابن مريم فرجع ذلك الامام ينكص يمشى القهقرى ليقدّم عيسى يصلى فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له تقدّم فصل فإنها لك أقيمت فيصلى بهم امامهم فاذا انصرف قال عيسى افتحوا الباب فيفتح ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى فاذا نظر اليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هاربا فيقول عيسى ان لي فيك ضربة لن تسبقني بها فيدركه عند باب لدّ الشرقي فيقتله فيهزم الله اليهود فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي الا أنطق الله ذلك الشيء لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة الا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق الا قال يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال اقتله اهـ والغرقدة واحدة الغرقد بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة وفتح القاف فدال مهملة ضرب من شجر الشوك وقيل كبار العوسج ومنه قيل لمقبرة المدينة بقيع الغرقد لأنه كان فيه غرقد وقطع أفاده في النهاية:

وبالأقصى يقضى ويمكث عيسى * * * مدّة خيرها المديد جزيل

يعنى أن المهدي يموت بيت المقدس على فراشه فجأة ويصلى عليه المسلمون كما ذكره القرطبي وغيره ويمكث عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام بعده مدّة أربعين سنة على ما ذكره الحافظ السيوطي في كتابه الكشف من طرق عديدة وقال القرطبي رواية أربعين سنة أصح الروايات وهذه المدّة خيرها الممتدّ جزيل أي عظيم (روى) البغوي في المصابيح وقال متفق عليه عن أبى هريرة رضي الله عنه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليوشكنّ أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب

↑صفحة ١٤٥↑

ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد وحتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه فاقرؤا ان شئتم وان من أهل الكتاب الا ليؤمنن به قبل موته الآية أي ليؤمنن بعيسى قبل موته وهو زمان نزوله فتكون الملة وهى ملة الاسلام واحدة ويتم العموم المحمدي باتباع الكل له وقوله ويضع الجزية أي لأنه يحمل الناس على الاسلام أو السيف فلا يبقى من يؤديها لأن جواز أخذها مغيا بنزوله (عليه السلام) فعدم قبوله الجزية من شرعنا أيضا وفي رواية زيادة ويترك الصدقة أي الزكاة لكثرة المال وغنى الفقراء وقوله حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا المراد أن رغبة الناس في زمنه ليست الا في العبادة بحيث تكون السجدة الواحدة أحب اليهم من الدنيا وما فيها فلا ينافى أن السجدة الواحدة في ذاتها خير من الدنيا وما فيها بل ورد تسبيحة واحدة خير لك من الدنيا وما فيها (وفي رواية وترفع الشّحناء والتباغض وتنزع حمة كل ذات حمة) بضم الحاء وفتح الميم مخففة أي ذات سم كالحية والعقرب (حتى يدخل الوليد يده في فم الحية فلا تضره ويكون الذئب في الغنم كانه كلبها وتملأ الارض من السلم كما يملأ الاناء من الماء وتكون الكلمة واحدة وتضع الحرب أوزارها وتسلب قريش ملكها) أي تأخذه قهرا من الكفار لان المهدي من قريش فيستردّ ما أخذه الكفار (وتكون الارض كفا ثور الفضة) بالمثلثة المضمومة قبل الواو أي كخوان أو طست الفضة ومنه قيل لقرص الشمس فاثورها (تنبت نباتها بعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف) بكسر القاف أي العنقود (من العنب فيشبعهم ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم) وفي المصابيح روى ابن الجوزي في كتاب الوفاء عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ينزل عيسى بن مريم الى الارض فيتزوّج ويولد له فيمكث خمسا وأربعين سنة ويدفن معي في قبري فأقوم أنا وعيسى من قبر واحد بين أبى بكر وعمر أي من مقبرة واحدة وعبر عنها بالقبر لقرب قبره من قبره فكأنهما في قبر واحد وهى الحجرة الشريفة وفي السيرة الحلبية أنه يتزوّج بامرأة من جذام قبيلة باليمن ويولد له ولدان يسمى أحدهما محمدا والآخر موسى وان مدة مكثه سبع سنين على ما في مسلم وبها يكون مدة حياته في الارض أربعين

↑صفحة ١٤٦↑

لتنبيئه وهو ابن ثلاثين سنة ورفعه وهو ابن ثلاث وثلاثين اهـ قال القرطبي وروى اسمعيل بن اسحق أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لا تقوم الساعة حتى يمرّ عيسى ابن مريم بالروحاء) بفتح الراء وسكون الواو موضع بين الحرمين على ثلاثين أو أربعين ميلا من المدينة كما في القاموس (حاجا أو معتمرا أو ليجمعنّ الله له بين الحج والعمرة ويجعل الله حواريه أصحاب الكهف والرقيم فيمرّون معه حجاجا فانهم لم يحجوا ولم يموتوا اهـ وفي الجامع الصغير من رواية الحاكم في مستدركه عن أبى هريرة رضي الله عنه ليهبطنّ عيسى بن مريم حكما عدلا واماما مقسطا وليسلكن فجا) بفتح الفاء وتشديد الجيم أي طريقا واسعا (حاجا أو معتمرا وليأتين قبري حتى يسلم عليّ ولأردنّ (عليه السلام)) قال القرطبي وروى الحكيم الترمذي في نوادر الاصول أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال والذى بعثني بيده أو والذى بعثني بالحق ليجدنّ ابن مريم في أمتى خلفا من حواريه وفي رواية ليدركنّ المسيح من هذه الامة أقواما انهم لمثلكم أو خير منكم ثلاث مرات ولن يخزى الله أمة أنا في أولها والمسيح في آخرها اهـ وفي رواية لا بن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى بن مريم في آخرها والمهدى من أهل بيتي في وسطها ورواه أبو نعيم في أخبار المهدي عن ابن عباس أيضا بإسناد حسن كما في الجامع الصغير قال المحقق ابن حجر والمراد بالوسط قرب الآخر حتى لا ينافى بقية الروايات المصرّحة بانه آخرها ولتقدّمه يسيرا على عيسى وصف بانه آخر اهـ ولا ينافى ذلك أيضا ما في فتح الباري من رواية نعيم بن حماد في الفتن من طريق أرطاة بن المنذر أحد التابعين من أهل الشأم أن القحطاني يخرج بعد المهدي ويسير على سيرته وأخرج أبو نعيم أيضا من طريق عبد الرحمن بن قيس بن جابر الصدفي عن أبيه عن جده مرفوعا يكون بعد المهدي القحطاني والذى بعثني بالحق ما هو دونه اهـ أي ليس بأقل منه منزلة فيعدل مثل عدل المهدي وهو كما في رسالة الصبان رجل من أهل اليمن وهذا الحديث في الجامع الصغير من رواية الطبراني وقال انه حديث حسن وهو أيضا في الهدية الندية من رواية أحمد بن حنبل وأبى نعيم عن أبى سعيد ومن رواية الطبراني وابن منده عن قيس بن جابر وهذه الروايات تدل على أنه المراد مما رواه البخاري عن أبى هريرة

↑صفحة ١٤٧↑

 رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه قال شارحه هذا كناية عن انقيادهم اليه ولم يرد نفس العصا وانما ضربها مثلا لطاعتهم له واستيلائه عليهم ثم قال واستشكل بانه كيف يكون في زمن عيسى من يسوق الناس بعصاه والامر اذ ذاك انما هو لعيسى وأجيب بجواز أن يقيمه عيسى نائبا عنه في أمور مهمة عامة انتهى ولا ينافى ذلك أيضا ما نقله المحقق في القول المختصر عن ابن عمر رضي الله عنهما يكون بعد الجبار الجابر يجبر الله تعالى به أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) ثم المهدي ثم المنصور ثم السلام ثم أمير العصب لان الآخر نسبيّ فكون هؤلاء بعد المهدي لا يمنع كونه آخرا حقيقة ثم ذكر روايات متعارضة في تعدد المهدي ومن يلى بعده وقال والذى يتعين اعتقاده ما دلت عليه الاحاديث الصحيحة من وجود المهدي المنتظر ومن نزول عيسى في زمنه والمذكورون قبله لم يصح فيهم شيء وبعده أمراء صالحون أيضا لكن ليسوا مثله فهو الآخر في الحقيقة:

فعلى كل السلام وآها * * * لو بكل لنا يتم الوصول

لو للتمني وآها بمد الهمزة كلمة توجع التوجع مصدر توجعت الفلان اذا رثيت له ورققت والتلهف التحسر والاعجاب بالشيء استعظامه واستطابته اهـ منه وأما واها فكلمة تلهف ومنه حديث أبى الدرداء ما أنكرتم من زمانكم فيما غيرتم من أعمالكم ان يكن خيرا فواها واها وان يكن شرا فآها آها وقيل ان واها تستعمل للتوجع أيضا كما أنها توضع موضع الاعجاب يقال واها له أي عجبا له أفاده في النهاية (قلت) ويحتمل الثلاثة ما جاء في رواية أبى داود عن المقداد ابن الاسود رضي الله عنه قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول ان السعيد لمن جنب الفتن ان السعيد لمن جنب الفتن ان السعيد لمن جنب الفتن ولمن ابتلى فصبر فواها ولا يخفى ما في هذا البيت من أنواع البديع حسن الختام حيث أتى فيه بما يشعر بالتمام اللهم أحسن عاقبتنا في الامور كلها وأجرنا من خزى الدنيا وعذاب الآخرة انك أهل التقوى وأهل المغفرة بجاه نبيك ورسولك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (قال الشارح حفظه الله) تم تبييضه ليلة الاربعاء السابع عشر من جمادى الثانية عام ثمان بعد ثلاثمائة وألف هجرية

↑صفحة ١٤٨↑

وحيث طعمت من ذلك اللحم الطريّ والارز الشهي والقطر الهنيّ وتعطرت بعطره الزكي وطربت من ألحان الناغم والصادح والباغم فلتتناول من هذه الحلواء لتعود علينا وعليك بركات بنى الزهراء وتكون من الشاكرين لممدّ تلك المائدة لا زالت فوائد موائده علينا عائده ألا وهو العلامة (الشهاب الحلواني) أعيذه برب المثاني من حاسد معاني:

بنفسي أفدى الزهر من بضعة الزهرا * * * وان هم رضوا نفسى فقد عظمت قدرا
هم الشرف العالي هم أفق العلا * * * هم رونق الدنيا هم رونق الأخرى
هم القوم ان جادوا أجادوا وان سطوا * * * أبادوا وان قالوا أفادوا فهم أدرى
هم القوم يستسقى الغمام بوجههم * * * هم الفرج الأدنى لمن جاء مضطرّا
هم الدين والدنيا لعمرى هم هم * * * فقل فيهم ما شئت لا ترهبن نكرا
وعال بهم من شئت ان ذكروا العلا * * * وفاخر بهم من شئت ان ذكروا الفخرا
غصون رسول الله دوحة عزهم * * * ومن مثل خير المرسلين أبى الزهرا
بدور سمت عن شمس أكرم مرسل * * * أنا رواد ياجى الكون بالطلعة الغرّا
وبالبرّ والتقوى وبالحلم والندى * * * وبالعلم والفتوى وبالذكر والذكرى
وبالحرّ من تلك الشمائل والحلى * * * وبالغرّ من تلك المعالى فما أسرى
بها ليل زهر طاهرون أكارم * * * غطاريف غرّ ذكرهم ينطف العطرا
نسائم أسحار اذا نشروا الهدى * * * حجا حجة لدّ اذا أبطلوا النكرا
رياحين أزكى الخلق أزهار روضه * * * أشعة ذاك النور أعراقه الزهرا
فأقسم لو ذرّت علاهم على السما * * * مكان الدراري لاستحال الدجى ظهرا
وأقسم لو أن السها في خفائه * * * تنظم في مدحيهم لغدا بدرا
وأقسم ان العرش أصفى لمدحتي * * * لهم طربا فاهتز واعتز وافترّا

↑صفحة ١٤٩↑

اذا العرش أصغى حين أذكر مدحهم * * * فلا غرو فالسبطان شنفاه لا نكرا
وفي الملا الأعلى اذا شاع ذكرهم * * * فلا تحصر البرهان في ليلة الاسرا
أليس عليّ كرم الله وجهه * * * كما جاءنا عنه بطرق السما أدرى
سل الشمس عنه فهي تعرف فضله * * * مذ استرجعت حتى غدا فقضى العصرا
وسل جنة الفردوس يوم ازدهت وقد * * * بنى بالتي سادت نساء الورى طرّا
أتى الوحى أن تجلى عروسا لحيدر * * * فيا شرفا أضحى به الكون مفترّا
فأكرم به صهرابه يفخر العلا * * * على كل فخر ثم أكرم به صهرا
وناهيك أن المصطفى قال صلبه * * * لذريتي مأوى فأعظم بها بشرى
ليهن بنيه المجد نظم هكذا * * * نبيّ الهدى فاطرب وحيدر والزهرا
بنفسي أهل البيت من مثلهم علا * * * وهم في عيون المجد نور قد افترّا
ومن ذا يساوى أو يقارب بضعة * * * لهم تنتهى العلياء والرتبة الكبرى
محبتهم باب الرضا ورضاهم * * * يسام بأرواح المحبين لو يشرى
بمدحتهم جاء الأمين فأصبحت * * * عشورا تؤدّى كلما قارئ يقرا
وجبريل أخشى أن يغار لمدحتي * * * لهم وهى منه لا تجي ريشة خضرا
فجبريل سباق لخدمتهم ومن * * * كجبريل اذ ساس البراق لدى الاسرا
كذلك جبريل غدا من ذوى الكسا * * * كسبطى رسول الله يا رفعة كبرى
فيا أهل بيت المصطفى أنا عبدكم * * * عليّ فمدّوا من حياطتكم سترا
فأنتم ذوو الجاه الوجيه وكم وكم * * * بكم جبر الرحمن يا سادتي كسرا
ألستم نثارا من نظام محمد * * * فمن مثله نظما ومن مثلكم نثرا
لعمرى هذا المجد والعز والعلا * * * وأرقى مراقي الفخر والشرف الأسرا
فيا أيها الساعي ليمحو مجدهم * * * رويدك لا تسطيع أن تطمس البدرا
ويا من يعاديهم لفرط شقائه * * * تمتع قليلا أنت في سقر الحمرا
ويا من يواليهم ويحفظ ودّهم * * * ويكرم مثواهم هنيئا لك البشرى
فلا بدّ يوم العرض تسمع قائلا * * * تفضل تفضل فادخل الجنة الخضرا

↑صفحة ١٥٠↑

يقول خادم تصحيح العلوم بدار الطباعة البهية ببولاق مصر المعزية الفقير الى الله تعالى محمد الحسيني أعانه الله على أداء واجبه الكفائي والعيني:
بحمد الله تم طبع هذه الرسائل التي هي لا بلاغ قاصدها جميع الآمال أنفع الوسائل طراز بنان الصنع الاوحد ونتيجة بيان العلم المفرد علامة هذا الزمان وسحبان هذا الآن المتحلى من حلى الكمال بأزينها المتخلق من مكارم الاخلاق بأحسنها الاستاذ الافضل الشيخ أحمد الحلواني الشافعي أطال الله بقاءه وأدام النفع به آمين أحسن حفظه الله في تنسيقها وأجاد أيده الله في تحقيقها ولا سيما القطر الشهدي في أوصاف المهدي فانه عقد جمع من علامات السيد المهدي دررا ومن شمائله غررا وقد تضوّع طيبه وأزهر طيبه بما شرحه به العلامة المتقن وعلقه عليه الألمعي المتفنن الاستاذ الفاضل والهمام الكامل السيد محمد بن محمد البلبيسي الشافعي أحد الفضلاء المصححين بهذه المطبعة شكر الله لهما هذا الصنع الجميل وجزاهما عليه الجزاء الجزيل على ذمة ذي الهمة السنيه والاخلاق البهية حضرة مصطفى افندي يوسف البشكار الدمياطى*بالمطبعة الكبرى العامرة ببولاق مصر القاهرة في ظل الحضرة الفخيمة الخديوية وعهد الطلعة المهيبة البهية التوفيقية حضرة من أجرى أمور رعيته على نهج السداد فبلغوا من الثروة والرفاهية غاية المراد وسلك في اصلاح أحوالهم سبيل الرشاد أدم اللهمّ سدّته ملتثم الشفاه ومأمن كل خائف أوّاه وأطل بقاء حضرات أنجاله الكرام وأشباله الفخام ملحوظا هذا الطبع اللطيف والشكل الظريف بنظر من عليه جميل أخلاقه بمزيد اللطف يثنى حضرة وكيل الاشغال الأدبية محمد بك حسنى وكان تمام طبعه وكمال ينعه في أواخر رجب الفرد سنة ١٣٠٨ من هجرة سيد الاولين والآخرين صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.
ولما أسفر بدرها وأينع زهرها قرّظها الاستاذ الأديب والعلامة الأريب الشيخ طه محمود قطرية أحد المصححين بهذه المطبعة مؤرخا عام طبعها فقال:

↑صفحة ١٥١↑

قلبي مع الغيد يذهب * * * في حبهم كل مذهب
ولائمي قد عناه * * * ما قد عناني وأعجب
اذا طربت لشوقي * * * أراه للوم يطرب
يودّ لو كنت أسلو * * * ذات البنان المخضب
وليس في القلب حظ * * * لغيرها الدهر يطلب
متى ينال رضاها * * * قلبي ومن شاء يغضب
وكم لها أترضى * * * وكم لها أتحبب
والناس طرّا أراهم * * * إلبا عليّ تألب
في حبها خطؤنى * * * ولحظها السهم صوّب
يا قلب خلّ الأماني * * * فضرعها ليس يحلب
ولا تعاتب صديقا * * * أي الرجال المهذب
ترجو من الطين صفوا * * * في كل حال ومشرب
ان كنت تبغى ودادا * * * حلو المذاق مجرّب
فارغب الى الحلواني * * * من عنده الفضل يرغب
ألا ترى ما حبانا * * * مما به تتأدّب
وكم له من كتاب * * * في صفحة القلب يكتب
فأحمد الغيث نفعا * * * وأحمد الليث يرهب
وهو الامام المرجى * * * وهو العذيق المرجب
حدّث عن البحريا من * * * أطال مدحا وأطنب
فما قصاراك الا الـ * * * قصور فاربع أو انصب
وذي رسائل عنه * * * لم تعن فيها وتتعب
أغنت عن الأرز لما * * * جاءت بشيء محبب
وعصبت في تراث * * * فتى عن الشهد يحجب
وحبر بلبيس مولى * * * شهم الى الخير يدأب
أضاف للقطر عطرا * * * حلى وحلّ المركب
والقطر حلو ولكن * * * بالعطر أحلى وأنسب

↑صفحة ١٥٢↑

شرح به الكرب يجلى * * * والشرح للصدر يجلب
حوى أحاديث صدق * * * تنبيك عما تغيب
يا حبذا شرح هاد * * * مهديّ قلب مهذب
حليف علم وفضل * * * لبضعة السبط ينسب
فاحمد إلهك واشكر * * * يدا حبت خير مطلب
واسمع لتاريخ طبع * * * في بيت شعر مطنب
رسائل الحلواني * * * تهدى من الشهد أطيب

٣٠١ ١٣٦ ٤١٩ ٩٠ ٣٤٠ ٢٢ سنة ١٣٠٨
وقرّظها أيضا الاستاذ العلامة الفاضل الشيخ محمد أبو خضير الفارسكوري الملقب بالروض مؤرخا فقال

رسائل مولانا الشهاب قد ازدهت * * * وبالطبع فيها للفنون وسائل
فبادر اليها واقتطف زهر روضها * * * وأرخ زهت بالطبع تلك الرسائل

سنة ١٣٠٨
وقرّظها مؤرخا أيضا الاديب الذكي والفطن الألمعي من شهرة فضله عن مدحه تغنى حضرة محمد افندي فنى مترجم مجلس النظار سابقا فقال:

للسيد الاستاذ أحمد من يرى * * * تأليفه في مصر كالدرّ النظيم
وهو الخليجي الامام أبو التقى * * * وضع الكلام بحكمة وضع الحكيم
مجموع آداب لخمس رسائل * * * تحكى برقتها محادثة النديم
من لطفها بالطبع قلت مؤرخا * * * هذى رسائل ودّكم طب كالنسيم

سنة ١٣٠٨ ٧١٥ ٣٠١ ١١٧٠ ٢١١

↑صفحة ١٥٣↑

غالية المواعظ خير الدين، نعمان بن محمود بن عبد الله، أبو البركات الالوسي الحنفي (١٢٥٢ - ١٣١٧)

كان فقيها، متكلما، واعظا، من اعلام الأسرة الآلوسية في العراق ولد ونشأ ببغداد وتصدى القضاء في عدة من البلاد، منها الحلة.
وله رحلات الى سوريا وتركيا ومكث في الاستانة والقسطنطينية سنتين واجتمع بفضلائها ثم رجع يحمل لقب رئيس المدرسين. فترك المناصب وعكف على التدريس الى ان توفي ببغداد وجمع خزانة كتب نادرة.
قال الزركلي: قال الأثري في وصفه: كان عقله أكبر من علمه وعلمه ابلغ من إنشائه وإنشاؤه أمتن من نظمه.

↑صفحة ١٥٥↑

له مؤلفات: منها «جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، ابن تيمية وابن حجر» ط «الأجوبة العقلية لا شرفية الشريعة المحمدية»، «الجواب الفسيح لما لفق عبد المسيح» ط «صادق الفجرين» في علي ومعاوية.
ومنها «غالية المواعظ ومصباح المتعظ وقبس الواعظ» رتب على خمسين مجلسا طبع في ١٣٠١ هـ ببولاق مصر في الجزئين وفي الجزء الأول بحث حول المهدي المنتظر (ع) يبدأ من ٧٦ وينتهي الى ص ٧٩(٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) الاعلام للزركلي ٩/٩، معجم المطبوعات ٧-٨، فهرس التيمورية ٢/٣٤ و٣/٦-٧.، ايضاح المكنون ٢/١٣٥.

↑صفحة ١٥٦↑

هوية الكتاب
(الجزء الاوّل) من كتاب غالية المواعظ ومصباح المتعظ وقبس الواعظ للعالم العلامة الحبر البحر الفهامة خاتمة المحققين والمدققين السيد الشيخ خير الدين أبى البركات نعمان افندي آلوسي زاده ابن السيد الشيخ محمود افندي المفتي ببغداد الشهير بآلوسىزاده نفعنا الله به والمسلمين أجمعين آمين:
يطلب من مكتبة المثنى ببغداد * (الطبعة الاولى) * بالمطبعة الميرية ببولاق مصر المحمية سنة ١٣٠١ هجرية

↑صفحة ١٥٧↑

ومنها كما ورد في الحديث قلة الرجال وكثرة النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد ومنها ما روى عن حذيفة الغفاري رضي الله تعالى عنه قال اطلع علينا النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) ونحن نتذاكر فقال ما تتذاكرون قلنا نذكر الساعة فقال عليه الصلاة والسلام انها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر عليه الصلاة والسلام الدخان والدجال ودابة الارض وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى (عليه السلام) وخروج يأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس الى محشرهم اهـ قال العلامة السفاريني في منظومته:

وما أتى في النص من أشراط * * * فكله حق بلا شطاط
منها الامام الخاتم الفصيح * * * محمد المهدي والمسيح
وأنه يقتل للدجال * * * بباب لدّخل عن جدال
وأمر يأجوج ومأجوج ثبت * * * فانه حق كهدم الكعبة
ودابة وآية الدخان * * * وأنه يذهب بالقرآن
طلوع شمس الافق من دبور * * * كذات أجياد على المشهور
فكلها صحت بها الاخبار * * * وسطرت آثارها الاخيار
وآخر الآيات حشر النار * * * كما أتى في محكم الاخبار

هـ ولنذكر مفصل ذلك فنقول ان هذه العلامات العشر هي الآيات الكار القريبة لقيام الساعة فمنها خروج لهدى رضي الله تعالى عنه على القول الاصح عند أكثر العلماء ولا عبرة بمن أنكر مجيئه من الفضلاء وان استدل بما بعض الروايات الضعيفة لا مهدى الا عيسى حتى قال ابن حجر في الصواعق ما نصه قوله تعالى ﴿وإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قال مقاتل بن سليمان ومن تبعه من المفسرين ان هذه الآية نزلت في المهدي اهـ وأقول أوّل الآية يشعر بانها في

↑صفحة ١٥٨↑

حق عيسى (عليه السلام) واشارة الى نزوله وأنه من أشراط الساعة قال تعالى ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ ثم قال سبحانه ﴿وإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ وفي مجيء المهدي أحاديث عديدة فقد روى عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمى وفي رواية أبى هريرة لو لم يبق من الدنيا الا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا منى أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمى واسم أبيه اسم أبى يملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما وفي رواية يملك سبع سنين وفي أخرى ثمان أو تسع سنين ثم يتوفى ويصلى عليه المسلمون مع عيسى (عليه السلام) ويدفن في بيت المقدس وفي رواية يحكم أربعين سنة قال في الاشاعة وهو الذي تقتضيه بشارة النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) به وان الله تعالى يعوّضهم عن الظلم عدلا واللائق بكرمه تعالى أن تكون المدة بقدر ما ينسون فيها الظلم السابق مع أنه في مدته تفتح الدنيا كما فتحها ذو القرنين وسليمان (عليه السلام) وهذا يقتضى مدة طويلة مع ما ورد أن الاعمار تطول في زمانه فطولها مستلزم لطول مدته والتسع ليست من الطول في شيء اهـ واختلف في نسبه فقيل من أولاد العباس بن عبد المطلب وقيل من أولاد الحسن والاصح أنه من أولاد الحسين قيل وأمه من أولاد العباس وفي شرح عقيدة السفاريني ما ملخصه ان المهدي هو خاتم الائمة فلا امام بعده واسمه محمد وفي بعض الاخبار أحمد واسم أبيه عبد الله واشتهر بالمهدى لأنه يهدى الى أمر خفى ويستخرج التوراة والانجيل من أرض يقال لها انطاكية أو من جبال الشام ويدعو اليها اليهود فيسلم على تلك جماعة كثيرة وحليته كما في الاحاديث أنه رجل ربعة مشرب بحمرة ووجهه كالكوكب الدري ولونه لون عربي وجسمه جسم إسرائيلي يرضى عن خلافته أهل الارض وأهل السماء والطير في الجوّ يملك عشرين سنة وروى ابن مسعود المهدي منى أجلى الجبهة أقنى الانف وعن عبد الرحمن بن عوف عنه (صلى الله تعالى عليه وسلم) ليبعثن الله في عترتي رجلا فرق الثنايا أجلى الجبهة يملأ الارض عدلا ويقبض المال قبضا وفي حديث آخر في خده الايمن خال أسود ابن أربعين سنة وفي آخر يستخرج الكنوز ويفتح مدائن الترك وعن أبى جعفر محمد الباقر قال سئل أمير المؤمنين على كرم الله تعالى وجهه عن صفته فقال هو شاب مربوع حسن الوجه يسيل شعره على منكبيه يعلو نور وجهه سواد شعره ولحيته ورأسه وفي أخرى عنه أنه كث اللحية أكحل العينين براق الثنايا في وجهه خال أقنى في كتفه علامة النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) وفي رواية لأبي نعيم بكفه اليمنى خال وفي رواية في لسانه ثقل واذا أبطا عليه الكلام ضرب فخذه الايسر بيده اليمنى قال العلماء المهدي يقاتل على السنة لا يترك سنة الا أقامها ولا بدعة الا رفعها يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويرد الى المسلمين الفتهم ونعمتهم ولظهوره علامات جاءت بها الآثار فمنها كسوف الشمس والقمر ونجم الذنب والظلمة وسماع الصوت برمضان وتحارب القبائل بذي القعدة وظهور الخسف والفتن وأن معه قميص رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) وسيفه ورايته ويغرس قضيبا يابسا في أرض يابسة فيخضر ويورق وبطلب منه آية فيومئ الى طير في الهواء بيده فيسقط على يده وينادى مناد من السماء أيها الناس ان الله قطع عنكم الجبارين والمنافقين وأشياعهم وولاكم خير أمة محمد (صلى الله تعالى عليه وسلم) فالحقوه بمكّة فانه المهدي ويخرج كنز الكعبة المدفون فيها فيقسمه في سبيل الله تعالى وعن على كرم الله تعالى وجهه انه سيخرج تابوت السكينة من غار انطاكية أو من بحيرة طبرية فيوضع بين يديه ببيت المقدس فاذا نظر اليه اليهود أسلموا الا قليلا منهم وتأتيه الرايات السود من خراسان فيرسلون اليه البيعة وينشق الفرات فينحسر عن جبل من ذهب وذكروا أنه ينكسف القمر أوّل ليلة من رمضان والشمس ليلة النصف ولعل ذلك خرق للعادة والا فانكساف القمر ليلة الابدار والشمس أيام الاسرار وقال كعب الاحبار ينكسف ثلاث ليال متواليات وروى عنه أنه يطلع نجم بالمشرق وله ذنب يضيء كما يضيء القمر ينعطف حتى يلتقى طرفاه أو يكاد وفي الديلمي تكون هدّه في رمضان هائلة ومن علاماته خسف قرية ببلاد الشام يقال لها حرستا كما قاله في كتاب الاشاعة وفيه أنه اذا انجسر الفرات عن جبل ذهب يقتتلون عليه وروى أنه عليه الصلاة والسلام قال من حضر فلا يأخذ منه شيئاً وروى أنه قال ان بين يدى الساعة كذا بين فاحذروهم وفي أخرى انهم دجالون كذابون قريبا

↑صفحة ١٥٩↑

من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) وروى عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه لا يظهر الا على خوف شديد من الناس وزلزال وفتنة وبلاء يصيب الناس والطاعون قبل ذلك وسيف قاطع بين العرب واختلاف شديد في الناس وتشتت في دينهم وتغيير في حالهم حتى يتمنى الموت صباحا ومساء من عظيم ما يرى من كلب الناس وأكل بعضهم بعضا فحينئذ يخرج فطوبى لمن أدركه وكان من أنصاره والويل لمن خالفه وقال محمد بن الصامت قلت للحسين بن على رضي الله تعالى عنهما أما من علامة لظهور المهدي قال بلى هلاك بنى العباس وخروج السفياني والخسف بالبيداء قال السفاريني ومن أقوى العلامات خروج السفياني والابقع والاصهب والاعرج والكندي أما السفياني فاسمه عروة قيل وهو من ولد خالد بن يزيد بن أبى سفيان ملعون في السماء والارض يخرج من ناحية دمشق وعامة أتباعه من كلب ويخسف بهم والابقع يخرج من مصر أو من بلاد الجزيرة والجرهمي من الشام ويخرج القحطاني من بلاد اليمن ويتقاتلون فيقتلهم السفياني ثم يقاتل الترك فيظهر عليهم ثم يفسد في الارض ويدخل الزوراء ويقتل من أهلها ثم يخرج وراء النهر خارج يقال له الحرث واجب على كل مؤمن نصره ويثور أهل خراسان بعساكر السفياني وتكون بينهم واقعات ثم انه يقتل على يد المهدي وأما مولد المهدي وبيعته فقد أخرج نعيم بن حماد عن على بن أبى طالب كرم الله تعالى وجهه قال مولده بالمدينة ومهاجره بيت المقدس وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه يخرج من قرية يقال لها كريمة وأما بيعته فيبايع بمكة المشرفة بين الركن والمقام ليلة عاشوراء واذا هاجر المهدي من المدينة الى بيت المقدس تخرب المدينة بعد هجرته وتصير مأوى للوحش وقد ورد أن عمار بيت المقدس خراب يثرب وفي حديث قتادة يخرج المهدي من المدينة الى مكة وفي خبر ان السفياني يبعث جيشا الى مكة فيأمر بقتل من كان فيها من بنى هاشم فيقتتلون ويهربون الى الجبال حتى يظهر المهدي فيطلبونه فيصيبونه بمكة فيقولون ألست فلانا فيقول بلى أنا رجل من الانصار ثم يلحق بالمدينة فيطلبونه فيرجع الى مكة وهكذا ثلاث مرات فيصيبونه بمكة في الثالثة فيبايعونه بين الركن والمقام وقد أقبل عسكر السفياني وأنصار المهدي من أهل الشام عدد أصحاب بدر ثم يتوجه الى المدينة ومعه المؤمنون ثم يسير الى جهة الكوفة ثم يعود منهزما من جيش السفياني الى الشام فيخرج الله تعالى على السفياني من أهل المشرق وزير المهدي فيهزم السفياني الى الشام فيقصده المهدي فيذبحه عند عتبة بيت المقدس ويغنمه ومن معه من أخواله الذين هم جنده من بنى كلب غنيمة عظيمة وفي حديث آخر لا تحشر أمتى حتى يخرج المهدي يمده الله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة ويخرج اليه الابدال من الشام والنجباء من مصر وعصائب أهل الشرق حتى يأتوا مكة فيبايع له بين الركن والمقام ثم يتوجه الى الشام وجبريل على مقدمته وميكال على يساره ومعه أهل الكهف أعوان له فيقدم الى الشام ويأخذ السفياني فيذبحه تحت الشجرة التي أغصانها الى بحيرة طبرية ثم تمهد الارض له وتدخل في طاعته ملوك الارض كلهم وقد اختلف في مدته فقيل خمسا أو سبعا أو ثلاثين أو أربعين سنة ويفتح القسطنطينية ورومية المدائن وغيرهما ثم يستمر حتى يسلم الامر لسيدنا عيسى (عليه السلام) ويصلى المهدي رضي الله تعالى عنه بعيسى (عليه السلام) صلاة واحدة وهى صلاة الفجر ثم يستمر المهدي على الصلاة خلف سيدنا عيسى (عليه السلام) بعد تسليمه الامر اليه ويخرج مع عيسى (عليه السلام) فيساعده على قتل الدجال عليه اللعنة بباب لدّ بارض فلسطين كما سنفصله ان شاء الله تعالى ثم يموت المهدي ويصلى عليه روح الله عيسى (عليه السلام) ويدفنه في بيت المقدس اهـ وهذا الذي ذكرناه في أمر المهدي هو الصحيح من اقوال أهل السنة والجماعة وأما عند الشيعة فقد اختلفوا فيه أيضا على أقوال شتى والمشهور من مذاهبهم مذهب الامامية الاثني عشرية أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري ابن علي الهادي بن محمد الجواد بن على الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنهم ويعرف عندهم بالحجة والمنتظر والقائم وهو الذي غاب في سرداب دار أبيه في سامراء صغيرا وأمه تنظر اليه وذلك في سنة خمس وستين ومائتين وهو حي الآن موجود في الدنيا وهذا مع بعده في العقل لا يؤيده صحيح نقل ولقد أنشد بعض الشعراء مخاطبا لمن يعتقد هذه لعقيدة الشنعاء:

↑صفحة ١٦٠↑

ما آن للسرداب أن يلد الذي * * * ولدتموه بزعمكم ما آنا
فعلى عقولكم العفاء لأنكم * * * ثلثتم العنقاء والغيلانا

والكلام في هذه المباحث طويل ومن أراد تفصيلها فعليه بالكتب الجامعة لمتفرق الاقاويل والله يقول الحق وهو يهدى السبيل

↑صفحة ١٦١↑

عون المعبود، شرح سنن أبي داود محمد شمس الحق العظيم آبادي، الهندي، ابو الطيب (١٢٧٣ - ...)
من اعلام المحدثين له: «عون المعبود...» وقد ذكره عمر رضا كحاله بعنوان:
«غاية المقصود، في حل سنن ابي داود» عن: فهرس الفهارس، للكتاني في ج ٢ ص ٢٨(٩) ولم نجد غير ما ذكر أثرا في تعريف الكتاب او ترجمة المؤلف في المصادر الموجودة وعلى أيّ فقد خصّ المؤلف قسما وافرا من كتابه بشرح احاديث المهدي واليك عينها وقد ذكر حاجي خليفة في كشف الظنون (ص ١٠٠٤ - ١٠٠٥) عدة من الشروح الكاملة والناقصة والمفصلة والمختصرة لسنن ابي داود من اعلام السنة فراجع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩) معجم المؤلفين ١٠/٧٢.

↑صفحة ١٦٣↑

هوية الكتاب

عون المعبود شرح سنن أبى داود للعلامة أبى الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادى

المولود في ١٢٧٣ المتوفى ١٣٢٩
مع شرح الحافظ ابن قيم الجوزية ضبط وتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان
الجزء الحادي عشر
الناشر محمّد عبد المحسن صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة

↑صفحة ١٦٥↑

أول كتاب المهدى
بسم الله الرحمن الرحيم
٤٢٥٩ - حدثنا عمرو بن عثمان أخبرنا مروان بن معاوية عن إسماعيل - يعنى ابن أبى خالد - عن أبيه عن جابر بن سمرة قال سمعت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠) (أول كتاب المهدى)
واعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولى على الممالك الإسلامية ويسمى بالمهدى، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأن عيسى (عليه السلام) ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدى في صلاته.
وخرجوا أحاديث المهدي جماعة من الأئمة منهم أبو داود والترمذي وابن ماجه والبزار والحاكم والطبراني وأبو يعلى الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل على وابن عباس وابن عمر وطلحة وعبد الله بن مسعود وأبى هريرة وأنس وأبى سعيد الخدري وأم حبيبة وأم سلمة وثوبان وقرة بن إياس وعلى الهلالي وعبد الله بن الحارث بن جزء رضي الله عنهم.
وإسناد أحاديث هؤلاء بين صحيح وحسن وضعيف وقد بالغ الإمام المؤرخ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[ذكر الشيخ ابن القيم رحمه اللّه:
ما قال المنذري: حديث «الخلافة بعد وثلاثون سنة» وحديث «اثنا عشر خليفة» ثم قال:
فإن قيل: فكيف الجمع؟

↑صفحة ١٦٧↑

رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: لا يزال هذا الدّين قائما حتّى يكون عليكم اثنا عشر[اثنى عشر]خليفة كلّهم تجتمع عليه[عليهم]الأمّة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد الرحمن بن خلدون المغربي في تاريخه في تضعيف أحاديث المهدي كلها فلم يصب بل أخطأ.
وما روى مرفوعا من رواية محمد بن المنكدر عن جابر «من كذب بالمهدى فقد كفر» فموضوع، والمتهم فيه أبو بكر الإسكاف وربما تمسك المنكرون لشأن المهدي بما روى مرفوعا أنه قال «لا مهدى إلا عيسى بن مريم» والحديث ضعف البيهقي والحاكم وفيه أبان بن صالح وهو متروك الحديث واللّه أعلم.
(لا يزال هذا الدين قائما) أي مستقيما سديدا جاريا على الصواب والحق (حتى يكون عليكم اثنا عشر) وفي الرواية الآتية لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثنى عشر خليفة، ولفظ مسلم: «لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا» (كلهم تجتمع عليه الأمة) المراد باجتماع الأمة عليه انقيادها له وإطاعته.
قال بعض المحققين: قد مضى منهم الخلفاء الأربعة ولا بد من تمام هذا العدد قبل قيام الساعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قيل: لا تعارض بين الحديثين فإن الخلافة المقدرة بثلاثين سنة هي: خلافة النبوة كما في حديث أبى بكرة، ووزن النبي (صلى الله عليه وسلم) بأبي بكر ورجحانه وسيأتي وفيه فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) «خلافة نبوة. ثم يؤتى الله الملك من يشاء»
وأما الخلفاء الاثنا عشر فلم يقل في خلافتهم: إنها خلافة نبوة. ولكن أطلق عليهم اسم الخلفاء، وهو مشترك، واختص الأئمة الراشدون منهم بخصيصة في الخلافة وهى: خلافة النبوة وهى المقدرة بثلاثين سنة: خلافة الصديق: سنتين وثلاثة أشهر واثنين وعشرين يوما، وخلافة عمر بن الخطاب: عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال وخلافة عثمان: اثنتي عشر سنة إلا اثنى عشر يوما، وخلافة على: خمس سنين

↑صفحة ١٦٨↑

فسمعت كلاما من النبي (صلى الله عليه وسلم) لم أفهمه، فقلت لأبى: ما يقول؟ قال: كلّهم من قريش»(١٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقيل إنهم يكونون في زمان واحد يفترق الناس عليهم.
وقال التوربشتي: السبيل في هذا الحديث وما يعتقبه في هذا المعنى أن يحمل على المقسطين منهم فإنهم هم المستحقون لاسم الخليفة على الحقيقة، ولا يلزم أن يكونوا على الولاء، وأن قدر أنهم على الولاء فإن المراد منه المسمون بها على المجاز كذا في المرقاة.
وقال النووي في شرح مسلم: قال القاضي قد توجه هنا سؤالان أحدهما أنه قد جاء في الحديث الآخر: «الخلافة بعدى ثلاثون سنة ثم تكون ملكا» وهذا مخالف لحديث اثنى عشر خليفة، فإنه لم يكن في ثلاثين سنة إلا الخلفاء الراشدون الأربعة، والأشهر التي بويع فيها الحسن بن على.
قال والجواب عن هذا أن المراد في حديث الخلافة ثلاثون سنة خلافة النبوة وقد جاء مفسرا في بعض الروايات: «خلافة النبوة بعدى ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا». ولم يشترط هذا في الاثني عشر:
والسؤال الثاني أنه قد ولى أكثر من هذا العدد. قال وهذا اعتراض باطل لأنه (صلى الله عليه وسلم) لم يقل لا يلى إلا اثنا عشر خليفة وإنما قال يلى وقد ولى هذا العدد ولا يضر كونه وجد بعدهم غيرهم انتهى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 وثلاثة أشهر إلا أربعة عشر يوما. وقتل على: سنة أربعين.
فهذه خلافة النبوة ثلاثون سنة.
وأما «الخلفاء: اثنا عشر» فقد قال جماعة-منهم: أبو حاتم بن حبان وغيره- إن آخرهم عمر بن عبد العزيز، فذكروا الخلفاء الأربعة، ثم معاوية، ثم يزيد ابنه ثم معاوية بن يزيد ثم مروان بن الحكم ثم عبد الملك ابنه ثم الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز. وكانت وفاته على رأس المائة. وهى القرن

↑صفحة ١٦٩↑

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال هذا إن جعل المراد باللفظ كل وال ويحتمل أن يكون المراد مستحقي الخلافة العادلين، وقد معنى منهم من علم، ولا بد من تمام هذا العدد قبل قيام الساعة انتهى.
وقال الشيخ الأجل ولى الله المحدث في قرة العيدين في تفضيل الشيخين: وقد استشكل في حديث «لا يزال هذا الدين ظاهرا إلى أن يبعث الله اثنى عشر خليفة كلهم من قريش» ووجه الاستشكال أن هذا الحديث ناظر إلى مذهب الاثنا عشرية الذين أثبتوا اثنى عشر إماما، والأصل أن كلامه (صلى الله عليه وسلم) بمنزلة القرآن يفسر بعضه بعضا، فقد ثبت من حديث عبد الله بن مسعود «تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين سنة أو ست وثلاثين سنة فإن يهلكوا فسبيل من قد هلك وإن يقم لهم دينهم يقم سبعين سنة مما مضى» وقد وقعت أغلاط كثيرة في بيان معنى هذا الحديث، ونحن نقول ما فهمناه على وجه التحقيق أن ابتداء هذه المدة من ابتداء الجهاد في السنة الثانية من الهجرة، ومعنى فإن يهلكوا ليس على سبيل الشك والترديد بل بيان انها تقع وقائع عظيمة يرى نظرا إلى القرائن الظاهرة أن أمر الإسلام قد اضمحل وشوكة الإسلام وانتظام الجهاد قد انقطع، ثم يظهر الله تعالى ما ينتظم به أمر الخلافة والإسلام وإلى سبعين سنة لا يزال هذا الانتظام، وقد وقع ما أخبر به النبي (صلى الله عليه وسلم) ففي سنة خمس وثلاثين من ابتداء الجهاد وقعت حادثة قتل ذي النورين وتفرق المسلمين، وأيضا في سنة ست وثلاثين وقعة الجمل والصفين وفي هذه الحوادث

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المفضل الذي هو خير القرون وكان الدين في هذا القرن في غاية العزة. ثم وقع ما وقع والدليل على أن النبي (صلى الله عليه وسلم) إنما أوقع عليهم اسم الخلافة بمعنى الملك في غير خلافة النبوة: قوله في الحديث الصحيح من حديث الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة «سيكون من بعدى خلفاء يعملون بما يقولون ويفعلون ما يؤمرون.
وسيكون من بعدهم خلفاء يعملون بما لا يقولون ويفعلون ما لا يؤمرون... من أنكر برئ ومن أمسك سلم. ولكن من رضى وتابع».]

↑صفحة ١٧٠↑

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لما ظهر الفساد والتقاتل فيما بين المسلمين وجعل جهاد الكفار متروكا ومهجورا إلى حين علم نظرا إلى القرائن الظاهرة أن الإسلام قد وهن واضمحل وكوكبه قد أفل ولكن الله تعالى بعد ذلك جعل أمر الخلافة منتظما وأمضى الجهاد إلى ظهور بنى العباس وتلاشى دوله بنى أمية ففي ذلك الوقت أيضا فهم بالقرائن الظاهرة أن الإسلام قد أبيد ويفعل الله ما يريد، ثم أيد الله الإسلام وأشاد مناره وجلى نهاره حتى حدثت الحادثة الجنكيزية وإليها إشارة في حديث سعد بن أبى وقاص عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال «إني لأرجو أن لا يعجز أمتى عند ربى أن يؤخرها نصف يوم، فقيل لسعد وكم نصف يوم؟ قال خمس مائة سنة» رواه أحمد فتارة أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) عن خلافة النبوة وخصصه بثلاثين سنة والتي بعدهم عبرها بملك عضوض، وتارة عن خلافة النبوة والتي تتصل بها كليهما معا وعبرها باثني عشر خليفة وتارة عن الثلاثة كلها معا وعبرها بخمس مائة سنة، وأما ما فهم هذا المستشكل فلا يستقيم أصلا بوجوه.
الأول-أن المذكور ههنا الخلافة لا الإمامة ولم يكن أكثر من هؤلاء اثنى عشر خليفة بالاتفاق بين الفريقين.
الثاني-أن نسبتهم إلى القريش تدل على أن كلهم ليسوا من بنى هاشم، فإن العادة قد جرت على أن الجماعة لما فعلوا أمرا وكلهم من بطن واحد يسمونهم بذلك البطن، ولما كانوا من بطون شتى بسمونهم بالقبيلة الفوقانية التي تجمعهم.
الثالث-أن القائلين باثني عشر أئمة لم يقولوا بظهور الدين بهم بل يزعمون أن الدين قد اختفى بعد وفانة (صلى الله عليه وسلم)، والأئمة كانوا يعملون بالتقية وما استطاعوا على أن يظهروه حتى إن عليا رضي الله عنه لم يقدر على إظهار مذهبه ومشربه.

↑صفحة ١٧١↑

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرابع-أن المفهوم من حرف إلى أن تقع فترة بعد ما ينقضي عمر اثنى عشر خليفة وهم قائلون بظهور عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام وكمال الدين بعدهم فلا يستقيم معنى الغاية والمغيا كما لا يخفى.
فالتحقيق في هذه المسألة أن يعتبروا بمعاوية وعبد الملك وبنيه الأربع وعمر بن عبد العزيز ووليد بن يزيد بن عبد الملك بعد الخلفاء الأربعة الراشدين. وقد نقل عن الإمام مالك أن عبد الله بن الزبير أحق بالخلافة من مخالفيه. ولنا فيه نظر، فإن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما قد ذكرا عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ما يدل على أن تسلط ابن الزبير واستحلال الحرم به مصيبة من مصائب الأمة أخرج حديثهما أحمد عن قيس بن أبي حازم قال جاء ابن الزبير إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في الغزو فقال عمر اجلس في بيتك فقد غزوت مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم). قال فرد ذلك عليه فقال له عمر في الثالثة أو التي تليها اقعد في بيتك واللّه إني لأجد بطرف المدينة منك ومن أصحابك أن تخرجوا فتفسدوا على أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم)» وأخرجه الحاكم فمن لفظه بطرف المدينة يفهم أن واقعة الجمل غير مراد ههنا بل المراد خروجه للخلافة، وإلى هذا المعنى قد أشار على رضي الله عنه في قصة جواب الحسن رضي الله عنه ولم ينتظم أمر الخلافة عليه، ويزيد بن معاوية ساقط من هذا البين لعدم استقراره مدة يعتد بها وسوء سيرته واللّه أعلم.
قال الحافظ عماد الدين بن كثير في تفسيره تحت قوله تعالى ﴿وبَعَثْنَا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ بعد إيراد حديث جابر بن سمرة من رواية الشيخين واللفظ لمسلم:
ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثنى عشر خليفة صالحا يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم، بل قد وجد منهم أربعة على نسق واحد وهم الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى رضي الله عنهم، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة وبعض بنى العباس ولا تقوم الساعة

↑صفحة ١٧٢↑

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 حتى تكون ولايتهم لا محاله والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره أنه يواطئ اسمه اسم النبي (صلى الله عليه وسلم) واسم أبيه اسم أبيه فيملأ عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، وليس هذا بالمنتظر الذي يتوهم الرافضة وجوده ثم ظهوره من سرداب سامرا، فإن ذلك ليس له حقيقة ولا جود بالكلية بل هو من هوس العقول السخيفة وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر الأئمة الذين يعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض لجهلهم وقلة عقلهم انتهى.
قلت زعمت الشيعة خصوصا الأمامية منهم أن الإمام الحق بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على رضي الله عنه ثم ابنه الحسن، ثم أخوه الحسين، ثم ابنه على زين العابدين ثم ابنه محمد الباقر، ثم ابنه جعفر الصادق، ثم ابنه موسى الكاظم، ثم ابنه على الرضا، ثم ابنه محمد النقي، ثم ابنه على النقي، ثم ابنه الحسن العسكري، ثم ابنه محمد القائم المنتظر المهدي وزعموا أنه قد اختفى خوفا من أعدائه وسيظهر فيملأ الدنيا قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما ولا امتناع في طول عمره وامتداد أيام حياته كعيسى والخضر. وأنت خبير بأن اختفاء الإمام وعدمه سواء في عدم حصول الأغراض المطلوبة من وجود الإمام وأن خوفه من الأعداء لا يوجب الاختفاء بحيث لا يوجد منه إلا الاسم، بل غاية الأمران يوجب اختفاء دعوى الإمامة كما في حق آبائه الذين كانوا ظاهرين على الناس ولا يدعون الإمامة، وأيضا فعند فساد الزمان واختلاف الآراء واستيلاء الظلمة احتياج الناس إلى الإمام أشد وانقيادهم له أسهل كذا في شرح العقائد.
قلت: لا شك في أن ما زعمت الشيعة من أن المهدي المبشر به في الأحاديث هو محمد بن الحسن العسكري القائم المنتظر وأنه مختف وسيظهر هي عقيدة باطلة لا دليل عليه.
ويقرب من هذا ما زعم أكثر العوام وبعض الخواص في حق الغازي

↑صفحة ١٧٣↑

٤٢٦٠ - حدثنا موسى بن إسماعيل أخبرنا وهيب أخبرنا داود عن عامر عن جابر بن سمرة قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:
«لا يزال هذا الدّين عزيزا إلى اثنى عشر خليفة. قال: فكبّر النّاس وضجّوا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشهيد الإمام الأمجد السيد أحمد البريلوي رضى الله تعالى عنه أنه المهدي الموعود المبشر في الأحاديث وأنه لم يستشهد في معركة الغزو بل إنه اختفى عن أعين الناس وهو حي موجود في هذا العالم إلى الآن حتى أفرط بعضهم فقال إنا لقيناه في مكة المعظمة حول المطاف ثم غاب بعد ذلك، ويزعمون إنه سيعود وسيخرج بعد مرور الزمان فيملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما وهذا غلط وباطل، والحق الصحيح أن السيد الإمام استشهد ونال منازل الشهداء ولم يختف عن أعين الناس قط، والحكايات المروية في ذلك كلها مكذوبة مخترعة وما صح منها فهو محمول على محمل حسن. وقد طال النزاع في أمر السيد الشهيد من حياته واختفائه حتى جعلوه جزء العقيدة ويجادلون من يفكره، وإلى الله المشتكى من صنيع هؤلاء ونعوذ باللّه من هذه العقيدة المنكرة الواهية واللّه أعلم.
قال المنذري بعد إخراج حديث جابر: ذكر البخاري أن أبا خالد سعيدا والد اسماعيل سمع أبا هريرة وسمع منه ابنه اسماعيل وقوله كلهم من قريش مسند سمرة بن جنادة وقيل سمرة بن عمرو السوائي والد جابر بن سمرة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأخرجه الترمذي وفيه فسألت الذي يليني فقال كل من قريش وليس فيه قلت لأبى. وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وذكر أبو عمر النمري سمرة هذا وقال روى عنه ابنه حديثا واحدا ليس له غيره عن النبي (صلى الله عليه وسلم) يكون بعدى اثنى عشر خليفة كلهم من قريش لم يرو عنه غيره، وابنه جابر ابن سمرة صاحب له رواية انتهى.
(عزيزا) وفي رواية لمسلم «عزيزا منيعا» قال القاري: أي قويا شديدا

↑صفحة ١٧٤↑

ثمّ قال كلمة خفيفة[خفيّة]. قلت لأبى: يا أبت ما قال؟ قال: كلّهم من قريش».
٤٢٦١ - حدثنا ابن نفيل أخبرنا زهير أخبرنا زياد بن خيثمة أخبرنا الأسود بن سعيد الهمداني عن جابر بن سمرة بهذا الحديث.
زاد: «فلمّا رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا: ثمّ يكون ماذا؟ قال: ثمّ يكون الهرج».
٤٢٦٢ - حدثنا مسدّد أنّ عمر بن عبيد حدّثهم ح. وحدثنا محمّد ابن العلاء أخبرنا أبو بكر - يعنى ابن عيّاش ح. وحدثنا مسدّد قال أخبرنا يحيى عن سفيان ح. وحدثنا أحمد بن إبراهيم قال أخبرنا عبيد الله بن موسى أخبرنا زائدة ح. وحدثنا أحمد بن إبراهيم قال حدّثني عبيد الله بن موسى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أو مستقيما سديدا (وضجوا) أي صاحوا والضج الصياح عند المكروه والمشقة والجزع (ثم قال) أي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (كلمة خفيفة) وفي بعض النسخ خفية وهو الظاهر، وفي رواية لمسلم بكلمة خفيت على (قلت لأبى) أي سمرة رضي الله عنه (يا أبت) بكسر التاء وكان في لأصل يا أبى فأبدلت الياء بالتاء (ما قال) أي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (قال) أي أبي (كلهم) أي كل الخلفاء قال المنذري وأخرجه مسلم.
(ثم يكون ماذا) أي شيء يكون بعد الخلفاء الاثني عشر (الهرج) أي الفتنة والقتال. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي من حديث سماك بن حرب عن جابر بن سمرة.
(٢٤-عون المعبود ١١)

↑صفحة ١٧٥↑

عن فطر - المعنى واحد - كلّهم عن عاصم عن زرّ عن عبد الله عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «لو لم يبق من الدّنيا إلاّ يوم. قال زائدة في حديثه - لطوّل الله ذلك اليوم - ثمّ اتّفقوا - حتّى يبعث رجلا[حتّى يبعث فيه رجل - حتّى يبعث الله فيه رجل]منّى أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمى واسم أبيه اسم أبى».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(كلهم عن عاصم) أي كل من عمر بن عبيد وأبو بكر وسفيان الثوري وزائدة وفطر رووا عن عاصم وهو ابن بهدلة (عن زر) أي ابن حبيش (قال زائدة) أي وحده (منى أو من أهل بيتي) شك من الراوي.
واعلم أنه اختلف في أن المهدي من بنى الحسن أو من بنى الحسين. قال القاري في المرقاة: ويمكن أن يكون جامعا بين النسبتين الحسنين والأظهر أنه من جهة الأب حسنى ومن جانب الأم حسيني قياسا على ما وقع في ولدى إبراهيم وهما إسماعيل وإسحاق عليهم الصلاة والسلام حيث كان أنبياء بنى إسرائيل كلهم من بنى إسحاق وإنما نبئ من ذرية إسماعيل نبينا (صلى الله عليه وسلم) وقام مقام الكل ونعم العوض وصار خاتم الأنبياء، فكذلك لما ظهرت أكثر الأئمة وأكابر الأمة من أولاد الحسين فناسب أن ينجبر الحسن بأن أعطى له ولد يكون خاتم الأولياء ويقوم مقام سائر الأصفياء، على أنه قد قيل لما نزل الحسن رضي الله عنه عن الخلافة الصورية كما ورد في منقبته في الأحاديث النبوية أعطى له لواء ولاية المرتبة القطبية فالمناسب أن يكون من جملتها النسبة المهدوية المقارنة للنبوة العيسوية واتفاقهما على إعلاء كلمة الملة النبوية وسيأتي في حديث أبى إسحاق عن على رضي الله عنه ما هو صريح في هذا المعنى واللّه تعالى أعلم انتهى.

↑صفحة ١٧٦↑

زاد في حديث فطر: «يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا».
وقال في حديث سفيان: «لا تذهب أو لا تنقضي الدّنيا حتّى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمى».
قال أبو داود: لفظ عمر وأبى بكر بمعنى سفيان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: حديث أبى إسحاق عن علي رضي الله عنه يأتي عن قريب ولفظه قال على رضي الله عنه ونظر إلى ابنه الحسن فقال «إن ابنى هذا سيد كما سماه النبي (صلى الله عليه وسلم) وسيخرج من صلبه رجل» الخ (يواطئ اسمه اسمى واسم أبيه اسم أبي) فيكون محمد بن عبد الله وفيه رد على الشيعة حيث يقولون المهدي الموعود هو القائم المنتظر وهو محمد بن الحسن العسكري.
(يملأ الأرض) استئناف مبين لحسبه كما أن ما قبله معين لنسبة أي يملأ وجه الأرض جميعا أو أرض العرب وما يتبعها والمراد أهلها (قسطا) بكسر القاف وتفسيره قوله (وعدلا) أتى بهما تأكيدا (كما ملئت) أي الأرض قبل ظهوره (لا تذهب) أي لا تفنى (أو لا تنقضي) شك من الراوي (حتى يملك العرب) قال في فتح الودود: خص العرب بالذكر لأنهم الأصل والأشرف انتهى. وقال الطيبي: لم يذكر العجم وهم مرادون أيضا لأنه إذا ملك العرب واتفقت كلمتهم وكانوا يدا واحدة قهروا سائر الأمم، ويؤيده حديث أم سلمة انتهى. وهذا الحديث يأتي في هذا الباب. قال القاري: ويمكن أن يقال ذكر العرب لغلبتهم في زمنه أو لكونهم أشرف أو هو من باب الاكتفاء ومراده العرب والعجم كقوله تعالى سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ اَلْحَرَّ أي والبرد والأظهر أنه اقتصر على ذكر العرب لأنهم كلهم يطيعونه بخلاف النجم بمعنى ضد العرب فإنه قد يقع منهم خلاف في إطاعته واللّه تعالى أعلم انتهى.

↑صفحة ١٧٧↑

٤٢٦٣ - حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا الفضل بن دكين أخبرنا فطر عن القاسم بن أبى بزّة عن أبى الطّفيل عن عليّ عن النبي (صلى الله عليه وسلم)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(يواطئ اسمه اسمى) أي يوافق ويطابق اسمه اسمى (لفظ عمر وأبى بكر بمعنى سفيان) هو الثوري قاله المنذري أي لفظ حديث عمر وأبى بكر بمعنى حديث سفيان. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن صحيح. قلت: حديث عبد الله بن مسعود قال الترمذي هو حديث حسن صحيح وسكت عنه أبو داود، والمنذري وابن القيم، وقال الحاكم رواه الثوري وشعبة وزائدة وغيرهم من أئمة المسلمين عن عاصم قال وطرق عاصم عن زر عن عبد الله كلها صحيحة إذ عاصم إمام من أئمة المسلمين انتهى. وعاصم هذا هو ابن أبى النجود واسم أبى النجود بهدلة: أحد القراء السبعة. قال أحمد بن حنبل: كان رجلا صالحا وأنا أختار قراءته. وقال أحمد أيضا: وأبو زرعة ثقة، وقال أبو حاتم محله عندي محل الصدق صالح الحديث ولم يكن بذلك الحافظ. وقال أبو جعفر العقيلي لم يكن فيه إلا سوء الحفظ. وقال الدارقطني: في حفظه شيء، وأخرج له البخاري في صحيحه مقرونا بغيره، وأخرج له مسلم. قال الذهبي: ثبت في القراءة وهو في الحديث دون الثبت صدوق يهم وهو حسن الحديث. والحاصل أن عاصم بن بهدلة ثقة على رأى أحمد وأبى زرعة، وحسن الحديث صالح الاحتجاج على رأى غيرهما ولم يكن فيه إلا سوء الحفظ فرد الحديث بعاصم ليس من دأب المنصفين على أن الحديث قد جاء من غير طريق عاصم أيضا فارتفعت عن عاصم مظنة الوهم واللّه أعلم.
(حدثنا الفضل بن دكين) بالتصغير (أخبرنا فطر) هو ابن خليفة القرشي المخزومي وثقه أحمد وابن معين والعجلى (عن القاسم بن أبى بزة) بفتح الموحدة

↑صفحة ١٧٨↑

قال: «لو لم يبق من الدّهر إلاّ يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جورا».
٤٢٦٤ - حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثني عبد الله بن جعفر الرّقّى حدثنا أبو المليح الحسن بن عمر عن زياد بن بيان عن عليّ بن نفيل عن سعيد بن المسيّب عن أمّ سلمة قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «المهديّ من عترتي من ولد فاطمة».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وتشديد الزاي (لبعث الله رجلا) هو المهدي (يملأها) أي الأرض. والحديث أخرجه ابن ماجه عن أبى هريرة مرفوعا «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يملك رجل من أهل بيتي يملك جبال الديلم والقسطنطينية» وفي القاموس: الديلم جبل معروف. والحديث سكت عنه المنذري. قلت: الحديث سنده حسن قوى، وأما فطر بن خليفة الكوفي فوثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين والنسائي والعجلى وابن سعد والساجي، وقال أبو حاتم صالح الحديث، وأخرج له البخاري، ويكفى توثيق هؤلاء الأئمة لعدالته فلا يلتفت إلى قول ابن يونس وأبى بكر بن عياش والجوزجاني في تضعيفه بل هو قول مردود واللّه أعلم.
(المهدى من عترتي) قال الخطابي: العترة ولد الرجل لصلبه وقد يكون العترة أيضا الأقرباء وبنو العمومة، ومنه قول أبى بكر الصديق رضي الله عنه يوم السقيفة نحن عترة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) انتهى. وقال في النهاية: عترة الرجل أخص أقاربه، وعترة النبي (صلى الله عليه وسلم) بنو عبد المطلب وقيل قريش والمشهور المعروف أنهم الذين حرمت عليهم الزكاة انتهى (من ولد فاطمة) ضبط بفتح الواو واللام وبضم الواو وسكون اللام. قال في المجتمع. بضم واو وسكون

↑صفحة ١٧٩↑

قال عبد الله بن جعفر: وسمعت أبا المليح بثعى على عليّ بن نفيل، ويذكر منه صلاحا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 لام جمع ولد. وفي المشكاة من أولاد فاطمة. قال الحافظ عماد الدين: الأحاديث دالة على أن المهدي يكون بعد دولة بنى العباس وأنه يكون من أهل البيت من ذرية فاطمة من ولد الحسن لا الحسين كذا في مرقاة الصعود. وقال السندي في حاشية ابن ماجه قال ابن كثير: فأما الحديث الذي أخرجه الدارقطني في الأفراد عن عثمان بن عفان مرفوعا «المهدى من ولد العباس عمى فإنه حديث غريب كما قاله الدارقطني تفرد به محمد بن الوليد مولى بنى هاشم انتهى. وقال المناوي: في إسناده كذاب (يذكر منه صلاحا) الضمير المجرور لعلى بن نفيل أي يذكر أبو المليح صلاحه. قال المنذري وأخرجه ابن ماجه ولفظه «من ولد فاطمة» وفي حديث أبى داود، قال: عبد الله بن جعفر وهو الرقى وسمعت أبا المليح يعنى الحسن بن عمر الرقى يثنى على علي بن نفيل ويذكر منه صلاحا. وقال أبو حاتم الرازي: على بن نفيل جد التفيلي لا بأس به. وقال أبو جعفر العقيلي: على بن نفيل حراني هو جد النفيلي عن سعيد بن المسيب في المهدي لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به وساق هذا الحديث وقال في المهدى: أحاديث خيار من غير هذا الوجه بخلاف هذا اللفظ بلفظ رجل من أهل بيته على الجملة مجملا هذا آخر كلامه. وفي إسناد هذا الحديث أيضا زياد بن بيان. قال الحافظ أبو أحمد بن عدى: زياد بن بيان سمع على بن النفيلي جد النفيلي في إسناده نظر. سمعت ابن حماد يذكره عن البخاري وساق الحديث. وقال: والبخاري إنما أنكر من حديث زياد بن بيان هذا الحديث وهو معروف به. هذا آخر كلامه، وقال غيره وهو كلام غير معروف من كلام سعيد بن المسيب والظاهر أن زياد بن بيان وهم في رفعه انتهى كلام المنذري.

↑صفحة ١٨٠↑

٤٢٦٥ - حدثنا سهل بن تمام بن بزيع أخبرنا عمران القطان عن قتادة عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «المهديّ منّي، أجلى الجبهة، أقنى الأنف: يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، ويملك سبع سنين».
٤٣٦٦ - حدثنا محمّد بن المثنّى حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبى عن قتادة عن صالح أبى الخليل عن صاحب له عن أمّ سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكّة فيأتيه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(المهدى منى) أي من نسلى وذريتي (أجلى الجبهة) قال في النهاية: الجلا مقصورا انحسار مقدم الرأس من الشعر أو نصف الرأس أو هو دون الصلع، والنعت أجلى وجلواء، وجبهة جلواء واسعة وكذلك في القاموس، فمعنى أجلى الجبهة منحسر الشعر من مقدم رأسه أو واسع الجبهة: قال القاري وهو الموافق للمقام أقنى الأنف) قال في النهاية القنافي الأنف طوله ودقة أرنبته مع حدب في وسطه يقال رجل أقنى وامرأة قنواء انتهى قلت: للأرنبة طرف الأنف، والحدب الارتفاع قال القاري: والمراد أنه لم يكن أفطس فإنه مكروه الهيئة.
(ويملك سبع سنين) قال المناوي: زاد في رواية أو تسع، وفي أخرى يمده الله بثلاثة آلاف من الملائكة. قال المنذري: في إسناده عمران القطان وهو أبو العوام عمران بن داور القطان البصرى استشهد به البخاري ووثقه عفان ابن مسلم وأحسن عليه الثناء يحيى بن سعيد القطان وضعفه يحيى بن معين والنسائي انتهى. وفي الخلاصة: وقال أحمد أرجو أن يكون صالح الحديث انتهى.
(يكون) أي يقع (اختلاف) أي في ما بين أهل الحل والعقد (عند

↑صفحة ١٨١↑

ناس من أهل مكّة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الرّكن والمقام ويبعث إليه بعث من الشّام، فيخسف بهم بالبيداء بين مكّة والمدينة، فإذا رأى النّاس ذلك أتاه أبدال الشّام وعصائب أهل العراق فيبايعونه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 موت خليفة) أي حكمية وهى الحكومة السلطانية بالغلبة التسليطية (فيخرج رجل من أهل المدينة) أي كراهية لأخذ منصب الإمارة أو خوفا من الفتنة الواقعة فيها وهى المدينة المعطرة أو المدينة التي فيها الخليفة (هاربا إلى مكة) لأنها مأمن كل من التجأ إليها ومعبد كل من سكن فيها قال الطيبي رحمه الله وهو المهدي بدليل إيراد هذا الحديث أبو داود، في باب المهدي (فيأتيه ناس من أهل مكة) أي بعد ظهور أمره ومعرفة نور قدره (فيخرجونه) أي من بيته (وهو كاره) إما بلية الإمارة وإما خشية الفتنة، والجملة حالية معترضة (بين الركن) أي الحجر الأسود (والمقام) أي مقام ابراهيم عليه الصلاة والسلام (ويبعث) بصيغة المجهول أي يرسل إلى حربه وقتاله مع أنه من أولاد سيد الأنام وأقام في بلد الله الحرام (بعث) أي جيش (من الشام) وفي بعض النسخ من أهل الشام (بهم) أي بالجيش (بالبيداء) بفتح الموحدة وسكون التحتية قال التوربشتي رحمه الله هي أرض ملساء بين الحرمين. وقال في المجمع اسم موضع بين مكة والمدينة وهو أكثر ما يراد بها (فإذا رأى الناس ذلك) أي ما ذكر من خرق العادة وما جعل للمهدى من العلامة (أتاه أبدال الشام) جمع بدل بفتحتين قال في النهاية: هم الأولياء والعباد الواحد بدل سموا بذلك لأنهم كلما مات منهم واحدا بدل بآخر قال السيوطي في مرقاة الصعود: لم يرد في الكتب الستة ذكر الأبدال إلا في هذا الحديث عند أبى داود وقد أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، وورد فيهم أحاديث كثيرة خارج الستة جمعتها في مؤلف انتهى.

↑صفحة ١٨٢↑

ثمّ ينشأ رجل من قريش أخواله كلب، فيبعث إليهم بعثا، فيظهرون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: إنا نذكر ههنا بعض الأحاديث الواردة في شأن الأبدال تتميما للفائدة، فمنها ما رواه أحمد في مسنده عن عبادة بن الصامت مرفوعا الأبدال في هذه الأمه ثلاثون رجلا قلوبهم على قلب إبراهيم خليل الرحمن كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا أورده السيوطي في الجامع الصغير، وقال العزيزي والمناوي في شرحه بإسناد صحيح، ومنها ما رواه عبادة بن الصامت «الأبدال في أمتى ثلاثون بهم تقوم الأرض وبهم تمطرون وبهم تنصرون» رواه الطبراني في الكبير أورده السيوطي في الكتاب المذكور وقال العزيزي والمناوي بإسناد صحيح، ومنها ما رواه عوف بن مالك «الأبدال في أهل الشام وبهم ينصرون وبهم يرزقون» أخرجه الطبراني في الكبير أورده السيوطي في الكتاب المذكور قال العزيزي والمناوي إسناده حسن، ومنها ما رواه على رضي الله عنه «الأبدال بالشام وهم أربعون رجلا كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا يسقى بهم الغيث وينتصر بهم على الأعداء ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب» أخرجه أحمد وقال العزيزي والمناوي بإسناد حسن قال المناوي زاد في رواية الحكيم «لم يسبقوا الناس بكثرة صلاة ولا صوم ولا تسبيح ولكن بحسن الخلق وصدق الورع وحسن النية وسلامة الصدر أولئك حزب اللّه» وقال لا ينافى خبر الأربعين خبر الثلاثين لأن الجملة أربعون رجلا فثلاثون على قلب إبراهيم وعشرة ليسوا كذلك، ومنها ما ذكر أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «خيار أمتى في كل قرن خمس مائه والأبدال أربعون، فلا الخمس مائه ينقصون ولا الأربعون كلما مات رجل أبدل الله (عزَّ وجلَّ) من الخمس مائة مكانه وأدخل في الاربعين وكأنهم قالوا يا رسول الله دلنا على أعمالهم قال يعفون.

↑صفحة ١٨٣↑

عليهم، وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال ويعمل في النّاس بسنّة نبيّهم (صلى الله عليه وسلم)، ويلقى الإسلام بجرانه إلى الأرض، فيلبث سبع سنين، ثمّ يتوفى ويصلّى عليه المسلمون».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عمن ظلمهم ويحسنون إلى من أساء إليهم ويتواسون في ما آتاهم الله (عزَّ وجلَّ)» أورده القاري في المرقاة ولم يذكر تمام إسناده.
واعلم أن العلماء ذكروا في وجه تسمية الأبدال وجوها متعددة وما يفهم من هذه الأحاديث من وجه التسمية هو المعتمد.
(وعصائب أهل العراق) أي خيارهم من قولهم عصبة القوم خيارهم قاله القاري. وقال في النهاية جمع عصابة وهم الجماعة من الناس من العشرة إلى الأربعين ولا واحد لها من لفظها، ومنه حديث على رضي الله عنه الأبدال بالشام والنجباء بمصر والعصائب بالعراق» أراد أن التجمع للحروب يكون بالعراق وقيل أراد جماعة من الزهاد وسماهم بالعصائب لأنه قرنهم بالأبدال والنجباء انتهى. والمعنى أن الأبدال والعصائب يأتون المهدي (ثم ينشأ) أي يظهر (رجل من قريش) هذا هو الذي يخالف المهدي (أخواله) أي أخوال الرجل القرشي (كلب) فتكون أمه كلبية قال التوربشتي رحمه الله يريد أن أم القرشي تكون كلبية فينازع المهدي في أمره ويستعين عليه بأخواله من بنى كلب (فيبعث) أي ذلك الرجل القرشي الكلبى (إليهم) أي المبايعين للمهدى (بعثا) أي جيشا (فيظهرون عليهم) أي فيغلب المبايعون على البعث الذي بعثه الرجل القرشي الكلبى (وذلك) أي البعث (بعث كلب) أي جيش كلب باعثه هوى نفس الكلبى (ويعمل) أي المهدي (في الناس بسنة نبيهم (صلى الله عليه وسلم)) فيصير جميع الناس عاملين بالحديث ومتبعيه (ويلقى) من الإلقاء (الإسلام بجرانه)» بكسر الجيم ثم راء

↑صفحة ١٨٤↑

قال أبو داود وقال بعضهم عن هشام: تسع سنين. وقال بعضهم: سبع سنين.
٤٢٦٧ - حدثنا هارون بن عبد الله أخبرنا عبد الصّمد عن همّام عن قتادة بهذا الحديث قال: «تسع سنين».
قال أبو داود قال غير معاذ عن هشام: «تسع سنين».
٤٢٦٨ - حدثنا ابن المثنّى قال أخبرنا عمرو بن عاصم قال أخبرنا أبو العوّام قال أخبرنا قتادة عن أبى الخليل عن عبد الله بن الحارث عن أمّ سلمة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) بهذا الحديث، وحديث معاذ أتمّ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 بعدها ألف ثم نون هو مقدم العنق قال في النهاية الجران باطن العنق ومنه حديث عائشة رضي الله عنها «حتى ضرب الحق بجرانه» أي قر قراره واستقام كما أن البعير إذا برك واستراح مد عنقه على الأرض انتهى. قال المنذري: قال أبو داود، قال بعضهم عن هشام يعنى الدستوائي تسع سنين، وقال بعضهم سبع سنين وذكره أيضا من حديث همام وهو ابن يحيى عن قتادة وقال سبع سنين.
والرجل الذي لم يسم فيه سمى في الحديث الذي بعده ورفع الحديث انتهى كلام المنذري.
(عن أبى الخليل عن عبد الله بن الحارث الخ) قال المنذري: في هذا الإسناد أبو العوام وهو عمران بن داور وقد تقدم الكلام عليه. وأبو الخليل هو صالح بن أبى مريم الضبعي البصرى أخرج له البخاري ومسلم وهو بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة ولام انتهى. قال ابن خلدون: خرّج أبو داود، عن أم سلمة من رواية صالح أبى الخليل عن صاحب أبى الخليل عن صاحب له عن أم سلمة ثم رواه أبو داود، من رواية أبى الخليل

↑صفحة ١٨٥↑

٤٢٦٩ - حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا جرير عن عبد العزيز ابن رفيع عن عبيد الله بن القبطيّة عن أمّ سلمة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) بقصّة جيش الخسف «قلت: يا رسول الله كيف بمن كان كارها؟ قال: يخسف بهم ولكن يبعث يوم القيامة على نيّته».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 عن عبد الله بن الحارث عن أم سلمة: فتبين بذلك المبهم في الإسناد الأول ورجاله رجال الصحيحين لا مطعن فيهم ولا مغمز.
وقد يقال إنه من رواية قتادة عن أبى الخليل وقتادة مدلس وقد عنعنه والمدلس لا يقبل من حديثه إلا ما صرح فيه بالسماع، مع أن الحديث ليس فيه تصريح بذكر المهدى. نعم ذكره أبو داود، في أبوابه انتهى. قلت: لا شك أن أبا داود يعلم تدليس قتادة بل هو أعرف بهذه القاعدة من ابن خلدون ومع ذلك سكت عنه ثم المنذري وابن القيم ولم يتكلموا على هذا الحديث، فعلم أن عندهم علما بثبوت سماع قتادة من أبى الخليل لهذا الحديث واللّه أعلم.
(بقصة جيش الخسف) وفي رواية مسلم عن عبيد الله بن القبطية قال:
دخل الحارث بن أبى ربيعة وعبد الله بن صفوان وأنا معهما على أم سلمة أم المؤمنين فسألاها عن الجيش الذي يخسف به - وكان ذلك في أيام ابن الزبير- فقالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم، فقلت: يا رسول الله فكيف بمن كان كارها» الخ (كيف بمن كان كارها) أي غير راض، كأن يكون مكرها أو سالك الطريق معهم، ولكن لا يكون راضيا بما قصدوا (قال يخسف بهم) وفي رواية مسلم: يخسف به معهم، وفي رواية أخرى لمسلم: «فقلنا: يا رسول الله إن الطريق قد يجمع الناس، قال: نعم فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل

↑صفحة ١٨٦↑

قال أبو داود: وحدّثت عن هارون بن المغيرة قال أخبرنا عمرو بن أبى قيس عن شعيب بن خالد عن أبى إسحاق قال: قال عليّ رضي الله عنه ونظر إلى ابنه الحسن فقال: إنّ ابنى هذا سيّد كما سمّاه النبي (صلى الله عليه وسلم) وسيخرج من صلبه رجل يسمّى باسم نبيّكم (صلى الله عليه وسلم)، يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق. ثمّ ذكر قصّة يملأ الأرض عدلا».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 يهلكون مهلكا واحدا». قال النووي: أما المستبصر فهو المستبين لذلك القاصد له عمدا، وأما المجبور فهو المكره، وأما ابن السبيل فالمراد به سالك الطريق معهم وليس منهم (ولكن يبعث) أي الكاره (على نيته) فيجازى على حسبها. وفي رواية مسلم المذكورة بعد قوله: «يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله على نياتهم».
قال النووي: أي يقع الهلاك في الدنيا على جميعهم ويصدرون يوم القيامة مصادر شتى، أي يبعثون مختلفين على قدر نياتهم فيجازون بحسبها. قال: وفي هذا الحديث أن من كثر سواد قوم جرى عليه حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا.
قال المنذري: وأخرجه مسلم.
(وحدثت) بصيغة المجهول (إن ابنى هذا) إشارة إلى تخصيص الحسن لئلا يتوهم أن المراد هو الحسين أو الحسن (كما سماه النبي (صلى الله عليه وسلم)) أي بقوله: إن ابنى هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين (من صلبه) أي من ذريته (يشبهه في الخلق) بضم الخاء واللام وتسكن (ولا يشبهه في الخلق) بفتح الخاء وسكون اللام، أي يشبهه في السيرة، ولا يشبهه في الصورة.

↑صفحة ١٨٧↑

وقال هارون: حدثنا عمرو بن أبى قيس عن مطرّف بن طريف عن أبى الحسن عن هلال بن عمرو قال سمعت عليّا رضي الله عنه يقول قال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والحديث دليل صريح على أن المهدي من أولاد الحسن ويكون له انتساب من جهة الأم إلى الحسين جمعا بين الأدلة، وبه يبطل قول الشيعة: إن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري القائم المنتظر فإنه حسيني بالاتفاق. قاله القاري.
قال المنذري: هذا منقطع، أبو إسحاق السبيعي رأى عليا (عليه السلام) رؤية.
(عن أبى الحسن) هكذا في نسخة واحدة من النسخ الموجودة وهو الصحيح قال المزي في الأطراف: حديث «يخرج رجل من أهل النهر يقال له الحارث حراث» أخرجه أبو داود في المهدي عن هارون بن المغيرة عن عمرو بن أبى قيس عن مطرف بن طريف عن أبى الحسن عن هلال بن عمرو، وهو غير مشهور عن على. انتهى.
وقال الذهبي في الميزان: أبو الحسن عن هلال بن عمرو عن على: «يخرج رجل من وراء النهر يقال له الحارث» تفرد به مطرف بن طريف. انتهى.
وفي الخلاصة: هلال بن عمرو الكوفي عن على وعنه أبو الحسن شيخ لمطرف مجهول. انتهى.
وقال ابن خلدون: والحديث سكت عنه أبو داود، وقال في موضع آخر في هارون: هو من ولد الشيعة.
وقال أبو داود في عمرو بن قيس: لا بأس به في حديثه خطأ.
وقال الذهبي: صدوق له أوهام، وأما أبو إسحاق السبيعي فروايته عن على منقطعة. وأما السند الثاني فأبو الحسن فيه وهلال بن عمرو مجهولان، ولم يعرف أبو الحسن إلا من رواية مطرف بن طريف عنه. انتهى كلام ابن

↑صفحة ١٨٨↑

النبي (صلى الله عليه وسلم): «يخرج رجل من وراء النّهر يقال له الحارث حرّاث[الحارث بن حرّاث]على مقدّمته رجل يقال له منصور يوطّئ أو يمكّن لآل محمّد كما مكّنت قريش لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجب على كلّ مؤمن نصره أو قال إجابته».
آخر كتاب المهدى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خلدون. وأما في سائر النسخ من النسخ الموجودة ففيه عن الحسن عن هلال ابن عمرو. واللّه أعلم.
(يخرج رجل) أي صالح (من وراء النهر) أي مما وراءه من البلدان كبخارى وسمرقند ونحوهما (يقال له الحارث) اسم له، وقوله (حراث) بتشديد الراء صفة له، أي زراع. هكذا في أكثر النسخ وهو المعتمد، وفي بعض النسخ الحارث بن حراث واللّه أعلم (على مقدمته) أي على مقدمة جيشه (يقال له منصور) الظاهر أنه اسم له (يوطئ أو يمكن) شك من الراوي، الأول من التوطئة، والثاني من التمكين. قال القاري: أو هي بمعنى الواو، أي يهيئ الأسباب بأمواله وخزائنه وسلاحه ويمكن أمر الخلافة ويقويها ويساعدها بعسكره (لآل محمد) أي لذريته وأهل بيته عموما وللمهدى خصوصا أو لآل مقحم، والمعنى لمحمد المهدى. قال القاري. قلت: كون لفظ الآل مقحما غير ظاهر، بل الظاهر هو أن المراد بآل محمد ذريته وأهل بيته (صلى الله عليه وسلم). وقال في فتح الودود: أي يجعلهم في الأرض مكانا وبسطا في الأموال ونصرة على الأعداء (كما مكنت قريش لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)) قال القاري:
والمراد من آمن منهم ودخل في التمكين أبو طالب أيضا وإن لم يؤمن عند أهل السنة. وقال في فتح الودود: أي في آخر الأمر، وكذا قال الطيبي

↑صفحة ١٨٩↑

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(وجب على كل مؤمن نصره) أي نصر الحارث وهو الظاهر، أو نصر المنصور وهو الأبلغ، أو نصر من ذكر منهما، أو نصر المهدي بقرينة المقام، إذ وجوب نصرهما على أهل بلادهما ومن يمر بهما لكونهما من أنصار المهدي (أو قال إجابته) شك من الراوي. والمعنى قبول دعوته والقيام بنصرته.
قال المنذري: وهذا منقطع قال فيه أبو داود قال هارون بن المغيرة، وقال الحافظ: أبو القاسم الدمشقي هلال بن عمرو وهو غير مشهور عن على. انتهى.

↑صفحة ١٩٠↑

نظم المتناثر من الحديث المتواتر ابو عبد الله، محمد بن جعفر بن ادريس بن محمد الكتاني الحسني الفاسي المالكي (١٢٧٤ - ١٣٤٥)

من المشاركين في الحديث والفقه والتاريخ.
ولد وتوفي بفاس، رحل الى الشرق وجاور مع أهله بالمدينة، ثم انتقل الى دمشق فأقام بها مدة ثمان سنوات وعاد الى المغرب وبقي الى اخر حياته وكان كثير التصنيف له نحو ستين كتابا.
منها: «سلوة الانفاس» في تراجم علماء فاس وصلحائها، ثلاثة أجزاء، «الازهار العاطرة في سيرة السيد إدريس...»، الرسالة المستطرفة» لبيان

↑صفحة ١٩١↑

مشهور كتب الستة المشرفة»، «النبذة اليسيرة النافعة، في تراجم رجال الاسرة الكتانية» ختمه بترجمة لنفسه. ذكر بها مشايخه وتأليفه وبعض ذكرياته «الرحلة السامية للاسكندرية ومصر والحجاز والبلاد الشامية»
ومنها: «نظم المتناثر في الحديث المتواتر» طبع ١٣٢٨ هـ بفاس في ١٥٧ صحيفة(١١) وفيها شطر حول اثبات تواتر احاديث المهدي ع فجعلناه من اجزاء الكتاب واليك نصه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١) فهرس الفهارس ١/٣٨٨-٣٩١، معجم المطبوعات ١٥٤٥- ١٥٤٦، فهرس التيمورية ٢/١٧، ٣/٢٥٥، الاعلام للزركلي طبعة جديدة-٦/٧٢، معجم المؤلفين ٩/١٥٠.

↑صفحة ١٩٢↑

هوية الكتاب
نظم المتناثر*من الحديث المتواتر تأليف الشيخ الامام*علامة الاعلام*قدوة أهل التحقيق* وعمدة ذوى النظر والتدقيق* الفقيه المحدث الصوفي ابي عبد الله سيدى محمد بن شيخ الاسلام* ومصباح الظلام*أبى الفيض مولانا جعفر الحسنى الإدريسي الشهير بالكتاني*مما اعتنى بنشره* واشراق بدره* سلطاننا الاعظم* وامامنا الافخم*جامع كلمة الاسلام بعد شتلتها* ومحيي رسوم الخلافة بعد مواتها*حتى امتدت على الرعية طنب امانه*فلبسوا من حميد ظلها بردا سابغا* وسحت عليهم سحب احسانه فورد وأمن جزيل فضلها وردا سائغا*أمير المؤمنين المتوكل على رب العالمين*سيدنا ومولانا (عبد الحفيظ) بن مولانا الحسن أدام الله نصره* واشاد في سماء المكارم ذكره*
آمين

(هاك نظم المتناثر * * * من حديث متواتر)
(فاق في حسن نظام * * * عقد در وجواهر)
(وبدا في أفق كتب * * * بدر تم وهو زاهر)
(أو كروض يانع قد * * * ضم أصناف الازاهر)
(فهو للعين ضياء * * * وهو للسمع مزاهر)

(طبع بالمطبعة المولوية*بفاس العليا المحمية) ١٣٢٨ سنة

↑صفحة ١٩٣↑

(احاديث) الهرج والفتن في آخر الزمان سبق ان الجلال السيوطي في اتمام الدراية عدها من المتواتر (احاديث) خروج المهدي الموعود المنتظر الفاطمي عن (١) ابن مسعود اخرجه أحمد وأبو داوود والترمذي وابن ماجه (٢) وام سلمة اخرجه ابو داوود وابن ماجه والحاكم في المستدرك (٣) وعلى بن أبى طالب اخرجه احمد وابو داوود وابن ماجه (٤) وأبى سعيد الخدري اخرجه أحمد وأبو داوود والترمذي وابن ماجه وأبو يعلى والحاكم في المستدرك (٥) وثوبان أخرجه احمد وابن ماجه والحاكم في المستدرك (٦) وقرة بن اياس المزني أخرجه البزار والطبراني في الكبير والاوسط (٧) وعبد الله بن الحارث بن جزء اخرجه ابن ماجه والطبراني في الاوسط (٨) وأبى هريرة أخرجه أحمد والترمذي وأبو يعلى والبزار في مسندهما والطبراني في الاوسط وغيرهم (٩) وحذيفة بن اليمان اخرجه الروياني (١٠) وابن عباس اخرجه أبو نعيم في اخبار المهدي (١١) وجابر بن عبد الله أخرجه احمد ومسلم الا أنه ليس فيه تصريح بذكر المهدي بل احاديث مسلم كلها لم يقع فيها تصريح به (١٢) وعثمان اخرجه الدارقطني في الافراد (١٣) وابي امامة اخرجه الطبراني في الكبير (١٤) وعمار بن ياسر اخرجه الدارقطني في الافراد والخطيب وابن عساكر (١٥) وجابر ابن ماجد الصدفي اخرجه الطبراني في الكبير (١٦) وابن عمر «١٧» وطلحة بن عبيد الله اخرجهما الطبراني في الاوسط «١٨» وانس بن مالك أخرجه ابن ماجه «١٩» وعبد الرحمان بن عوف اخرجه ابو نعيم (٢٠) وعمران بن حصين اخرجه الامام ابو عمرو الداني في سننه وغيرهم وقد نقل غير واحد عن الحافظ السخاوى انها متواترة والسخاوى ذكر ذلك في فتح المغيث ونقله عن ابي الحسين الابري وقد تقدم نصه اول هذه الرسالة وفي تأليف لأبي العلاء ادريس بن محمد بن ادريس الحسيني العراقي في المهدي هذا ان أحاديثه متواترة او كادت قال وجزم بالأول غير

↑صفحة ١٩٤↑

واحد من الحفاظ النقاد اهـ وفي شرح الرسالة للشيخ جسوس ما نصه ورد خبر المهدي في احاديث ذكر السخاوي انها وصلت الى حد التواتر اهـ وفي شرح المواهب نقلا عن ابي الحسين الابري في مناقب الشافعي قال تواترت الاخبار ان المهدي من هذه الامة وان عيسي يصلى خلفه ذكر ذلك ردا لحديث ابن ماجة عن انس ولا مهدى الا عيسى اهـ وفي مغاني الوفا بمعاني الاكتفا قال الشيخ ابو الحسين الابري قد تواترت الاخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بمجيء المهدي وانه سيملك سبع سنين وانه يملا الارض عدلا اهـ وفي شرح عقيدة الشيخ محمد بن احمد السفاريني الحنبلي ما نصه وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم ثم ذكر بعض الاحاديث الواردة فيه عن جماعة من الصحابة وقال بعدها وقد روى عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم بروايات متعددة وعن التابعين من بعدهم مما يفيد مجموعه العلم القطعي فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند اهل العلم ومدون في عقائد اهل السنة الجماعة اهـ وتتبع ابن خلدون في مقدمته طرق احاديث خروجه مستوعبا لها على حسب وسعه فلم تسلم له من علة لكن ردوا عليه بان الاحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها كثيرة جدا تبلغ حد التواتر وهى عند احمد والترمذي وابى داوود وابن ماجه والحاكم والطبراني وأبى يعلى الموصلي والبزار وغيرهم من دواوين الاسلام من السنن والمعاجم والمسانيد واسندوها الى جماعة من الصحابة فإنكارها مع ذلك مما لا ينبغي والاحاديث يشد بعضها بعضا ويتقوى امرها بالشواهد والمتابعات واحاديث المهدي بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف وامره مشهور بين الكافة من أهل الاسلام على ممر الاعصار وانه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من اهل البيت النبوي يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولى على الممالك الاسلامية ويسمي بالمهدى ويكون خروج الدجال وما بعده من اشراط الساعة الثابتة في الصحيح على اثره وان عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال او ينزل معه فيساعده على قتله وياتم بالمهدى في بعض صلواته الي غير ذلك وللقاضي العلامة محمد بن على الشوكاني اليمنى رحمه الله رسالة سماها التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح قال فيها والاحاديث الواردة في المهدي التي امكن الوقوف عليها منها

↑صفحة ١٩٥↑

خمسون حديثا فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر وهى متواترة بلا شك ولا شبهة بل يصدق وصف التواتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول واما الاثار عن الصحابة المصرحة بالمهدى فهي كثيرة ايضا لها حكم الرفع اذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك اهـ وانظره فقد ذكر احاديثه وتكلم عليها وفي الصواعق لابن حجر الهيتمي ما نصه قال أبو الحسين الابري قد تواترت الاخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بخروج المهدي وانه من أهل بيته وانه يملك سبع سنين وانه يملا الارض عدلا وانه يخرج مع عيسى صلى الله على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام فيساعده على قتل الدجال بباب لد بارض فلسطين وانه يؤم هذه الامة ويصلي عيسى خلفه اهـ ومثله له في القول المحتضر في علامات المهدي المنتظر الا أنه عبر عن ابي الحسين المذكور ببعض الايمة ونصه قال بعض الايمة قد تواترت الاخبار الخ ما مر عنه في الصواعق وقال قبله بيسير ما نصه قال بعض الايمة الحفاظ أن كونه أي المهدي من ذريته (صلى الله عليه وسلم) قد تواتر عنه (صلى الله عليه وسلم) اهـ (قلت) وابو الحسين المذكور هو محمد بن الحسين بن ابراهيم الابري السجستاني مصنف كتاب مناقب الشافعي وهو كتاب حافل رتبه على اربعة او خمسة وسبعين بابا وآبر من قرى سجستان توفى في رجب سنة ثلاث وستين وثلاثمائة راجع ترجمته في الطبقات الكبرى للسبكي ولو لا مخافة التطويل لا وردت هاهنا ما وقفت عليه من احاديثه لأني رأيت الكثير من الناس في هذا الوقت يتشككون في امره ويقولون يا ترى هل احاديثه قطعية ام لا وكثير منهم يقف مع كلام ابن خلدون ويعتمده مع انه ليس من أهل هذا الميدان والحق الرجوع في كل فن لأربابه والعلم لله تبارك وتعالى (احاديث) خروج المسيح الدجال ذكر غير واحد انها واردة من طرق كثيرة صحيحة عن جماعة كثيرة من الصحابة وفي التوضيح للشوكاني منها مائة حديث وهى في الصحاح والمعاجم والمسانيد والتواتر يحصل بدونها فكيف بمجموعها وقال بعضهم اخبار الدجال تحتمل مجلدات وقد افردها غير واحد من الايمة بالتأليف وذكر جملة وافرة منها في الدر المنثور لدى قوله ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ الله بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ﴾ الآية فراجعه.

↑صفحة ١٩٦↑

(أحاديث) نزول سيدنا عيسى (عليه السلام) قرب الساعة وحكمه في الناس قال الابي في شرح مسلم في الكلام على احاديث الاشراط ما نصه وتقدم في حديث جبريل (عليه السلام) قول ابن رشد الاشراط عشرة والمتواتر منها خمسة اهـ والذى تقدم له في حديث جبريل هو انه بعد ما نقل عن القرطبي ان الاشراط تنقسم الى معتاد كالمذكورات في حديث جبريل وكرفع العلم وظهور الجهل وكثرة الزنى وكثرة شرب الخمر وغير معتاد كالدجال ونزول عيسى وخروج يأجوج ومأجوج والدابة وطلوع الشمس من مغربها قال قلت قال ابن رشد واتفقوا على انه لا بد من ظهور هذه الخمسة واختلفوا في خمسة أخر خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب والدخان ونار تخرج من قعر عدن تروح معهم حيث راحوا وتقيل معهم حيث قالوا زاد بعضهم وفتح قسطنطينية وظهور المهدي اهـ وقال أيضا قبله في الكلام على احاديث نزول عيسى ما نصه لا بد من نزوله لتواتر الاحاديث بذلك اهـ وقد ذكروا ان نزوله ثابت بالكتاب والسنة والاجماع والاحاديث في نزوله كثيرة ذكر الشوكاني منها في التوضيح تسعة وعشرين حديثا ما بين صحيح وحسن وضعيف منجبر منها ما هو مذكور في احاديث الدجال ومنها ما هو مذكور في احاديث المنتظر وتنضم الى ذلك ايضا الاثار الواردة عن الصحابة فلها حكم الرفع اذ لا مجال للاجتهاد في ذلك والحاصل ان الاحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة وكذا الواردة في الدجال وفي نزول سيدنا عيسي ابن مريم (عليهما السلام) (احاديث) طلوع الشمس من مغربها عن ابى سعيد (٢) وابى هريرة (٣) وابن عمرو (٤) وحذيفة (٥) وابى ذر (٦) وابن عباس (٧) وعبد الله بن ابى اوفى (٨) وصفوان بن عسال (٩) ومعاوية ابن ابى سفيان[١٠] وعبد الرحمان بن عوف «١١» وانس (١٢) وابي امامة (١٣) وحذيفة بن اسيد[١٤] وابي موسى الأشعري (١٥) وابى ذر وغيرهم راجع الدر المنثور لدى قوله ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾.
(احاديث) خروج الدابة عن «١» ابى هريرة (٢) وابن عمرو (٣) وانس (٤) وحذيفة بن اسيد (٥) وحذيفة بن اليمان (٦) وابى امامة (٧) وسلمان وغيرهم وقد دل عليه أيضا نص الكتاب في قوله واذا وقع القول عليهم اخرجنا لهم دابة من الارض تكلمهم وانعقد.

↑صفحة ١٩٧↑

تحفة الأحوذي ابو العلي، محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، زين الدين (١٢٨٣ - ١٣٥٣)

عالم مشارك في كثير من العلوم.
ولد ببلدة مباركفور من اعمال اعظمكره بالهند، ونشأ بها وقرأ العلوم العربية والمنطق والفلسفة والهيئة والفقه وأصوله على اساتذة الفن، فصار من كبار العلماء والمؤلفين، من مؤلفاته: تحفة الأحوذي، شرح جامع الترمذي.
طبع بالهند ثم بالقاهرة، واليك بابه المختص بالمهدي، قدمناه في هذه المجموعة للقراء الكرام، ولم نجد ترجمته فيما بأيدينا من المصادر غير ما ذكره الكحالة بالاختصار(١٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) معجم المؤلفين ٥/١٦٦.

↑صفحة ١٩٩↑

هوية الكتاب
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للإمام الحافظ أبى العلى محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري ١٢٨٣ هـ - ١٣٥٣ ه
ضبطه وراجع أصوله وصححه عبد الرحمن محمد عثمان
الجزء السّادس
قام بنشره محمّد عبد المحسن الكتبي صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة
مطبعة الفجالة الجديدة ٣٨ شارع القويسي بالظاهر بالقاهرة

↑صفحة ٢٠١↑

٤٤ - باب ما جاء في المهدىّ
٢٣٣١ - حدثنا عبيد بن أسباط بن محمّد القرشي، أخبرنا أبى، حالا من ضمير الفاعل في ثابتين على الحق في حالة كونهم غالبين على العدو (لا يضرهم من خذلهم) أي لثباتهم على دينهم (حتى يأتي أمر الله) متعلق بقوله لا تزال قال في فتح الودود أي الريح التي يقبض عندها روح كل مؤمن ومؤمنة، انتهى.
قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه مسلم وابن ماجه بدون ذكر: إنما أخاف على أمتي أئمة مضلين. وأخرجه أبو داود مطولا.
(باب ما جاء في المهدى) اعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولى على الممالك الإسلامية ويسمى بالمهدى ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأن عيسى (عليه السلام) ينزل من بعده فيقتل الدجال أو ينزل من بعده فيساعده على قتله ويأتم بالمهدى في صلاته.
وخرّج أحاديث المهد جماعة من الأئمة منهم أبو داود والترمذي وابن ماجه والبزار والحاكم والطبراني وأبو يعلى الموصلي وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل على وابن عباس وابن عمر وطلحة وعبد الله بن مسعود وأبى هريرة وأنس وأبى سعيد الخدري وأم حبيبة وأم سلمة وثوبان وقرة بن إياس وعلى الهلالي وعبد الله بن الحارث بن جزء رضي الله عنهم وأسناد أحاديث هؤلاء بين صحيح وحسن وضعيف. وقد بالغ الإمام المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون المغربي في تاريخه في تضعيف أحاديث المهدي كلها فلم يصب بل أخطأ وما روى من رواية محمد بن المنكدر عن جابر: من كذب بالمهدى فقد كفر. فموضوع والمتهم فيه أبو بكر الإسكاف وربما تمسك المنكرون لشأن المهدي بما روى مرفوعا أنه قال: لا مهدى إلا عيسى بن مريم والحديث ضعفه البيهقي والحاكم وفيه أبان بن صالح وهو متروك الحديث والله أعلم كذا

↑صفحة ٢٠٢↑

أخبرنا سفيان الثّوريّ عن عاصم بن بهدلة عن زرّ عن عبد الله قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): لا تذهب الدّنيا حتّى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمى».
وفي الباب عن عليّ وأبى سعيد وأمّ سلمة وأبى هريرة.
في عون المعبود. قلت الأحاديث الواردة في خروج الإمام المهدي كثيرة جدا، ولكن أكثرها ضعاف، ولا شك في أن حديث عبد الله بن مسعود الذي رواه الترمذي في هذا الباب لا ينحط عن درجة الحسن وله شواهد كثيرة من بين حسان وضعاف. فحديث عبد الله بن مسعود هذا مع شواهده وتوابعه صالح للاحتجاج بلا مرية، فالقول بخروج الإمام المهدي وظهوره هو القول الحق والصواب والله تعالى أعلم.
وقال القاضي الشوكاني في الفتح الرباني: الذي أمكن الوقوف عليه من الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر خمسون حديثا وثمانية وعشرون أثرا ثم سردها مع الكلام عليها ثم قال وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع انتهى.
قوله: (عن عبد الله) هو ابن مسعود.
قوله: (لا تذهب الدنيا) أي لا تفنى ولا تنقضي (حتى يملك العرب) قال في فتح الودود: خص العرب بالذكر لأنهم الأصل والأشراف انتهى. وقال الطيبي:
لم يذكر للعجم وهم مرادون أيضا لأنه إذا ملك العرب واتفقت كلمتهم وكانوا يدا واحدة قهروا سائر الأمم ويؤيد حديث أم سلمة يعنى المذكور في المشكاة في الفصل الثاني من باب أشراط الساعة وفيه: ويعمل في الناس بسنة نبيهم ويلقى الإسلام بجرانه في الأرض فيلبث سبع سنين ثم يتوفى ويصلى عليه المسلون. قال القاري:
ويمكن أن يقال: ذكر العرب لغلبتهم في زمنه، أو لكونهم أشرف، أو هو من باب الاكتفاء ومراده العرب والعجم كقوله تعالى ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ اَلْحَرَّ﴾ أي والبرد والأظهر أنه اقتصر على ذكر العرب لأنهم كلهم يطيعونه بخلاف العجم بمعنى ضد العرب فإنه قد يقع منهم خلاف في إطاعته انتهى (الرجل من أهل بيتي) هو الإمام المهدي (يواطئ) أي يوافق ويطابق.
قوله: (وفي الباب عن على وأبى سعيد وأم سلمة وأبى هريرة) أما حديث

↑صفحة ٢٠٣↑

هذا حديث حسن صحيح.
٢٣٣٢ - حدثنا عبد الجبّار بن العلاء العطّار، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله، عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «يلى رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمى»، قال عاصم: أخبرنا

 

على فأخرجه أبو داود من طريق أبى إسحاق قال: قال على رضي الله عنه ونظر إلى ابنه الحسن فقال: إن ابنى هذا سيد كما سماه النبي (صلى الله عليه وسلم) وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم (صلى الله عليه وسلم) يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق. الحديث قال المنذري: هذا منقطع أبو إسحاق السبيعي رأى عليا (عليه السلام) رؤية. وأما حديث أبى سعيد فأخرجه أبو داود عنه مرفوعا: المهدي منى، أجلى الجهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ويملك سبع سنين. قال المنذري: في إسناده عمران القطان وهو أبو العوام عمران ابن داود القطان البصرى، استشهد به البخاري ووثقه عفان بن مسلم وأحسن عليه الثناء يحيى بن سعيد القطان، وضعفه يحيى بن معين والنسائي انتهى. وفي الخلاصة وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث انتهى. وله حديث آخر أخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث أم سلمة فأخرجه أبو داود وابن ماجه عنها مرفوعا: المهدي من عترتي من ولد فاطمة. وقد بسط المنذري الكلام في إسناد هذا الحديث. ولأم سلمة حديث آخر في هذا الباب كما عرفت. وأما حديث أبى هريرة فأخرجه الترمذي في هذا الباب.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري وابن القيم، وقال الحاكم رواه الثوري وشعبة وزائدة وغيرهم من أئمة المسلمين عن عاصم قال وطرق عاصم عن زر عن عبد الله كلها صحيحة، إذ عاصم إمام من أئمة المسلمين انتهى.
قلت: وعاصم هذا هو ابن أبى النجود، واسم أبى النجود بهدلة أحد القراء السبعة. قال الحافظ في التقريب عاصم بن بهدلة وهو ابن أبى النجود بنون وجيم الأسدي مولاهم الكوفي أبو بكر المقرئ، صدوق له أوهام، حجة في القراءة وحديثه في الصحيحين مقرون من السادسة انتهى.
قوله: (يواطئ اسمه اسمى) وفي رواية أبى داود يواطئ اسمه اسمى واسم

↑صفحة ٢٠٤↑

أبو صالح عن أبى هريرة، قال لو لم يبق من الدّنيا إلا يوما لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يلى. هذا حديث حسن صحيح.
٢٣٣٣ - حدثنا محمّد بن بشّار، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرنا شعبة قال سمعت زيدا العمىّ، قال سمعت أبا الصّدّيق الناجي يحدّث عن أبى سعيد الخدري قال: «خشينا أن يكون بعد نبيّنا حدث، فسألنا نبي الله (صلى الله عليه وسلم) فقال إنّ في أمّتى المهدي يخرج يعيش خمسا أو سبعا أو تسعا - زيد الشّاكّ - قال قلنا وما ذاك. قال: سنين، قال: فيجيء إليه الرّجل فيقول: يا مهديّ أعطني أعطني، قال فيحثى له في ثوبه ما استطاع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أبيه اسم أبى، فيكون محمد بن عبد الله، وفيه رد على الشيعة حيث يقولون:
المهدى الموعود هو القائم المنتظر وهو محمد بن الحسن العسكري.
قوله: (قال عاصم وأخبرنا أبو صالح الخ) هذا متصل بالإسناد السابق (لطول الله ذلك اليوم حتى يلى) أي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) حديث عاصم عن زر عن عبد الله أخرجه الترمذي قبل هذا بأطول منه كما عرفت وحديث عاصم عن أبى صالح عن أبى هريرة أخرجه بن ماجه.
قوله: (سمعت أبا الصديق) بتشديد الدال المكسورة (الناجي) بالنون والجيم بصرى ثقة من الثالثة.
قوله: (خشينا أن يكون بعد نبينا حدث) بفتح الحاء والدال المهملتين.
قال في النهاية الحدث الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة انتهى. (يعيش خمسا أو سبعا أو تسعا زيد الشاك) أي الشك من زيد وفي رواية عن أبى سعيد عن أبى داود: ويملك سبع سنين من غير شك، وكذلك في حديث أم سلمة عنده بلفظ: فيلبث سبع سنين من غير شك، فقول الجازم مقدم على قول الشاك (اعطني اعطني) التكرير للتأكيد، ويمكن أن يقال اعطني

↑صفحة ٢٠٥↑

أن يحمله» هذا حديث حسن.
وقد روى من غير وجه عن أبى سعيد عن النبي (صلى الله عليه وسلم).
وأبو الصّدّيق النّاجيّ اسمه بكر بن عمرو، ويقال بكر بن قيس.
٤٥ - باب ما جاء في نزول عيسى بن مريم
٢٣٣٤ - حدثنا قتيبة، أخبرنا اللّيث عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب، عن أبى هريرة أنّ النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «والّذى نفسى بيده ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصّليب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرة بعد أخرى لما تعود من كرمه وإحسانه (قال) أي النبي (صلى الله عليه وسلم) (فيحثى له في ثوبه ما استطاع أن يحمله) أي يعطيه قدر ما يستطيع حمله، وذا لكثرة الأموال والغنائم والفتوحات مع سخاء نفسه.
قوله: (هذا حديث حسن) في إسناده زيد العمى وهو ضعيف، وأخرجه أحمد أيضا.
(باب ما جاء في نزول عيسى بن مريم) يعنى في آخر الزمان.
قوله (والذى نفسى بيده) فيه الحلف في الخبر مبالغة في تأكيده (ليوشكن) بكسر المعجمة، أي ليقربن، أي لا بد من ذلك سريعا (أن ينزل فيكم) أي في هذه الأمة فإنه خطاب لبعض الأمة ممن لا يدرك نزوله (حكما) أي حاكما. والمعنى أنه ينزل حاكما بهذه الشريعة فإن هذه الشريعة باقية لا تنسخ بل يكون عيسى حاكما من حكام هذه الأمة (مقسطا) المقسط العادل بخلاف القاسط فهو الجائر (فيكسر) أي يهدم (الصليب) قال في شرح السنة وغيره، أي فيبطل النصرانية ويحكم بالملة الحنيفية. وقال ابن الملك: الصليب في اصطلاح النصارى خشبة مثلثة يدعون أن عيسى عليه الصلاة والسلام صلب على خشبة مثلثة على.

↑صفحة ٢٠٦↑

نظرة في أحاديث المهدي (١٢٩٢ - ١٣٧٧) محمد الخضر حسين المصري عالم، أديب، مشارك في بعض العلوم.

أصله من الجزائر وولادته في قفصة من مقاطعة الجريد بتونس، فنشأ بها وتلقى العلم بجامع الزيتونة، ثم تولى القضاء الشرعي في مدينة بنزرت.
وهاجر الى دمشق وبعد أن درس بمدارسها مدة رحل الى القسطنطينية وتولى التحرير بالقلم العربي في وزارة الحربية.
ثم عاد الى دمشق وبعد حوادث اتفقت له هاجر الى مصر وألف فيها - جمعية الهداية الاسلامية - الى ان تفرغ للتدريس بالأزهر وعين رئيسا لتحرير مجلة الأزهر، فجنّس جنسية المصرية وولى مشيخة الأزهر وتوفي بالقاهرة في ١٢ رجب ودفن بتربة آل تيمور له كتب:

↑صفحة ٢٠٧↑

منها: «نقض - كتاب الاسلام وأصول الحكم -» لعلي عبد الرزاق «نقض - كتاب من الأدب الجاهلي -» لطه حسين، «موجز في آداب الحرب في الاسلام»، «القياس في اللغة العربية»، «رسالة في السيرة النبوية» كما ان له مقالات في المجلات المختلفة.
منها: مقال تحت عنوان «نظرة في احاديث المهدي» نشرته مجلة «التمدن الاسلامي» في محرم الحرام سنة ١٣٧٠(١٣) واليك نصه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣) احمد حمزة في «لواء الاسلام» ١١/٧٤٣-٧٤٤، مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق ٣٣/٣٣٧-٣٣٨، معجم المؤلفين ٩/٢٩٠، الاديب عدد اذار ١٩٥٨.

↑صفحة ٢٠٨↑

هوية الكتاب
التمدن الإسلامي مجلة اسلامية اجتماعية تربوية أدبية مصورة نصدرها أسبوعيا:
جمعيّة التمدن الإسلامي
دمشق سورية
محرم الحرام ١٣٧٠ الجزءان: ٣٥ و٣٦ المجلد ١٦ تشرين الاول ١٩٥٠
٨١٧ ابنوا العقيدة للأستاذ أحمد مظهر العظمة
٨١٩ الرياء للأستاذ الشيخ محمد نمر الخطيب
٨٢١ من حقوق الفقراء
٨٢٢ اعظم هجرة للأستاذ محمد كمال الخطيب
٨٢٥ الربا للأستاذ احمد مظهر العظمة
٨٢٧ نطرة في احاديث المهدي للأستاذ الشيخ محمد الخضر
٨٣١ الازهر والاسلام في ألمانية
٨٣٢ الاستقلال للأستاذ احمد الخطيب...
٨٣٤ لا تقهر طفلك للأستاذ العليم محمد قاسم...
٨٣٧ وطني الجريح «قصيدة» «مزيد الخطيب...
٨٤٠ في المجتمع: مقررات المؤتمر الثقافي الثاني الأزهر، الاسلام في ثورية، الأيش وتوزيع الارامي شخصيات مجهولة
٨٥١ الكتب «نقد وتقريظ للأستاذين العظمة والخطيب
٨٥٥ اخبار العالم الإسلامي «مطالب نواس» «قلم المجلة».
٨٥٨ من اقوال الصحف «ضبط اللسان» للأستاذ احمد امين
٨٦٠ من الشرق ومن الغرب
٨٦١ من القراء وإليهم للأستاذ محمد الحامد...
٨٦٣ من انباء العلم «قلم المجلة»
٨٦٤ روح عن نفسك
مطبعة الشرقي دمشق

↑صفحة ٢٠٩↑

نظرة في أحاديث المهدي(١٤)
للأستاذ الشيخ محمد الخضر حسين
وردت أحاديث تنبئ بظهور رجل في آخر الزمان يقيم العدل ويحكم الناس بالشريعة، وسمي في بعض هذه الأحاديث بالمهدي، وكثيرا ما يتشوف الناس إلى أن يقفوا على حقيقة هذه الأحاديث الواردة في شأنه، ويعرفوا موقعها من الصحة، ولا سيما عند ما يقوم شخص يدعي المهدوية، أو تحدث حادثة غريبة كحادثة هذه الأيام، تدعو الناس إلى أن يجعلوا لها نصيبا من الحديث في مجالسهم.
ذلك ما دعاني - بصفة أني كنت مدرسا للحديث وعلوم الحديث في كلية أصول الدين - إلى ان أعرض في هذه المحاضرة ما وصل إليه بحثي، واستقر عليه نظري في هذه القضية، مستندا الى القواعد الصحيحة التي تضع كل حديث موضعه، غير غافل عما يترتب على بعض الاعتقادات من فساد في العلم، أو يجول في النفس من شبه يثيرها الوهم، فأقول:
الأحاديث النبوية منها ما يسمى بالحديث المتواتر، وهو ما يرويه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) جماعة يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، ومنها خبر الآحاد، وهو ما يرويه الثقة العدل عن النبي (صلى الله عليه وسلم). وما يدعو إليه الدين الحق: إما أن يكون أصلا من أصول الدين، أي لا تتم حقيقة الايمان إلا به، وهذا لا يحتج عليه إلا بالحديث المتواتر؛ وإما أن يكون حكما عمليا، كأن يقال هذا واجب أو حرام او جائز. وهذا موضع الاحتجاج بخبر الآحاد.
ويلحق بالأحكام العملية في صحة الاحتجاج عليه بخبر الآحاد أشياء يخبر بها الشارع ليعلمها الناس من غير ان يتوقف صحة إيمانهم على معرفتها. ومن هذا القبيل حديث المهدي، فاذا ورد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤) المجلة: سئلنا عن حقيقة الأحاديث المتعلقة بالمهدي، ووجدنا هذه الكلمة لصاحبها العلامة في مجلة الهداية الاسلامية (المحرم ١٣٦٩).

↑صفحة ٢١٠↑

حديث صحيح عن النبي (صلى الله عليه وسلم) بأنه سيقع في آخر الزمان كذا، حصل به العلم، ووجب الوقوف عنده من غير حاجة إلى ان يكثر رواة هذا الحديث حتى يبلغ مبلغ التواتر.
والأحاديث الواردة في شأن المهدي على وجهين: أحاديث صرح فيها باسم المهدي كحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (المهدي مني أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الارض قسطا وعدلا)، وأحاديث لم يصرح فيها بهذا الاسم، وإنما اشير إليه فيها بصفات خاصة كحديث:
(لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جورا).
ولم يرو في الجامع الصحيح للإمام البخاري حديث في شأن المهدي، وإنما ورد في صحيح مسلم حديث لم يصرح فيه باسمه، وحمله بعضهم على ان المراد منه المهدي المصرح به في غيره من كتب السنة؛ وهو حديث جابر بن عبد الله الانصاري إذ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيا لا يعده عدا)، وفي رواية عن جابر وأبي سعيد الخدري في مسلم ايضا: (يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده).
وقد روى أحاديث المهدي المصرح فيها باسم المهدي او المشار فيها إلى بعض صفاته بقية كتب الحديث، فرواها: الامام أحمد بن حنبل والحاكم وابو داود والترمذي وابن ماجه والطبراني وأبو نعيم وابن ابي شيبة وابو يعلى والدارقطني والبيهقي ونعيم بن حماد وغيرهم.
وجمعت هذه الاحاديث في رسائل مستقلة، مثل: «العرف الوردي في اخبار المهدي» للسيوطي و«القول المختصر في علامات المهدي المنتظر» لابن حجر الهيتمي و«المورد الوردي في حقيقة المهدي» لملا علي قاري و«التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح» للشوكاني...
وأول من انجه إلى نقد احاديث المهدي فيما عرفنا أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون، فقد ذكر في مقدمة تاريخه ان في الناس من انكروا احاديث المهدي وتكلموا فيها، واورد منها ثمانية وعشرين حديثا. وقد منعه ما اعتاده من تحقيق البحث في القضايا العلمية أن يحكم عليها كما يفعل غير اهل العلم بأنها غير ثابتة، بل تصدى إلى نقدها بنقل ما قدح به اهل الفن في بعض رواتها، وأورد من بينها حديث ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (لا تقوم الساعة حتى تملأ الارض جورا وظلما وعدوانا، ثم يخرج من اهل بيتي رجل يملؤها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا)، وقال: هذا الحديث رواه الحاكم،

↑صفحة ٢١١↑

وقال: هذا صحيح على شرط الشيخين - يعني البخاري ومسلما - ولم يخرجاه، واورد فيها ما رواه الحاكم أيضا عن ابي سعيد الخدري عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (يخرج في آخر أمتي المهدي يسقيه الله الغيث، وتخرج الارض نباتها، ويعطي المال صحاحا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعا او ثمانيا) يعني حججا. وقال الحاكم في هذا الحديث:
صحيح الاسناد ولم يخرجاه، يعني البخاري ومسلما.
ثم اعترف ابن خلدون بعد بأن بعض الاحاديث خلص من النقد إذ قال: فهذه جملة الاحاديث التي خرجها الائمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان كما رأيت، لم يخلص منها من النقد إلا القليل والاقل منه.
ونحن نقول: متى ثبت حديث واحد من هذه الأحاديث وسلم من النقد، كفى في العلم بما تضمنه من ظهور رجل في آخر الزمان يسوس الناس بالشرع، ويحكمهم بالعدل، إذ أريناك ان مسألة المهدي لم تكن من قبيل العقائد التي لا تثبت إلا بالأدلة القاطعة.
والصحابة الذين رويت من طرقهم احاديث المهدي نحو (٢٧) صحابيا رضي الله عنهم منهم ابو سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن ابي طالب، وابو هريرة، وانس بن مالك، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأم سلمة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعمار بن ياسر، والعباس بن عبد المطلب، وتميم الداري، وابن عباس.
والواقع ان احاديث المهدي بعد تنقيتها من الموضوع والضعيف القريب منه، فان الباقي منها لا يستطيع العالم الباحث على بصيرة ان يصرف عنه نظره، كما يصرفه عن الاحاديث الموضوعة. وقد صرح الشوكاني في رسالته المشار إليها آنفا بأن هذه الاحاديث بلغت مبلغ التواتر فقال: (والاحاديث الواردة في المهدي التي امكن الوقوف عليها، منها خمسون فيها الصحيح والحسن والضعيف المتجبر، وهي متواترة بلا شك، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الاصول».
يقول بعض المنكرين لاحاديث المهدي جملة: إن هذه الاحاديث من وضع الشيعة لا محالة، ويرد هذا بأن هذه الاحاديث مروية بأسانيدها. ومنها ما تقصينا رجال سنده، فوجدناهم ممن عرفوا بالعدالة والضبط، ولم يتهم احد من رجال التعديل والتجريح بتشيع مع شهرة نقدهم للرجال.

↑صفحة ٢١٢↑

وقال ابن خلدون: وربما تمسك المنكرون لشأن المهدي بما رواه محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن البصري عن أنس بن مالك عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال (لا مهدي إلا عيسى).
وهذا حديث مصنوع فقد قال نقاد الأسانيد كالحاكم: إن محمد بن خالد رجل مجهول.
وقال ابن عبد البر: إنه متروك. وقال الأزدي: منكر الحديث، وآخذ في مثل هذا بقول ابن حزم: إذا كان في سند الحديث رجل مجروح بكذب، أو غفلة، او مجهول الحال، لا يحل عندنا القول به، ولا تصديقه، ولا الأخذ بشيء منه.
وقد اتخذ مسألة المهدي كثير من القائمين لإنشاء دول، وسيلة إلى الوصول إلى غاياتهم، فادعوا المهدوية ليتهافت الناس على الالتفاف حولهم، فالدولة الفاطمية قامت على هذه الدعوة، إذ زعم مؤسسها عبيد الله أنه المهدي. ودولة الموحدين جرت على هذه الدعوة، فان مؤسسها محمد بن تومرت اقام امره على هذه الدعوة.
وظهر في ايام الدولة المرينية بفاس رجل يدعى التوزري، واجتمع حوله رؤساء صنهاجة وقتله المصامدة.
وقام رجل اسمه العباس سنة ٦٩٠ هـ، في نواحي الريف من المغرب وزعم انه المهدي، واتبعه جماعة، وآل امره إلى ان قتل وانقطعت دعوته.
وبعد ثورة احمد عرابي بمصر ظهر في السودان رجل يسمى محمد احمد ادعى انه المهدي، واتبعته قبيلة البقارة عن جهينة على انه المهدي سنة ١٣٠٠ هـ، وهو الذي خلفه بعد موته التعايشي أحد زعماء قبيلة البقارة.
والفرقة الكيسانية يجعلون المهدي محمد بن الحنفية، ويزعمون انه مختف في جبل رضوى بين المدينة وينبع.
والشيعة الامامية يقولون: إن محمد بن الحسن العسكري هو المهدي المنتظر، ويزعمون أنه اختفى في سرداب بالحلة من بلاد العراق في اواخر القرن الخامس الهجري.
وإذا أساء الناس فهم حديث نبوي، او لم يحسنوا تطبيقه على وجهه الصحيح، حتى وقعت وراء ذلك مفاسد، فلا ينبغي ان يكون ذلك داعيا إلى الشك في صحة الحديث، او المبادرة إلى إنكاره، فان النبوة حقيقة واقعة بلا شبهة، وقد ادعاها أناس كذبا وافتراء،

↑صفحة ٢١٣↑

وأخلوا بدعواهم كثيرا من الناس، مثل ما يفعل طائفة القاديانية اليوم. والالهية ثابتة بأوضح من الشمس في كبد السماء، وقد ادعاها قوم لزعمائهم على معنى ان الله - جل شأنه - يحل فيهم، مثلما يفعل طائفة البهائية في هذا العهد فليس من الصواب إنكار الحق من أجل ما ألصق به من باطل.
والخلاصة: إن في أحاديث المهدي ما يعد في الحديث الصحيح، وبما أني درست علم الحديث، ووقفت على ما يميز به الطيب من الخبيث اراني ملجأ إلى ان اقول كما قال رجال الحديث من قبلي: إن قضية المهدي ليست بقضية مصطنعة.
ولا اترك مكاني هذا حتى أنبه على انه لم يرد، ولو في الاحاديث الموضوعة، ان المهدي يولد من غير اب. وأنبه على ان الحديث الذي ذكره ابو بكر الاسكافي في كتاب (فوائد الاخبار) موضوع، وهو حديث: (من كفر بالمهدي فقد كفر) وابو بكر الاسكافي من المتهمين بوضع الأحاديث: «سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك انت العليم الحكيم».
محمد الخضر حسين

↑صفحة ٢١٤↑

التاج الجامع للأصول في احاديث الرسول (.... - بعد ١٣٧١)

الشيخ منصور بن علي ناصف: من علماء الأزهر ومدرس بالجامع لم نجد فيما بأيدينا من المصادر ترجمة المؤلف او التعريف بالكتاب زائدا على ذلك ويكفي ترتيب الكتاب، ورصانة الابواب، والتحقيق حول كل موضوع يحتاج الى التوضيح، في أن مؤلفه من الشخصيات العلمية المعاصرة، الجامع لفنون الحديث والادب.
واليك باب المختص في «خليفة المهدي» وما في ذيله من الشرح «غاية المأمول في شرح التاج الجامع للأصول».

↑صفحة ٢١٥↑

هوية الكتاب
التّاج الجامع للأصول في أحاديث الرّسول (صلى الله عليه وسلم)
تأليف
الشيخ منصور على ناصف من علماء الازهر الشريف ومدرّس بالجامع الزينبي وعليه غاية المأمول - شرح التّاج الجامع للأصول الجزء الخامس حقوق الطبع كلها محفوظة للمؤلف [الطبعة الثانية]
دار احياء الكتب العربية عيسى البابي الجلبني وشركاه

↑صفحة ٢١٧↑

الباب السابع في الخليفة المهدي رضي الله عنه(١٥)
عن عبيد الله بن القبطيّة قال: دخل الحارث بن أبى ربيعة وعبد الله بن صفوان رضي الله عنهم وأنا معهما على أمّ سلمة رضي الله عنها وسألاها عن الجيش الذي يخسف به وكان ذلك في أيّام ابن الزّبير، فقالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث(١٦) فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم فقلت: يا رسول الله فكيف بمن كان كارها(١٧) قال: يخسف به معهم ولكنّه يبعث يوم القيامة على نيّته. وفي رواية قال عبد الله ابن صفوان: أما والله ما هو بهذا الجيش الآتي لقتال ابن الزّبير(١٨). رواه الأربعة(١٩).
عن أمّ سلمة رضي الله عنها عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكّة(٢٠) فيأتيه ناس من أهل مكّة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الرّكن والمقام ويبعث إليه بعث من الشّام فيخسف بهم بالبيداء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥) اشتهر بين العلماء سلفا وخلفا أنه في آخر الزمان لا بد من ظهور رجل من أهل البيت يسمى المهدي يستولى على الممالك الإسلامية ويتبعه المسلمون ويعدل بينهم ويؤيد الدين، وبعده يظهر الدجال وينزل عيسى (عليه السلام) فيقتله أو يتعاون عيسى مع المهدي على قتله، وقد روى أحاديث المهدي جماعة من خيار الصحابة وخرجها أكابر المحدثين كأبي داود، والترمذي، وابن ماجه، والطبراني، وأبى يعلى، والبزاز، والإمام أحمد، والحاكم رضي الله عنهم أجمعين، ولقد أخطأ من ضعف أحاديث المهدي كلها كابن خلدون وغيره؛ وما روى من حديث: لا مهدى إلا عيسى بن مريم. فضعيف كما قاله البيهقي والحاكم وغيرهما.
(١٦) يتحصن بالكعبة رجل فيأتيه جيش لقتاله.
(١٧) لهذا الجيش.
(١٨) حقا ليس هو هذا الجيش لأنه لم يخسف به وما سمعنا بجيش خسف به للآن ولو وقع لاشتهر أمره كأصحاب الفيل.
(١٩) في كتاب الفتن إلا أبا داود فإنه رواه في كتاب المهدي جزما منه بأن هذا الجيش الذي يخسف به هو الذي يأتي لقتال المهدي رضي الله عنه ويؤيد هذا ما بعده.
(٢٠) رجل هو المهدي يهرب إلى مكة كراهة في الإمارة والخلافة.

↑صفحة ٢١٨↑

الباب السابع في الخليفة المهدي رضي الله عنه بين مكّة والمدينة(٢١) فإذا رأى النّاس ذلك أتاه أبدال الشّام وعصائب أهل العراق فيبايعونه(٢٢) ثمّ ينشأ رجل من قريش أخواله كلب فيبعث إليهم بعثا فيظهرون عليهم وذلك بعث كلب والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب(٢٣) فيقسم المال ويعمل في النّاس بسنّة نبيّهم (صلى الله عليه وسلم) ويلقى الإسلام بجرانه إلى الأرض(٢٤) فيلبث سبع سنين ثمّ يتوفّى ويصلّى عليه المسلمون. رواه أبو داود(٢٥). عن أبى نضرة رضي الله عنه قال: كنا عند جابر رضي الله عنه فقال: يوشك أهل العراق ألاّ يجبى إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أين ذاك؟ قال: العجم يمنعون ذاك(٢٦)، ثمّ قال: يوشك أهل الشّام ألا يجبى إليهم دينار ولا مدى قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الرّوم ثمّ سكت هنيّة(٢٧) ثمّ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
يكون في آخر أمّتى خليفة يحثى المال حثيا لا يعدّه عدّا(٢٨)، قلت لأبى نضرة: أترى أنه عمر بن عبد العزيز؟ قال: لا. عن أبى سعيد رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: من خلفائكم خليفة يحثو المال حثيا لا يعدّه عدّا(٢٩). رواهما مسلم.
وعنه قال: خشينا أن يكون بعد نبيّنا حدث فسألنا نبيّ الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: إنّ في أمّتى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١) يأتي لقتاله جيش من الشام فيخسف به بالبيداء (أرض واسعة ملساء).
(٢٢) عصائب أهل العراق: خيارهم، وأبدال الشام: أولياؤه وعباده، ولأحمد بسند صحيح: الأبدال في هذه الأمة ثلاثون رجلا قلوبهم على قلب إبراهيم خليل الرحمن كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا.
(٢٣) فيظهر رجل قرشي فيستعين بأخواله بنى كلب فيجيشون جيشا لقتال المهدي فينتصر المهدي عليهم ويغنم جيشه من بنى كلب مالا عظيما.
(٢٤) فيقسم المهدي بالعدل ويعمل بالشرع بين الناس ويحثهم عليه حتى لا يكون العمل إلا بالكتاب والسنة، يقال ضرب الحق بجرانه أى قرّ أمره واستقام، وضرب البعير بجرانه: مد عنقه على الأرض ليستريح.
(٢٥) بسند رجاله رجال الصحيح.
(٢٦) إليهم أي منهم.
(٢٧) ثم سكت جابر زمنا يسيرا.
(٢٨) أى يعطى مالا كثيرا من غير عد ولا وزن.
(٢٩) هذا هو المهدي رضي الله عنه بدليل الحديث الآتي وذلك لكثرة الغنائم والفتوحات مع سخاء نفسه وبذله الخير لكل الناس.

↑صفحة ٢١٩↑

المهديّ يخرج يعيش خمسا أو سبعا أو تسعا(٣٠)، قال قلنا: وما ذاك؟ قال: سنين، قال: فيجيء إليه الرّجل فيقول يا مهديّ أعطني أعطني قال: فيحثى له في ثوبه ما استطاع أن يحمله. رواه الترمذي(٣١). عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: لو لم يبق من الدّنيا إلاّ يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يبعث رجلا منّى أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمى واسم أبيه اسم أبى يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا(٣٢).
رواه أبو داود والترمذي(٣٣). عن أبى سعيد رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: المهدي منّى أجلى الجبهة(٣٤) أقنى الأنف(٣٥) يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ويملك سبع سنين(٣٦). عن أمّ سلمة رضي الله عنها عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: المهدي من عترتي من ولد فاطمة(٣٧). رواهما أبو داود والحاكم(٣٨). عن عليّ رضي الله عنه قال وقد نظر إلى ابنه الحسن:
إنّ ابنى هذا سيّد كما سمّاه النبي (صلى الله عليه وسلم) وسيخرج من صلبه رجل يسمّى باسم نبيّكم يشهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق(٣٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠) الشك من أحد الرواة، وأقربها سبع سنين لحديث أم سلمة السابق وحديث أبى سعيد الآتي.
(٣١) بسند حسن.
(٣٢) فالمهدى اسمه محمد واسم أبيه عبد اللّه، وفي رواية: لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمى.
(٣٣) بسند صحيح.
(٣٤) منحسر الشعر عن مقدم رأسه.
(٣٥) طويله مع حدب وسطه ودقة أرنبته.
(٣٦) وفي رواية: أو تسعا؛ وفي أخرى: يمده الله بثلاثة آلاف من الملائكة.
(٣٧) فهو من نسل علىّ وابنه الحسن رضي الله عنهما، وحديث: المهدي من ولد العباس عمى. غريب وضعيف جدا.
(٣٨) بسندين صحيحين.
(٣٩) الرجل هو المهدي الذي يشبه النبي (صلى الله عليه وسلم) في الأفعال والأخلاق ولا يشبهه في كل الصورة، فللروباني وأبى نعيم والديلمي والطبراني «المهدى رجل من ولدى وجهه كالكوكب الدري، اللون عربي والجسم إسرائيلي (فيه طول) يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا يرضى بخلافته أهل السماء وأهل الأرض»، وللطبراني: يلتفت المهدي وقد نزل عيسى بن مريم (عليه السلام) كأنه يقطر من شعره الماء فيقول له المهدى: تقدم صل بالناس؛ فيقول: إنما أقيمت لك الصلاة؛ فيصلى خلف رجل من ولدى: وهو المهدي رضي الله عنه.

↑صفحة ٢٢٠↑

وعنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: يخرج رجل من وراء النّهر(٤٠) يقال له الحارث بن حرّاث على مقدّمته رجل يقال له منصور يوطّئ أو يمكّن لآل محمّد(٤١) كما مكّنت قريش لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجب على كلّ مؤمن نصره أو إجابته(٤٢). رواهما أبو داود.
والله أعلى وأعلم.
لا تزال طائفة على الحق إلى قرب الساعة
عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: لا تزال طائفة من أمّتى على الحقّ ظاهرين لا يضرّهم من يخذلهم حتّى يأتي أمر الله(٤٣). رواه الترمذي وأبو داود ومسلم(٤٤).
وزاد فينزل عيسى ابن مريم (صلى الله عليه وسلم) فيقول أميرهم: تعال صلّ لنا فيقول: لا إنّ بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمّة(٤٥). عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: إنّكم منصورون ومصيبون ومفتوح لكم(٤٦) فمن أدرك ذلك منكم فليتّق الله وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر ومن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار. عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأموركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها(٤٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠) من البلاد التي وراء النهر كبخارى وسمرقند.
(٤١) أو للشك.
(٤٢) ففي آخر الزمان سيخرج رجل صالح من وراء النهر اسمه الحارث معه جيش عظيم يقوده رجل عظيم اسمه منصور يهيئ ذلك الرجل لذرية محمد أي يعد الجيش والذخائر والأموال لنصر خليفة يظهر أنه المهدي كما هيأ الأصحاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) ويجب على كل مؤمن أن ينصر ذلك الجيش وهذا الخليفة فإنهما على الحق واللّه أعلم.
لا تزال طائفة على الحق إلى قرب الساعة
(٤٣) إلى قرب قيام الساعة ومن هؤلاء المهدي رضي الله عنه.
(٤٤) الترمذي هنا وأبو داود في الجهاد ومسلم في الإيمان.
(٤٥) إكرام الله لهذه الأمة وأميرهم هو المهدي حينذاك.
(٤٦) مع أئمة الحق والعدل والهدى.
(٤٧) فالحياة خير لكم من الممات.

↑صفحة ٢٢١↑

ابراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون احمد بن محمد بن الصديق، ابو الفيض الغماري الحسني الأزهري الشافعي المغربي (١٣٨٠)

كان من أفاضل المغرب، من نزلاء طنجة وتعلم في الأزهر واستقر وتوفي بالقاهرة وعبر عنه عمر رضا كحالة بـ «محدث، حافظ، من أهل المغرب الأقصى».
وذكره العلامة الاميني في طبقات رواة حديث الغدير من العامة وقال:
الحافظ المجتهد، ناصر السنة، شهاب الدين ابي الفيض، احمد بن محمد ابن الصديق صاحب التآليف القيمة....

↑صفحة ٢٢٣↑

وكتب مؤلف فهرس الخزانة التيمورية تحت عنوان «ابراز الوهم المكنون...».
للسيد احمد بن محمد الصديق، من أفاضل المغرب الأقصى في القرن الرابع عشر والموجود الان سنة ١٣٤٨.
أوله الحمد لله الوهاب...
وهو في الرد على الامام عبد الرحمن بن خلدون، في تضعيفه الاحاديث الواردة في المهدي، في مقدمة تاريخه جزء ١ مجلد ١، طبع من طبعة الترقي بدمشق سنة ١٣٤٧.
هذا ما وصلنا من ترجمة مؤلف «ابراز الوهم...».
وذكره ايضا الزركلي، وعلي اي كان من اعلام اهل السنة المجتهدين وأدبائها المبرزين، له مؤلفات: منها:
«تشنيف الاذان»، ذكره العلامة الأميني في الغدير ونقل عنه انه قال في كتابه هذا ص ٧٧:
[وأما حديث من كنت مولاه فعلي مولاه، فتواتر عن النبي «ص» من رواية نحو ستين شخصا لو اردنا اسانيد الجميع لطال بنا ذلك جدا، ولكن نشير الى مخرجيها تتميما للفائدة، ومن اراد الوقوف على طرقها واسانيدها فليرجع الى كتابنا في المتواتر فنقول... وذكر ستين نفرا من اعلام السنة واكابر محدثيها ومفسريها انهم ذكروا حديث الغدير واعترفوا بصحته].
«المعجم الوجيز للمستجيز».
«ابراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون» او «المرشد المبدي، لفساد طعن ابن خلدون في احاديث المهدي».
أقول: هذا الكتاب أقوى دليل على سعة إطلاع المؤلف وطول باعه بالنسبة الى الحديث والرجال والتاريخ. وموضوعه - كما يظهر من اسمه، اثبات

↑صفحة ٢٢٤↑

تواتر الاحاديث الواردة في شأن المهدي ورد ما اختلق ابن خلدون المغربي لإنكار تواترها وافادتها لظهوره (عليه السلام).
والعجب من ابن خلدون فمع انه مؤرخ كيف اجاز لنفسه ان يتدخل في موضوع لم يعط له حق النظر فيه وهو من اهم الموضوعات الاسلامية لا يكون لاحد حق النظر في امثاله الا من كان اخصائيا في فن الحديث والعقائد(٤٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨) معجم المؤلفين ١٣/٣٦٨، فهرس الخزانة التيمورية ٢/٢٤٨، الغدير ١/١٥١ و٣١١. الاعلام للزركلي ١/٢٥٣ طبعة جديدة.

↑صفحة ٢٢٥↑

هوية الكتاب
إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون أو المرشد المبدي لفساد طعن ابن خلدون في أحاديث المهدي للفقير اليه تعالى خادم الحديث أحمد بن محمد بن الصديق كان الله له
حقوق الطبع محفوظة
مطبعة الترقي بدمشق الشام عام ١٣٤٧ ه

↑صفحة ٢٢٧↑

المقدمة
بسم الله الرّحمن الرّحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله
الحمد لله الوهاب الودود الواسع الكرم والجود الذي يوفق من يشاء من عباده ويهديه ويخلق الخير فيظهره على يد العبد ويبديه ثم يثيبه على ذلك وينيله ويعطيه والكل منه تعالى شأنه واليه فمن آمن به وصدق بما جاء عن رسله اكرمه وأولاه وأحبه وحباه ومنحه وأجداه وقربه وأدناه وبرضوانه الاكبر الدائم جزاه وفي جنات النعيم المقيم اقامه وأثواه فاكرم بها من فضيلة الايمان بالغيب وأعظم به من فضل ما احلاه وأبهاه وأعزه وأغلاه ومن انتصر به لدينه والانتصار منه سبحانه نصره وكفاه وما اجدره بذلك النصر وأحراه ومن كان لله بالله كان الله له وتولاه ومن استعان به واحتمى ولاذ بجنابه ووكل امره اليه اعانه وحماه وأغاثه ووقاه وأمنه ورعاه وما توفيق العبد لذلك الا بالله والصلاة والسلام على من اختاره من خلقه واجتباه وأحبه واصطفاه وأطلعه على غيبه وارتضاه سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ان هو إلاّ وحي يوحى اليه من مولاه القائل «لا تزال طائفة من امتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي امر

↑صفحة ٢٢٨↑

الله» وعلى آله وأصحابه وأصهاره وأنصاره الذين صادقوه وصدقوه في كل ما أخبر به من الغيب وأبداه وعلى كل من اهتدى بهديه واستنار بنور سنته واتبع اثره واقتفاه. اما بعد فان الساعة آتية لا ريب فيها قريبة مقبلة بما فيها وان لإتيانها اعلاما ولقيامها اشراطا ألا وان من اعلامها الصريحة وأشراطها الثابتة الصحيحة ظهور الخليفة الاكبر والامام العادل الاشهر الذي يحيي الله به ما درس من آثار السنة النبوية واندثر ويميت به ما شاع من ضلالات اهل البدع وذاع وانتشر ويملأ الارض عدلا كما ملئت بظلم من جار وفجر ويحثو المال حثيا ولا يعده عدّا لكل من صلح وبر امام العترة الطاهرة المصطفوية محمد بن عبد الله المنتظر فقد تواترت بكون ظهوره من اعلام الساعة وأشراطها الاخبار وصحت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك الآثار وشاع ذكره وانتشر خبره من الكافة من اهل الاسلام على ممر الدهور والاعصار فالإيمان بخروجه واجب واعتقاد ظهوره تصديقا لخبر الرسول محتم لازب كما هو مدون في عقائد اهل السنة والجماعة من سائر المذاهب ومقرر في دفاتر علماء الامة على اختلاف طبقاتها والمراتب ففي التذكرة للإمام القرطبي وفتح الباري لأمير الحفاظ العسقلاني نقلا عن الحافظ ابي الحسين الآبري انه قال ردا لحديث ابن ماجه الموضوع الآتي فيه انه «لا مهدي الا عيسى» ما نصه: قد تواترت الاخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)

↑صفحة ٢٢٩↑

في المهدي وأنه من اهل بيته وأنه يملأ الارض عدلا وان عيسى عليه الصلاة والسلام يخرج فيساعده على قتل الدجال وانه يؤم هذه الامة وعيسى خلفه في طول من قصته وأمره انتهى وأقراه عليه وممن نص على تواتر احاديث المهدي ايضا الحافظ شمس الدين السخاوي في فتح المغيث والحافظ جلال الدين السيوطي في الفوائد المتكاثرة في الاحاديث المتواترة واختصاره الازهار المتناثرة وغيرهما من كتبه والعلامة ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة وغيره من مصنفاته والمحدث الزرقاني في شرحه للمواهب اللدنية وجم غفير من الحفاظ النقاد والمحدثين المتقنين لفنون الاثر وذكر القنوجي في الاذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة ان القاضي ابا عبد الله محمد بن علي الشوكاني الف في اثبات تواتر اخباره كتابا سماه التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح ونقل عنه انه قال فيه والاحاديث الواردة في المهدي التي امكن الوقوف عليها منها خمسون حديثا فيها الحسن والصحيح والضعيف المنجبر وهي متواترة بلا شك ولا شبهة بل يصدق وصف التواتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الاصول وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة لها حكم الرفع اذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك انتهى وقال القنوجي في كتابه المذكور والاحاديث الواردة في المهدي على اختلاف رواياتها كثيرة جدا تبلغ حد التواتر وهي في السنن وغيرها من دواوين الاسلام من

↑صفحة ٢٣٠↑

المعاجم والمسانيد. وقد اضجع القول فيها ابن خلدون في مقدمة تاريخه حيث قال يحتجون في الباب بأحاديث خرجها الائمة وتكلم فيها المنكرون وربما عارضوها ببعض الاخبار الى آخر ما قال وليس كما ينبغي فان الحق الأحق بالاتباع والقول المحقق عند المحدثين المميزين بين الدار والقاع ان المعتبر في الرواة رجال الحديث أمران لا ثالث لهما وهما الضبط والصدق دون ما اعتبره عامة اهل الاصول من العدالة وغيرها فلا يتطرق الوهن الى صحة الحديث بغير ذلك كيف ومثل ذلك يتطرق الى رجال الصحيحين واحاديث المهدي عند الترمذي وأبي داود وابن ماجه والحاكم والطبراني وأبي يعلى الموصلي وأسندوها الى جماعة من الصحابة فتعرض المنكرين لها ليس كما ينبغي والاحاديث يشد بعضها بعضا ويتقوى امرها بالشواهد والمتابعات وأحاديث المهدي بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف وأمره مشهور بين الكافة من اهل الاسلام على ممر الاعصار انتهى وقال السفاريني في الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية:

وما اتى في النص من اشراط * * * فكله حق بلا شطاط
منها الامام الخاتم الفصيح * * * محمد المهدي والمسيح

وقال في شرحه المسمى بلوائح الانوار البهية وسواطع الاسرار الاثرية قد كثرت الاقوال في المهدي حتى قيل لا مهدي إلا عيسى والصواب الذي عليه اهل الحق ان المهدي غير عيسى وأنه يخرج قبل نزول عيسى (عليه السلام) وقد كثرت بخروجه الروايات

↑صفحة ٢٣١↑

حتى بلغت حد التواتر المعنوي وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم ثم ذكر بعض الاحاديث الواردة فيه من طريق جماعة من الصحابة وقال بعدها وقد روي عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم بروايات متعددة وعن التابعين من بعدهم مما يفيد مجموعه العلم القطعي فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند اهل العلم ومدون في عقائد اهل السنة والجماعة انتهى وفي المراصد:

وما من الاشراط قد صح الخبر * * * به عن النبي حق ينتظر
وخبر المهدي ايضا وردا * * * ذا كثرة في نقله فاعتضدا

قال شارحه في مبهج القاصد هذا ايضا مما تكاثرت الاخبار به وهو المهدي المبعوث في آخر الزمان ورد في احاديث ذكر السخاوي انها وصلت الى حد التواتر انتهى ونصوصهم في هذا كثيرة.
(فصل) في تعريف المتواتر
فان كنت في شك من هذا ولم تكتف بنصوص هؤلاء الائمة الاعلام فاعلم ان في تعريف المتواتر اقوالا كثيرة اصحها وبه قطع الجمهور انه خبر جمع عن محسوس يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب او توافقهم عليه عن مثلهم من الابتداء الى الانتهاء وقال جماعة منهم القاضي ابو الطيب الطبري في العدد المفيد للتواتر يجب ان يكونوا اكثر من اربعة لأنه لو كان خبر الاربعة يوجب العلم لما احتاج الحاكم الى السؤال عن عدالتهم اذا شهدوا عنده وقال ابن السمعاني ذهب اصحاب الشافعي الى انه لا يجوز

↑صفحة ٢٣٢↑

أن يتواتر الخبر بأقل من خمسة فما زاد وحكاه الاستاذ ابو منصور عن الجبائي من المعتزلة وقيل يشترط ان يكونوا سبعة وقيل عشرة وبه قال الاصطخري واستدل عليه بأن ما دونها جمع قلة وجوده الحافظ السيوطي وقيل يشترط ان يكونوا اثني عشر وقيل يشترط ان يكونوا عشرين وروي هذا القول عن ابى الهذيل وغيره من المعتزلة وقيل يشترط ان يكونوا اربعين وقيل سبعين وقيل غير ذلك قال الحافظ السيوطي في ألفيته:

وما رواه عدد جم يجب * * * احالة اجتماعهم على الكذب
فالمتواتر وقوم حددوا * * * بعشرة وهو لديّ اجود
والقول باثني عشر او عشرينا * * * يحكى وأربعين او سبعينا
وبعضهم قد ادعى فيه العدم * * * وبعضهم عزته وهو وهم
بل الصواب انه كثير * * * وفيه لي مؤلف نضير

ولا يخفى ان العادة قاضية بإحالة تواطئ جماعة يبلغ عددهم ثلاثين نفسا فأزيد في جميع الطبقات وذلك فيما بلغنا وأمكننا الوقوف عليه في الحال فقد وجدنا خبر المهدي واردا من حديث ابي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وعلي بن ابي طالب وأم سلمة وثوبان وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي وابي هريرة وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله الانصاري وقرة بن اياس المزني وابن عباس وأم حبيبة وأبي امامة وعبد الله بن عمرو بن العاص وعمار بن ياسر والعباس بن عبد المطلب والحسين بن علي وتميم الداري

↑صفحة ٢٣٣↑

و عائشة وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر بن الخطاب وطلحة وعلي الهلالي وعمران بن حصين وعمرو بن مرة الجهني ومعاذ بن جبل ومن مرسل شهر بن حوشب وهذا في المرفوعات دون الموقوفات والمقاطيع التي هي في مثل هذا الباب من قبيل المرفوع ولو تتبعنا ذلك لذكرنا منه عددا وافرا ولكن في المرفوع منها كفاية ولنذكر عزو احاديث هؤلاء الصحابة الى مخرجيها ايضاحا للمقصود وتتميما للفائدة ولا نورد ألفاظها اختصارا واستغناء بما سيأتي فنقول اما حديث ابي سعيد الخدري فورد عنه من طريق ابي نضرة وابي الصديق الناجي والحسن بن يزيد السعدي اما طريق ابي نضرة فأخرجه ابو داود والحاكم كلاهما من رواية عمران القطان عنه وأخرجه مسلم في صحيحه من رواية سعيد بن زيد ومن رواية داود بن أبي هند كلاهما عنه لكن وقع في صحيح مسلم ذكره بالوصف لا بالاسم كما سيأتي وأما طريق ابي الصديق الناجي عن أبي سعيد فأخرجه عبد الرزاق والحاكم من رواية معاوية بن قرة عنه واخرجه احمد والترمذي وابن ماجه والحاكم من رواية زيد العمي عنه وأخرجه احمد والحاكم من رواية عوف بن ابي جميلة الاعرابي عنه واخرجه الحاكم من رواية سليمان بن عبيد عنه واخرجه احمد والحاكم من رواية مطر بن طهمان وابي هارون العبدي كلاهما عنه واخرجه احمد ايضا من رواية مطر بن طهمان وحده عنه واخرجه ايضا من رواية العلاء بن بشير المزني عنه واخرجه أيضاً

↑صفحة ٢٣٤↑

من رواية مطرف عنه وأما طريق الحسن بن يزيد السعدي فأخرجه الطبراني في الاوسط من رواية أبي الواصل عبد الحميد ابن واصل عن أبي الصديق الناجي عنه وهو من المزيد في متصل الاسانيد وأما حديث عبد الله بن مسعود فورد من طريق عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عنه ومن طريق ابراهيم عن علقمة عنه فأما طريق عاصم فأخرجه احمد من رواية عمرو بن عبيد وسفيان عنه وأخرجه ابو داود من رواية عمرو بن عبيد أيضا وأبي بكر بن عياش وسفيان وزائدة وفطر كلهم عنه واخرجه الترمذي من رواية سفيان الثوري عنه وأخرجه الطبراني في الصغير من رواية ابي الاحوص سلام ابن سليم عنه وذكر الحاكم في المستدرك انه ورد ايضا من رواية شعبة بن الحجاج عنه وأما طريق ابراهيم فأخرجه الحاكم من رواية عمرو بن قيس الملائي عن الحكم عنه عن علقمة وعبيدة السلماني وأخرجه ابن ماجه من رواية علي بن صالح عن يزيد بن أبي زياد عنه وأخرجه أبو الشيخ في الفتن من رواية أبي بكر بن عياش عن يزيد بن أبي زياد أيضا عنه وأما حديث علي بن أبي طالب فورد عنه من طرق كثيرة تزيد على العشرين فأخرجه احمد وأبو داود من رواية فطر بن خليفة عن القاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل عنه وأخرجه أحمد وابن ماجه من رواية ياسين عن ابراهيم بن محمد بن الحنفية عن أبيه عنه وأخرجه أبو داود من رواية شعيب بن أبي خالد عن أبي إسحاق السبيعي عنه وأخرجه الطبراني في الاوسط من

↑صفحة ٢٣٥↑

رواية عبد الله بن لهيعة عن عمر بن جابر الحضرمي عن عمر بن علي عن أبيه به وأخرجه الحاكم في المستدرك من رواية الحارث بن يزيد عن عبد الله بن رزين الغافقي عنه وأخرجه الحاكم أيضا من رواية عمار بن معاوية الدهني عن أبي الطفيل عن محمد بن الحنفية عنه موقوفا عليه وأخرجه نعيم بن حماد أحد شيوخ البخاري في كتاب الفتن له وكذا ابن المنادي في الملاحم وابو نعيم في اخبار المهدي وأبو غنم الكوفي في كتاب الفتن وابن أبي شيبة وغيرهم من طرق متعددة وألفاظ مختلفة موقوفة عليه وأما حديث أم سلمة فأخرجه أبو داود من رواية صالح أبي الخليل عن عبد الله بن الحارث عنها وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم من رواية زياد ابن بيان عن علي بن نفيل عن سعيد بن المسيب عنها وهكذا هو عند ابن أبي شيبة والطبراني في الكبير وابن عساكر في التاريخ من هذا الوجه وله طريق آخر عند الخطيب في كتاب المتفق والمفترق وأما حديث ثوبان فأخرجه احمد من رواية شريك عن علي بن زيد عن أبي قلابة عنه وأخرجه ابن ماجه من رواية سفيان الثوري والحاكم في المستدرك من رواية عبد الوهاب بن عطاء كلاهما عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي اسماء عنه وأما حديث عبد الله ابن الحارث فأخرجه ابن ماجه من رواية ابن لهيعة عن أبي زرعة عمرو بن جابر الحضرمي عنه وأما حديث أبي هريرة فورد عنه من طرق كثيرة مرفوعا وموقوفا أخرج المرفوع منها أحمد

↑صفحة ٢٣٦↑

امر بتواتر ذلك القدر المشترك كأحاديث الباب فكل قضية منها باعتبار اسنادها لم تتواتر والقدر المشترك فيها وهو وجود الخليفة المهدي آخر الزمان تواتر باعتبار المجموع.
(فصل) في تواتر أحاديث المهدى
وقد كثر في الناس اليوم ممن يخفى عليه هذا التواتر ويجهله ويبعده عن صراط العلم جهله ويضله من ينكر ظهور المهدي وينفيه ويقطع بضعف الاحاديث الواردة فيه مع جهله بأسباب التضعيف وعدم ادراكه معنى الحديث الضعيف وتصوره مبادئ هذا العلم الشريف وفراغ جرابه من احاديث المهدي الغنية بتواترها عن البيان لحالها والتعريف وانما استناده في انكاره مجرد ما ذكره ابن خلدون في بعض احاديثه من العلل المزورة المكذوبة ولمزبه ثقات رواتها من التجريحات الملفقة المقلوبة مع ان ابن خلدون ليس له في هذه الرحاب الواسعة مكان ولا ضرب له بنصيب ولا سهم في هذا الشأن ولا استوفى منه بمكيال ولا ميزان فكيف يعتمد فيه عليه ويرجع في تحقيق مسائله اليه فالواجب دخول البيت من بابه والحق الرجوع في كل فن الى اربابه فلا يقبل تصحيح او تضعيف الا من حفاظ الحديث ونقاده:

فاعن به ولا تخض بالظن * * * ولا تقلد غير اهل الفن

ولما لم ار احدا تصدى للرد عليه فيما علمت ولا بلغني ذلك

↑صفحة ٢٣٧↑

عن احد فيما رويت وسمعت بعثني باعث الغيرة الدينية الاثرية وحثني فضل الانتصار والذب عن السنة النبوية على ان ادحض حججه الباطلة وأرد شبهه الفاسدة العاطلة فكتبت على ضعف في الاستعداد وقلة من المواد هذه الرسالة واختطفت من بين انياب العوائق هذه العجالة بعد ان فهمت مرامه وتدبرت كلامه فاذا هو مموه بشبه واهية يعارض بعضها بعضا مركب من مقدمات وهمية موهمة تناقض نتائجها نقضا مؤلف من مغالطات يخيل للناظر أنها حجج قوية ترفض النزاع رفضا محشو بتعسفات تغض من صاحبها غضا ومجازفات تحط من قدره وتنقص منه طولا وعرضا كما ستعلم ذلك وتتحققه عند عرضنا له عليك عرضا وسميتها ابراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون والمرشد اليهدي لرد طعن ابن خلدون في احاديث المهدي والله اسأل التوفيق لما فيه رضاه والعصمة من انكار ما جاء به سيد من اصطفاه وارتضاه فأقول وما توفيقي الا بالله:
قال ابن خلدون فصل في امر الفاطمي وما يذهب اليه الناس في شأنه وكشف الغطاء عن ذلك اعلم ان المشهور بين الكافة من اهل الاسلام على ممر الاعصار انه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من اهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الاسلامية ويسمى بالمهدي ويكون خروج الدجال وما بعده من اشراط الساعة الثابتة في الصحيح على

↑صفحة ٢٣٨↑

اثره وان عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال او ينزل معه فيساعده على قتله ويأتم بالمهدي في صلاته ويحتجون في الباب بأحاديث خرجها الأئمة وتكلم فيها المنكرون وربما عارضوها ببعض الاخبار وللمتصوفة المتأخرين في امر هذا الفاطمي طريقة اخرى ونوع من الاستدلال وربما يعتمدون في ذلك على الكشف الذي هو اصل طرائقهم ونحن الآن نذكر هنا الأحاديث الواردة في هذا الشأن وما للمنكرين فيها من المطاعن وما لهم في انكارهم من المستند ثم نتبعه بذكر كلام المتصوفة ورأيهم ليتبين الصحيح من ذلك إن شاء الله تعالى فنقول إن جماعة من الأئمة خرّجوا احاديث المهدي منهم الترمذي وأبو داود وابن ماجه والحاكم والطبراني وابو يعلى الموصلي وأسندوها الى جماعة من الصحابة مثل علي وابن عباس وابن عمر وطلحة وابن مسعود وأبي هريرة وأنس وأبي سعيد الخدري وأم حبيبة وأم سلمة وثوبان وقرة بن اياس وعلي الهلالي وعبد الله بن الحارث بن جزء بأسانيد ربما يعرض لها المنكرون كما نذكره الا ان المعروف عند أهل الحديث ان الجرح مقدم على التعديل فاذا وجدنا طعنا في بعض رجال الأسانيد بغفلة أو بسوء حفظ او ضعف او سوء رأي تطرق ذلك الى صحة الحديث وأوهن منها ولا تقولن مثل ذلك ربما يتطرق الى رجال الصحيحين فان الاجماع قد اتصل في الامة على تلقيهما بالقبول والعمل بما فيهما وفي الاجماع اعظم حماية وأحسن دفع وليس غير الصحيحين بمثابتهما في

↑صفحة ٢٣٩↑

ذلك فقد نجد مجالا للكلام في اسانيدها بما نقل عن ائمة الحديث في ذلك الى هنا كلامه.
وأقول الكلام على هذه الجمل المتناقضة المناقضة لما بعدها من وجوه:
الوجه الاول في اقراره باشتهار ظهور المهدي بين الامة من اهل الاسلام على ممر الاعصار معارضة لإنكاره وجوده وطعنه في الاحاديث القاضية بظهوره اذ على تسليم ضعف جميعها يجب العمل بمقتضاها من غير بحث في رجالها لما تقرر ان الحديث الواحد فضلا عن عدة أحاديث اذا تلقته الامة بالقبول يعمل به ولو كان ضعيفا حتى انه ينزل منزلة المتواتر وفي نفس كلام الطاعن ما هو كالصريح في هذا فقد جعل تلقي الامة للصحيحين بالقبول يدفع تطرق الوهن والضعف الى رجالهما وان في الاجماع اعظم حماية وأحسن دفع كما قال افلا يكون في تلقي الامة بالقبول لاحاديث المهدي اعظم حماية وأحسن دفع للمنكر لها ايضا والباحث في رجالها كما كان للصحيحين فان فيهما احاديث كثيرة تزيد على المائتين انكرها المنكرون وطعنوا في رجالها وعللوا اسانيدها وشنعوا على الشيخين في اخراجها وأفرد جماعة من الحفاظ النقاد كالدارقطني وابي مسعود الدمشقي وأبي علي الغساني لبيان ذلك مؤلفات خاصة بلى ان الاخبار جميعها في هذا الحكم لمتساوية الاقدام لا فرق بين احاديث الصحيحين وغيرها لان السبب الذي لأجله لم يقبل كلام المنكر

↑صفحة ٢٤٠↑

فكيف ساغ به التعريض به والاشارة الى انه يعارض الاخبار التي خرجها الأئمة ومن المعلوم المقرر في الاصول ان من شرط التعارض التساوي في الثبوت فمن كان اكثر رواة واوثقهم لا يعارضه ما كان دونه في القلة والتوثيق وما كان متواترا او مشهورا مستفيضا لا يعارضه ما كان فردا واخبار الباب متواترة كما علمت فكيف تعارض بهذا الخبر الشاذ الموضوع ولو لم يكن الا ان الطاعن ذكر خبر المهدي من طريق اربعة عشر صحابيا وخبر نفيه من طريق واحد مع حكمه عليه بالضعف والاضطراب لكان اكبر دليل وأقوى حجة على تدليسه وايهامه والقائه غبار التشويش في اعين القراء بذكر هذه المعارضة اللهم الا ان يكون جاهلا بحال التعادل والترجيح وشروط المعارضة.
الوجه الثالث قوله ان جماعة من الأئمة خرجوا أحاديث المهدي منهم الترمذي وأبو داود والبزار وابن ماجه والحاكم والطبراني وأبو يعلى فيه ان هذه معظم الاصول المعتمدة التي عليها المدار في نقل قواعد الدين وأحكام الشريعة وعلى اعوادها رفع منار السنة ومن طريقها وصل الينا نور العلم النبوي والهدي المحمدي فكيف يقطع بنفي امر اتفقوا على نقله هم وغيرهم ايضا ممن هو مثلهم كالإمام احمد في مسنده وابن خزيمة وابن حبان والحافظ ضياء الدين المقدسي في المختارة ان هذا لتهور عظيم ولنعرفك بمراتب هذه الاصول وشروط اصحابها الأئمة فيها لتهتدي منها الى مرتبة الاحاديث

↑صفحة ٢٤١↑

المخرجة فيها على طريق الاجمال قبل الوقوف على اسانيدها والخوض في رجالها فنقول:
أما جامع الترمذي فقد نقلوا عنه انه قال صنفت كتابي هذا فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به وعرضته على علماء العراق فرضوا به وعرضته على علماء خراسان فرضوا به ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم انتهى ولا ريب ان كتابه أحسن الكتب جمعا وفيه ما ليس في غيره من ذكره المذاهب ووجوه الاستدلال وتبين انواع من الصحيح والحسن والغريب ولذا قيل فيه انه كاف للمجتهد ومغن للمقلد وقد أطلق الحاكم والخطيب والحافظان الصحة على جميع أحاديثه وان كان في ذلك تساهل وقال ابن الصلاح في علوم الحديث كتاب أبي عيسى الترمذي اصل في معرفة الحسن فهو الذي نوه باسمه واكثر من ذكره في جامعه انتهى قال الحافظ أبو الفضل ابن طاهر في شروط الأئمة وأما شرط أبي داود والنسائي فان كتابيهما ينقسمان على ثلاثة أقسام الاول الصحيح المخرج في الصحيحين الثاني الصحيح على شرطهما وهو كما حكاه ابو عبد الله اخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم اذا صح الحديث باتصال السند بلا قطع ولا ارسال فيكون هذا القسم من الصحيح الا انه طريق لا يكون كطريق ما اخرجه الشيخان في صحيحيهما بل طريق ما تركاه من الصحيح كما بينا انهما تركا كثيرا من الصحيح الذي حفظناه

↑صفحة ٢٤٢↑

الثالث أحاديث اخرجاها بلا قطع منهما بصحتها وقد ابانا علتها بما بينه اهل المعرفة وانما أودعا هذا القسم في كتابيهما لرواية قدح لها واحتجاجهم بها وأورداها وبينا سقمها لتزول الشبهة وذلك ان لم يجدا له طريقا غيره لأنه أقوى عندهما من رأي الرجال وأما أبو عيسى الترمذي فكتابه على أربعة أقسام صحيح مقطوع به وهو ما وافق الشيخين وقسم على شرط أبي داود والنسائي كما بيناه في القسم الثاني لهما وقسم آخر كالثالث لهما أخرجه وأبان عن علته وقسم رابع أبان هو عنه وقال ما أخرجت في كتابي إلاّ حديثا قد عمل به بعض الفقهاء فعلى هذا الاصل كل حديث احتج به محتج أو عمل بموجبه عامل أخرجه سواء صح طريقه أو لم يصح وقد ازاح عن نفسه اذا تكلم على حديثه بما فيه انتهى وهو يفيد تسليم ما صححه أو حسنه عند أهل الحديث.
وأما سنن أبي داود فقال الحافظ المنذري في اختصاره له روينا عن أبي بكر أحمد بن علي الخطيب أنه قال كان أبو داود قد سكن البصرة وقدم بغداد غير مرة وصنف كتابه المصنف في السنن ونقله عنه أهلها ويقال انه صنفه قديما وعرضه على احمد بن حنبل رضي الله عنه فاستجاده واستحسنه وروينا عن ابراهيم بن اسحاق الحربي انه قال لما صنف أبو داود كتاب السنن ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود النبي الحديد وقال أبو بكر محمد بن بكر بن داسة سمعت أبا داود يقول كتبت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خمسمائة ألف حديث

↑صفحة ٢٤٣↑

انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب جمعت فيه اربعة آلاف وثمانماية حديث ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه وحكى ابو عبد الله محمد بن اسحاق بن منده الحافظ ان شرط ابي داود والنسائي اخراج حديث اقوام لم يجمع على تركهم اذا صح الحديث باتصال السند من غير قطع ولا ارسال وحكى عن ابي داود انه قال ما ذكرت في كتابي حديثا اجمع الناس على تركه وقال ابو العلاء المحسن الوادادي رأيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المنام فقال من اراد ان يتمسك بالسنن فليقرأ السنن ابي داود انتهى وقال الحافظ شمس الدين بن القيم في شرحه لاختصار المنذري المذكور ولما كان كتاب السنن لابي داود سليمان بن الاشعث السجستاني رحمه الله من الاسلام بالموضع الذي خصه الله به بحيث صار حكما بين اهل الاسلام وفصلا في موارد النزاع والخصام فاليه يتحاكم المنصفون وبحكمه يرضى المحققون فانه جمع شمل احاديث الاحكام ورتبها أحسن ترتيب ونظمها احسن نظام مع انتقائها احسن الانتقاء واطراحه منها احاديث المجروحين والضعفاء انتهى وقال الامام الحافظ ابو سليمان حمد بن محمد الخطابي في معالم السنن واعلموا رحمكم الله تعالى ان كتاب السنن لابي داود رحمه الله تعالى كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله قد رزق القبول من كافة الناس فصار حكما بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم فلكل منه ورد ومنه شرب وعليه معول اهل العراق وأهل مصر

↑صفحة ٢٤٤↑

وبلاد الغرب وكثير من اهل الارض فأما أهل خراسان فقد اولع اكثرهم بكتاب محمد بن اسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد الا ان كتاب ابي داود احسن وضعا واكثر فقها وكتاب ابى عيسى ايضا كتاب حسن والله يغفر لجماعتهم ويحسن على جميل النية فيما سعوا اليه مثوبتهم ثم اعلموا ان الحديث عند اهله على ثلاثة اقسام حديث صحيح وحديث حسن وحديث سقيم فالصحيح عندهم ما اتصل سنده وعدلت نقلته والحسن منه ما عرف مخرجه واشتهر رجاله وعليه مدار اكثر اهل الحديث وهو الذي يقبله اكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء وكتاب ابي داود جامع لهذين النوعين من الحديث فاما السقيم منه فعلى طبقات فشرها الموضوع ثم المقلوب يعني ما قلب اسناده ثم المجهول وكتاب ابي داود خلي منها وبريء من جملة وجوهها فان وقع فيه شيء من بعض اقسامها لضرب من الحاجة تدعوه الى مثلها فانه يبين امره ويذكر علته ويخرج من عهدته ويحكى لنا عن ابي داود رحمه الله انه قال ما ذكرت في كتابي حديثا اجمع الناس على تركه الى هنا كلام الخطابي رحمه الله.
واما مستدرك الحاكم وصحيحا ابني خزيمة وحبان فهي الصحاح الزائدة على الصحيحين التي شرط اهلها اخراج الصحيح وحده فيها قال الحافظ العراقي في الالفية:

↑صفحة ٢٤٥↑

وخذ زيادة الصحيح اذ تنص * * * صحته او من مصنف يخص
بجمعه نحو ابن حبان الذكي * * * وابن خزيمة وكالمستدرك
على تساهل وقال ما انفرد * * * به فذاك حسن ما لم يرد
بعلة والحق ان يحكم بما * * * يليق والبستي يداني الحاكما

وأجاد الحافظ السيوطي حيث بين المقدم من مراتب هؤلاء الثلاثة فقال في الفيته في مبحث الصحيح:

وخذه حيث حافظ عليه نص * * * ومن مصنف بجمعه يخص
كابن خزيمة ويتلو مسلما * * * واوله البستي ثم الحاكما

وفي تقريب النواوي(٤٩)
مع شرحه تدريب الراوي ما نصه ثم ان الزيادة في الصحيح عليهما يعني الشيخين تعرف من السنن المعتمدة كسنن ابي داود والترمذي والنسائي والدارقطني والحاكم والبيهقي وغيرها منصوصا على صحته ولا يكفي وجوده الا في كتاب من شرط الاقتصار على الصحيح كابن خزيمة واصحاب المستخرجات قال الحافظ العراقي وكذا لو نص على صحته احد منهم ونقل ذلك عنه بإسناد صحيح واعتنى الحاكم بضبط الزايد عليهما مما هو على شرطهما او شرط احدهما او صحيح وان لم يوجد شرط احدهما وهو متساهل واتفق الحفاظ على ان تلميذه البيهقي اشد تحريا منه ولخص الذهبي مستدركه وتعقب كثيرا منه بالضعف والنكارة وجمع جزءا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩) رسمه بالألف شاذ ولكن اخبرنا شيخنا الاستاذ السيد احمد رافع الطهطاوي انه وقف على الروضة بخط مؤلفها بإثبات الالف.

↑صفحة ٢٤٦↑

فيه الاحاديث التي فيه وهي موضوعة فذكر نحو مائة حديث وقال الماليني طالعت المستدرك الذي صنفه الحاكم من اوله الى آخره فلم اجد فيه حديثا على شرطهما قال الذهبي وهذا غلو واسراف من الماليني والا ففيه جملة وافرة على شرطهما وجملة كثيرة على شرط احدهما لعل مجموع ذلك نحو نصف الكتاب وفيه نحو الربع مما صح سنده وفيه بعض شيء او علة وما بقي وهو نحو الربع فهو مناكير واهيات لا تصح وفي بعض ذلك موضوعات انتهى وقال الحافظ انما وقع للحاكم التساهل لأنه سود الكتاب لينقحه فأعجلته المنية قال وقد وجدت قريبا من الجزء الثاني من تجزئة ستة من المستدرك الى هنا انتهى املاء الحاكم قال وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه الا بطريق الاجازة قال والتساهل في القدر المعلى قليل جدا بالنسبة الى ما بعده انتهى.
وأما مسند الامام احمد فقد ذكروا انه انتقاه من اكثر من سبعمائة الف وخمسين الف حديث ولم يدخل فيه الا ما يحتج به عنده وروى ابو موسى المديني عنه انه سئل عن حديث فقال انظروه فان كان في المسند والا فليس بحجة وقد بالغ بعضهم بإطلاق الصحة على جميع ما فيه وأما ابن الجوزي فأدخل بعضا من احاديثه في الموضوعات وتعقبه الحفاظ في ذلك وحقق الحافظ نفي الوضع عن جميع احاديثه وانه احسن انتقاء وتحريرا من الكتب التي لم يلتزم مصنفوها الصحة في جميعها كالموطا والسنن الأربع

↑صفحة ٢٤٧↑

وليست الاحاديث الزائدة على الصحيحين بأكثر ضعفا من الاحاديث الزائدة في سنن ابي داود والترمذي وقال في خطبة القول المسدد في الذب عن مسند احمد فقد ذكرت في هذه الاوراق ما حضرني من الكلام على الاحاديث التي زعم بعض اهل الحديث انها موضوعة وهي في مسند احمد ذبا عن هذا التصنيف العظيم الذي تلقته الامة بالقبول والتكريم وجعله امامهم حجة يرجع اليه ويعول عند الاختلاف عليه ثم سرد الاحاديث التي جمعها العراقي وهي تسعة وأضاف اليها خمسة عشر حديثا اوردها ابن الجوزي في الموضوعات وهي فيه وأجاب عنها حديثا حديثا وقال في كتابه تعجيل المنفعة بزوائد رجال الاربعة ليس في مسند أحمد حديث لا أصل له الا ثلاثة أحاديث أو اربعة منها حديث عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة زحفا والاعتذار عنه انه مما امر أحمد بالضرب عنه فترك سهوا أو ضرب وكتب من تحت الضرب وقال في كتابه تجريد زوائد البزار اذا كان الحديث في مسند احمد فانه لم يعز الى غيره من المسانيد وقال الحافظ الهيثمي في زوائد المسند مسند احمد اصح صحيحا من غيره وقال الحافظ ابن كثير لا يوازي مسند احمد كتاب مسند في كثرته وحسن سياقاته وقال الحافظ السيوطي في خطبة الجامع الكبير وكل ما كان في مسند احمد فهو مقبول فان الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن وأما كتاب المختارة للحافظ ضياء الدين المقدسي فانه التزم فيه اخراج الصحيح

↑صفحة ٢٤٨↑

المجرد وذكر جمع من الحفاظ منهم ابن تيمية والزركشي وابن عبد الهادي ان تصحيحه أعلى مزية من تصحيح الحاكم وفي خطبة الجامع الكبير بعد ذكر رموز البخاري ومسلم وابن حبان والحاكم والضياء المقدسي ما نصه وجميع ما في هذه الكتب الخمسة صحيح بالعزو اليها فعلم بالصحة سوى ما في المستدرك من المتعقب فأنبه عليه انتهى ومن هذا تعلم مقدار مجازفة من انكر ما اتفق هؤلاء الأئمة على اخراجه في مصنفاتهم العظيمة الخاصة بجمع الصحيح وما يدانيه ويقاربه وحقق الحفاظ نفي الوضع عنها الا في القليل اليسير من بعضها مما هو معلوم معروف خصوصا وقد صرحوا بصحة الاحاديث الواردة في المهدي تصريحا لا يبقى معه شك ولا مجال للطعن ولا فسحة للانتقاد.
الوجه الرابع قوله وأسندوها الى جماعة من الصحابة مثل علي وابن عباس وابن عمر وطلحة وابن مسعود وأبي هريرة وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وأم حبيبة وام سلمة وثوبان وقرة بن اياس وعلي الهلالي وعبد الله بن الحارث بن جزء بأسانيد ربما يعرض لها المنكرون كما نذكره الخ فيه ان العدد المذكور وهو اربعة عشر نفسا كاف في ثبوت التواتر وافادة العلم على مذهب جماعة من الفقهاء وعلماء الاصول والحديث كما قدمناه وقد حكم الحفاظ لكثير من الاحاديث التي لم يبلغ رواتها هذا العدد بالتواتر كما يعلم ذلك من مراجعة الكتب المؤلفة فيه كالفوائد والازهار

↑صفحة ٢٤٩↑

واللآلئ المتناثرة ولقط اللآلئ ونظم المتناثر وغيرها خصوصا وقد تعددت الطرق الى جل هؤلاء الصحابة المذكورين وخرجت احاديثهم في الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقا وغربا المقطوع عندهم بصحة نسبتها الى مؤلفيها وهذا مما رد به الحافظ ادعاء ابن الصلاح عزة التواتر وجعله من احسن ما يقرر به كون المتواتر موجودا وجود كثرة في الاحاديث وهذا بقطع النظر عن كون احاديث المهدي وردت عن جماعة آخرين غير هؤلاء مما يفيد التواتر قطعا كما اسلفناه فقوله بأسانيد ربما يعرض لها المنكرون غفلة منه او تغافل عما هو مقرر في علوم الحديث والاصول من ان ما بلغ هذا العدد ووصل الى حد التواتر لا يبحث عن رجاله من جهة الجرح والعدالة ولا يتعرض له بل يجب العمل به من غير بحث لأن العدالة انما هي شرط في قبول خبر الآحاد فتعرض المنكرين الموهومين للبحث عن رجال اسانيده تشويش فارغ وطلب نتيجة دون تحصيلها خرط القتاد قال الحافظ في شرح النخبة والمتواتر لا يبحث عن رجاله بل يجب العمل به من غير بحث انتهى وفي ارشاد الفحول الى تحقيق الحق من علم الاصول وقد اشترط عدالة النقلة لخبر التواتر فلا يصح ان يكونوا او بعضهم غير عدول وعلى هذا لا بد ان لا يكونوا كفارا ولا فساقا ولا وجه لهذا الاشتراط فان حصول العلم الضروري بالخبر المتواتر لا يتوقف على ذلك بل

↑صفحة ٢٥٠↑

يحصل بخبر الكفار والفساق والصغار المميزين والاحرار والعبيد وذلك هو المعتبر انتهى.
الوجه الخامس قوله الا ان المعروف عند اهل الحديث ان الجرح مقدم على التعديل هذه القاعدة المكسورة المعزوة الى علماء الحديث على غير ما هي عليه عندهم هي الاساس الذي بنى عليه كلامه والعماد الذي رفع عليه ما اراده من ابطال صحيح الاحاديث ورامه وهي قاعدة مفتعلة مزورة شاذة مهجورة على الوجه والاطلاق الذي ذكره بل لهم فيها مذاهب وتفصيلات وشروط مبسوطة في المطولات منبه عليها في المختصرات من كتب الحديث والاصول وجلب جميع ذلك او معظمه يطول ولنقتصر على ذكر ما يكفي في رد تزويره وبطلان ايهامه فنقول قال الحافظ ابو عمرو بن الصلاح في علوم الحديث التعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصحيح المشهور لأن اسبابه كثيرة يصعب ذكرها فان ذلك يحوج المعدل الى ان يقول لم يفعل كذا لم يرتكب كذا فعل كذا وكذا فيعد جميع ما يفسق بفعله او بتركه وذلك شاق جدا وأما الجرح فانه لا يقبل الا مفسرا مبين السبب لأن الناس يختلفون فيما يجرح وما لا يجرح فيطلق احدهم الجرح بناء على امر اعتقده جرحا وليس بجرح في نفس الامر فلا بد من بيان سببه لينظر فيه هل هو جرح ام لا وهذا ظاهر مقرر في الفقه وأصوله وذكر الخطيب الحافظ انه مذهب الائمة من حفاظ الحديث ونقاده مثل

↑صفحة ٢٥١↑

البخاري ومسلم وغيرهما ولذلك احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح لهم كعكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما وكإسماعيل ابن ابي اويس وعاصم بن علي وعمر بن مرزوق وغيرهم واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم وهكذا فعل أبو داود السجستاني وذلك دال على انهم ذهبوا الى ان الجرح لا يثبت الا اذا فسر سببه ومذاهب النقاد للرجال غامضة مختلفة وعقد الخطيب بابا في بعض اخبار من يستفسر في جرحه فيذكر ما لا يصلح جارحا منها عن شعبة انه قيل له لم تركت حديث فلان قال رأيته يركض على برذون فتركت حديثه ومنها عن مسلم بن ابراهيم انه سئل عن حديث صالح المزي فقال ما يصنع بصالح ذكروه يوما عند حماد بن سلمة فامتخط حماد والله اعلم ثم قال ابن الصلاح ولقائل ان يقول انما يعتمد الناس في جرح الرواة ورد حديثهم على الكتب التي صنفها ائمة الحديث في الجرح او في الجرح والتعديل وقلما يتعرضون فيها لبيان السبب بل يقتصرون على مجرد قولهم فلان ضعيف وفلان ليس بشيء ونحو ذلك وهذا حديث ضعيف وهذا حديث غير ثابت ونحو ذلك فاشتراط بيان السبب يفضي الى تعطيل وسد باب الجرح في الاغلب الاكثر وجوابه ان ذلك وان لم نعتمده في اثبات الجرح والحكم به فقد اعتمدناه في ان توقفنا عن قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك بناء على ان ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية يوجب مثلها التوقف ثم ان انزاحت

↑صفحة ٢٥٢↑

عنه الريبة منهم بالبحث عن حاله اوجب الثقة بعدالتهم قبلنا حديثه ولم نتوقف كالذين احتج بهم صاحبا الصحيحين وغيرهم فمن مسهم مثل هذا الجرح من غيرهم فافهم ذلك فانه مخلص حسن والله اعلم الى هنا كلام ابن الصلاح وقال الحافظ العراقي في الالفية:

وصححوا قبول تعديل بلا * * * ذكر لأسباب له ان تثقلا
ولم يروا قبول جرح ابهما * * * للخلف في اسبابه وربما
استفسر الجرح فلم يقدح كما * * * فسره شعبة بالركض فما
هذا الذي عليه حفاظ الاثر * * * كشيخي الصحيح من اهل النظر
فان يقل قل بيان من جرح * * * كذا اذا قالوا لمتن لم يصح
وأبهموا فالشيخ قد اجابا * * * ان يجب الوقف اذا استرابا
حتى يبين بحثه قبوله * * * كمن اولو الصحيح اخرجوا له
ففي البخاري احتجاجا عكرمة * * * مع ابن مرزوق وغير ترجمه
واحتج مسلم بمن قد ضعفا * * * نحو سويد اذ بجرح ما اكتفى
قلت وقد قال ابو المعالي * * * واختاره تلميذه الغزالي
وابن الخطيب الحق ان يحكم بما * * * اطلقه العالم بأسبابهما

وقال الحافظ في شرح النخبة والجرح مقدم على التعديل ان صدر مبينا من عارف بأسبابه لأنه ان كان غير مفسر له يقدح فيمن ثبتت عدالته وان صدر من غير عارف بالأسباب لم يعتبر به ايضا انتهى وقال التاج السبكي في الطبقات الكبرى قاعدة في الجرح والتعديل ضرورية نافعة لا تراها في شيء من كتب الأصول

↑صفحة ٢٥٣↑

فانك اذا سمعت ان الجرح مقدم على التعديل وكنت غرا بالأمور فدما مقتصرا على منقول الاصول حسبت ان العمل على جرحه فإياك ثم اياك والحذر كل الحذر من هذا الحسبان بل الصواب عندنا ان من ثبتت عدالته وامامته وكثر مادحوه ومزكوه وندر جارحوه وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي او غيره فانا لا نلتفت الى الجرح فيه ونعمل فيه بالعدالة والا فلو فتحنا هذا الباب وأخذنا تقديم الجرح على اطلاقه لما سلم لنا احد من الائمة اذ ما من امام الا وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه هالكون وقد عقد الحافظ ابو عمر بن عبد البر في كتاب العلم بابا في حكم قول العلماء بعضهم في بعض بدأ فيه بحديث الزبير رضي الله عنه «دب اليكم داء الامم قبلكم الحسد والبغضاء» الحديث وروى بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما انه قال استمعوا علم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض فو الذي نفسى بيده لهم اشد تغايرا من التيوس في زروبها وعن مالك بن دينار يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء الا قول بعضهم في بعض قلت ورأيت في معين الحكام لابن عبد الرفيع من المالكية وقع في المبسوطة من قول عبد الله بن وهب انه لا يجوز شهادة القارئ على القارئ يعني العلماء لأنهم اشد الناس تحاسدا وتباغضا وقاله سفيان الثوري ومالك بن دينار انتهى ولعل ابن عبد البريري هذا ولا بأس به غير انا لا نأخذ به على اطلاقه ولكن نرى ان الضابط

↑صفحة ٢٥٤↑

ما نقوله من ان ثابت العدالة لا يلتفت فيه الى قول من تشهد القرائن بأنه متحامل عليه اما لتعصب مذهبي او غيره ثم قال ابن عبد البر بعد ذلك الصحيح في هذا الباب ان من ثبتت عدالته وصحت في العلم امامته وبالعلم عنايته لا يلتفت الى قول احد فيه الا ان يأتي في جرحه ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات واستدل على ذلك بأن السلف تكلم بعضهم في بعض بكلام منه ما حمل عليه التعصب والحسد ومنه ما دعا اليه التأويل واختلاف الاجتهاد مما لا يلزم المقول فيه ما قال القائل فيه وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلا واجتهادا ثم اندفع ابن عبد البر في ذكر كلام جماعة من النظراء بعضهم في بعض وعدم الالتفات اليه لذلك الى ان انتهى الى كلام ابن معين في الشافعي وقال انه مما نقم على ابن معين وعيب به وذكر قول احمد بن حنبل من اين يعرف يحيى بن معين الشافعي هو لا يعرف الشافعي ولا يعرف ما يقوله الشافعي ومن جهل شيئا عاداه قال ابن السبكي وقد قيل ان ابن معين لم يرد الشافعي وانما أراد ابن عمه وبتقدير ارادته الشافعي فلا يلتفت اليه وهو عار عليه وقد كان في بكاء ابن معين على اجابته المأمون الى القول بخلق القرآن وتحسره على ما فرط منه ما ينبغي ان يكون شاغلا له عن التعرض الى الامام الشافعي امام الأئمة ابن عم المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم ذكر ابن عبد البر كلام ابن ابي ذئب وابراهيم بن سعد في مالك بن انس

↑صفحة ٢٥٥↑

قال وقد تكلم في مالك ايضا عبد العزيز بن ابي سلمة وعبد الرحمن ابن زيد بن اسلم ومحمد بن اسحاق وابن ابي يحيى وابن ابي الزناد وعابوا اشياء من مذهبه وقد برأ الله (عزَّ وجلَّ) مالكا عما قالوا وكان عند الله وجيها وما مثل من تكلم في مالك والشافعي ونظرائهما الا كما قال الاعشى:

كناطح صخرة يوما ليقلعها * * * فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

او كما قال الحسن بن حميد:

يا ناطح الجبل العالي ليكلمه * * * اشفق على الرأس لا تشفق على الجبل

ثم قال ابن عبد البر فمن اراد قبول قول العلماء الثقات بعضهم في بعض فليقبل قول الصحابة بعضهم في بعض فان فعل ذلك فقد ضل ضلالا بعيدا وخسر خسرانا مبينا وان لم يفعل ولن يفعل ان هداه الله وألهمه فليقف عند ما شرطناه في ان لا يقبل في صحيح العدالة المعلوم بالعلم عنايته قول قائل لا برهان له قال ابن السبكي هذا كلام ابن عبد البر وهو على حسنه غير صاف من القذى والكدر فانه لم يزد فيه على قوله ان ثبتت عدالته ومعرفته لا يقبل قول جارحه الا ببرهان وهذا قد اشار اليه العلماء جميعا حيث قالوا لا يقبل الجرح الا مفسرا فما الذي زاده ابن عبد البر عليهم ثم قال فان قلت فما العبارة الوافية مما ترون قلت عرّفناك اولا بأن الجارح لا يقبل منه الجرح وان فسره في حق من غلبت طاعته على معاصيه وما دحوه على ذاميه ومزكوه على جارحيه اذا كانت

↑صفحة ٢٥٦↑

هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة في الذي جرحه من تعصب مذهبي او منافسة دنيوية كما يكون من النظراء وغير ذلك فنقول مثلا لا يلتفت الى كلام ابن ابي ذئب في مالك وابن معين في الشافعي والنسائي في احمد بن صالح لأن هؤلاء ائمة مشهورون صار الجارح لهم كالآتي بخبر غريب لو صح لتوفرت الدواعي على نقله وكان القاطع قائما على كذبه ثم اطال ابن السبكي في تقرير هذا وايضاحه الى ان قال فقولهم الجرح مقدم انما يعنون به حالة تعارض الجرح والتعديل فاذا تعارض الامر من جهة الترجيح قدمنا الجرح لما فيه من زيادة العلم وتعارضهما استواء الظن عندهما لأن هذا شأن المتعارضين اما اذا لم يقع استواء الظن عندهما فلا تعارض بل العمل بأقوى الظنين من جرح او تعديل كما ان عدد الجارح اذا كان اكثر قدم الجرح اجماعا لأنه لا تعارض والحالة هذه ولا يقول منا احد بتقديم التعديل لا من قال بتقديمه ولا غيره وعبارتنا في كتابنا جمع الجوامع وهو مختصر جمعناه في الاصلين جمع فأوعى والجرح مقدم ان كان عدد الجارح اكثر من المعدل اجماعا وكذا ان تساويا أو كان الجارح اقل وقال ابن شعبان يطلب الترجيح انتهى وفيه زيادة على ما في مختصرات الاصول فانا نبهنا فيه على مكان الاجماع ولم ينبهوا عليه وحكينا فيه مقالة ابن شعبان من المالكية وهي غريبة لم يشيروا اليها وأشرنا بقولنا يطلب الترجيح الى ان النزاع انما هو في حالة التعارض لأن

↑صفحة ٢٥٧↑

طلب الترجيح انما هو في تلك الحالة وهو شأن كتابنا جمع الجوامع نفع الله به غالب ظننا ان في كل مسألة فيه زيادات لا توجد مجموعة في غيره مع البلاغة في الاختصار اذا عرفت هذا علمت انه ليس كل جرح مقدما انتهى والحاصل ان في المسألة اربعة اقوال:
الاول يقدم الجرح على التعديل اذا كان مفسرا بأسبابه وان كثر المعدلون وبه قال الجمهور كما نقله عنهم الخطيب والباجي وصححه الرازي والآمدي واستثنى الشافعية من هذا ما اذا جرحه بمعصية وشهد الآخر انه قد تاب منها بأنه يقدم في هذه الصورة التعديل لأن مع المعدل زيادة علم.
القول الثاني يقدم التعديل على الجرح لأن الجارح قد يجرح بما ليس في نفس الامر جارحا والمعدل اذا كان عدلا لا يعدل الا بعد تحصيل الموجب لقوله حكاه الطحاوي عن ابي حنيفة وأبي يوسف وهو محمول على الجرح المجمل.
القول الثالث يقدم الاكثر من المعدلين والجارحين حكاه الرازي في المحصول.
القول الرابع يتعارضان فلا يقدم احدهما على الآخر الا بمرجح حكاه ابن الحاجب وابن السبكي كما تقدم عنه ومن هذا تعلم ان اطلاقه تقديم الجرح على التعديل اطلاق فاسد.
الوجه السادس تقريره كون الطعن في رجال الاسناد أو بعضها بالغفلة او بسوء الحفظ يوهن من صحة الاحاديث تقرير باطل

↑صفحة ٢٥٨↑

واطلاق فاسد اذ المتفق عليه بين علماء الحديث ان ضعف الراوي اذا كان لكذب او تهمة به كان الحديث بالدرجة المعروفة عندهم من مراتب الضعيف حتى انه اذا ورد من جهة اخرى مثل الاولى في الضعف تقاعد عن الارتقاء الى درجة أعلى من تلك الدرجة ولم تؤثر فيه تلك الموافقة نعم صرّح الحافظ بأنه يرتقي بمجموع تلك الطرق عن كونه منكرا أو لا أصل له وأما اذا كان الضعف ناشئا من سوء حفظه او غفلة مع كون الراوي الموصوف بذلك صدوقا في نفسه فانه يزول ذلك الضعف بمجيء الحديث من وجه آخر ويعرف بذلك ان الراوي قد حفظ ولم يختل فيه ضبطه وصار الحديث بذلك حسنا محتجا به وأمثال ذلك كثيرة لا تنحصر ومنها على سبيل التقريب للفهم حديث رواه الترمذي وحسنه من طريق شعبة عن عاصم بن عبد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه ان امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ارضيت من نفسك ومالك بنعلين قالت نعم فأجاز قال الترمذي وفي الباب عن عمر وأبي هريرة وعائشة وابي حدرد فعاصم ضعيف لسوء حفظه ومع ذلك حسن الترمذي حديثة لمجيئه من هذه الوجوه التي اشار الى انها واردة في الباب ومن ذلك ايضا حديث عاصم بن ابي النجود الآتي اول سرد ابن خلدون للاحاديث فان الترمذي قال فيه حسن صحيح وكذلك صححه الحاكم وكثير من الحفاظ لهذا المعنى وكون حديثه ورد من عدة طرق

↑صفحة ٢٥٩↑

يرتفع معها توهم كون عاصم اخطأ في هذا الحديث كما سنبينه ان شاء الله تعالى بدلائله.
الوجه السابع اطلاقه ان سوء الرأي من اسباب ضعف الحديث ورده وادعاؤه انه المعروف عند اهل الحديث اطلاق باطل ايضا وادعاء كذب فان اهل الحديث ليس على هذا العمل عندهم ولا هو الجاري بينهم كيف ذلك والكثير من نقلة الاحاديث ورواة الآثار من عصر التابعين وأتباعهم فمن بعدهم مذاهبهم مختلفة وآراؤهم في الاعتقاد متباينة مخالفة لما عليه اهل السنة والجماعة من النصب والرفض والارجاء والقدر والتقلد برأي الخوارج وغير ذلك مع صلابتهم في الدين والورع وشدة تحريهم في الصدق فلو رد حديث هؤلاء لذهبت جملة الآثار كيف يصدق الطاعن في دعواه وهذان الصحيحان المتفق على صحتهما بين المسلمين قد خرج صاحباهما لجماعة رموا بالأرجاء وهو تأخير القول في الحكم على مرتكب الكبيرة بالنار كإبراهيم بن طهمان وأيوب بن عائد الطائي وذر بن عبد الله الموهبي وشبابة بن سوار وعبد الحميد بن عبد الرحمن ابي يحيى الحماني وعبد الحميد بن عبد العزيز بن ابي رواد وعثمان بن غياث البصري وعمر بن ذر وعمر بن مرة ومحمد بن حازم وأبي معاوية الضرير وورقاء بن عمر اليشكري ويحيى بن صالح الوحاظي ويونس ابن بكير.

↑صفحة ٢٦٠↑

والجماعة رموا بالنصب وهو بغض علي (عليه السلام) وتقديم غيره عليه كإسحاق بن سويد العدوي وحريز بن عثمان وحصين بن نمير الواسطي وخالد بن سلمة الفافاء وبهز بن اسد وعبد الله بن سالم الاشعري وقيس بن ابي حازم.
ولجماعة رموا بالتشيع وهو تقديم علي على سائر الصحابة كإسماعيل ابن ابان واسماعيل بن زكريا الخلفاني وجرير بن عبد الحميد وأبان ابن تغلب وخالد بن مخلد القطواني وسعيد بن فيروز وابي البحتري سعيد ابن عمرو بن اشوع وسعيد بن عفير وعباد بن العوام وعباد بن يعقوب وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن ابي ليلى وعبد الرزاق ابن همام وعبد الملك بن اعين وعبيد الله بن موسى العبسي وعدي بن ثابت الانصاري وعلي بن الجعد وعلي بن ابي هاشم وأبي نعيم الفضل ابن دكين وفضيل بن مرزوق وفطر بن خليفة ومحمد بن جحادة ومحمد ابن فضيل بن غزوان ومالك بن اسماعيل ابي غسان.
ولجماعة رموا بالقدر وهو زعم ان الشر من خلق العبد كثور ابن زيد المدني وثور بن يزيد الحمصي وحسان بن عطية المحاربي والحسن بن ذكوان وداود بن الحصين وزكريا بن اسحاق وسالم ابن عجلان وسلام بن مسكين وسيف بن سليمان المكي وشبل بن عباد وشريك بن ابي نمر وصالح بن كيسان وعبد الله بن ابي لبيد وعبد الله بن ابي نجيح وعبد الأعلى بن عبد الأعلى وعبد الرحمن بن اسحاق المدني وعبد الوارث بن سعيد الثوري وعطاء بن ابي ميمونة والعلاء بن

↑صفحة ٢٦١↑

الحارث وعمر بن ابى زائدة وعمران بن مسلم القصير وعمير بن هاني وعوف الاعرابي وكهمس بن المنهال ومحمد بن سواء البصري وهارون ابن موسى الاعور النحوي وهشام الدستوائي ووهب بن منبه ويحيى ابن حمزة الحضرمي.
وخرجا لبشر بن السري وقد رمى برأي جهم وهو نفي صفات الله تعالى والقول بخلق القرآن ولعكرمة مولى ابن عباس وقد رمي بغير نوع من البدعة والمشهور انه كان من الاباضية والاباضية اخبث الطوائف الضالة قبحهم الله وكذلك خرجا للوليد بن كثير وهو اباضي وكذلك عمران بن حطان وهو من العقدية الذين يرون الخروج على الائمة ولا يباشرون ذلك وهو القائل يمدح عبد الرحمن ابن ملجم لعنه الله على قتل الامام علي (عليه السلام):

يا ضربة من تقي ما اراد بها * * * الا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
اني لأذكره يوما فأحسبه * * * اوفى البرية عند الله ميزانا
اكرم بقوم بطون الارض أقبرهم * * * لم يخلطوا دينهم بغيا وعدوانا

ولقد احسن الامام القاضي ابو الطيب الطبري رحمه الله تعالى ورضي عنه حيث اجابه بقوله:

اني لأبرأ مما انت قائله * * * في ابن ملجم الملعون بهتانا
اني لا ذكره يوما فألعنه * * * دينا وألعن عمران بن حطانا
عليك ثم عليه الدهر متصلا * * * لعائن الله اسرارا واعلانا
فأنتم من كلاب النار جاء بذا * * * نصّ الشريعة برهانا وتبيانا

↑صفحة ٢٦٢↑

اشار الى ما خرجه احمد وابن ماجه وصححه الحاكم من حديث ابن ابي أو في رضي الله عنه ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «الخوارج كلاب اهل النار» الى غير ذلك من المبتدعة الذين اخرج لهما الشيخان او احدهما فمن يصدق الطاعن فيما ادعاه ونسبه الى اهل الحديث فليحكم على مرويات هؤلاء المخرجة في الصحيحين بالوهن والضعف ولينسب الامامين المبرزين المجمع على جلالتهما واتقانهما وضبطهما لهذا الشأن وتقديمهما على من عداهما من أئمة الحديث ونقاده وهما البخاري ومسلم الى القصور أو الجهل بشروط الصحيح وأسباب الجرح والعدالة فان فعل ذلك فقد خرق الاجماع وضل ضلالا بعيدا.
وحيث عرفت هذا وتحقق لديك بطلان اطلاقه المسائل المفيدة وتعميمه القواعد المخصصة ليتوصل بذلك الى تحصيل مراده من انكار ما لم يقبله طبعه ولا دان للتصديق به عقله كتوصله بإطلاق كون سوء الحفظ من أسباب ضعف الحديث الى رد حديث نحو عاصم بن ابي النجود حيث لم يجد ما يرد به حديثه الا سوء الحفظ مع الصدق والعدالة.
وكتوصله ايضا بإطلاق كون سوء الرأي من اسباب الضعف والرد الى رد الحديث نجو فطر بن خليفة الذي لم يجد سبيلا الى الطعن فيه والرد لحديثه الا سبيل تهمته بالتشيع.

↑صفحة ٢٦٣↑

فاعلم ان الحق في المسألة وتقريرها على ما سمي عليه عند اهلها بعد ان تعلم ان اهل البدع ينقسمون الى قسمين:
القسم الاول من كفر ببدعته كالمجسم ومنكر علم الجزئيات فهؤلاء لا يحتج بهم عند الجمهور وحكى قوم منهم النووي الاتفاق عليه ورد بأنه قيل بقبول خبره مطلقا وقيل بقبول خبره ان كان يعتقد حرمة الكذب وصححه الرازي في المحصول وقال الحافظ في شرح النخبة التحقيق انه لا يرد كل مكفر ببدعته لأن كل طائفة تدعي ان مخالفتها مبتدعة وقد تبالغ بتكفير فلو اخذ ذلك على الاطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف والمعتمد ان الذي ترد روايته من انكر امرا متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة واعتقد عكسه وأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم الى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله.
القسم الثاني من لا يكفر ببدعته وفيه اقوال الاول لا يحتج به مطلقا ونسبه الخطيب الى مالك لأن في الرواية عنه ترويجا لأمره وتنويها بذكره ولأنه فاسق ببدعته وان كان متأولا يرد كالفاسق بلا تأويل كما استوى الكافر المتأول وغيره وضعف هذا القول باحتجاج صاحبي الصحيحين وغيرهما بكثير من المبتدعة غير الدعاة كمن ذكرناهم وقال الحاكم كتاب مسلم ملآن من الشيعة.
القول الثاني يحتج به ان لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه سواء كان داعية ام لا فان كان ممن يستحل الكذب لذلك

↑صفحة ٢٦٤↑

فلا وحكى الخطيب في الكفاية عن الشافعي انه قال اقبل شهادة اهل الاهواء الا الخطابية لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقتهم قال وحكي هذا عن ابن ابي ليلى والثوري والقاضي ابي يوسف.
القول الثالث يحتج به ان لم يكن داعية الى بدعته ولا يحتج به ان كان داعية لأن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه قال النووي وهذا هو الاظهر الأعدل وقول الكثير أو الاكثر وادعى ابن حبان الاتفاق عليه بلا تفصيل وقيده جماعة بما اذا لم يرو غير الداعية ما يقوي بدعته صرح بذلك الحافظ ابو اسحاق الجوزجاني في مقدمة كتابه في الجرح والتعديل فقال ومنهم زائغ عن الحق صدوق اللهجة قد جرى في الناس حديثه لكنه مخذول في بدعته مأمون في روايته فهؤلاء ليس فيهم حيلة الا ان يؤخذ من حديثهم ما يعرف الا ما يقوي به بدعته فيتهم بذلك واختاره الحافظ في النخبة وقال في شرحها ما قاله الجوزجاني متجه لان العلة التي لها رد حديث الداعية واردة فيما اذا كان ظاهر المروي يوافق مذهب الراوي المبتدع ولو لم يكن داعية انتهى وقال في لسان الميزان وينبغي ان يقيد قولنا بقبول رواية المبتدع اذا كان صدوقا ولم يكن داعية بشرط ان لا يكون الحديث الذي يحدث به مما يعضد به بدعته ويشيدها فانا لا نأمن عليه حينئذ غلبة الهوى والله الموفق انتهى واعترض

↑صفحة ٢٦٥↑

على رد الداعية باحتجاج الشيخين بالدعاة كاحتجاج البخاري بعمران ابن حطان وهو من الدعاة واحتجاجهما جميعا بعبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني وكان داعية الى الارجاء وأجاب الحافظ العراقي بأن ابا داود قال ليس في أهل الاهواء اصح حديثا من الخوارج ثم ذكر عمران بن حطان وأبا حسان الاعرج قال ولم يحتج مسلم بعبد الحميد بل اخرج له في المقدمة وقد وثقه ابن معين انتهى قلت بقي عليه الجواب عن احتجاج البخاري به وقد اجاب الحافظ في هدى الساري بأن البخاري انما روى له حديثا واحدا في فضل القرآن وقد رواه مسلم من غير طريقه فلم يخرج له الا ماله اصل والله اعلم وقال الحافظ الناقد شمس الدين الذهبي في الميزان أبان ابن تغلب الكوفي شيعي جلد لكنه صدوق فلنا صدقه وعليه بدعته ثم نقل توثيقه عن ابن معين وابن حنبل وأبي حاتم وقال للقائل ان يقول كيف ساغ توثيق مبتدع وحد الثقة العدالة والاتقان فكيف يكون عدلا من هو صاحب بدعة وجوابه ان البدعة على ضربين فبدعة صغرى كغلو التشيع وكالتشيع بلا غلو فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والصدق فلو رد حديث هؤلاء لذهبت جملة الآثار النبوية وهذه مفسدة بينة ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه والحط على ابي بكر وعمر رضي الله عنهما والدعاء الى ذلك فهذا النوع لا يحتج بهم والشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن

↑صفحة ٢٦٦↑

حارب عليا رضي الله عنهم وتعرض لسبهم والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفر هؤلاء السادة ويتبرأ من الشيخين ايضا فهذا ضال مفتر انتهى وفيه على حسنه نزغة شامية لحصره البدع في انواع التشيع الى غير هذا من النصوص الكثيرة فاعراض الطاعن عن جميع هذه الشروط وضربه عن جملة هذه التقييدات بالكلية يرشدك الى خيانته في العلم وعدم امانته في التقرير والتبليغ.
(فصل) في بيان أحاديث المهدي
ثم قال الطاعن وأما الترمذي فخرج هو وأبو داود بسنديهما من طريق عاصم بن ابي النجود أحد القراء السبعة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «لو لم يبق من الدنيا الا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلا مني او من اهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم ابيه اسم ابي» هذا لفظ ابي داود وسكت عليه وقال في رسالته المشهورة ان ما سكت عليه في كتابه فهو صالح ولفظ الترمذي «لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من اهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» وفي لفظ آخر «حتى يلي رجل من اهل بيتي» وكلاهما حديث حسن صحيح ورواه ايضا من طريقه موقوفا على ابي هريرة وقال الحاكم رواه الثوري وشعبة وزائدة وغيرهم من ائمة المسلمين عن عاصم قال وطرق عاصم عن زر عن عبد الله كلها صحيحة على ما اصلته من

↑صفحة ٢٦٧↑

الاحتجاج بأخبار عاصم اذ هو امام من ائمة المسلمين اهـ قال الطاعن الا ان عاصما قال فيه احمد بن حنبل كان رجلا صالحا قارئا للقرآن خيرا ثقة والاعمش احفظ منه وكان شعبة يختار الاعمش عليه في تثبيت الحديث وقال العجلى كان يختلف عليه في زر وأبي وائل يشير بذلك الى ضعف روايته عنهما وقال محمد بن سعد كان ثقة الا انه كثير الخطأ في حديثه وقال يعقوب بن سفيان في حديثه اضطراب وقال عبد الرحمن بن ابي حاتم قلت لأبي ان ابا زرعة يقول عاصم ثقة فقال ليس محله هذا وقد تكلم فيه ابن علية فقال كل من اسمه عاصم سيء الحفظ وقال ابو حاتم محلة عندي محل الصدق صالح الحديث ولم يكن بذلك الحافظ واختلف فيه قول النسائي وقال ابن خراش في حديثه نكرة وقال ابو جعفر العقيلي لم يكن فيه الا سوء الحفظ وقال الدارقطني في حفظه شيء وقال يحيى القطان ما وجدت رجلا اسمه عاصم الا وجدته رديء الحفظ وقال ايضا سمعت شعبة يقول حدثنا عاصم بن ابي النجود وفي الناس ما فيها وقال الذهبي ثبت في القراءة وهو في الحديث دون الثبت صدوق يهم وهو حسن الحديث وان احتج احد بأن الشيخين اخرجا له فنقول اخرجا له مقرونا بغيره لا اصلا والله اعلم الى هنا كلامه.
اقول هذا البحث وان كان واضح البطلان في نفسه غنيا عن اقامة الدليل على فساده للتصريح فيه بتصحيح الترمذي والحاكم للحديث

↑صفحة ٢٦٨↑

واحتجاج ابي داود به بالسكوت عليه والاعتراف بأن عاصما راوية من ائمة المسلمين عدل ثقة من رجال الصحيحين الا ما فيه من سوء الحفظ الذي لا يؤثر ضعفا في هذا الحديث لورود المتابعات عليه والشواهد له كما سيذكره الطاعن نفسه ونذكره نحن ان شاء الله تعالى فلا بد ايضا من زيادة ايضاح لبطلانه وتقرير لفساده بما يزيح عنه الريبة ويزيل الاشكال وذلك من وجوه:
الوجه الاول في ذكر سند الحديث ورواته الى عاصم بن ابي النجود عند الامام احمد والترمذي وأبي داود اما الامام احمد فأخرجه عن عمر بن عبيد عن عاصم بلفظ «لا تنقضي الايام ولا يذهب الدهر حتى يملك العرب رجل من اهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» وعن يحيى ابن سعيد عن سفيان عن عاصم بلفظ لا تذهب الدنيا او قال لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من اهل بيتي الحديث واما الترمذي فأخرجه عن عبيد بن اسباط بن محمد القرشي الكوفي عن ابيه عن سفيان الثوري عن عاصم به باللفظ المتقدم ثم قال وفي الباب عن علي وأبي سعيد وأم سلمة وابي هريرة وهذا حديث حسن صحيح ثم اخرجه ايضا عن عبد الجبار بن العلاء بن عبد الجبار العطار عن سفيان ابن عيينة عن عاصم به بلفظ «يلي رجل من اهل بيتي يواطئ اسمه اسمي لو لم يبق من الدنيا الا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي» قال عاصم وأخبرنا ابو صالح عن ابي هريرة قال «لو لم يبق من الدنيا الا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي» وقال هذا

↑صفحة ٢٦٩↑

حديث حسن صحيح وأما ابو داود فقال حدثنا مسدد ان عمر بن عبيد حدثهم ح وحدثنا محمد بن العلاء ثنا ابو بكر يعني ابن عياش ح وحدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن سفيان ح وحدثنا احمد بن ابراهيم قال حدثني عبيد الله بن موسى عن فطر المعنى واحد كلهم عن عاصم عن زر عن عبد الله عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لو لم يبق من الدنيا الا يوم قال زائدة في حديثه لطول الله ذلك اليوم ثم اتفقوا حتى يبعث الله رجلا مني او من اهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم ابيه اسم ابي زاد في حديث فطر يملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا وقال في حديث سفيان «لا تذهب ولا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من اهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» قال ابو داود ولفظ عمر وأبي بكر بمعنى سفيان واخرجه ايضا الطبراني في المعجم الصغير قال حدثنا يحي بن اسماعيل ابن محمد بن يحيى بن محمد بن زياد بن جرير بن عبد الله البجلي ثنا جعفر بن علي بن خالد بن جرير بن عبد الله البجلي ثنا ابو الاحوص سلام بن سليم عن عاصم بن ابي النجود عن زر بن حبيش عن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «لا تذهب الدنيا حتى يملك رجل من اهل بيتي يواطئ اسمه اسمي يملأ الارض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما» ورواه عن عاصم شعبة بن الحجاج ايضا كما ذكره الحاكم فهؤلاء ثمانية من الرواة للحديث عن عاصم

↑صفحة ٢٧٠↑

وكلهم ائمة ثقات عدول اثبات من رجال الصحيحين وفيهم من لا يروي الا عن ثقة كشعبة وسفيان بن عيينة فلا نطيل بذكر توثيق هؤلاء اذ الحديث مشهور مستفيض عن عاصم وانما يبقى البحث فيه من جهته.
الوجه الثاني نقله عن الحاكم تصحيح الحديث وعن الترمذي انه قال في كلتا الروايتين حسن صحيح وعن ابي داود انه سكت عليه مع قوله في الرسالة المشهورة عنه ان ما سكت عليه فهو صالح والصالح في اصطلاحهم يشمل الصحيح والحسن لصلاحيتهما للاحتجاج وقد يستعمل على قلة في الضعيف المنجبر لصلاحيته للاعتبار كاف في الحكم بصحة الحديث والاذعان له ومغن تتبع طرقه والبحث في رجاله لعظيم حفظ هؤلاء المنقول عنهم وجلالة قدرهم وكبير اتقانهم لكنه لعناده اعقب ذلك بالبحث والطعن في الاسناد لعدم اعتماده تصحيح هؤلاء واتهامه اياهم بالتقصير في حكمهم ولا خير في ذلك فلكل ان يستفرغ وسعه ويبذل جهده في تحرير الاسانيد جرحا وتعديلا ووصلا وارسالا واعتبارا للمتابعات والشواهد ثم يحكم بما اداه اليه اجتهاده وأوصله اليه نظره لكن على وصف ما قلناه وشرط ما وصفناه مما هو مقرر معلوم ومتبع من القواعد المحررة في علمي الحديث والاصول وأنت اذا احطت خبرا بمالهم في ذلك وجدت الطاعن يحكم على الاحاديث بما شا لا بما شاءت تلك القواعد والنصوص بانيا ذلك على مذهب اخترعه وشروط شرطها لا يكاد يتصور معها وجود حديث

↑صفحة ٢٧١↑

صحيح في الوجود ولا تصديق حافظ ناقد فيما يحكم به من تصحيح او تحسين كما يصرح به تضعيفه الاحاديث برجال مخرج عنهم في الصحيحين كالإمام سفيان الثوري لما نسب اليه من التدليس وكعاصم بن ابي النجود لما وصف به من سوء الحفظ وكفطر بن خليفة لما قيل فيه من التشيع مع انك اذا تتبعت تراجم الرجال لا تكاد تجد فيهم من لم يقل فيه ما قيل لا فرق بين رجال الصحيحين وغيرهم ولا بين التابعين وتابعيهم اهل القرون الفاضلة بشهادة الرسول عليه الصلاة والسلام ولا غيرهم فان مشينا على هذا المذهب المخترع في القرن الثامن من انا لا نحكم لحديث بالصحة الا اذا كان لم يتكلم في رجاله بكلمة وحكمنا على كل ما خالف هذا الشرط الفائق شرط البخاري وسلم بالضعف والرد رفضنا كل احاديث الاحكام اوجلها وأبطلنا معظم اصول الشريعة لفقدان الدليل عليها وقلة الصحيح المعتبر لسبوتها على مذهب الطاعن المعاند سبحانك هذا بهتان عظيم.
وكذلك يلزم من عدم قبول تصحيح الترمذي والحاكم وابي داود وتخطئتهم تخطئة جمهور الحفاظ وعلماء الحديث المعتمدين تصحيحهم العاملين على مقتضى حكمهم لاحاديث الاحكام فضلا عن غيرها من عصرهم الى عصر الطاعن ومن بعده ما دامت الطائفة القائمة على الحق ظاهرة لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي امر الله وخصوصا في مثل هذا الحديث الذي تواطأ على اقرارهم في تصحيحهم

↑صفحة ٢٧٢↑

له جميع الحفاظ كما يعلم ذلك من مراجعة دواوين السنة وكتب الحديث وكفى بهذا غلوا واسرفا وتنطعا في التعصب والعناد والمجازفة على ان في سكوت ابي داود تفصيلا لنقاد المتأخرين وانه يقبل منه ما لم ينص الحفاظ على ضعفه ولا جابر له من الخارج لكن هذا الحديث ليس كذلك بل خص بالتنصيص من المتأخرين ايضا على صحته على اننا لا نعتمد الآن تصحيح الحاكم والترمذي ولا سكوت ابي داود بل نرفض التقليد ونتبع طريقته في البحث والاجتهاد لا في التعصب والعناد ونعتمد القواعد المقررة والاصول الموصلة لذلك كما ستعرفه ان شاء الله تعالى ورسالة ابي داود التي اشار اليها كتبها لأهل مكة بين لهم فيها شرطه في سننه وعدد احاديثه وهي اربعة آلاف وثمانمائة وقال فيها في شأن سننه وهو كتاب لا يرد عليك سنة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإسناد صالح الا وهو فيه الا ان يكون كلام استخرج من الحديث ولا يكاد يكون هذا ولا اعلم شيئا بعد القرآن الزم للناس ان يعتمدوه من هذا الكتاب ولا يضر رجلا ان لا يكتب من بعد ما يكتب هذا الكتاب شيئا واذا نظر فيه وتدبره وتفهمه علم اذا مقداره الى آخرها وهي في نحو ورقة ذكرها بعض شراح ابي داود.
الوجه السادس جعله قول الامام احمد في عاصم كان رجلا صالحا قارئا للقرآن خيرا ثقة والاعمش احفظ منه وكان شعبة يختار الاعمش عليه جرحا في عاصم مستدلا به على ضعف حديثه

↑صفحة ٢٧٣↑

من عجيب الصنغ في الايهام وقلب الحقائق وذلك اخذا من قول احمد ان الاعمش احفظ من عاصم وقوله كان شعبة يختار الاعمش عليه ولو كان هذا جرحا كما فهمه الطاعن او اراد ان يحمل الناس عليه لكان امام الائمة مالك بن انس ضعيفا قول ابن مهدى كان يقدم سفيان الثوري في الحفظ على مالك وقول صالح بن محمد في سفيان الثوري ليس يقدمه عندي احد في الدنيا وهو احفظ واكثر حديثا من مالك.
ولكان امير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج ضعيفا ايضا لقول صالح بن محمد ان سفيان الثوري اكثر حديثا من شعبة وأحفظ ولتقديم يحيى بن معين سفيان بن عيينة على شعبة ايضا ولقول عبد الرحمن بن مهدي كنت اسمع الحديث من ابن عيينة فأقدم فأسمع شعبة يحدث به فلا اكتبه.
ولكان سفيان بن عيينة الامام ضعيفا ايضا لتقديمه مالكا على نفسه ولتقديم غيره مالكا في الحفظ عليه.
ولكان يحيى بن سعيد الحافظ ضعيفا لتقديمه سفيان الثوري في الحفظ على نفسه الى غير ذلك مما لا يحصى كثرة فانه لا تكاد تخلو ترجمة من تراجم الاقران من مثل هذه المفاضلة فلو كان كل من قيل فيه فلان احفظ منه ضعيفا مع التنصيص على انه ثقة كما قال احمد في عاصم لعدم الثقة من الدنيا او دل على ان الله لم يخلقه بعد.

↑صفحة ٢٧٤↑

الوجه الرابع قوله وقال العجلى كان يختلف عليه في زر وابي وائل يشير بذلك الى ضعف روايته عنهما فيه تدليس وتسوية للنقل على ما يقتضيه المراد ونص العجلى على حقيقته كما في كتب الجرح والتعديل كان عاصم صاحب سنة وكان ثقة رأسا في القراءة ويقال ان الاعمش قرأ عليه وهو حدث وكان يختلف عليه في زر وابي وائل انتهى فذكره الاختلاف عليه في زر وابي وائل بعد الاعتراف منه بأنه ثقة وهم لا يطلقون الثقة الا على من حاز وصف العدالة مع الاتقان دليل على قلة ذلك الاختلاف منه وخفته وعدم حطه من رتبته في الحفظ والاتقان لا على ما فهم الطاعن من إشارته الى ضعف روايته عنهما وحكمه عليه بالضعف لأجل ذلك وقد قال الامام عبد الله بن المبارك من ذا سلم من الوهم وقال ابن معين لست اعجب ممن يحدث فيخطئ انما اعجب ممن يحدث فيصيب قال الحافظ في اللسان وهذا مما ينبغي ان يتوقف فيه فاذا جرح الرجل بكونه اخطأ في حديث او وهم او تفرد لا يكون ذلك جرحا مستقرا ولا يرد به حديثه ومثل هذا اذا ضعف الرجل في سماعه من بعض شيوخه خاصة فلا ينبغي ان يرد حديثه كله بكونه ضعيفا في ذلك الشيخ قلت وعاصم ليس بضعيف في زر وابي وائل ولا في غيرهما وكيف يكون الحال على ما فهمه الطاعن من كلام العجلي وجل مروياته المخرجة في الصحاح والتي نص الحفاظ على صحتها من روايته عنهما ولو كان كذلك لترك مروياته عنهما هؤلاء الحفاظ الذين هم ابصر

↑صفحة ٢٧٥↑

بعلل الحديث من كل بصير وأعرف به من كل عارف.
الوجه الخامس قوله وقال يعقوب بن سفيان في حديثه اضطراب فيه تدليس ايضا ففي التهذيب وقال يعقوب بن سفيان في حديثه اضطراب وهو ثقة انتهى فانظر اسقاطه لقول يعقوب بن سفيان وهو ثقة المخالف لمراده المناقض لقصده ثم تعجب من صدقه وأمانته الوجه السادس قوله وقال عبد الرحمن بن ابي حاتم قلت لابي ان ابا زرعة يقول عاصم ثقة فقال ليس محله هذا وقد تكلم فيه ابن علية فقال كل من اسمه عاصم سيء الحفظ الى آخر ما تقدم ليس هو على حقيقته ايضا بل دخله الحذف والايصال ونصه كما في التهذيب وغيره من كتب الجرح والتعديل وقال ابن ابي حاتم عن ابيه صالح وهو اكثر حديثا من ابي قيس الاودي واشهر وأحب الي منه وهو اقل اختلافا عندي من عبد الملك بن عمير قال وسألت ابا زرعة عنه فقال ثقة قال وذكره ابي فقال محله عندي محل الصدق صالح وليس محله ان يقال هو ثقة ولم يكن بالحافظ وقد تكلم فيه ابن علية فقال الخ فتأمل هذا واعتبر به وقول ابي حاتم ليس محله ان يقال فيه ثقة مع ثنائه عليه وقوله محله محل الصدق صالح يدلك على انه ليس بجرح ولا شبيه به بل لأن قولهم ثقة اعلى مرتبة في اصطلاحهم من قولهم صدوق او محله الصدق لأن الثقة لا يطلقونها الا في حق من كان صدوقا متقنا كما قدمناه انفا مع ان الكل من مراتب التعديل وطبقات الصحيح وان اقتصر ابو حاتم

↑صفحة ٢٧٦↑

فيه على انه صدوق فقد قال غيره انه ثقة كما سيأتي.
الوجه السابع قوله وان احتج احد بأن الشيخين اخرجا له فنقول اخرجا له مقرونا بغيره لا اصلا والله اعلم فيه ان الشيخين ما خرجا في صحيحيهما لمن هذا وصفه الا لوجود المتابعات والشواهد الدالة على ثبوت اهل الحديث كما هو معلوم من اصطلاحهما معروف من تتبع صنيعهما وهذا الحديث كذلك ايضا فان له متابعات وشواهد يحكم معها بصحته على شرط البخاري ومسلم كأحاديث الصحيحين من هذا القبيل فان قال قائل متى كان الحديث صحيحا على شرطهما فلم لم يخرجاه قلنا انهما ما استوعبا الصحيح بل ولا عشره ولا الزما ذلك انفسهما قال الحافظ العراقي في الالفية:

ولم يعماه ولكن قلما * * * عند ابن الاخرم منه قد فاتهما
ورد لكن قال يحيى البر * * * لم يفت الخمسة الا النزر
وفيه ما فيه لقول الجعفي * * * احفظ منه عشر ألف الف

اشار الى ما نقل عن البخاري انه قال احفظ مائة الف حديث صحيح ومائتي الف حديث غير صحيح مع ان عدد الصحيح له لم يبلغ ثلاثة آلاف حديث على ما حرره الحافظ في هدي الساري ونظمه الحافظ السيوطي في ألفيته فقال:

وعدد الاول بالتحرير * * * ألفان والربع بلا تكرير
ومسلم اربعة آلاف * * * وفيهما التكرار جم وافي

واذا تقرر هذا فاعلم ان عاصما قال فيه ابن معين لا بأس به

↑صفحة ٢٧٧↑

وهي في اصطلاحه بمعنى قوله ثقة لأنه قال اذا قلت في احد لا بأس به فهو ثقة قال في الالفية:

وابن معين قال من اقول لا * * * بأس به فثقة ونقلا

بل نقل ابن شاهين في كتاب الثقات عن ابن معين انه قال في عاصم ثقة لا بأس به من نظراء الاعمش وقال النسائي ليس به بأس وقال كل من احمد وابى زرعة وابن سعد ويعقوب بن سفيان وابن حبان وابن شاهين ثقة وقال ابو حاتم محله الصدق فعلى رأي هؤلاء حديثه صحيح وعلى رأي الباقين كالنسائي والدارقطني والعجلى والعقيلي وامام نقاد المتأخرين الحافظ شمس الدين الذهبي حسن كما نقل تصريحه بذلك الطاعن فان مشينا على الأحوط واقتصرنا فيه على انه حسن الحديث حكمنا لحديثه هنا بالصحة لوجود المتابعة عليه والشواهد له وان خرقنا اجماع هؤلاء الحفاظ وفارقنا جماعتهم وقلنا انه ضعيف الحديث كما يقوله الطاعن حكمنا لحديثه هذا بالحسن لاعتبار المتابعات والشواهد التي يرتقى معها الضعيف الى الحسن لغيره كما هو مقرر في علوم الحديث.
اما المتابعة فاخرج الحاكم من طريق حبان بن مدير عن عمرو ابن قيس الملائي عن الحكم عن ابراهيم عن علقمة بن قيس وعبيدة السلماني عن عبد الله بن مسعود قال اتينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج الينا مستبشرا حتى مرت فتية فيهم الحسن والحسين فلما رآهم خثر وانهملت عيناه فقلنا له يا رسول الله ما نزل فقال

↑صفحة ٢٧٨↑

انا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وانه سيلقى اهل بيتي تطريدا وتشريدا حتى ترفع رايات سود من المشرق فيسألون الحق فلا يعطونه فيقاتلون فينصرون فمن ادركه منكم او من اعقابكم فليأت إمام اهل بيتي ولو حبوا على الثلج فإنها رايات هدى يدفعونها الى رجل من اهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم ابيه اسم ابي فيملؤها قسطا وعدلا كما ملئت جوزا وظلما رجاله ثقات الا حبان قال الازدي ليس بالقوي عندهم لكنه لم ينفرد به ايضا بل ورد من طريق آخر قال ابن ماجه في سننه حدثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا معاوية بن هشام ثنا علي بن عاصم عن يزيد بن ابي زياد عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله قال بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اذ اقبلت فتية من بني هاشم فلما رآهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اغرورقت عيناه وتغير لونه فقلت يا رسول الله ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه فقال انا اهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وان اهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريدا وتطريدا حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الحق فلا يعطونه فيقاتلون فينصرون فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يدفعوها الى رجل من اهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم ابيه اسم ابي فيملك الارض فيملؤها قسطا وعدلا كما ملؤوها جورا وظلما فمن ادرك ذلك منكم او من اعقابكم فليأتهم ولو حبوا على الثلج فإنها رايات هدى رجاله ثقات عثمان بن ابي

↑صفحة ٢٧٩↑

شيبة ثقة من رجال الصحيحين ومعاوية بن هشام ثقة روى له مسلم والاربعة ووثقه ابو داود وشيخه على بن عاصم من رجال مسلم ايضا وثقه احمد وابن معين والنسائي والعجلي وابن سعد وجماعة ويزيد بن ابي زياد القرشي الهاشمي مولاهم الكوفي روى له البخاري تغليا ومسلم والاربعة وفيه اختلاف فذكره عند طعن الطاعن في هذا الحديث به اما شيخه وشيخ شيخه فكلاهما ثقتان متفق على الرواية عنهما فالحديث على شرط مسلم وقد رواه عن يزيد بن ابي زياد ايضا ابو بكر بن عياش أخرجه أبو الشيخ في كتاب الفتن حدثنا عبدان ثنا ابن نمير حدثنا أبو بكر بن عياش عن يزيد بن أبي زياد به مختصرا فهذه متابعة قوية لعاصم.
وأما ما يشهد لحديثه من رواية غير ابن مسعود فكثير بل جميع احاديث المهدي شاهدة وأقربها الى لفظه حديث علي (عليه السلام) عند أحمد وأبي داود وحديث قرة عند البزار والطبراني وحديث أبي هريرة عند ابن ماجه والديلمي وحديث أبي سعيد عند أحمد وأبي يعلى وسمويه والضياء المقدسي وابن خزيمة وابن حبان وستأتي ألفاظها.
وقد قدمنا ان الحسن اذا ورد من غير طريقه ارتفع الى درجة الصحيح لغيره كما ان الضعيف الناشئ ضعفه من الوهم وسوء الحفظ يرتفع مع وجود المتابعات والشواهد الى درجة الحسن كذلك وفي

↑صفحة ٢٨٠↑

تدريب الراوي شرح تقريب النواوي اذا كان راوي الحديث متأخرا عن درجة الحافظ الضابط مع كونه مشهورا بالصدق والستر وقد علم ان من هذا حاله فحدثيه حسن ثم روى حديثه من غير وجه ولو وجها واحدا آخر كما يشير اليه تعليل ابن الصلاح قوي بالمتابعة وزال ما كنا نخشاه عليه من جهة سوء الحفظ وانجبر بها ذلك النقص اليسير وارتفع من درجة الحسن الى الصحيح قال ابن الصلاح مثاله حديث رواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبى هريرة ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «لو لا ان اشق على امتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» فمحمد بن عمرو بن علقمة من المشهورين بالصدق والصيانة لكنه لم يكن من اهل الاتقان حتى ضعفه بعضهم من جهة سوء حفظه ووثقه بعضهم لصدقه فحديثه من هذه الجهة حسن فلما انضم الى ذلك كونه روي من وجه آخر حكمنا بصحته ثم ذكر المتابعة لهذا الحديث وقال الحافظ العراقي في الألفية:

والحسن المعروف بالعدالة * * * والصدق راويه اذا اتى له
طرق اخرى نحوه من الطرق * * * صححته كمتن لو لا ان اشق
اذ تابعوا محمد بن عمرو * * * عليه فارتقى الصحيح يجري

ومن هذا تعلم وجه تصحيح الحفاظ لحديث عاصم ويتضح لك ذلك من حاله وتتحقق ببطلان طعن الطاعن وفساد هذيانه والله أعلم

↑صفحة ٢٨١↑

(فصل) في حديث (لو لم يبق من الدنيا الا يوم...)
قال الطاعن وخرج أبو داود في الباب عن علي رضي الله عنه من رواية فطر بن خليفة عن القاسم بن أبي بزة عن ابي الطفيل عن علي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «لو لم يبق من الدنيا الا يوم لبعث الله رجلا من اهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورا» وفطر بن خليفة وان وثقة احمد ويحيى القطان وابن معين والنسائي الا ان العجلى قال حسن الحديث وفيه تشيع قليل وقال ابن معين مرة ثقة شيعي وقال احمد بن عبد الله بن يونس كنا نمر على فطر وهو مطروح لا نكتب عنه وقال مرة كنت امر به وادعه مثل الكلب وقال الدارقطني لا يحتج به وقال ابو بكر ابن عياش ما تركت الرواية عنه الا لسوء مذهبه وقال الجوزجاني زائغ غير ثقة الى هنا كلامه.
اقول وهو عناد يحط من مروءة العلم ويخدش في عرض العلماء بل جرأة عظيمة واقدام قبيح على انكار ما ثبت من احاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بدون تثبت ولا انصاف فان الحديث صحيح على شرط البخاري ومسلم لا علة له ولا مطعن في رجاله فهذا فطر بن خليفة القرشي المخزومي مولاهم أبو بكر الحناط من رجال البخاري قال فيه الامام احمد ثقة صالح الحديث وقال يحيى ابن سعيد القطان ثقة وقال ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين ثقة

↑صفحة ٢٨٢↑

وقال العجلى كوفي ثقة حسن الحديث وكان فيه تشيع قليل وأسقط الطاعن قول العجلى ثقة كما تقدم في نقله لظنه ان حسن الحديث جرح لا تعديل وقال أبو حاتم صالح الحديث كان يحيى بن سعيد يرضاه ويحسن القول فيه ويحدث عنه وقال النسائي لا بأس به وقال في موضع آخر ثقة حافظ كيس وقال الساجي صدوق ثقة ليس بمتقن وقال أبو زرعة الدمشقي سمعت ابا نعيم يرفع من فطر ويوثقه ويذكر انه كان ثبتا في الحديث وذكره ابن حبان في الثقات وقال وقد قيل انه سمع من أبي الطفيل فان صح فهو من التابعين وقال ابن سعد ثقة فهذا غاية ما يطلب في الراوي من التوثيق ونهاية ما يقصد منه فان قلت فما تفعل بقول احمد بن عبد الله بن يونس كنت امر به فأدعه مثل الكلب وقول الجوزجاني انه زائغ غير ثقة قلت نرده ولا نقبله خصوصا مع كثرة هؤلاء المعدلين بل نرده ولو صدر من عدد كبير ممن هو مثلهما فقد قرر علماء الحديث نه مما ينبغي تفقده عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة الى الجارح والمجروح فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة فجرحه لذلك والى هذا اشار الرافعي بقوله وينبغي ان يكون المزكون برآء من الشحنة والعصبية في المذهب خوفا من ان يحملهم ذلك على جرح عدل او تزكية فاسق قال ابن السبكي في الطبقات وقد وقع هذا لكثير من الأئمة جرحوا بناء على معتقدهم وهم المخطئون والمجروح مصيب وقد اشار شيخ الاسلام تقي الدين بن دقيق العيد في كتابه الاقتراح

↑صفحة ٢٨٣↑

الى هذا ايضا وقال اعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس المحدثون والحكام قال ابن السبكي ومن امثلة هذا قول بعضهم في البخاري تركه ابو زرعة وأبو حاتم من اجل مسألة اللفظ فيا لله والمسلمين ايجوز لاحد ان يقول البخاري متروك وهو حامل لواء الصناعة ومقدم اهل السنة والجماعة ثم يالله والمسلمين ا يجعل ممادحه مذام فان الحق في مسألة اللفظ معه اذ لا يستريب عاقل من المخلوقين في ان تلفظه من افعاله الحادثة التي هي مخلوقة لله وانما انكرها الامام احمد رضي الله عنه لبشاعة لفظها ومن ذلك قول بعض المجسمة في ابي حاتم بن حبان لم يكن له كبير دين نحن اخرجناه من سجستان لأنه انكر الحد لله فيا ليت شعري من احق بالاخراج من يجعل ربه محدودا او من ينزهه عن الجسمية وامثلة هذا هذا تكثر وهذا شيخنا الذهبي رحمه الله من هذا القبيل له علم وديانة وعنده على اهل السنة تحمل مفرط فلا يجوز ان يعتمد عليه ونقلت من خط الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي رحمه الله ما نصه الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبي لا شك في دينه وورعه وتحريه فيما يقوله الناس ولكنه غلب عليه مذهب الاثبات ومنافرة التأويل والغفلة عن التنزيه حتى اثر ذلك في طبعه انحرافا شديدا عن اهل التنزيه وميلا قويا الى اهل الاثبات فاذا ترجم واحدا منهم يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن ويبالغ في وصفه ويتغافل عن غلطاته ويتأول له ما امكن واذا ذكر

↑صفحة ٢٨٤↑

احدا من الطرف الآخر كإمام الحرمين والغزالي ونحوهما لا يبالغ في وصفه ويكثر من قول من طعن فيه ويعيد ذلك ويبديه ويعتقده دينا وهو لا يشعر ويعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها واذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها وكذلك فعله في اهل عصرنا اذا لم يقدر على احد منهم بتصريح يقول في ترجمته والله يصلحه ونحو ذلك وسببه المخالفة في العقيدة انتهى.
ونحن قد تفقدنا حال الجوزجاني وابن يونس مع فطر بن خليفة في العقيدة فوجدنا مذهبهما فيهما مخالفا لمذهبه ومشربهما مباينا لمشربه تباينا يوجب عداوة كل طرف لمقابله وذلك ان فطر بن خليفة شيعي كما تقدم واحمد بن يونس كان عثمانيا والجوزجاني كان حروريا مفرطا والحرورية فرقة من الخوارج وهم اعداء علي (عليه السلام) قال ابن حبان في الثقات كان الجوزجاني حروري المذهب ولم يكن بداعية وكان صلبا في السنة حافظا للحديث الا انه من صلابته ربما كان يتعدى طوره وقال ابن عدي كان شديد الميل الى مذهب اهل دمشق في الميل على علي وقال السلمي عن الدارقطني بعد ان ذكر توثيقه لكن فيه انحراف عن علي اجتمع على بابه اصحاب الحديث فأخرجت جارية له فروجة لتذبحها فلم تجد من يذبحها فقال سبحان الله فروجة لا يوجد من يذبحها وعلي يذبح في ضحوة نيفا وعشرين الف مسلم انتهى وصرح الحافظ بعدم قبول قول الجوزجاني في مثل فطر بن خليفة فقال في لسان الميزان وممن

↑صفحة ٢٨٥↑

ينبغي ان يتوقف في قبول قوله في الجرح من كان بينه وبين من جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد فان الحاذق اذا تأمل ثلب ابى اسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب وذلك لشدة انحرافه في النصب وشهرة اهلها بالتشيع فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسان ولغة وعبارة طلقة حتى انه اخذ يلين مثل الاعمش وابي نعيم وعبيد الله بن موسى واساطين الحديث واركان الرواية فهذا اذا عارضه مثله او اكبر منه فوثق رجلا ضعفه قبل التوثيق انتهى واما قول ابي بكر بن عياش ما تركت الرواية عنه الا لسوء مذهبه فقد عرفت مما قدمناه ان مجرد سوء المذهب لا دخل له في جرح صاحبه وتضعيفه من جهة الرواية واما نقل الطاعن عن الدارقطني انه قال لا يحتج به فليس المنقول عن الدارقطني كذلك بل الذي في التهذيب عن الدارقطني انه قال لم يحتج به البخاري وغاية ما يفيد هذا ان الدارقطني يرى ان فطر بن خليفة ليس من شرط البخاري لأنه لم يرو له استقلالا بل روى له مقرونا ولا يلزم من عدم صلاحيته لشرط البخاري ان لا يكون ثقة من شرط مطلق الصحيح على ان الحافظ نقل في هدى الساري عن الدارقطني انه وثقه فقال فطر بن خليفة المخزومي مولاهم كوفي من صغار التابعين وثقه احمد والقطان والدارقطني وابن معين والعجلى والنسائي وآخرون وقال ابن سعد كان ثقة ان شاء الله ومن الناس من قد يستضعفه وقال الساجي كان ثقة وليس بمتقن فهذا قول الأئمة فيه واما الجوزجاني

↑صفحة ٢٨٦↑

فقال كان غير ثقة وقال ابن أبي خيثمة عن قطبة بن العلاء تركت حديثه لأنه روى أحاديث فيها ازراء على عثمان اهـ قال الحافظ فهذا ذنبه عند الجوزجاني وقد قال العجلى انه كان فيه تشيع قليل انتهى والحاصل ليس في الحديث ما ينزل رتبته الى درجة الحسن فضلا عن ان يحط قدره الى مرتبة الضعيف بل هو صحيح بلا شك ولا شبهة والله أعلم.
(فصل) في بيان أحاديث المهدى
ثم قال الطاعن وخرج ابو داود أيضا بسنده الى علي رضي الله عنه عن هارون بن المغيرة عن عمرو بن أبي قيس عن شعيب ابن أبي خالد عن أبي اسحاق السبيعي قال: قال علي ونظر الى ابنه الحسن ان ابني هذا لسيد كما سماه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق يملأ الارض عدلا وقال هارون حدثنا عمرو بن أبي قيس عن مطرف بن طريف عن أبي الحسن عن هلال بن عمرو سمعت عليا يقول قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «يخرج رجل من وراء النهر يقال له الحارث على مقدمته رجل يقال له منصور يوطئ أو يمكن لآل محمد كما مكنت قريش لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجب على كل مؤمن نصره او قال اجابته» سكت عليه ابو داود وقال في موضع آخر هارون هو من ولد

↑صفحة ٢٨٧↑

الشيعة وقال السليماني فيه نظر وقال أبو داود في عمرو بن أبي قيس لا بأس به في حديثه خطأ وقال الذهبي صدوق له أوهام وأما أبو إسحاق السبيعي وان خرج عنه في الصحيحين فقد ثبت أنه اختلط آخر عمره وروايته عن علي منقطعة وكذلك رواية أبي داود عن هارون بن المغيرة وأما السند الثاني فأبو الحسن فيه وهلال ابن عمرو مجهولان ولم يعرف أبو الحسن الا من رواية مطرف بن طريف عنه الى هنا كلامه.
أقول أما السند الاول فصحيح أو حسن بلا شك ولا ريبة وذلك ان أبا داود رواه عن هارون بن المغيرة الرازي قال فيه جرير لا أعلم لهذه البلدة أصح حديثا منه وقال النسائي كتب عنه يحيى بن معين وقال صدوق وقال الآجري عن أبي داود ليس به بأس هو من الشيعة وذكره ابن حبان في الثقات وقال ربما أخطأ وقال عبد الله بن احمد بن جنبل عن يحيى بن معين شيخ صدوق ثقة وشيخ هارون هو عمرو بن أبي قيس الرازي الازرق قال أبو داود لا بأس به في حديثه خطأ وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن شاهين في الثقات قال عثمان بن أبي شيبة لا بأس به كان يهم في الحديث قليلا وقال أبو بكر البزار في السنن مستقيم الحديث وقال عبد الصمد بن عبد العزيز المقري دخل الرازيون على الثوري فسألوه الحديث فقال أليس عندكم ذلك الازرق يعني عمرو بن أبي قيس وشيخه شعيب بن أبي خالد الرازي ذكره ابن حبان في

↑صفحة ٢٨٨↑

الثقات وقال النسائي ليس به بأس وقال العجلي رازي ثقة وقال الدوري عن ابن معين ليس به بأس وقال يحيى بن المغيرة سألت الثوري عن شيء فقال وشعيب بن خالد عندكم وشيخه أبو اسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي تابعي كبير من رجال الصحيحين وثقه احمد وابن معين والنسائي والعجلي وأبو حاتم وجماعة فرجال الاسناد كلهم عدول ثقات كما ترى الا ان ابا داود قال حدثت عن هارون بن المغيرة فهذا يفيد الانقطاع لكن ابا داود اجل قدرا من ان يروي الحديث عن ضعيف ثم يدلسه ويسكت عنه وقد اخبر انه لا يسكت الا عن صالح للاحتجاج وأما نقل الطاعن عنه انه قال في هارون هو من ولد الشيعة فقد علمت مما نقلناه عن أبي داود تدليس الطاعن فيه حيث سقط قوله لا بأس وأثبت قوله هو من ولد الشيعة ايهاما ان ذاك القول من أبي داود جرح لهارون وليس كذلك انما هو اخبار منه بحال عقيدته بعد ذكره توثيقه وأما قول السليماني فيه نظر فليس بمقبول منه مع عدم تفسيره وذكر سببه وقد اثنى عليه ووثقه المتقدمون المعاصرون له كيحيى بن معين وهو اشد الناس في الرجال واما قول أبي داود في عمرو بن أبي قيس لا بأس به في حديثه خطأ وقول الحافظ الذهبي صدوق له اوهام فليس هذا بجرح له ولا قدح فيه لأنه ما فحش خطؤه ولا كثر وهمه حتى ينحط عن درجة القبول فقد قدمنا عن عثمان بن ابي شيبة انه قال لا بأس به كان يهم في الحديث قليلا وهذا حال

↑صفحة ٢٨٩↑

الراوي المحكوم لحديثه بالحسن كما هو مقرر في علوم الحديث وأما قول الطاعن في أبي اسحاق السبيعي انه اختلط في آخر عمره فليس هو بضار الا بعد التحقق بسماع الحديث منه بعد الاختلاط او جهل حال الراوي له عنه هل هو ممن سمع منه قبل الاختلاط او بعده وشعيب بن خالد راوي حديث الباب عنه من قدماء اصحابه الراوين عنه قبل الاختلاط وأما قوله ان رواية ابي اسحاق عن علي منقطعة فقد قال بذلك بعض الحفاظ والصحيح سماعه منه واتصال روايته عنه فقد قال ابن سعد في الطبقات اخبرنا احمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا ابو اسحاق انه صلى خلف علي الجمعة قال فصلاها بالهاجرة بعد ما زالت الشمس وقال البغوي في الجعديات حدثنا محمود بن غيلان سمعت ابا احمد الزبيري قال لقي ابو اسحاق عليّا (عليه السلام) على ان الحديث وارد عن علي وغيره من طرق كثيرة دافعة لاحتمال خطأ من وصف في هذا الاسناد بالوهم والاختلاط على فرض وجوده وتسليم ثبوته اما صدره فقد اخرج احمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن ابي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «ان ابني هذا سيد ولعل الله ان يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» وأخرجه يحيى بن معين في فوائده والبيهقي في الدلائل والخطيب وابن عساكر في التاريخ من حديث جابر بن عبد الله واخرجه النسائي من حديث انس بن مالك وابن ابي شيبة عن الحسن مرسلا وله طرق

↑صفحة ٢٩٠↑

كثيرة وأما آخره فان الاخبار عن علي (عليه السلام) في هذا كثيرة جدا فيها المرفوع والموقوف وهي عند احمد وأبي داود وابن ماجه والحاكم ونعيم بن حماد وابن ابي شيبة وغيرهم وكلها شواهد قوية معضدة وبمجموعها يرتقي الحديث الى درجة الصحيح والله أعلم اما ما قاله في السند الثاني من ان ابا الحسن وهلال بن عمرو مجهولان فصحيح انهما غير معروفين بجرح ولا عدالة ولا وقع ذكرهما الا في سنن ابي داود الا ان الاصل في الراوي العدالة حتى يتبين الجرح ولم يرد فيهما جرح اصلا على اننا في غنى بأحاديث المهدي عن اثبات حديث الحارث.
(فصل) المهدي من ولد الفاطمة
ثم قال الطاعن وخرج ابو داود ايضا عن ام سلمة وكذا ابن ماجه والحاكم في المستدرك من طريق علي بن نفيل عن سعيد بن المسيب عن ام سلمة قالت سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول «المهدي من ولد فاطمة» ولفظ الحاكم سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يذكر المهدي فقال «نعم هو من بني فاطمة».
ولم يتكلم عليه بصحيح ولا غيره وقد ضعفه ابو جعفر العقيلي وقال لا يتابع علي بن نفيل عليه ولا يعرف الا به الى هنا كلامه.
اقول الحديث اخرجه ابو داود عن احمد بن ابراهيم حدثني عبد الله بن جعفر الرقي حدثنا ابو المليح الحسن بن عمر عن زياد بن

↑صفحة ٢٩١↑

بيان عن علي بن نفيل عن سعيد بن المسيب عن ام سلمة قالت سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول «المهدي من عترتي من ولد فاطمة» قال عبد الله بن جعفر وسمعت ابا المليح يثني على علي بن نفيل ويذكر منه صلاحا واخرجه ابن ماجه عن ابى بكر ابن ابي شيبة حدثنا احمد بن عبد الملك حدثنا ابو المليح الرقي عن زياد بن بيان عن علي بن نفيل عن سعيد بن المسيب قال كنا عند ام سلمة فتذاكرنا المهدي فقالت سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول المهدي من ولد فاطمة وأخرجه الحاكم عن ابي النضر الفقيه حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا عبد الله بن صالح انبأنا ابو المليح الرقي حدثني زياد بن بيان وذكر من فضله قال سمعت علي بن نفيل يقول سمعت سعيد بن المسيب يقول سمعت ام سلمة تقول سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يذكر المهدي فقال «نعم هو حق وهو من بني فاطمة» ثم قال الحاكم وحدثناه أبو احمد بكر بن محمد الصيرفي بمرو حدثنا ابو الاحوص محمد بن الهيثم القاضي حدثني عمرو بن خالد الحراني حدثنا ابو المليح عن زياد بن بيان عن علي بن نفيل عن سعيد بن المسيب عن ام سلمة قالت ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المهدي فقال «هو من ولد فاطمة» سكت عليه الحاكم والذهبي في التلخيص وهو حديث صحيح او حسن كما حكم به الحفاظ اذ رجاله كلهم عدول اثبات اما سعيد ابن المسيب فلا تسأل عن جلالته واتقانه فانه رأس علماء التابعين

↑صفحة ٢٩٢↑

وفردهم وفاضلهم وفقيههم من رجال الجميع وأما علي بن نفيل فقد اثنى عليه ابو المليح وقال ابو حاتم لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات ولم يتكلم فيه احد بجرح وأما زياد بن بيان فقال البخاري قال عبد الغفار حدثنا ابو المليح انه سمع زياد بن بيان وذكر من فضله وقال النسائي ليس به بأس وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان شيخا صالحا وأما ابو المليح الرقي فقال احمد بن حنبل ثقة ضابط الحديث صدوق وقال ابو حاتم يكتب حديثه وقال الدارقطني ثقة وكذا قال عثمان الدارمي عن ابن معين وذكره ابن حبان في الثقات وأما من دونه فلا نطيل بذكر توثيقهم لكثرتهم وشهرة الحديث عن ابي المليح فقد رواه عنه عبد الله بن جعفر الرقي واحمد بن عبد الملك وعبد الله بن صالح وعمرو بن خالد الحراني فحال سند الحديث على ما ترى من الجودة والصحة فالحديث صحيح خصوصا مع انضمام الشواهد اليه فأما قول الطاعن وقد ضعفه ابو جعفر العقيلي وقال لا يتابع علي بن نفيل عليه ولا يعرف الا به فغير مسلم ولا مقبول اذ ابو جعفر لم يصرح بضعف الحديث وانما قال في كتابه علي بن نفيل حراني هو جد النفيلي عن سعيد ابن المسيب في المهدي لا يتابع عليه ولا يعرف الا به وساق هذا الحديث ثم قال وفي المهدي احاديث جياد من غير هذا الوجه بخلاف هذا اللفظ فلفظ رجل من اهل بيته على الجملة مجملا هذا كلام العقيلي فغاية ما فيه ان العقيلي يرى علي بن نفيل انفرد بذكر

↑صفحة ٢٩٣↑

كون المهدي من ولد فاطمة من تجويده لأحاديث المهدي وليس انفراد الراوي وشذوذه اذا كان ثقة من اسباب ضعفه ولا ضعف ما يرويه على ان علي بن نفيل ما انفرد ولا شذ بهذا الحديث بل هو موافق لما رواه الكثير من كون المهدي من اهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انما فيه تخصيص لعموم تلك الآثار ودلالته على ان اطلاق اهل البيت عموم اريد به خصوص ذرية فاطمة (عليها السلام).
ثم ما ادعاه العقيلي من انفراد علي بن نفيل وكونه لم يتابع عليه مردود بما تقدم عن علي (عليه السلام) انه قال ان ابني هذا سيد وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم الحديث وبما اخرجه البزار والطبراني من حديث قرة بن اياس المزني ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «لتملأن الارض جورا وظلما فاذا ملئت جورا وظلما يبعث الله رجلا مني» الحديث وبما اخرجه الروياني في المسند له من حديث حذيفة ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «المهدي رجل من ولدي وجهه كالكوكب الدري» وبما اخرجه الطبراني من حديث ابي امامة ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «ستكون بينكم وبين الروم اربع هدن» الحديث وفيه قيل من امام الناس يومئذ قال من ولدي ابن اربعين الحديث وبما اخرجه ابن عساكر من حديث الحسين بن علي (عليهما السلام) ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لفاطمة ابشري بالمهدي

↑صفحة ٢٩٤↑

منك وبما اخرجه نعيم بن حماد عن علي (عليه السلام) قال المهدي رجل منا من ولد فاطمة فبان بهذه الطرق المتعددة عدم انفراد علي ابن نفيل وانه توبع عليه بمتابعات كثيرة وقد صرح جمع من الحفاظ كالدارقطني والسيوطي وغيرهما بضعف الاحاديث الوارد فيها ان المهدي من ولد العباس وانها غريبة واهية شاذة وحملها بعضهم على الخليفة العباس والله اعلم.
(فصل) في حديث (يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من المدينة...)
ثم قال الطاعن وخرج ابو داود ايضا عن ام سلمة من رواية صالح ابي الخليل عن صاحب له عن ام سلمة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من المدينة هاربا الى مكة فيأتيه ناس من اهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام فيبعث الله يبعث من الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة فاذا رأى الناس ذلك اتاه ابدال اهل الشام وعصائب اهل العراق فيبايعونه ثم ينشأ رجل من قريش اخواله كلب فيبعث اليهم بعثا فيظهرون عليهم وذلك بعث كلب والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب فيقسم المال ويعمل في الناس بسنة نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم) ويلقي الاسلام بجرانه الى الارض فيلبث سبع سنين» وقال بعضهم تسع سنين ثم رواه قتادة عن ابي الخليل عن عبد الله بن الحارث عن ام سلمة فتبين بذلك المبهم

↑صفحة ٢٩٥↑

في الاسناد الاول ورجاله رجال الصحيحين لا مطعن فيهم ولا مغمز وقد يقال انه من رواية قتادة عن ابي الخليل وقتادة مدلس وقد عنعنه والمدلس لا يقبل من حديثه الا ما صرح فيه بالسماع مع ان الحديث ليس فيه تصريح بذكر المهدي نعم ذكره ابو داود في ابوابه الى هنا كلامه.
وأقول قد اغنانا بإقراره ان رجال الحديث رجال الصحيحين وانه لا مطعن فيهم ولا مغمز عن ايراد اقوال اهل النقد فيهم وعن تقرير ما يثبت صحة الحديث اذ اعلى الصحيح ما رواه الشيخان او كان على شرطهما وان لم يخرجاه كهذا الحديث قال الحافظ العراقي في الالفية:

وأرفع الصحيح مرويهما * * * ثم البخاري فمسلم فما
شرطهما حوى فشرط الجعفي * * * فمسلم فشرط غير يكفي

ومن المعلوم ان شرطهما رجالهما الذين اخرجا عنهم في صحيحيهما فمتى وجد حديث خارج الصحيحين رجال اسناده رجالهما كان على شرطهما او مخرج عنهم في احدهما دون الآخر كان على شرطه فان قلت ان من رجالهما من فيه ضعف او هو ضعيف وانما اخرجا عنه لوجود المتابعة له او ثبوت اصل حديثه من غير طريقه وانما اختارا الرواية عنه لنكتة كالعلو ونحوه وحينئذ فلا يحكم لكل حديث رجال اسناده رجالهما بأنه على شرطهما كما صرح به ابن الصلاح في شرح مسلم ونقله عنه النواوي في مقدمة المنهاج قلت نعم الامر على ما ذكر ابن الصلاح وانه

↑صفحة ٢٩٦↑

لا ينبغي ان يحكم لحديث بما ذكر الا بعد مراعاة ما رعاه واعتبره الشيخان من وجود المتابعات والشواهد وثبوت اصل الحديث لكن ليس ذلك على اطلاقه ايضا بل هو خاص بما اذا كان في رجال اسناد حديث ممن خرجا عنهم من قد تكلم فيه والا فالحكم على اطلاقه بعد المعرفة التامة بأحوال الرجال والعناية الكاملة والتبصر الكافي بالعلل الظاهرة والخفية ورجال اسناد هذا الحديث لم نجد فيهم من تكلم فيه ولا له علة في روايته وعلى فرض وجود شيء من ذلك فأصوله ثابتة وشواهده حاضرة قوية ترفعه الى اعلى منازل الصحيح وأرفعها كما هو حال احاديث الصحيحين المتكلم في بعض رجالها المخرجة مع ذلك لوجود الشواهد وثبوت الاصل فأما قول الطاعن بعد ان اعياه طلب المطاعن وقد يقال انه من رواية قتادة عن ابي الخليل وقتادة مدلس عنعنه والمدلس لا يقبل من حديثه الا ما صرح فيه بالسماع فتعسف بعيد وتكلف لا يخفى اذ سماع قتادة من ابي الخليل ثابت معروف لا شك فيه والحفاظ الذين صححوا هذا الحديث كالحاكم وابى داود والذهبي والمنذري وابن القيم وغيرهم اعرف من الطاعن بالتدليس والمدلسين اذ هم ارباب الفن ورؤساؤه وحفاظه ونقاده العارفون بعلله ما ظهر منها وما بطن فلو لم يصح عندهم سماع قتادة لهذا الخبر من ابى الخليل او اعتماد اصل سماعه منه لما صححوه خصوصا الذهبي والمنذري وابن القيم فانهم من اشد الناس تحريا في التصحيح لا يعرف لهم فيه

↑صفحة ٢٩٧↑

تساهل وكم من حديث في الصحيحين من رواية المدلسين كقتادة والاعمش والسفيانين وامثالهم ولم يوجد لهم تصريح بالسماع في الكثير منها داخل الصحيحين وخارجهما وما ذاك الا اكتفاء بثبوت اهل السماع واشتهاره عن مشايخهم خصوصا وقتادة لم يحصل منه الا تدليس يسير والمشايخ الذين دلس عنهم ولم يسمع منهم معروفون منبه عليهم في كتب الجرح والتعديل ليس منهم ابو الخليل شيخه في هذا الحديث فبطل ما ادعاه وثبت ما اعترف به من صحة الحديث والله الموفق.
(فصل) في حديث (المهدي مني اجلى الجبهة اقنى الانف...)
ثم قال الطاعن وخرج ابو داود ايضا وتابعه الحاكم عن ابي سعيد الخدري من طريق عمران القطان عن قتادة عن ابى نضرة عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «المهدي مني اجلى الجبهة اقنى الانف يملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا يملك سبع سنين» هذا لفظ ابي داود وسكت عليه ولفظ الحاكم «المهدي منا اهل البيت اشم الانف اقنى اجلى يملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما يعيش هكذا وبسط يساره واصبعين من يمينه السبابة والابهام وعقد ثلاثة» قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه اهـ وعمران القطان مختلف في الاحتجاج به انما اخرج له البخاري استشهادا لا

↑صفحة ٢٩٨↑

اصلا وكان يحيى القطان لا يحدث عنه وقال يحيى بن معين ليس بالقوي وقال مرة ليس بشيء وقال احمد بن حنبل ارجو ان يكون صالح الحديث وقال يزيد بن زريع كان حروريا وكان يرى السيف على اهل القبلة وقال النسائي ضعيف وقال ابو عبيد الآجري سألت ابا داود عنه فقال من اصحاب الحسن وما سمعت الا خيرا وسمعته مرة اخرى ذكره فقال ضعيف افتى في ايام ابراهيم بن عبد الله بن حسن بفتوى شديدة فيها سفك الدماء الى هنا كلامه.

اقول الحديث اخرجه ابو داود عن سهل بن تمام بن بزيع حدثنا عمران القطان عن قتادة عن ابي نضرة به واخرجه الحاكم عن ابي العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن اسحاق الصغاني حدثنا عمرو بن عاصم الكلابي حدثنا عمران القطان ورجاله كلهم ثقات ابو نضرة روى له مسلم ووثقه احمد ويحيى بن معين وأبو زرعة والنسائي وابن سعد وذكره ابن حبان وابن شاهين في الثقات وقتادة الراوي عنه هو ابن دعامة السدوسي الحافظ ثقة مشهور من رجال الصحيحين وعمران القطان قال المنذري في تهذيب السنن استشهد به البخاري ووثقه عفان بن مسلم وأحسن عليه الثناء يحيى ابن سعيد القطان انتهى قلت وقال الساجي صدوق وثقه عفان وقال الترمذي قال البخاري صدوق يهم وذكره ابن شاهين في الثقات وقال كان من اخصّ الناس بقتادة وقال العجلي بصري ثقة وقال الحاكم صدوق وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن عدي هو ممن

↑صفحة ٢٩٩↑

يكتب حديثه والراوي عنه عند ابي داود وهو شيخه سهل بن تمام ذكره ابن حبان في الثقات وقال ربما يخطئ وقد تابعه عمرو بن عاصم الكلابي كما عند الحاكم وهو ثقة من رجال الصحيحين فهذا السند على انفراده على شرط الصحيح في رأي جماعة كابن حبان والحاكم ولهذا صححه كما نقله عنه الطاعن فكيف وقد توبع عمران القطان عليه وورد الحديث عن ابي سعيد الخدري من عدة طرق كما نص على ذلك الترمذي والطبراني وغيرهما وأشرنا اليها سابقا وسنذكرها ايضا ان شاء الله تعالى فيها يرتقي الحديث الى درجة الصحيح المتفق عليه بلا شك ولا شبهة اماما اتى به الطاعن في عمران القطان فليس فيه ما يحكم لأجله برد حديثه اذ غايته قول يحيى بن معين ليس بالقوي وقول النسائي ضعيف وقول ابي داود وقد اثنى عليه مرة اخرى ضعيف افتى في ايام ابراهيم بن عبد الله بن حسن بفتوى شديدة فيها سفك الدماء وقد بين بهذا سبب ضعفه ولا يخفى ان الفتوى بما ذكر لا دخل معها في تضعيفه من جهة الرواية بل من جهة الورع والتحري في الفتوى او من جهة الاجتهاد لخطيئة في فتواه ويدلك على ان المراد ما قلناه اخراج ابي داود الحديث من طريقه ثم سكوته عليه مع ما ورد عن الاكثرين من التوثيق له والثناء عليه وأما قوله وكان يحيى القطان لا يحدث عنه فهو على ما فيه من التدليس ليس بجرح لعمران فقد قال عمرو بن علي كان ابن مهدي يحدث عنه وكان يحيى لا يحدث

↑صفحة ٣٠٠↑

عنه وقد ذكره يحيى يوما فأحسن الثناء عليه فما اسقطه الطاعن المدلس من ذكر ثناء يحيى عليه يرشدك الى انه لم يترك الرواية عنه لضعفه عنده انما كان ذلك لأمر آخر غير الضعف وقد كان جماعة لا يحدثون عن اقرانهم او عمن هو اصغر منهم وقال عبد الرحمن بن مهدي كنت اسمع الحديث من ابن عيينة فأخرج فأسمع شعبة يحدث به فلا اكتبه عنه فما فهم احد من هذا ان ابن مهدي ترك الرواية عن شعبة لضعفه وهو امير المؤمنين في الحديث في عصره ولا زال احد جرحا له واما قوله وقال احمد بن حنبل ارجو ان يكون صالح الحديث فهذا تعديل لعمران وتوثيق له من احمد لا جرح فيه قال الذهبي في خطبة الميزان ولم اتعرض لذكر من قيل فيه محله الصدق ولا من قيل فيه لا بأس به ولا من قيل هو صالح الحديث او يكتب حديثه او هو شيخ فان هذا وشبهه يدل على عدم الضعف المطلق ثم ذكر الفاظ التعديل ومراتبها الى ان قال ثم محله الصدق وجيد الحديث وصالح الحديث وشيخ وسط وقال الحافظ العراقي في الالفية:

وصالح الحديث او مقاربه * * * جيده حسنه مقاربه
صويلح الحديث ان شاء الله * * * ارجو بأن ليس به بأس عراه

واما قوله وقال يزيد بن زريع كان حروريا وكان يرى السيف على اهل القبلة فهذا من الابتداع والمخالفة في الاعتقاد وقد قدمنا تفصيل القول في ذلك وانه لا ترد رواية المبتدع الا بشروط

↑صفحة ٣٠١↑

هي مفقودة هنا على ان الحافظ انتقد قول يزيد بن زريع هذا في نسبة عمران القطان الى مذهب الحرورية فقال في قوله حروريا نظر ولعله شبهه بهم وقد ذكر ابو يعلى في مسنده القصة عن ابي المنهال في ترجمة قتادة عن انس ولفظه قال يزيد كان ابراهيم يعني ابن عبد الله بن حسن لما خرج يطلب الخلافة استفتاه عن شيء فأفتاه بفتيا قتل بها رجال مع ابراهيم انتهى قال الحافظ وكان ابراهيم ومحمد خرجا على المنصور في طلب الخلافة لأن المنصور كان في زمن بني امية بايع محمدا بالخلافة فلما زالت دولة بني امية وولي المنصور الخلافة تطلب محمدا ففر فألح في طلبه فظهر بالمدينة وبايعه قوم وأرسل اخاه ابراهيم الى البصرة فملكها وبايعه قوم فقدر انهما قتلا وقتل معهما جماعة كثيرة وليس هؤلاء من الحرورية في شيء انتهى والله الموفق.
(فصل) في بيان حديث (ان في امتى المهدي يخرج يعيش خمسا او سبعا او تسعا...)
ثم قال الطاعن وخرج الترمذي وابن ماجه والحاكم عن ابي سعيد الخدري من طريق زيد العمي عن ابي الصديق الناجي عن ابي سعيد الخدري قال خشينا ان يكون بعد نبينا حدث فسألنا نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «ان في امتى المهدي يخرج يعيش خمسا او سبعا او تسعا زيد الشاك قال قلنا وما ذلك قال: قال فيجيء اليه الرجل فيقول يا مهدي اعطني قال فيجيء له

↑صفحة ٣٠٢↑

في ثوبه ما استطاع ان يحمله» هذا لفظ الترمذي وقال حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن ابي سعيد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولفظ ابن ماجه والحاكم «يكون في امتي المهدي ان قصر فسبع والا فتسع فتنعم امتي فيه نعمة لم ينعموا بمثلها قط تؤتي الارض اكلها ولا تدخر منه شيء والمال يومئذ كدوس فيقوم الرجل فيقول يا مهدى اعطني فيقول خذ» انتهى وزيد العمي واه قال فيه الدارقطني واحمد بن حنبل ويحيى بن معين انه صالح وزاده احمد انه فوق يزيد الرقاشي وفضل بن عيسى الا انه قال فيه ابو حاتم ضعيف يكتب حديثه ولا يحتج به وقال يحيى بن معين في رواية اخرى لا شيء وقال مرة يكتب حديثه وهو ضعيف وقال الجوزجاني متماسك وقال أبو زرعة ليس بالقوي واهي الحديث ضعيف وقال ابو حاتم ليس بذلك وقد حدث عنه شعبة وقال النسائي ضعيف وقال ابن عدي عامة ما يرويه ومن يروي عنهم ضعفاء على ان شعبة قد روى عنه ولعل شعبة لم يرو عن اضعف منه الى هنا كلامه.
اقول الحديث اخرجه الترمذي عن محمد بن بشار حدثنا محمد ابن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت زيدا العمي قال سمعت ابا الصديق الناجي يحدث عن ابى سعيد الخدري به وأخرجه ابن ماجه عن نصر بن علي الجهضمي حدثنا محمد بن مروان العقيلي حدثنا عمارة بن ابي حفص عن زيد العمي به واخرجه الحاكم عن عبد الله بن سعد الحافظ

↑صفحة ٣٠٣↑

حدثنا ابراهيم بن ابي طالب وابراهيم بن اسحاق وجعفر بن محمد الحافظ قالوا حدثنا نصر بن علي الجهضمي به وأخرجه احمد في المسند عن محمد بن جعفر حدثنا شعبة به واخرجه ايضا عن ابن نمير حدثنا موسى يعني الجهني قال سمعت زيدا العمي به وهو كما قال الترمذي حديث حسن لأن رجاله كلهم ثقات الا زيدا العمي فانه ضعيف على رأي من نقل جرحهم الطاعن لكنه لم ينفرد به بل تابعه عليه عن ابي الصديق الناجي جماعة كمعاوية بن قرة وعوف ابن ابي جميلة وسليمان بن عبيد ومطر بن طهمان الوراق وابي هارون العبدي ومطرف بن طريف والعلاء بن بشير المزني وعبد الحميد ابن واصل ومتابعتهم في مسند احمد ومستدرك الحاكم الا الاخير فانها عند الطبراني في الاوسط فهؤلاء ثمانية متابعون لزيد العمي في رواية الحديث عن ابي الصديق الناجي فأنى يضر الحديث ضعف زيد العمي مع كثرة هذه المتابعات ومتابعة ثقة واحد تكفي وتدفع عن الحديث ما يتطرق اليه من جهة الراوي الضعيف والله الموفق لا رب غيره.
(فصل) ما المراد من لفظ الخليفة في بعض الأحاديث؟
ثم قال الطاعن وقد يقال ان حديث الترمذي وقع تفسيرا لما رواه مسلم من حديث جابر قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم «يكون في آخر امتي خليفة يحثي المال حثيا ولا يعده عدا» ومن حديث

↑صفحة ٣٠٤↑

ابي سعيد قال «من خلفائكم خليفة يحثي المال حثيا» ومن طريق آخر عنهما قال «يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده» اهـ واحاديث مسلم لم يقع فيها ذكر المهدي ولا دليل يقوم على انه المراد منها الى هنا كلامه.
اقول هذا من مبهم المتون وطريق معرفته معلومة مقررة في علوم الحديث والتفسير وهي ورود ذلك المبهم مسمى في بعض الروايات خصوصا اذا اتحد المخرج كما هنا فان ابا سعيد الخدري الراوي لحديث الخليفة المبهم هو الراوي للحديث المعين له بأنه المهدي والصفة الموصوف بها الخليفة المبهم هي عينها الموصوف بها المعين وهي كون كل منهما يحثو المال ولا يعده وانه في آخر الزمان وانه من خلفاء هذه الامة فلا يستريب عاقل مع هذا الوضوح التام والدلالة الظاهرة في ان المراد بالخليفة المبهم في حديث ابي سعيد هو المهدي المعين في حديثه ايضا ولو كان كما يقوله الطاعن من انه لا دلالة تقوم على ان المهدي هو المراد من احاديث مسلم مع اتحادها في المخرج والصفات لما صح تفسير مبهم في القرآن والحديث اصلا اذ اعلى ما يفسر المبهم فيهما وروده معينا في آية او رواية اخرى كتفسير المنعم عليهم في قوله تعالى ﴿صِرَاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين لقوله تعالى ﴿ومَنْ يُطِعِ الله واَلرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ واَلصِّدِّيقِينَ واَلشُّهَدَاءِ واَلصَّالِحِينَ﴾ وكتفسير المغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى لقوله تعالى في اليهود

↑صفحة ٣٠٥↑

﴿مَنْ لَعَنَهُ الله وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ وقوله تعالى في النصارى ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وأَضَلُّوا كَثِيراً وضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ اَلسَّبِيلِ﴾ ولورود ذلك عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - ايضا وكتفسير الرجل في قوله عليه الصلاة والسلام «اني لا علم آخر اهل النار خروجا منها وآخر اهل الجنة دخولا الجنة رجل يخرج من النار حبوا» الحديث متفق عليه من رواية ابن مسعود بأنه جهينة لما رواه الخطيب في رواة مالك من حديث ابن عمر مرفوعا آخر من يدخل الجنة رجل يقال له جهينة فيقول اهل الجنة عند جهينة الخبر اليقين الى غير ذلك مما هو مدون في الكتب الخاصة بهذا النوع بل لا طريق لمعرفته الا ما ذكر لأنه علم مرجعه النقل المحض ولا مجال للرأي فيه فيلزم من انكار هذا التعيين الظاهر انكار جميع تفاسير المبهمات الواردة في الآثار وابطال هذا المعنى من اصله وهو مفارقة لجماعة المسلمين واتباع لغير سبيلهم فان قلت فما سبب وروده مبهما في هذه الاحاديث المخرجة في صحيح مسلم قلت قد ذكروا لورود اصل المبهم في الكتاب والسنة اسبابا منها وهو الاليق بالمقام الاستغناء ببيانه في الاحاديث الاخرى او كونه مشهورا لا يحتاج الى تعيين والمهدي قد صرح بذكره في كثير من الاحاديث حتى كان خبره مشهورا بين الصحابة وأمره معلوما بينهم كما يدل عليه نقله الينا بطريق التواتر فاكتفى بذلك عن التصريح باسمه في الاحاديث الاخرى منها احاديث مسلم ومنها ما سيأتي لأجل هذا المعنى والله اعلم.

↑صفحة ٣٠٦↑

(فصل) في حديث (لا تقوم الساعة حتى تملأ الارض جورا وعدوانا)
ثم قال ورواه الحاكم ايضا من طريق عوف الاعرابي عن ابي الصديق الناجي عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «لا تقوم الساعة حتى تملأ الارض جورا وعدوانا ثم يخرج من اهل بيتي رجل يملؤها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا» وقال فيه الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه الى هنا كلامه.
اقول غفل الطاعن او تغافل عن طعن هذا الحديث لعجزه عن ذلك وعدم وجدانه مسلكا من هاتيك المسالك والحديث اخرجه الحاكم عن عوف بن ابي جميلة المذكور من طريقين الطريق الاول عن ابي بكر بن اسحاق وعلي بن حمشاد العدل وابي بكر محمد بن احمد بن بالويه كلهم عن بشر بن موسى الاسدي عن هارون بن خليفة عن عوف بن ابي جميلة الاعرابي به الطريق الثاني عن الحسين بن علي الدارمي عن محمد بن اسحاق الامام عن محمد بن يسار عن ابن ابي عدي عن عوف الاعرابي به واخرجه الامام احمد عن محمد بن جعفر حدثنا عوف الاعرابي به وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وأقره الحافظ الذهبي في المستدرك وفي هذا كفاية للمنصف لكن لا بد من ذكر توثيق رجال الحديث ليحصل اليقين لكل جهول او معاند فأبو الصديق روى له الشيخان

↑صفحة ٣٠٧↑

والاربعة وقال ابن معين وابو زرعة والنسائي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وعوف بن ابي جميلة بفتح الجيم الاعرابي من رجالهم ايضا قال احمد ثقة صالح الحديث وقال ابن معين ثقة وقال ابو حاتم صدوق صالح وقال النسائي ثقة ثبت وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وقال مروان بن معاوية كان يسمى الصدوق وقال محمد بن عبد الله الانصاري كان يقال عوف الصدوق وذكره ابن حبان في الثقات وأما الراوي عنه وهو محمد بن جعفر المعروف بغندر فثقة مشهور اكثر الشيخان في صحيحيهما من اخراج احاديثه وكان وكيع يسميه الصحيح الكتاب وبه انتهى سند الحديث عند احمد والتعريف برجاله يغني عن التعريف ببقية رجال الحاكم فلا نطيل به فالحديث على شرط الشيخين كما قال الحاكم فالطاعن ملزم به.
(فصل) في حديث (يخرج في آخر امتي المهدي يسقيه الله الغيث...)
ثم قال ورواه الحاكم ايضا من طريق سليمان بن عبيد عن ابي الصديق الناجي عن ابي سعيد الخدري عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «يخرج في آخر امتي المهدي يسقيه الله الغيث وتخرج الارض نباتها ويعطي المال صحاحا وتكثر الماشية وتعظم الامة يعيش سبعا او ثمانيا يعنى حججا» وقال فيه حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه مع ان سليمان لم يخرج له احد من الستة لكن ذكره ابن حبان في الثقات ولم يرد ان احدا تكلم فيه.

↑صفحة ٣٠٨↑

اقول الحديث اخرجه الحاكم عن ابي العباس محمد بن احمد المحبوبي حدثنا سعيد بن مسعود حدثنا النضر بن شميل حدثنا سليمان ابن عبيد حدثنا ابو الصديق الناجي به وقال انه صحيح الاسناد وأقره الحافظ الذهبي في التلخيص وهو كذلك في رأي الطاعن ايضا اذ لو وجد له ادنى علة ولو موهومة لتسارع الى التشويش بها لكنه عجز عن ذلك لصحة الحديث وسلامته من العلل اما اعتراضه على الحاكم بقوله مع ان سليمان بن عبيد لم يخرج له احد من الستة فغفلة منه او تغافل لأن الحاكم لم يدع ان الحديث على شرط الشيخين ولم يقل ذلك لا منطوقا ولا مفهوما حتى يتعقب بأن سليمان ليس من شرطهما انما قال صحيح الاسناد وهو كما قال لان رجاله كلهم ثقات على شرط الصحيح والمعلوم من صنيع الحاكم وسائر الحفاظ ان الحديث اذا كان رجاله رجال الشيخين او احدهما قالوا فيه على شرطهما وشرط احدهما واذا كان رجاله ثقات لكن غير مخرج عنهم او عن بعضهم في الصحيحين قالوا فيه صحيح الاسناد كما عبر الحاكم عن هذا الحديث فأي تعقب عليه لو لا الولوع بالمغالطات وفي مسند احمد وسنن ابي داود بسند حسن من حديث معاوية قال نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الاغلوطات فالحديث صحيح في رأي الطاعن وهو ملزم به ايضا كالذي قبله.

↑صفحة ٣٠٩↑

(فصل) في حديث (تملأ الارض جورا وظلما فيخرج رجل من عترتي...)
ثم قال ورواه الحاكم ايضا من طريق اسد بن موسى عن حماد ابن سلمة عن مطر الوراق وابي هارون العبدي عن ابي الصديق الناجي عن ابى سعيد ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «تملأ الارض جورا وظلما فيخرج رجل من عترتي فيملك سبعا وتسعا فيملأ الارض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما» وقال الحاكم فيه هذا حديث صحيح على شرط مسلم وانما جعله على شرط مسلم لأنه اخرجه عن حماد بن سلمة وعن شيخه مطر الوراق وأما شيخه الآخر وهو ابو هارون العبدي فلم يخرج له وهو ضعيف جدا متهم بالكذب ولا حاجة الى بسط اقوال الائمة في تضعيفه واما الراوي له عن حماد بن سلمة وهو اسد بن موسى ويلقب اسد السنة وان قال البخاري مشهور الحديث واستشهد به في صحيحه واحتج به ابو داود والنسائي الا انه قال مرة اخرى ثقة ولو لم يصنف كان خيرا له وقال فيه محمد بن حزم منكر الحديث الى هنا كلامه.
اقول الحديث اخرجه الحاكم عن ابي العباس محمد بن يعقوب حدثنا حجاج بن الربيع بن سليمان حدثنا اسد بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن مطر وابي هارون عن ابي الصديق الناجي به ثم قال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه اهـ وهو كما

↑صفحة ٣١٠↑

قال ان رجاله ثقات ولا علة له اما ابو الصديق الناجي فثقة تقدم ذكره قريبا وأما مطر بن طهمان فقال اسحاق بن منصور عن يحيى ابن معين صالح وقال ابو زرعة صالح روايته عن انس مرسلة وقال ابن ابي حاتم سألت ابي عنه فقال هو صالح الحديث احب إلي من سليمان بن موسى وكان اكبر اصحاب قتادة وذكره البخاري في باب التجارة في البحر من الجامع فقال وقال خليفة لا بأس به وقال ابو بكر البزار ليس به بأس وقال الساجي صدوق يهم وذكره ابن حبان في الثقات وقال ربما اخطأ وكان معجبا برأيه ووصفه بعضهم بسوء الحفظ وأما ابو هارون العبدي فلا حاجة بنا الى توثيقه اذ الاسناد في غنى بمطر بن طهمان عنه وهو انما ذكر متابعا لا اصلا محتجا به وأما حماد بن سلمة فثقة مشهور من اجلة المسلمين خرج له البخاري تعليقا ومسلم استشهادا فلا نكثر بذكر ما للنقاد فيه من ألفاظ التعديل والتوثيق وأما اسد بن موسى فقال النسائي وابن يونس وابن قانع والعجلي والبزار ثقة زاد العجلي صاحب سنة وذكره ابن حبان في الثقات وقال الخليلي مصري صالح فهذا حال السند وما قيل في رجاله اما قول الطاعن في اسد بن موسى الا ان النسائي قال فيه مرة اخرى ثقة ولو لم يصنف كان خيرا له فهو من باب تعقيب المدح بما يشبه الذم كقول الشاعر:

ولا عيب فيهم غير ان ضيوفهم * * * تلام بنسيان الاحبة والأهل

↑صفحة ٣١١↑

وان صدر منه هذا عن غير قصد اذ يعلم كل انسان ان قول النسائي لو لم يصنف كان خيرا له لا مسيس له بالجرح اصلا ولا ذكره احد في ألفاظ التجريح ولا في طبقاته خصوصا بعد قوله ثقة وأما قول ابن حزم انه منكر الحديث فمردود عليه بل جل كلامه في الرجال غير مقبول لشذوذه وانفراده عن الجماعة بأشياء متعددة وافراطه في الحمل على العلماء وشدة جرأته حتى قيل من الحزم عدم تقليد ابن حزم على ان كلامه يحتمل ان يكون مراده به انه وقعت المناكير في احاديثه وليست منه لتساهله في الرواية وتحمله عن الثقة وغيره فقد قال ابن يونس حدث بأحاديث منكرة وهو ثقة فأحسب الآفة من غيره وهذا والله اعلم مراد النسائي بقوله لو لم يصنف كان خيرا له اي لأنه جمع في كتابه المناكير وهذا لا حرج فيه لأن المحدث اذا روى الحديث وساقه باسناده اعتقد انه بريء من عهدته لكن عبر ابن حزم مرة اخرى عنه بالضعف ورده الذهبي في الميزان ولفظه اسد بن موسى بن ابراهيم بن الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان الاموي الحافظ الملقب بأسد السنة مولده عند انقضاء دولة اهل بيته سمع من ابن ابي ذئب وشعبة والمسعودي وطبقتهم وصنف وجمع قال النسائي ثقة لو لم يصنف كان خيرا له وقال البخاري هو مشهور الحديث واستشهد به البخاري واحتج به النسائي وأبو داود وما علمت به بأسا الا ان ابن حزم ذكره في كتاب الصيد فقال منكر الحديث قلت مات سنة اثنتي عشرة ومايتين وقال

↑صفحة ٣١٢↑

ابن حزم ايضا ضعيف وهو تضعيف مردود قال ابو سعيد بن يونس في الغرباء حدث بأحاديث منكرة وهو ثقة قال فأحسب الآفة من غيره الى هنا كلام الذهبي وكفى برده تضعيف ابن حزم لأسد بن موسى حجة وابطالا لمستند الطاعن اذ عليه المعول في هذا الباب والى حكمه في النقد المثاب سلمنا ان اسد بن موسى ضعيف كما شذ به ابن حزم فما يفعل الطاعن بمتابعة الحسن بن موسى له فقد رواه ايضا عن حماد بن سلمة قال الامام احمد في المسند قال الحسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن ابي هارون العبدي ومطر الوراق عن ابي الصديق الناجي عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «تملأ الارض جورا وظلما فيخرج رجل من عترتي يملك سبعا او تسعا فيملأ الارض قسطا وعدلا» اكان ينكر هذه المتابعة الثابتة ام كان يطعن في صاحبها الحسن بن موسى لا لا بل لا سبيل له الى شيء من ذلك فان الحسن بن موسى من رجال الصحيحين وغيرهما لا مطعن فيه ولا مغمز قال الحافظ في تهذيب التهذيب الحسن بن موسى الاشيب ابو علي البغدادي قاضي طبرستان والموصل وحمص روى عن الحمادين وشعبة وجرير بن حازم وزهير بن معاوية ولهيعة وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار وحريز بن عثمان والليث وابي هلال الراسبي وابن ابي ذئب وورقاء وغيرهم وعنه احمد بن حنبل وحجاج بن الشاعر واحمد بن منيع وابو خيثمة وابنا ابي شيبة والفضل بن سهل

↑صفحة ٣١٣↑

الاعرج وهارون الحمال ويعقوب بن شيبة وعباس الدوري والحارث بن ابي اسامة واسحاق الحربي وبشر بن موسى وجماعة قال احمد هو من مثبتتي اهل بغداد وقال ابن معين ثقة وكذا قال ابو حاتم عن ابن المديني وقال ابو حاتم وصالح بن محمد وابن خراش صدوق زاد ابو حاتم ثم مات بالري وحضرت جنازته وقال عبد الله بن المديني كان ببغداد كأنه ضعفه وقال الخطيب لا اعلم علة تضعيفه اياه وقال الاعين مات سنة ثمان وقال ابن سعد والمطين سنة تسع وقال حنبل سنة تسع او عشر ومايتين قلت بقية كلام ابن سعد وكان ثقة صدوقا في الحديث وذكره ابن حبان في الثقات وذكره مسلم في رجال شعبة الثقات في الطبقة الثالثة انتهى وقال الصفي الخزرجي في الخلاصة الحسن بن موسى البغدادي ابو علي الاشيب قاضي حمص وطبرستان والموصل عن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسان وشعبة وحريز بن عثمان وعنه احمد وابو خيثمة وابو بكر بن ابي شيبة وعبد بن حميد وخلق وثقه ابن معين وابن المديني وابن خراش والجميع وقال ابن عمار الحافظ كان في الموصل ببيعة للنصارى فجمعوا له مائة الف على ان يحكم بأن تبنى فردها وحكم بأن لا تبنى مات بالري سنة تسع ومايتين له في البخاري فرد حديث انتهى فان قيل لم يصرح الامام احمد بسماعه الحديث من الحسن بن موسى بل عبر بقال وهى محتملة للسماع وعدمه فربما يكون منقطعا بل ذهب قوم الى انها لا تفيد السماع قلنا الصحيح الذي قطع به

↑صفحة ٣١٤↑

الجمهور ان قال حكمها حكم العنعنة في افادة الاتصال والسماع اذا ثبت اللقي وعدم التدليس ففي التقريب مع شرحه التدريب ما نصه اذا قال الراوي كما لك مثلا حدثنا الزهري ان ابن المسيب حدثه بكذا او قال الزهري قال ابن المسيب كذا فقال احمد بن حنبل وجماعة لا تلتحق ان وشبهها بعن في الاتصال بل يكون منقطعا حتى يتبين السماع وقال الجمهور فيما حكاه عنهم ابن عبد البر منهم مالك ان كعن في الاتصال ومطلقه محمول على السماع بالشرط المتقدم من اللقاء والبراءة من التدليس قال ابن عبد البر ولا اعتبار بالحروف والالفاظ وانما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة قال ولا معنى لاشتراط تبيين االسماع لاجماعهم على ان الاسناد المتصل بالصحابي سواء اتى فيه بعن او بأن او بقال او بسمعت فكله متصل وقال الحافظ العراقي في الألفية:

قلت الصواب ان من ادرك ما * * * رواه بالشرط الذي تقدما
يحكم له بالوصل كيف ما روى * * * بقال او عن او بأن فسوى
وما حكى عن احمد بن حنبل * * * وقول يعقوب علي ذا نزل

فبان بما قررناه ان الحديث صحيح كما قال الحاكم والله أعلم.
(فصل) في حديث (يخرج رجل من امتي يقول بسنتي...)
ثم قال الطاعن ورواه الطبراني في معجمه الاوسط من رواية ابي الواصل عبد الحميد بن واصل عن ابي الصديق الناجي عن

↑صفحة ٣١٥↑

الحسن بن يزيد السعدي احد بني بهدله عن ابي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول «يخرج رجل من امتي يقول بسنتي ينزل الله (عزَّ وجلَّ) له القطر من السماء وتخرج الارض بركتها وتملأ الارض منه قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما يعمل هذه في الامة سبع سنين ويترك بيت المقدس» وقال الطبراني فيه رواه جماعة عن ابي الصديق ولم يدخل احد منهم بينه وبين ابي سعيد احدا الا ابا الواصل فانه رواه عن الحسن بن يزيد عن ابي سعيد انتهى وهذا الحسن بن يزيد ذكره ابن ابي حاتم ولم يعرفه بأكثر مما في هذا الاسناد من روايته عن ابي سعيد ورواية ابي الصديق عنه وقال الذهبي في الميزان انه مجهول لكن ذكره ابن حبان في الثقات وأما الواصل الذي رواه عن ابي الصديق فلم يخرج له احد من الستة وذكره ابن حبان في الثقات في الطبقة الثانية وقال فيه يروي عن انس وروى عنه شعبة وعتاب بن بشير الى هنا كلام الطاعن.
اقول الحديث رجاله ثقات كما ذكره عن ابن حبان ولم نجد فيهم لأحد طعنا ولا لسند الحديث علة اما ذكر الحسن بن يزيد السعدي وزيادته فيه بين ابي الصديق وابي سعيد فذاك من المزيد في متصل الاسانيد وهو مقبول من الثقة فان كان ابو الواصل قد حفظ فهو دليل على ان ابا الصديق سمع الحديث من الحسن بن يزيد عن ابي سعيد فحدث به كذلك ثم ارتقى فسمعه من ابي سعيد

↑صفحة ٣١٦↑

وذلك يستدعي ضرورة ان تكون رجال اوائل اسانيدهم غير رجال الستة مع وجود الصحيح والحسن فيها بكثرة فبطلان هذا الايهام لا يختلف فيه اثنان والله الموفق.
(فصل) في حديث (انا اهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وان اهل بيتي...)
ثم قال وخرّج ابن ماجه في كتاب السنن عن عبد الله بن مسعود من طريق يزيد بن ابي زياد عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله قال بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اذ أقبل فتية من بني هاشم فلما رآهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذرفت عيناه وتغير لونه قال فقلت ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه فقال «انا اهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وان اهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريدا وتطريدا حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الخير فلا يعطونه فيقاتلون وينصرون فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يدفعوها الى رجل من اهل بيتي فيملؤها قسطا كما ملؤها جورا فمن ادرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبوا على الثلج» انتهى وهذا الحديث يعرف عند المحدثين بحديث الرايات ويزيد بن ابي زياد راويه قال فيه شعبة كان رفاعا يعني يرفع الاحاديث التي لا تعرف مرفوعة وقال محمد بن الفضيل كان من كبار ائمة الشيعة وقال احمد بن حنبل لم يكن بالحافظ وقال مرة حديثه ليس بذاك وقال يحيي بن معين

↑صفحة ٣١٧↑

فحدث به عنه من غير واسطة كما في باقي الروايات ولا تقولن متى صحت رواية ابى الصديق دلت على انقطاع ما عداها من الطرق المتقدمة لأنا نقول قد وجدنا ابا الصديق صرح بسماعه الحديث من ابي سعيد الخدري قال الامام احمد في المسند حدثنا ابن نمير حدثنا موسى يعني الجهني قال سمعت زيدا العمي قال حدثنا ابو الصديق الناجي قال سمعت ابا سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «يكون في امتي المهدي فان طال عمره او قصر عمره عاش سبع سنين او ثمان سنين او تسع سنين يملأ الارض قسطا وعدلا تخرج الارض نباتها وتمطر السماء قطرها» اهـ وان كان ابو الواصل قد وهم فيه فالعمل على رواية الاكثرين ولا يؤثر وهمه في الحديث شيئا فانه مستفيض مشهور عن ابي سعيد فلم يصنع الطاعن شيئا الا اعترافه بأن رجال السند ثقات وانه لم يجد في احد منهم طعنا ولا للحديث علة نعم اراد ان يوهم غير العارف بقوله في ابي الواصل انه لم يخرج له احد من الستة ان كل من لم يخرجوا له ضعيف وهذا مما لم يقل به احد من الناس زيادة على ان الواقع يكذبه فقد الف الحافظ كتابه تعجيل المنفعة في زوائد رجال الأئمة الاربعة في مجلد كبير اكثر من فيه ثقات وليس فيه ممن خرج لهم في الستة احد فكيف برجال في المعاجم والسنن والصحاح والمسانيد والاجزاء والفوائد مما يزيد عدده على ثلاثة آلاف جزء وجل اصحابها متأخرو الطبقة عن اصحاب الكتب الستة

↑صفحة ٣١٨↑

ضعيف وقال العجلى جائز الحديث وكان بأخره يلقن وقال ابو زرعة لين يكتب حديثة ولا يحتج به وقال ابو حاتم ليس بالقوي وقال الجرزجاني سمعتهم يضعون حديثه وقال ابو داود لا اعلم احدا ترك حديثه وغيره احب الي منه وقال ابن عدي هو من شيعة اهل الكوفة ومع ضعفه يكتب حديثه وروى له مسلم لكن مقرونا بغيره وبالجملة فالأكثرون على ضعفه وقد صرح الائمة بتضعيف هذا الحديث الذي رواه عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله وهو حديث الرايات وقال وكيع بن الجراح فيه ليس بشيء وكذلك قال احمد بن حنبل وقال ابو قدامة سمعت ابا اسامة يقول في حديث يزيد عن ابراهيم في الرايات لو حلف عندي خمسين يمينا قسامة ما صدقته اهذا مذهب ابراهيم اهذا مذهب علقمة اهذا مذهب عبد الله وأورد العقيلي هذا الحديث في الضعفاء وقال الذهبي ليس بصحيح الى هنا كلامه.
اقول الحديث رغما على ما اكثر به من التقولات وأطال حديث حسن اخرجه ابن ماجه عن عثمان بن ابي شيبة ثنا معاوية بن هشام حدثنا علي بن صالح عن يزيد بن ابي زياد

↑صفحة ٣١٩↑

به واخرجه ابو الشيخ في الفتن حدثنا عبدان حدثنا ابن نمير حدثنا ابو بكر بن عياش عن يزيد بن ابي زياد به وأخرجه العقلي حدثنا محمد بن اسماعيل حدثنا عمر بن عون انبأنا خالد بن عبد الله عن يزيد بن ابي زياد به واخرجه ابن عدي من رواية ابن فضيل عن يزيد بن ابي زياد به ورجاله ثقات الا يزيد بن ابي زياد ففيه خلاف وقد حسن له الترمذي وروى له مسلم وقال في مقدمة صحيحه بعد ذكر القسم الاول من اقسام الصحيح فاذا نحن تقصينا اخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها اخبارا يقع في اسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والاتقان كالصنف المقدم قبلهم على انهم وان كانوا فيما وصفنا دونهم فان اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم كعطاء ابن السائب ويزيد بن ابي زياد وليث بن ابي سليم وأضرابهم من حمال الآثار ونقال الاخبار الى آخر كلامه وقال ابن سيد الناس في الكلام على شرط ابي داود وقوله انه اخرج في كتابه الصحيح وما يشبهه ويقاربه يعني في الصحة هو نحو قول مسلم ليس كل الصحيح نجده عند مالك وشعبة وسفيان فنحتاج ان تنزل الى مثل حديث ليث بن ابي سليم وعطاء بن السائب ويزيد بن ابي زياد لما يشمل الكل من اسم العدالة والصدق وان تفاوتوا في الحفظ والاتقان انتهى والى هذا اشار الحافظ العراقي في الالفية بقوله:

وللإمام اليعمريّ انما * * * قول ابي داود يحكي مسلما
حيث يقول جملة الصحيح لا * * * توجد عند مالك والنبلا
فاحتاج ان ينزل في الاسناد * * * الى يزيد بن ابي زياد
ونحوه وان يكن ذو السبق * * * قد فاقه ادرك باسم الصدق

فهذا مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح المتفق على امامته وجلالته وقبول تصحيحه قد حكم ليزيد بن ابي زياد بصحة حديثه

↑صفحة ٣٢٠↑

ووصفه بالصدق والستر وقد قال فيه ايضا يعقوب بن سفيان وان كانوا يتكلمون فيه لتغيره فهو على العدالة والثقة وان لم يكن مثل الحكم ومنصور وذكره ابن شاهين في الثقات ونقل عن احمد بن صالح المصري انه قال يزيد بن ابي زياد ثقة ولا يعجبني قول من تكلم فيه وقال ابن سعد كان ثقة في نفسه الا انه اختلط في آخر عمره فجاء بالعجائب وقال ابن حبان كان صدوقا الا انه لما كبر ساء حفظه وتغير وكان يلقن فوقعت المناكير في حديثه فسماع من سمع منه قبل التغير صحيح انتهى فالحديث على انفراده على شرط الحسن لذاته فكيف وقد ورد من عدة طرق شاهدة له ومقوية لأمره ورافعة لشأنه فقد اخرجه الحاكم في المستدرك من طريق حبان بن مدير عن عمرو بن قيس الملائي عن الحكم عن ابراهيم عن علقمة بن قيس وعبيدة السلماني عن عبد الله بن مسعود به نحوه وقد تقدم لفظه وله طريق ثالث من حديث ثوبان اخرجه احمد في المسند قال حدثنا وكيع عن شريك عن علي بن زيد عن ابي قلابة عن ثوبان قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «اذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان فأتوها فان فيها خليفة الله المهدي» واخرجه الحاكم في المستدرك قال اخبرنا الحسين بن يعقوب بن يوسف العدل حدثنا يحيى بن ابي طالب حدثنا عبد الوهاب بن عطاء انبأنا خالد الحذاء عن ابي قلابة عن ابي اسماء عن ثوبان قال اذا رأيتم الرايات السود خرجت

↑صفحة ٣٢١↑

من قبل خراسان الحديث وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه انتهى وأخرجه ابن ماجه قال حدثنا محمد بن يحيى واحمد بن يوسف قالا حدثنا عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن ابي قلابة عن ابي اسماء الرحبي عن ثوبان قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة ثم لا يصير الى واحد منهم ثم يطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلا لم يقتله قوم فاذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوا على الثلج فانه خليفة الله المهدي» وقال الحافظ البوصيري في زوائده اسناده صحيح انتهى قلت وذلك واضح من رجاله وقد اخرجه ايضا الحاكم وله طريق خامس اخرجه احمد والترمذي والبيهقي في الدلائل كلهم من رواية رشدين بن سعد عن يونس عن ابن شهاب الزهري عن قبيصة بن ذؤيب عن ابي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «يخرج من خراسان رايات سود فلا يردها شيء حتى تنصب بايلياء» وقال ابن عساكر قرأت بخط ابي الحسين الرازي اخبرني ابو الجهم احمد بن الحسين بن طلاب حدثنا محمد بن الوزير حدثنا عثمان بن اسماعيل حدثنا الوليد بن مسلم قال ذكرت لعبد الرحمن بن آدم امر الرايات السود فقال سمعت عبد الرحمن بن الغاز بن ربيعة الجرشي يقول انه سمع عمرو بن مرة الجهني صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول «لتخرجن من خراسان راية سوداء حتى تربط خيولها بهذا الزيتون الذي بين

↑صفحة ٣٢٢↑

بيت لهيا وحرستا» قال عبد الرحمن بن الغاز فقلنا له والله ما نرى بين هاتين القريتين زيتونة قائمة فقال عمرو بن مرة انه ستصيب فيما بينهما حتى يجيء اهل تلك الراية فتنزل تحتها وتربط بها خيولها قال عبد الرحمن بن آدم فحدثت بهذا الحديث ابا الاغبش عبد الرحمن بن سلمان السلمي فقال انما يربطها اصحاب الراية السوداء الثانية التي تخرج على الراية الاولى منهم فاذا نزلت تحت الزيتون خرج عليهم خارج فيهزمهم قال ابن عساكر وقرأت بخط ابي الحسين محمد بن عبد الله بن الجنيد الرازي ايضا اخبرني ابو علي بكر بن عبد الله بن حبيب الأهوازي حدثنا ابراهيم بن ناصح السامري حدثنا نعيم بن حماد حدثنا الوليد بن مسلم عن روح ابي العيزار حدثني عبد الرحمن بن آدم الاودي سمعت عبد الرحمن بن الغاز بن ربيعة الجرشي فذكر معناه قال ابن عساكر وقرأت بخط ابي الحسين الرازي حدثني محمد بن احمد بن غزوان حدثنا احمد بن المعلى حدثنا عثمان ابن اسماعيل الهذلي حدثنا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن آدم قال سمعت عبد الرحمن بن الغاز بن ربيعة الجرشي به واخرجه ابو الشيخ في كتاب الفتن قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس ابن ايوب حدثنا علي بن احمد الرقي حدثنا عمر بن راشد حدثنا عبد الله بن محمد بن ابيه عن جده عن ابي هريرة قال بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الى عمه العباس والى علي بن ابي طالب فأتياه في منزل ام سلمة فقال فيما قال «فاذا غيرت

↑صفحة ٣٢٣↑

سنتي يخرج ناصرهم من ارض يقال لها خراسان برايات سود فلا يلقاهم احد الا هزموه وغلبوا على ما في ايديهم حتى تقرب راياتهم بيت المقدس» وأخرج نعيم بن حماد في كتاب الفتن عن علي (عليه السلام) قال اذا خرجت خيل السفياني الى الكوفة بعث في طلب اهل خراسان ويخرج اهل خراسان في طلب المهدي فيلتقي هو والهاشمي برايات سود على مقدمته شعيب بن صالح فيلتقي هو والسفياني بباب اصطخر فتكون بينهم ملحمة عظيمة فتظهر الرايات السود وتهرب خيل السفياني فعند ذلك يتمنى الناس المهدي ويطلبونه الى غير ذلك فانظر الى حديث الرايات كم له من طريق بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف ثم تأمل هل يمكن ان يحكم عليه بأنه لا اصل له مع وجود هذه الطرق الكثيرة المتباينة المخارج وقد اورد ابن الجوزي حديث الرايات في موضوعاته من طريق الازدي ثنا العباس بن ابراهيم حدثنا محمد بن ثواب حدثنا حنان بن سدير عن عمرو بن قيس عن الحسن عن عبيدة عن عبد الله به مرفوعا بلفظ اذا اقبلت الرايات السود الحديث وقال لا اصل له عمرو لا شيء ولم يسمع من الحسن ولا سمع الحسن من عبيدة انتهى وتعقبوه على ذلك قال الحافظ في القول المسدد لم يصب ابن الجوزي فقد اخرجه احمد في مسنده من حديث ثوبان وفي طريقه علي بن زيد بن جذعان وهو ضعيف لكنه لم يتعمد الكذب فيحكم على حديثه بالوضع اذا انفرد فكيف وقد توبع من طريق آخر رجاله غير رجال الأول

↑صفحة ٣٢٤↑

وله طريق آخر اخرجه احمد والبيهقي في الدلائل من حديث ابي هريرة وفي سنده رشدين بن سعد وهو ضعيف انتهى قلت على ان علي بن زيد قد قال فيه يعقوب بن سفيان ثقة وقال الترمذي صدوق وحسن له غير حديث واخرج له مسلم في صحيحه مقرونا وأثنى عليه جماعة ورشدين بن سعد قال فيه ابن يونس كان رجلا صالحا لا يشك في صلاحه وفضله فأدركته غفلة الصالحين فخلط في الحديث اساء فيه يحيى بن معين القول ولم يكن النسائي يرضاه ولا يخرج له وقال ابن شاهين في الثقات ثنا البغوي عن الامام احمد قال ارجو انه صالح الحديث ووثقه الهيثم بن خارجة وقال احمد ليس به بأس في احاديث الرقاق والله اعلم.
(فصل) في حديث (لمهدي منا اهل البيت يصلحه الله في ليلة)
ثم قال الطاعن وخرج ابن ماجه عن علي رضي الله عنه من رواية ياسين العجلى عن ابراهيم بن محمد بن الحنفية عن ابيه عن جده قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «المهدي منا اهل البيت يصلحه الله في ليلة» وياسين العجلى وان قال فيه ابن معين ليس به بأس فقد قال البخاري فيه نظر وهذه اللفظة في اصطلاحه قوية في التضعيف جدا وأورد له ابن عدي في الكامل والذهبي في الميزان هذا الحديث على وجه الاستنكار له وقال هو معروف به الى هنا كلامه.

↑صفحة ٣٢٥↑

اقول الحديث اخرجه احمد في مسنده حدثنا فضل بن دكين ثنا ياسين العجلى وأخرجه ابن ماجه عن عثمان بن ابي شيبة حدثنا ابو داود الحفري حدثنا ياسين به وهو حديث حسن كما قال الحافظ وقد وهم بعضهم فظن ان ياسين هو ابن معاذ الزيات لأنه وقع في سنن ابن ماجه غير منسوب فحكم بضعفه بناء على وهمه وظنه ان ياسين هو الزيات لا العجلي اما العجلى فثقة قال الدوري عن ابن معين ليس به بأس وقال اسحاق بن منصور عن ابن معين صالح وقال ابو زرعة لا بأس به وقال يحيى بن يمان رأيت سفيان الثوري يسأل ياسين عن هذا الحديث قال الحافظ ووقع في سنن ابن ماجه عن ياسين غير منسوب فظنه بعض الحفاظ المتأخرين ياسين بن معاذ الزيات فضعف الحديث به فلم يصنع شيئا انتهى وقول الطاعن اورد له ابن عدي في الكامل والذهبي في الميزان هذا الحديث على وجه الاستنكار له باطل لا اصل له فانهما ما اورداه مستنكرين له كما زعمه بل لأنه حديثه الوحيد الذي لم يرو غيره ولذا قال ابن عدي يعرف بهذا الحديث وقال البخاري لا اعلم له حديثا غير هذا وعادة الحفاظ اذا ترجموا لراو مقل ذكروا له ما رواه في ترجمته لأنه به يعرف وقد ذكر له هذا الحديث في ترجمته ايضا الحافظ في تهذيب التهذيب وانتقد تضعيف من ضعفه فهل يقال انه اورده مستنكرا له كلا وليس في الحديث ما ينكروا له شواهد كثيرة تقدم بعضها ويأتي وقال البوصيري في زوائد ابن

↑صفحة ٣٢٦↑

ماجه قال البخاري في التاريخ عقب حديث ابراهيم بن محمد بن الحنفية هذا في اسناده نظر وذكره ابن حبان في الثقات ووثق العجلي العجلى وقال البخاري لا اعلم له حديثا غير هذا وقال ابن معين وابو زرعة لا بأس به وابو داود الحفري اسمه عمر بن سعد احتج به مسلم في صحيحه وباقيهم ثقات انتهي.
(فصل) في حديث (بل منا بنا يختم الله كما بنا فتح...)
ثم قال الطاعن وخرج الطبراني في المعجم الاوسط عن علي رضي الله عنه انه قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) امنا المهدي ام من غيرنا يا رسول الله فقال «بل منا بنا يختم الله كما بنا فتح وبنا يستنقذون من الشرك وبنا يؤلف الله بين قلوبهم بعد عداوة بينة كما بنا ألف بين قلوبهم بعد عداوة الشرك قال علي ا مؤمنون ام كافرون قال مفتون وكافر» انتهى وفيه عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف معروف الحال وفيه عمرو بن جابر الحضرمي وهو اضعف منه قال احمد بن حنبل روى عن جابر مناكير وبلغني انه كان يكذب وقال النسائي ليس بثقة وقال ابن لهيعة كان شيخا احمق ضعيف العقل وكان يقول علي في السحاب وكان يجلس معنا فيبصر سحابة فيقول هذا علي قد مر في السحاب الى هنا كلامه.
اقول الحديث رواه الطبراني من طريق عبد الله بن لهيعة عن عمرو بن جابر الحضرمي عن عمر بن علي بن ابي طالب عن ابيه

↑صفحة ٣٢٧↑

به اما ابن لهيعة فسيأتي الكلام عليه قريبا وأما الحضرمي فقد روى له الترمذي وابن ماجه وقال ابو حاتم صالح الحديث عنده نحو عشرين حديثا وذكره البرقي فيمن ضعف بسبب التشيع وهو ثقة وذكره يعقوب بن سفيان في جملة الثقات وصحح الترمذي حديثه والله اعلم.
(فصل) في حديث (تكون في اخر الزمان فتنة يحصل الناس فيها كما يحصل الذهب في المعدن...)
ثم قال الطاعن وخرج الطبراني عن علي رضي الله تعالى عنه ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «تكون في اخر الزمان فتنة يحصل الناس فيها كما يحصل الذهب في المعدن فلا تسبوا اهل الشام ولكن سبوا شرارهم فان فيهم الابدال يوشك ان يرسل على اهل الشام صيب من السماء فيصرف جماعتهم حتى لو قاتلهم الثعالب غلبتهم فعند ذلك يخرج خارج من اهل بيتي في ثلاث رايات المكثر يقول هم خمسة عشر ألفا والمقلل يقول هم اثنا عشر ألفا وامارتهم امت امت يلقون سبع رايات تحت كل راية منها رجل يطلب الملك فيقتلهم الله جميعا ويرد الله الى المسلمين ألفتهم ونعمتهم وقاصيتهم ودانيتهم» اهـ وفيه عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف معروف الحال الى هنا كلامه.
اقول المعتمد الذي استقر عليه عمل كثير من الحفاظ تحسين حديث ابن لهيعة وكثيرا ما يصرح بذلك الحافظ المتقن نور الدين

↑صفحة ٣٢٨↑

الهيثمي في مجمع الزوائد وقد احتج به غير واحد من المتقدمين ايضا وقال ابو داود عن احمد ومن كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه واتقانه وقال الحسن بن علي الخلال عن زيد بن الحباب سمعت الثوري يقول عند ابن لهيعة الاصول وعندنا الفروع وقال ابو الطاهر بن السرح سمعت ابن وهب يقول حدثني والله الصادق البار عبد الله بن لهيعة وقال يعقوب بن سفيان سمعت احمد بن صالح وكان من خيار المتقين يثني عليه وقال الحاكم استشهد به مسلم في موضعين من صحيحه وكذا روى له البخاري مقرونا بغيره الا انه لم يصرح باسمه وحكى ابن عبد البر ان الذي في الموطأ عن مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده في العرفان هو ابن لهيعة ويقال ابن وهب حدثه به عنه وقال احمد بن صالح كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طلابا للعلم على ان الحديث ورد من غير طريق ابن لهيعة فقد اخرجه الحاكم في المستدرك قال اخبرني احمد بن محمد بن سلمة العنزي حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا سعيد بن ابي مريم انبأنا نافع بن يزيد حدثني عياش بن عباس ان الحارث بن يزيد حدثه انه سمع عبد الله بن رزين الغافقي سمعت علي بن ابي طالب يقول ستكون فتنة يحصل الناس منها كما يحصل الذهب في المعدن الحديث وقال صحيح الاسناد ولم يخرجاه وأقره الحافظ الذهبي في التلخيص وقد اشار الطاعن الى هذه المتابعة وصرح واعترف بصحتها فقال ورواه

↑صفحة ٣٢٩↑

الحاكم في المستدرك وقال صحيح الاسناد ولم يخرجاه وفي روايته ثم يظهر الهاشمي فيرد الله الناس الى الفتح الخ وليس في طريقه ابن لهيعة وهو اسناد صحيح كما ذكر انتهى فاعتبروا يا أولي الابصار.
(فصل) علي رضي الله عنه وسؤال رجل عن المهدى
ثم قال وخرج الحاكم في المستدرك عن علي رضي الله عنه من رواية ابي الطفيل عن محمد بن الحنفية قال كنا عند علي رضي الله عنه فسأله رجل عن المهدي فقال علي هيهات ثم عقد بيده سبعا فقال ذلك يخرج في آخر الزمان اذا قال الرجل ان الله قتل ويجمع الله له قوما قزعا كقزع السحاب يؤلف الله بين قلوبهم فلا يستوحشون الى احد ولا يفرحون بأحد دخل فيهم عدتهم على عدة اهل بدر لم يسبقهم الاولون ولا يدركهم الآخرون وعلى عدد اصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر قال ابو الطفيل قال ابن الحنفية ا تريده قلت نعم قال فانه يخرج من بين هذين الاخشبين قلت لا جرم والله ولا ادعها حتى اموت ومات بها يعني مكة قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وانما هو على شرط مسلم فقط فان فيه عمارا الذهبي ويونس بن ابي اسحاق ولم يخرج لهما البخاري وفيه عمرو بن محمد العبقري ولم يخرج له البخاري احتجاجا بل استشهادا مع ما ينضم الى ذلك من تشيع عمار الذهبي

↑صفحة ٣٣٠↑

وهو وان وثقه احمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي وغيرهم فقد قال علي بن المديني عن سفيان ان بشر بن مروان قطع عرقوبه قلت في اي شيء قال في التشيع الى هنا كلامه.
اقول كلامه هذا ضرب من الهذيان فانه ما افاد بمنطوقه طعنا ولا ابان بمفهومه لمقصوده معنى بل غايته التصريح بأن الحديث لا علة له ولا مطعن في رجاله وانه صحيح على شرط مسلم وهذا مخالف لمراده مناقض لقصده نعم اشار بقوله مع ما ينضم الى ذلك الى شرط مسلم من تشيع عمار الذهبي الى ان قصور الحديث على شرط مسلم هو علته القادحة فيه الموجبة لرده وعدم العمل بمدلوله وهذا ظاهر بل صريح في كلامه لأنه انتقد على الحاكم حكمه للحديث بأنه على شرط البخاري ومسلم وأثبت له انه على شرط مسلم فقط ثم قال مع ما ينضم الى ذلك من تشيع عمار الذهبي فاجتمع في الحديث على رأيه السديد وعلمه الجديد علتان شرط مسلم وتشيع عمار وبطل الاحتجاج به فيا لله ويا للمسلمين كيف يحكم بضعف حديث على شرط مسلم المتفق بين الامة على صحته بل اصحيته فضلا عن ان يجعل شرط مسلم نفسه هو سبب ضعفه وعين علته سبحانك هذا عناد عظيم وضلال قديم أما ما ضمه الى شرط مسلم من تشيع عمار فقد عرفناك بما فيه سابقا وأشرنا غير مرة الى انه ليس بجرح عند كل من كان للحديث حافظا ولفنونه محققا.

↑صفحة ٣٣١↑

(فصل) في حديث (نحن ولد عبد المطلب سادات اهل الجنة...)
ثم قال الطاعن وخرج ابن ماجه عن انس بن مالك رضي الله عنه من رواية سعد بن عبد الحميد بن جعفر عن علي بن زياد اليمامي عن عكرمة بن عمار عن اسحاق بن عبد الله عن انس قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول «نحن ولد عبد المطلب سادات اهل الجنة انا وحمزة وعلي وجعفر والحسن والحسين والمهدي» وعكرمة بن عمار وان اخرج له مسلم فإنما اخرج متابعة وقد ضعفه بعض ووثقه آخرون وقال ابو حاتم الرازي هو مدلس فلا يقبل الا ان صرح بالسماع وعلي بن زياد قال الذهبي في الميزان لا يدرى من هو ثم قال الصواب فيه عبد الله بن زياد وسعد ابن عبد الحميد وان وثقه يعقوب بن ابي شيبة وقال فيه يحيى ابن معين ليس به بأس فقد تكلم فيه الثوري قالوا لأنه رآه يفتي في مسائل ويخطئ فيها وقال ابن حبان كان ممن فحش خطأه فلا يحتج به وقال احمد بن حنبل سعد بن عبد الحميد يدعي انه سمع عرض كتب مالك والناس ينكرون عليه ذلك وهو ههنا ببغداد لم يحج فكيف سمعها وجعله الذهبي ممن لا يقدح فيه كلام من تكلم فيه الى هنا كلامه.
اقول اما عكرمة بن عمار فهو ثقة واكثر من تكلم فيه وصفه بالضعف والاضطراب في روايته عن يحيى بن ابي كثير خاصة لا

↑صفحة ٣٣٢↑

في جميع رواياته وهذا لا يوجب ضعفه على الاطلاق كما هو مقرر في محله ونص عليه الحافظ في خطبة اللسان قال معاوية بن صالح عن يحيى بن معين ثقة وقال القلابي عن يحيى ثبت وقال ابن خيثمة عن ابن معين صدوق ليس به بأس وقال ابو حاتم عن ابن معين كان اميا وكان حافظا وقال محمد بن عثمان بن ابي شيبة عن علي بن المديني كان عكرمة عند اصحابنا ثقة ثبتا وقال العجلي ثقة يروي عنه النضر بن محمد ألف حديث وقال الآجري عن ابي داود ثقة وفي حديثه عن يحيى بن ابي كثير اضطراب وقال النسائي ليس به بأس الا في حديث يحيى بن ابي كثير وقال ابو حاتم كان صدوقا وربما وهم في حديثه وربما دلس وفي حديثه عن يحيى بن ابي كثير بعض الاغاليط وقال الساجي صدوق وثقه احمد ويحيى الا ان يحيى بن سعد ضعفه في احاديثه عن يحيى بن ابي كثير وقدم ملازما عليه وقال عكرمة بن عمار ثقة عندهم وروى عنه ابن مهدي ما سمعت به الا خيرا وقال في موضع آخر هو اثبت من ملازم وهو شيخ اهل اليمامة وقال علي بن محمد الطنافسي حدثنا وكيع عن عكرمة بن عمار وكان ثقة وقال اسحاق ابن احمد بن خلف البخاري ثقة روى عنه الثوري وذكره بالفضل وكان كثير الغلط ينفرد عن اياس بأشياء وقال ابن خراش كان صدوقا وفي حديثه نكرة وقال الدارقطني ثقة وقال ابن عدي مستقيم الحديث اذا روي عنه ثقة وقال عاصم بن علي كان مستجاب

↑صفحة ٣٣٣↑

الدعوة وقال يعقوب بن شيبة كان ثقة ثبتا وقال ابن شاهين في الثقات قال احمد بن صالح انا اقول انه ثقة واحتج به وبقوله وذكره ابن حبان في الثقات وقال في روايته عن يحيى بن ابي كثير اضطراب كان يحدث من غير كتابه وأما سعد بن عبد الحميد فقال ابراهيم بن الجنيد عن ابن معين ليس به بأس وقد كتب عنه وصالح جزرة لا بأس به وقال مرة هو اثبت من ابيه وأما ابن زياد فقال الحافظ في التهذيب علي بن زياد اليمامي عن عكرمة ابن عمار عن اسحاق بن عبد الله بن ابي طلحة عن انس حديث نحن ولد عبد المطلب سادات اهل الجنة روى حديثه ابن ماجه عن هدبة بن عبد الوهاب عن سعد بن عبد الحميد بن جعفر عنه والصواب انه عبد الله بن زياد فقد ذكره البخاري وابو حاتم فقالا روى عن عكرمة بن عمار وعنه سعد بن عبد الحميد وكذلك روى هذا الحديث المذكور محمد بن خلف الحدادي عن سعد بن عبد الحميد وتابعه ابو بكر محمد بن صالح القناد عن محمد بن الحجاج عن عبد الله بن زياد السحيمي عن عكرمة بن عمار قلت هو ابو العلاء عبد الله بن زياد فلعله كان في الاصل حدثنا ابو العلاء ابن زياد فتغيرت فصارت علي بن زياد وعبد الله بن زياد هذا ذكره البخاري فقال منكر الحديث ليس بشيء ولم يذكر ابن ابي حاتم فيه جرحا وذكره ابن حبان في الطبقة الرابعة من الثقات انتهى قلت وقد وجدت ما يصلح ان يكون للحديث شاهدا قال

↑صفحة ٣٣٤↑

الطبراني في المعجم الصغير حدثنا احمد بن محمد بن العباس المري القنطري حدثنا حرب بن الحسن الطحان حدثنا حسين بن حسن الاشقر حدثنا قيس بن الربيع عن الاعمش عن عباية يعني ابن ربعي عن ابي ايوب الانصاري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لفاطمة «نبينا خير الانبياء وهو ابوك وشهيدنا خير الشهداء وهو عم ابيك حمزة ومنا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء وهو ابن عم ابيك جعفر ومنا سبطا هذه الامة الحسن والحسين وهما ابناك ومنا المهدي».
(فصل) ابن عباس ورواية السابقة
ثم قال الطاعن وخرج الحاكم في مستدركه من رواية مجاهد عن ابن عباس موقوفا عليه قال مجاهد قال لي ابن عباس لو لم اسمع انك من اهل البيت ما حدثتك بهذا الحديث قال فقال مجاهد فانه في ستر لا اذكره لمن يكره قال فقال ابن عباس منا اهل البيت اربعة منا السفاح ومنا المنذر ومنا المنصور ومنا المهدي قال فقال مجاهد بين لي هؤلاء الاربعة فقال ابن عباس اما السفاح فربما قتل انصاره وعفا عن عدوه واما المنذر اراه قال فانه يعطي المال الكثير ولا يتعاظم في نفسه ويمسك القليل من حقه واما المنصور فانه يعطى النصر على عدوه الشطر مما كان يعطى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويرهب منه عدوه على مسيرة شهر وأما المهدي

↑صفحة ٣٣٥↑

فانه الذي يملأ الارض عدلا كما ملئت جورا وتأمن البهائم السباع وتلقي الارض أفلاذ كبدها قال قلت وما افلاذ كبدها قال امثال الاسطوانة من الذهب والفضة وقال الحاكم هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه وهو من رواية اسماعيل بن ابراهيم بن مهاجر عن ابيه واسماعيل ضعيف وابراهيم ابوه وان خرج له مسلم فالأكثرون على تضعيفه الى هنا كلامه.
اقول الحديث اخرجه الحاكم عن ابي بكر احمد بن سليمان الفقيه قال قرئ على يحيى بن جعفر بن الزبرقان وأنا اسمع حدثنا خلف ابن تميم ابو عبد الرحمن الكوفي حدثنا اسماعيل بن ابراهيم بن المهاجر عن ابيه عن مجاهد به وقال صحيح الاسناد وتعقبه الذهبي بأن اسماعيل مجمع على ضعفه واباه ليس بذاك فالله اعلم
(فصل) في حديث (يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة...)
ثم قال وخرج ابن ماجه عن ثوبان قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة ثم لا يصير الى واحد منهم ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلوهم قتلا لم يقتله قوم ثم ذكر شيئا لا احفظه قال فاذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوا على الثلج فانه خليفة الله المهدي» اهـ ورجاله رجال الصحيحين الا ان فيه ابا قلابة الجرمي وذكر الذهبي وغيره انه مدلس وفيه سفيان الثوري وهو مشهور بالتدليس وكل واحد منهما عنعن ولم

↑صفحة ٣٣٦↑

يصرح بالسماع فلا يقبل وفيه عبد الرزاق بن همام وكان مشهورا بالتشيع وعمي في آخر وقته فخلط قال ابن عدي حدث بأحاديث في الفضائل لم يوافقه عليها احد ونسبوه الى التشيع الى هنا كلامه.
اقول هنا قف وتعجب من جرأة هذا الطاعن وعناده فان تضعيف الحديث بهؤلاء الائمة سفيان الثوري ومن ذكر معه من اعجب ما يسمعه السامعون وأغرب ما يعتبر به المنصفون كيف يضعف حديث سفيان الثوري وهو امام عظيم من ائمة المسلمين ارباب المذاهب المتبوعة المجتهدين وسيد كامل من سادات السلف الصالح واكابر المتقين المتقنين الورعين قال الائمة شعبة بن الحجاج وسفيان بن عيينة وابو عاصم ويحيى بن معين وغير واحد منهم سفيان الثوري امير المؤمنين في الحديث وقال عبد الله بن المبارك كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن افضل من سفيان فقال له رجل يا ابا عبد الله رأيت سعيد بن جبير وغيره يقول هذا قال هو ما اقول ما رأيت افضل من سفيان وقال ابن مهدي كان وهب يقدم سفيان في الحفظ على مالك وقال يحيى القطان ليس احد احب الي من شعبة ولا يعدله احد عندي واذا خالفه سفيان اخذت بقول سفيان وقال الدوري رأيت يحيى بن معين لا يقدم على سفيان في زمانه احدا في الفقه والحديث والزهد وكل شيء وقال الآجري عن ابي داود ليس يختلف في سفيان وشعبة في شيء الا يظفر سفيان وقال ابو داود بلغني عن ابن معين قال ما خالف احد سفيان في شيء إلّا

↑صفحة ٣٣٧↑

كان القول قول سفيان وقال المروزي عن الامام احمد لم يتقدمه في قلبي احد وقال ابو قطن قال في شعبة ان سفيان ساد الناس بالورع والعلم وقال عبد الرزاق بعث ابو جعفر الخشابين لما خرج الى مكة فقال ان رأيتم سفيان فاصلبوه قال فجاء النجارون ونصبوا الخشبة ونودي سفيان واذا رأسه في حجر الفضيل ورجلاه في حجر ابن عيينة فقالوا له يا ابا عبد الله اتق الله ولا تشمت بنا الاعداء قال فتقدم الى الاستار فأخذها ثم قال برئت منه ان دخلها ابو جعفر قال فمات قبل ان يدخل مكة وقال الخطيب كان إماما من ائمة المسلمين وعلما من اعلام الدين مجمعا على امامته بحيث يستغنى عن تزكيته مع الانقان والحفظ والمعرفة والضبط والورع والزهد وقال النسائي هو اجل من ان يقال فيه ثقة وهو احد الائمة الذين ارجو ان يكون الله ممن جعله للمتقين اماما وقال ابن ابي ذئب ما رأيت اشبه بالتابعين من سفيان وقال زائدة كان اعلم الناس في الفتيا وقال ابن حبان كان من سادات الناس فقها وورعا واتقانا وقال الوليد ابن مسلم رأيته بمكة يستفتى ولم يخط وجهه بعد وقال ابو حاتم وابو زرعة وابن معين هو احفظ من شعبة وقال ابن المديني قلت ليحيى ابن سعيد ايما احب اليك رأي سفيان او رأي مالك قال سفيان لا شك في حق هذا سفيان فوق مالك في كل شيء وقال صالح ابن محمد سفيان ليس يقدمه عندي احد في الدنيا وهو احفظ واكثر حديثا من مالك وقال الامام مالك كانت العراق تجيش علينا

↑صفحة ٣٣٨↑

بالدراهم والثياب ثم صارت تجيش علينا بالعلم منذ جاء سفيان وقال ابو اسحاق الغزاري لو خيرت لهذه الامة لما اخترت لها الا سفيان وحكي عن ابي صالح شعيب بن حرب المدائني وكان احد الائمة الاكابر في الحفظ والدين انه قال انني لأحسب يجاء بسفيان الثوري يوم القيامة حجة من الله على الخلق يقال لهم لم تدركوا نبيكم عليه الصلاة والسلام فلقد رأيتم سفيان الثوري الا اقتديتم به وفضائله رضي الله عنه كثيرة جدا وقد ذكره الحافظ في الطبقة الثانية من طبقات المدلسين فقال سفيان بن سعيد الثوري الامام المشهور الفقيه العابد الحافظ الكبير وصفه النسائي وغيره بالتدليس وقال البخاري ما اقل تدليسه انتهى فاعلم ان المدلسين عندهم على اقسام قال الحافظ في كتابه تعريف اهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس اما بعد فهذه مراتب الموصوفين بالتدليس في اسانيد الحديث النبوي لخصتها في هذه الاوراق لتحفظ وهي مستمدة من جامع التحصيل للإمام صلاح الدين العلائي شيخ شيوخنا تغمدهم الله برحمته قال وهم على خمس مراتب الاولى من لم يوصف بذلك الا نادرا كيحيى ابن سعيد الثانية من احتمل الائمة تدليسة وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى كالثوري او كان لا يدلس الا عن ثقة كابن عيينة انتهى المراد منه وعبارة الحافظ العلائي في جامع التحصيل لأحكام المراسيل بعد ان سرد اسماء من وصف بالتدليس من الرواة هؤلاء كلهم ليسوا على حد واحد بحيث إنه

↑صفحة ٣٣٩↑

يتوقف في كل ما قال فيه واحد منهم عن ولم يصرح بالسماع بل هم على طبقات اولها من لم يوصف بذلك الا نادرا جدا بحيث انه لا ينبغي ان يعد فيهم كيحيى بن سعيد وهشام بن عروة وموسى ابن عقبة وثانيها من احتمل الائمة تدليسه وخرجوا له في الصحيح وان لم يصرح بالسماع وذلك اما لإمامته او لقلة تدليسه في جنب ما روى او انه لا يدلس الا عن ثقة وذلك كالزهري وسليمان الاعمش وابراهيم النخعي واسماعيل بن ابي خالد وسليمان التميمي وحميد الطويل والحكم بن عتبة ويحيى بن ابي كثير وابن جريج وسفيان الثوري وابن عيينة وشريك وهشيم ففي الصحيحين وغيرهما لهؤلاء الحديث الكثير مما ليس فيه التصريح بالسماع وبعض الائمة حمل ذلك على ان الشيخين اطلعا على سماع الواحد لذلك الحديث الذي اخرجه بلفظ عن ونحوها من شيخه وفيه تطويل والظاهر ان ذلك لبعض ما تقدم آنفا من الاسباب انتهى قلت وهو الصواب واما ادعاء كون جميع ما وقع في الصحيحين عن المدلسين بدون تصريح بالسماع ورد مسموعا خاصا فادعاء دون اقامة الدليل عليه خرط القتاد ومعرفة امثال تلك المواضع من الصحاح ومن كتب من تكلم عليها وافرغ وسعه في جمع طرقها من الحفاظ تجدى عند التعارض وتغني عن النزاع فانظر كيف تحمل الشيخان تدليس هؤلاء ولم يريانه مخلا بصحة الحديث على شرطهما ولا من مقتضيات رده وكذا سائر الائمة والحفاظ الجامعين للصحيح بعدهما

↑صفحة ٣٤٠↑

ومن لم ير ما رآه هؤلاء الائمة ولم يكتف بطريقهم فهو متنطع هالك ومعاند مكابر واعلم ان التدليس ايضا انواع فتارة يكون في الإسناد وتارة في الشيوخ ومن الاول تدليس القطع وتدليس العطف وتدليس التسوية وهو شر انواع التدليس واقبحه كما قال الحافظ العلائي والعراقي وغيرهما زاد العراقي وهو قادح فيمن تعمد فعله قلت وينبغي ان يحمل قول شعبة بن الحجاج لأن ازني احب إلي من ان ادلس وقوله ايضا التدليس اخو الكذب على تدليس التسوية وان قال ابن الصلاح ان هذا منه افراط محمول على المبالغة في الزجر عنه والتنفير انتهى لأن ضرره عظيم والخطر به في الدين جسيم وقد قال الخطيب ان الاعمش وسفيان الثوري كانا يفعلان مثله انتهى لكن جلالتهما وعظيم قدرهما في الورع والتحرز والتثبت في امور الدين يرشدك الى انهما لا يفعلان ذلك الا عن ثقة عندهما قال الحافظ لا شك ان تدليس التسوية جرح وان وصف به الثوري والاعمش بلا اعتذار الا انهما لا يفعلانه الا في حق من يكون ثقة عندهما ضعيفا عند غيرهما انتهى وقال الذهبي في الميزان سفيان بن سعيد الحجة الثبت متفق عليه مع انه كان يدلس عن الضعفاء ولكن له نقد وذوق ولا عبرة بقول من قال يدلس ويكتب عن الكذابين انتهى وقوله عن الضعفاء يعني عند غيره لا عنده كما قال الحافظ ويستفاد من قوله له ذوق ونقد انه على فرض تدليسه عن الضعفاء عنده ايضا انه لا يدلس عنهم الا ما كان ثابتا قويا من احاديثهم

↑صفحة ٣٤١↑

لا ما كان ساقطا او متروكا واما ابو قلابة وان ذكره الحافظ في تعريف اهل التقديس تبعا للذهبي والعلائي في جامع التحصيل فقد ذكر في تهذيب التهذيب عن ابي حاتم انه قال لا يعرف له تدليس وعليه درج الحافظ فلم يذكره في مقدمة الفتح وذلك منه ترجيح وتقوية لقول من ذهب الى اشتراط اللقاء في التدليس لا الاكتفاء بالمعاصرة وهو الراجح والا فما سلم من التدليس احد لا مالك ولا غيره كما قال ابن عبد البر بل هو ارسال خفي واليه مال كل تدليس فمن قبل من المدلس عنعنته فهو مصير منه الى ان المرسل حجة وقد اختلف العلماء فيه فمذهب الشافعي وجمهور المحدثين كما حكاه عنهم مسلم في صدر صحيحه وابن عبد البر في التمهيد انه ضعيف ومذهب مالك في المشهور عنه وابي حنيفة واحمد ابن حنبل في المشهور عنه ايضا وجماعة انه صحيح قال النووي في شرح المهذب وقيد ابن عبد البر وغيره ذلك بما اذا لم يكن مرسله ممن لا يحترز ويرسل عن غير الثقات فان كان فلا خلاف في رده وقال غيره محل قبوله عند الحنفية ما اذا كان مرسله من اهل القرون الثلاثة الفاضلة فان كان من غيرها فلا لحديث «ثم يفشوا الكذب» صححه النسائي وقال ابن جرير اجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل ولم يأت عنهم انكاره ولا عن احد من الائمة بعدهم الى رأس المائتين قال ابن عبد البر كأنه يعني ان الشافعي اول من رده انتهي قالوا فان صح مخرج المرسل بمجيئه او نحوه من وجه

↑صفحة ٣٤٢↑

آخر مسندا او مرسلا ارسله من اخذ عن غير رجال الاول ان كان صحيحا تبين بذلك صحة المرسل وصار حجة وفي مبحث المرسل من الالفية:

واحتج مالك كذا النعمان * * * وتابعوهما به ودانوا
ورده جماهير النقاد * * * للجهل بالساقط في الاسناد
وصاحب التمهيد عنهم نقله * * * ومسلم صدر الكتاب اصله
لكن اذا صح لنا مخرجه * * * بمسند او مرسل يخرجه
من ليس يروى عن رجال الاول * * * نقبله قلت الشيخ لم يفصل
فان يقل فالمسند المعتمد * * * فقل دليلان به يعتضد

انتهى بحذف بيتين قبل الآخر فعلى تقدير ان في سند الحديث رسالا فهو حجة مقبول عند الجميع وصحيح بالاتفاق لوروده من طرق اخرى موصولة صحيحة وأما ما ذكره الطاعن في عبد الرزاق من التشيع فقد علمت انه ليس بجرح ولا طعن وقد احتج به الجميع وقال احمد بن صالح المصري قلت لأحمد بن حنبل رأيت احدا احسن حديثا من عبد الرزاق قال لا وقال ابو زرعة عبد الرزاق احد من ثبت حديثه وقال ابن ابي خيثمة سمعت يحيى بن معين وقيل له قال احمد ان عبيد الله بن موسى يرد حديثه للتشيع فقال كان عبد الرزاق والله الذي لا إله إلّا هو أعلى في ذلك منه مائة ضعف ولقد سمعت من عبد الرزاق اضعاف ما سمعت من عبيد الله وقال محمد بن اسماعيل الفزاري بلغني ونحن بصنعاء ان احمد ويحيى تركا

↑صفحة ٣٤٣↑

حديث عبد الرزاق فدخلنا غم شديد فوافيت ابن معين في الموسم فذكرت له فقال يا ابا صالح لو ارتد عبد الرزاق ما تركنا حديثه وثناء الحفاظ عليه كثير وقد وصفه بعضهم بالتدليس كما ذكره الحافظ في تعريف اهل التقديس لكن قال قد جاء عنه التبري من التدليس قال حججت فمكثت ثلاثة ايام لا يأتيني اصحاب الحديث فتعلقت بالكعبة فقلت يا ربي مالي اكذاب انا أمدلس انا أبقية بن الوليد فرجعت الى البيت فجاءوني وقال ايضا في هدى الساري عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري الصنعاني احد الحفاظ الاثبات صاحب التصانيف وثقه الائمة كلهم الا العباس بن عبد العظيم العنبري وحده فتكلم بكلام افرط فيه ولم يوافقه عليه احد وقد قال ابو زرعة الدمشقي قيل لأحمد من اثبت في ابن جريح عبد الرزاق او محمد بن بكر البرساني فقال عبد الرزاق وقال عباس الدوري عن ابن معين كان عبد الرزاق اثبت في حديث معمر من هشام بن يوسف وقال يعقوب بن شيبة عن علي بن المديني قال في هشام بن يوسف كان عبد الرزاق اعلمنا وأحفظنا قال يعقوب كلاهما ثقة ثبت وقال الذهلي كان ايقظهم في الحديث وكان يحفظ وقال ابن عدي رحل اليه ثقات المسلمين وكتبوا عنه الا انهم نسبوه الى التشيع وهو اعظم ما ذموه به وأما الصدق فأرجو انه لا بأس به وقال النسائي فيه نظر لمن كتب عنه بآخره كتبوا عنه احاديث مناكير وقال الاثرم عن احمد من سمع منه بعد ما

↑صفحة ٣٤٤↑

عمي فليس بشيء وما كان في كتبه فهو صحيح وما ليس في كتبه فانه كان يلقن فيتلقن قلت احتج به الشيخان في جملة من حديث من سمع منه قبل الاختلاط وضابط ذلك من سمع منه قبل المائتين فأما بعدها فكان قد تغير وفيها سمع منه احمد بن شبويه فيما حكى الاثرم عن احمد واسحق الدبري وطائفة من شيوخ ابي عوانة والطبراني ممن تأخر الى قرب الثمانين ومائتين وروى له الباقون الى هنا كلام الحافظ قلت وابن ماجه روى هذا الحديث عن احمد بن يوسف ومحمد بن يحيى كلاهما عن عبد الرزاق اما احمد بن يوسف وهو ثقة فقد قال ابن حبان كان راويا لعبد الرزاق ثبتا فيه واما محمد بن يحيى وهو الذهلي فانه ممن سمع من عبد الرزاق قديما قبل الاختلاط فصح الحديث على شرط الشيخين ولله الحمد واتضح فساد طعن الطاعن والله الموفق لا رب غيره.
(تنبيه) عاب الطاعن هذا الحديث واعله بتدليس الامام سفيان الثوري رضي الله عنه وكان في تدليسه وتلبيسه وتحريفه النقول عن اصولها انتصارا للباطل وتقوية للعناد ما ينبغي ان يكون زاجرا له عن مثل هذه الجرأة وتضعيف الحديث بإمام المسلمين وأحد سادات الثقات الورعين سفيان الثوري رضي الله عنه وقد نبهنا على بعض ما وقع في كلامه من التدليس والتلبيس سابقا وننبهك على ما وقع له هنا الآن فقوله قال ابن عدي حدث بأحاديث في الفضائل لم يوافقه عليها احد ونسبوه الى التشيع فيه قلب وحذف وعبارة ابن عدي ولعبد

↑صفحة ٣٤٥↑

الرزاق اصناف وحديث كثير وقد وصل اليه ثقات المسلمين وائمتهم وكتبوا عنه الا انهم نسبوه الى التشيع وقد روى احاديث في الفضائل لم يتابع عليها فهذا اعظم ما ذموه من روايته لهذه الاحاديث ولما رواه في مثالب غيرهم وأما في باب الصدق فأرجو انه لا بأس به انتهى فهذا نص ابن عدي وبالوقوف عليه تعلم مراد الطاعن من حذف ما لم يذكره منه لما فيه من توثيق الرجل والثناء عليه وألفاظ الجرح والتعديل ينبغي ان تنقل برمتها لأن بعضها يفسر بعضها فقد يكون اول عبارة النقاد مدحا وآخرها ذما لكن ليس على اطلاقه بل المراد منه ما يدل عليه مع قرينة المدح المذكور فالاقتصار على مجرد الذم او المدح من العبارة الواحدة مخل بالمقصود وضرب من الخيانة في النقل وهذا سبيل الطاعن في جميع ما ينقله من الجرح كما بينا الكثير من ذلك فيما سبق من تقولاته ولا تقولن انه قلد الذهبي في هذه العبارة حيث ذكرها في الميزان كذلك فانه كثير النقل من تهذيب الحافظ المزي وهذه العبارة فيه على اصلها كما في اختصاره وتهذيبه للحافظ وسابق تدليسه يدل على لا حقه والله اعلم.
(فصل) (يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي)
ثم قال وخرج ابن ماجه عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي» يعني سلطانه قال الطبراني تفرد به ابن لهيعة

↑صفحة ٣٤٦↑

وقد تقدم لنا في حديث علي الذي خرجه الطبراني في معجمه الاوسط ان ابن لهيعة ضعيف وان شيخه عمرو بن جابر الحضرمي اضعف منه انتهى قلت وتقدم لنا الجواب عن ذلك ايضا ثم قال وخرج البزار في مسنده والطبراني في معجمه الاوسط واللفظ للطبراني عن ابي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «يكون في امتي المهدي ان قصر فسبع والا فثمان والا فتسع تنعم فيها امتي نعمة لم ينعموا بمثلها ترسل السماء عليهم مدرارا ولا تدخر الارض شيئا من النبات والمال كدوس يقوم الرجل يقول يا مهدي اعطني فيقول خذ» قال الطبراني والبزار تفرد به محمد بن مروان العجلي زاد البزار ولا نعلم انه تابعه عليه احد وهو وان وثقه ابو داود وابن حبان ايضا بما ذكره في الثقات وقال فيه يحيى بن معين صالح وقال مرة ليس به بأس فقد اختلفوا فيه وقال ابو زرعة ليس عندي بذاك وقال عبد الله بن احمد بن حنبل رأيت محمد بن مروان العجلي حدث بأحاديث وأنا شاهد لم اكتبها تركتها على عمد وكتب بعض اصحابنا عنه كأنه ضعفه الى هنا كلامه.
اقول الحديث صحيح ومحمد بن مروان ثقة كما نقله الطاعن عن يحيى بن معين وأبي داود وابن حبان على اختلاف عباراتهم وتنوعها في توثيقه وقول ابي زرعة غير مقبول اذ لم يبين سببه مع ثبوت العدالة والتوثيق له من غيره بل ممن هو اشد منه في الرجال وهو يحيى بن معين وكذا ترك عبد الله بن احمد الرواية عنه وأما

↑صفحة ٣٤٧↑

قول البزار ولا نعلم انه تابعه عليه احد فان كان مراده المتابعة التامة عن شيخه فيمكن وان كان مراده مطلق المتابعة فغير مسلم ما ادعاه فقد توبع على ذلك قال الامام احمد في المسند حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت زيدا ابا الحواري قال سمعت ابا الصديق يحدث عن ابي سعيد الخدري قال خشينا ان يكون بعد نبينا حدث فسألنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «يخرج المهدي في امتي يعيش خمسا أو سبعا او تسعا زيد الشاك قال قلت اي شيء قال سنين ثم قال ترسل السماء عليهم مدرارا ولا تدخر الارض من نباتها شيئا ويكون المال كدوسا قال يجيء الرجل اليه فيقول يا مهدي اعطني اعطني قال فيحثى له في ثوبه ما استطاع ان يحمل» وله طريق آخر نحوه بمعناه قال الحاكم في المستدرك اخبرني ابو العباس محمد بن احمد المحبوبي بمرو حدثنا سعيد بن مسعود حدثنا النضر بن شميل حدثنا سليمان بن عبيد حدثنا ابو الصديق الناجي عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «يخرج في آخر امتي المهدي يسقيه الله الغيث وتخرج الارض نباتها ويعطي المال صحاحا وتكثر الماشية وتعظم الامة يعيش سبعا او ثمانيا» يعني حججا وقال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي فأين دعوى التفرد وعدم المتابعة اللهم الا ان يكون المراد عدم المتابعة عليه في كونه من حديث ابي هريرة لأنه معروف من حديث ابي سعيد الخدري وقد رواه محمد ابن مروان العجلي ايضا كذلك من حديث ابي سعيد كما عند ابن

↑صفحة ٣٤٨↑

ماجة فمسلم ولكن لا ضرر في ذلك لثبوت اصل الحديث وصحته من حديث ابي سعيد الخدري واحتمال وقوعه لابن مروان من الطريقين وقد روى ابو هريرة الكثير من احاديث المهدي فلا غرابة والله اعلم.
(فصل) في حديث (لا تقوم الساعة حتى يخرج عليهم رجل من اهل بيتي...)
ثم قال الطاعن وخرج ابو يعلى الموصلي في مسنده عن ابي هريرة قال حدثني خليلي ابو القاسم (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «لا تقوم الساعة حتى يخرج عليهم رجل من اهل بيتي فيضربهم حتى يرجعوا الى الحق قال قلت وكم يملك قال خمسا واثنين قال قلت وما خمس واثنان قال لا ادري «وهذا اسند وان كان فيه بشير بن نهيك وقال فيه ابو حاتم لا يحتج به فقد احتج به الشيخان ووثقه الناس ولم يلتفتوا الى قول ابي حاتم لا يحتج به الا ان فيه مرجى بن رجاء اليشكري وهو مختلف فيه وقال ابو زرعة ثقة وقال يحيى بن معين ضعيف وقال ابو داود ضعيف وقال مرة صالح وعلق له البخاري في صحيحه حديثا واحدا الى هنا كلامه.
اقول مرجى استشهد به البخاري وعلق له بصيغة الجزم وقال الدارقطني ثقة ونقل العقيلي عن ابن معين انه قال مرجى بن وداع ضعيف ومرجى بن رجاء اصلح حديثا وذكر الطاعن لبشير

↑صفحة ٣٤٩↑

ابن نهيك مع اعترافه بأنه ثقة وان كلام ابي حاتم غير مقبول فيه تشويش فارغ وتجيش بما لا اصل له والحديث حسن على رأي من وثق مرجى به رجاء ان رجح قوله وكفى باعتبار امام الصناعة البخاري له وادخاله في صحيحه ترجيحا لتوثيقه والله تعالى اعلم.
(فصل) في حديث (لتملأن الارض جورا وظلما فاذا ملئت جورا وظلما...)
ثم قال وخرج ابو بكر البزار في مسنده والطبراني في معجمه الكبير والاوسط عن قرة بن اياس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «لتملأن الارض جورا وظلما فاذا ملئت جورا وظلما بعث الله رجلا من امتي اسمه اسمي واسم ابيه اسم ابي يملؤها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما فلا تمنع السماء من قطرها شيئا ولا الارض شيئا من نباتها يلبث فيكم سبعا او ثمانيا او تسعا يعني سنين» انتهى وفيه داود بن المحبر بن قحذم عن ابيه وهما ضعيفان جدا الى هنا كلامه.
اقول داود بن المحبر خرج له ابن ماجه وقال الدوري عن ابن معين ما زال معروفا بالحديث يكتب الحديث فترك الحديث ثم ذهب فصحب قوما من المعتزلة فأفسدوه وهو ثقة وقال في موضع آخر ليس بكذاب وقد كتب عن ابيه المحبر وكان داود ثقة

↑صفحة ٣٥٠↑

ولكنه جفا الحديث وكان يتنسك وقال ابو داود ثقة شبه الضعيف بلغني عن يحيى فيه كلام انه يوثقه وقال ابن عدي وعن داود كتاب قد صنفه في فضل العقل وفيه اخبار كلها او عامتها غير محفوظات وله احاديث صالحة غير كتاب العقل ويشبه ان تكون صورته ما ذكره يحيى بن معين انه كان يخطئ ويصحف الكثير وفي الاصل انه صدوق انتهى ومن المعلوم ان هذا الحديث لم ينفرد به بل ورد من عدة طرق تقدم ذكرها فهو وان كان ضعيفا فحديثه ثابت من جهة اخرى وذلك دليل على ان ضعفه لم يتطرق الى هذا الحديث لموافقته للثقات فيما رواه وكذلك القول في ابيه وليست احاديث الضعيف كلها ضعيفة ولا الكذاب كلها موضوعة بل قد يحدثان بالصحيح والحسن المعروفين من غير طريقهما والله اعلم.
(فصل) في حديث (سيخرج من صلب هذا فتى أي علي بن أبي طالب...)
ثم قال وخرج الطبراني في معجمه الاوسط عن ابن عمر قال كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في نفر من المهاجرين والانصار وعلي بن ابي طالب على يساره والعباس عن يمينه اذ تلاحى العباس ورجل من الانصار فأغلظ الانصاري للعباس فأخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيد العباس وبيد علي وقال «سيخرج من صلب هذا فتى يملأ الارض جورا وظلما وسيخرج من صلب هذا فتى يملأ الأرض

↑صفحة ٣٥١↑

 قسطا وعدلا فاذا رأيتم ذلك فعليكم بالفتى التميمي فانه يقبل من قبل المشرق وهو صاحب راية المهدي» انتهى وفيه عبد الله بن عمر العمري وعبد الله بن لهيعة وهما ضعيفان الى هنا كلامه.
اقول اما عبد الله بن لهيعة فتقدم انه حسن الحديث وأما عبد الله بن عمر العمري فروى له مسلم والاربعة وقال ابو طلحة عن احمد لا بأس به قد روى عنه ولكن ليس مثل اخيه عبيد الله وقال ابو زرعة الدمشقي عن احمد كان يزيد في الاسانيد ويخالف وكان رجلا صالحا وقال ابو حاتم رأيت احمد بن حنبل يحسن الثناء عليه وقال عثمان الدارمي عن ابن معين صالح وقال ابن ابي مريم عن ابن معين لا بأس به يكتب حديثه وقال يعقوب بن شيبة ثقة صدوق في حديثه اضطراب وقال ابن عدي لا بأس به في رواياته صدوق وقال العجلى لا بأس به وقال ابن حبان كان ممن غلب عليه الصلاح حتى غفل عن الضبط فاستحق الترك وقال يعقوب ابن سفيان عن احمد بن يونس لو رأيت هيأته لعرفت انه ثقة وقال ابن عمار الموصلي لم يتركه احد الا يحيى بن سعد وأورد له يعقوب ابن شيبة في مسنده حديثا فقال هذا حديث حسن الاسناد مدني وقال في موضع آخر هو رجل صالح مذكور بالعلم والصلاح وفي حديثه بعض الضعف والاضطراب ويزيد في الاسانيد كثيرا وقال الخليلي ثقة غير ان الحفاظ لم يرضوا حفظه وقول ابن معين فيه انه صويلح انما حكاه عنه اسحاق الكوسج وأما عثمان الدارمي

↑صفحة ٣٥٢↑

فقال عن ابن معين صالح ثقة ويكفيك احتجاج مسلم به في صحيحه فالحديث اقل درجاته ان يكون حسنا والله اعلم.
(فصل) في حديث (ستكون فتنة لا يسكن منها جانب الا تشاجر جانب...)
ثم قال وخرج الطبراني في معجمه الاوسط عن طلحة بن عبد الله عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «ستكون فتنة لا يسكن منها جانب الا تشاجر جانب حتى ينادي مناد من السماء ان اميركم فلان» وفيه المثنى بن الصباح وهو ضعيف جدا وليس في الحديث تصريح بذكر المهدي وانما ذكروه في ابوابه وترجمته استئناسا الى هنا كلامه.
اقول المثنى وثقة ابن معين ولينه بعضهم وضعفه الباقون لكن صرحوا بأنه لا يشترك حديثه وقد وجدت لحديثه شاهدا قال ابن ابي شيبة حدثنا الحسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن ابي محمد عن عاصم بن عمرو البجلي ان ابا امامة قال لينادين باسم رجل من السماء لا ينكره الدليل ولا يمنع منه الدليل واخرج نعيم بن حماد في الفتن وابن المنادي في الملاحم عن علي (عليه السلام) قال اذا نادى مناد من السماء ان الحق في آل محمد فعند ذلك يظهر المهدي على افواه الناس ويشربون حبه فلا يكون لهم ذكر غيره وهذا يفسر المبهم في حديث طلحة بن عبد الله الذي ليس فيه تصريح بالمهدي كما قاله الطاعن ويعضده ويقويه والله اعلم.

↑صفحة ٣٥٣↑

(فصل) فهذه جملة الاحاديث التي خرجها الائمة في شأن المهدي
ثم قال فهذه جملة الاحاديث التي خرجها الائمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان انتهى وقال ايضا بعد نقله كلام الصوفية في المهدي هذا آخر ما اطلعنا عليه او بلغنا من كلام هؤلاء المتصوفة وما اورده اهل الحديث من اخبار المهدي قد استوفينا جميعه بمبلغ طاقتنا انتهى.
اقول ادعاؤه استيفاء اخبار المهدي باطل فان جميع ما ذكره من الاحاديث ثمانية وعشرون والوارد في الباب ضعف اضعاف ذلك وها انا مورد من اخباره ما اكمل به المائة من مرفوعات وموقوفات دون المقطوعات اذ لو تتبعتها خصوصا الوارد عن اهل البيت لأتيت منها بعدد كبير وقدر غير يسير مما ينبغي ان يفرد بالتأليف ولكن فيما سأذكره كفاية فأقول وبالله التوفيق:
الحديث التاسع والعشرون عن ثوبان قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «اذا رأيتم رايات السود اقبلت من خراسان فأتوها فان فيها خليفة الله المهدي» رواه احمد.
الحديث الثلاثون عن ابي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «يخرج من خراسان رايات سود فلا يردها شيء حتى تنصب بايلياء» رواه احمد والترمذي والبيهقي في الدلائل.
الحادي والثلاثون عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «ابشروا بالمهدي رجل من قريش من

↑صفحة ٣٥٤↑

عترتي يخرج في اختلاف من الناس وزلزال فيملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا يرضى عنه ساكن السماء وساكن الارض ويقسم المال صحاحا بالسوية ويملأ قلوب أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) غنى ويسعهم عدله حتى انه يأمر مناد فينادي من له حاجة الي فما يأتيه احد الا رجل واحد يأتيه فيسأله فيقول ائت السادن حتى يعطيك فيأتيه فيقول رسول المهدي اليك تعطيني مالا فيقول احث فيحثى فلا يستطيع ان يحمله فيلقي حتى يكون قدر ما يستطيع ان يحمله فيخرج به فيندم فيقول انا كنت اشجع امة محمد نفسا كلهم دعي الى هذا المال فتركه غيري فيرد عليه فيقول انا لا نقبل شيئا اعطيناه فيلبث في ذلك ستا او سبعا او ثمانيا او تسع سنين ولا خير في الحياة بعده» رواه احمد والباوردي.
الثاني والثلاثون عن عثمان قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «المهدي من العباس عمي» رواه الدارقطني في الافراد وهو غريب منكر وقد جمع بأنه عباس الام حسني الاب وليس بذاك بل الحديث لا يصح.
الثالث والثلاثون عن جابر بن ماجد الصدفي ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «سيكون بعدي خلفاء ومن بعد الخلفاء امراء ومن بعد الامراء ملوك ومن بعد الملوك جبابرة ثم يخرج رجل من اهل بيتي يملأ الارض عدلا كما ملئت جورا ثم يؤمر

↑صفحة ٣٥٥↑

بعده القحطاني فو الذي بعثني بالحق ما هو بدونه» رواه الطبراني في الكبير.
الرابع والثلاثون عن ابن عباس ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «ان تهلك امة انا اولها وعيسى بن مريم في آخرها والمهدي في اوسطها» رواه ابو نعيم في اخبار المهدي والمراد بالوسط ما قبل الآخر.
الخامس والثلاثون عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «منا الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه» رواه ابو نعيم في اخبار المهدي.
السادس والثلاثون عن ابي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «لو لم يبق من الدنيا الا يوم لطوله الله تعالى حتى يملك رجل من اهل بيتي جبل الديلم والقسطنطينية» رواه ابن ماجه.
السابع والثلاثون عن ثوبان قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «ستطلع عليكم رايات سود من قبل خراسان فأتوها ولو حبوا على الثلج فانه خليفة الله تعالى المهدي» رواه الديلمي.
الثامن والثلاثون عن ابي امامة ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «ستكون بينكم وبين الروم اربع هدن يوم الرابعة على يد رجل من آل هارون يدوم سبع سنين قيل يا رسول الله من امام الناس يومئذ قال من ولدى ابن اربعين سنة كأن وجهه كوكب دري في خده الايمن خال اسود عليه عبايتان قطونيتان كأنه من

↑صفحة ٣٥٦↑

رجال بني اسرائيل يملك عشر سنين يستخرج الكنوز ويفتح مدائن الشرك» رواه الطبراني في الكبير.
التاسع والثلاثون عن حذيفة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «تكون هدنة على دخل قيل يا رسول الله ما هدنة على دخل قال قلوب لا تعود على ما كانت عليه ثم تكون دعاة الضلالة فان رأيت يومئذ خليفة الله تعالى في الارض فالزمه وان نهك جسمك وأخذ مالك وان لم تره فاضرب في الارض ولو ان تموت وأنت عاض بجدل شجرة رواه الطيالسي واحمد وابو داود وأبو يعلى الاربعون عن ابن عباس ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «كيف تهلك امة انا في اولها وعيسى بن مريم في آخرها والمهدي من اهل بيتي في وسطها» رواه الحاكم في التاريخ وكذا ابن عساكر.
الحادي والاربعون عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «لو لم يبق من الدنيا الا ليلة لملك فيها رجل من اهل بيتي» رواه الطبراني في الكبير.
الثاني والاربعون عن ابي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «لو لم يبق من الدنيا الا ليلة لطول الله تعالى تلك الليلة حتى يلي رجل من اهل بيتي» رواه الديلمي في مسند الفردوس الثالث والاربعون عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «ستكون بعدي فتن منها فتنة الاحلاس يكون

↑صفحة ٣٥٧↑

فيها حرب وهرب ثم بعدها فتن أشد منها ثم تكون فتنة كلما قيل انقطعت تمادت حتى لا يبقى بيت إلّا دخلته ولا مسلم الا شكته حتى يخرج رجل من عترتي» رواه نعيم بن حماد في الفتن.
الرابع والاربعون عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «في ذي القعدة تجاذب القبائل وعامئذ ينهب الحاج فتكون ملحمة بمنى حتى يهرب صاحبهم فيبايع بين الركن والمقام وهو كاره فيبايع مثل عدة اهل بدر يرضى عنه ساكن السماء وساكن الارض» رواه نعيم بن حماد والحاكم.
الخامس والاربعون عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «منا السفاح ومنا المنصور ومنا المهدي» رواه البيهقي وابو نعيم كلاهما في الدلائل والخطيب في التاريخ.
السادس والاربعون عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «منا القائم ومنا المنصور ومنا السفاح ومنا المهدي فأما القائم فتأتيه الحاجة لم يهرق فيها محجمة دم وأما المنصور فلا تدركه راية واما السفاح فهو يسفح المال والدم واما المهدي فيملأ الارض عدلا كما ملئت ظلما» رواه الخطيب.
السابع والاربعون عن ابي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله وآله وسلم للعباس «يا عم النبي ان الله تعالى ابتدأ الاسلام بي وسيختمه بغلام من ولدك وهو الذي يتقدم عيسى بن مريم» رواه ابو نعيم في الحلية بإسناد ضعيف والجواب عنه كالذي بعده هو ما تقدم في حديث عثمان.

↑صفحة ٣٥٨↑

الثامن والاربعون عن عمار بن ياسر ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «يا عباس ان الله تعالى بدأ بي هذا الامر وسيختمه بغلام من ولدك يملأها عدلا كما ملئت جورا وهو الذي يصلي بعيسى (عليه السلام)» رواه الدارقطني في الافراد والخطيب وابن عساكر بإسناد ضعيف.
التاسع والاربعون عن ام سلمة قالت قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «يبايع لرجل من امتي بين الركن والمقام كعدة اهل بدر فتأتيه عصب العراق وأبدال الشام فيأتيهم جيش من الشام حتى اذا كانوا بالبيداء خسف بهم ثم يسير اليه رجل من قريش اخواله كلب فيهزمهم الله تعالى فكان يقال الخائب من خاب غنيمة كلب» رواه ابن ابي شيبة والطبراني في الكبير وابن عساكر.
الحديث الخمسون عن ابي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «يخرج رجل يقال له السفياني في عمق دمشق وعامة من معه من كلب فيقتل حتى يبقر بطون النساء ويقتل الصبيان فيجمع لهم قيس فيقتلها حتى لا يمنع ذنب تلعة ويخرج رجل من اهل بيتي في الجرة فيبلغ السفياني فيبعث اليه جندا من جنده فيهزمهم فيسير اليه السفياني معه جيش حتى اذا صاروا ببيداء من الارض خسف بهم فلا ينجو منهم الا المخبر عنهم» رواه الحاكم في المستدرك.

↑صفحة ٣٥٩↑

الحادي والخمسون عنه ايضا قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «يبايع رجل بين الركن والمقام ولن يستحل هذا البيت الا اهله فاذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب ثم تجيء الحبشة فيخربونه خرابا لا يعمر بعده ابدا وهم الذين يستخرجون كنزه» رواه احمد وابن ابي شيبة والحاكم.
الثاني والخمسون عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)» يخرج رجل من اهل بيتي يواطئ اسمه اسمي وخلقه خلقي فيملأها عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا» رواه الطبراني في الكبير:
الثالث والخمسون عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «يكون في آخر الزمان عند تظاهر من الفتن وانقطاع من الزمن امير اول ما يكون عطاؤه للناس ان يأتيه الرجل فيحثي له في حجره يهمه من يقبل صدقته ذلك اليوم لما يصيب الناس من الفرح» رواه ابو يعلى وابن عساكر.
الرابع والخمسون عن عبد الرحمن بن قيس بن جابر الصدفي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «يكون بعدي خلفاء وبعد الخلفاء امراء وبعد الامراء الملوك وبعد الملوك الجبابرة وبعد الجبابرة رجل من اهل بيتي يملأ الارض عدلا ومن بعده القحطان والذي بعثني بالحق ما هو دونه» رواه نعيم بن حماد في الفتن.

↑صفحة ٣٦٠↑

الخامس والخمسون عن شهر بن حوشب مرسلا قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «يكون في رمضان صوت وفي شوال همهمة وفي ذي القعدة تتحارب القبائل وفي الحجة ينتهب الحاج وفي المحرم ينادي مناد من السماء الا ان صفوة الله تعالى من خلقه فلان فاسمعوا له وأطيعوا» رواه نعيم بن حماد.
السادس والخمسون عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «ينزل بأمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم حتى تضيق الارض عنهم فيبعث الله تعالى رجلا من عترتي فيملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا يرضى عنه ساكن السماء وساكن الارض لا تدخر الارض شيئا من بذرها الا اخرجته ولا السماء شيئا من قطرها الا حبته ويعيش فيهم سبع سنين او ثمان سنين او تسع» رواه الحاكم.
السابع والخمسون عن ابي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «كلوا هذا المال ما طاب لكم فاذا غادر شيء فدعوه فان الله تعالى سيغنيكم من فضله ولن تفعلوا حتى يأتيكم الله بإمام عادل ليس من بني امية» رواه عبد الجبار الخولاني في تاريخ داريا وابن عساكر عنه مرفوعا وموقوفا ايضا.
الثامن والخمسون عن ابي ايوب الانصاري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لفاطمة «نبينا خير الانبياء وهو ابوك وشهيدنا خير الشهداء وهو عم ابيك حمزة ومنا من له جناحان يطير بهما

↑صفحة ٣٦١↑

في الجنة حيث يشاء وهو ابن عم ابيك جعفر ومنا سبطا هذه الامة الحسن والحسين ومنا المهدي» رواه الطبراني في الصغير.
التاسع والخمسون عن ابي هريرة قال بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الى عمه العباس والى علي بن ابي طالب فأتياه في منزل ام سلمة فقال فيما قال «فاذا غيرت سنتي يخرج ناصرهم من ارض يقال لها خراسان برايات سود فلا يلقاهم احد الا هزموه وغلبوا على ما في ايديهم حتى تقرب راياتهم بيت المقدس» رواه ابو الشيخ في الفتن.
الحديث الستون عن تميم الداري قال قلت يا رسول الله ما رأيت للروم مدينة مثل مدينة يقال لها انطاكية وما رأيت اكثر مطرا منها فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «نعم وذلك ان فيها التوراة وعصا موسى ورضراض الالواح ومائدة سليمان بن داود في غاراتها ما من سحابة تشرف عليها من وجه من الوجوه الا أفرغت ما فيها من البركة في ذلك الوادي ولا تذهب الايام والليالي حتى يسكنها رجل من عترتي اسمه اسمي واسم ابيه اسم ابي يشبه خلقه خلقي يملأ الدنيا قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا» رواه الخطيب وابن حبان في الضعفاء وفيه عبد الله بن السري المدايني وهو ضعيف متروك الحادي والستون عن ابي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «يكون في آخر الزمان خليفة لا يفضل عليه ابو بكر ولا عمر» رواه ابن عدي في الكامل وفيه مؤمل بن عبد الرحمن

↑صفحة ٣٦٢↑

وهو ضعيف وزكريا الوقار وهو كذاب لكن ورد بسند صحيح موقوفا على محمد بن سيرين قال ابن ابي شيبة في المصنف حدثنا ابو اسامة عن عون عن محمد بن سيرين قال يكون في هذه الامة خليفة لا يفضل عليه ابو بكر ولا عمر وله طريق آخر اخرجه نعيم بن حماد في كتاب الفتن من طريق ضمرة عن محمد بن سيرين قال السيوطي في اللآلئ وقد تكلمت عليه وعلى تأويله في كتاب المهتدي انتهى ولم نهتد لهذا المهتدي وتأويل الحديث ظاهر واضح.
الثاني والستون عن ابن عباس ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «اللهم انصر العباس وولد العباس ثلاثا يا عم اما علمت ان المهدي من ولدك موفقا رضيا ومرضيا» رواه الهيثم بن كليب وابن عساكر ورجاله ثقات.
الثالث والستون قال الدارقطني حدثنا ابو سعيد الاصطخري حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا نوفل حدثنا عبيد بن يعيش حدثنا يونس ابن بكير ثنا يحيى بن شمر عن جابر عن محمد بن علي قال ان لمهدينا آيتين لم تكونا منذ خلق السموات والارض ينكسف القمر لأول ليلة من رمضان وتنكسف الشمس في النصف منه ولم يكونا منذ خلق الله السموات والارض».
الرابع والستون عن عائشة قالت قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «المهدي رجل من عترتي يقاتل على سنتي كما قاتلت انا على الوحي» رواه نعيم بن حماد.

↑صفحة ٣٦٣↑

الخامس والستون عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «ليبعثن الله رجلا من عترتي افرق الثنايا اجلى الجبهة يملأ الارض عدلا ويفيض المال» رواه ابو نعيم في اخبار المهدي.
السادس والستون عن حذيفة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)» المهدي رجل من ولدي وجهه كالكوكب الدري اللون لون عربي والجسم اسرائيلي يملأ الارض عدلا كما ملئت جورا يرضى بخلافته اهل السماء وأهل الارض والطير في الجو يملك عشرين سنة» رواه الروياني والطبراني وابو نعيم والديلمي.
السابع والستون عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «يلتفت المهدي وقد نزل عيسى بن مريم (عليهما السلام) كأنما يقطر من شعره الماء فيقول المهدي له تقدم صلّ بالناس فيقول انما اقيمت الصلاة لك فيصلي خلف رجل من ولدى» رواه الطبراني وأخرجه ابن حبان في صحيحه بنحوه وأصله في الصحيحين بدون ذكر المهدي وعند مسلم من حديث جابر «لا تزال طائفة من امتي يقاتلون على الحق ظاهرين الى يوم القيامة قال فينزل عيسى بن مريم فيقول اميرهم تعال صل لنا فيقول لا ان بعضكم على بعض امراء تكرمة من الله لهذه الامة».
الثامن والستون عن علي (عليه السلام) قال اذا قام قائم اهل محمد صلي الله عليه وآله وسلم جمع الله له المشرق واهل المغرب

↑صفحة ٣٦٤↑

فيجتمعون كما يجتمع فزع الخريف فأما الرفقاء فمن اهل الكوفة واما الابدال فمن اهل الشام صح رواه ابن عساكر.
التاسع والستون عن علي الهلالي عن ابيه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «اذا تظاهرت الفتن وأغار بعضكم بعضا يبعث الله المهدي يفتح حصون الضلالة وقلوبا غلفا يقوم في آخر الزمان ويملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما» رواه محمد بن ابراهيم الحمو بني في فرائد السمطين.
الحديث السبعون عن مجاهد قال حدثني رجل من اصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ان المهدي لا يخرج حتى تقتل النفس الزكية فاذا قتلت النفس الزكية غضب عليهم من في السماء ومن في الارض فأتى الناس المهدي فزفوه كما تزف العروس الى زوجها ليلة عرسها وهو يملأ الارض قسطا وعدلا وتخرج الارض نباتها وتمطر السماء قطرها وتنعم امتي في ولايته نعمة لا تنعمها قط رواه ابن ابي شيبة.
الحادي والسبعون عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «يخرج المهدي وعلى رأسه ملك ينادي هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه» رواه الطبراني والكجي وابو نعيم وغيرهم وحسن اسناده.
الثاني والسبعون عن ابي امامة قال خطبنا رسول الله صلى عليه وآله وسلم ذكر الدجال فقال «فينفى من المدينة الخبث كما

↑صفحة ٣٦٥↑

ينفي الكير خبث الحديد ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص قالت ام شريك يا رسول الله فأين العرب يومئذ قال هم يومئذ قليل وجلهم ببيت المقدس وامامهم المهدي رجل صالح فبينما امامهم قد تقدم يصلي لهم الصبح اذ نزل عليه عيسى بن مريم فيرجع ذلك الامام القهقرى ليقدم عيسى فيضع عيسى (عليه السلام) يده بين كتفيه فيقول له تقدم فصل فإنها لك اقيمت فيصلي بهم امامهم رواه ابن ماجه وابن خزيمة والروياني وأبو عوانة والحاكم والضياء في المختارة وابو نعيم واللفظ له وليس عند بعضهم التصريح بذكر المهدي.
الثالث والسبعون عن حذيفة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «تكون وقعه بالزوراء قيل يا رسول الله وما الزوراء قال مدينة بالمشرق بين انهار يسكنها شرار خلق الله وجبابرة من امتي تقذف بأربعة اصناف من العذاب بالسيف وخسف وقذف ومسخ» وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «اذا خرجت السودان طلبت العرب فيكشفون حتى يلحقوا ببطن الارض او قال ببطن اردن فبينما هم كذلك اذ اخرج السفياني في ستين وثلاثمائة راكب حتى يأتي دمشق فلا يأتي عليه شهر حتى يتابعه من كلب ثلاثون ألفا فيبعث جيشه الى العراق فيقتل بالزوراء مائة ألف ويخرجون الى الكوفة فينتهبونها فعند ذلك تخرج راية من المشرق يقودها رجل من تميم يقال له شعيب بن صالح فيستنقذ ما في ايديهم من سبي اهل الكوفة ويقتلهم ويخرج جيش آخر من

↑صفحة ٣٦٦↑

جيش السفياني الى المدينة فينتهبونها ثلاثة ايام ثم يسيرون الى مكة حتى اذا كانوا بالبيداء بعث الله جبريل فيقول يا جبريل عذبهم فيضربهم برجله ضربة فيخسف الله بهم فلا يبقى منهم الا رجلان فيقدمان على السفياني ويخبرانه بخسف الجيش فلا يهوله ثم ان رجالا من قريش يهربون الى القسطنطينية فيبعث السفياني الى عظيم الروم ان يبعث بهم في المجامع فيبعث بهم اليه فيضرب اعناقهم على باب المدينة بدمشق قال حذيفة حتى انه يطاف بالمرأة في مسجد دمشق في اليوم على مجالس حتى تأتي فخذ السفياني فتجلس عليه وهو في المحراب قاعد فيقدم مسلم من المسلمين فيقول ويلكم اكفرتم بعد ايمانكم ان هذا لا يحل فيقوم فيضرب عنقه في مسجد دمشق ويقتل كل من تابعه فعند ذلك ينادي مناد من السماء ايها الناس ان الله قد قطع عنكم الجبارين والمنافقين وأشياعهم وولاكم خير امة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فالحقوا به بمكة فانه المهدي واسمه احمد بن عبد الله قال حذيفة فقام عمران بن الحصين فقال يا رسول الله كيف بنا حتى نعرفه قال «هو رجل من ولدي كأنه من رجال بني اسرائيل عليه عباتان قطونيتان كأن وجهه الكوكب في اللون في خده الايمن خال اسود ابن اربعين سنة يتخرج الابدال من الشام وأشباههم ويخرج اليه النجباء من مصر وعصائب اهل المشرق وأشباههم حتى يأتوا مكة فيبايع له بين الركن والمقام ثم يخرج متوجها الى الشام وجبريل على مقدمته وميكائيل على ساقيه

↑صفحة ٣٦٧↑

فيفرح به اهل السماء وأهل الارض والطير والوحش والحيتان في البحر وتزيد المياه في دولته وتمد الانهار وتستخرج الكنوز فيقدم الشام فيذبح السفياني تحت الشجرة التي اغصانها الى بحيرة طبرية ويقتل كلبا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «فالخائب من خاب يوم كلب ولو بعقال: قال حذيفة يا رسول الله كيف يحل قتالهم وهم موحدون فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يا حذيفة هم يومئذ على ردة يزعمون ان الخمر حلال ولا يصلون» رواه الروياني في مسنده.
الرابع والسبعون عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «لا تزال طائفة من امتي تقاتل على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم (عليه السلام) عند طلوع الفجر ببيت المقدس ينزل على المهدي فيقال تقدم يا نبي الله فصل بنا فيقول هذه الامة امراء بعضهم على بعض» رواه ابو عمر والداني في سننه.
الخامس والسبعون عن ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «ملك الارض اربعة مؤمنان وكافران فالمؤمنان ذو القرنين وسليمان والكافران نمرود وبختنصر وسيملكها خامس من أهلي بيتي» رواه ابن الجوزي.
السادس والسبعون عن ابن عمر ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «يخرج المهدي من قرية يقال لها كرعه» رواه ابو نعيم وغيره.

↑صفحة ٣٦٨↑

السابع والسبعون عن الحسين بن علي (عليهما السلام) ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لفاطمة «ابشري بالمهدي منك» رواه ابن عساكر وفيه موسى بن محمد البلقاوي عن الوليد بن محمد الموقري وهما كذابان.
الثامن والسبعون قال ابن ابي شيبة حدثنا الحسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن ابي محمد عن عاصم بن عمرو البجلي ان ابا امامة قال لينادين باسم رجل من السماء لا ينكره الدليل ولا يمنع منه الدليل.
التاسع والسبعون عن ابي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «يحبس الروم على وال من عترتي اسمه يواطئ اسمي فيقبلون بمكان يقال له العماق فيقتتلون فيقتل من المسلمين الثلث او نحو ذلك ثم يقتتلون يوما آخر فيقتل من المسلمين نحو ذلك ثم يقتتلون اليوم الثالث فيكون على الروم فلا يزالون حتى يفتحوا القسطنطينية فبينما هم يقتسمون فيها بالأترسة اذ أتاهم صارخ ان الدجال قد خلفكم في ذراريكم» رواه الخطيب في المتفق والمفترق.
الحديث الثمانون عن سعيد بن جبير قال سمعنا ابن عباس ونحن نقول اثنا عشر اميرا ثم لا امير واثنا عشر اميرا ثم هي الساعة فقال ما احمقكم ان منا اهل البيت بعد ذلك المنصور والسفاح والمهدي يدفعها الى عيسى بن مريم رواه ابن عساكر.

↑صفحة ٣٦٩↑

الثاني والثمانون عن قتادة قال كان يقال ان المهدي ابن اربعين سنة رواه ابن عساكر ايضا.
الثالث والثمانون عن علي (عليه السلام) قال لا يخرج المهدي حتى يقتل ثلث ويموت ثلث ويبقى ثلث رواه نعيم بن حماد في كتاب الفتن.
الرابع والثمانون عنه ايضا قال لا يخرج المهدي حتى يبصق بعضهم في وجه بعض رواه نعيم بن حماد ايضا.
الخامس والثمانون عنه ايضا قال تملأ الارض ظلما وجورا حتى يدخل كل بيت خوف وحزن يسألون الحق فلا يعطونه فيكون قتال لقتال ويسار بيسار حتى يحيط الله بهم في مصره ثم تملأ الارض قسطا وعدلا رواه ابن ابي شيبة.
السادس والثمانون عن ابن عباس قال اني لأرجو ان لا تذهب الايام والليالي حتى يبعث الله منا غلاما شابا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لم يلبس الفتن ولم تلبسه الفتن واني لأرجو ان يختم الله بنا هذا الامر كما فتحه بنا فقال له رجل يا ابن عباس عجزت عنها شيوخكم وترجوها لشبابكم قال ان الله يفعل ما يشاء رواه ابن عساكر.
السابع والثمانون عن علي (عليه السلام) قال اذا نادى مناد من السماء ان الحق في آل محمد فعند ذلك يظهر المهدي على افواه

↑صفحة ٣٧٠↑

الناس ويشربون حبه فلا يكون لهم ذكر غيره رواه نعيم بن حماد في الفتن وابن المنادي في الملاحم.
الثامن والثمانون عنه ايضا قال اذا خرجت خيل السفياني الى الكوفة بعث في طلب اهل خراسان ويخرج اهل خراسان في طلب المهدي فيلتقي هو والهاشمي برايات سود على مقدمته شعيب ابن صالح فيلتقي هو والسفياني بباب اصطخر فتكون بينهم ملحمة عظيمة فتظهر الرايات السود وتهرب خيل السفياني فعند ذلك يتمنى الناس المهدي ويطلبونه رواه نعيم بن حماد.
التاسع والثمانون عنه ايضا قال يبعث جيش الى المدينة فيأخذوا من قدروا عليه من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ويقتل من بني هاشم رجالا ونساء فعند ذلك يهرب المهدي والمبيض من المدينة الى مكة فيبعث في طلبهما وقد لحقا بحرم الله وأمنه رواه نعيم بن حماد.
الحديث التسعون عنه ايضا قال اذا بعث السفياني الى المهدي جيشا فخسف بهم بالبيداء وبلغ ذلك اهل الشام قال طليعتهم قد خرج المهدي فبايعه وادخل في طاعته والا قتلناك فيرسل اليه البيعة ويسير المهدي حتى ينزل بيت المقدس وتنقل اليه الخزائن وتدخل العرب والعجم وأهل الحرب والروم وغيرهم في طاعته من غير قتال حتى تبنى المساجد بالقسطنطنية وما دونها ويخرج قبله رجل من اهل بيته بالمشرق ويحمل السيف على عاتقه ثمانية اشهر يقتل

↑صفحة ٣٧١↑

ويمثل ويتوجه الى بيت المقدس فلا يبلغه حتى يموت رواه نعيم بن حماد الحادي والتسعون عنه ايضا قال المهدي مولده بالمدينة من اهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واسمه اسم نبي ومهاجره بيت المقدس كث اللحية اكحل العينين براق الثنايا في وجهه خال في كتفه علامة النبي يخرج براية النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا تنشر حتى يخرج المهدي يمده الله بثلاثة آلاف من الملائكة يضربون وجوه من خالفهم وأدبارهم يبعث وهو ما بين الثلاثين الى الاربعين.
الثاني والتسعون عنه ايضا قال اذا خرجت الرايات السود الى السفياني التي فيها شعيب بن صالح تمنى الناس المهدي فيطلبونه فيخرج من مكة ومعه راية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويصلي ركعتين بعد ان ييأس الناس من خروجه لما طال عليهم من البلاء فاذا فرغ من صلاته انصرف فقال ايها الناس الح البلاء بأمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وبأهل بيته خاصة قهرناه وبغى علينا رواه ابو نعيم في اخبار المهدي.
الثالث والتسعون عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه ودع البيت وقال والله ما ادري ادع خزائن البيت وما فيه من السلاح والمال أم اقسمه في سبيل الله فقال له علي بن ابي طالب امض يا امير المؤمنين فلست بصاحبه انما صاحبه منا شاب من قريش يقسمه في سبيل الله في آخر الزمان رواه نعيم بن حماد.
الرابع والتسعون عن علي (عليه السلام) قال ويحا للطالقان فانه ليس فيها

↑صفحة ٣٧٢↑

لله كنوز البيت من ذهب ولا فضة ولكن بها رجال عرفوا الله حق معرفته وهم انصار المهدي آخر الزمان رواه ابو غنم الكوفي في كتاب الفتن.
الخامس والتسعون عنه ايضا قال يلي المهدي امر الناس ثلاثين سنة او اربعين سنة رواه نعيم بن حماد.
السادس والتسعون عنه ايضا قال ليخرجن رجل من ولدي عند اقتراب الساعة حين تموت قلوب المؤمنين كما تموت الابدان لما لحقهم من الضر والشدة والجوع والقتل وتواتر الفتن والملاحم العظام واماتة السنن واحياء البدع وترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيحيي الله بالمهدي محمد بن عبد الله السنن التي قد اميتت ويسير بعدله وبركته قلوب المؤمنين وتتألف اليه عصب من العجم وقبائل من العرب فيبقى على ذلك سنين ليست بالكثيرة ثم يموت رواه ابن المنادي في الملاحم.
السابع والتسعون عن ابن مسعود قال لا يأتي عليكم عام الا وهو شر من الذي قبله أما اني لست اعني عاما قال الحافظ يشير الى تخصيص هذا الخبر بأحاديث المهدي رواه الدارمي بإسناد حسن.
الثامن والتسعون عن ابي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «يخرج في آخر الزمان خليفة يعطي الحق بغير عدد» رواه ابن ابي شيبة.
التاسع والتسعون عنه ايضا قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

↑صفحة ٣٧٣↑

«يخرج رجل من اهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن يكون عطاؤه حثيا» رواه ابن ابي شيبة.
الحديث الموفي ماية عن ابي الجلد قال تكون فتنة بعدها فتنة الا وفي الآخرة كثمرة السوط يتبعها ذباب السيف ثم يكون بعد ذلك فتنة تستحل فيها المحارم كلها ثم تأتي الخلافة خير اهل الارض وهو قاعد في بيته وهبها رواه ابن ابي شيبة ايضا.
ولنقتصر على هذا القدر من الوارد في المهدي فانه لا محالة مبطل لدعوى الطاعن من استقصائه اخباره وتتبعه آثاره والا فالأخبار في الباب كثيرة جدا ولو جمع منها الوارد عن خصوص ائمة اهل البيت لكان مجلدا حافلا وانما تركناه خوفا من التطويل المفضي الى الملل مع حصول المقصود بالقدر المذكور والله الموفق لا إله غيره.
(فصل) وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد الا القليل او الاقل منه
ثم قال وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد الا القليل او الاقل منه انتهى
قلت وقد عرفت استنقاذنا لها بالحق من نقده بالباطل وان نقده لم يبق موجها الا في القليل او الاقل منه عكس ما قال وعلى فرض تسليم دعواه وانه لم يسلم منها الا القليل او الاقل منه فما الشبهة عنده في دفع ذلك القليل وما الاعتذار عن عدم قبول ذلك الاقل الذي اعترف بصحته وأقر بخلاصه من النقد وسلامته أيرى فيما يذهب إليه انه لا يعمل بمقتضي وارد الا اذا اشتهر أو

↑صفحة ٣٧٤↑

تواتر كلا انه لا يرى هذا ولا رآه احد قبله ولا بعده وانما هو عناد ظاهر واختفاء عن الحق واضح وتكبر عن الاذعان لما لم يوافق الهوى والمزاج فكم رأيناه يحتج بأحاديث افراد ليس لها الا مخرج واحد وفي ذلك المخرج ايضا مقال نعم تلك لا ضرر فيها على الناصبية وهذه الأحاديث المتواترة غير موافقة اصول مذهب النواصب والخوارج فلذلك انتقد منها ما وجد له سبيلا ولو في غير محله ورأى ان ما صح منها ولم يبلغ حد التواتر على شرطه لا يعمل به في مثل هذا الباب وان تواتر على طريقة الجمهور هذا ظاهر كلامه بل صريح صنيعه افتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون الى اشد العذاب الكبر بطر الحق وغمط الناس ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر.
(فصل) في حديث (لا مهدي الا عيسى بن مريم)
ثم قال الطاعن وربما تمسك المنكرون لشأنه بما رواه محمد بن خالد الجندي عن ابان بن صالح عن الحسن البصري عن انس بن مالك عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال «لا مهدي الا عيسى بن مريم» وقال يحيى بن معين في محمد بن خالد الجندي انه ثقة وقال البيهقي تفرد به محمد بن خالد وقال الحاكم فيه انه رجل مجهول واختلف عليه في اسناده فمرة يروي كما تقدم وينسب ذلك

↑صفحة ٣٧٥↑

لمحمد بن ادريس الشافعي ومرة يروي عن ابان بن ابي عياش عن الحسن عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مرسلا قال البيهقي فرجع الى رواية محمد بن خالد وهو مجهول عن ابان بن ابي عياش وهو متروك عن الحسن عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو منقطع وبالجملة فالحديث ضعيف مضطرب الى هنا كلام الطاعن.
وأقول ان هذا الحديث ليس بضعيف كما يقول الطاعن وان اقتصر على ذلك غيره بل هو باطل موضوع مختلق مصنوع لا اصل له من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا من كلام انس ولا من كلام الحسن البصري وبيان ذلك وايضاحه من وجوه:
الوجه الاول الحديث اخرجه ابن منده في فوائده والقضاعي في مسند الشهاب كلاهما من طريق ابي علي الحسن بن يوسف الطرائفي وأبي الطاهر احمد بن محمد بن عمرو المديني وأخرجه ابو يوسف الميانجي من طريق ابن خزيمة وابن ابي حاتم وزكريا الساجي وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق عيسى ب